حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي

بَاب ذِكْرِ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْقِيَامُ

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَحْوَلِ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ - عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ حَقٌّ ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ ، لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ . ثُمَّ ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً مَعْنَاهَا : وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . ( أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ؛ أَيْ مُنَوِّرُهُمَا وَبِكَ يَهْتَدِي مَنْ فِيهِمَا , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ الْمُنَزَّهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، يُقَالُ : فُلَانٌ مُنَوِّرٌ ؛ أَيْ مُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ .

وَيُقالُ : هُوَ اسْمُ مَدْحٍ ، تَقُولُ : فُلَانٌ نُورُ الْبَلَدِ ؛ أَيْ مُزَيِّنُهُ . ( أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ ) ، قَالَ قَتَادَةُ : الْقَيَّامُ الْقَائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ الْمُقِيمُ لِغَيْرِهِ . ( أَنْتَ حَقٌّ ) هُوَ الْمُتَحَقِّقُ الْوُجُودِ الثَّابِتُ بِلَا شَكَّ فِيهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْوَصْفُ لَهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِيقَةِ خَاصٌّ بِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ , إِذْ وُجُودُهُ لِذَاتِهِ فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَلَا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .

( وَوَعْدُكَ حَقٌّ ) ؛ أَيْ ثَابِتٌ . ( وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ) ؛ أَيْ يَوْمُ الْقِيَامَةِ . ( وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَعْظِيمًا لَهُ .

( لَكَ أَسْلَمْتُ ) ؛ أَيْ انْقَدْتُ وَخَضَعْتُ . ( وَبِكَ آمَنْتُ ) ؛ أَيْ صَدَّقْتُ . ( وَبِكَ خَاصَمْتُ ) ؛ أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبُرْهَانِ وَبِمَا لَقَّنْتَنِي مِنَ الْحُجَّةِ .

( وَإليْكَ حَاكَمْتُ ) ؛ أَيْ كُلُّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ . ( اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ) ؛ أَيْ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ ، ( وَمَا أَخَّرْتُ ) عَنْهُ ، ( وَمَا أَسْرَرْتُ , وَمَا أَعْلَنْتُ ) ؛ أَيْ أَخْفَيْتُ وَأَظْهَرْتُ , أَوْ مَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي وَمَا تَحَرَّكَ بِهِ لِسَانِي . ( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَدِّمُ فِي الْبَعْثِ فِي الْآخِرَةِ وَالْمُؤَخِّرُ فِي الْبَعْثِ فِي الدُّنْيَا .

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ : مَعْنَاهُ الْمُنْزِلُ لِلْأَشْيَاءِ مَنَازِلَهَا يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ , وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ , وَجَعَلَ عِبَادَهُ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ , وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ , إِذْ كُلُّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى مُتَقَدِّمٍ فَهُوَ قَبْلَهُ , وَكُلُّ مُؤَخَّرٍ عَلَى مُتَأَخِّرٍ فَهُوَ بَعْدَهُ ، وَيَكُونُ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ بِمَعْنَى الْهَادِي وَالْمُضِلِّ ، قَدَّمَ مَنْ شَاءَ لِطَاعَتِهِ لِكَرَامَتِهِ , وَأَخَّرَ مَنْ شَاءَ بِقَضَائِهِ لِشَقَاوَتِهِ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيَامِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْجَوَاهِرِ وَقِوَامَهَا مِنْهُ ، وَبِالنُّورِ إِلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ أَيْضًا مِنْهُ ، وَبِالْمُلْكِ إِلَى أَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَيْهَا إِيجَادًا وَإِعْدَامًا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ , وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ , فَلِهَذَا قَرَنَ كُلًّا مِنْهَا بِالْحَمْدِ وَخَصَّصَ الْحَمْدَ بِهِ , ثُمَّ قَوْلُهُ أَنْتَ الْحَقُّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمُبْدِئُ لِلْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَنَحْوِهِ إِلَى الْمَعَاشِ وَالسَّاعَةِ وَنَحْوِهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعَادِ , وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى النُّبُوَّةِ وَإلى الْجَزَاءِ ثَوَابًا وَعِقَابًا وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْخُضُوعِ لَهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث