المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي
عدد الأحاديث: 879
وَإِنَّمَا اعْتَمَدْتُ عَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ خَاصَّةً ; لِمَوْضِعِهِ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدِنَا مِنَ الثِّقَةِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ ، وَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِرِوَايَتِهِ ، وِرَاثَةً عَنْ شُيُوخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَسْقُطَ مِنْ رِوَايَتِهِ حَدِيثٌ مِنْ أُمَّهَاتِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ أَوْ نَحْوِهَا ، فَأَذْكُرُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَكُلُّ قَوْمٍ يَنْبَغِي لَهُمُ امْتِثَالُ طَرِيقِ سَلَفِهِمْ فِيمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْرِ ، وَسُلُوكِ مِنْهَاجِهِمْ فِيمَا احْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مُبَاحًا مَرْغُوبًا فِيهِ . وَالرِّوَايَاتُ فِي مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ مُتَقَارِبَةٌ فِي النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ رِوَايَتِهِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْإِرْسَالِ وَالْقَطْعِ وَالِاتِّصَالِ ; فَأَرْجُو أَنْ تَرَى مَا يَكْفِي وَيَشْفِي فِي كِتَابِنَا هَذَا ، مِمَّا لَا يُخْرِجُنَا عَنْ شَرْطِنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِارْتِبَاطِهِ بِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . فَأَمَّا رِوَايَتُنَا لِلْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَحَدَّثَنَا بِهَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ لَفْظًا مِنْهُ قِرَاءَةً عَلَيَّ مِنْ كِتَابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . وَحَدَّثَنَا بِهِ أَيْضًا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ، وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . وَحَدَّثَنَا بِهِ أَيْضًا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . وَحَدَّثَنِي بِهِ أَيْضًا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَالِكٍ . وَبَيْنَ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَرِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ حُرُوفٌ قَدْ قَيَّدْتُهَا فِي كِتَابِي . وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ حُسْنَ الْعَوْنِ عَلَى مَا يُرْضِيهِ ، وَيُقَرِّبُ مِنْهُ ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، فِيمَا عَلِمْتُ ، عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ ، وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ إِذَا ثَبَتَ ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَثَرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، عَلَى هَذَا جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا إِلَّا الْخَوَارِجَ ، وَطَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، شِرْذِمَةٌ لَا تُعَدُّ خِلَافًا . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ الْوَاحِدِ السَّائِلِ الْمُسْتَفْتِي لِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ الْعَالِمُ الْوَاحِدُ إِذَا اسْتَفْتَاهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِثْلُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي رَدِّهِمْ أَخْبَارَ الْآحَادِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَمَاعَةِ ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذَلِكَ كِتَابًا مُوعِبًا كَافِيًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلِأَئِمَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَذَاهِبُ مُتَقَارِبَةٌ ، بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ قَبُولِهِ ، وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْقَطْعِ عَلَى مَغِيبِهِ ، فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِيجَابُ الْعَمَلِ بِمُسْنَدِهِ وَمُرْسَلِهِ مَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ الْعَمَلُ الظَّاهِرُ بِبَلَدِهِ ، وَلَا يُبَالِي فِي ذَلِكَ مَنْ خَالَفَهُ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ ، أَلَا تَرَى إِلَى إِيجَابِهِ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ التَّغْلِيسِ ، وَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، وَحَدِيثِ أَبِي الْقُعَيْسِ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؟ وَكَذَلِكَ الْمُرْسَلُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، أَلَا تَرَاهُ يُرْسِلُ حَدِيثَ الشُّفْعَةِ وَيَعْمَلُ بِهِ ؟ وَيُرْسِلُ حَدِيثَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَيُوجِبُ الْقَوْلَ بِهِ ؟ وَيُرْسِلُ حَدِيثَ نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي جِنَايَاتِ الْمَوَاشِي ، وَيَرَى الْعَمَلَ بِهِ ؟ وَلَا يَرَى الْعَمَلَ بِحَدِيثِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَلَا بِنَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَلَمْ يُدْرَ مَا حَقِيقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ ; لِمَا اعْتَرَضَهُمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَمَلِ . وَلِتَلْخِيصِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ أَوْلَى مِنَ الْمُسْنَدَاتِ ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ مَنْ أَسْنَدَ لَكَ فَقَدْ أَحَالَكَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ سَمَّاهُ لَكَ ، وَمَنْ أَرْسَلَ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَثِقَتِهِ ; فَقَدْ قَطَعَ لَكَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَكَفَاكَ النَّظَرَ . وَقَالَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : لَسْنَا نَقُولُ : إِنَّ الْمُرْسَلَ أَوْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ ، وَلَكِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ السَّلَفَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَرْسَلُوا وَوَصَلُوا وَأَسْنَدُوا ; فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ كُلُّ مَنْ أَسْنَدَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الْإِرْسَالِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ دِينًا وَحَقًّا مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَا التَّابِعِينَ إِذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا ، وَقَالَ عُمَرُ كَذَا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَمَلًا ، وَلَا يُعَدُّ عِلْمًا عِنْدَهُمْ ; لَمَا قَنِعَ بِهِ الْعَالِمُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا رَضِيَ بِهِ مِنْهُ السَّائِلُ . وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَبُو الْفَرَجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ . وَزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ بِأَسْرِهِمْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُمْ إِنْكَارُهُ ، وَلَا عَنْ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إِلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ ، كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوَّلُ مَنْ أَبَى مِنْ قَبُولِ الْمُرْسَلِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِنَا : لَسْنَا نَقُولُ : إِنَّ الْمُسْنَدَ الَّذِي اتَّفَقَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ ، عَلَى قَبُولِهِ ، وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَاسْتِعْمَالِهِ ، كَالْمُرْسَلِ الَّذِي اخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بِهِ وَقَبُولِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ ، بَلْ نَقُولُ : إِنَّ لِلْمُسْنَدِ مَزِيَّةَ فَضْلٍ لِمَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ ، وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى كَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ يَجِبُ أَيْضًا الْعَمَلُ بِهِ ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِ بِالشُّهُودِ يَكُونُ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ حَالًا مِنْ بَعْضٍ وَأَقْعَدَ ، وَأَتَمَّ مَعْرِفَةٍ ، وَأَكْثَرَ عَدَدًا ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ عَدْلَيْنِ جَائِزَيِ الشَّهَادَةِ ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يُوجِبُ الْعَمَلَ ، وَلَا يَقْطَعُ الْعُذْرَ . وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُوَازَبَنْدَاذَ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ; فَإِنَّهُمْ يَقْبَلُونَ الْمُرْسَلَ ، وَلَا يَرُدُّونَهُ إِلَّا بِمَا يَرُدُّونَ بِهِ الْمُسْنَدَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالِاعْتِلَالِ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ فِيمَا عَلِمْتُ : الِانْقِطَاعُ فِي الْأَثَرِ عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَسَوَاءٌ عَارَضَهُ خَبَرٌ مُتَّصِلٌ أَمْ لَا ، وَقَالُوا : إِذَا اتَّصَلَ خَبَرٌ ، وَعَارَضَهُ خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ ; لَمْ يُعَرَّجْ عَلَى الْمُنْقَطِعِ مَعَ الْمُتَّصِلِ ، وَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَى الْمُتَّصِلِ دُونَهُ .
وَحُجَّتُهُمْ فِي رَدِّ الْمَرَاسِيلِ : مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ ; فَإِذَا حَكَى التَّابِعِيُّ عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْوَاسِطَةِ ، إِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ التَّابِعِينَ ، أَوْ كَثِيرًا مِنْهُمْ رَوَوْا عَنِ الضَّعِيفِ ، وَغَيْرِ الضَّعِيفِ ; فَهَذِهِ النُّكْتَةُ عِنْدَهُمْ فِي رَدِّ الْمُرْسَلِ ; لِأَنَّ مُرْسِلَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِمَّنْ يَجُوزُ قَبُولُ نَقْلِهِ ، وَمِمَّنْ لَا يَجُوزُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ النَّاقِلِ ; فَبَطُلَ لِذَلِكَ الْخَبَرُ الْمُرْسَلُ لِلْجَهْلِ بِالْوَاسِطَةِ . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ ; لَجَازَ قَبُولُ خَبَرِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمِثْلِهِمْ ، إِذَا ذَكَرُوا خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِيهِمْ ; لَجَازَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى عَصْرِنَا ، وَبَطُلَ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْخَبَرِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ : أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا الِاتِّصَالُ وَالْمُشَاهَدَةُ ; فَكَذَلِكَ الْخَبَرُ يَحْتَاجُ مِنَ الِاتِّصَالِ ، وَالْمُشَاهَدَةِ إِلَى مِثْلِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّهَادَةُ ; إِذْ هُوَ بَابٌ فِي إِيجَابِ الْحُكْمِ وَاحِدٌ . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَأَمَّا أَصْحَابُنَا ; فَكُلُّهُمْ مَذْهَبُهُ فِي الْأَصْلِ اسْتِعْمَالُ الْمُرْسَلِ مَعَ الْمُسْنَدِ ، كَمَا يُوجِبُ الْجَمِيعُ اسْتِعْمَالَ الْمُسْنَدِ ، وَلَا يَرُدُّونَ بِالْمُسْنَدِ الْمُرْسَلَ ، كَمَا لَا يَرُدُّونَ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ ، مَا وَجَدُوا إِلَى اسْتِعْمَالِهِمَا سَبِيلًا ، وَمَا رَدُّوا بِهِ الْمُرْسَلَ مِنْ حُجَّةٍ بِتَأْوِيلٍ ، أَوْ عَمَلٍ مُسْتَفِيضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِهِمْ ; فَهُمْ يَرُدُّونَ بِهِ الْمُسْنَدَ سَوَاءً ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصْلُ الْمَذْهَبِ ، ثُمَّ إِنِّي تَأَمَّلْتُ كُتُبَ الْمُنَاظِرِينَ وَالْمُخْتَلِفِينَ ; مِنَ الْمُتَفَقِّهِينَ ، وَأَصْحَابِ الْأَثَرِ ، مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ; فَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْنَعُ مِنْ خَصْمِهِ إِذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِمُرْسَلٍ ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَبَرًا مَقْطُوعًا ، وَكُلُّهُمْ عِنْدَ تَحْصِيلِ الْمُنَاظَرَةِ يُطَالِبُ خَصْمَهُ بِالِاتِّصَالِ فِي الْأَخْبَارِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّنَازُعَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مَنْ يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ ; فَإِنِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقْبَلُهُ عَلَى مَنْ لَا يَقْبَلُهُ ; قَالَ لَهُ : هَاتِ حُجَّةً غَيْرَهُ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي أَصْلِ هَذَا ، وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُهُ ، وَإِنِ احْتَجَّ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ عَلَى مَنْ يَقْبَلُهُ كَانَ مِنْ حُجَّتِهِ : كَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَيَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَكَ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَلَمْ نُشَاهِدْ نَحْنُ مُنَاظَرَةً بَيْنَ مَالِكِيٍّ يَقْبَلُهُ ، وَبَيْنَ حَنَفِيٍّ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَهُ ، وَيَلْزَمُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِمَا فِي ذَلِكَ قَبُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، الْمُرْسَلُ إِذَا أَرْسَلَهُ ثِقَةٌ عَدْلٌ رِضًا ، مَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ مِنَ الْأُصُولِ مَا يَدْفَعُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ ؛ هَلْ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا ، أَمْ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ ؟ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ ، وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا شَهِدَ بِهِ عَلَى اللَّهِ ، وَقَطَعَ الْعُذْرُ بِمَجِيئِهِ قَطْعًا ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ . وَقَالَ قَوْمٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ : إِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ ، وَالْعَمَلَ جَمِيعًا ، مِنْهُمُ الْحُسَيْنُ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ خُوَازَبَنْدَاذَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي نَقُولُ بِهِ : إِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَالْأَرْبَعَةِ سَوَاءٌ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، وَكُلُّهُمْ يَدِينُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ ، وَيُعَادِي وَيُوَالِي عَلَيْهَا ، وَيَجْعَلُهَا شَرْعًا وَدِينًا فِي مُعْتَقَدِهِ ، عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَلَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَلَمَّا أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ ، وَاتَّفَقَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ; رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِي كِتَابِي هَذَا كُلَّ مَا تَضَمَّنَهُ مُوَطَّأُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدَهُ ، وَمَقْطُوعَهُ ، وَمُرْسَلَهُ ، وَكُلَّ مَا يُمْكِنُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . وَرَتَّبْتُ ذَلِكَ مَرَاتِبَ ، قَدَّمْتُ فِيهَا الْمُتَّصِلَ ، ثُمَّ مَا جَرَى مَجْرَاهُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي اتِّصَالِهِ ، ثُمَّ الْمُنْقَطِعَ وَالْمُرْسَلَ . وَجَعَلْتُهُ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي أَسْمَاءِ شُيُوخِ مَالِكٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ; لِيَكُونَ أَقْرَبَ لِلْمُتَنَاوَلِ . وَوَصَلْتُ كُلَّ مَقْطُوعٍ جَاءَ مُتَّصِلًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَكُلَّ مُرْسَلٍ جَاءَ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ ، فِيمَا بَلَغَنِي عِلْمُهُ ، وَصَحَّ بِرِوَايَتِي جَمْعُهُ ; لِيَرَى النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا مَوْقِعَ آثَارِ الْمُوَطَّأِ مِنَ الِاشْتِهَارِ ، وَالصِّحَّةِ ، وَاعْتَمَدْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى نَقْلِ الْأَئِمَّةِ ، وَمَا رَوَاهُ ثِقَاتُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَذَكَرْتُ مِنْ مَعَانِي الْآثَارِ ، وَأَحْكَامِهَا الْمَقْصُودَةِ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ مَا عَوَّلَ عَلَى مِثْلِهِ الْفُقَهَاءُ أُولُو الْأَلْبَابِ . وَجَلَبْتُ مِنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهَا ، وَنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا ، وَأَحْكَامِهَا وَمَعَانِيهَا ، مَا يَشْتَفِي بِهِ الْقَارِئُ الطَّالِبُ ، وَيُبَصِّرُهُ ، وَيُنَبِّهُ الْعَالِمَ وَيُذَكِّرُهُ . وَأَتَيْتُ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى الْمَعَانِي وَالْإِسْنَادِ بِمَا حَضَرَنِي مِنَ الْأَثَرِ ذِكْرُهُ ، وَصَحِبَنِي حِفْظُهُ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ فَائِدَةُ الْكِتَابِ . وَأَشَرْتُ إِلَى شَرْحِ مَا اسْتَعْجَمَ مِنَ الْأَلْفَاظِ ، مُقْتَصِرًا عَلَى أَقَاوِيلِ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَذَكَرْتُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ صِحَّةِ النَّقْلِ ، وَمَوْضِعِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُرْسَلِ ، وَمِنْ أَخْبَارِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ الدِّيَانَةِ ، وَمَكَانُهُ مِنَ الِانْتِقَادِ وَالتَّوَقِّي فِي الرِّوَايَةِ ، وَمَنْزِلَةُ مُوَطَّئِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْهُمْ وَالْمُخَالِفِينَ ، نَبْذًا يَسْتَدِلُّ بِهَا اللَّبِيبُ عَلَى الْمُرَادِ ، وَتُغْنِي الْمُقْتَصِرَ عَلَيْهَا عَنْ الِازْدِيَادِ . وَأَوْمَأْتُ إِلَى ذِكْرِ بَعْضِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ ، وَأَنْسَابِهِمْ ، وَأَسْنَانِهِمْ ، وَمَنَازِلِهِمْ . وَذَكَرْتُ مَنْ حَفِظْتُ تَارِيخَ وَفَاتِهِ مِنْهُمْ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الِاخْتِصَارِ ، ضَارِبًا عَنِ التَّطْوِيلِ وَالْإِكْثَارِ . وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ الْعَوْنَ عَلَى مَا يَرْضَاهُ ، وَيُزْلِفُ فِيمَا قَصَدْنَاهُ ، فَلَمْ نَصِلْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ إِلَّا بِعَوْنِهِ وَفَضْلِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ; فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا دَائِمًا عَلَى مَا أَلْهَمَنَا مِنَ الْعِنَايَةِ بِخَيْرِ الْكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِهِ ، وَعَلَى مَا وَهَبَ لَنَا مِنَ التَّمَسُّكِ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِهِ . عَوْنَكَ اللَّهُمَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ الْحَافِظُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ ، الْقَادِرُ الْقَاهِرُ ؛ شُكْرًا عَلَى تَفَضُّلِهِ وَهِدَايَتِهِ ، وَفَزَعًا إِلَى تَوْفِيقِهِ وَكِفَايَتِهِ ، وَوَسِيلَةً إِلَى حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ ، وَرَغْبَةً فِي الْمَزِيدِ مِنْ كَرِيمِ آلَائِهِ ، وَجَمِيلِ بَلَائِهِ ، وَحَمْدًا عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي عَظُمَ خَطَرُهَا عَنِ الْجَزَاءِ ، وَجَلَّ عَدَدُهَا عَنِ الْإِحْصَاءِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ قَصَدَ إِلَى تَخْرِيجِ مَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَصَدَ بِزَعْمِهِ إِلَى الْمُسْنَدِ ، وَأَضْرَبَ عَنِ الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرْسَلِ ، وَتَأَمَّلْتُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِمَّا جُمِعَ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ ، وَأُلِّفَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ ; فَلَمْ أَرَ جَامِعِيهِ وَقَفُوا عِنْدَ مَا شَرَطُوهُ ، وَلَا سَلِمَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا أَمَّلُوهُ ، بَلْ أَدْخَلُوا مِنَ الْمُنْقَطِعِ شَيْئًا فِي بَابِ الْمُتَّصِلِ ، وَأَتَوْا بِالْمُرْسَلِ مَعَ الْمُسْنَدِ ، وَكُلُّ مَنْ يَتَفَقَّهُ مِنْهُمْ لِمَالِكٍ وَيَنْتَحِلُهُ ، إِذَا سَأَلْتَ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ عَنْ مَرَاسِيلِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا : صِحَاحٌ ، لَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الطَّعْنُ فِيهَا ; لِثِقَةِ نَاقِلِيهَا ، وَأَمَانَةِ مُرْسِلِيهَا ، وَصَدَقُوا فِيمَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنَّهَا جُمْلَةٌ يَنْقُضُهَا تَفْسِيرُهُمْ بِإِضْرَابِهِمْ عَنِ الْمُرْسَلِ وَالْمَقْطُوعِ . وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ : أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ ، كَمَا يَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءً .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ ( الْكِنْدِيُّ ) يُقَالُ : إِنَّهُ مَخْزُومِيٌّ ( وَلَا يَصِحُّ ) وَيُقَالُ : إِنَّهُ كِنَانِيٌّ وَيُقَالُ : لَيْثِيٌّ وَيُقَالُ : هُذَلِيٌّ وَيُقَالُ : أَزْدِيٌّ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : هُوَ مِنَ الْأَزْدِ ، وَعِدَادُهُ فِي كِنَانَةَ ، وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنُ أُخْتِ النَّمِرِ وَهُوَ يُنْسَبُ فِي كِنْدَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ كِنْدَةَ ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي أُمَيَّةَ ، أَوْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، يُكْنَى أَبَا يَزِيدَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَغِيرٌ وَحَفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَزِرِّ الْحَجَلَةِ ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأَسَهُ ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ فِي انْصِرَافِهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيِّ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ بْنَ أُخْتِ النَّمِرِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْرَجَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ تَحْتِ سِتَارِ الْكَعْبَةِ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ خَطَلٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ( صَبْرًا ) . وَأَبُوهُ يَزِيدُ لَهُ صُحْبَةٌ وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ يُقَالُ : هُوَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ بْنِ جَبَلٍ ، وَالنَّمِرُ بْنُ جَبَلٍ خَالُهُ ، وَتُوُفِّيَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءٌ مَوْلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَخِي النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ قَالَ : كَانَ وَسَطُ رَأْسِ السَّائِبِ أَسْوَدَ وَبَقِيَّةُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ أَبْيَضَ ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا سَيِّدِي ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ رَأْسِكَ هَذَا قَطُّ ، هَذَا أَبْيَضَ وَهَذَا أَسْوَدُ ، قَالَ : أَفَلَا أُخْبِرُكَ يَا بُنِيَّ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : إِنِّي كُنْتُ مع الصبيان أَلْعَبُ فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَرَضْتُ لَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ ، مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : ( أَنَا ) السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَخُو النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ قَالَ : فَمَسَحَ رَأْسِي ، وَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، فَلَا وَاللَّهِ ( لَا ) يَبْيَضُّ أَبَدًا ، وَلَا يَزَالُ هَكَذَا ( أَبَدًا ) . ( هَكَذَا ) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ ، وَهُوَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ مِنْهُ ، أَوْ مِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُ . لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ : أَخُو النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَذِكْرُ قَاسِطٍ هَاهُنَا خَطَأٌ ، وَأَظُنُّهُ لَمَّا لَمْ يُعْرَفِ النَّمِرُ خَالُ السَّائِبِ - فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مَنْسُوبًا - تَوَهَّمَهُ النَّمِرَ بْنَ قَاسِطٍ لِشُهْرَتِهِ فِي أَنْسَابِ رَبِيعَةَ ، فَأَخْطَأَ ، وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ( وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِ هُنَاكَ ، فَأَغْنَى عَنْ أَخْبَارِهِ هَاهُنَا ) . 311 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ وَرَوَاهُ أَبُو حُمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي قُرَّةَ مُوسَى ابنِ طَارِقٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيِّ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ ، عَنْ مَالِكِ ( بْنِ أَنَسٍ ) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِجَازَةُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَالِسًا لِمَنْ يُطِيقُ الْقِيَامَ ، وَالسُّبْحَةُ : النَّافِلَةُ ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً . يَعْنِي نَافِلَةً قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ ) : لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَصَلِّينِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ أَنْ تَكُونَ السُّبْحَةُ اسْمًا لِجِنْسِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا نَافِلَةٍ وَغَيْرِهَا . وَفِي اللُّغَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ أَصْلُهَا الدُّعَاءُ لَكِنَّ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ أَوْلَى ، لِأَنَّهَا قَاضِيَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً ، وَقَدْ رُوِيَ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِلَّذِينِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا الْمَسْجِدَ ، فَصَلِّيَا مَعَ النَّاسِ تَكُونُ لَكُمَا سُبْحَةً ، وَرُوِيَ تَكُونُ لَكُمَا نَافِلَةً ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّبْحَةَ حَقِيقَتُهَا فِي الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ النَّافِلَةُ دُونَ الْفَرِيضَةِ ، لِأَنَّهُ مَرَّةً يَقُولُ سُبْحَةً ، وَمَرَّةً ( يَقُولُ ) : نَافِلَةً . وَفِيهِ تَرْتِيلُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَاخْتَارَهُ لَهُ وَلِسَائِرِ أُمَّتِهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا وَالتَّرْتِيلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّرَسُّلُ لِيَقَعَ مَعَ ذَلِكَ التَّدَبُّرُ ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرْفًا حَرْفًا فِيمَا حَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَضْلَ التَّرْتِيلِ عَلَى الْهَذِّ فِي كِتَابٍ جَمَعْنَاهُ فِي ( الْبَيَانِ عَنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ) وَفِي قَوْلِ حَفْصَةَ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ ( أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا ) دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْهَذِّ ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ ) أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا إِذَا رُتِّلَتِ الَّتِي هِيَ أَطْوَلُ مِنْهَا مِثْلَ تَرْتِيلِهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَطْوَلَ ( مِنْ أَطْوَلَ ) مِنْهَا إِذَا حُدِرَتْ تِلْكَ وَهَذَّ بِهَا قَارِئُهَا . وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي النَّافِلَةِ جَالِسًا إِلَّا فِي آخِرِ عُمُرِهِ ، وَذَلِكَ حِينَ أَسَنَّ وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ وَبَدِنَ ، وَأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا طُولَ عُمُرِهِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ حَتَّى كَانَتْ تَرِمُ قَدَمَاهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي النَّافِلَةِ قَائِمًا مِثْلَمَا ذَلِكَ فِيهَا جَالِسًا ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ - يَعْنِي فِي الْأَجْرِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ : تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ ( اللَّهُ ) لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ( قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ ) بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عِجْلَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُبَادِرُونِي بِرُكُوعٍ وَلَا بِسُجُودٍ ، فَإِنِّي مَهْمَا أَسْبِقُكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إِذَا رَفَعْتُ ، إِنِّي قَدْ بَدُنْتُ . كَذَا قَالَ : بَدُنْتُ بِالضَّمِّ ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ حَمَلَ اللَّحْمَ وَثَقُلَ ، كَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ ، بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا فَيَعْنِي أَنَّهُ أَسَنَّ وَضَعُفَ بِأَخْذِ السِّنِّ مِنْهُ . حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : هَذَا الَّذِي يَرْوِي قَدْ بَدَّنْتُ ، فَقُلْتُ : مَا الْحُجَّةُ فِيهِ ، قَالَ : قَوْلُ الشَّاعِرِ : قَامَتْ تُرِيكَ بَدَنًا مَكْنُونَا كَعِرْقَيِ الْبِيضِ اسْتَمَاتَ لِينَا وَخِلْتَ أَنَّ الشَّيْبَ وَالتَّبْدِينَا وَالنَّأْيَ مِمَّا يُذْهِلُ الْقَرِينَا
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ ، مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَلِأَبِيهِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَلِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَيْضًا رُؤْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا نَقَلَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 1333 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، قَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الله فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي ، وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ فَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . لَمْ يُخْتَلَفْ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ الْحَدِيثَ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمَعْمَرٌ ( وَاللَّيْثُ ) وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وَلَمْ يَقُولُوا : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْحُجَّةُ الثَّابِتَةُ فِي ابْنِ شِهَابٍ عَلَى ( كُلِّ ) مَنْ خَالَفَهُمْ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ لَنَا : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ ، وَلَمْ يَقُلِ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ يَعْنِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عُمَرَ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ هَاءَ وَهَاءَ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا . هَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَرِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنِ ابْنِ عيينة غير أَبِي نُعَيْمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ( عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . ( وَعَلَى ذَا كَانَ النَّاسُ يَرْوِي النَّظِيرُ عَنِ النَّظِيرِ ، وَالْكَبِيرُ عَنِ الصَّغِيرِ رَغْبَةً فِي الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَسَعِيدُ ( بْنُ نَصْرٍ ) قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ ) : أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ ( أَبِي ) ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ، عَنِ الصَّرْفِ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ الشَّرِيفَ الْعَالِمَ قَدْ يَلِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وُكَلَاءُ وَأَعْوَانٌ يَكْفُونَهُ . وَفِيهِ الْمُمَاكَسَةُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُرَوَاضَةِ ، وَفِيهِ تَقْلِيبُ السِّلْعَةِ ، وَأَنْ يَتَنَاوَلَهَا الْمُشْتَرِي بِيَدِهِ لِيُقَلِّبَهَا وَيَنْظُرَ فِيهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي أَنْ لَا يُغْبَنَ الْإِنْسَانُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا قَدِ اكْتَسَبُوا الْأَرْضَ بِالْمَدِينَةِ وَبَوَادِيهَا ، وَفِيهِ أَنَّ عِلْمَ الْبُيُوعِ مِنْ عِلْمِ الْخَوَاصِّ لَا مِنْ عِلْمِ الْعَوَامِّ لِجَهْلِ طَلْحَةَ بِهِ ، وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْجَلَالَةِ مَوْضِعُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ - مَنْ كَانَ ، وَاجِبٌ عَلَيْهِ إِذَا سَمِعَ أَوْ رَأَى مَا لَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ أَنَّ يَنْهَى عَنْهُ وَيُرْشِدَ إِلَى الْحَقِّ فِيهِ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَفَقُّدِ أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ فِي دِينِهِمْ ، وَالِاهْتِمَامِ بِهِمْ . وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ خُلُقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا عَزَمُوا عَلَى أَمْرٍ حَلَفُوا عَلَيْهِ وَأَكَّدُوهُ بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ ، أَوْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَازِمَةٌ ، وَفِيهِ أَنَّ النَّسَاءَ لَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَإِذَا كَانَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ ، وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ بِإِجْمَاعٍ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ( وَلَا فِي الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ، لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ) وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ ، وَقَدْ مَضَى رَدُّهُ وَبَيَانُ فَسَادِهِ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَبَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرِّبَا فِي الِازْدِيَادِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَفِي الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ كَمَا هُوَ فِي النَّسِيئَةِ سَوَاءٌ فِي بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَفِي بَيْعِ بَعْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضٍ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مَعَ تَوَاتُرِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ( قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الْمَالِكِ بن الصباح ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ ( وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ) وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ( التِّرْمِذِيُّ ) قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُدْعَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلِ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ حَتَّى خَصَّ الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ رَجُلَيْنِ أَحَدِهِمَا مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاءَ وَهَاءَ ، وَقَوْلُهُ : يَدًا بِيَدٍ سَوَاءٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ قَبْضِ الصَّرْفِ وَحَقِيقَتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا يَصِحُّ الصَّرْفُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْهُ وَمَكَثَ مَعَهُ مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى ضَحْوَةٍ قَاعِدًا ، وَقَدْ تَصَارَفَا غَدْوَةً فَتَقَابَضَا ضَحْوَةً لَمْ يَصِحَّ هَذَا ، وَلَا يَكُونُ الصَّرْفُ إِلَّا عِنْدَ الْإِيجَابِ بِالْكَلَامِ ، وَلَوِ انْتَقَلَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ تَقَابُضُهُمَا . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَجُمْلَةُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ تَرَاخِي الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ سَوَاءٌ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ تَفَرَّقَا ، وَمَحَلُّ قَوْلِ عُمَرَ عِنْدَهُ ( - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ) : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ، أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَاءَ وَهَاءَ - عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ ، وَانْتَقَلَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ ، وَجَعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ أَيْضًا : وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ ، فَلَا تُنْظِرْهُ ، قَالُوا : فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْمُرَاعَى الِافْتِرَاقُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدَّيْنَيْنِ يُصَارَفُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ وَلَهُ عَلَى الْآخَرِ دَنَانِيرُ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ بِمَا عَلَى الْآخَرِ ، لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ ، وَلَيْسَ يُحْتَاجُ هَاهُنَا إِلَى قَبْضٍ ، فَجَازَ التَّطَارُحُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ : لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ، قَالُوا : فَالْغَائِبُ بِالْغَائِبِ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ عَلَيْهِمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ كَالْمَقْبُوضِ . وَاخْتَلَفُوا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَنِ الدَّنَانِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ حَالَّةٌ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ دَنَانِيرَ ( بِهَا ) وَإِنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهَا بِدَنَانِيرَ ، وَلْيَأْخُذْ فِي ذَلِكَ عَرَضًا إِنْ شَاءَ . وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي الْحَالِّ ، وَمَنَعَهَا فِي الْمُؤَجَّلِ فِرَارًا مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا حَلَّ دَيْنُهُ أَخَذَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ بَيْعٍ كَانَ أَوْ قَرْضٍ ، وَإِنْ لَمْ يَحُلَّ دَيْنُهُ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِيمَنْ أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا دَنَانِيرَ إِنْ تَرَاضَيَا وَقَبَضَ الدَّنَانِيرَ فِي الْمَجْلِسِ . وَقَالَ الْبَتِّيُّ : يَأْخُذُهَا بِسِعْرِ يَوْمِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يَأْخُذُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ دَنَانِيرَ دَرَاهِمَ ، وَلَا عَنْ دَرَاهِمَ دَنَانِيرَ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مَا أُقْرِضَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَجَازَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لِمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِدَيْنٍ فَجَاءَ الْأَجَلُ أَنْ يَأْخُذَ بِدَرَاهِمِهِ ( طَعَامًا ) . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ : حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَآخُذُ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ وَمَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا افْتَرَقْتُمَا ، وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِذِكْرِهَا ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَوْزُونَانِ ، وَهُمَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَوْزُونٍ فَكُلُّ مَوْزُونٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلَا النَّسَاءُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعَتِ ( الْأُمَّةُ ) عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا ، وَلَا النَّسَاءُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْزُونُ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَجُوزُ النَّسَاءُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ قِيَاسًا عَلَى الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى إِجَازَةِ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا وَتَحْرِيمِ النَّسَاءِ ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ ، قَالُوا : وَالْعِلَّةُ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ الْكَيْلُ ، فَكُلُّ مَكِيلٍ مِنْ جِنْسٍ واحد فغير جَائِزٌ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلَا النَّسَا قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْبُرَّ ( بِالْبُرِّ ) بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ لَا يَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ التَّفَاضُلُ ، وَلَا النَّسَا بِحَالٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ ، وَلَمْ يَجُزِ النَّسَا عَلَى حَالٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكِيلُ أَوِ الْمَوْزُونُ مَأْكُولًا ، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ ( الَّتِي ) فِيهِمَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوْزُونَاتِ غَيْرَهُمَا فَكَيْفَ تَرِدُ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ أَنَّهُمَا أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمَوْزُونَاتِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ تُسَلِّمَ مَا شِئْتَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِيمَا عَدَاهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ ، وَلَا يُسَلَّمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، فَبَطَلَ قِيَاسُهَا عَلَيْهِمَا وَرَدُّهَا إِلَيْهِمَا . قَالَ : وَأَمَّا الْبُرُّ ، وَالتَّمْرُ ، وَالشَّعِيرُ ، فَالْعِلَّةُ عِنْدِي فِيهِمَا الْأَكْلُ لَا الْكَيْلُ ، فَكُلُّ مَأْكُولٍ أَخْضَرَ كَانَ أَوْ يَابِسًا مِمَّا يُدَّخَرُ كَانَ أَوْ مِمَّا لَا يُدَّخَرُ فغير جَائِزٌ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَلَا نَسَاءً ، وَحَرَامٌ فِيهِ التَّفَاضُلٌ ، وَالنَّسَاءُ جَمِيعًا قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَعَلَى الشَّعِيرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ( وَعَلَى التَّمْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ) لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . قَالَ : وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ مِنَ الْمَأْكُولِ فَجَائِزٌ حِينَئِذٍ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَحَرَامٌ فِيهِمَا النَّسَاءُ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا مِنْ عَصْرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ ( إِلَى ) هَلُمَّ جَرَّا ، وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ ، فَالَّذِي حَصَلَ عِنْدِي مِنْ تَعْلِيلِهِمْ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِبَارَاتِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ الْقَوْلُ فِيهِمَا ( عِنْدَهُمْ ) كَالْقَوْلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُرَدُّ إِلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنَ الْمَوْزُونَاتِ لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَأَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ وَلَاشَيْءَ غَيْرَهَمَا كَذَلِكَ ، فَارْتَفَعَ الْقِيَاسُ عَنْهُمَا لِارْتِفَاعِ الْعِلَّةِ إِذِ الْقِيَاسُ لَا يَكُونُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْقِيَاسِيِّينَ إِلَّا عَلَى الْعِلَلِ لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ ، وَعَلَّلُوا الْبُرَّ ، وَالتَّمْرَ ، وَالشَّعِيرَ بِأَنَّهَا مَأْكُولَاتٌ مُدَّخَرَاتٌ أَقْوَاتٌ ، فَكُلُّ مَا كَانَ قُوتًا مُدَّخَرًا حُرِّمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ وَحُرِّمَ النَّسَاءُ فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ دُونَ التَّفَاضُلِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُدَّخَرًا قُوتًا مِنَ الْمَأْكُولَاتِ لَمْ يُحَرَّمْ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَحُرِّمَ فِيهِ النَّسَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا أَوْ جِنْسَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ لَا يَجُوزُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ مُدَّخَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُدَّخَرٍ إِلَّا إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ ، فَإِنَّهُ شَذَّ ، فَأَجَازَ التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ فِي الْجِنْسَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا مِنَ الْمَكِيلِ ، وَمِنَ الْمَوْزُونِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ فِي إِجَازَةِ بَيْعِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِالرَّصَاصِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالزَّعْفَرَانِ ، وَالْمِسْكِ ، وَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ نَسَاءً ، وَأَجَازَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ نصا فِي كُتُبِهِ بَيْعَ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرِ بِالتَّمْرِ ، وَالتَّمْرِ بِالْأُرْزِ ، وَسَائِرِ مَا اخْتَلَفَ اسْمُهُ وَنَوْعُهُ بِمَا يُخَالِفُهُ مِنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا وَنَسِيئَةً سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْكَيْلَ ، وَالْوَزْنَ عِلَّةً ، وَلَا الْأَكْلَ وَالِاقْتِيَاتَ ، وَقَاسَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْنَا . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ صَاعَيْ تَمْرٍ بِالْغَابَةِ بِصَاعِ حِنْطَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ هَذَا لَهُ شُذُوذٌ كَثِيرٌ ، وَمَذَاهِبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَهْجُورَةٌ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُعَدُّ خِلَافًا ، وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرَهُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَصْنَافُ ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا التَّمْرَ بِالْمِلْحِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ( وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ) وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ . وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي إِجَازَتِهِ بَيْعَ الطَّعَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً . وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُ الْبُرَّ ، وَالشَّعِيرَ ، وَالسُّلْتَ صِنْفًا وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عِنْدَهُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، يَدًا بِيَدٍ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ سَعْدٍ فِي الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ فَنَهَاهُ ، وَحَدِيثُهُ عَنْ ( سَعْدٍ ) أَنَّهُ فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِهِ ، فَأَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِهِ فَيَبْتَاعَ بِهَا شَعِيرًا ، وَلَا يَأْخُذَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ . وَذَكَرَ ، عَنْ مُعَيْقِيبِ الدَّوْسِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَجَعَلُوا الْبُرَّ صِنْفًا ، وَالشَّعِيرَ صِنْفًا ، وَأَجَازُوا فِيهِمَا التَّفَاضُلَ ، يَدًا بِيَدٍ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عُبَادَةَ وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَجْعَلُ لِلْمُسَمَّيَاتِ عِلَّةً ، وَلَا يَتَعَدَّى الْمَذْكُورَاتِ إِلَى غَيْرِهَا فَقَوْلُهُ : إِنَّ ( الرِّبَا وَالتَّحْرِيمَ غَيْرُ جَائِزٍ ) فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَبِيعَاتِ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا إِلَّا فِي السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ الْمَنْصُوصَاتِ وَهِيَ الذَّهَبُ ، وَالْوَرِقُ ، وَالْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ الْمَذْكُورَاتُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا ، وَالْمِلْحُ الْمَذْكُورُ مَعَهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ( قَالَ ) : فَهَذِهِ السِّتَّةُ الْأَشْيَاءِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا نَسَاءً ؛ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ ، وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يَعُدُّ خِلَافًا . وَلَا يَجُوزُ النَّسَا فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْهَا لِحَدِيثِ عُمَرَ فِي الذَّهَبِ ، وَلِحَدِيثِ عُبَادَةَ ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا خِلَافَ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ وَيَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَصْنَافَ السِّتَّةَ فَجَائِزٌ فِيهَا الزِّيَادَةُ ( عِنْدَهُ ) وَالنَّسِيئَةُ وَكَيْفَ شَاءَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْجِنْسِ وَفِي الْجِنْسَيْنِ ، فَهَذَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَصْلِ الرِّبَا الْجَارِي فِي الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْرُوبِ ، وَالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ مُخْتَصَرًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُسْنَدٌ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ عَنْزِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَقْصَى بْنِ دُعْمِىِّ بْنِ جُدَيْلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ . أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْخُلَفَاءَ وَحَفِظَ عَنْهُمْ ، وَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَفِظَ عَنْهُ أَيْضًا خَبَرًا وَاحِدًا ، وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عِجْلَانَ عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ( ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ) قَالَ : دَعَتْنِي أُمِّي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَنَا ، فَأَتَيْتُ فَقَالَتْ : تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهُ ؟ قَالَتْ : تَمْرًا ، قَالَ : لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرْنَا أَبَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ - سَرْغُ مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الشَّامِ قِيلَ : إِنَّهُ وَادِي تَبُوكَ ، وَقِيلَ : بِقُرْبِ تَبُوكَ . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ : أَنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ إِذْ بَلَغَ سَرْغَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الشَّامِ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ بِدِمَشْقَ ، وَكَانَتْ أُمَّ الشَّامِ ، وَإِلَيْهَا كَانَ مَقْصِدُهُ ( وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ : لَبَيْتٌ بِرُكْبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ بِالشَّامِ فَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ حِينَ وَقَعَ الْوَبَاءُ بِالشَّامِ . وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ لَأَنْ أَعْمَلَ عَشْرَ خَطَايَا بِرُكْبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ( أَنْ ) أَعْمَلَ وَاحِدَةً بِمَكَّةَ . وَرُكْبَةُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الطَّائِفِ ) . ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، فَلَمَّا بَلَغَ سَرْغَ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنِ الطَّاعُونِ ، فَانْصَرَفَ مِنْ سَرْغَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْوَبَاءُ : الطَّاعُونُ ، وَهُوَ مَوْتٌ نَازِلٌ ( شَامِلٌ ) لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفِرَّ مِنْ أَرْضٍ نَزَلَ فِيهَا إِذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا ، وَلَا أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا إِيمَانًا بِالْقَدَرِ وَدَفْعًا لِمَلَامَةِ النَّفْسِ . رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، قَالَتِ : الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِ وَالْآبَاطِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ وَرُوِّينَا أَنَّ زِيَادًا كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنِّي قَدْ ضَبَطْتُ الْعِرَاقَ بِيَمِينِي ، وَشِمَالِي فَارِغَةٌ ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ : مُرُوا الْعَجَائِزَ يَدْعُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ . فَفَعَلْنَ فَخَرَجَ بِأُصْبُعِهِ طَاعُونٌ فَمَاتَ مِنْهُ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى انْصِرَافِهِ مِنْ سَرْغَ ، عَلَى أَنَّهُ انْصَرَفَ عَنْهُ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَوْفٍ - خَوْفًا أَنْ يَكُونَ فَارًّا مِنَ الْقَدَرِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ ( حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ ) فَوَجَدْتُهُ نَائِمًا فِي خِبَائِهِ فَقَعَدْتُ فَسَمِعْتُهُ حِينَ يَثُورُ مِنْ نَوْمِهِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغَ ، قَالَ عُرْوَةُ : فَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالشَّامِ إِذَا سَمِعْتَ بِالطَّاعُونِ قَدْ وَقَعَ عِنْدَكُمْ ، فَاكْتُبْ إِلَيَّ حَتَّى أَخْرُجَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ : قُلْتُ : لِمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ ، قَالَ : هُوَ الْقَدَرُ يَخَافُونَهُ . وَلَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَوْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابيُّ ( مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَيْسَرَةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ فَمَاتُوا فَدَعَا اللَّهَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ ، قَالَ الْفِرْيَابيُّ وَحَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ فَخَرَجَ أُنَاسٌ وَبَقِيَ أُنَاسٌ ، وَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَقِيَ ، قَالَ : فَنَجَا الَّذِينَ خَرَجُوا وَهَلَكَ الَّذِينَ أَقَامُوا ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ وَدَوَابَّهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بَلَدِهِمْ ، وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ . ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : هَرَبَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الطَّاعُونِ فَرَكِبَ حِمَارًا لَهُ وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفْوَانَ فَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ طَيَّارِ أَوْ يَأْتِي الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ حِزْقِيلُ ابْنُ بُوذِي ، وَقَالَ ( الْمَدَائِنِيُّ ) يُقَالُ : إِنَّهُ قَلَّمَا فَرَّ أَحَدٌ مِنَ الْطَاعُونَ فَسَلِمَ مِنَ الْمَوْتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ فَرَّ مِنَ الطَّاعُونِ إِلَّا مَا ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ إِلَى السَّيَّالَةِ فَكَانَ يُجْمِعُ كُلَّ جُمُعَةٍ وَيَرْجِعُ ، فَكَانَ إِذَا جَمَعَ صَاحُوا بِهِ : فَرَّ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَطُعِنَ فَمَاتَ بِالسَّيَّالَةِ ، قَالَ : وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَرِبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رِبَاطٍ ( إِلَى ) الرِّبَاطِيَّةِ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَعْنَبِيُّ : وَلَمَّا اسْتَفَزَّ الْمَوْتُ كُلَّ مُكَذِّبٍ صَبَرْتُ وَلَمْ يَصْبِرْ رِبَاطٌ وَلَا عَمْرُو أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرِّعِ قَالَ : حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ الْجَارِفُ بِالْبَصْرَةِ فَنِيَ أَهْلُهَا وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ ، فَدَخَلَتِ السِّبَاعُ الْبَصْرَةَ عَلَى رِيحِ الْمَوْتِ ، وَخَلَتْ سِكَّةُ بَنِي جَرِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، فَلَمْ يُبْقِ اللَّهُ فِيهَا سِوَى جَارِيَةٍ ، فَسَمِعَتْ صَوْتَ الذِّئْبِ فِي سِكَّتِهِمْ لَيْلًا ، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : أَلَا أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسَحَرَةٍ إِلَيَّ أُنْبِئُكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لِيَا بَدَا لِي أَنِّي قَدْ نُعِيتُ وَإِنَّنِي بَقِيَّةُ قَوْمٍ وَرَّثُونِي الْبَوَاكِيَا وَإِنِّي بِلَا شَكٍّ سَأَتْبَعُ مَنْ مَضَى وَيَتْبَعُنِي مِنْ بَعْدُ مَنْ كَانَ تَالِيَا وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ : وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي وِلَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ إِيَّاهَا ، فَخَرَجَ هَارِبًا مِنْهُ فَنَزَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الصَّعِيدِ يُقَالُ لَهَا : سُكَرَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَهَا رَسُولٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ : مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : طَالِبُ بْنُ مُدْرِكٍ فَقَالَ : أَوَّهْ مَا أَرَانِي رَاجِعًا إِلَى الْفُسْطَاطِ ( أَبَدًا ) فَمَاتَ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ ( وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ أَبِي رُوَيْحٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ ( مِنَ ) الشَّامِ فَوَجَدْتُهُ قَائِلًا فِي خِبَائِهِ ، فَانْتَظَرْتُهُ فِي فَيْءِ الْخِبَاء فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَضَوَّرَ مِنْ نَوْمِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغَ يَعْنِي حِينَ رَجَعَ مِنْ أَجْلِ الْوَبَاءِ . قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ ) . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْمَرْفُوعَةَ فِي الطَّاعُونِ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى شَرْحٍ وَتَفْسِيرٍ ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَفِيهِ أَيْضًا رِوَايَةُ الْكَبِيرِ عَمَّنْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَنْزِلَةِ إِذَا كَانَ ثِقَةً ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَذْهَبُ عَنِ الْعَالِمِ الْحَبْرِ مَا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ وَكَانَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الْعِلْمِ بِمَوْضِعٍ لَا يُوَازِيهِ أَحَدٌ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ وُضِعَ عِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ ، وَعِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ رَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَسُقِيَ بِهَا لَبَنًا فَنَاوَلَ فَضْلَهُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ : مَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْعِلْمُ وَأَخْبَارُهُ فِي الْفِقْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى . وَقَدْ جَلَبْنَا الْكَثِيرَ مِنْهَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحُجَّةَ لَازِمَةٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ( الْعَدْلِ ) وَأَنَّ الْمَرْءَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْقِيَادُ لِلسُّنَّةِ إِذَا ثَبَتَتْ عِنْدَهُ مِنْ نَقْلِ الْكَافَّةِ كَانَتْ ، أَوْ مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، وَفِيهِ سُرْعَةُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الِانْقِيَادِ لِلْعِلْمِ ، وَالِاسْتِعْمَالِ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1201 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ( الْأَنْصَارِيِّ ) فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمَسَائِلَ ) وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَلَمَّا جَاءَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ ) فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمَسْأَلَةَ ) الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا . فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَسَطُ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا . فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ ( النَّاسِ ) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَا ( مِنْ تَلَاعُنِهِمَا ) قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا ( عُوَيْمِرٌ ) ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ مَالِكٌ : ) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ ( بَعْدُ ) سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ وَسَاقَهُ بِنَحْوِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ إِلَى آخِرِهِ ، وَقَالَ : فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً . هَكَذَا قَالَ فِي نَسَقِ الْحَدِيثِ ، جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَكَانَتْ فُرْقَتُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً بَعْدُ . وَمِنْ رُوَاةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ مَنْ يَقُولُ عَنْهُ فِيهِ : فَكَانَ طَلَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً . كُلُّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ فِي كَلَامِ سَهْلٍ لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ عِنْدُ جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ كَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَمُطَرِّفٍ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَابْنِ بُكَيْرٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي مُصْعَبٍ وَالتِّنِّيسِيِّ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الزُّبَيْرِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ اللِّعَانِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، فَاخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : فَكَانَ فُرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . فَأَدْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ وَجَعَلُوهُ مِنْ قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ . وَفَصَّلَهُ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فِيمَا كَتَبَ ( بِهِ ) إِلَيْهِ الزُّهْرِيُّ ، قَالُوا فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمْرُوسٍ ( إِجَازَةً ) ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : قُرِئَ عَلَى سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّلَاعُنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ ، قَالَ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، فَفَارَقَهَا ، فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا ، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ غَيْرُ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمَا قُرْآنًا ، وَتَلَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَلَمَّا تَلَاعَنَا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ظَلَمْتُهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَهِيَ الطَّلَاقُ ، فهي الطَّلَاقُ ، فَهِيَ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ ( صَلَاةِ ) الْعَصْرِ إِلَّا ابْنُ إِدْرِيسَ ، وَأَظُنُّهُ حَمَلَ لَفْظَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : السُّؤَالُ عَنِ الْإِشْكَالِ ، وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِـ أَرَأَيْتَ ( عَنِ الْمَسَائِلِ ) كَانَ قَدِيمًا فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَفِيهِ أَنْ يَتَوَلَّى السُّؤَالَ عَنْ مَسْأَلَتِكَ غَيْرُكَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُهِمَّةً ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ قَبُولُ خَبَرِهِ عِنْدَهُ مَا أَرْسَلَهُ يَسْأَلُ لَهُ ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ سَمَاعِ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِقَبِيحٍ قَذْفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْمُعَرَّضَ ( بِهِ ) غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ رَجُلٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ ، أَوْ يُسَمِّيهِ فِي مُشَاتَمَتِهِ ، وَبطْلُبُهُ الْمُعَرَّضُ بِهِ ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي التَّعْرِيضِ ( بِالْقَذْفِ ) ( الْحَدُّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْمُعَرِّضِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الْقَذْفِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحُدُّ فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيضِ مُرَادُ الْقَاذِفِ . وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ : فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْلِمَ الْمَقْذُوفَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تَجَسَّسُوا وَلِأَنَّ الْعَجْلَانِيَّ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ فَلَمْ يَبْعَثْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَعْلَمَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَكَرَ الْمَرْمِيَّ بِهِ فِي الْتِعَانِهِ حُدَّ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرُورَةٌ إِلَى قَذْفِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى مَنْ رَمَى زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ ذَكَرَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ ( وَبَيْنَ ) مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَقَدْ رَمَى الْعَجْلَانِيُّ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ وَكَذَلِكَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَلَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا . وَفِيهِ أَنَّ طِبَاعَ الْبَشَرِ أَنْ تَكُونَ الْغَيْرَةُ تَحْمِلُ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْصِمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَالتَّثَبُّتِ وَالتُّقَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَالَمَ إِذَا كَرِهَ السُّؤَالَ ( لَهُ ) أَنْ يَعِيبَهُ وَيَنْجَهَ صَاحِبَهُ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ لَقِيَ شَيْئًا مِنَ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَنِّبَ ذَلِكَ الَّذِي لَقِيَ الْمَكْرُوهَ بِسَبَبِهِ وَيُعَاتِبَهُ لِقَوْلِ عَاصِمٍ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَا يَرْدَعُهُ عَنْ تَفَهُّمِهَا غَضَبُ الْعَالِمِ وَكَرَاهِيَتُهُ لَهَا حَتَّى يَقِفَ عَلَى الثَّلَجِ مِنْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَمَّا يَلْزَمُ عِلْمُهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ ، وَاجِبٌ فِي الْمَحَافِلِ وَغَيْرِ الْمَحَافِلِ ، وَأَنَّهُ لَا حَيَاءَ يَلْزَمُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَسَطُ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالطَّلَاقِ الَّذِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوقِعَهُ حَيْثُ أَحَبَّ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ . ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ ، وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَالِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْجَوَابَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُ وَرَجَاهُ فِيمَا بَعْدُ ، وَفِيهِ : أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُورَةً سُورَةً وَآيَةً آيَةً عَلَى حَسَبِ حَاجَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ وَأَمَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَنَزَلَ كُلُّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا رُوِيَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ قَالُوا : لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، ونَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ جُمْلَةً ( وَاحِدَةً ) إِلَى سَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ يَتَلَاعَنَانِ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ خَلِيفَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَفِي قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنْ رَجُلٍ ، وَلَا امْرَأَةً مِنِ امْرَأَةٍ وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِهَذَا الْعُمُومِ فَقَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَوْجًا مِنْ زَوْجٍ . وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا لِعَانَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكَةِ ، وَلَا بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَالْحُرَّةِ ، وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَجٌ ( لَا تَقُومُ عَلَى سَاقٍ ) مِنْهَا : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا لِعَانَ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ ، وَلَا كَافِرَيْنِ . وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ دُونَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاحْتَجُّوا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَمَّا اسْتُثْنُوا مِنْ جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ وَجَبَ أَنْ لَا يُلَاعِنَ إِلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا عَبْدٌ وَلَا كَافِرٌ ، وَلَا يُلَاعِنُ عِنْدَهُمْ إِلَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : اللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ ، وَكُلُّ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ يَجُوزُ لِعَانُهُ . وَاللِّعَانُ أَيْمَانٌ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ ، وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً ( مَا ) سَوَّى فِيهِ بَيْنَ ( الرَّجُلِ ) وَالْمَرْأَةِ ، وَلَكَانَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ ، وَلَا يَشْهَدُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ أَيْمَانَ الْمُنَافِقِينَ شَهَادَةً بِقَوْلِهِ : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ مُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ بِاللِّعَانِ ، وَلَا يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الْأَمَةِ ، وَالْكِتَابِيَّةِ بِاللِّعَانِ . وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْضُرُ مَعَ نَفْسِهِ لِلتَّلَاعُنِ قَوْمًا يَشْهَدُونَ ذَلِكَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي شُهُودِ ) سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُهُودِ الْغِلْمَانِ وَالشُّبَّانِ التَّلَاعُنَ مَعَ الْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ ، لِأَنَّ سَهْلًا كَانَ يَوْمَئِذٍ غُلَامًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَدْرَكَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ابْنُ كَمْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ - يَعْنِي يَوْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - قَالَ : ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُبَاحٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْعَجْلَانِيِّ أَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْمُلَاعَنَةِ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَقَعُ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَاتٍ فِي الطُّهْرِ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى طَلَاقٍ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيِلِ : إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي أَنَّ لِلْفُرْقَةِ تَأْثِيرًا فِي الْتِعَانِ الْمَرْأَةِ : وُجُوبُهُ عَلَيْهَا ، وَقِيَاسًا عَلَى أَنَّ تَفَاسُخَ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَمَامِ تَحَالُفِهِمَا جَمِيعًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنَ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَأَضَافَ الْفُرْقَةَ إِلَيْهِ لَا إِلَى اللِّعَانِ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ تَفْرِيقَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ إِعْلَامًا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ اللِّعَانِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا افْتَقَرَ اللِّعَانُ إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ افْتَقَرَ إِلَى تَفْرِيقِهِ كَفُرْقَةِ الْعِنِّينِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ ، الْتَعَنَتْ أَوْ لَمْ تَلْتَعْنُ ( قَالَ ) : وَإِنَّمَا الْتِعَانُ الْمَرْأَةِ لِدَرْءِ الْحَدِّ لا غير ، وَلَيْسَ لِالْتِعَانِهَا فِي زَوَالِ الْفَرَاشِ مَعْنًى ، وَلَمَّا كَانَ لِعَانُ الزَّوْجِ يَنْفِي الْوَلَدَ وَيُسْقِطُ الْحَدَّ رَفَعَ الْفِرَاشَ ( وَقَدْ ذَكَرْنَا حُجَّتَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ) . وَكُلُّ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ الْحِجَازِيِّينَ ، وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ : إِنَّ اللِّعَانَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الطَّلَاقِ ، وَإِنَّ حُكْمَهُ وَسُنَّتَهُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمُ الَّذِي قَدَّمْنَا فِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا . إِلَّا عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ التَّلَاعُنَ يَنْقُضُ شَيْئًا مِنْ عِصْمَةِ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى يُطَلِّقَ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . عَلَى أَنَّ الْبَتِّيَّ قَدِ اسْتَحَبَّ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ ، وَلَمْ يَسْتَحِبُّهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ قَدْ أَحْدَثَ حُكْمًا . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ ) : مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . يَعْنِي الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا إِذَا تَلَاعَنَا ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّلَاقَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَعَ مَا يُعَضِّدُهُ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرَيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي الْعَجْلَانِ جَاءَ إِلَى عَاصِمٍ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ وَزَادَ فِيهِ : وَكَانَتِ امْرَأَةُ عُوَيْمِرٍ حُبْلَى فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ ، قَالَ : وَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ عَنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لِلْأُمِّ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ عُوَيْمِرٌ عَنْ ذَلِكَ : لَيْسَ بهَذَا حَقًّا إِنْ أَنَا رُمِيتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذِبٍ ، قَالَ : فَمَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ، فَهَذَا نَصٌّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ ) . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ . إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ إِذَا أَبَى مِنْ الِالْتِعَانِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْحَدَّ ، وَعَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانَ ، فَلَمَّا ( لَمْ ) يَنْتَقِلِ اللِّعَانُ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ لَمْ يَنْتَقِلِ الْحَدُّ إِلَى الزَّوْجِ ، وَيُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يُلَاعِنَ ، لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : إِنْ لَمْ يَلْتَعِنِ الزَّوْجُ حُدَّ ، لِأَنَّ اللِّعَانَ لَهُ بَرَاءَةٌ كَمَا الشُّهُودُ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ ( الْأَجْنَبِيُّ ) بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حُدَّ فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الْقِيَاسُ فِي الْحُدُودِ ، وَفِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : إِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ ، وَإِنْ قَتَلْتُ قُتِلْتُ ، وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْتُ . وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ : عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَيْضًا ( أَنَّهُ ) لَمَّا لَحِقَ الزَّوْجَةَ مِنَ الْعَارِ بِقَذْفِ الزَّوْجِ لَهَا مِثْلُ مَا لَحِقَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا . وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ مَعَ شُهُودِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ ، كَانَ لَهُ شُهُودٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ إِلَّا دَرْءُ الْحَدِّ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْفِرَاشِ وَنَفْيُ الْوَلَدِ ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللِّعَانِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ اللِّعَانُ لِلزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهَدَاءُ غَيْرُ نَفْسِهِ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْمُلَاعِنُ هَلْ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالُوا : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا سَوَاءٌ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يُكْذِبْهَا ، وَلَكِنَّهُ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَرُوِيَ ذَلِكَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ عَلَى اخْتِلَافٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ : إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَرُدَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ ، وَهَذَا عِنْدِي قَوْلٌ ثَالِثٌ خِلَافُ مَنْ قَالَ : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ، وَخِلَافُ مَنْ قَالَ : لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّلَاعُنُ يَقْتَضِي التَّبَاعُدَ ، فَإِذَا حَصَلَا مُتَبَاعِدَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إِعْلَامٌ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاللِّعَانِ ، وَأَنَّ السَّبِيلَ عَنْهَا مُرْتَفِعَةٌ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا مطلق غير مُقَيَّدٌ ( بِشَيْءٍ ) . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَقَالَ : حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ، قَالَ : ( لَا ) مَالَ لَكَ : إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ( فَهُوَ ) بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الْأَبْهَرِيُّ : وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، فَإِنَّمَا عُوقِبَ الْمُلَاعِنُ بِمَنْعِ التَّرَاجُعِ لِمَا أَدْخَلَ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي النَّسَبِ كَمَا عُوقِبَ الْقَاتِلُ عَمْدًا أَنْ لَا يَرِثَ ، وَاحْتُجَّ أَيْضًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا بِمَنْعِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمَا لِمَا قَطَعَا مِنْ نَسَبِ الْوَلَدِ ، وَلَمْ يَتَصَادَقَا فِيهِ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ الْمُتَزَوِّجُ فِي الْعِدَّةِ لِمَا أَدْخَلَ فِي النَّسَبِ عُوقِبَ بِالْمَنْعِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَرَفْعِ فِرَاشِهِمَا ، لِأَنَّهُ أَفْرَشَ غَيْرَ فِرَاشِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأُصُولُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الِاحْتِجَاجِ لَهُمَا ، وَالزَّانِي قَدِ افْتَرَشَ غَيْرَ فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ النِّكَاحِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ وَأَغْلَالٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ . ( وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ النَّاكِحِ فِي الْعِدَّةِ هُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ( فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ) مِثْلُ ذَلِكَ ( وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ) وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ فَلَمَّا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَحْرِيمِهَا دَخَلَتْ تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ : لَمَّا لَحِقَ الْوَلَدُ وَجَبَ أَنْ يَعُودَ الْفِرَاشُ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَيُوجِبُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَامِلًا ، وَأَنَّهَا جَاءَتْ بعدَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ فِي دَرَجِ حَدِيثِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، فَلَا أَرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا ألْيَتَيْنِ ، فَلَا أَرَاهَا إِلَّا ( قَدْ ) صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ ، قَالَ : ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ : وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا . وَلَيْسَ لِلْحَمْلِ وَلَا لِلْوَلَدِ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، فَلِذَلِكَ أَخَّرْنَاهُ إِلَى بَابِ نَافِعٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ اللِّعَانِ ، فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ ذَكَرَ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ - يُرِيدُ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ - يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي وَإِنْ نَفَى حَمْلَهَا زَادَ : وَلَقَدِ اسْتَبْرَيْتُهَا وَمَا الْحَمْلُ مِنِّي ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَالْخَامِسَةَ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ تَقُومُ هِيَ فَتَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي ، وَإِنَّ حَمْلِي لَمِنْهُ . تَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَالْخَامِسَةَ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ اللِّعَانِ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ ، عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يُلَاعِنُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : رَأَيْتُكِ تَزْنِي ، أَوْ يَنْفِي حَمْلًا أَوْ وَلَدًا مِنْهَا ، قَالَ : وَالْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ . وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْبَتِّيِّ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَجِبُ بِالْقَذْفِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِادِّعَاءِ الرُّؤْيَةِ ، أَوْ نَفْيِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : يَا زَانِيَةُ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَائِمَةٌ مِنَ الْآثَارِ ، فَمِنْهَا حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : قَوْلُهُ فِيهِ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ؟ وَكَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا ( قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجِدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ ، فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ عِنْدَهُمْ رَجُلًا ، فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي . فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا هِلَالُ ( فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ مَخْرَجًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَذَفَ هِلَالُ ) ابْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ قِيلَ لَهُ : وَاللَّهِ لَيَجْلِدَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِينَ . فَقَالَ : اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَضْرِبَنِي وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي رَأَيْتُ حَتَّى اسْتَبَنْتُ ، وَسَمِعْتُ حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ . فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَتْ بِالرُّؤْيَةِ ، فَلَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ ، وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ رُؤْيَةً حُدَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ . ( وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ قِيَاسٌ عَلَى الشُّهُودِ ) وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِي اللِّعَانِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ النَّسَبِ ، وَلَا يَصِحُّ ارْتِفَاعُهُ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ نَفْيِ الْوَلَدِ ، فَلِهَذَا قَالُوا : إِنَّ الْقَذْفَ ( الْمُجَرَّدَ ) لَا لِعَانَ فِيهِ ، وَفِيهِ الْحَدُّ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَقِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إِلَّا بِرُؤْيَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا قَالَ لَهَا : يَا زَانِيَةً ، وَجَبَ اللِّعَانُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَالَ : يَا زَانِيَةً ، أَوْ : رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ ، أَوْ : زَنَيْتِ . وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ كَمَا قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَلَمْ يَقُلْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِرُؤْيَةٍ وَلَا بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَسَوَّى بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَمَنْ قَذَفَ محصنة غير زَوْجَته وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ لَاعَنَ ، فَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ حُدَّ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ مَا لَاعَنَ الْأَعْمَى ، وَلَهُمْ فِي هَذَا حُجَجٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي مُلَاعَنَةِ الْأَخْرَسِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ إِذَا فُهِمَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَيَصِحُّ يَمِينُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ فَيُنْكِرُ اللِّعَانَ ، فَلَا يُمْكِنُنَا إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُولُ الْمُلَاعِنُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةً بِنْتَ فُلَانٍ . وَيُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الْإِمَامُ وَيُذَكِّرُهُ اللَّهَ وَيَقُولُ لَهُ : إِنِّي أَخَافُ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْتَ أَنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ، فَإِنْ رَآهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيَقُولُ : إِنَّ قَوْلَكَ : وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ مُوجِبَةٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَإِنْ أَبَى تَرْكَهُ يَقُولُ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانَةً مِنَ الزِّنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَخَذَ الشَّافِعِيُّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا حَيْثُ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا ، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ عِنْدَ الْخَامِسَةَ ، يَقُولُ : إِنَّهَا مُوجِبَةٌ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : كَانَ لَفْظُ الزُّهْرِيِّ إِذَا حَدَّثَنَا عَنْ أَنَسٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : سَمِعْتُ ، سَمِعْتُ . قَدْ ذَكَرْنَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا .
1609 حَدِيثٌ ثَالِثَ عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلٌ ( مُتَّصِلٌ ) مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ بطَلُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ مُرْسَلًا ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَصَلَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مَا رَوَاهُ أَبُو سَبْرَةَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا . وَقَالَ ابْنُ كَامِلٍ : إنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَتَعَايَرَتَا فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا ، وَقَالَا : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ . هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثُ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ سَعِيدٍ ثِقَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَغَيْرِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتَصَرَهُ مَالِكٌ ، فَذَكَرَ مِنْهُ دِيَةَ الجنين الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ( عِنْدَهُ ) وَتَرَكَ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ إِذْ ضُرِبَتْ فَأَلْقَتِ الْجَنِينَ الْمَذْكُورَ ، لِأَنَّ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ إِثْبَاتُ شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَإِلْزَامُ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ ، لِأَنَّهُ وَجَدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ فَكَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ فِي مُوَطِّئِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مَا لَا يَقُولُ بِهِ ( وَيَقُولُ بِهِ ) غَيْرُهُ ، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَنِينِ لَا غَيْرَ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْغُرَّةِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُونَ ( بِهِ ) عَنْهُ هَكَذَا ( وَطَائِفَةٌ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ أَبَا سَلَمَةَ ) وَطَائِفَةٌ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ سَعِيدًا ، وَمَالِكٌ أَرْسَلَ عَنْهُ حَدِيثَ سَعِيدٍ هَذَا وَوَصَلَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ لَا فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ ( هَذَا ) الْمُرْسَلِ ، وَلَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ وَاقْتَصَرَ مِنْهُمَا عَلَى ذِكْرِ قِصَّةِ الْجَنِينِ وَدِيَتِهِ لَا غَيْرَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ ، وَلِمَا شَاءَ اللَّهُ مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ . وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ( وَغَيْرِهِ وَلِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ حَدِيثُهُ فِي الْجَنِينِ لَا غَيْرُ ، وَلَسْنَا نَذْكُرُ هَاهُنَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ مَالِكٌ غَيْرَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا ، وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا ، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ ، وَأَبُو السَّرْحِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، أَوْ قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُ ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَيْلِيِّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغِرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا ، وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ ، وَالْاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي دِيَتِهَا وَقَتْلِهَا ، وَمَا لَهُمْ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالْوُجُوهِ فِي كِتَابِ ( الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ ) فَمَنْ أَرَادَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ وَتَأَمَّلَهُ هُنَاكَ ، وَلَمْ نَذْكُرْ هَاهُنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ قَتْلِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ قِصَّةُ الْجَنِينِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ هَاهُنَا وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا وَتَوْفِيقُنَا . فَمِنْ أَحْكَامِ الْجَنِينِ مَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجَنِينَ إِذَا ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَأَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِقُرْبِ خُرُوجِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ مِنْ أَجْلِ الضَّرْبَةِ ، وَمَا فُعِلَ بِأُمِّهِ وَبِهِ في بطنها ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ كَانَتْ قَدْ أَلْقَتْهُ ( أُمُّهُ ) مَيِّتًا وَمَعَ هَذَا الدَّلِيلِ نَصَّانِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْجَنِينِ إِذَا رَمَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَالنَّصُّ الثَّانِي : مَا فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ ، وَالْمَقْتُولُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا تَطْرَحُهُ إِلَّا مَيِّتًا لَا مَحَالَةَ ، وَإِنْ لَمْ تُلْقِهِ وَمَاتَتْ وَهُوَ فِي جَوْفِهَا لَمْ يَخْرُجْ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، وَلَا حُكْمَ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَالْحُكْمُ ( فِيهِ ) مَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، وَقَدْ كَانَ لِلْغُرَّةِ أَصْلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِشَرَفِهِ أَنْ يُودِيَ دِيَةً كَامِلَةً ، قَالَ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مُهَلْهِلٌ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَرَقَّ الشِّعْرَ وَقَصَّدَهُ فِيمَا ذَكَرُوا ، قَالَ فِي قَتْلِ أَخِيهِ كُلَيْبِ بْنِ رَبِيعَةَ : كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ يَعْنِي مُرَّةَ بْنَ هُذَيْلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، وَكَانَ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ قَتَلَ كُلَيْبَ بْنَ رَبِيعَةَ التَّغْلَبِيَّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغُرَّةِ وَقِيمَتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ : الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا ، أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نِصْفِ عُشْرِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ ، وَعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ الْحُرَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ : قِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ مُغِيرَةُ : خَمْسُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِنُّ الْغُرَّةِ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعِيبَةً ، وَقَالَ دَاوُدُ : كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الجنين الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : مَا طَرَحَتْهُ مِنْ مُضْغَةٍ ، أَوْ عَلَقَةٍ ، أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَقَطَ الجنين ، فَلَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَسَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ فَفِيهِ الْغُرَّةُ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، ( فَإِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ) فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِحَرَكَةٍ ، أَوْ بِعُطَاسٍ ، أَوْ بِاسْتِهْلَالٍ ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُسْتَيْقَنُ بِهِ حَيَاتُهُ ، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ ( كَامِلَةٌ ) ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يَقُولُونَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا مَاتَتْ مِنْ ضَرْبِ بَطْنِهَا ، ثُمَّ خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِهَا : إِنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَأَنَّهُ هَدَرٌ إِذَا أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا إِلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَدَاوُدَ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : إِذَا ضُرِبَ بَطْنُ الْمَرْأَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَسَوَاءٌ رَمَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ قَبْلَ مَوْتِهَا ، اعْتَبَرَا حَيَاةَ أُمِّهِ فِي وَقْتِ ضَرْبِهَا لا غير ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا حَالَهَا فِي وَقْتِ إِلْقَائِهَا لِلْجَنِينِ لا غير ، فَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَأَمَّا إِذَا أَلْقَتْهُ وَهِيَ حَيَّةٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ ، وَاحْتَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ عَلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ لِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ قَالَ : قَدْ أَجْمَعُوا والليث مَعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَاتَتْ وَالْجَنِينُ في بطنها وَلَمْ يَسْقُطْ ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَكَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُ امْرَأَةٍ مَيِّتَةٍ حامل ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الضَّرْبُ فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، قَالَ : فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : هِيَ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَانِي ، لَا يُعْطِي ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرَ هَذَا ، وَلَوْ أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ قُضِيَ بِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ لَقَالَ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ ( الَّذِينَ ) قُضِيَ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْقِيَاسِ إِنَّ كُلَّ جَانٍ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَامَ بِخِلَافِهِ الدَّلِيلُ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ مِثْلُ إِجْمَاعٍ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ أَوْ نَصٌّ ، أَوْ سُنَّةٌ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ لَا مُعَارِضَ لَهَا فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْغُرَّةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَامٍ السَّوَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ( أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ : كَيْفَ ) نَدِي مَنْ لَا صَاحَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ، وَلَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ؟ فَقَالَ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ ؟ فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ ، وَهَذَا نَصٌّ ثَابِتٌ صَحِيحٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُوجِبُ الْحُكْمَ ، وَلَمَّا كَانَتْ دِيَةُ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَانَ الجنين أَحْرَى بِذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ ، وَالنَّظَرِ . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْجَنِينَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ مَعَ الدِّيَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا فَقَالَ مَالِكٌ : فِيهِ الْغُرَّةُ وَالْكَفَّارَةُ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ خَرَجَ حَيًّا فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهَذَا عَلَى أُصُولِهِمُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ أُمُّهُ وَهِيَ حَيَّةٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ مِيرَاثِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ عَنِ الْجَنِينِ لِأَنَّهَا دِيَتُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا أَكَلَ ، وَلَا شَرِبَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ قَالَ : فَالْمَضْمُونُ الْجَنِينُ ، لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُعْتَرَضُ فِيهِ بِهَذَا ، وَكَانَ ابْنُ هُرْمُزٍ يَقُولُ : دِيَتُهُ لِأَبَوَيْهِ خَاصَّةً لِأَبِيهِ ثُلُثَاهَا وَلِأُمِّهِ ثُلُثُهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمَا حَيًّا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ مَاتَ كَانَتْ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا لَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْغُرَّةُ لِلْأُمِّ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَهَا فِيهَا شَيْءٌ ، وَلَيْسَتْ دِيَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَةٍ جُنِيَ عَلَيْهَا ، فَقُطِعَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا ( وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ دِيَةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا هَلْ هُوَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَمَا يَلْزَمُ فِي الدِّيَاتِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَالْعُضْوِ ( وَلِهَذَا كَانَتْ ذَكَاةُ الشَّاةِ ذَكَاةً لِمَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَجِنَّةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَتْ مَيِّتَةً ) وَقَوْلُ دَاوُدَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ دَاوُدُ بِأَنَّ الْغُرَّةَ لَمْ يَمْلِكْهَا الْجَنِينُ فَتُورَثُ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَدْخُلُ عَلَيْهِ دِيَةُ الْمَقْتُولِ خَطَأً ، هُوَ لَمْ يَمْلِكْهَا وَهِيَ تُورَثُ عَنْهُ . وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ( أَوْلَى ) وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالْهُدَى . وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَانِي وَهِيَ الْأَكْلُ ، وَالشُّرْبُ ، وَالِاسْتِهْلَالُ ، وَالنُّطْقُ لِقَوْلِهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَ بِهَذِهِ ، لِأَنَّهَا أَسْبَابُ الْحَيَاةِ وَعَلَامَاتُهَا ، فَكُلُّ مَا عُلِمَتْ بِهِ الْحَيَاةُ كَانَ مِثْلَهَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَوْلُودِ لَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا إِلَّا أَنَّهُ تَحَرَّكَ حِينَ سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، وَعَطَسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْطِقْ ، وَلَا صَرَخَ مُسْتَهِلًّا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ إِلَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَا عُرِفَتْ بِهِ حَيَاتُهُ فَهُوَ كَالِاسْتِهْلَالِ وَالصُّرَاخِ وَيُورَثُ وَيَرِثُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا اسْتُوقِنَتْ حَيَاتُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ صَحَّتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْمَعَانِي إِنْكَارُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِهِ وَكَانَ جَهْلًا مِنْ قَائِلِهِ ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّسْجِيعِ إِنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْجِيعَ الْهُذَلِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ اعْتَرَضَ بِهِ قَائِلُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِرَاضَ مُنْكِرٍ ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْرَابِيًّا لَا عِلْمَ لَهُ بِأَحْكَامِ الدِّينِ ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وَتِلْكَ شِيمَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْجَاهِلِينَ . وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا كُلُّهُمْ يَسْجَعُونَ ، أَوْ كَانَ الْأَغْلَبَ مِنْهُمُ السَّجْعُ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ يُغْنِي عَنِ الْاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا نُقِلَ ، عَنْ شِقِّ وَسُطَيْحٍ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَلَامٌ مُسَجَّعٌ ( كُلُّهُ ) وَإِنَّمَا يُنْكَرُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْخَطِيبِ ، أَوْ غَيْرِهِ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ ( كُلُّهُ ) تَسْجِيعًا ، أَوْ أَكْثَرُهُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّجْعُ أَقَلَّ كَلَامِهِ ، فَلَيْسَ بِمَعِيبٍ بَلْ هُوَ مُسْتَحْسَنٌ مَحْمُودٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَنَّهُ ) قَالَ فِي بَعْضِ جِرَاحَاتِهِ : هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْهُ . وَعَنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّجْعَ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ ، وَكَذَلِكَ الشِّعْرُ كَلَامٌ مَنْظُومٌ ، فَالْحَسَنُ مِنْهُ حَسَنٌ وَحِكْمَةٌ ، وَالْقَبِيحُ مِنْهُ وَمِنَ الْمَنْثُورِ غَيْرُ جَائِزٍ النُّطْقُ بِهِ عَصَمَنَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَارٍ فَنُكِبَتْ أُصْبُعُهُ فَقَالَ : هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ أَعُوذُ بِكَ يَا رَبِّ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْأَرْبَعِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَسَنَ السَّجْعِ حَسَنٌ وَقَبِيحَهُ قَبِيحٌ كَسَائِرِ الْكَلَامِ الْمَنْظُومِ وَالْمَنْثُورِ . وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ ، فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ لَا يُشْبِهُ اخْتِلَافَهُمْ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ ، فَأَمَّا مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فَقَالُوا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ : إِنْ وَقَعَ مَيِّتًا مِنْ ضربة الضَّارِبِ لِأُمِّهِ ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ غُلَامًا فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ نَفْسِهِ لَا قِيمَةِ أُمِّهِ ، فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَعُشْرُ قِيمَتِهَا ( نَفْسِهَا ) لَوْ كَانَتْ حَيَّةً ، أَوْ كَانَ حَيًّا ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ . وَلِلتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ أَقَاوِيلُ مُتَقَارِبَةٌ سَأَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ( حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي امْرَأَةٍ عَالَجَتْ نَفْسَهَا حَتَّى أَسْقَطَتْ فَقَالَ : تُعْطِي أَبَاهُ غُرَّةً ) .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ( الْقُرَشِيِّ ) الْمَخْزُومِيِّ ( الْمَدَنِيِّ ) سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مِنْهَا سَبْعَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَسِتَّةٌ مُرْسَلَةٌ ، وَمِنْهَا مَا شَرَكَهُ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ : حَدِيثَانِ مُتَّصِلَانِ مُسْنَدَانِ ، وَحَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ . وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، هَذَا أَشْهَرُ شَيْءٍ فِي مَوْلِدِهِ وَأَصَحُّهُ ، وَقَدْ قِيلَ : وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَهْلُ الْأَثَرِ ، وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَوُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وُلِدَ لِثَلَاثِ سِنِينَ بَقِيَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : كَانَ يُقَالُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : رَاوِيَةُ عُمَرَ ، قَالَ : وَتُوُفِّيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . هَكَذَا قَالَ ( ابْنُ ) الْبَرْقِيِّ . وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ أَخْبَارِهِ هَاهُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى أَبُو مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ عَالِمُ الْمَدِينَةِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ مَنْ أَفْقَهُ مَنْ أَدْرَكْتُمَا ؟ فَقَالَا : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ ، فَذَكَرَ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنْبَسَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَمَقْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ بَعْدَ جَلْدِ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِيَّاهُ فَمَا رَأَيْتُهُ يَفُوتُهُ مَعَهُ سُجُودٌ ، وَلَا رُكُوعٌ ، وَلَا زَالَ يُصَلِّي مَعَهُ بِصَلَاتِهِ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : وَحَدَّثَنِي ذُؤَيْبُ بْنُ عِمَامَةَ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : مَا لَقِيتُ ( قَطُّ ) الْمُنْصَرِفِينَ مِنَ الصَّلَاةِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يُسَمَّى رَاوِيَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ لِأَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ، قَالَ : سَلُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : وُلِدْتُ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ( قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ) بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وُلِدَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ احْتِلَامُهُ أَيَّامَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : ( مِنْ ) مُزَيْنَةَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَذْكُرُ يَوْمَ نَعَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَسَنَذْكُرُ رِوَايَةَ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ حَمَّادِ ابْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ لَا يَرْجِعُ عَنْ فُتْيَا يُفْتِي بِهَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَفْتَى بِخِلَافِهَا ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ قَوْلَهُ ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ سَعِيدٍ وَيَقُولُ : إِنَّ ذَلِكَ رَجُلٌ طَلَبَ الْعِلْمَ فِي مَظَانِّهِ . قَالَ الْحَسَنُ : وَسَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ، وَعَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولَانِ : كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَيِّدَ التَّابِعِينَ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ كَزَازَةٌ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَوْ رَفَقُوا بِهِ لَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ عِلْمًا كَبِيرًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : أَدْرَكْتُ أَرْبَعَةَ بُحُورٍ : سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ : ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ : مَا جَمَعْتُ عِلْمَ الْحَسَنِ إِلَى عِلْمِ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا وَجَدْتُ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْقَهِ أَهْلِهَا فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ تُرِيدُ هَذَا الْأَمْرَ ؟ عَلَيْكَ بِسَعِيدِ بْنِ ( الْمُسَيَّبِ ) قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ ، وَأَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِكُلِّ قَضَاءٍ قَضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلِّ قَضَاءٍ قَضَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَكُلِّ قَضَاءٍ قَضَاهُ عُمَرُ ، قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَعُثْمَانُ ( مِنِّي ) . قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ ، وَكَذَلِكَ ( قَالَ ) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ أَبُو الْحَسَنِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، قَالَ : وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَنَةَ إِحْدَى ، أَوِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ يَعْنِي مَاتَ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَزَادَ : وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ ، قَالَ : وَفِيهَا مَاتَ عُرْوَةُ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَكَانَ يُقَالُ : سَنَةُ الْفُقَهَاءِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْأَصْمَعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي الْوَزِيرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : كُنْتُ أُجَالِسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّسَبَ ، فَسَأَلْتُهُ يَوْمًا عَنْ شَيْءٍ ( مِنَ الْفِقْهِ ) فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ هَذَا وَلَكَ بِهِ حَاجَةٌ فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ الشَّيْخِ وَأَشَارَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَتَحَوَّلْتُ إِلَيْهِ فَجَالَسْتُهُ تِسْعَ ( سِنِينَ ) لَا أَحْسَبُ أَنَّ عَالِمًا غَيْرَهُ . زَادَ الْأَصْمَعِيُّ : ثُمَّ تَحَوَّلْتُ إِلَى عُرْوَةَ فَفَجَّرْتُ مِنْهُ بَحْرًا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْخَبَرَ ، عَنْ مَالِكٍ فَجَعَلَ مَوْضِعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ ثَعْلَبَةَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ ، فَوَهِمَ فِيهِ وَغَلِطَ ، وَالْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ أَبِي الْوَزِيرِ ، وَاسْمُ ابْنِ أَبِي الْوَزِيرِ ( مُحَمَّدُ ) بْنُ عُمَرَ ( هَاشِمِيٌّ ) . وَأَخْبَارُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَفَضَائِلُهُ فِي عِلْمِهِ ( وَدِينِهِ ) وَزُهْدِهِ وَفَهْمِهِ وَوَرَعِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَسَنَذْكُرُهَا ( إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ أَخْبَارِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ، أَعَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَنِعْمَتِهِ . 1646 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ . ( لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا مَتْنِهِ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ تَحْرِيمُ الْمَدِينَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ حَرَامًا لَمْ يَجُزْ فِيهَا الِاصْطِيَادُ ، وَلَا قَطْعُ الشَّجَرِ كَهَيْئَةِ مَكَّةَ إِلَّا أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، كَذَلِكَ قَالَ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : صَيْدٌ الْمَدِينَةِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ شَجَرِهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ مَعَ سَائِرِ مَا فِي ( تَحْرِيمِ ) الْمَدِينَةِ مِنَ الْآثَارِ ، وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيدُ فِي حُدُودِ الْمَدِينَةِ ، أَوْ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِهَا فَخُذُوا سَلَبَهُ ، وَأَخَذَ سَعْدٌ سَلَبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ سَلَبُ مَنْ صَادَ فِي الْمَدِينَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، قَالَ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ شَجَرِهَا ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ إِلَيْهَا فَكَانَ بَقَاءُ الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ مِمَّا يَزِيدُ فِي زِينَتِهَا ، وَيَدْعُو إِلَى أُلْفَتِهَا كَمَا رُوِيَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ هَدْمِ آطَامِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّهَا مِنْ زِينَةِ الْمَدِينَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِي نَسْخِ أَخْذِ السَّلَبِ مَا يُسْقِطُ مَا صَحَّ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ ، وَمَا تَأَوَّلَهُ فِي زِينَةِ الْمَدِينَةِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَلَقَّوْا تَحْرِيمَ ( الْمَدِينَةِ ) بِغَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ ( وَسَعْدٌ قَدْ عَمِلَ بِمَا رَوَى ، فَأَيُّ نَسْخٍ هَاهُنَا ؟ ) وَفِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( مَا ذَعَرْتُهَا ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْوِيعُ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْوِيعُهُ فِي الْحَرَمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَلِكَ نَزْعُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ يَدِ الرَّجُلِ النُّهَسَ ، وَهُوَ طَائِرٌ كَانَ صَادَهُ بِالْمَدِينَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مُرَادَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْرِيمِهِ صَيْدَ الْمَدِينَةِ ، فَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا الِاصْطِيَادَ ، وَلَا تَمَلُّكَ مَا يُصْطَادُ وَلِذَلِكَ نَزَعَ زَيْدٌ النُّهَسَ وَسَرَّحَهُ مِنْ يَدِ صَائِدِهِ . يُقَالُ : إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ ( ، عَنْ مَالِكٍ ) حَرَمُ الْمَدِينَةِ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ يَعْنِي ( مِنَ الشَّجَرِ ) قَالَ : وَاللَّابَتَانِ هُمَا الْحَرَّتَانِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : اللَّابَةُ : الْحَرَّةُ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أُلْبِسَتِ الْحِجَارَةَ السُّودَ الْجُرْدَ وَجَمْعُ اللَّابَةِ لَابَاتٌ ، فَإِذَا كَثُرَتْ جِدًّا فَهِيَ لُوبٌ . قَالَ : وَتَحْرِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ لَابَتَيِ ( الْمَدِينَةِ ) إِنَّمَا يَعْنِي فِي الصَّيْدِ ، فَأَمَّا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ ، فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ فِي دُورِ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا مُحَرَّمٌ كَذَلِكَ ، أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَعْنِي حَرَّتَيْهَا الشَّرْقِيَّةَ وَالْغَرْبِيَّةَ وَهِيَ حِرَارٌ أَرْبَعُ لَكِنَّ الْقِبْلِيَّةَ ، وَالْجَوْفِيَّةَ مُتَّصِلَتَانِ بِهَا ، وَقَدْ رَدَّهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى حَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِاتِّصَالِهَا فَقَالَ : لَنَا حَرَّةٌ مَأْطُورَةٌ بِجِبَالِهَا بَنَى الْعِزُّ فِيهَا بَيْتَهُ فَتَأَثَّلَا قَالَ : وَقَوْلُهُ : مَأْطُورَةٌ بِجِبَالِهَا . يَعْنِي : مَعْطُوفَةٌ بِجِبَالِهَا لِاسْتِدَارَةِ الْجِبَالِ بِهَا ، وَإِنَّمَا جِبَالُهَا تِلْكَ الْحِجَارَةُ السُّودُ الَّتِي تُسَمَّى الْحِرَارُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ وَهْبٍ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ( قَالَ ) : مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ . قِيلَ لِابْنِ وَهْبٍ : فَمَا حَرَّمَهُ فِيهَا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ ؟ قَالَ : حَدُّ ذَلِكَ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ بَلَغَنِي ذَلِكَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : اللَّابَتَانِ هُمَا الْحَرَّتَانِ إِحْدَاهُمَا الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْحَاجُّ إِذَا رَجَعُوا مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ بِغَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ ، وَالْأُخْرَى مِمَّا يَلِيهَا مِنْ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَرَّتَيْنِ حَرَامٌ أَنَّ يُصَادَ فِيهَا طَيْرٌ ، أَوْ صَيْدٌ ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : وَحَرَّةٌ أُخْرَى مِمَّا يَلِي قِبْلَةَ الْمَدِينَةِ وَحَرَّةٌ رَابِعَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجَوْفِ ، فَمَا بَيْنَ هَذِهِ الْحِرَارِ كُلِّهَا فِي الدُّورِ مُحَرَّمٌ أَنَّ يُصَادَ فِيهَا ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا صَادَهُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ إِذَا صَادَ فِيهِ . وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ شَجَرِهَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا جَزَاءَ فِيهِ ( وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْتَلُ الْجَرَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ ) وَكَانَ يَكْرَهُ أَكْلَ مَا قَتَلَ الْحَلَالُ مِنَ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : صَيْدُ الْمَدِينَةِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، وَكَذَلِكَ ( قَطْعُ ) شَجَرِهَا ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ، قَالَ : فَلَمْ يُنْكِرْ صَيْدَهُ وَإِمْسَاكَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( هَذَا ) قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا فِي غَيْرِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْشٌ ، فَإِذَا خَرَجَ لَعِبَ وَاشْتَدَّ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَضَ ، فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ ، وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ النُّغَيْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْآثَارَ فِي تَحْرِيمِ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ : إِنِّي لَأَعْجَبُ مِمَّنْ رَدَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ بَيَانًا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسٍ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْجَزَاءِ عَمَّنِ اصْطَادَ بِالْمَدِينَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ تَحْرِيمِ صَيْدِهَا . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ ، وَغَيْرُهُ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ جَزَاءُ صَيْدٍ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ شَرَعَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْبَرَكَةَ فِيهَا بَرَكَتَيْنِ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ .
1412 حَدِيثٌ ثَانِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ( ، عَنْ مَالِكٍ ) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ مِنْهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا افْتَتَحَ خَيْبَرَ دَعَا الْيَهُودَ فَقَالَ : نُعْطِيكُمُ الثَّمَرَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا ، أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُهَا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ أَيَأْخَذُونَ بِخَرْصِهِ أَمْ يَتْرُكُونَ ؟ ( وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَهَا وَيَزْرَعُونَهَا فَدَعَا يَهُودَ خَيْبَرَ ، وَكَانُوا أُخْرِجُوا مِنْهَا فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا عَلَى النِّصْفِ يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ خَيْبَرَ يَأْخُذُونَهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ أَمْ يَدْفَعُونَهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ التَّمْرُ وَيُفَرَّقَ فَكَانُوا كَذَلِكَ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا صُلْحًا أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالَّذِي جَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ عَمِلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِسُنَّةِ الْفَيْءِ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَنْوَةً عَمِلَ فِيهِ بِسُنَّةِ الْغَنَائِمِ إِلَّا أَنَّ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا عَنْوَةً قَسَمَهُ بَيْنَ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ ، وَقَدْ رُوِيَتْ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرُهَا مُخْتَلِفٌ ، وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، إِلَّا أَنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ اخْتَلَفُوا فِي الْقِيَاسِ عَلَى خَيْبَرَ سَائِرَ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ خَيْبَرَ أَصْلًا فِي قِسْمَةِ الْأَرَضِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ وَذَهَبَ إِلَى إِيقَافِهَا وَجَعَلَهَا قِيَاسًا عَلَى مَا فَعَلَ عُمَرُ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا الْآثَارُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسِّيَرِ بِأَنَّ بَعْضَ خَيْبَرَ كَانَ عَنْوَةً وَبَعْضَهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، قَالَ : فَالْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً ، وَفِيهَا صُلْحٌ ، قُلْتُ : لمالك وَمَا الْكُتَيْبَةُ ؟ قَالَ : مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَكَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي الْمَهْدِيَّ أَنْ تُقَسَّمَ الْكُتَيْبَةُ مَعَ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُمْ يُقَسِّمُونَهَا فِي الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ . فَقِيلَ لمالك : أَفْتَرَى ذَلِكَ لِلْأَغْنِيَاءِ ؟ قَالَ لَا ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُفَرِّقُوهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ جَمَاعَةَ حُصُونٍ ، فَافْتُتِحَ بَعْضُهَا بِقِتَالٍ وَبَعْضُهَا سَلَّمَهُ أَهْلُهُ عَلَى أَنْ تُحْقَنَ دِمَاؤُهُمْ ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ نِصْفُهَا ، كَانَ النِّصْفُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ النِّصْفُ وَهِيَ الْكُتَيْبَةُ ، وَالْوَطِيحُ وَسَلَالِمُ وَوَخْدَةُ ، وَكَانَ الْبَاقِي لِلْمُسْلِمِينَ : نَطَاةُ ، وَالشَّوْقُ ، قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : ( وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنْ خَيْبَرَ شَيْءٌ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ، قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ : وَقَدْ ذَكَرُوا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسٌ كَثِيرٌ بِخَيْبَرَ فَرَأَى أَنْ لَا يُخَيِّبَ مَسِيرَهُمْ وَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنَّ يُشْرِكُوهُمْ ، قَالَ : وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى خَيْبَرَ ، وَكَانَ اللَّهُ وَعَدَهُ إِيَّاهَا ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ قِسْمَتُهُ خَيْبَرَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ( مَعَ مَنْ شَهِدَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ حَضَرَ خَيْبَرَ ، أَوْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَلْيَلْحَقْ بِهِ ، فَإِنَّي مُخْرِجٌ يَهُودَ فَأَخْرَجَهُمْ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى النِّصْفِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا شِئْنَا . فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ التَّمْرُ يُقَسَّمُ عَلَى السِّهَامِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَا افْتُتِحَ عَنْوَةً مِنْهَا بِالْغَلَبَةِ وَالْقِتَالِ قُسِّمَ عَلَى السِّهَامِ كَمَا يُقَسَّمُ السَّبْيُ ، وَمَا كَانَ فَيْئًا كَانَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ وَلِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَى هَذَا تَأْتَلِفُ مَعَانِي الْآثَارِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا خَيْبَرَ ، فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً ( مَجْمَعُ السَّبْيِ ) وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَلَا تَرَى إِلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ حُصُونًا مِنْ خَيْبَرَ لَمَّا رَأَى أَهْلُهَا مَا افْتُتِحَ عَنْوَةً مِنْهَا تَحَصَّنُوا وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُسَيِّرَهُمْ فَفَعَلَ فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( خَاصَّةً ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَخَرَجَ عَنْهَا أَهْلُهَا لِلرُّعْبِ . فَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ الْقَائِلُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ ، قَالَ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَهَا ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُخَمِّسُ مَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَلَا يَجْعَلُ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَنِصْفَهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ( وَغَيْرُهُ ) وَهِيَ عَنْوَةً ، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا بِالْغَلَبَةِ قُسِمَ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَنْ شَهِدَهَا وَخَمَّسَ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَأَسْلَمُوهُ بِلَا قِتَالٍ حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمِ الْفَيْءِ وَاسْتَخْلَصَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ بِفَدَكَ . فَقِفْ عَلَى هَذَا وَتَدَبَّرِ الْآثَارَ تَجِدْهَا عَلَى ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَتْ خَيْبَرُ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ النِّصْفَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَلِلنَّاسِ النِّصْفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، قَالَ : قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ ( بْنُ ) إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثُ صَفَايَا : بَنِي النَّضِيرِ ، وَخَيْبَرَ ، وَفَدَكَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي خَيْبَرَ مَا كَانَ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَجَرَى مَجْرَى بَنِي النَّضِيرِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ فَدَكُ إِنَّمَا صَالَحَ أَهْلَهَا حِينَ بَلَغَهُمْ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ خَيْبَرَ ، فَصَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى حَقَنَ دِمَاءَهُمْ ، قَالَ : وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ خَيْبَرَ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ حَضَرَ خَيْبَرَ ، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَنْ حَضَرَ ( فَتْحَ ) خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَحْضُرِ الْحُدَيْبِيَةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ أُدْخِلُوا فِي قِسْمَتِهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يُدْخَلُوا فِي ذَلِكَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَإِذَا كَانَ أَمْرُ خَيْبَرَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَعَلَى هَذَا الْخُصُوصِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا افْتُتِحَ بَعْدَهَا مِنَ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ قَالَ : وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَاسَ أَمْرَ السَّوَادِ وَغَيْرَهُ عَلَى أَمْرِ خَيْبَرَ أَنْ يَقْسِمَ السَّوَادَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا ، قُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّهُ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ فِيهِ ، قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ ظَاهِرُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَيُحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ خَيْبَرَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَزَعَمَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ خَيْبَرَ لَمْ تُقَسَّمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قُسِّمَتْ فِي زَمَنِ عُمَرَ ( بْنِ الْخَطَّابِ ) قَالَ : وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، فَإِنَّمَا هُوَ قِسْمَةُ جَمْعٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ مِائَةِ سَهْمٍ كَسَهْمٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ جَزَّأَ غَلَّاتِهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يُقَسِّمِ الْأَرْضَ . أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الطَّحَاوِيَّ ، فَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْرَكَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ وَصَارَتْ خَيْبَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْمُسْلِمِينَ ضَعُفُوا عَنْهَا فَدَفَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَهُودِ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ وَلَهُمُ النِّصْفُ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِصْفَيْنِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ وَسَهْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهَا وَجَعَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ لِلْمُسْلِمِينَ الشَّطْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ كَسَهْمِ أَحَدِهِمْ ، وَعَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ ، وَالْكُتَيْبَةَ ، وَالسَّلَالِمَ وَتَوَابِعَهَا فَلَمَّا صَارَتِ الْأَمْوَالُ بِيَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَهْذَبُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ( مَعْنًى وَأَحْسَنُهُ إِسْنَادًا ، وَهُوَ يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا ، وَقَدْ رَوَي هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، عَنْ سَهْلٍ مُخْتَصَرًا ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ ( بْنُ أَصْبَغَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُكْتَفٍ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ، قَالَ : لَمَّا أَخْرَجَ عُمَرُ يَهُودَ خَيْبَرَ رَكِبَ فِي الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ وَخَرَجَ مَعَهُ بِجَبَّارِ بْنِ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَ خَارِصَ الْمَدِينَةِ وَحَاسِبَهُمْ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَهُمَا قَسَّمَا خَيْبَرَ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى أَصْلِ جَمَاعَةِ السُّهْمَانِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ مَا افْتَتَحَ عَنْوَةً كَمَا قُسِّمَتْ خَيْبَرُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَسِّمَ ذَلِكَ وَيَفْعَلَ فيه كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي أَرَضِ السَّوَادِ فَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَا يُحَصِّلُ مَا يَقُولُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُحَصِّلُ كَلَامَهُ لَا يَقُولُ فِي رَجُلٍ مَلَّكَهُ اللَّهُ شَيْئًا : إِنَّ لِلْإِمَامِ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ، هَذَا مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ ذِي نَظَرٍ وَلَا فَهْمٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ إِسْمَاعِيلُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَ لِلْغَانِمِينَ فِيهَا شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ مَا أَعْطَى ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ذَلِكَ الشَّيْءَ ، أَوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِهِمْ ، وَلَمَا مُنِعُوهُ . وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ تَخْصِيصُ آيَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ ، وَأَنَّ هَذَا لَفْظُ عُمُومٍ بِقَوْلِهِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ الْخُصُوصَ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَسَائِرُ الْأَمْتِعَةِ ( وَالسَّعْيُ ) ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَغَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ ، مِنْهَا ظَاهِرُ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ الْآيَةَ ، وَمِنْهَا فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي تَوْقِيفِهِ أَرْضَ السَّوَادِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْغَنَائِمَ الَّتِي أُحِلَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ وَهِيَ الَّتِي كَانَتِ النَّارُ تَأْكُلُهَا ، قَالَ : وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَحْرِقُوا مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَتَاعِ فِرْعَوْنَ فَجَمَعُوهُ وَأَحْرَقُوهُ وَأَلْقَى السَّامِرِيُّ ( فِيهِ ) الْقَبْضَةَ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِهِ مِنْ أَثَرِ ( الرَّسُولِ ) يُقَالُ : مِنْ أَثَرِ جِبْرِيلَ ، فَصَارَتْ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَجْرِ هَذَا الْمَجْرَى ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الْآيَةَ ، وَقَالَ : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُقَسِّمْ أَرْضَ السَّوَادِ ، وَمِصْرَ وَالشَّامَ وَجَعَلَهَا مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَ الْغَانِمِينَ ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا إِسْمَاعِيلُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُ بَعْدَ عُمَرَ إِنْكَارٌ لِفِعْلِ عُمَرَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْرُوفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ مَا افْتَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ . ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا وَقَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَغَيْرُهُمَا يُرْسِلُهُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عُمَرَ ) وَمِمَّا يُصَحِّحُ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنَعَتِ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا . الْحَدِيثَ بِمَعْنَى سَتَمْنَعُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْغَانِمِينَ ، لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ الْغَانِمُونَ لَا يَكُونُ فِيهِ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ تُقَسَّمُ كَمَا تُقَسَّمُ الْأَمْوَالُ مَا بَقِيَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْغَانِمِينَ شَيْءٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَسَّمُ ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ . ( قَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَسَعِيدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا ) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( قَالَ : ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنَعَتِ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا ، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا ، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا ، ثُمَّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : مَنَعَتْ بِمَعْنَى سَتَمْنَعُ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَذْهَبِ عُمَرَ فِي إِيقَافِ الْأَرْضِ وَضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَسَمَهَا وَأَهْلَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَجَعَلَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ وَتَكُونُ الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا وَشِرَاؤُهُمْ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا كَانَ عَنْوَةً فَخُمْسُهَا لِأَهْلِهَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ ، فَمَنْ طَابَ نَفْسًا عَنْ حَقِّهِ جَازَ لِإِمَامِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَالِهِ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَرْضَ العنوة غير مَمْلُوكَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا رَهْنُهَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ( فِي جُمْلَةِ بَيْعِهَا وَلَا رَهْنِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَيْضًا ( فِي جُمْلَةِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي قِسْمَتِهَا ، أَوْ تَوْقِيفِهَا ، فَإِذَا قُسِّمَتْ ، مَلَكَ كُلٌّ نَصِيبَهُ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ قِسْمَتَهَا ، فَإِنْ وُقِفَتْ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنَ الْغَانِمِينَ ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ عُمَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ ، فَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ أُقِرَّتْ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ ، وَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ أَرْضِ الصُّلْحِ وَرَهْنَهَا وَجَعْلَهَا مِلْكًا لِأَهْلِهَا الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهَا ، قَالَ : وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَانَ أَحَقَّ بِأَرْضِهِ وَمَالِهِ ، قَالَ : وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَصَارَتْ أَرْضُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ بِلَادَهُمْ صَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَحُكْمُ الْأَرْضِ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْفَيْءِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا حَصَلَ مِنَ الْغَنَائِمِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قُسِّمَ ، إِلَّا الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ فِيهِمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَمُنَّ ، أَوْ يَقْتُلَ ، أَوْ يُفَادِيَ ، أَوْ يَسْبِيَ . وَسَبِيلُ مَا سَبَى مِنْهُمْ ، أَوْ أَخَذَ مِنْ شَيْءٍ عَلَى إِطْلَاقِهِمْ سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ قَالَ : تُقَسَّمُ الْأَرْضُ كَمَا تُقَسَّمُ سَائِرُ الْغَنَائِمِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ ، وَالْأَرْضُ مَغْنُومَةٌ لَا مَحَالَةَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ فَوَجَبَ أَنْ تُقَسَّمَ كَمَا تُقَسَّمُ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا ، وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا افْتُتِحَ عَنْوَةً مِنْ خَيْبَرَ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ : الْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهُمُ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهَا وَشَهِدُوا فَتْحَهَا ، قَالُوا : وَهَذَا أَمْرٌ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ نَقْلِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْأَثَرِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَرْضًا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُدَّعَى الْخُصُوصُ فِي الْأَرْضِ جَازَ أَنْ يُدَّعَى فِي غَيْرِ الْأَرْضِ فَيَبْطُلُ ( حُكْمُ ) الْآيَةِ ، قَالُوا : وَلَا مَعْنَى لِمَا احْتَجَّ بِهِ مُخَالِفُنَا مِنْ آيَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَيْءِ لَا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَجُمْلَةُ الْفَيْءِ : مَا رَجَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِلَا قِتَالٍ مِثْلَ مَنْ يَتْرُكُ بِلَادَهُ وَيَخْرُجُ عَنْهَا لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي بِهِ نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ . وَمِثْلَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْكُفْرِ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ ، وَمَا تَأْتِي بِهِ الرِّيحُ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَدُوِّ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، أَوْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَيِّتٌ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَكُلُّ هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِمَّا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، وَلَا مَئُونَةِ حَرْبٍ فَهُوَ الْفَيْءُ الَّذِي قُصِدَ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ فَقُسِّمَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا نَحْوَ قَسْمِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إِلَى الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ ، قَالُوا : وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُخَالِفُنَا ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ إِنَّمَا هُوَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ بِدُعَائِهِمْ لِمَنْ سَبَقَهُمْ بِالْإِيمَانِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالُوا : وَلَيْسَ يَخْلُو فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَوْقِيفِهِ الْأَرْضَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ ( إِمَّا ) أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً اسْتَطَابَ أَنْفُسَ أَهْلِهَا فَطَابَتْ بِذَلِكَ فَوَقَفَهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَى جَرِيرٌ أَنَّ عُمَرَ اسْتَطَابَ نُفُوسَ أَهْلِهَا ، وَكَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبْيِ هَوَازِنَ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ عَمَّا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى مَا نَقَلَهُ ثِقَاتُ الْعُلَمَاءِ ( وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا وَقَفَهُ عُمَرُ فَيْئًا فَلَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى مُرَاضَاةِ أَحَدٍ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِمَنْ فَهِمَ ، فَهَذَا مَا أَوْجَبَهُ الْعِلْمُ مِنَ الْقَوْلِ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ أَرْضِ الْغَنَائِمِ . حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانُوا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ إِلَى أَمْوَالِنَا بِخَيْبَرَ نَتَعَهَّدُهَا فَلَمَّا قَدِمْنَا تَفَرَّقْنَا فِي أَمْوَالِنَا ، قَالَ : فَعُدِيَ عَلَيَّ تَحْتَ اللَّيْلِ ، وَأَنَا نَائِمٌ فَفُدِعَتْ يَدَايَ مِنْ مِرْفَقِي ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اسْتَصْرَخَ عَلَيَّ صَاحِبَايَ ، فَأَتَيَانِي فَسَأَلَانِي مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكَ ؟ فَقُلْتُ : لَا أَدْرِي ، قَالَ : فَأَصْلَحَا مِنْ يَدِي ( ثُمَّ قَدِمَا بِي عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : هَذَا عَمَلُ يَهُودَ ) ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا ، وَقَدْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَفَدَعُوا يَدَيْهِ كَمَا قَدْ بَلَغَكُمْ مَعَ عَدْوَتِهِمْ عَلَى الْأَنْصَارِ قَبْلَهُ لَا نَشُكُّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهُ لَيْسَ لَنَا عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ ، فَمَنْ كَانَ ( لَهُ ) مَالٌ ( بِخَيْبَرَ ) فَلْيَلْحَقْ بِهِ ، فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ ، فَأَخْرَجَهُمْ . وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى أَهْلِهَا بِالشَّطْرِ ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُمْ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ كُلَّهَا حَتَّى بَعَثَنِي إِلَيْهِمْ عُمَرُ لِأُقَاسِمَهُمْ فَسَحَرُونِي فَتَكَوَّعَتْ يَدَايَ ، فَانْتَزَعَهَا عُمَرُ مِنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا دِينَانِ كَنَحْوِ مَحَبَّتِهِ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ حَتَّى نَزَلَتْ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا الْآيَةَ ، وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِوَحْيٍ ، وَكَانَ يَرْجُو أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ رَغْبَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ ، فَذَكَرَ لِلْيَهُودِ مَا ذَكَرَ مُنْتَظِرًا لِلْقَضَاءِ فِيهِمْ بِإِخْرَاجِهِمْ عَنْ أَرْضِ الْعَرَبِ ، فَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَأَتَاهُ فِي ذَلِكَ مَا أَتَاهُ ، فَذَكَرَ أَنْ لَا يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ، وَأَوْصَى بِذَلِكَ ، وقد ذكرنا جملا من هذا المعنى فيما سلف من كتابنا هذا وَقَدْ ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ( نَحْوِ ) مَا قُلْنَا . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى الْيَهُودِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهَا وَلَهُمْ شَطْرُهَا ، قَالَ : فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، ثُمَّ أُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : لَا يَجْتَمِعُ دَيْنَانِ بِأَرْضٍ الحجاز ، أَوْ قَالَ : بِأَرْضِ الْعَرَبِ ، فَفَحَصَ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَ ( عَلَيْهِ ) الثَّبْتَ فَقَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَأْتِ بِهِ ، وَإِلَّا فَإِنِّي مُجْلِيكُمْ ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا . فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ يَقُولُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنِّي ( بِكَ ) وَقَدْ وُضِعْتَ كَوَرِكٍ عَلَى بَعِيرِكَ ، ثُمَّ سِرْتَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّهُ وَاللَّهِ لَا تُمْسُونَ بِهَا . فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : مَا رَأَيْتُ كَلِمَةً كَانَتْ أَشَدَّ عَلَى مَنْ قَالَهَا وَلَا أَهْوَنَ عَلَى مَنْ قِيلَتْ لَهُ ( مِنْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ وَمُدَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ مَعَانِيَ الْإِجَارَاتِ وَسَائِرَ الْمُعَامَلَاتِ مِنَ الشَّرِكَةِ ، وَالْقِسْمَةِ ، وَأَنْوَاعِ أَبْوَابِ الرِّبَا ، وَالْعِلَّةُ بَيَّنَهَا فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ ، وَذَلِكَ انْتِظَارُ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى خُصُوصِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ خُصُوصٍ لَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُشْرِكَهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَسِنِينَ مَعْدُودَةٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَهَا فِيمَا طَالَ مِنَ السِّنِينَ مِثْلَ الْعَشْرِ فَمَا فَوْقَهَا ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِنَّمَا ) قَالَ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ وَكَانَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُنَا لَهُ ، وَكَانَ أَهْلُهَا لَهُ وَلِمَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنْهَا كَالْعَبِيدِ ، لِأَنَّهُ سَبَاهُمْ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ ، وَجَائِزٌ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ مَالَهُ لَهُ وَلَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ رِبًا ، وَإِنْ كُرِهَ ذَلِكَ لَهُمَا عِنْدَنَا ، وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْبُيُوعِ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الشُّرَكَاءِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا نُورِدُهُ بَعْدُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُجِيزُونَ الْخَرْصَ لِلزَّكَاةِ ) وَإِنَّمَا يَجُوزُ ( ذَلِكَ ) عِنْدَهُمْ فِي الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُعَيَّنِينَ ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ كَالْمَعْرُوفِ ، وَأَهْلُهَا فِيهَا أُمَنَاءُ ، وَأَمَّا قِسْمَةُ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ الْأَشْجَارِ ( فِي الْمُسَاقَاةِ ، أَوْ غَيْرِهَا ) فَلَا يَصْلُحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ لِأَصْحَابِنَا فِي إِجَازَةِ قِسْمَةِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا سَنَذْكُرُهُ عَنْهُمْ ، وَعَمَّنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا لَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْقِسْمَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا كَيْلًا فِيمَا يُكَالُ ، أَوْ وَزْنًا فِيمَا يُوزَنُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ( وَأَمَّا حِكَايَةُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ ) فَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ وَيَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ مِنْ قِسْمَةِ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ إِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَةُ الشَّرِيكَيْنِ إِلَّا التَّمْرُ ، وَالْعِنَبُ فَقَطْ ، وَأَمَّا الْخَوْخُ ، وَالرُّمَّانُ ، وَالسَّفَرْجَلُ ، وَالْقِثَّاءُ ، وَالْبِطِّيخُ ، وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ اقْتِسَامَهُ عَلَى التَّحَرِّي ، وَكَانَ يَقُولُ : الْمُخَاطَرَةُ تَدْخُلُهُ حَتَّى يُبَيَّنَ فَضْلُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ : وَلَا بَأْسَ بِاقْتِسَامِهِ إِذَا تَحَرَّى وَعَدَلَ ، أَوْ كَانَ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالرِّضَا بِالتَّفَاضُلِ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَبِهِ أَقُولُ ، لِأَنَّ مَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَازَتْ قِسْمَتُهُ بِالتَّحَرِّي ، وَذَكَرَ سَحْنُونُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَرْخَصَ فِيهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ ( لِي ) فِيهِ ، قَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْتُ مَالِكًا مَرَّاتٍ عَنْ ثَمَرَةِ النَّخْلِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّمَارِ تُقْسَمُ بِالْخَرْصِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لِي : إِذَا طَابَتِ الثَّمَرَةُ مِنَ النَّخْلِ وَغَيْرِهَا قُسِمَتْ بِالْخَرْصِ ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قِيَاسًا عَنْ جَوَازِ بِيعِ الْعَرَايَا فِي غَيْرِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ ، كَمَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَشْهَبُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الثِّمَارِ إِلَّا طِيبُهَا ثُمَّ يَقْسِمُهَا بَيْنَ أَرْبَابِهَا بِالْخَرْصِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى اخْتِلَافِ حَاجَاتِهِمْ ، وَرَوَاهُ ، عَنْ مَالِكٍ . ( قَالَ ) : وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ غَرَضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ ، وَالْآخَرُ أَنْ يُيَبِّسَ وَيَدَّخِرَ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَأْكُلَ ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُمْ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْخَرْصَ ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حَاجَاتُهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَبِيعُوا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْكُلُوا رُطَبًا ، أَوْ تَمْرًا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَجُذُّوهَا تَمْرًا لَمْ يَقْسِمُوهَا وَلَا بِالْخَرْصِ ( وَقَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا عَلَى أَصْلِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ) ( وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ إِذَا اقْتَسَمَتِ الْأُصُولَ بِمَا فِيهَا مِنَ الثَّمَرَةِ جَازَ ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعٌ لِلْأُصُولِ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ عَرَاجِينِ النَّخْلِ وَأَغْصَانِ الشَّجَرِ بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ فِي الثَّمَرِ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ إِذَا قُسِمَتْ عِنْدَهُ مَزْرُوعَةً كَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ فِي الْقِسْمَةِ ، وَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةٌ الْبُيُوعِ ، قَالَ : لِأَنَّهَا تَجُوزُ بِالْقُرْعَةِ ، وَالْبَيْعُ لَوْ وَقَعَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ، فَإِنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَى الْقَسْمِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّحَابِيَ فِي قِسْمَةِ الثَّمَرَةِ ، وَغَيْرِهَا جَائِزٌ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَتَطَوُّعٌ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِسْمَةُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طِيبِهَا بِالْخَرْصِ عَلَى حَالٍ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُ قِسْمَتُهَا مَعَ الْأُصُولِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ : يَجُوزُ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا طَابَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ) وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْيَهُودِ كَانَ مِنْ أَجْلِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي تِلْكَ الثَّمَرَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ( فَكَانَ يَبْعَثُ مَنْ يَخْرُصُ الثِّمَارَ عَلَى أَرْبَابِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ وَرِفْقًا بِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا مِنْ أَجْلِ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَكْلِهَا رُطَبًا ، وَمِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَكْلِ لَأَضَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَشَقَّةٌ كَبِيرَةٌ ، وَلَوْ تُرِكُوا وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَسَاكِينِ وَأُتْلِفَ كَثِيرٌ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَلِهَذَا مَا كَانَ ( مِنْ ) تَوْجِيهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْخَارِصِ وَإِرْسَالِهِ إِيَّاهُ لِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَالْأَصْلُ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ أُمَنَاءُ ، وَالْخَرْصُ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخْرَصْ عَلَيْهِمْ إِلَّا رِفْقًا بِهِمْ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِطْلَاقِهِمْ لِلتَّصَرُّفِ فِي ثِمَارِهِمْ وَحِفْظِ مَا يَجِبُ لِلْمَسَاكِينِ فِيهَا مِنْ حِينِ طِيبِهَا ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لِرَبِّ الْمَالِ بَعْدَ الْخَرْصِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا خَرَصَ الْخَارِصُ أَدَّاهَا ، لِأَنَّ الْخَرْصَ حُكْمٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْاجْتِهَادِ ، فَإِذَا جَاءَتِ الْحَقِيقَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَيْهَا ، وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : خَرَصَ ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمْ أَخَذُوا الثَّمَرَ وَأَدَّوْا عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَحُقَّ عَلَى الْخَارِصِ إِذَا اسْتَكْثَرَ رَبُّ الْمَالِ الْخَرْصَ أَنْ يُخَيِّرَهُ كَمَا خَيَّرَ ابْنُ رَوَاحَةَ الْيَهُودَ ، قَالَ : أَيْ لَعَمْرِي وَأَيُّ سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وقلت لِعَطَاءٍ مَتَّى يُخْرَصُ النَّخْلُ ؟ قَالَ : حِينَ تُطْعَمُ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ وَهِيَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى الْيَهُودِ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ ( ثُمَّ يُخْبِرُ يَهُودَ أَنْ يَأْخُذُوهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، أَوْ يَدْفَعُوهَا إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ ) . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْخَرْصِ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ لِلزَّكَاةِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ لِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ : حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ النَّضْرِ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ ، وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا ، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا ، فَتِلْكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ، قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الزَّيْتُونَ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ مِمَّا اجْتُمِعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ لَخُرِصَ ، لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ بَادِيَةٌ ، وَمَا عَدَا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ مِمَّا اجْتُمِعَ عَلَى زَكَاتِهِ فَثَمَرَتُهُ لَيْسَتْ بِبَادِيَةٍ ، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْخَرْصَ فِي الزَّيْتُونِ وَدَفَعَ الْإِجْمَاعَ فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمِمَّنْ أَجَازَ الْخَرْصَ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ لِلزَّكَاةِ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ : إِنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الْخَرْصُ لِلزَّكَاةِ جَائِزٌ فِي النَّخْلِ ، وَغَيْرُهُ جَائِزٌ فِي الْعِنَبِ وَدَفَعَ حَدِيثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْخَرْصَ ولم يجزه بِحَالٍ ، وَقَالَ : الْخَرْصُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ، قَالَ : وَإِنَّمَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا يَصِيرُ فِي يَدِهِ لِلْمَسَاكِينِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ . ( وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا عَلَى أَنَّ الثَّوْرِيَّ مَعَ قَوْلِهِ إِنَّمَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا يَصِيرُ فِي يَدِهِ لِلْمَسَاكِينِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ) يَقُولُ : إِنَّ صَاحِبَ الثَّمَرَةِ وَالْأَرْضِ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا أَكَلَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا أَكَلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَأَطْعَمَ جَارَهُ وَصَدِيقَهُ أُخِذَ مِنْهُ عُشْرُ مَا بَقِيَ إِذَا بَلَغَ خَرْصُهُ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَتْرُكُ الْخَرَّاصُ لِأَرْبَابِ الثِّمَارِ شَيْئًا لِمَكَانِ مَا يَأْكُلُونَ ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُمْ مِنَ الْخَرْصِ شَيْءٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ( وَغَيْرُهُ عَنْهُ ) وَقَالَ اللَّيْثُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ : يُبْدَأُ بِهَا قَبْلَ النَّفَقَةِ ، وَمَا أَكَلَ مِنْ فَرِيكٍ هُوَ وَأَهْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الرُّطَبِ الَّذِي يُتْرَكُ لِأَهْلِ الْحَوَائِطِ يَأْكُلُونَ ، وَلَا يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ ( كُلِّهِ ) كَقَوْلِ اللَّيْثِ سَوَاءً فِي خَرْصِ الثِّمَارِ وَالتَّرْكِ لِأَهْلِهَا مَا يَأْكُلُونَ رُطَبًا وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَهَذَا يُوجِبُ مُرَاعَاةَ وَقْتِ الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ لَا مَا قَبْلَهُ . وَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ دِينَارٍ يَقُولُ : جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إِلَى مَسْجِدِنَا فَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْخَرْصَ لِلزَّكَاةِ ، وَمِثْلُ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي خَرْصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلزَّكَاةِ خَرَصُوا عَلَيْهَا عَامَ تَبُوكَ فِي حَدِيقَتِهَا عشرة أوسق فَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ ، فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ ، وَالْوَاطِيَةَ ، وَالْأَكَلَةَ ، وَالْوَصِيَّةَ ، وَالْعَامِلَ ، وَالنَّوَائِبَ . وَرَوَى سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ الْخُرَّاصَ أَنْ يَخْرُصُوا وَيَرْفَعُوا عَنْهُمْ قَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُخْرَصُ عَلَيْهِمْ ، ثُمْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْخَرْصِ ، وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ فِي الْخَرْصِ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَيْضًا فَمِمَّنْ أَجَازَهَا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ ( وَزُفَرُ ) وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرَجُ مِنْ ثَمَرٍ ، أَوْ زَرْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْملُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وأن رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَطْرُ ثَمَرِهَا ، لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ( وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنَ الثَّمَرَةِ ) وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي الْغَابَةِ الْبَيَاضِ لِلْعَامِلِ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ الْبَيَاضَ كَانَ بِخَيْبَرَ بَيْنَ النَّخْلِ تَبَعًا لَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمُسَاقَاةِ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَالْمُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ جَائِزَةٌ سِنِينَ ، لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَمَّا انْعَقَدَتْ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ مِنَ الثَّمَرَةِ فِي عَامٍ كَانَ كَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَعْوَامِ ، مَا لَمْ يَطُلْ عَلَى حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي ثَمَرٍ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا قَوْلُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَفِرْقَةٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فَقَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ أَصْلٍ نَحْوَ النَّخْلِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالتِّينِ ، وَالْفِرْسِكِ ، وَالْعِنَبِ ، وَالْوَرْدِ ، وَالْيَاسَمِينِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَكُلِّ مَا لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ يَبْقَى ، قَالَ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ مَا يُجْنَى ، ثُمَّ يُخَلَّفُ نَحْوَ الْقَصَبِ ، وَالْبُقُولِ ، وَالْمَوْزِ ، لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَبَيْعَ مَا يُجْنَى بَعْدَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : كَانَ بَيَاضُ خَيْبَرَ يَسِيرًا بَيْنَ أَضْعَافِ سَوَادِهَا ، فَإِذَا كَانَ الْبَيَاضُ قَلِيلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزْرَعَهُ الْعَامِلُ مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَمَا نَبَتَ مِنْهُ كَانَ بَيْنَ الْمُسَاقِينِ عَلَى حَسَبِ شَرِكَتِهِمَا فِي الْمُسَاقَاةِ ، قَالَ : وَأَحَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُلْغَى الْبَيَاضُ الْيَسِيرُ فِي الْمُسَاقَاةِ لِلْعَامِلِ فَيَزْرَعُهُ لِنَفْسِهِ فَمَا نَبَتَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْرُ الْيَسِيرَ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الثُّلُثِ من السواد ، قَالَ مَالِكٌ : وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ إِذَا اسْتَقَلَّ وَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاةٌ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ بَعْدَ عَجْزِ صَاحِبِهِ عَنْ سَقْيِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ إِذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الْمَوْزِ وَلَا الْقَصَبِ ، حَكَى هَذَا كُلَّهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ( وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ) وَابْنُ وَهْبٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الطَّلْعِ مَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ ، فَإِذَا بَلَغَ حَالًا لَا يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ لَمْ يُرْطِبْ ، وَقَالَ فِي الزَّرْعِ : جَائِزٌ مُسَاقَاتُهُ مَا لَمْ يُسْتَحْصَدْ ، فَإِنِ اسْتُحْصِدَ لَمْ يَجُزْ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ، لِأَنَّ ثَمَرَهَا بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ وَلَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ لِإِحَاطَةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَثَمَرُ غَيْرِهِمَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ وَرَقِ شَجَرِهِ لَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ فِيهَا بَيَاضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِ الْبَيَاضِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ ، وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِشَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ ، وَكَانَ غَيْرَ مُثْمِرٍ جَازَ أَنْ يُسَاقَى عَلَيْهِ فِي النَّخْلِ لَا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ ، قَالَ : وَلَوْلَا الْخَبَرُ بِقِصَّةِ خَيْبَرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِمُسَاقِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي مُسَاقَاةِ الْبَعْلِ ، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّلْقِيحِ ، وَالزِّبِرِّ ، وَالْحَفْرِ ، وَالْحِفْظِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِيمَا يُسْقَى ، قَالَ اللَّيْثُ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ اسْتَقَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَقِلَّ قَالَ : وَتَجُوزُ فِي الْقَصَبِ ، لِأَنَّ الْقَصَبَ أَصْلٌ ، وَأَجَازَ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَجَمَاعَةٌ الْمُسَاقَاةَ فِي النَّخْلِ ، وَالْأَرْضِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ كَانَ الْبَيَاضُ يَسِيرًا ، أَوْ كَثِيرًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ فِي بَابِ دَاوُدَ وَرَبِيعَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحِينِ الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فِي الثِّمَارِ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُسَاقَى مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ إِذَا كَانَ فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ وَطَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، وَيَجُوزُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ مَرَّةً : يَجُوزُ ، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ وَقَالَ مَرَّةً : لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فِي أَصْلِ الثَّمَرَةِ ، وَفِيمَا يُخْرِجُهُ .
291 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ : فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ أَحَدِكُمْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زِيَادٍ النَّصِيبِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَالتَّرْغِيبُ فِي حُضُورِهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ سَوَاءٌ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ جَمَاعَةً مِنْ جَمَاعَةٍ ، وَالْقَوْلُ عَلَى عُمُومِهِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ . وَقَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَةً ، لَمْ يَقْصِدْ جَمَاعَةً مِنْ جَمَاعَةٍ ، وَلَا مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ مَوْضِعٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صِلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَصَلَاتُهُ مَعَ الثَّلَاثَةِ أَزْكَى مِنْ صِلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ فَهُوَ أَزْكَى ، وَأَطْيَبُ - فَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - أَعْنِي حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْفَذِّ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ أَفْضَلَ ، وَإِذَا جَازَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ وَحْدَهُ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَرْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمْ تَجُزْ لِلْفَذِّ صَلَاتُهُ كَمَا أَنَّ الْفَذَّ لَا يُجْزِئُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ظُهْرًا ( وَلَا غَيْرَهَا ) إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ . قَدِ احْتَجَّ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ يَقُولُونَ : إِنَّ حُضُورَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَضِيلَةٌ ، وَفَضْلٌ وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : شُهُودُ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ ( عَلَى الْكِفَايَةِ ) وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : شُهُودُهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ دَلَائِلُ يَطُولُ ذِكْرُهَا لِلْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ : إِنَّ حُضُورَ ( صَلَاةِ ) الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ كَالْجَمَاعَةِ سَوَاءٌ . وَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْفَذَّ صَلَاةٌ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ صَلَّاهَا قَبْلَهُمْ أَعَادَ ، وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ آثَارٍ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ سَنَذْكُرُ مَا رَوَى مِنْهَا مَالِكٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْلُو قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ ( صَلَاةَ النَّافِلَةِ ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ ) مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ عُذْرٍ عَنِ الْفَرِيضَةِ ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ . فَإِذَا احْتَمَلَ مَا ذَكَرْنَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ : صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي ( هَذَا ) إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ . عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ صَلَاةَ النَّافِلَةِ ، بِتَفْضِيلِهِ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَرْضَ ، وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ غَلَبَهُ عَلَى صَلَاتِهِ نَوْمٌ كُتِبَ لَهُ أَجْرُهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ عَمَلٌ يَعْمَلُهُ ، فَمَنَعَهُ ( مِنْهُ ) مَرَضٌ أَمَرَ اللَّهُ كَاتِبَيْهِ أَنْ يَكْتُبَا لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا ، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا أَنْفَقْتُمْ نَفَقَةً إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ . عَلِمْنَا بِهَذِهِ الْآثَارِ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا أَنَّ الْمُتَخَلِّفَ بِعُذْرٍ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى تَفْضِيلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ صَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ هُوَ الْمُتَخَلِّفُ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَعَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُفَاضِلْ بَيْنَهُمَا إِلَّا وَهُمَا جَائِزَانِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ مِحْجَنٍ الدِّيلِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي . فَعَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى فِي رَحْلِهِ مُنْفَرِدًا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا حَضَرَتِ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْعُذْرِ الْمَطَرُ وَالظُّلْمَةُ لِقَوْلِهِ أَلَّا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ وَمِنَ الْعُذْرِ أَيْضًا مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا ، وَمَضَى الْقَوْلُ هُنَاكَ فِي مَعَانِيهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ( كَثِيرًا ) .
1319 حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ . وَالْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ : اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ ( عِنْدَ ) جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَنْ فَهِمَ ، وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ تَفْسِيرٍ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَأَعَمُّهُ ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ هَاهُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنَّا الْقَوْلُ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ مُسْتَوْعَبًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ سَمِعَ مِنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يَكُونُ الْعَالِمُ إِذَا اجْتَمَعَ لَهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ يُرْسِلُهُ إِلَى الْمُعْزِي إِلَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَيَسْتَثْقِلُ أَنْ يُسْنِدَهُ أَحْيَانًا عَنِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الدِّيوَانِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَرَّةً تَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمَرَّةً تُسَمِّي مَنْ حَدَّثَكَ عَنْهُ ، فَقَالَ : إِذَا أَسْنَدْتُ لَكَ الْحَدِيثَ عَنْهُ ، فَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ عَنْهُ . وَإِنْ لَمْ أُسَمِّ لَكَ أَحَدًا ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ حَدَّثَنِيهِ جَمَاعَةٌ ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ كَلَامُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ : مَا الْمُحَاقَلَةُ ؟ قَالَ : الْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ كَهَيْئَةِ الْمُزَابَنَةِ فِي النَّخْلِ سَوَاءٌ : بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْقَمْحِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَسَّرَ لَكُمْ جَابِرٌ فِي الْمُحَاقَلَةِ كَمَا أَخْبَرْتَنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فِي بَابِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَالْقَضَاءُ فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَسَخَ ، وَإِنْ قَبَضَ وَفَاتَ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَكِيلَةِ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ بِمِثْلِ صِفَةِ مَا قَبَضَ مِنْهُ فِي كَيْلِهِ ، وَرَجَعَ صَاحِبُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ بِقِيمَةِ ثَمَرِهِ ، أَوْ قِيمَةِ زَرْعِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَكِيلَةِ يَوْمَ قَبَضَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ .
1681 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُتَّصِلٌ ( مَالِكٌ ) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ ( فِيمَا عَلِمْتُ ) وَرَوَاهُ شَيْخٌ يُسَمَّى حَاتِمَ بْنَ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأَخْطَأَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ مَالِكٍ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ ( الْمُسَيَّبِ ) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو أُوَيْسٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ ، وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَالزُّبَيْدِيُّ فَرَوَوْهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ فَضْلُ الْحِلْمِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِلْمَ كِتْمَانُ الْغَيْظِ ، وَأَنَّ الْعَاقِلَ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، لِأَنَّ الْعَقْلَ فِي اللُّغَةِ ضَبْطُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ . مِنْهُ قِيلَ : عِقَالُ النَّاقَةِ . وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ مِلْكُ النَّفْسِ وَصَرْفُهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا الْمُرْدِيَةِ لَهَا وَحَبْسُهَا عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَغْلِبُهَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِلَّذِي يَغْلِبُ غَيْرَهُ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَصْعَبُ مَرَامًا ، وَأَفْضَلُ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( الصُّرَعَةُ ) فَإِنَّهُ يَعْنِي الْكَثِيرَ الْقُوَّةِ الَّذِي يَصْرَعُ كُلَّ مَنْ صَارَعَهُ وَمِثْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ هَذَا رَجُلٌ نُوَمَةٌ يَعْنِي كَثِيرَ النَّوْمِ وَحُفَظَةٌ يَعْنِي كَثِيرَ الْحِفْظِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الصُّرَعَةُ تَثْقِيلُ الْكَلِمَةِ بِالْحَرَكَاتِ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ ، قَالَ : وَالصُّرْعَةُ بِالتَّخْفِيفِ ( الرَّجُلُ الضَّعِيفُ النَّحِيفُ ) الَّذِي يَصْرَعُهُ النَّاسُ حَتَّى لَا يَكَادُ يَثْبُتُ وَكَذَلِكَ الضُّحَكَةُ بِالتَّثْقِيلِ الَّذِي يُضْحِكُ بِالنَّاسِ ، وَالضُّحْكَةُ بِالتَّخْفِيفِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنْهُ النَّاسُ ( وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ) .
1437 حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . هَكَذَا رَوَاهُ كُلُّ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى ، فَإِنَّهُ وَصَلَهُ ( فَجَعَلَهُ ، عَنْ سَعِيدٍ ) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَعْنٌ ثِقَةٌ إِلَّا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ فِيهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَائِرِيِّ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلَّانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَائِرِيُّ ، حَدَّثْنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، وَهُوَ لِصَاحِبِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ يَحْيَى الْحَلَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ يَحْيَى الْحَلَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، وَهُوَ مِنْ صَاحِبِهِ . وَزَادَ فِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرُوسٍ ، عَنِ الْأَبْهَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي رَفْعِهَا فَرَفَعَهَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنَّهُمْ رَوَوْهُ مُرْسَلًا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرِوَايَةُ مَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ مُوَافِقَةٌ لِذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَجَوَّدَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ مَرْفُوعًا . رَوَى سَحْنُونُ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا وَيُونُسَ بْنَ يَزِيدَ ، وَابْنَ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدِّثُونَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، وَقَالَ يُونُسُ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ فَتَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، إِلَّا أَنَّ مَعْمَرًا ( قَدْ ) ذَكَرَهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَرْفُوعًا وَمَعْمَرٌ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسُ فِي ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ فَرَفَعَ هَذَا اللَّفْظَ وَوَصَلَ الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيَحْيَى لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَغْلَقَ الرَّهْنُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ ذَكَرَ ذَلِكَ شَيْخُنَا ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شُيُوخِهِ عَنْهُمَا ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الحلبي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الْعَابِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَفِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِجَازَةً ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَتْحِ الْوَرَّاقُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ( بْنِ يَعْقُوبَ الْأَنْطَاكِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الأنباري ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) بْنِ أَبِي سُكَيْنَةَ الْحَبْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ ( بْنُ أَصْبَغَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ زُرَيْقٍ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ( مُحَمَّدُ ) بْنُ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيُّ بِحِمْصَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَبَّادٍ يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فَهَذَا أَصْلُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ إِسْمَاعِيلُ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ( عِنْدَهُمْ ) أَيْضًا غَيْرُ مَقْبُولِ الْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ عَنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، فَإِذَا حَدَّثَ عَنِ الشَّامِيِّينَ فَحَدِيثُهُ مُسْتَقِيمٌ ، وَإِذَا حَدَّثَ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مَا عَدَا الشَّامِيِّينَ فَفِي حَدِيثِهِ خَطَأٌ كَثِيرٌ وَاضْطِرَابٌ ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِيمَا رَوَى عَنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا رَوَى عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ صَحَّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ لَكَانَ حَسَنًا لَكِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَقُولُونَ : إِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَلَمْ يَرْوِهِ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ لَكَ أَصْلَ رِوَايَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ وَجْهٍ صَالِحٍ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نصر الأصم الْأَنْطَاكِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، الرَّهْنُ لِمَنْ رَهَنَهُ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَرَوَاهُ ، عَنْ شَبَابَةَ هَكَذَا جَمَاعَةٌ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، فَإِنَّ الْأَثْبَاتَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ يَرْوُونَهُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَجْعَلُونَهُ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ مُرْسَلٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُصِلَ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ ، فَإِنَّهُمْ يُعَلِّلُونَهَا ، وَهُوَ مَعَ هَذَا حَدِيثٌ لَا يَرْفَعُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ وَمَعْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ بِرَفْعِ الْقَافِ عَلَى الْخَبَرِ أَيْ لَيْسَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، وَمَعْنَاهُ لَا يَذْهَبُ وَيَتْلَفُ بَاطِلًا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْهِلَالُ ، وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ غَلِقَ الرَّهْنُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ تَخَلُّصٌ ، قَالَ امْرِؤُ الْقَيْسِ : غَلِقْنَ بِرَهْنٍ مِنْ حَبِيبٍ بِهِ ادَّعَتْ سُلَيْمَى وَأَمْسَى حَبْلُهَا قَدْ تَبَتَّرَا وَقَالَ زُهَيْرٌ : وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا وَقَالَ آخَرُ وَهُوَ قَعْنَبُ بْنُ أُمِّ صَاحِبٍ ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ ، وَهُوَ قَعْنَبُ بْنُ حَمْزَةَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَفَطَانَ : بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ وَغَلَّقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَبْلِكَ الرَّهَنُ وَقَالَ آخَرُ : كَأَنَّ الْقَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ يُغْدَى بِلَيْلَى الْعَامِرِيَّةِ أَوْ يُرَاحُ قَطَاةٌ غَرَّهَا شَرَكٌ فَبَاتَتْ تُجَاذِبُهُ وَقَدْ غَلِقَ الْجَنَاحُ وَقَالَ آخَرُ : أَجَارَتَنَا مَنْ يَجْتَمِعْ يَتَفَرَّقْ وَمَنْ يَكُ رَهْنًا لِلْحَوَادِثِ يَغْلَقْ وَقَالَ أَعْشَى تَغْلِبَ : لَمَّا رَأَى أَهْلُهَا أَنَّي عَلِقْتُ بِهَا وَاسْتَيْقَنُوا أَنَّنِي فِي حَبْلِهَا غَلِقْ بَانَتْ نَوَاهُمْ شُطُونًا عَنْ هَوَايَ لَهُمْ فَمَا دِلُوفِي مَيْسُورًا وَلَا رَفِقْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ إِذَا ضَاعَ : قَدْ غَلِقَ إِنَّمَا يُقَالُ : قَدْ غَلِقَ إِذَا اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ فَذَهَبَ بِهِ ، قَالَ : وَهَذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ ( أَهِلِ ) الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفَسَّرَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنْ قَالَ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رَهَنَ ( بِهِ ) فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ : إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا يُسَمِّيهِ لَهُ وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَحِلُّ ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ . وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِالَّذِي رَهَنَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخًا ، وَعَلَى نَحْوِ هَذَا فَسَّرَهُ الزُّهْرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : إِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : إِنْ لَمْ آتِكَ إِلَى كَذَا وَكَذَا ، فَالرَّهْنُ لَكَ قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلَكِنْ يُبَاعُ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ ، قَالَ مَعْمَرٌ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ أَهُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ : إِنْ لَمْ آتِكَ بِمَالِكَ فَهَذَا الرَّهْنُ لَكَ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ مَعْمَرٌ : ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ هَلَكَ لَمْ يَذْهَبْ حَقُّ هَذَا إِنَّمَا هَلَكَ مِنْ رَبِّ ( الرَّهْنِ ) لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ جَمِيعًا ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . زَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِمَالِهِ ، فَلَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الرَّهْنُ الْقَائِمُ . أَيْ لَا يَسْتَغْلِقُهُ الْمُرْتَهِنُ فَيَأْخُذُهُ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ إِذْ قَدْ أَبْطَلَتْ ( ذَلِكَ ) الشَّرْطَ السُّنَّةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ يَتْلَفُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، لِأَنَّ الَّذِي تَلِفَ لَا يَغْلَقُ ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِيمَا كَانَ بَاقِيًا مَوْجُودًا لَا يَغْلَقُ أَيْ لَا يَأْخُذُهُ الْمُرْتَهِنُ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَرَوَى هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِذَا أُقْرِضَ الرَّجُلُ قَرْضًا وَرَهَنَهُ رَهْنًا ، وَقَالَ : إِنْ أَتَيْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى كَذَا وَكَذَا ( وَإِلَّا ) فَهُوَ لَكَ بِمَا فِيهِ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ هُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ لَا يَغْلَقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ فِي الرَّهْنِ يَهْلَكُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَيَتْلَفُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِ ( مِنْهُ ) وَلَا تَضْيِيعٍ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَخْفَى هَلَاكُهُ نَحْوُ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْحُلِيِّ ، وَالْمَتَاعِ وَالثِّيَابِ ، وَالسُّيُوفِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَيَخْفَى هَلَاكُهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ إِذَا خَفِيَ هَلَاكُهُ وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ ( أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ ، ذَهَبَ الدَّيْنُ كُلُّهُ وَرَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِفَضْلِ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ ) مِثْلَ الدَّيْنِ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنَ الدَّيْنِ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِبَاقِي دَيْنِهِ . إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ، وَابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولَانِ : إِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ بِمَضْمُونٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، أَوْ يُضَيِّعَهُ فَيَضْمَنُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : كُلُّ مَا يُغَابُ عليه مضمون عَلَى الْمُرْتَهِنِ خَفِيَ هَلَاكُهُ أَوْ ظَهَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ فَهُوَ بَابٌ غَيْرُ هَذَا ، وَلَا يَجْمُلُ بِنَا ذِكْرُ مَسَائِلِ الرُّهُونِ كُلِّهَا لِخُرُوجِنَا بِذَلِكَ عَنْ تَأْلِيفِنَا ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي كِتَابِنَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، لا غير وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي اخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَفِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ جَمِيعًا فِي كِتَابِهِ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ خِلَافِهِ وَمُوَافَقَتِهِ ، وَوَجْهَ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كِتَابِ الْاسْتِذْكَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ نَحْوَ الدَّارِ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَيَوَانِ فَهُوَ مَنْ مَالِ الرَّاهِنِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ . وَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ أَمِينٌ ، وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ ( فِيهِ ) ثَابِتٌ عَلَى حَالِهِ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَرَوَى هَذَا الْقَوْلَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا ، مِثْلَ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْبَتِّيِّ سَوَاءً . إِلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ وَبَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ والرهن مضمون عِنْدَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ هُوَ عِنْدَهُمْ مَضْمُونٌ بِنَفْسِهِ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيهِ إِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنِ الدَّيْنِ أَوْ زَادَتْ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ . وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ أَوْ مَعْنَاهُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَيُرْوَى أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَيْرَةَ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِثْلَ الدَّيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الدَّيْنِ ذَهَبَ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا نَقَصَ ، وَالرَّهْنُ عندهم مضمون بِقِيمَةِ الدَّيْنِ فَمَا دُونَ ، وَمَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ فَهُوَ أَمَانَةٌ ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ كُلِّهِ أَيْضًا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ : أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ - أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَكُونُ لِلرَّاهِنِ ، وَغُنْمُهُ عِنْدَهُمْ مَا فَضَلَ مِنَ الدَّيْنِ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ مَا نَقَصَ مِنَ الدَّيْنِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُمْ فِي سَلَامَةِ الرَّهْنِ لَا فِي عَطْبِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، فَالرَّهْنُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي الْهَلَاكِ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ ، لَا بِنَفْسِهِ وَقِيمَتِهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ عِنْدَ الْفَلَسِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَدِيعَةِ ، وأنه مضمون لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمَانَةً لَمْ يَكُنِ ( الْمُرْتَهِنُ ) أَحَقَّ بِهِ ، وَقَالَ شُرَيْحٌ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : يَذْهَبُ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ( مِنْهُ ) أَوْ أَقَلَّ ، وَلَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَدَنِيِّينَ إِلَّا أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَجْعَلُونَهُ بِمَا فِيهِ إِذَا هَلَكَ ، وَعَمِيَتْ قِيمَتُهُ ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا فِيهِ ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا فِيهِ تَرَادَّا الْفَضْلَ وَهَكَذَا ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : مَذْهَبُهُ فِي هَذَا وَمَذْهَبُ السَّبْعَةِ سَوَاءٌ . قَالَ اللَّيْثُ : وَبَلَغَنِي ذَلِكَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْحَيَوَانُ عِنْدَ اللَّيْثِ لَا يُضَمَّنُ إِلَّا أَنْ يُتَّهَمَ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى الْمَوْتِ وَالْإِبَاقِ . وَقَالَ اللَّيْثُ : يَكُونُ بِالْمَوْتِ ظَاهِرًا مَعْلُومًا ، قَالَ : فَإِنْ أَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ بِإِبَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ ، أَوْ أَعْلَمَ السُّلْطَانَ إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا حَلَفَ وَبَرِئَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْأَثَرِ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ : الرَّهْنُ كُلُّهُ أَمَانَةٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَمَا يَظْهَرُ ، إِذَا ذَهَبَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةِ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ ، وَلَا يُضَمَّنُ إِلَّا بِمَا يُضَمَّنُ بِهِ الْوَدَائِعُ وَسَائِرُ الْأَمَانَاتِ ، وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ عَلَى حَالِهِ ، قَالُوا : وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ ، وَالْعَقَارُ ، وَالْحُلِيُّ ، وَالثِّيَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالُوا : وَهُوَ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ ، عَنِ الرَّهْنِ مِمَّنْ رَهَنَهُ ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَقَدْ وَصَلَهُ قَوْمٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالُوا : وَهُوَ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ عِنْدَهُمْ صِحَاحٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَيْ : لَهُ غَلَّتُهُ وَرَقَبَتُهُ وَفَائِدَتُهُ كُلُّهَا ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ : فِكَاكُهُ وَمُصِيبَتُهُ ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ غُنْمُهُ لِصَاحِبِهِ وَغُرْمُهُ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ بِمُعْتَدٍّ فِي حَبْسِهِ فَيُضَمَّنُ ، وَإِنَّمَا يُضَمَّنُ مَنْ تَعَدَّى ، وَالْأَمَانَةُ لا تضمن بِغَيْرِ التَّعَدِّي ، فَهُوَ عِنْدُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُ أَمَانَةٌ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ فَأَمَانَةٌ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ لا تضمن إِلَّا بِمَا تُضَمَّنُ بِهِ الْأَمَانَاتُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّضْيِيعِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضمانه ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ الرُّهُونِ كَالْحَيَوَانِ وَشَبَهِهِ وَالْعَقَارِ وَمِثْلِهِ إِذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَلَاكَهُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَإِذَا ادَّعَى هَلَاكَ مَا قَدْ غَابَ عَلَيْهِ عِنْدَ نَفْسِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَهُ وَثِيقَةً لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ وَدِيعَةً لِيَحْفَظَهُ عَلَى رَبِّهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَيَاعِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَمْرٍ ظَاهِرٍ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يُقَاصُّ بِهَا مِنْ دَيْنِهِ . وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي قِيمَتِهِ إِنْ نَزَلَ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا وَعَمِيَتْ ، وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ غُنْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْ لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُ ظَهْرِهِ وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : غُرْمُهُ أَيْ نَفَقَتُهُ ، لَيْسَ الْفِكَاكُ وَالْمُصِيبَةُ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْغُنْمَ إِذَا كَانَ الْخَرَاجَ وَالْغَلَّةَ ، كَانَ الْغُرْمُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ ، قَالُوا : وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ غَيْرُ مُؤْتَمَنٍ وَلَا مُتَعَدٍّ فَيُضَمَّنُ مَا خَفِيَ هَلَاكُهُ مِنْ حَيْثُ ضَمِنَهُ الْمُسْتَعِيرُ سَوَاءً . وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ قَوْلُهُ : الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ أَيْ : أُجْرَةُ ظَهْرِهِ لِرَبِّهِ وَكَسْبُهُ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ ، لِأَنَّهُ رِبًا مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يصير غير مَقْبُوضٌ حِينَئِذٍ ، وَالرَّهْنُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا ، وَلَوْ رَكِبَهُ لَخَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ . فَقِفْ عَلَى هَذَا كُلِّهِ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وبين الغلة وَالْخَرَاجِ فَجَعَلَ وَلَدَ الْأَمَةِ وَسَخْلَ الْمَاشِيَةِ رَهْنًا مَعَ الْأُمَّهَاتِ كَمَا هِيَ فِي الزَّكَاةِ تَبَعًا لِلْأُمَّهَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ صُوفُهَا وَلَبَنُهَا وَلَا ثَمَرُ الْأَشْجَارِ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِأُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ ، وَلَا هِيَ فِي صُورَتِهَا ( وَلَا مَعْنَاهَا ) وَلَا تَقُومُ مَقَامَهَا وَلَهَا حُكْمُ نَفْسِهَا ( لَا حُكْمُ الْأَصْلِ ) وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالسَّخْلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَوَابِ ذَلِكَ - ) .
530 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . هَكَذَا ( هُوَ ) فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَدَّادٍ الْمِسْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ ، وَابْنُ قَعْنَبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : نَعَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجَاشِيَّ إِلَى النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَصَفَّ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ شَدَّادٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ ( وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ) وَقَدْ رَوَى مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحُبَابُ بْنُ جَبَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادًا آخَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي الْمُوَطَّأِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا ، عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلَّانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ زَنْجَلَةَ الرَّازِيَّ يَسْأَلُ ابْنَ أَبِي سَمِينَةَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ : هَذَا مُنْكَرٌ ، وَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ : مَنْ رَوَاهُ ، عَنْ نَافِعٍ ؟ فَقَالَ ابْنُ زَنْجَلَةَ : مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ : عَمَّنْ حَمَلْتَهُ ، عَنْ مَالِكٍ ؟ قَالَ : حَدَّثَنَاهُ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَالِكٌ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مالك غير مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَحُبَابِ بْنِ جَبَلَةَ ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ فِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : النَّجَاشِيُّ اسْمُ الْمَلِكِ كَمَا يُقَالُ : كِسْرَى وَقَيْصَرُ ، قَالَ : وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ ، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ كَبِيرٌ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ بِمَوْتِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْحِجَازِ وَأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَنَعَاهُ لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَكَانَ نَعْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجَاشِيَّ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ : الْوَاقِدِيُّ ، وَغَيْرُهُ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْإِشْعَارِ بِالْجِنَازَةِ ، وَالْإِعْلَامِ بِهَا ، وَالْاجْتِمَاعِ لَهَا ، وَهَذَا أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَاتَ لَهُ مَيِّتٌ قَالَ : لَا تُؤْذِنُوا بِهِ أَحَدًا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ ( مَالِكٍ ، عَنِ ) ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَرُوِيَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَاتَ لَهُ مَيِّتٌ تَحَيَّنَ غَفْلَةَ النَّاسِ ، ثُمَّ خَرَجَ بِجِنَازَتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا فِي جِنَازَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ لَمَّا نُعِيَ لَهُ ، قَالَ : وَكَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا ( بِهِ ) ؟ قَالُوا : نَحْبِسُهُ حَتَّى نُرْسِلَ إِلَى قُبَاءَ ، وَإِلَى قُرَيَّاتٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ ، قَالَ : نِعْمَ مَا رَأَيْتُمْ ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ( كَانَ ) يَمُرُّ بِالْمَجَالِسِ فَيَقُولُ : إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ قُبِضَ ، فَاشْهَدُوا جِنَازَتَهُ . وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : هَلَّا آذَنْتُمُونِي بِهَا ؟ وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ ، وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لِهَذَا ، لِأَنَّ ( شُهُودَ ) الْجَنَائِزِ أَجْرٌ وَخَيْرٌ ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَعَا إِلَى خَيْرٍ وَأَعَانَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ الْجِنَازَةُ إِلَى الْمُصَلَّى لِيُصَلَّى عَلَيْهَا هُنَاكَ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ إِبَاحَةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ( إِنَّ ) هَذَا خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ إِذَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ بِقُرْبِ مَوْتِهِ ، وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا غَيْرُهُ ، لِأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أُحْضِرَ رُوحُ النَّجَاشِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ شَاهَدَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ، أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جِنَازَتُهُ كَمَا كُشِفَ لَهُ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَاهُ بِرُوحِ جَعْفَرٍ ، أَوْ جِنَازَتِهِ ، وَقَالَ : قُمْ ، فَصَلِّ عَلَيْهِ . وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ ، وَفِيهِ الصَّفُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ ، الْحَدِيثَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى الْاسْتِكْثَارِ مِنَ النَّاسِ فِي شُهُودِ الْجَنَائِزِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْإِشْعَارِ ، وَالْإِعْلَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ أَسْلَمَ ، وَمَاتَ مُسْلِمًا ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ ، وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : لَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ طَعَنَ فِي ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ فَنَزَلَتْ ( هَذِهِ الْآيَةُ ) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إِلَى آخِرِهَا ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَمَنْ مَعَهُ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ ( الْآيَةَ ) إِلَى قَوْلِهِ : سَرِيعُ الْحِسَابِ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي النَّجَّاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْوَرْدِ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ) قَالَ : حَدَّثَنَا عُبْدُوسُ بْنُ دُورَوَيْهِ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : لَمَّا جَاءَتْ وَفَاةُ النَّجَاشِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ : صَلُّوا عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُمْنَا مَعَهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَقَالُوا : صَلَّى عَلَى عِلْجٍ مَاتَ فَنَزَلَتْ : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ قَالَ : حَدَّثَنَا ( يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ) ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَبْدٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَصْحَمَةَ ، فَكُنْتُ ( فِي الصَّفِّ ) الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي ، وَفِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ غَائِبٌ ، أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى تَأْكِيدِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ جِنَازَةُ مُسْلِمٍ دُونَ صَلَاةٍ ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ حَضَرُهُ أَنْ يَدْفِنَهُ دُونَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ( مِنَ السَّلَفِ وَالْخَالِفِينَ ) إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَةِ وُجُوبِ ذَلِكَ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ : هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِمَنْ حَضَرَهَا عَمَّنْ لَمْ يَحْضُرْهَا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ كَانُوا ، أَوْ صَالِحِينَ ، وِرَاثَةً عَنْ نَبِيِّهِمْ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَوْلًا وَعَمَلًا . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا فِي الشُّهَدَاءِ ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَالْبُغَاةِ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى هَؤُلَاءِ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْمُهَاجِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، فَكَبَّرَ ( عَلَيْهِ ) أَرْبَعًا ، وَمَا نَحْسَبُ الْجِنَازَةَ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ . وَفِيهِ التَّكْبِيرُ عَلَى الْجَنَائِزِ ( أَرْبَعٌ لا غير ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ ) وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى قَبْرٍ أَرْبَعًا ، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ أَرْبَعًا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الْخَلَّالُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ مِنْ ( قِبَلِ ) رَأْسِهِ فَحَثَا فِيهِ ثَلَاثًا ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : لَيْسَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ أَرْبَعًا إِلَّا هَذَا ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى قَبْرٍ أَرْبَعًا ، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا ، وَأَمَّا عَلَى جِنَازَةٍ ( أَرْبَعًا ) هَكَذَا فَلَا ، إِلَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ كُلْثُومٍ هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا صَحِيحٌ فَلَا كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ ضِعَافٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ أَرْبَعًا ، مِنْهَا حَدِيثٌ رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ الْفَقِيهُ الْمَدَنِيُّ الْمُفْتِي بِهَا ، وَكَانَ ثِقَةً ، عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَكَانَ ثِقَةً ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فكبر عليه أَرْبَعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ شُذُوذٌ يُشْبِهُ الْبِدْعَةَ وَالْحَدَثَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَجَمَعَهُمْ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : اجْتَمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ ( أَبِي ) مَسْعُودٍ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْمِصِّيصِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَرْبَعٍ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ جَمَعَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَحْدَثِ جِنَازَةٍ كَبَّرَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدُوا أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَحْدَثِ جِنَازَةٍ وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ صُنِعَ فَرَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَرْبَعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُكَبِّرُ خَمْسًا ، احْتَجَّ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ شُعْبَةُ ، وَقَدْ قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ يَعْرِفُ وَيُنْكِرُ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ هَذَا : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ الْمُؤَذِّنِ ، قَالَ : تُوُفِّيَ أَبُو سَرِيحَةَ الْغِفَارِيُّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ مَا خَالَفَهُ وَعَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِهِمْ أَرْبَعًا ، وَأَنَّهُ ( مَرَّةً ) كَبَّرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ كَانَ أَرْبَعًا ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَبَّرَ خَمْسًا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْأَرْبَعِ دُونَ مَا سِوَاهَا ، وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعٌ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : خَمْسًا ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفًا إِلَّا زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَفِي الْإِسْنَادِ عَنْهُمَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَلَى قَبْرٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرُ جِنَازَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ أَنَّهُ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَرْبَعًا ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى ابْنِ الْمُكَفَّفِ أَرْبَعًا ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَحُذَيْفَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ كَبَّرُوا أَرْبَعًا ) وَعَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى أُمِّهِ أَرْبَعًا ، وَذَكَرَ حَدِيثَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعٌ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُهَا ، أَوْ قَالَ : كَبَّرَهَا ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَامِرٌ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ أَصْحَابَ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا فَلَوْ وَقَّتَ لَنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِذَا تَقَدَّمَ إِمَامُكُمْ ( فَكَبَّرَ ) فَكَبِّرُوا مَا كَبَّرَ ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ وَلَا عِدَّةَ . وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : لَمْ يَرْوِ شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا حَدِيثَيْنِ : أَحَدَهُمَا : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : يُكَبِّرُ ( عَلَى ) الْجَنَائِزِ ثَلَاثًا ، وَالْآخَرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ حَدٌّ ، قَالَ وَكِيعٌ : حَدَّثَنَاهُ شُعْبَةُ ، وَذَكَرَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ سَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ : إِنَّمَا كَبَّرْتَ ثَلَاثًا ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ الرَّابِعَةَ ، ثُمَّ سَلَّمَ . ( حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْعَبَّاسِ الكندي ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا ) وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ : التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : كَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : خَمْسًا ، وَآخَرُ يَقُولُ : سَبْعًا فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ جَمَعَ الصَّحَابَةَ فَقَالَ لَهُمُ : انْظُرُوا أَمْرًا تَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، فَأَجْمَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ خَمْسٌ وَأَرْبَعٌ ، فَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ . فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِابْنِ مَسْعُودٍ قِيلَ لَهُ : قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّكْبِيرِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا كَبَّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ عَلَى قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ( كَانَ ) يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا ، أَوْ سَبْعًا ، وَعَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا ، وَقَدْ رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : كَبَّرَ عَلِيٌّ فِي سُلْطَانِهِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، فَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا ( ثُمَّ الْتَفَتَ ) فَقَالَ : إِنَّهُ بَدْرِيٌّ ، وَالْأَحَادِيثُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا مُضْطَرِبَةٌ ، وَمَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيْهِ النَّاسَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مَعَ صِحَّةِ السُّنَنِ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَهُوَ الْعَمَلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ ، وَمِثْلُ هَذَا يُحْتَجُّ فِيهِ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ قَلَّ يَوْمٌ ، أَوْ جُمُعَةٌ إِلَّا وَفِيهِ جِنَازَةٌ ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَهُمُ الْحُجَّةُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : قِفْ حَيْثُ وَقَفَتِ السُّنَّةُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا يُكَبِّرُ مَعَهُ الْخَامِسَةَ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا بِسَلَامِهِ ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا قَطَعَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ بِسَلَامٍ ، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا تَسْلِيمَهُ ، وَقَالَ زُفَرُ : التَّكْبِيرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعٌ فَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كَبَّرَ مَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ ، وَلَكِنَّهُ يُسَلِّمُ ( كَمَا ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ( سَوَاءٌ ) . وَرُوِيَ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ زُفَرَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُكَبِّرُ إِلَّا أَرْبَعًا ، فَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا ، فَالْمَأْمُومُ بِالْخَيَارِ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَقَطَعَ ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ تَسْلِيمَ الْإِمَامِ فَسَلَّمَ بِسَلَامِهِ ، وَلَا يُكَبِّرُ خَامِسَةً أَلْبَتَّةَ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا أُكَبِّرُ مَعَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إِمَامُكَ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَفَلَا نَنْصَرِفُ إِذَا كَبَّرَ الْخَامِسَةَ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ خَمْسًا . رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ثُمَّ قَالَ : مَا أَعْجَبَ الْكُوفِيِّينَ ! سُفْيَانُ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ يَقُولُ : يَنْصَرِفُ إِذَا كَبَّرَ الْخَامِسَةَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ( يَقُولُ ) : مَا كَبَّرَ إِمَامُكُمْ فَكَبِّرُوا ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي نَخْتَارُهُ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ، فَإِنْ كَبَّرَ ( الْإِمَامُ ) خَمْسًا كَبَّرْنَا مَعَهُ لِمَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَبَّرَ سِتًّا ، أَوْ سَبْعًا ، أَوْ ، ثَمَانِيًا ، قَالَ : أَمَّا هَذَا فَلَا ، وَأَمَّا خَمْسٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ مَا أَدْرَكَ مِنْهُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ سَبَقَهُ بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ فَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ ( أَوَّلًا ) وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ ، فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرَ مَعَهُ ، وَإِذَا سَلَّمَ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَدْرَكْتُمْ ، فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا فَلَوْ كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ إِمَامُهُ فِي الْجِنَازَةِ ( ثُمَّ ) قَضَى مَا فَاتَهُ عَلَى عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ صَارَتْ خَمْسًا . وَحُجَّةُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ التَّكْبِيرَ الْأَوَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ كُلُّ ذَلِكَ سَهْلٌ لَا بَأْسَ بِهِ . رَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، قَالَ : إِذَا جِئْتَ وَقَدْ كَبَّرَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقُمْ ، وَلَا تُكَبِّرْ حَتَّى يُكَبِّرَ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا رُفِعَتِ الْجِنَازَةُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ : يَقْضِي مَا فَاتَهُ ( مِنَ التَّكْبِيرِ ) نَسَقًا مُتَتَابِعًا ، وَلَا يَدْعُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ، رُفِعَ النَّعْشُ أَوْ لَمْ يُرْفَعْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ ( مِنَ التَّكْبِيرِ مَا لَمْ يُرْفَعْ ، وَيَدْعُو مَا بَيْنَ التَّكْبِيرِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : يَقْضِي مَا فَاتَهُ ) وَكَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ : لَا يَقْضِي ، وَقَالَ اللَّيْثُ : يَقْضِي ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَقْضِي ، وَقَالَ أَحْمَدُ ( بْنُ حَنْبَلٍ ) : إِنْ قَضَى قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ فَحَسَنٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى أَنَّ الْجِنَازَةَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ إِلَى الْمُصَلَّى لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اسْتَدَلَّ بِهَذَا ، وَهُوَ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ الْمُنْفَرِدِ ، وَهُوَ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَعَلَى أَخِيهِ سَهْلٍ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ عُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذِهِ نُصُوصُ سُنَّةٍ وَعَمَلٍ ، وَلَيْسَ لِلدَّلِيلِ الْمُحْتَمِلِ لِلتَّأْوِيلِ مَدْخَلٌ مَعَ النُّصُوصِ ، وَقَدْ قَالَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ إِنَّمَا صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا دُفِنَا فِي الْمَسْجِدِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ يُدْفَنُ فِيهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ يُدْفَنَ فِيهِ لَمْ يَكُنِ الْمَنْعُ مِنَ الدَّفْنِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَانِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ الدَّفْنَ ( فِيهِ ) لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلصَّلَاةِ ( فِيهِ ) فَافْهَمْ ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَصِحَّ الْمَنْعُ بِوَجْهٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، وَدَلِيلٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلتَّأْوِيلِ ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
30 حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبْ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عند جَمِيعُهُمْ مُرْسَلٌ إِلَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( مَرَّةً ) مَوْصُولًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، فَذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ ( مِنْ ) هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ ، فَلَا يُؤْذِينَا فِي مَسْجِدِنَا . وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَذَلِكَ ( سَوَاءً ) مُسْنَدًا . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسَلَّةُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا فَضْلٌ الْأَعْرَجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يُؤْذِينَا فِي مَسْجِدِنَا يَعْنِي الثُّومَ ، قَالَ يَعْقُوبُ : وَذَكَرَ أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ الْكُرَّاثَ ، وَالْبَصَلَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةِ الْمَعَانِي ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَحُذَيْفَةُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَأُمُّ أَيُّوبَ . فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مَا سَمِعْتَ ( مِنْ ) نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثُّومِ ؟ فَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّا وَلَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا خَرَجَ النَّهْيُ عَنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَجْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنُزُولِهِ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَالَ آخَرُونَ - وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ - مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَائِرُ الْمَسَاجِدِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَمَلَائِكَةُ الْوَحْيِ فِي ذَلِكَ ( وَغَيْرِهَا ) سَوَاءٌ ( لِأَنَّهُ ) قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَتَأَذَّى بَنُو آدَمَ ، وَقَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ، وَقَالَ : يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ ، وَلَا يَحِلُّ أَذَى الْجَلِيسِ الْمُسْلِمِ حَيْثُ كَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْبُقُولِ وَالْخُضَرِ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا ( لَمْ ) يَنْقُلْ أَحَدٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ سَاقِطَةٌ عَنِ الْخُضَرِ ، وَعَمَّا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْقُوتِ الْمُدَّخَرِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَذَكَرْنَا وُجُوهَهَا ، وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي أَوَّلِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ( وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ . الْحَدِيثَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ( أَيْضًا ) مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ أَكْلَ الثُّومِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُقَالُ فِيهِ : مَنْ فَعَلَهُ فَلَا يَفْعَلُ كَذَا - لِشَيْءٍ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ هَذَا لَفْظُ إِبَاحَةٍ لَا لَفْظُ مَنْعٍ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَتَشْقِيصَ الْخَنَازِيرِ كِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ الثُّومِ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فَرْضًا إِلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الثُّومِ ( فِي وَقْتٍ يُوجَدُ رِيحُهُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ) وَقَالُوا : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَكْلُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّأَخُّرُ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى شُهُودِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِهَا مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى الْمَشْيِ إِلَيْهَا ، قَالُوا : وَكُلُّ مَنْعٍ مِنْ إِتْيَانِ الْفَرْضِ وَالْقِيَامِ بِهِ فَحَرَامٌ عَمَلُهُ وَالتَّشَاغُلُ بِهِ كَمَا أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْإِنْسَانِ فِعْلُ كُلِّ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْجُمُعَةِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَمَّاهَا خَبِيثَةً ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ وَصَفَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَبَائِثَ ، وَذَكَرُوا حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا وَقَوْلُهُ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا . وَذَهَبَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ إِلَى إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ لِدَلَائِلَ مِنْهَا : حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ ، عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَأْكُلَ الثُّومَ ، وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ عَلَيَّ لَأَكَلْتُهُ . فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَأَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَتَأَذَّى بِهِ . وَمِنْهَا ( أَيْضًا ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ، وَلَا يَأْتِيَنَّا يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ أَحَرَامٌ هِيَ ؟ قَالَ : ( لَا ) إِنَّمَا كَرِهَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَجْلِ رِيحِهَا ، وَهَذَا نَصٌّ عَنْ صَاحِبٍ عَرَفَ مَخْرَجَ النَّهْيِ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يُرِيدُ الثُّومَ ، فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا قُلْتُ : مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ : مَا أَرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نَيِّئَهُ ، قَالَ : وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : إِلَّا نَتِنَهُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ ثُومًا ( أَوْ بَصَلًا ) فَلْيَعْتَزِلْنَا ، أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا ، قَالَ : فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ فَقَالَ : قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا ، قَالَ : كُلْ ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا بَيِّنٌ فِي الْخُصُوصِ ( لَهُ ) وَالْإِبَاحَةُ لِمَنْ سِوَاهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ( عَطَاءُ ) بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَذَكَرَهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا النَّجِيبِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثُّومُ وَالْبَصَلُ ، وَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ الثُّومُ أَفَتُحَرِّمُهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُوهُ ، وَمَنْ أَكَلَهُ مِنْكُمْ ، فَلَا يَقْرَبُ هَذَا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ مِنْهُ . وَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا حَدِيثُ أُمِّ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّةِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ ، قَالَتْ : نَزَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَكَلَّفْنَا لَهُ طَعَامًا فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الْبُقُولِ فَكَرِهَهُ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُوذِيَ صَاحِبِي . قَالَ الحميدي : قَالَ سُفْيَانُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ أُمُّ أَيُّوبَ عَنْكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ، قَالَ : حَقٌّ . وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْكُلُ الثُّومَ ، وَلَا الْكُرَّاثَ ، وَلَا الْبَصَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيهِ ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُكَلِّمُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ( وَالْقَعْنَبِيُّ ) وَطَائِفَةٌ ، عَنْ مَالِكٍ ( فِي الْمُوَطَّأِ هَكَذَا . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَكْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ) أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ الثُّومَ ، وَلَا الْكُرَّاثَ ، وَلَا الْبَصَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِيهِ ، وَأَنَّهُ يُكَلِّمُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَكْرِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمَا جَاءَ بِهِ وَهْمٌ ، لِأَنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلٌ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ الثُّومَ ، ثُمَّ قَالَ : الثُّومَ ، وَالْبَصَلَ ، وَالْكُرَّاثَ ، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي مَسَاجِدِنَا ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْهِلَالِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : أَكَلْتُ ثُومًا ، فَأَتَيْتُ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُبِقْتُ بِرَكْعَةٍ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِيحَ الثُّومِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ ، قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنِّي يَدَكَ ( قَالَ ) : فَأَدْخَلْتُ يَدَهُ فِي كُمِّ قَمِيصِي إِلَى صَدْرِي ، فَإِذَا أَنَا مَعْصُوبُ ( الصَّدْرِ ) فَقَالَ : إِنَّ لَكَ عُذْرًا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ أَبُو وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ ( شَرِيكِ بْنِ حَنْبَلٍ ) ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ إِلَّا مَطْبُوخًا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَسَعِيدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ ( أَصْبَغَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَبَكْرٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( فَفِي ) هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ أَكْلَ الثُّومِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَأَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَقَدْ أَكَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَأَجَازَ أَكْلَهُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي صَدَقَةَ . وَقَدْ ذَكَرَهُ أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ فَقَالَ : اذْهَبُوا وَاقْطَعُوا عَنْكُمْ رِيحَهَا بِالنُّضْجِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَصَابَهُ بُهْرٌ زَمَنَ أَذْرَبِيجَانَ فَنُعِتَ لَهُ الثُّومُ فَكُنَّا نَنْظِمُهُ فَنَجْعَلُهُ فِي حَسَاءٍ لَهُ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ( بْنُ ) الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ( ، عَنِ اللَّيْثِ ) بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، قَالَ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : هَلْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْكُلُ الثُّومَ فِي اللَّحْمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي الثُّومِ ، وَكَانَ يَأْكُلُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْمُرَادَ ، وَعَرَفَ الْمَقْصِدَ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمَوْتِ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ ثُومًا مَسْلُوقًا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ وَزَيْتٍ . وَلَوْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لَطَوَّلْنَا وَأَمْلَلْنَا ، وَالْأَمْرُ الْوَاضِحُ لَا وَجْهَ لِلتَّطْوِيلِ فِيهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَيْضًا أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا مَا كَانَ أَحَدٌ لِيُبَاحَ لَهُ مَا يَحْبِسُهُ عَنِ الْفَرْضِ ، وَقَدْ أَبَاحَتِ السُّنَّةُ لِآكِلِ الثُّومِ التَّأَخُّرَ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ أَكْلَهُ مُبَاحٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَبِاللَّهِ عِصْمَتُنَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ إِذَا نُودِيَ لَهَا حُرِّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلُّ مَا يَحْبِسُ عَنْهَا مِنْ بَيْعٍ وَقُعُودٍ وَرُقَادٍ وَصَلَاةٍ ، وَكُلِّ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ ( مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ ) حَاضِرًا فِيهِ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَحْبِسُهُ عَنْهَا فَلَوْ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ فَرْضًا لَكَانَ أَكْلُ الثُّومِ فِي حِينِ وَقْتِ الصَّلَاةِ حَرَامًا ، وَقَدْ ثَبَتَتْ إِبَاحَتُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا حُضُورُهَا سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ ، وَعَمَلُ بِرٍّ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ ، وَسَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ بِالصَّلَاةِ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ . وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ آكِلَ الثُّومِ يُبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَقْرَبْ ( مَسْجِدَنَا ، أَوْ ) مَسَاجِدَنَا ، لِأَنَّهُ يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ في إخراجه مِنَ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَطِيلًا ، أَوْ كَانَ ذَا رِيحَةٍ قَبِيحَةٍ لَا تَرِيمُهُ لِسُوءِ صِنَاعَتِهِ ، أَوْ عَاهَةٍ مُؤْذِيَةٍ كَالْجُذَامِ وَشَبَهِهِ ، وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إِذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ ، وَأَرَادُوا إِخْرَاجَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ ، فَإِذَا زَالَتْ بِإِفَاقَةٍ أَوْ تَوْبَةٍ ، أَوْ أَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ ، كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَشُوِّرَ فِيهِ ، فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُ . وَأَنْ لَا يُشَاهِدُ مَعَهُمُ الصَّلَاةَ إِذْ لَا سَبِيلَ مَعَ جُنُونِهِ وَاسْتِطَالَتِهِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ فَذَاكَرْتُهُ يَوْمًا أَمْرَهُ وَطَالَبْتُهُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَرَاجَعْتُهُ فِيهِ الْقَوْلَ ، فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ ، وَقَالَ : هُوَ عِنْدِي أَكْثَرُ أَذًى مِنْ آكِلِ الثُّومِ ، وَصَاحِبُهُ يُمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَحَدٍ رِيحُ ثُومٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْرِجَ عَنْهُ وَرُبَّمَا أُبْعِدَ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ الْبَقِيعُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَالَ : إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ ، هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ إِذَا وَجَدَ رِيحَهَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ ، فَمَنْ أَكَلَهَما فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا . فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُجِيزُ أَكْلَ الْبَصَلِ وَالثُّومِ مَطْبُوخَيْنِ عَلَى حَسْبَمَا ذَكَرْنَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثْنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيِّ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعُمَرِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ أَكَلُوا مِنَ الثُّومِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا مِنْ فِيهِ .
554 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ ) فَتَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ تُكَفَّرُ خَطَايَاهُ وَتُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مُصِيبَتِهِ وَلِذَلِكَ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ، فَلَمْ تَمَسَّهُ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ تُغْفَرْ لَهُ ذُنُوبُهُ لَمْ يُزَحْزَحْ عَنِ النَّارِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا . وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ : إِنَّ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ وَالْاحْتِسَابِ ، وَالرِّضَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَبَرَ عَلَى مُصِيبَتِهِ وَاحْتَسَبَ كَانَ جَزَاؤُهُ الْجَنَّةَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ ، وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا فِيهِ : مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ ( حَدِيثِ ) أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ ( إِيَّاهُمْ ) ، يُجَاءُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمُ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ : حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا ، فَيُقَالُ لَهُمُ : ادْخُلُوا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي . وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ ( لَمْ يَبْلُغُوا ) الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ . فَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ، وَلَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَلْزَمَهُمْ حِنْثٌ دَلِيلٌ عَلَى ( أَنَّ ) أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ لَا مَحَالَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِذَا نَزَلَتْ بِآبَائِهِمْ مِنْ أَجْلِهِمُ اسْتَحَالَ أَنْ يُرْحَمُوا مِنْ أَجْلِ مَنْ لَيْسَ بِمَرْحُومٍ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ فَقَدْ صَارَ الْأَبُ مَرْحُومًا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِمْ ، وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ ، لِأَنَّ لَفْظَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَفْظُ عُمُومٍ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ مِنَ الْمُجْبِرَةِ فَجَعَلَتْهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ( مَهْجُورٌ ) مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ الْجَمَاعَةِ ، وَهُمُ الْحُجَّةُ الَّذِينَ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمُ الْغَلَطُ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ ، فَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى بِالسَّقْطِ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا يُقَالُ لَهُ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ : لَا حَتَّى يَدْخُلَهَا أَبَوَايْ فَيُقَالُ لَهُ : ادْخُلْ أَنْتَ وَأَبَوَاكَ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَجُلًا مَنَ الْأَنْصَارِ مَاتَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ فَوَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا يُسُرُّكَ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَسْتَفْتِحُ لَكَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ؟ قَالَ : بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ ، وَمَا قَالَتْهُ الْفِرَقُ فِي ذَلِكَ وَاعْتَقَدَتْهُ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مَعَ إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَإِنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ فَيَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ ، وَيُكْتَبُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، مَخْصُوصٌ مُجْمَلٌ ، وَإِنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الِاكْتِسَابِ فَهُوَ مِمَّنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَالْإِجْمَاعِ . وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى سُقُوطِ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا قَطُّ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ ذَنْبٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا خَلْقًا ، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ سَاقِطٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ وَالْإِجْمَاعِ وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ( وَمَعْنَى قَوْلِهِ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، وَمَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ ، وَالْمُجَازَاةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ ) وَحَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ ، وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى وَيَدْفَعُهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ البغوي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُحِبُّهُ ؟ فَقَالَ : أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَتُوُفِّيَ الصَّبِيُّ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تُوُفِّيَ ابْنُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا تَرْضَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا جَاءَ حَتَّى يَفْتَحَهُ لَكَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِكُلِّنَا ؟ فَقَالَ : لَا بَلْ لِكُلِّكُمْ ، وَقَدْ رُوِّينَا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ : فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ قَالَ : هُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ . حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنَ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ( قَالَا ) : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ قَالَ : أَصْحَابُ الْيَمِينِ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ، وَفِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَهَّدْنَاهُ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ فَهُوَ يُخَرَّجُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ ، لِأَنَّ الْقَسَمَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا قَسَمًا وَاجِبًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ : وَرَوَاهُ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ ( فَتَمَسُّهُ النَّارُ ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُرُودَ الدُّخُولُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْمَسِيسَ حَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ الْمُبَاشَرَةُ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ عَلَى الْاتِّسَاعِ أَنْ يَكُونَ الْقُرْبُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُرُودِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْوُرُودُ الدُّخُولُ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ رَوَاحَةَ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَكَى فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي دَاخِلٌ النَّارَ ، وَلَا أَدْرِي أَنَاجٍ ( أَنَا ) مِنْهَا أَمْ لَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وَهَذَا يَحْتَمِلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا تَكُونُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْجُونَ مِنْهَا سَالِمِينَ . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ الْوُرُودَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْقُرْآنِ الدُّخُولُ ، لَيَرِدَنَّهَا كُلُّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةُ أَوْرَادٍ قَوْلُهُ : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَقَوْلُهُ : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ وَقَوْلُهُ : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وَقَوْلُهُ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ مَنْ مَضَى ، اللَّهُمَّ أَخْرِجْنِي مِنَ ( النَّارِ سَالِمًا وَأَدْخِلْنِي ) الْجَنَّةَ غَانِمًا ، وَرَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَارِدُهَا دَاخِلُهَا فَقَالَ : نَافِعٌ يَرِدُ الْقَوْمُ ، وَلَا يَدْخُلُونَ ، فَاسْتَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ جَالِسًا ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ لَهُ : أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَرِدُهَا ، فَانْظُرْ هَلْ نَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا ؟ أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ أَفَتَرَاهُ وَيْلَكَ ، أَوْقَفَهُمْ عَلَى شَفِيرِهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَدْخُلُ ( النَّارَ ) أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ : أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا تَسْمَعِينَ اللَّهَ يَقُولُ : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، قَالُوا : أَلَمْ تَقُلْ ( إِنَّا نَرِدُ النَّارَ ) فَيُقَالُ : ( قَدْ وَرَدْتُمُوهَا ، فَأَلْفَيْتُمُوهَا رَمَادًا ) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بِبَغْدَادَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبُرْسَانِيِّ ، عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْوُرُودِ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا ، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا وَرَوَى الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ : الْمَمَرُّ عَلَى الصِّرَاطِ . وَمِمَّنْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الْوُرُودَ الْمَمَرُّ عَلَى الصِّرَاطِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَرَوَاهُ السُّدِّيُّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تلا وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا ، قَالُوا : اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ذَلِكَ أَنْ يُجَاءَ بِجَهَنَّمَ فَتُمْسَكُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهَا مَتْنُ إِهَالَةٍ يَعْنِي الْوَدَكَ الَّذِي يُجَمَّدُ عَلَى الْقِدْرِ مِنَ الْمَرَقَةِ حَتَّى إِذَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ نَادَى مُنَادٍ أَنْ خُذِي أَصْحَابَكِ ( وَذَرِي أَصْحَابِي فَيُخْسَفُ بِكُلِّ وَلِيٍّ لَهَا فَهِيَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا وَيَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةٌ ثِيَابُهُمْ ) وَرُوِيَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ وَزَادَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ : هُوَ خطاب لِلْكُفَّارِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ( رَدًّا ) عَلَى الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْكُفَّارِ قَوْلُهُ : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا وَ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ، وَقَالَ ابْنُ الأنباري مُحْتَجًّا لِمُصْحَفِ عُثْمَانَ وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ : جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ يَرْجِعُ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ إِلَى لَفْظِ الْمُوَاجَهَةِ بِالْخِطَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا فَأَبْدَلَ الْكَافَ مِنَ الْهَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( وَتَرْجِعُ الْعَرَبُ مِنْ مُوَاجَهَةِ الْخِطَابِ إِلَى لَفْظِ الْغَائِبِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَهَذَا ( كَثِيرٌ ) فِي الْقُرْآنِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَدٌّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَجُلٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَكِينُ فَكُونُوا كَأَيْدٍ وَهَّنَ اللَّهُ بَطْشَهَا تَرَى أَشْمُلًا لَيْسَتْ لَهُنَّ يَمِينُ وَقَدْ جَاءَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( أَنَّهُ قَالَ ) : فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ : الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَهِيَ حَظُّ الْمُؤمِنِ مِنَ النَّارِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ( ، حَدَّثَنَا ) ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأنباري ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤمِنِ مِنَ النَّارِ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ : الْحُمَّى فِي الدُّنْيَا الْوُرُودُ ، فَلَا يَرِدُهَا فِي الْآخِرَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ مَرِيضًا ، وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعَكٍ كَانَ بِهِ فَقَالَ ( لَهُ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَبْشِرْ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي ( الْمُؤمِنِ ) لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ ( فِي الْآخِرَةِ ) . ( وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ فَمَا أَصَابَ الْمُؤمِنَ مِنْهَا كَانَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ . أَبُو الْحُصَيْنِ هَذَا : مَرْوَانُ بْنُ رُؤْيَةَ الثَّعْلَبِيُّ ، وَأَبُو صَالِحٍ الْأَشْعَرِيُّ مَوْلَى عُثْمَانَ ، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ . ( وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ سَالِمٍ الْهِنَّابِيُّ ، وَكَانَ صَدُوقًا عَاقِلًا ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ الْحَرَّانِيُّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ وَهِيَ نَصِيبُ الْمُؤمِنِ مِنَ النَّارِ وَقَالَ قَوْمٌ : الْوُرُودُ لِلْمُؤمِنِينَ أَنْ يَرَوُا النَّارَ ، ثُمَّ يُنَجَّى مِنْهَا الْفَائِزُ وَيَصْلَاهَا مَنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ دُخُولُهَا ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُخَاطَبَةِ أَصْحَابِهِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ مِنَ الْمُؤمِنِينَ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ ( لَهُ ) : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْمُؤمِنَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ مَا نَجَّاكَ اللَّهُ مِنْهُ ، ثُمَّ يُفْتَحُ ( لَهُ ) إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ : انْظُرْ مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ . هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا ( قَدْ ) جَاءَتْ فِي مَعْنَى الْوُرُودِ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنَى لَكِنْ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ : لَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ أَيْ لَا تَمَسُّهُ النَّارُ أَصْلًا كَلَامًا تَامًّا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ أَيْ لَكِنْ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وَهِيَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ ، أَوِ الرُّؤْيَةِ ، وَالدُّخُولُ دُخُولٌ سلامة فَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَسِيسٌ يُؤْذِي ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ اللَّهِ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ ، مَعْنَاهُ لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَاةً تَامَّةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا ( هَذَا ) وَذَكَرْنَا هُنَاكَ تَعَارُفَ ذَلِكَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَذَلِكَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ( أَنَّ ) الْاسْتِثْنَاءَ ( هَاهُنَا ) مُنْقَطِعٌ وأنه غير عَائِدٌ إِلَى النَّارِ لَا تَمَسُّ مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ ، فَاحْتَسَبَهُمْ حَدِيثُهُ الْآخَرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَوْلُهُ : لَا يَمُوتُ لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوِ اثْنَانِ ، قَالَ : أَوِ اثْنَانِ . وَالْجُنَّةُ الْوِقَايَةُ وَالسَّتْرُ ، وَمَنْ وُقِيَ النَّارَ وَسُتِرَ عَنْهَا فَلَنْ تَمَسَّهُ أَصْلًا ، وَلَوْ مَسَّتْهُ مَا كَانَ مُوَقًّى ، وَإِذَا وُقِيَهَا وَسُتِرَ عَنْهَا فَقَدْ زُحْزِحَ وَبُوِعَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَرَضِيَ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُفَسَّرُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرَ الْحِسْبَةِ قَوْلُهُ : ( فَيَحْتَسِبُهُمْ ) وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ مَالِكٌ بِأَثَرِهِ مُفَسِّرًا لَهُ ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْآثَارِ إِنَّهَا لِمَنْ حَافَظَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخِطَابَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَّا إِلَى قَوْمٍ الْأَغْلَبُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَا ذَكَرْنَا ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
25 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) ( مُرْسَلٌ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ ، وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَادُوا فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ ( ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . وَقَدْ وَصَلَهُ أَبَانُ ( الْعَطَّارُ ) ، عَنْ مَعْمَرٍ وَوَصَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا وَيُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ فِي مَعْمَرٍ مِنْ أَبَانَ الْعَطَّارِ . وَقَدْ وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا ، حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ زِيَادٍ السُّوسِيُّ بِالرَّقَّةِ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَرَادَ التَّعْرِيسَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، فَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى بَعِيرِهِ ، فَاسْتَقْبَلَ الشَّرْقَ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ ، فَلَمْ يُوقِظْهُ إِلَّا الشَّمْسُ فَكَانَ أَوَّلَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَاذَا صَنَعْتَ ( بِنَا ) يَا بِلَالُ ؟ قَالَ : أَخَذَ بِنَفْسِي يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ : صدقت فَاقْتَادَ غَيْرَ كَبِيرٍ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأَ النَّاسُ ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِذَا نَسِيتُمُ الصَّلَاةَ ، فَصَلُّوهَا إِذَا ذَكَرْتُمُوهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( وَأَمَّا حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ ، وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ يُونُسُ : وَسَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى . وَوَصَلَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَوْمِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى رَوَاهَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وأبو مسعود وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَذُو مِخْبَرٍ الْحَبَشِيُّ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ مَنْ ذَكَرَ لَا فِي قَوْلِ مَنْ قَصَّرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ ( كَانَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ حُنَيْنٍ ، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَعْلَمُ ( النَّاسِ ) بِالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي ، وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا يُقَاسُ بِهِمَا الْمُخَالِفُ ( لَهُمَا ) فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ كَانَ فِي ( حِينِ ) قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ ، وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ : ( قَفَلَ ) إِذَا سَافَرَ مُبْتَدِئًا ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : قَفَلَ الْجُنْدُ قُفُولًا وَقَفْلًا إِذَا رَجَعُوا ، وَقَفَلْتُهُمْ أَنَا أَيْضًا هَكَذَا ( عَلَى وَزْنِ ضَرَبْتُهُمْ ) وَهُمُ الْقَفْلُ . وَفِيهِ أَيْضًا خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ وَذَلِكَ سُنَّةٌ ، وَكَذَلِكَ إِرْسَالُهُ السَّرَايَا كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَسْرَى ، فَفِيهِ لُغَتَانِ : سَرَى وَأَسْرَى ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهَذَا رُبَاعِيٌّ ، وَقَالَ : امْرِؤُ الْقَيْسِ : سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يَقُدْنَ بِأَرْسَانِ وَهَذَا ثُلَاثِيٌّ وَقُرِئَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي بِالْوَصْلِ وَالْقَطْعِ عَلَى الثُّلَاثِيِّ وَالرُّبَاعِيِّ جَمِيعًا ، وَقَالَ النَّابِغَةُ : ( أَسْرَتْ ) عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ جَامِدَ الْبَرَدِ فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ ، وَالسُّرَى : مَشْيُ اللَّيْلِ وَسَيْرُهُ وَهِيَ لَفْظَةٌ مُؤَنَّثَةٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَيْلٍ وَصَلْنَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ بِالسُّرَى وَقَدْ جَدَّ شَوْقُ مُطْمَعٍ فِي وِصَالِكِ أَرْبَتْ عَلَيْنَا مِنْ دُجَاهُ حَنَادِسُ أَعَدْنَ الطَّرِيقَ النَّهْجَ وَعْرَ الْمَسَالِكِ وَقَالَ غَيْرُهُ : يَفُوتُ الْغِنَى مَنْ لَا يَنَامُ عَنِ السُّرَى وَآخَرُ يَأْتِي رِزْقُهُ وَهُوَ نَائِمُ وَلَا يُقَالُ لِمَشْيِ النَّهَارِ سُرًى ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ عند الصباح : يَحْمَدُ ( الْقَوْمُ ) السُّرَى . فَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ ، فَالتَّعْرِيسُ : النُّزُولُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا تُسَمِّي الْعَرَبُ نُزُولَ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا ، كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ حَتَّى إِذَا كَانَ آخَرُ ( اللَّيْلِ ) نَزَلُوا لِلتَّعْرِيسِ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ آخِرُ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ فَمَعْنَاهُ : ارْقُبْ لَنَا الصُّبْحَ وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَقْتَ صَلَاتِنَا وَأَصْلُ الْكِلَايَةِ الْحِفْظُ وَالرِّعَايَةُ وَالْمَنْعُ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَهْمُوزَةٌ مِنْها قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ : إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِبَاحَةُ الْاسْتِخْدَامِ بِالصَّاحِبِ فِي السَّفَرِ ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُرًّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ اشْتَرَاهُ بِمَكَّةَ ، فَأَعْتَقَهُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ أَحْيَانًا نَوْمًا يُشْبِهُ ( نَوْمَ ) الْآدَمِيِّينَ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ غِبًّا لِمَعْنَى يُرِيدُ اللَّهُ إِحْدَاثَهُ ، وَلَيْسَ لِأُمَّتِهِ سُنَّةً تَبْقَى بَعْدَهُ ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَأَنْسَى ، أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَبَّابٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً ) لِمَنْ بَعْدَكُمْ . وَأَمَّا طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ ، وَعَادَتُهُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْهُ وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ فَمَا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ إِطْلَاقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ ، وَمِمَّا يُصَحِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : تَرَاصُّوا فِي الصَّفِّ ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي فَهَذِهِ جِبِلَّتُهُ وَخِلْقَتُهُ وَعَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا نَوْمُهُ فِي السَّفَرِ عَنِ الصَّلَاةِ فَكَانَ خَرْقَ عَادَتِهِ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ وَيُعَرِّفَهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَامَ مِنْهُمْ عَنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَكَيْفَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ ، وَجَعَلَ اللَّهُ نَوْمَهُ سَبَبًا بِمَا جَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ النَّوْمِ مِنْ تَعْلِيمِهِ أُمَّتَهُ وَتَبْصِيرِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهَا عَلَى الْائْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُ أَخْبَارِهِ إِذَا صَحَّتْ عَنْهُ عَلَى التَّنَاقُضِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسْخُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَقَدْ رُوِّينَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وَتَلَا : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَنَامُ أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ، ثُمَّ صَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، وَالنَّوْمُ إِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَدَثِ إِذَا خَمَرَ الْقَلْبَ وَخَامَرَهُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخَامِرُ النَّوْمُ قَلْبَهُ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَكْلَأُ لَنَا الصُّبْحَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عَادَتَهُ النَّوْمُ ، قِيلَ لَهُ : لَمْ تُمْعِنِ النَّظَرَ ، وَلَوْ أَمْعَنْتَهُ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْنَى ( مَنْ ) يَرْقُبُ لَنَا انْفِجَارَ الصُّبْحِ فَيُشْعِرُنَا بِهِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِهِ ، لِأَنَّ مَنْ نَامَتْ عَيْنَاهُ لَمْ يَرَ هَذَا فِي أَوَّلِهِ وَنَوْمُ الْعَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ مِثْلِ هَذَا لَا نَوْمُ الْقَلْبِ ، وَكَانَ شَأْنَهُ التَّغْلِيسُ بِالصُّبْحِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ بِلَالٌ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِمُرَاقَبَةِ الْفَجْرِ لَا أَنَّ عَادَتَهُ كَانَتِ النَّوْمَ الْمَعْرُوفَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ( أَبُو بَكْرٍ ) ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ( قَالَ ) : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَذَكَرَهُ أَيْضًا ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الصَّلَاةِ أَنْ تُقْضَى فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الصِّيَامِ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلَيْسَ كَالْحَجِّ ، وَعَرَفَةَ ، وَالضَّحَايَا ، وَالْجِمَارِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْاسْتِذْكَارِ ، وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي بِالذِّكْرِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مَا يُسْقِطُ قَضَاءَهَا عَنِ الْعَامِدِ لِتَرْكِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بَلْ فِيهِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْعَامِدَ ( الْمَأْثُومَ ) أَوْلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَضَاءِ مِنَ النَّاسِي الْمُتَجَاوَزِ عَنْهُ وَ ( النَّائِمِ ) الْمَعْذُورِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمَا لَمَّا رُفِعَ عَنْهُمَا الْإِثْمُ سَقَطَ الْقَضَاءُ عَنْهُمَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا ، فَأَبَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْقِطٍ عَنْهُمَا قَضَاءَ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا مَتَى مَا ذَكَرَاهَا ، وَالْعَامِدُ لَا مَحَالَةَ ذَاكِرٌ لَهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ، وَالْاسْتِغْفَارُ مِنْ تَأْخِيرِهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ قَضَاهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ ، وَلَا نَوْمٍ إِلَّا أَنَّهُ شُغِلَ عَنْهَا ، وَأَجَازَ لِمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ أَنْ يُصَلِّيَ تَمَامَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، وَقَدْ زِدْنَا هَذَا بَيَانًا وَإِيضَاحًا فِي كِتَابِ الْاسْتِذْكَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي فَزَعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ مُنْذُ بُعِثَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ فَزَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( كَانَ ) مِنْ أَجْلِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَتْبَعُهُمْ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْبَعْهُ عَدُوٌّ فِي انْصِرَافِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، وَلَا فِي انْصِرَافِهِ مِنْ حُنَيْنٍ ، وَلَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي بَلْ كَانَ مُنْصَرَفُهُ فِي كِلْتَا الْغَزْوَتَيْنِ غَانِمًا ظَافِرًا قَدْ هَزَمَ عَدُوَّهُ وَظَفِرَ بِهِ وَقَمَعَهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا فَزَعُ أَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلِمَا رَأَوْا مِنْ فَزَعِهِ ، وَقَدْ فَزِعُوا حِينَ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي لَهُمْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَانْتَظَرُوهُ وَخَشُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَكْعَةً فَفَزِعَ النَّاسُ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَحْسَنْتُمْ يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . هَكَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَزَعُهُمْ شَفَقَةً وَتَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُمْ حَسِبُوا أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ فَاتَتْهُمْ أَصْلًا فَلَحِقَهُمُ الْفَزَعُ وَالْحُزْنُ لِفَوْتِ الْأَجْرِ وَالْفَضْلِ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا . فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ عَنْهُمْ ، وَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُمْ صَلَّوْهَا ، وَإِذَا صَلَّوْهَا أَدْرَكُوا أَجْرَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَعْلَمَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ الْإِثْمَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ ( حَدِيثِ ) أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتُ النَّائِمَ إِنَّمَا تَفُوتُ الْيَقْظَانَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِمْ ، وَفِي هَذَا ( الْحَدِيثِ ) تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَبَيَانُ ( ذَلِكَ ) أَنَّ رَفْعَ الْقَلَمِ ( عَنْهُ ) هَاهُنَا مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْمَأْثَمِ لَا مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْفَرْضِ عَنْهُ . وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَقُولُ : إِذَا كُنْتَ أَنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْحُجَّةِ ، وَالْإِدْلَاءِ بِهَا . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ، وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ : أَلَا تُصَلُّوا ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا ، وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَرَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَمَعْنَاهُ : قَبَضَ نَفْسِي الَّذِي قَبَضَ نَفْسَكَ ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ تَوَفَّى نَفْسِي مُتَوَفِّي نَفْسِكَ ، وَالتَّوَفِّي هُوَ الْقَبْضُ نَفْسُهُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَبَضَ نَفْسَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ النَّفْسَ الرُّوحَ وَجَعَلَهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ( فَنَصَّ ) عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ هُوَ الرُّوحُ ، وَفِي الْقُرْآنِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ( وَمَنْ قَالَ : إِنَّ النَّفْسَ غَيْرُ الرُّوحِ تَأَوَّلَ قَوْلَ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي مِنَ النَّوْمِ مَا أَخَذَ بِنَفْسِكَ مِنْهُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : اقْتَادُوا شَيْئًا فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي حَدِيثِهِ : وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : مَعْنَى اقْتِيَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ رَوَاحِلَهُمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ تَأْخِيرًا لِلصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُمُ انْتَبَهُوا فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةٌ ، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ( وَزَعَمُوا أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) وَعِنْدَ غُرُوبِهَا يَقْتَضِي الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ ، وَكُلُّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَمَسْنُونَةٍ ، وَاحْتَجُّوا مِنَ الْآثَارِ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ وَتَأَوَّلُوا هَذَا عَلَى الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ مَضَى الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي تَأْوِيلِهِمْ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ خُرُوجَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي لَمْ يَكُنْ كَمَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى ضَرَبَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ ، وَالشَّمْسُ لَا تَكُونُ لَهَا حَرَارَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَتْ وَحَلَّتِ الصَّلَاةُ . وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثٍ لِلزُّهْرِيِّ ، وَفِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي نَوْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ . مِنْهَا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى لَيْلَةً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ ، ثُمَّ عَرَّسَ ، وَقَالَ : مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الصُّبْحَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَلَسَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ فَنَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَأَصْحَابُهُ ) فَبَيْنَمَا بِلَالٌ جَالِسٌ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ فَفَزِعُوا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنِمْتَ يَا بِلَالُ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ نَفْسِي الَّذِي أَخَذَ أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ وَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ الْحَسَنُ يُحَدِّثُ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُمْ رَكَعُوا رَكْعَتِيِ ( الْفَجْرِ ) ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ . فَفِي قَوْلِهِ : فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ ، وَقَوْلِهِ : ارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ( مُحَمَّدُ ) بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ ( الْفَجْرِ ) قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُخْرَى مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا . وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ عَطَاءٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَعَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ النَّافِلَةُ يَجُوزُ فِيهِ قَضَاءُ الْمَنْسِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ لَا مَدْفَعَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . فَهَذَا إِطْلَاقٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُنْتَبِهُ وَالذَّاكِرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ صَلَاتَهُ الَّتِي انْتَبَهَ إِلَيْهَا وَذَكَرَهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ فَاتَتْهُ ، وَهُوَ فِي آخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً ، وَقَدْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى بَدَأَ بِالَّتِي نَسِيَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَدْنَى ، وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ هَذِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَدَأَ بِالَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا ، وَعَلَى نحو هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ والليث إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ ، قَالُوا : التَّرْتِيبُ عِنْدَنَا وَاجِبٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ لِلْفَائِتَةِ وَلِصَلَاةِ الْوَقْتِ ، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ بَدَأَ بِهَا ، فَإِنْ زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُمْ ، وَالنِّسْيَانُ عِنْدَهُمْ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فَائِتَةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ مَضَى فِيمَا هُوَ فِيهِ ، ثُمَّ قَضَى الَّتِي عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ وَصَلَّى الَّتِي ذَكَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ وَقْتِ الَّتِي دَخَلَ ( فِيهَا ) يَخَافُ فَوْتَهَا إِنْ تَشَاغَلَ بِغَيْرِهَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ أَتَمَّهَا ثُمَّ قَضَى الَّتِي ذَكَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْوِتْرِ ، وَلَا بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاخْتِيَارُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَائِتَةِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ هَذِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَبَدَأَ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ سِتِّينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ ( صَلَاةً ) وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا قَبْلَهَا ، لِأَنَّهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثُمَّ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَيُعْجِبُنِي فِي الَّذِي يَذْكُرُ صَلَاةً فِي وَقْتِ صَلَاةٍ كَرَجُلٍ ذَكَرَ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْفَجْرِ ، قَالَ : يُصَلِّي الْفَجْرَ ، وَلَا يُضَيِّعُ صَلَاتَيْنِ ، أَوْ قَالَ : يُضَيِّعُ مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ : إِذَا خَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ ، فَلَا يُضَيِّعُ هَذِهِ لِقَوْلِ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) : يُضَيِّعُ مَرَّتَيْنِ . فَهَذَا يُصَلِّي الصُّبْحَ ، وَهُوَ ذَاكِرٌ الْعِشَاءَ ، وَفِي ذَلِكَ نَقْضٌ لِأَصْلِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : التَّرْتِيبُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ يَقُولُ فِي الَّذِي يَنْسَى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى لَا يَجِدَ إِلَّا مَوْضِعَ سَجْدَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ ( قَالَ ) : يُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا يُونُسُ ، وَمَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَاسْتَيْقَظَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، قَالَ : يُصَلِّي الْفَجْرَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : أَمَّا الْحَسَنُ فَيَقُولُ : يُصَلِّي تِلْكَ ، وَإِنْ فَاتَتْ هَذِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُ صَلَاةً ، وَهُوَ وَرَاءَ إِمَامٍ فَكُلُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فِيمَا عَلِمْتُ يَقُولُ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يُكْمِلَ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ يُعِيدُ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنِ الْكُوفِيِّينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَدَنِيِّينَ ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً ، وَهُوَ فِي أُخْرَى أَتَمَّهَا وَقَضَى الْمَذْكُورَةَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ مُبْقًى ، فَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ اعْتَقَدَ وَهُوَ فِيهَا أَنْ لَا يُعِيدَهَا ، وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ وَيَقْضِي الَّتِي عَلَيْهِ . قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : إِذَا دَخَلْتَ فِي صَلَاةٍ فَأَحْرَمْتَ بِهَا ثُمَّ ذَكَرْتَ صَلَاةً نَسِيتَهَا لَمْ تَقْطَعِ الَّتِي دَخَلْتَ فِيهَا ، وَلَكِنَّكَ إِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا قَضَيْتَ الَّتِي نَسِيتَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِعَادَةُ هَذِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا ، إِنَّمَا أَعْرِفُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ : أَنَا أَقْطَعُ ، وَإِنْ كُنْتُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَأُصَلِّي الَّتِي ذَكَرْتُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، قَالَ : وَهَذَا شَنِيعٌ أَنْ يَقْطَعَ ، وَهُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَطَعَ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ فِي الَّذِي يَنْسَى الظُّهْرَ وَلَا يَذْكُرُهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْعَصْرِ ، قَالَ : يَمْضِي فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا ابْنُ شِهَابٍ يُفْتِي بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ رَأَى تَمَادِيَهُ مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ رَأَى إِعَادَتَهَا ( لَا ) أَدْرِي إِنْ كَانَ اسْتِحْبَابًا أَوْ إِيجَابًا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ ( هَذَا ) الْحَدِيثُ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِيمَا كَثُرَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقَلِيلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ ، لِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُ إِذَا ذَكَرَهَا ، وَهُوَ وَحْدَهُ فِي صَلَاةٍ أَنْ يَقْطَعَهَا ، وَإِنْ ذَكَرَهَا وَرَاءَ إِمَامٍ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، وَالْأَصْلُ فِي التَّمَادِي مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمُ اتِّبَاعُ ابْنِ عُمَرَ ( وَحَدِيثُهُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) كَانَ يَقُولُ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ، فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ، ثُمَّ لِيُصَلِّ ( بَعْدَهَا ) الصَّلَاةَ الْأُخْرَى ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ ، قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ يَرْوِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مَجْهُولِينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ، وَلَا يُعِيدُ هَذِهِ . وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِوَاجِبٍ فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ ( أَنَّ ) التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَأَوْقَاتِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ اسْتِدْلَالًا بِالْإِجْمَاعِ ( عَلَى ) أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ تَجِبُ الرُّتْبَةُ فِيهِ وَالنَّسَقُ لِوَقْتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى سَقَطَتِ الرُّتْبَةُ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ ( مِنْهُ شَيْءٌ بِسَفَرٍ أَوْ عِلَّةٍ ) وَجَائِزٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى غَيْرِ نَسَقٍ وَلَا رُتْبَةٍ مُتَفَرِّقًا ، فَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْمَذْكُورَاتُ الْفَوَائِتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ دَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ذَاكِرًا لِلصُّبْحِ فِي حِينِ نَوْمِهِ فِي سَفَرِهِ ، قَالُوا : فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ذَاكِرٌ صَلَاةً وَاجِبَةً عَلَيْهِ - رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَهُمَا غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ صَلَاةً قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا الْمُرَاعَاةُ أَنْ يَذْكُرَ فِي الصَّلَاةِ مَا قَبْلَهَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَجٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فِي أَكْثَرِهَا تَشْعِيبٌ وَتَطْوِيلٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَا تَقِفُ بِهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَأَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ الصَّلَاةَ بِمَا تُقَامُ بِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالطَّهَارَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فِي حِينِ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَقَدْ رَوَى أَبَانُ الْعَطَّارُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الْفَجْرَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَبَانُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَلَا تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي مَعْمَرٍ عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ لِمَا فَاتَ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْحُجَّةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ . قَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا وَلِجَمِيعِ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ مُسْتَوْعَبَةً مَبْسُوطَةً فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
320 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ؟ . ( لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ ، عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا مَتْنِهِ ) رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ( وَرَوَاهُ يُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَابْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِإِجَازَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ ( وَاحِدٍ ) ، وَكُلُّ ثَوْبٍ سَتَرَ الْعَوْرَةَ وَالْفَخِدَيْنِ مِنَ الرَّجُلِ جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ثَوْبٍ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ صَلَّى مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَكُلُّ ثَوْبٍ يُغَيِّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَيَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا وَشَعْرِهَا فَجَائِزٌ لَهَا الصَّلَاةُ فِيهِ ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا عَوْرَةٌ إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ . عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَكْشِفُ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُغَطِّيَ مِنْهَا مَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ : كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفُرِهَا . حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بن الصباح ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) قَالَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفُرِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا مَكْشُوفٌ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا تُبَاشِرُ الْأَرْضَ بِهِ ، وَأَجْمَعُوا ( عَلَى ) أَنَّهَا لَا تُصَلِّي مُتَنَقِّبَةً ، وَلَا عَلَيْهَا أَنْ تَلْبَسَ قُفَّازَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ منها غير عَوْرَةٌ وَجَائِزٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهَا كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا بِغَيْرِ رِيبَةٍ ، وَلَا مَكْرُوهٍ . وَأَمَّا النَّظَرُ لِلشَّهْوَةِ فَحَرَامٌ تَأَمُّلُهَا مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهَا لِشَهْوَةٍ فَكَيْفَ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا مُسْفِرَةً ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( عَنْ أَحْمَدَ ) بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصَلِّي وَبَعْضُ شَعْرِهَا مَكْشُوفٌ ، وَقَدَمُهَا ، قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ تُغَطِّيَ شَعْرَهَا ، وَقَدَمَيْهَا ، قَالَ : وَسَمِعْتُهُ يُسْأَلُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ كَيْفَ تُصَلِّي فَقَالَ : تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ، لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ ، وَهِيَ تُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّةُ ، قَالَ : وَسَمِعْتُهُ يُسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي قَمِيصٍ غير مَزْرُورٍ فَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَزِرَّهُ ، قِيلَ : فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ تُغَطِّي ، وَلَمْ يَكُنِ الْقَمِيصُ مُتَّسِعَ الْجَيْبِ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَجَائِزٌ ، قَالَ : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ واحد غير مَزْرُورٍ . مَالِكٌ : إِنْ صَلَّتِ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ وَشَعْرُهَا مَكْشُوفٌ أَوْ قَدَمَاهَا أَوْ صَدْرُهَا أَعَادَتْ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ : تُعِيدُ أَبَدًا إِنِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهَا ، أَوْ صَدْرِهَا ، أَوْ صُدُورِ قَدَمَيْهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَأَصْحَابُهُ قَدَمُ الْمَرْأَةِ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ ، فَإِنْ صَلَّتْ وَقَدَمُهَا مَكْشُوفَةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ صَلَّتْ وَجُلُّ شَعْرِهَا مَكْشُوفٌ ، فَصَلَاتُهَا فَاسِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مِنْ شَعْرِهَا مَكْشُوفًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، وَإِنِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْهَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا فَصَلَّتْ بِذَلِكَ ، فَصَلَاتُهَا فَاسِدَةٌ عَلِمَتْ أَمْ لَمْ تَعْلَمْ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ عَلِمَتْ فَسَدَتْ صَلَاتُهَا ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ سُئِلَتْ : مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَتْ : تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ السَّابِغِ الَّذِي يُغَيِّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ مِثْلُ ذَلِكَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَهَذِهِ الْآثَارُ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَعَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ دُونَ إِزَارٍ ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذٍ ، عَنْ أُمِّهِ سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَتْ : تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ سَابِغٍ إِذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا ، وَالَّذِينَ وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَوْقُوفًا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ( عَنْ أُمِّهِ ) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَذَكَرَهُ ) ، ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَ حَدِيثِهِ ) وَالْإِجْمَاعُ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ ( فِيهِ ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فَرُوِيَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ ، وَرُوِيَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا ظَهَرَ مِنْهَا الثِّيَابُ ، قَالَ : لَا يُبْدِينَ قُرْطًا وَلَا قِلَادَةً وَلَا سُوَارًا وَلَا خَلْخَالًا إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنَ الثِّيَابِ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا قَالَ : الْقَلْبُ وَالْفَتْخَةُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ جَرِيرِ ابْنِ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : فَذَكَرُهُ ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ : الْقَلْبُ وَالسُّوَارُ ، وَالْفَتْخَةُ ، وَالْخَاتَمُ ، وَقَالَ : جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ هِيَ كُحْلٌ فِي عَيْنٍ ، أَوْ خَاتَمٌ فِي خِنْصَرٍ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الْجِلْبَابُ وَالرِّدَاءُ ، وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَا يَصِحُّ الْبَنَانُ ، وَالْقُرْطُ ، وَالدُّمْلُجُ ، وَالْخَلْخَالُ ، وَالْقِلَادَةُ ( يُرِيدُ مَوْضِعَ ذَلِكَ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ التَّابِعُونَ فِيهَا أَيْضًا عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَهَذَا مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ وَحُكْمِهَا فِي الْاسْتِتَارِ فِي صَلَاتِهَا وَغَيْرِ صَلَاتِهَا ، وَأَمَّا الرَّجُلُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عَاتِقِ الرَّجُلِ ثَوْبٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّزِرًا لِئَلَّا تَقَعَ عَيْنُهُ عَلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ وَيَسْتَحِبُّونَ لِلْوَاحِدِ الْمُطِيقِ عَلَى الثِّيَابِ أَنْ يَتَجَمَّلَ فِي صَلَاتِهِ مَا اسْتَطَاعَ بِثِيَابِهِ وَطِيبِهِ وَسِوَاكِهِ ، قَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ رَآنِي ابْنُ عُمَرَ أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ : أَلَمْ أَكْسُكَ ثَوْبَيْنِ ، قُلْتُ : بَلَى فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى فُلَانٍ كُنْتَ ذَاهِبًا فِي هَذَا الثَّوْبِ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَاللَّهُ أَحَقُّ مَنْ تَزَيَّنُ لَهُ ، أَوْ مَنْ تَزَيَّنْتَ لَهُ وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ هَذَا وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا عَلَى الْأَفْضَلِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ إِمَامًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ السَّكَنِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ الْمُثَنَّى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَلْيَتَّزِرْ وَلْيَرْتَدِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : شَغَلَنِي شَيْءٌ فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَا أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : فَأَمْهَلَنِي حَتَّى فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ تُكْسَ ثَوْبَيْنِ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : فَلَوْ أُرْسِلْتَ خَارِجًا مِنَ الدَّارِ أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَزَيَّنَ لَهُ أَمِ النَّاسُ ؟ قُلْتُ : بَلِ اللَّهُ ، قَالَ : ثُمَّ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ أَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ ذَكَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ثَوْبَيْنِ ، فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ اتِّزَارًا ، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ؟ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ يَتَّزِرُ بِالْوَاحِدِ وَيَلْبَسُ الْآخَرَ أَنَّهُ حَسَنٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا حَسَنٌ ، وَلَمْ نَقُلْ وَاجِبٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ قَدْ صَلَّوْا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَمَعَهُمْ ثِيَابٌ وَحَسْبُكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ رَاوِي ( هَذَا ) الْحَدِيثِ . ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ : هَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنِّي لَأُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ ، وَقَدْ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ( قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ . وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ ، فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ . مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ وَاسِعًا ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَحَدِيثُ جَابِرٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ أَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ، قَالَ : أَنْبَأَنِي جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَيْكَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا بَلَاغًا ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَلَاغَاتِ مَالِكٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوْ قَالَ عُمَرُ : إِذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ ، فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ثَوْبٌ ، فَلْيَتَّزِرْ بِهِ ، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ ، وَرَوَى أَبُو الْمُنِيبِ ( عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ ) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلَّى فِي سَرَاوِيلَ لَيْسَ عَلَيْهَا رِدَاءٌ ، وَهَذَا خَبَرٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِضَعْفِهِ ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ النَّدْبَ لِمَنْ قَدَرَ ، وَقَدْ جَاءَ مَا يُعَارِضُهُ . رَوَى أَبُو حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا لَا مَحَالَةَ دُونَ السَّرَاوِيلِ وَيَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ جَابِرٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : صَلِّ فِي قَمِيصٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَتَصَيَّدُ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَزِرَّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ إِزَارُكَ وَاسِعًا فَتَوَشَّحْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا ، فَاتَّزِرْ بِهِ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ لَكَ مَا قُلْنَاهُ وَفَسَّرْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَرُوِيَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الصَّلَاةَ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ لَا يَصِفُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنِ اسْتَحَبَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُخَمَّرَ الْعَاتِقَيْنِ وَكَرِهُوا أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُؤْتَزِرًا بِهِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ إِذَا قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَجْمَعَ جَمِيعُهُمْ أَنَّ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَائِزَةٌ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا يَزُرُّهُ ، أَوْ يُخَلِّلُهُ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَجَافَى الْقَمِيصُ فَيَرَى مِنَ الْجَيْبِ الْعَوْرَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، وَرَأَى عَوْرَتَهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَقَدْ رَخَّصَ مَالِكٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ مَحْلُولَ الْإِزَارِ لَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ ، وَلَا إِزَارٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَكَانَ سَالِمٌ يُصَلِّي مَحْلُولَ الْإِزَارِ ، وَقَالَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ : إِذَا كَانَ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ وَاجِبٌ بِالْجُمْلَةِ عَلَى الْآدَمِيِّينَ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : إِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَرَنَ أَخْذَ الزِّينَةِ بِذِكْرِ الْمَسَاجِدِ يَعْنِي الصَّلَاةَ ، وَالزِّينَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ هِيَ الثِّيَابُ السَّاتِرَةُ لِلْعَوْرَةِ ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ وَتَقُولُ : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهْ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهْ فَنَزَلَتْ : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ أَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ نَزَلَتْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً . رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ مَعْنَى مَا نُورِدُهُ بِدُخُولِ كَلَامِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَلَى لَفْظِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ( عُرَاةً ) إِلَّا الْحُمْسَ قُرَيْشًا وَأَحْلَافَهُمْ ، فَمَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَضَعَ ثِيَابَهُ ، فَطَافَ فِي ثَوْبَيْ أُحْمُسِيٍّ يَسْتَعِيرُهُمَا مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِيرُهُ اسْتَأْجَرَ مِنْ ثِيَابِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُ مِنْهُ ثَوْبَهُ مِنُ الْحُمْسِ ، وَلَا مَنْ يُعِيرُهُ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يُلْقِيَ عَنْهُ ثِيَابَهُ وَيَطُوفَ عُرْيَانًا ، وَإِمَّا أَنْ يَطُوفَ فِي ثِيَابِهِ ، فَإِنْ طَافَ فِي ثِيَابِهِ أَلْقَاهَا عَنْ نَفْسِهِ إِذَا قَضَى طَوَافَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِ ، فَلَا يَقْرَبُهَا ( وَلَا يَقْرَبُهَا ) غَيْرُهُ فَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمَّى اللَّقَى ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ : كَفَى حُزْنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ وَالرَّجُلُ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَطُفْنَ بِاللَّيْلِ ، وَالرِّجَالَ بِالنَّهَارِ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ لَهَا هَيْئَةٌ وَجَمَالٌ ، فَطَافَتْ عُرْيَانَةً ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ كَانَ عَلَيْهَا مِنْ ثِيَابِهَا مَا يَنْكَشِفُ عَنْهَا فَجَعَلَتْ تَقُولُ : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهْ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهْ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا فَنَادَى أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ عُرَاةً ، وَلَا يَلْبَسُ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا طَافَ فِيهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اسْتَدَلَّ مَنْ جَعَلَ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إِفْسَادِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْاسْتِتَارِ بِهِ وَصَلَّى عُرْيَانًا ، وَقَالَ آخَرُونَ : سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عَنْ أَعْيُنِ الْمَخْلُوقِينَ لَا مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ تَرَكَ الْاسْتِتَارَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَصَلَّى عُرْيَانًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَمَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ تَرَكَ الْجِلْسَةَ الْوُسْطَى عَامِدًا ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْنُونَةً وَلِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ اعْتِلَالٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَأَصَحُّ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ مَا هِيَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : مَا دُونُ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَتِ السُّرَّةُ ، وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنَ الْعَوْرَةِ وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ التِّرْمِذِيُّ لِلشَّافِعِيِّ فِي السُّرَّةِ قَوْلَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى ذَيْنِكَ الْقَوْلَيْنِ ، فَطَائِفَةٌ قَالَتْ السُّرَّةُ مِنَ الْعَوْرَةِ ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ لَيْسَتِ السُّرَّةُ عَوْرَةً ، وَقَالَ عَطَاءٌ : الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ : السُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِفَ فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ الْعَوْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ الْفَرْجُ نَفْسُهُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ دُونَ غَيْرِهِمَا ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَقَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، فَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، فَأَذِنَ لَهُمَا ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَسَوَّى عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ( ثُمَّ أَذِنَ لَهُ ) فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ فِي أَلْفَاظِهِ اضْطِرَابٌ ( وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَخِذُ عَوْرَةٌ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَحْشٍ وَجَرْهَدٌ الْأَسْلَمِيُّ وَقَبِيصَةُ بْنُ مُخَارِقٍ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : وَالرُّكْبَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْفَخِذِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَبَّلَ سُرَّةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَقَالَ : أُقَبِّلُ مِنْكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ مِنْكَ ، فَلَوْ كَانَتِ السُّرَّةُ عَوْرَةً مَا قَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَلَا مَكَّنَهُ مِنْهَا الْحَسَنُ وَمُحَالٌ أَنْ يُقَبِّلَهَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهَا . ( أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَعْدِ ( الْوَشَّاءُ ) قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ( الرَّنْسِيُّ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، قَالَ مُعْتَمِرٌ : أَظُنُّهُ فِي مَرَضِهِ )
حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الدُّعَاءِ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ وَتَحْرِيمُ السُّجُودِ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَفِي مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ أَنْ لَا تُجْعَلَ قُبُورُ الْأَنْبِيَاءِ قِبْلَةً يُصَلَّى إِلَيْهَا ، وَكُلُّ مَا احْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ فَمَمْنُوعٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَعَا عَلَى الْيَهُودِ مُحَذِّرًا لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِلَى الْقُبُورِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي حُجَّةٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ( فِي مُرْسَلَاتِهِ وَأَتَيْنَا بِآثَارِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أيضا عن عطاء بن يسار فأغنى ذلك عن إعادة شيء من ذلك هاهنا وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُرَاقَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ سَمِعَ مِنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقِلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ فِي بِئْرِهِمْ ، يُكْنَى أَبَا نُعَيْمٍ رَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَتُوُفِّيَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . 417 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وهو أعمى ، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَالْمَطَرُ ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ ، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَخَطَأٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ وَوَهْمٌ صَرِيحٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ نَشْتَغِلْ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَهْمِ الَّذِي يُدْرِكُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالْعِلْمِ كَبِيرُ عِنَايَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ وَلَا يُحْفَظُ إِلَّا لِمَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ . وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ ، وَالْعِصْمَةُ بِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ إِمَامَةَ الْأَعْمَى جَائِزَةٌ ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُجَمَّعُ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ لِمَنْ لَمْ يُطِقِ الْمَشْيَ إِلَيْهَا ، أَوْ تَأَذَّى بِهِ ، وَفِيهِ أَنْ يُخْبِرَ الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ بِعَاهَةٍ فِيهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الشَّكْوَى ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَطِئَهَا وَقَامَ عَلَيْهَا ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَجَمِيلِ الْأَدَبِ فِي إِجَابَتِهِ كُلَّ مَنْ دَعَاهُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَعْنَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ قَدْ أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي ، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى . فَفَعَلَ . وَأَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا ، وَقَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ : هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِجْلَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ شَهِدَ بَدْرًا فِيمَا قَالَهُ عُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ حَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِحَدِيثٍ لَعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ أَنْكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ : حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا يَرُدُّهُ : حَدَّثَنَاه خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ التَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلَاةِ ، قَالَ : أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ . ( وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْجُمُعَةِ ، فَلَا تَتَعَارَضُ الْأَحَادِيثُ ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ لِعِتْبَانَ فِي الظُّلْمَةِ وَالسَّيْلِ وَالْمَطَرِ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ( وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ) . وَقَدْ ذَكَرْتُ طُرُقَ حَدِيثِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَسُقْتُ مِنْهَا هُنَاكَ مَا يَشْفِي النَّاظِرَ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
531 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ( مُرْسَلٌ ) وَهُوَ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، ثَابِتَةٍ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَرَضِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا مَاتَتْ ، فَآذِنُونِي ( بِهَا ) فَخُرِجَ بِجِنَازَتِهَا لَيْلًا فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ : أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَكَ لَيْلًا وَنُوقِظَكَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ القرشي ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ، وَهَذَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ . وَمُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ( هَذَا الْحَدِيثَ ) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ( وَغَيْرِهِ ) . وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا ثَابِتَةٌ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْعَالِمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ غِيبَةً . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُتَحَدَّثَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعُودُ الْفُقَرَاءَ ، فَجَائِزٌ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَعُودَ الْمَرْضَى ، وَإِنْ تَوَاضَعَ وَعَادَ الْمَسَاكِينَ وَشَهِدَ جَنَائِزَهُمْ كَانَ أَفْضَلَ وَأَسْنَى ، وَكَانَ جَدِيرًا أَنْ يُعَدَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ عِيَادَةِ النِّسَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنَّ ذَوَاتَ مَحْرَمٍ ، وَمَحَلُّ هَذَا عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُتَجَالَّةً ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ فَلَا ، إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ عَنْهَا وَلَا يُنْظُرَ إِلَيْهَا ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ فِي الْعَفْوِ ، وَإِنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُمْ ، وَفِيهِ إِجَازَةُ الْإِذْنِ بِالْجِنَازَةِ ، وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا تُشْعِرُوا بِي أَحَدًا ، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ وَدَلَائِلُ السُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَأَمَّا الَّذِينَ كَرِهُوا ذَلِكَ ، فَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِبْرَاهِيمَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : الْإِيذَانُ بِالْجِنَازَةِ مِنَ النَّعْيِ ، وَالنَّعْيُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مَنْ يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ ، فَلَا تُؤْذِنْ أَحَدًا مَخَافَةَ أَنْ يُقَالَ : مَا أَكْثَرَ مَنِ اتَّبَعَهُ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قَالَ : لَا تُؤْذِنُوا بِي أَحَدًا كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ( قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَحَيَّنُ بِجَنَائِزِهِ غَفْلَةَ النَّاسِ ) . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَا تُؤْذِنُوا بِمَوْتِي أَحَدًا حَسْبِي مَنْ يَحْمِلُنِي إِلَى حُفْرَتِي . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذَنَ صَدِيقُهُ وَأَصْحَابُهُ ، إِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ : أَنْعِي فُلَانًا ، كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : مَا أَدَعُ مَالًا وَلَا أَدَعُ عَلَيَّ مِنْ دَيْنٍ ، وَمَا أَدَعُ مِنْ عِيَالٍ يُهِمُّونِي بَعْدِي ، فَإِذَا ( أَنَا ) مِتُّ ، فَلَا تَنْعُونِي إِلَى أَحَدٍ وَأَسْرِعُوا فِي الْمَشْيِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ أَكَانَ النَّعْيُ يُكْرَهُ ، قَالَ : نَعَمْ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : يُؤْذَنُ الرَّجُلَ حَمِيمُهُ وَيُؤْذَنُ صَدِيقُهُ وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرُهُ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا مَاتَتْ ، فَآذِنُونِي بِهَا وَنَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : نَعَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَ مُؤْتَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَجُلًا رَجُلًا ، بَدَأَ بِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، ثُمَّ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، قَالَ : فَأَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَهُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : شُهُودُ الْجَنَائِزِ أَجْرٌ وَتَقْوَى وَبِرٌّ ، وَالْإِذْنُ بِهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَإِدْخَالُ الْأَجْرِ عَلَى الشَّاهِدِ وَعَلَى الْمُتَوَفَّى ، أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، وَكَانَ أَخَا عَائِشَةَ فِي الرَّضَاعَةِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ وَمِثْلَهُ لَا يَجْتَمِعُونَ لِشُهُودِ جِنَازَةٍ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنُوا لَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَفِيهِ أَنَّ عِصْيَانَ الْمَرْءِ مَنْ أَمَرَهُ إِذَا أَرَادَ بِعِصْيَانِهِ بِرَّهُ وَتَعْظِيمَهُ لَا يُعَدُّ عَلَيْهِ ذَنْبًا . وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْصَى إِذَا لَمْ تُنْتَهَكْ لِلَّهِ حُرْمَةٌ ، وَلَمْ يُعْصَ - جَلَّ وَعَزَّ ، أَلَا تَرَى إلِى قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا . وَفِيهِ إِبَاحَةُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ . وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَا غَابَ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَهَذَا عِنْدَ كُلِّ مَنْ أَجَازَهُ وَرَآهُ إِنَّمَا هُوَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الْمُسْنَدَةُ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا رَحِمَهُمُ اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ . وَفِيهِ الصَّفُّ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ ، وَفِيهِ أَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ كَسُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ سَوَاءٌ فِي الصَّفِّ عَلَيْهَا ، وَالدُّعَاءِ ، وَالتَّكْبِيرِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَجَاءَ ، وَقَدْ سُلِّمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا ، وَقَدْ دُفِنَتْ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ مَعَ النَّاسِ عَلَيْهَا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا وَلَا يُصَلِّ عَلَى الْقَبْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قُلْتُ لمالك : فَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ ؟ قَالَ : قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدِمَ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ عَاصِمٌ أخوه فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ : أَيْنَ قَبْرُ أَخِي ؟ فَدَلُّوهُ عَلَيْهِ ، فَأَتَاهُ فَدَعَا لَهُ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَبِهِ نَأْخُذُ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى جِنَازَةٍ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا دَعَا وَانْصَرَفَ ، وَلَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ . وَذُكِرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : لَا تُعَادُ عَلَى مَيِّتٍ صَلَاةٌ ، قَالَ : وَقَالَ مَعْمَرٌ : كَانَ الْحَسَنُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ عَلَى جِنَازَةٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا ، وَكَانَ قَتَادَةُ يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدُ إِذَا فَاتَتْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهُوَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : رُوِيَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ حِسَانٍ كُلِّهَا . وَفِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ قَرَظَةَ أَنَّ أَحَدَهُمَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ وَصَلَّى الْآخَرُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ فَحَمَلْنَاهُ حَتَّى جِئْنَا بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَدَفَنَّاهُ ، فَقَدِمَتْ عَائِشَةُ عَلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَابَتْ عَلَيْنَا ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَيْنَ قَبْرُ أَخِي ؟ فَدَلَلْنَاهَا عَلَيْهِ فَوُضِعَتْ فِي هَوْدَجِهَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الطَّائِيُّ الْأَثْرَمُ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ( أَيُّوبُ ، عَنِ ) ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تُوُفِّيَ فِي مَنْزِلٍ لَهُ كَانَ فِيهِ ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى رِقَابِنَا سِتَّةَ أَمْيَالٍ إِلَى مَكَّةَ ، وَعَائِشَةُ غَائِبَةٌ فَقَدِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ : أَرُونِي قَبْرَ أَخِي ، فَأَرَوْهَا فَصَلَّتْ عَلَيْهِ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : قَدِمَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهَا بِشَهْرٍ ، فَصَلَّتْ عَلَى قَبْرِهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ حَنَشِ بن المعتمر ، قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ بَعْدِ أَنْ صَلَّى ( عَلِيٌّ ) عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ قَرَظَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ ( وَيُصَلِّيَ ) عَلَيْهِ بَعْدَ مَا دُفِنَ . وَعَنِ أبي مُوسَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ . وَأَمَّا السِّتَّةُ وُجُوهٍ الَّتِي ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّهُ رَوَى مِنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( صَلَّى ) عَلَى قَبْرٍ ، فَهِيَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ( حَدِيثُ ) سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ ، وَحَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَحَدِيثُ ( أَنَسٍ ) ( وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ) . فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَحَدَّثَنَاهُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُ فُقَرَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ إِذَا مَاتُوا ، قَالَ : فَتُوُفِّيَتِ ( امْرَأَةٌ ) مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قَضَتْ فَآذِنُونِي بِهَا ، قَالَ : فَأَتَوْهُ لِيُؤْذِنُوهُ فَوَجَدُوهُ نَائِمًا ، وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ ، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوهُ وَتَخَوَّفُوا عَلَيْهِ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ، وَهَوَامَّ الْأَرْضِ ، قَالَ : فَدَفَنَّاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَيْنَاكَ لِنُؤْذِنَكَ فَوَجَدْنَاكَ نَائِمًا ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ، وَهَوَامَّ الْأَرْضِ ، قَالَ : فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَبْرِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعًا . وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : ( حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ) قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ تُوُفِّيَتْ ، وَأَنَا غَائِبٌ ، فَصَلِّ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى عَلَيْهَا ، وَقَدْ دُفِنَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ . وَرَوَى الْقَطَّانُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أُمَّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ ، فَأَتَى قَبْرَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ ( وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً ) . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرُوِّينَاهُ مِنْ وُجُوهٍ ، أَحْسَنُهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ . وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَا : ( حَدَّثَنَا ) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةٌ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَتْ فَدُفِنَتْ لَيْلًا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : فَهَلَّا أَعْلَمْتُمُونِي ، فَقَالُوا : مَاتَتْ لَيْلًا . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَقْبَرَةَ ، فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهَا ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا ، وَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهَا نُورٌ ، قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَدْرِي الْكَلَامَ الْآخَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ أَمْ لَا ؟ ( وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَبُو عَامِرٍ الْجَزَّارُ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تُنَقِّي الْمَسْجِدَ مِنَ الْأَذَى ، ثُمَّ مَاتَتْ فَدُفِنَتْ ، وَلَمْ يُؤْذَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْقَبْرِ ، فَأَتَى عَلَى الْقُبُورِ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مُمْتَلِئَةٌ عَلَى أَهْلِهَا ظُلْمَةً ، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي أَوْ أَخِي مَاتَ ، وَقَدْ دُفِنَ ، فَصَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْأَنْصَارِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَعْفَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرٍ حَدِيثٍ فَقَالَ : مَا هَذَا الْقَبْرُ ؟ قَالُوا : قَبْرُ فُلَانَةَ ، قَالَ : فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي ؟ قَالُوا : كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَفْعَلُوا ، ادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ ، ثُمَّ صَفَّ عَلَيْهَا فَصَلَّى . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرٍ حَدِيثٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ : قَبْرُ فُلَانَةَ الْمِسْكِينَةِ ، قَالَ : فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي أُصَلِّي عَلَيْهَا ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ ، أَوْ قَالَ : أَعْلِمُونِي بِجَنَائِزِكُمْ ، فَصَفَّ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ وَصَلَّى عَلَيْهَا . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَعْنَبِيُّ جَمِيعًا ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ( عَنْ مُحَمَّدِ ) بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرٍ حَدِيثٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ حَدِيثِ عَهْدٍ بِدَفْنٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا : مَاتَ لَيْلًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ فَنَشُقَّ عَلَيْكَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَّنَا خَلْفَهُ ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْمَقْدِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، وَعَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ . وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، وَعَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ سِوَى هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ ، وَكُلُّهَا حِسَانٌ ، مِنْهَا ( حَدِيثٌ ) لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَالْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّهَا أَرَادَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا وَرَدْنَا الْبَقِيعَ إِذَا هُوَ بِقَبْرٍ جَدِيدٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ : فُلَانَةُ فَعَرَفَهَا فَقَالَ : أَفَلَا آذَنْتُمُونِي ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْتَ قَائِلًا نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُؤْذِنَكَ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلُوا ، لَا يَمُوتَنَّ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ ، فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِ لَهُ رَحْمَةٌ ، قَالَ : ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ ، فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا . وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُبَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَلَوِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ فِي الشِّتَاءِ فِي بَرْدٍ وَغَيْمٍ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ لِأَهْلِهِ : إِنِّي مَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا وَقَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَآذِنُونِي بِهِ حَتَّى أَشْهَدَهُ وَأُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، وَعَجِّلُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ ، فَلَمْ يَبْلُغِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي سَالِمٍ حَتَّى تُوُفِّيَ ، وَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَكَانَ مِمَّا قَالَ طَلْحَةُ : ادْفِنُونِي ( وَأَلْحِقُونِي ) بِرَبِّي ، وَلَا تَدْعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ ( الْيَهُودَ ) أَنْ يُصَابَ بِشَيْءٍ . فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَصْبَحَ فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ ( فِي ) قِطَارِهِ بِالْعُصْبَةِ ، فَصَفَّ وَصَفَّ النَّاسَ مَعَهُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ الْقَ طَلْحَةَ تَضْحَكُ ( إِلَيْهِ ) وَيَضْحَكُ إِلَيْكَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ ( قَالَ ) : أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنِيبِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَي أمامة الحارثي ( ، عَنْ أُبَي أمامة الحارثي ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ( بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ الْمُنِيبِ ( الْمَدَنِيُّ ) عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، قَالَ : رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَدْرٍ ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ يَعْنِي أُمَّ أَبِي أُمَامَةَ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا . وَأَمَّا الْعَمَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِهَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَغَيْرِهِمْ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الْأَثْرَمُ الطَّائِيُّ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى جِنَازَةً ، وَقَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا . ( قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، عَنِ الْحَكَمِ ، قَالَ : جَاءَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَقَدْ صُلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ) . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ، عَنِ الْمُسْتَظِلِّ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِالْعَقِيقِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْعَقِيقِ ، وَدَعَا لَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ وَيُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْخَضِرُ ابْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ الضُّبَعِيُّ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ، قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَعْمَرُ بْنُ سَمِيرٍ الْيَشْكُرِيُّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الدِّرْهَمَيْنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَانْطَلَقْنَا نَطْلُبُ جِنَازَةً نُصَلِّي عَلَيْهَا ، فَاسْتَقْبَلْنَا أَصْحَابَنَا ، وَقَدْ فَرَغُوا وَرَجَعُوا ، قَالَ أَبُو جَمْرَةَ : فَذَهَبْتُ أَرْجِعُ فَقَالَ : امْضِ بِنَا فَمَضَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ انْطَلَقَ إِلَى الْقَبْرِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، قَالَ وُهَيْبٌ : وَرَأَيْتُ أَيُّوبَ يَفْعَلُهُ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عُمَرَ غَائِبٌ فَقَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ أَيُّوبُ : أَحْسَبُهُ قَالَ بِثَلَاثٍ ، فَقَالَ : أَرُونِي قَبْرَ أَخِي ، فَأَرَوْهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ . هَكَذَا قَالَ : عَنْ أَحْمَدَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، لِأَنَّ مَعْمَرًا ذَكَرَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى قَبْرَ أَخِيهِ وَدَعَا لَهُ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ بِمَعْنَى فَدَعَا ( لَهُ ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ ، وَهُوَ أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا رَوَى مَعْمَرٌ . وَكَذَلِكَ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ( ، عَنْ نَافِعٍ ) قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى جِنَازَةٍ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا دَعَا وَانْصَرَفَ ، وَلَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَا ، عَنْ عَائِشَةَ مِنْ صَلَاتِهَا عَلَى قَبْرِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا دَعَتْ ( لَهُ ) ، فَكَنَّى الْقَوْمُ عَنِ الدُّعَاءِ بِالصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَرَبًا ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ ، وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهِ مَحْفُوظَةٌ مَشْهُورَةٌ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا . وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يُقَالَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِيهَا الدُّعَاءُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُفَسِّرًا يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّهُ صَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ وجوهِ الْمُعَارَضَةِ ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ فِي النَّظَرِ أَنَّ ذِكْرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ إِذَا أَتَى مُطْلَقًا ، فَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَمِنْ ادعى غير ذَلِكَ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا يَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ جَاءَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، لِأَنَّهَا كلها آثار بَصْرِيَّةٌ وَكُوفِيَّةٌ ، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مَدَنِيٌّ ، أَعْنِي ( عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِنَّمَا حَكَى أَنَّهُ لَيْسَ ) عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ فِي عَصْرِهِ ، وَعَصْرِ شُيُوخِهِ ، وَهُوَ - كَمَا قَالَ - ما وجدنا عَنْ مَدَنِيٍّ مَا يَرُدُّ ( حِكَايَتَهُ هَذِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنِ التُّهْمَةِ وَالْكَذِبِ ، وَحَبَاهُ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ ، أَوْ عَلَى جِنَازَةٍ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا فَمُبَاحٌ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ خَيْرًا لَمْ يَحْظُرْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ( وَقَدْ ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرٍ ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَسْخُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ، فَمَنْ فَعَلَ فَغَيْرُ حَرِجٍ وَلَا مُعَنَّفٍ ، بَلْ هُوَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ وَأَجْرٍ جَزِيلٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، إِلَّا أَنَّهُ مَا قَدُمَ عَهْدُهُ فَمَكْرُوهٌ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى الْقَبْرِ إِلَّا بِحِدْثَانِ ذَلِكَ ، وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ شَهْرٌ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَا قَدُمَ مِنَ الْقُبُورِ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَحُجَّةٌ ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ نُسِيَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى دُفِنَ ( أَوْ ) فِيمَنْ دَفَنَهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ دُونَ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ خُشِيَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ : أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ نُبِشَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ . وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَنْ دُفِنَ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مِنْ قَتِيلٍ ، أَوْ مَيِّتٍ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ ، قَالَ : وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ مَرَّتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُ وَلِيِّهَا فَيُعِيدُ وَلِيُّهَا الصَّلَاةَ ( عَلَيْهَا ) إِنْ كَانَتْ لَمْ تُدْفَنْ ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ دُفِنَتْ أَعَادَهَا عَلَى الْقَبْرِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : تَرَى الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أَرَى عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَلَيْسَ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْيَوْمَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا أُخَالِفُ النَّاسَ فِيهِ .
