بَاب الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ
بَاب الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ 1121 - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي رِشْدِينَ وَهُوَ كُرَيْبٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَهَا ، فَرَأَيْتُهُ قَامَ لِحَاجَتِهِ فَأَتَى الْقِرْبَةَ ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ ، فَنَامَ ، ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا هُوَ الْوُضُوءُ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا ، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا ، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا ، وَاجْعَلْ أَمَامِي نُورًا ، وَاجْعَلْ خَلْفِي نُورًا ، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ، فَأَتَاهُ بِلَالٌ ، فَأَيْقَظَهُ لِلصَّلَاةِ . 1121 - ( شِنَاقَهَا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ : الْخَيْطُ وَالسَّيْرُ الَّذِي تُعَلَّقُ بِهِ الْقِرْبَةُ ، وَالْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُهَا ( ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ ) يَعْنِي لَمْ يُسْرِفْ وَلَمْ يَقْتُرْ ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : اعْلَمْ أَنَّ النُّورَ عِبَارَةٌ عَنْ أَجْسَامٍ قَامَ بِهَا عَرَضٌ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا هُنَا ، لَكِنَّهُ يُعَبَّرُ بِالنُّورِ عَنِ الْمَعَارِفِ ، وَبِالظُّلُمَاتِ عَنِ الْجَهْلِ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَارِفَ وَالْإِيمَانَ تَنْبَسِطُ لَهَا النُّفُوسُ ، وَيَذْهَبُ الْغَمُّ عَنْهَا بِهَا ، وَيُبَشَّرُ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْمَعَاطِبِ تَشْبِيهًا كَمَا يَتَّفِقُ لَهَا ذَلِكَ فِي النُّورِ الْحَقِيقِيِّ ، وَتَغْتَمُّ بِالْجَهَالَاتِ وَتَنْقَبِضُ وَتَخَافُ الْهَلَاكَ تَشْبِيهًا كَمَا يَتَّفِقُ لَهَا ذَلِكَ فِي الظُّلُمَاتِ ، فَلَمَّا تَشَابَهَا عَبَّرَ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يَصِحُّ جَوَابًا عَنِ الْقَلْبِ ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ مَا ذُكِرَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَعَارِفَ مُخْتَصَّةٌ بِالْقَلْبِ ، إِلَّا أَنَّ مَا عَدَاهُ مِمَّا ذُكِرَ تَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكَالِيفُ ، أَمَّا الْعَصَبُ وَالشَّعْرُ وَالدَّمُ فَمِنْ جِهَةِ الْغِذَاءِ ، وَأَمَّا اللِّسَانُ فَمِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ ، وَالْبَصَرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، وَكَذَلِكَ يُنْظَرُ فِي سَائِرِهَا ، وَيُثْبَتُ لَهُ مِنَ التَّكَالِيفِ مَا يُنَاسِبُهُ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَا يُوقِعُ شَيْئًا مِنَ الْقُرَبِ ، وَإِذَا كَانَتْ مُسَبَّبَةً عَنِ الْإِيمَانِ وَالْمَعَارِفِ الَّذِي هُوَ النُّورُ الْمَجَازِيُّ فَسَمَّاهَا نُورًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ ، فَالْمُرَادُ بِالنُّورِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ غَيْرُ النُّورِ الَّذِي فِي غَيْرِهِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذِهِ الْأَنْوَارُ الَّتِي دَعَا بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهَا ، فَيَكُونُ مَعْنَى سُؤَالِهِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ فِي تِلْكَ الظُّلَمِ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : سَأَلَ النُّورَ فِي أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِّ وَضِيَاؤُهُ وَالْهِدَايَةُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلَ النُّورَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِسْمِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ وَحَالَاتِهِ وَجُمْلَتِهِ فِي جِهَاتِهِ السِّتِّ حَتَّى لَا يَزِيغَ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْهُ .