حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي

بَاب كَيْفَ الْخُطْبَةُ

كَيْفَ الْخُطْبَةُ ؟ 1578 - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ . ثُمَّ يَقُولُ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ . وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ، وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ .

( وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ) ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ فِيهِمَا ، وَبِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا ، وَهُمَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْهُدَى بِالضَّمِّ الدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ ، وَالْهَدْيُ بِالْفَتْحِ الطَّرِيقُ ؛ يُقَالُ : فُلَانٌ حَسَنُ الْهَدْيِ أَيِ الْمَذْهَبِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا أَوِ السِّيرَةِ . ( وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ) ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَعْنِي الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ يَشْهَدُ لَهَا بِالصِّحَّةِ ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْبِدَعِ . ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ الْبِدَعِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْبِدْعَةُ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ .

قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ ؛ وَاجِبَةٌ ، وَمَنْدُوبَةٌ ، وَمُحَرَّمَةٌ ، وَمَكْرُوهَةٌ ، وَمُبَاحَةٌ ، فَمِنَ الْوَاجِبَةِ نَظْمُ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَةِ الْمُبْتَدِعِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَمِنَ الْمَنْدُوبَةِ تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ وَبِنَاءُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَمِنَ الْمُبَاحَةِ التَّبَسُّطُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ظَاهِرَانِ ، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ فِي التَّرَاوِيحِ : نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ عَامًّا مَخْصُوصًا قَوْلُهُ كُلُّ بِدْعَةٍ بِكُلٍّ ، بَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : رُوِيَ بِرَفْعِهَا عَلَى الْعَطْفِ , وَبِنَصْبِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ لِمُقَارَنَتِهِمَا وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أُصْبُعٌ أُخْرَى , كَمَا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَيْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ السَّاعَةِ , وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَقْرِيبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ وَأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا كَنِسْبَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا . ( وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ) ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَوْلُهُ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ , وأن النبي صلى الله عليه وسلم تَكَفَّلَ بِدُيُونِ أُمَّتِهِ وَالْقِيَامِ بِمَنْ تَرَكُوهُ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : هَذَا عِنْدَهُ . وَقِيلَ : لَيْسَ بِمَعْنَى الْحَمَالَةِ ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الْوَعْدِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْجِزُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ وَكُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ , فَيَقْضِي مِنْهَا دُيُونَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَصْحَابُنَا : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّفْ لَهُ وَفَاءً لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَيُهْمِلُوا الْوَفَاءَ , فَزَجَرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَبَادِيَ الْفُتُوحِ قَالَ : مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ أَوْ كَانَ يَقْضِيهِ تَكَرُّمًا ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ مِنَ الْخَصَائِصِ ؟ فَقِيلَ : نَعَمْ , وَقِيلَ : لَا , بَلْ يَلْزَمُ الْإِمَامُ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ , وَالضَّيَاعُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْأَطْفَالُ وَالْعِيَالُ , وَأَصْلُهُ مَصْدَرُ ضَاعَ يَضِيعُ ، فَسَمَّى الْعِيَالَ بِالْمَصْدَرِ , كَمَا يُقَالُ : مَاتَ وَتَرَكَ فَقْرًا أَيْ فُقَرَاءَ , وَإِنْ كُسِرَتِ الضَّادُ كَانَ جَمْعُ ضَائِعٍ كَجَائِعٍ وَجِيَاعٍ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث