باب الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ
الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ 5401 أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ . ( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) الْحَدِيثَ قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ ، إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ ، فَيَحْكُمُ بِالْبَيِّنَةِ وَبِالْيَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ كَوْنِهِ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَفِي حَدِيثِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ : لَوْلَا الْأَيمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ، فَحَكَمَ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ ، لَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ ، أَجْرَى أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ ؛ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ بِالِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ . قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ يُخَالِفُ مَا فِي الْبَاطِنِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ بِاجْتِهَادِهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ؟ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ : إِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ ، فَهَذَا إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً ، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا ، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمَنْ سَاعَدَهُمَا ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا عَيْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ : قَوْلُهُ : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً لَا يُسْتَدْعَى وُجُودُهَا ، بَلْ مَعْنَاهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ . قَالَ : وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا قَطُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِحُكْمٍ ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَا بِسَبَبِ تَبَيُّنِ حُجَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا ، وَقَدْ صَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَحْكَامَ نَبِيِّهِ عَنْ ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ .