بَاب كَيْفَ التَّلْبِيَةُ
كَيْفَ التَّلْبِيَةُ 2747 أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَاهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ يَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ . وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ . 2747 ( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا قَامَ بِهِ ، فَالْمُلَبِّي يُخْبِرُ عَنْ إِقَامَتِهِ وَمُلَازَمَتِهِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَثَنَّى هَذَا الْمَصْدَرَ لِتَدُلَّ التَّثْنِيَةُ عَلَى الْكَثْرَةِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : تَلْبِيَةً بَعْدَ تَلْبِيَةٍ أَبَدًا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ الْمُرَادُ : كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ أبَدًا مَا اسْتَطَعْتَ ، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى فِي التَّلْبِيَةِ الْإِخْبَارَ بِالْمُلَازَمَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ فَهَلِ الْمُرَادُ كُلُّ عِبَادَةِ اللَّهِ أَيَّ عِبَادَةٍ كَانَتْ أَوِ الْعِبَادَةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا مِنَ الْحَجِّ ؟ الْأَحْسَنُ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَقْصُودِ ، قَالَ : ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْمُلَازَمَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ لَا يَصِحُّ فِي الْعِبَادَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْوَعْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلَاتِ ، قَالَ : وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا رُجْحَانُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِ شَرَعَ التَّلْبِيَةَ إِلَى آخِرِ الْمَنَاسِكِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الرَّمْيِ أَوْ غَيْرِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْوَعْدِ بِالْمُلَازَمَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، وَغَيْرُ مَالِكٍ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ قَطَعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ قال : وَقَوْلُهُ ( لَا شَرِيكَ لَكَ ) تَقْدِيرُهُ لَا شَرِيكَ لَكَ فِي الْمُلْكِ ( إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَيُفْتَحُ عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ , وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْكَسْرُ أَجْوَدُ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَجَبْتُكَ بِهَذَا السَّبَبِ . وَالْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ : وَالنِّعْمَةَ النَّصْبُ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ، وَالتَّقْدِيرُ : أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ النِّعْمَةَ وَالشُّكْرَ عَلَى النِّعْمَةِ كَلَيْهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَالْمُلْكَ ) يَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلِّقُ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا نِعْمَتَ إِلَّا لَكَ ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمُلْكِ . ( إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ .