كِتَاب الْخَيْلِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سَتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ فِي الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سَتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَمِيرِ فَقَالَ : لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾3563 ( فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ أَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ ( فِي مَرْجٍ ) هِيَ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ ذَاتُ نَبَاتٍ كَثِيرٍ يَمْرَجُ فِيهِ الدَّوَابُّ ، أَيْ تُخَلَّى وَتَسْرَحُ مُخْتَلِطَةً كَيْفَ تَشَاءُ ( فِي طِيلِهَا ) بِالْكَسْرِ : هُوَ الْحَبْلُ الطَّوِيلُ يُشَدُّ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي وَتَدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ الْفَرَسِ لِيَدُورَ فِيهِ وَيَرْعَى وَلَا يَذْهَبَ لِوَجْهِهِ ، وَيُقَالُ : لَهُ الطِّوَلُ بِالْكَسْرِ أَيْضًا ، وَأَطْالَ وَطَوَّلَ بِمَعْنًى أَيْ شَدَّهَا فِي الْحَبْلِ ( فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ) أَيْ جَرَتْ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الِاسْتِنَانُ أَنْ يَحْضُرَ الْفَرَسُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فَارِسٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْتَنَّ فِي طَوِيلِهِ أَيْ مَرَجَ فِيهِ مِنَ النَّشَاطِ ، وَقَالَ ثَابِتٌ : الِاسْتِنَانُ أَنْ تَلِجَ فِي عُودِهَا ذَاهِبَةً وَرَاجِعَةً وَقِيلَ : هُوَ الْجَرْيُ إِلَى فَوْقُ ، وَالشَّرَفُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ : هُوَ الْعَالِي مِنَ الْأَرْضِ وَقِيلَ : الْمُرَادُ هُنَا طَلْقًا أَوْ طَلْقَيْنِ ( وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَمَعَ الْقَصْدِ أَوْلَى بِإِضْعَافِ الْحَسَنَاتِ ( وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ) أَيِ اسْتِغْنَاءً بِهَا عَنِ الطَّلَبِ مِنَ النَّاسِ ( وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ : اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُجَاهِدُ بِهَا ، وَقَدْ يَجِبُ الْجِهَادُ بِهَا إِذَا تَعَيَّنَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِظُهُورِهَا إِطْرَاقُ فَحْلِهَا إِذَا طُلِبَتْ عَارِيَّتُهُ ، وَهَذَا عَلَى النَّدْبِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِحَقِّ اللَّهِ مِمَّا يَكْسِبُهُ مِنَ الْعَدُوِّ عَلَى ظُهُورِهَا وَهُوَ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ ، وَنِوَاءً بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ : أَيْ مُعَادَاةً وَمُنَاوَاةً ( إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ) أَيِ الْعَامَّةُ الْمُتَنَاوِلَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ ( الْفَاذَّةُ ) أَيِ الْمُنْفَرِدَةُ فِي مَعْنَاهَا الْقَلِيلَةُ النَّظِيرِ .