1805 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَأُتِيَ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بِيَدِهِ ) فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ : أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ . فَقَالُوا : هُوَ ضَبٌّ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ) فَرَفَعَ ( رَسُولُ اللَّهِ ) يَدَهُ ، فَقُلْتُ : أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ ، قَالَ خَالِدٌ : فَاجْتَرَرْتُهُ ، فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَتَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : أَنَّهُمَا دَخَلَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ وَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَخَالِدًا شَهِدَا هَذِهِ الْقِصَّةَ بِنَحْوِ رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَلَمْ تَخْتَلِفْ نُسَخُ الْمُوَطَّإِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ( ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ فَأَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ جَعَلَهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَسَنِ بْنِ عَلَّانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ السَّاجِيُّ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ ، وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأُتِيَ بِضَبٍّ ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ : إِنَّهُ ضَبٌّ ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَقِيلَ ( لَهُ ) : أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ لَا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي ، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ ، قَالَ : فَأَمَّا خَالِدٌ فَأَكَلَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ . ( وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَالِكِيِّ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ) وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارِ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ( مِثْلَهُ ) سَوَاءً . وَالضَّبُّ دُوَيْبَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَرْضِ الْيَمَنِ ، وَلَيْسَ مَوْجُودًا بِمَكَّةَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي وَأَظُنُّهُ بِالْحِجَازِ كُلِّهِ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَيْضًا عِنْدَهُمْ ، وَلَا مَوْجُودًا . أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَقَلَهُ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَدَنِيًّا سَأَلَ أَعْرَابِيًّا فَقَالَ : أَتَأْكُلُونَ الضَّبَّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَالْيَرْبُوعَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَالْقُنْفُذَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : وَالْوَرَلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَتَأْكُلُونَ أُمَّ حُبَيْنٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَلْيُهَنِّئْ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةُ . وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الضَّبَّ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي بَعْضِ أَرْضِ الْعَرَبِ قَوْلُ بَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ : لَكِسْرَى كَانَ أَعْقَلَ مِنْ تَمِيمٍ لَيَالِيَ فَرَّ مِنْ أَرْضِ الضِّبَابِ وَقَالَ غَيْرُهُ : بِلَادٌ تَكُونُ الْخَيْمُ أَظْلَالَ أَهْلِهَا إِذَا حَضَرُوا بِالْقَيْظِ وَالضَّبُّ نُونُهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَتَهُ بِمَا لَا يُشْكَلُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا مِنَ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِي مَسْخِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَبَيَانٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَالْمَحْنُوذُ : الْمَشْوِيُّ فِي الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَحْفِرُ حُفْرَةً وَتُوقِدُ فِيهَا النَّارَ ، فَإِذَا حَمِيَتْ وُضِعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يُشْوَى فِي الْحَفِيرَةِ وَدُفِنَ فَهُوَ الْحَنِيذُ عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا يُوضَعُ فِي التَّنُّورِ إِذَا غُطِّيَ وَطُيِّنَ عَلَيْهِ حَنِيذٌ أَيْضًا . يُقَالُ : حَنِيذٌ وَمَحْنُوذٌ مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَاكِلُ أَصْحَابَهُ فَجَائِزٌ لِلرَّئِيسِ أَنْ يُوَاكِلَ أَصْحَابَهُ وَحَسَنٌ جَمِيلٌ بِهِ ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ مَا يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ أَنَّ النُّفُوسَ تَعَافُ مَا لَمْ تَعْهَدْ ، وَفِيهِ أَنَّ أَكْلَ الضَّبِّ حَلَالٌ ، وَأَنَّ مِنَ الْحَلَالِ مَا تَعَافُهُ النُّفُوسُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَيْسَ مَرْدُودًا إِلَى الطِّبَاعِ ، وَلَا إِلَى مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، أَوْ يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا حَرَّمَهُ أَحَدُهُمَا وَنَصَّ عَلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى خَطَأِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبِّ ( لَسْتُ بِمُحِلِّهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ ) . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ : لَمْ يُبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا آمِرًا ، أَوْ نَاهِيًا ، أَوْ مُحِلًّا ، أَوْ مُحَرِّمًا ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُؤْكَلْ عَلَى مَائِدَتِهِ . ( وَأَمَّا دُخُولُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَيْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ مَيْمُونَةُ مَعَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَالَ بَعْضُهُنَّ : أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ) . وَلَيْسَ الضَّبُّ ذَا نَابٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلْفَرْقِ الَّذِي وَرَدَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَحُكْمِ كُلِّ ذِي نَابٍ فِي الْأَكْلِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ سَلَفَ الْقَوْلُ مِنَّا فِي أَكْلِ ( كُلِّ ) ذِي نَابٍ من السباع فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مُسْتَوْعَبًا كَامِلًا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَسَيَأْتِي مِنْ ذِكْرِ الْآثَارِ فِي الضَّبِّ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ أَبِي أُمَامَةَ وَأُمُّهُ ابْنَةُ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ . ذَكَرُهُ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ( يَقُولُ ) : وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى نَسَبَهُ نَظَرَهُ عِنْدَ ذِكْرِ أَبِيهِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . كَانَ أَبُو أُمَامَةَ هَذَا مِنْ جِلَّةِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَكِبَارِهِمْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَوْلِدِهِ ، وَسَمِعَ أَبَاهُ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير كافر ، ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَسَحَ رَأَسَهُ ( وَسَمَّاهُ ) وَكَنَّاهُ ( وَكَانَ ) مَوْلِدُهُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَتَيْنِ ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ . لِابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ ، الِاثْنَانِ مِنْهَا مُتَّصِلَانِ ، وَالثَّالِثُ مُرْسَلٌ . 1747 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ، فَلُبِطَ بِسَهْلٍ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ . فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا ؟ قَالُوا : نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامِرَ ( بْنَ رَبِيعَةَ ) فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَا بَرَّكْتَ ؟ اغْتَسِلَ لَهُ . فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ ( وَيَدَيْهِ ) وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فِي غُسْلِ الْعَائِنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ قَوْلِهِ : اغْتَسِلْ لَهُ . وَفِيهِ كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ مِنْ فِعْلِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَتَعَجَّبَ مِنْهُ فَقَالَ : تَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فِي خِدْرِهَا ، أَوْ قَالَ : جِلْدَ فَتَاةٍ فِي خِدْرِهَا ، قَالَ : فَلُبِطَ حَتَّى مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، قَالَ : فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ أَحَدًا ، قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ، فَدَعَا عَامِرًا فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ إِذَا رَأَى مِنْهُ شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ ، قَالَ : ثُمَّ أَمَرَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَظَهْرَ عَقِبَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَغَسَلَ صَدْرَهُ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ قَدَمَيْهِ ظَاهِرَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَكَفَأَ الْإِنَاءَ مِنْ خَلْفِهِ ، قَالَ : وَأَمَرَهُ فَحَسَا مِنْهُ حَسَوَاتٍ ، قَالَ : فَقَامَ فَرَاحَ مَعَ الرَّكْبِ ، قَالَ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ لِلزُّهْرِيِّ : مَا كُنَّا نَعُدُّ هَذَا حَقًّا ، قَالَ : بَلْ هِيَ السُّنَّةُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا غَرِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَالْمُخَبَّأَةُ ، مَهْمُوزٌ مِنْ : خَبَّأْتُ الشَّيْءَ : إِذَا سَتَرْتُهُ ، وَهِيَ الْمُخَدَّرَةُ الْمَكْنُونَةُ الَّتِي لَا تَرَاهَا الْعُيُونُ ، وَلَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَتُغَيِّرُهَا يَقُولُ : إِنَّ جِلْدَ سَهْلٍ كَجِلْدِ الْجَارِيَةِ الْمُخَدَّرَةِ ؛ إِعْجَابًا بِحُسْنِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَاتِ : ذَكَّرَتْنِي الْمُخَبَّآتِ لَدَى الْحِجْرِ يُنَازِعْنَنِي سُجُوفَ الْحِجَالِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ : يَا لَكِ مِنْ خُلَّةٍ مُبَاعِدَةٍ تَكْتُمُ أَسْرَارَهَا وَتَخْبَؤُهَا وَلُبِطَ : صُرِعَ وَسَقَطَ . تَقُولُ مِنْهُ : لُبِطَ بِهِ يَلْبِطُ لَبْطًا فَهُوَ مَلْبُوطٌ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لُبِطَ : وُعِكَ ، قَالَ الْأَخْفَشُ : يُقَالُ : لُبِطَ بِهِ وَلُبِجَ بِهِ : إِذَا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ خَبَلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إِعْيَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي قَوْلِهِ : دَاخِلَةُ إِزَارِهِ : هُوَ الْحَقْوُ يُجْعَلُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ فِي حَقْوِهِ ، وَهُوَ طَرَفُ الْإِزَارِ ( الَّذِي تَعْطِفُهُ إِلَى يَمِينِكَ ) ثُمَّ تَشُدُّ عَلَيْهِ الْأَزِرَّةَ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَفَسَّرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ : دَاخِلَةُ الْإِزَارِ هُوَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَضَعُهُ الْمُؤْتَزِرُ أَوَّلًا عَلَى حَقْوِهِ الْأَيْمَنِ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : دَاخِلَةُ إِزَارِهِ : الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ مِنَ الْإِزَارِ الَّذِي تَعْطِفُهُ إِلَى يَمِينِكَ ، ثُمَّ تَشُدُّ الْإِزَارَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : طَرَفُ إِزَارِهِ : الدَّاخِلُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ، وَهُوَ يَلِي الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ مِنَ الرَّجُلِ ، لِأَنَّ الْمُؤْتَزِرَ إِنَّمَا يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ فَذَلِكَ الطَّرَفُ يُبَاشِرُ جَسَدَهُ فَهُوَ الَّذِي يُغْسَلُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِزَارُ هُوَ الْمِئْزَرُ عِنْدَنَا فَمَا الْتَصَقَ مِنْهُ بِخَصْرِهِ وَسُرَّتِهِ فَهُوَ دَاخِلَةُ إِزَارِهِ . وَأَمَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعْنَى ، فَفِيهِ الِاغْتِسَالُ بِالْعَرَاءِ فِي السَّفَرِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْمُغْتَسِلِ مُبَاحٌ إِذَا لَمْ يَنْظُرُ مِنْهُ إِلَى عَوْرَةٍ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِعَامِرٍ لِمَ نَظَرْتَ إِلَيْهِ . وَإِنَّمَا عَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ لا غير ، وَقَدْ يَسْتَحِبُّ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمُغْتَسِلِ خَوْفًا أَنْ تَقَعَ عَيْنُ النَّاظِرِ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ النَّظَرُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِ عَوْرَةٍ ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَدَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاتِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ الَّذِي كَانَ فِي وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ، وَأَنَّهَا تَصْرَعُ وَتُرْدِي وَتَقْتُلُ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ . وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ خَالِدٍ الْأَنْمَارِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ، وَهُوَ عَنْ قَتْلِهِ غَنِيٌّ ؟ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ ، أَوْ مِنْ مَالِهِ ، فَلْيُبَرِّكْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ دَلِيلٌ ( عَلَى ) أَنَّ الْعَيْنَ رُبَّمَا قَتَلَتْ وَكَانَتْ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْمَنِيَّةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَزَّرٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سُحَيْمِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ نَعْرِضُ الْمَصَاحِفَ فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ أَعْرَابِيَّةٌ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا فَقَالَتْ : إِنَّ فُلَانًا قَدْ لَقَعَ مُهْرَكَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ يَدُورُ فِي فَلَكٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ، وَلَا يَبُولُ وَلَا يَرُوثُ ، فَالْتَمِسْ لَهُ رَاقِيًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا تَلْتَمِسْ لَهُ رَاقِيًا ، وَلَكِنِ ائْتِهِ ، فَانْفُخْ فِي مِنْخَرِهِ الْأَيْمَنِ أَرْبَعًا ، وَفِي الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ، وَقُلْ : لَا بَأْسَ ، أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي ، لَا يَكْشِفُ الضُّرَّ إِلَّا أَنْتَ فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى رَجَعَ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ : فَعَلْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ ( وَبَالَ ) وَرَاثَ . وَحَكَى الْمَدَائِنِيُّ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ هِشَامٌ : مَا رَأَيْتُ ابْنَ سَبْعِينَ أَحْسَنَ كِدْنَةً مِنْهُ ، فَلَمَّا صَارَ سَالِمٌ فِي مَنْزِلِهِ حُمَّ فَقَالَ : أَتَرَوْنَ الْأَحْوَلَ لَقَعَنِي بِعَيْنَيْهِ ؟ فَمَا خَرَجَ هِشَامٌ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى وَشَرْحًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي تَغَيُّظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْنِيبَ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ وَتَوْبِيخُهُ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَجْرُونَ تَحَتَ الْقَدَرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَمُوتُ بِأَجَلِهِ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ صَاحِبُ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا أَبِأَجَلِهِ قَتَلَهُ ؟ قَالَ : قَتَلَهُ بِأَجَلِهِ وَعَصَى رَبَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَذَلِكَ يُوَبَّخُ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ ، وَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ قَدْ سَبَقَ لَهُ بِذَلِكَ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ وَأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَسْبِقُ الْقَدَرَ ، وَلَكِنَّهَا مِنَ الْقَدَرِ ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا بَرَّكْتَ ؟ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَعْدُو إِذَا بَرَّكَ الْعَائِنُ ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يُبَرِّكْ ، فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَرِّكَ فَإِنَّهُ إِذَا دَعَا بِالْبَرَكَةِ صُرِفَ الْمَحْذُورُ لَا مَحَالَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالتَّبْرِيكُ أَنْ يَقُولَ : تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَائِنَ يُؤْمَرُ بِالِاغْتِسَالِ لِلَّذِي عَانَهُ ، وَيُجْبَرُ ( عِنْدِي ) عَلَى ذَلِكَ إِنْ أَبَاهُ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَخَاهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أخوه وَلَا يَضُرُّهُ هُوَ ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِسَبَبِهِ وَكَانَ الْجَانِي عَلَيْهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَائِنِ الْغُسْلُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ النُّشْرَةِ وَإِبَاحَةُ عَمَلِهَا ، وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي ذَلِكَ : إِنَّ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ ، وَإِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً فَجَائِزٌ أَخْذُ الْبَدَلِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَكُلُّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِيَقِينٍ فَأَكْلُ الْمَالِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ ( مُحَرَّمٌ ) وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ بِالنُّشْرَةِ لِلْمَعِينِ ، وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ خَرَجَ يَوْمًا وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : إِنَّ أَمِيرَكُمْ هَذَا لَأَهْضَمَ الْكَشْحَيْنِ ( فَعَانَتْهُ ) فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَوُعِكَ ، ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَهُ مَا قَالَتْ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَغَسَلَتْ لَهُ أَطْرَافَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَ ( بِهِ ) فَذَهَبَ ( ذَلِكَ ) عَنْهُ . وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِي تَفْسِيرِ الِاغْتِسَالِ لِلْمَعِينِ مَا وَصَفَهُ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرُهُ : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ( ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرًا مَرَّ بِهِ ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ، قَالَ : فَلُبِطَ بِهِ حَتَّى مَا يَعْقِلُ لِشِدَّةِ الْوَجَعِ . فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَّ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : قَتَلْتَهُ ، عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَا بَرَّكْتَ ؟ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ : اغْسِلُوهُ ، فَاغْتَسَلَ فَخَرَجَ مَعَ الرَّكْبِ ، قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنَّ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ ، يَغْتَسِلُ لَهُ الَّذِي عَانَهُ يُؤْتَى بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ فَيُمَضْمِضُ وَيَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يَصُبُّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مَرْفِقِ يَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ الرُّكْبَتَيْنِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً ، وَلَا يَضَعُ الْقَدَحَ حَتَّى يَفْرُغَ . وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ هَذَا حَكَاهُ ، عَنِ الْحَنَفِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَصُبُّ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً يَجْرِي عَلَى جَسَدِهِ ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ : وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ الْمَذْكُورَةَ ( كُلَّهَا ) وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي الْقَدَحِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَحُلُّ السِّحْرَ ، يُؤْتَى بِالْمَسْحُورِ فَيَحُلُّ عَنْهُ . فَقَالَ : قَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ ، وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ قَالَ الْأَثْرَمُ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الرَّجُلِ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ فَيَلْتَمِسُ مَنْ يُدَاوِيهِ ، قَالَ : إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ ، وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ . قَوْلُهُ : يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ أَيِ النِّسَاءِ ( قَالَ ) : وَالْأُخْذَةُ رُقْيَةٌ تَأْخُذُ الْعَيْنَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَأْبَقُ لَهُ الْعَبْدُ أَيُؤْخَذُ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَوْ قَالَ : لَا بَأْسَ ( بِهِ ) . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْأُخْذَةُ ( هِيَ ) السِّحْرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الْأُخْذَةِ فَفَزِعَ ، وَقَالَ : لَعَلَّكَ صَنَعْتَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النُّشْرَةِ ( فَقَالَتْ ) مَا تَصْنَعُونَ بِالنُّشْرَةِ ، وَالْفُرَاتُ إِلَى جَانِبِكُمْ يَنْغَمِسُ فِيهِ ( أَحَدُكُمْ ) سَبْعَ انْغِمَاسَاتٍ إِلَى جَانِبِ الْجَرْيَةِ ؟ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَأْبَقُ لَهُ الْعَبْدُ أَيُؤَخِّذُهُ ؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : قَدْ وَخَّذْنَا فَمَا رُدَّ عَلَيْنَا شَيْءٌ ، أَوْ : رَدَّ عَلَيْنَا شَيْئًا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ النُّشْرَةِ فَكَرِهَ نُشْرَةَ الْأَطِبَّاءِ ، وَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُونَ فِيهَا ، وَأَمَّا شَيْءٌ تَصْنَعُهُ أَنْتَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : لَيْسَ بِالنُّشْرَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالطِّيبِ وَيَغْتَسِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَأْسٌ ، وَذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ . وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاوُسٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا طَاوُسٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْتَسِلُوا .
306 حَدِيثٌ ثَانٍ لِلزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّإِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ وَرَوَاهُ ( سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ ) ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . فَأَخْطَأَ سُوِيدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأً لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ فِيمَا عَلِمْتُ وَزَادَ فِيهِ : إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا . وَلَمْ يَقُلْ : إِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمُّ بِهِ ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَقَالَ فِيهِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ، عَنْ مَالِكٍ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ وَابْنُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ إِلَّا فِي بَلَاغَاتِ مَالِكٍ أَعْنِي قَوْلَهُ : ( فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ) وَقَدْ رَوَاهَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَسَنَذْكُرُهُ بِتَمَامِهِ فِي ( بَابِ ) بَلَاغَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ وَذَكَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ مَالِكٍ التَّكْبِيرَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ السُّجُودَ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ قَوْلُهُ : إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَلَا قَوْلُهُ : إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ سَمْعَانَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فَرَسًا ، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَصَلَّى ( لَنَا ) صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ جَالِسٌ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ جُلُوسًا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا ، فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ . فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَلَا رَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِهِ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَقَوْلُهُ : وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَلَا رَوَاهُ ، عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَجُوَيْرِيَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ . قَحْزَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَحْزَمٍ الْأُسْوَانِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ فَزَادَ فِيهِ : فِي بَيْتِهِ ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا : فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ أَحَدٌ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ قَحْزَمٍ عَنْهُ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ : فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ يُحْفَظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى فِي بَيْتِهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ قَحْزَمٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ ، فَجُحِشَ جَنْبُهُ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ يَعُودُونَهُ ، فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنِ اقْعُدُوا ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا حَدِيثُ قَحْزَمٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فَأَخْبَرَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ فَقِيرُ ابنُ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْأُسْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ قَحْزَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَحْزَمٍ الْأُسْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ ( بْنِ مَالِكٍ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فَرَسًا ، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ قَاعِدًا وَصَلَّى خَلْفَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . فَخَلَطَ فِيهِ قَحْزَمٌ وَزَادَ وَنَقَصَ ( وَلَمْ يُتِمَّهُ ) وَالصَّحِيحُ ، عَنْ مَالِكٍ فِيهِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ رُكُوبُ الْخَيْلِ ( وَحَرَكَتُهَا ) وَالتَّقَلُّبُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ يَرُدُّ مَا رُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ رُكُوبَ الْخَيْلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلَاءِ . وَأَمَّا السُّقُوطُ مِنْ ظُهُورِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ لِمَنْ يُحْسِنُ رُكُوبَهَا إِلَّا مَعَ حَرَكَتِهَا وَدَفْعِهَا ( وَإِجْرَائِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ تَقَلُّبًا عَلَيْهَا ) . وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا لِأَبِي طَلْحَةَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ( فِي ) حِينِ أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى لِقَاحِ الْمَدِينَةِ ( فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ أَغَارَتْ عَلَى لِقَاحٍ بِالْمَدِينَةِ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍّ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فقَالَ : إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا . وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغُنْدَرٌ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِرَاسٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْمَلَ النَّاسِ وَجْهًا ( وَأَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا ) وَأَشْجَعَ النَّاسِ قَلْبًا ، خَرَجَ وَقَدْ فَزِعَ النَّاسُ فَرَكِبَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ ( عُرْيًا ) ثُمَّ رَجَعَ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا . ( قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّيْبُلِيُّ ) : قَالَ ( لَنَا ) ابْنُ زُنْبُورٍ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، لَقِيتُهُ عِنْدَ زَمْزَمٍ فَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( فَجُحِشَ شِقُّهُ ) فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ زَاحَمَ إِنْسَانٌ جِدَارًا ، فَانْخَدَشَ خَدْشًا بَيِّنًا ( كَمَا نَقُولُ نَحْنُ : انْسَلَخَ وَانْجَرَحَ ) فَالْجَحْشُ فَوْقَ الْخَدْشِ ، وَحَسْبُكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا ، فَصَلَّى قَاعِدًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِائْتِمَامَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَأْمُومٍ بِإِمَامِهِ فِي ظَاهِرِ أَفْعَالِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ خِلَافُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ( وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا فِي إِبْطَالِ صَلَاةِ مَنْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ نِيَّةَ إِمَامِهِ ، فَصَلَّى ظُهْرًا خَلْفَ إِمَامٍ يُصَلِّي عَصْرًا ، أَوْ صَلَّى فَرِيضَةً خَلَفَ إِمَامٍ يُصَلِّي نَافِلَةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي صَلَاتِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِيَهُ ) . وَأَمَّا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَقَدْ أَرْجَأْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى بَلَاغَاتِ مَالِكٍ وَمُرْسَلَاتِهِ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ( فَهُنَاكَ أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهِ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا ( هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُسْنَدَةً مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَذَكَرْنَا ) هُنَالِكَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْأَقْوَالِ وَالتَّنَازُعِ وَالِاعْتِدَالِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا ( فَصَلُّوا قِيَامًا ) فَهَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ ( وَأَمَرَهُمْ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ) وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجَالِسِ خلف القائم فِي النَّافِلَةِ فَدَلَّ ( ذَلِكَ ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي النَّافِلَةِ جَالِسًا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ لَهُ نِصْفُ أَجْرٍ صلاة القائم ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي حُكْمِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلَةِ وَحُكْمِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . وَفِي قَوْلِهِ : فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ صَحِيحٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا ( أَوْ إِمَامًا ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَأْمُومِ الصَّحِيحِ يُصَلِّي قَاعِدًا خَلَفَ ( إِمَامٍ ) مَرِيضٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ فَأَجَازَتْ ( ذَلِكَ ) طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اتِّبَاعًا لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِمَامِ ( وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ ) رُوِيَ هَذَا ( الْحَدِيثُ ) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ ( كَثِيرَةٍ ) مُتَوَاتِرَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، كُلُّهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ( وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ) . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَاشْتَكَى فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ شَكْوَاهُ ، فَأَمَرُوهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُمْ فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالُوا : لَا يُصَلِّي بِنَا مَا كُنْتَ فِينَا غَيْرُكَ . فَقَالَ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنَّ أُصَلِّيَ قَائِمًا فَاقْعُدُوا ، فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّوْا قُعُودًا . أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا ( سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : اشْتَكَى ، إِمَامُنَا أَيَّامًا فَكُنَّا نُصَلِّي بِصَلَاتِهِ جُلُوسًا . وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّمَا الْإِمَامُ أَمِيرٌ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ شَيَّعُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا وَصَلَّوْا مَعَهُ قُعُودًا ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَالِسًا وَهُوَ صَحِيحٌ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ ، لَا إِمَامًا وَلَا مُنْفَرِدًا وَلَا خَلَفَ إِمَامٍ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ صَلَاةَ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ الْمَرِيضِ ، لِأَنَّ كُلًّا يُؤَدِّي فَرْضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمًا يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَهُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، فَلَمْ يُشِرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا إِلَيْهِمْ بِالْجُلُوسِ وَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ بِهِمْ جَالِسًا ، وَهُمْ خَلْفَهُ قِيَامٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بَعْدَ سُقُوطِهِ عَنْ فَرَسِهِ وَصَلَاتِهِ حِينَئِذٍ قَاعِدًا ، وَقَوْلِهِ : فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، فَعُلِمَ أَنَّ الْآخِرَ مِنْ فِعْلِهِ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ ( فَإِنَّهُمْ مَا قَامُوا خَلْفَهُ وَهُوَ جَالِسٌ إِلَّا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ مَنْسُوخٌ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْإِيجَابِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ فَرْضُهُ قَطُّ عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى النَّسْخِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ صَلَاةَ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّاسُ ( خَلْفَهُ ) قِيَامًا ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، مُتَأَخِّرٌ عَنْ صَلَاتِهِ فِي حِينِ سُقُوطِهِ عَنْ فَرَسِهِ ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِذَلِكَ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ وَاحْتَجَّ بِنَحْوِ هَذِهِ الْحُجَّةِ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعَانِيَ الْآثَارِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ وَأَتَيْنَا عَلَى حِكَايَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْمُقَدَّمَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا الْمُقَدَّمَ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . ( وَقَدْ ) رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ لِلْإِمَامِ الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ جَالِسًا ، وَهُمْ قِيَامٌ ، قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقُومَ إِلَى جَنْبِهِ مَنْ يُعْلِمُ النَّاسَ بِصَلَاتِهِ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَرِيبَةٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبُهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، ذَكَرَ أَبُو الْمُصْعَبِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِهِ ، قَالَ : لَا يَؤُمُّ النَّاسَ أَحَدٌ قَاعِدًا ، فَإِنْ أَمَّهُمْ قَاعِدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي قَاعِدًا ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلِيلًا تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَفَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ ، قَالَ : وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْمُصْعَبِ هَذِهِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ فِي الْإِمَامِ الْمَرِيضِ يُصَلِّي جَالِسًا بِقَوْمٍ قِيَامٍ أَنَّ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ فَاسِدَةٌ تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمْ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ خَاصَّةً ، وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَهُوَ جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمٌ ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَلِمَا رَوَاهُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّإِ ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْمُقَدَّمَ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي ) بِصَلَاتِهِ ، فَلَمَّا رَأَى الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ احْتَاطَ فَرَأَى الْإِعَادَةَ ( فِي الْوَقْتِ ، لِأَنَّ كُلًّا قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَذْهَبِهِ احْتِيَاطًا ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِقَوْلِهِ وَمَذْهَبِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ( ذَكَرَهُ ) أَبُو الْمُصْعَبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي قَاعِدًا ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ يَرْوِيهِ مُسْنَدًا فَكَيْفَ بِمَا يَرْوِيهِ مُرْسَلًا ! وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ لِمَرَضٍ بِهِ قَاعِدًا ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَلَا يُطِيقُ إِلَّا ذَلِكَ ، بِقَوْمٍ قِيَامٍ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ ، وَصَلَاةَ مَنْ خَلْفِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ جَائِزَةٌ أَيْضًا ، وَصَلَاةَ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ مِمَّنْ حُكْمُهُ الْقِيَامُ بَاطِلَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ ، وَقَالُوا : لَوْ صَلَّى وهو يُومِئُ بِقَوْمٍ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ لَمْ يُجْزِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، وَأَجْزَأَتِ الْإِمَامَ صَلَاتُهُ ، وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ : تُجْزِيهِمْ صَلَاتُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى فَرْضِهِمْ وَصَلَّى إِمَامُهُمْ عَلَى فَرْضِهِ ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَأْتَمُّ الْقَائِمُ بِالْجَالِسِ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتَمَّ الْجَالِسُ بِالْقَائِمِ ، قَالَ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَّ أَحَدٌ فِي نَافِلَةٍ ، وَلَا فِي فَرِيضَةٍ قَاعِدًا ، قَالَ : وَإِنْ عَرَضَ لِلْإِمَامِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْقِيَامِ اسْتَخْلَفَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي إِمَامَةِ الْمَرِيضِ بِالْمَرْضَى جُلُوسًا فَأَجَازَهَا بَعْضُهُمْ وَكَرِهَهَا أَكْثَرُهُمْ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فَيَمَنْ صَلَّى شَيْئًا مِنْ فَرْضِهِ جَالِسًا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ أَبَدًا . وَذَكَرَ سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ، وَهُوَ مَرِيضٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِمَامَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ : مَا مَاتَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ هَذَا ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَحْنُونٌ : بِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمُسْنَدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْمُقَدَّمَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي أَقَرَّهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُوَطَّإِ وَقُرِئَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِخْلَافِ لِلْمَرِيضِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَرِضَ فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْمَأْمُومِ يَكُونُ بِعَقِبِ عَمَلِ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ ، لِأَنَّ الْفَاءَ تُوجِبُ التَّعْقِيبَ وَالِاسْتِعْجَالَ ، وَلَيْسَتْ مِثْلَ ثُمَّ الَّتِي تُوجِبُ التَّعْقِيبَ وَالتَّرَاخِيَ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَمَلَ الْمَأْمُومِ كُلَّهُ مَعَ عَمَلِ الْإِمَامِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَخَفْضِهِ وَرَفْعِهِ ، مَا خَلَا الْإِحْرَامَ وَالتَّسْلِيمَ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ عَمَلِ الْإِمَامِ وَبِعَقِبِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا خَلَا الْإِحْرَامَ وَالْقِيَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَالسَّلَامَ ، وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَذْهَبُ إِلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَرَأَيْتُهُ مِرَارًا لَا أُحْصِيهَا كَثْرَةً يَقُومُ مَعَ الْإِمَامِ فِي حِينِ قِيَامِهِ مِنِ اثْنَتَيْنِ ، وَلَا يُرَاعِي اعْتِدَالَهُ ، وَلَا تَكْبِيرَهُ ، وَكَانَ يَقُولُ : هِيَ أَصَحُّ ، عَنْ مَالِكٍ . وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ الْأَحَبَّ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ عَمَلُ الْمَأْمُومِ ( بَعْدَ عَمَلِ الْإِمَامِ ) وَبِعَقِبِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَحْسَنُ ؛ لِمَا ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ : خَطَبَنَا أَبُو مُوسَى فَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا وَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا فَقَالَ : إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : آمِينَ يُحيكُمُ اللَّهُ ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ ( وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ) قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ ، فَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عَمَلَ الْمَأْمُومِ بِعَقِبِ عَمَلِ الْإِمَامِ دُونَ فَصْلٍ وَلَا تَرَاخٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ حُكْمُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ : فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ أَنَّ حُكْمَ قَوْلِهِ : فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَنْ يَكُونَ فَرَاغُ الْمَأْمُومِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا وَابْتِدَاؤُهُ بِهَا بَعْدَ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَسَائِرُ الْعَمَلِ كَذَلِكَ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ التَّكْبِيرِ وَالْحُكْمِ فِيهِ ، عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالْإِحْرَامِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ مَتَى يُكَبِّرُ خَلْفَ الْإِمَامِ ومتى يركع ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ : إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، ثُمَّ قَالَ : يَتْبَعُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَصْنَعُهُ كُلَّمَا فَعَلَ شَيْئًا فَعَلَهُ بَعْدَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُنْفَرِدُ ، وَإِنَّ الْمَأْمُومَ كَذَلِكَ يَقُولُ أَيْضًا ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، أَوْ : وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْإِمَامُ ( إِنَّمَا ) يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَطْ ، وَلَا يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ ( وَمَالِكٌ ) والليث وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَقُولُ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى كُلُّهُمْ حَكَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيثًا غَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، والليث عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا عِنْدَ مَالِكٍ والليث لَمْ يُخَالِفَاهُ فِي الْفَتْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَقُولُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ الْمُنْفَرِدُ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَقَطْ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا ، وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُمَا ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ قَوْلِ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْوَاوِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا ( أَبُو بَكْرٍ ) الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُثْبِتُ أَمْرَ الْوَاوِ فِي رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَقَالَ : رَوَى الزُّهْرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ : وَلَكَ الْحَمْدُ ( وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ ) .
1723 حديثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ ( بْنِ مَالِكٍ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ ، وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مَطْرُوحٍ ، حَدَّثَنَا ( مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَكِيعِيُّ وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ) وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَحْيَى الضَّبِّيُّ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زُرَيْقٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ ، وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ ، عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا فِي أَلْفَاظِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَأَحْسَنَ سِيَاقَتَهُ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا لَمْ يَذْكُرْهَا مَالِكٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَالِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً فَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَنَا فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ لَنَا دَاجِنٍ فَشِيبَ لَهُ مِنْ مَاءِ بِيرٍ فِي الدَّارِ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ نَاحِيَةً فَقَالَ عُمَرُ : أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ . فَنَاوَلَ الْأَعْرَابِيَّ ، وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبُسْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً ، وَزَادَ فِيهِ ( وَقَالَ ) : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ، فَمَضَتْ سُنَّةً . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَلَمْ يَرْوِ ( أَحَدٌ ) هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِلَّا الْبُسْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحْفَظَ فَقَدْ أَغْرَبَ بِأَلْفَاظٍ عِدَّةٍ لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ ، مِنْهَا ( قَوْلُهُ ) قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمَدِينَةَ ) وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَنَا فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ لَنَا دَاجِنٍ . فَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا : وَعُمَرُ نَاحِيَةً ، فَقَالَ عُمَرُ : أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ . لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَقَوْلُهُ : فَمَضَتْ سُنَّةً . لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَلَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا ، وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا مَحْفُوظَةٌ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ تَكَلَّفَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَنَّهُ قَالَ : الْأَعْرَابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهَذَا مِنْهُ إِغْفَالٌ شَدِيدٌ وَإِقْدَامٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، أَوْ تَقْلِيدٌ لِمَنْ سَلَكَ فِي ذَلِكَ سَبِيلَهُ ، وَوَهْمٌ بَيِّنٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كَانَ فِي قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ يَسَارِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَبَهَ ( عَلَيْهِ ) حديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْأَشْيَاخِ مَعَ الْغُلَامِ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأَعْرَابِيِّ ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ : وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ ، وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ ، وَالْأَشْيَاخُ ( أَحَدُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقِصَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدٍ غَيْرُ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَعْرَابِيِّ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ غَيْرُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقِفْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى سِوَاهُ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلٍ فِي بَابِ أَبِي حَازِمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) ( وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا : عَنْ يَمِينِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْ يَسَارِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي بَابِ أَبِي حَازِمٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ) . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ شُرْبِ اللَّبَنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْرَافِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ سَرَفًا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قُدِّمَ إِلَيْهِ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ، أَوْ يَشْرَبُهُ حَلَالًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ : وأَيْنَ هُوَ ؟ وَمَا أَصْلُهُ ؟ إِذَا عَلِمَ طِيبَ مَكْسَبِ صَاحِبِهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَمْرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلِ الَّذِي أَتَاهُ بِاللَّبَنِ : مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا ؟ وَفِيهِ إِجَازَةُ خَلْطِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ شُرْبَهُ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْبَيْعَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ أَيْ ( قَدْ ) خُلِطَ بِمَاءٍ ( وَمَعْنَى ) الشَّوْبِ الْخَلْطُ ، وَجَمْعُهُ أَشَوَابٍ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْبَيْعَ ، لِأَنَّ خَلْطَ الْمَاءِ بِاللَّبَنِ غِشٌّ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَهْرَاقَ لَبَنًا قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ عَلَى مُرِيدِ بَيْعِهِ وَالْغِشِّ بِهِ ، وَفِيهِ مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَتَقْرِيبُهُمْ إِذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَجْلِسَ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ وَعَنْ يَسَارِهِ سَوَاءٌ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْفَضْلُ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ لَمَا آثَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَابِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ( أَيْضًا ) دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ ( مِنْ ) مَجْلِسِ الْعِلْمِ إِلَى مَكَانٍ كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِأَحَدٍ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَفِيهِ مِنْ أَدَبِ الْمُوَاكَلَةِ وَالْمُجَالَسَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكَلَ ، أَوْ شَرِبَ نَاوَلَ فَضْلَهُ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا وَكَانَ الَّذِي عَلَى يَسَارِهِ فَاضِلًا ، وَفِي الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا النَّصِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَوْ كَانَ كَافِرًا كَانَ الْأَدَبُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤْثِرَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ أَبَدًا عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى الْيَسَارِ بِفَضْلِ الشَّرَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ كَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ مُوَاسَاةُ الْجُلَسَاءِ فِيمَا يَأْتِي صَاحِبُ الْمَجْلِسِ مِنَ الْهَدَايَا ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا : جُلَسَاؤُكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِي الْهَدِيَّةِ . وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَعَلَى النَّدْبِ إِلَى التَّحَابِّ وَبِرِّ الْجَلِيسِ وَإِكْرَامِ الصَّدِيقِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْئًا خِلَافَ مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُهُ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَبِاللَّهِ ( الْعِصْمَةُ ) وَالتَّوْفِيقُ . وَرَوَى مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا .
964 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ ( رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : اقْتُلُوهُ ، قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا . اخْتُلِفَ فِي اسْمِ ابْنِ خَطَلٍ ( هَذَا فَقِيلَ : هِلَالُ بْنُ خَطَلٍ وَقِيلَ : عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : ابْنُ خَطَلٍ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقُتِلَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ هُوَ هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ جَابِرِ بْنِ كَبِيرِ ( بْنِ تَيْمِ ) بْنِ غَالِبِ ابنِ فِهْرٍ قَالَ : وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ خَطَلٌ وَلِأَخِيهِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ أَيْضًا ( خَطَلٌ ) هُمَا جَمِيعًا الْخَطَلَانِ . قَالَ : فَبَنُو تَيْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ وَتَيْمٌ هُوَ الْأَدْرَمُ بْنُ غَالِبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمِغْفَرُ : مَا غَطَّى الرَّأْسَ مِنَ السِّلَاحِ كَالْبَيْضَةِ وَشَبَهِهَا ، مِنْ حَدِيدٍ كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ : مِنْ حَدِيدٍ ( وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ ماَلِكٍ غَيْرَ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ، وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ قِيلَ لَهُ : ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، وَفِيهِ زِيَادَةُ وَطَافَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ ، وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يَقُلْهُ ، عَنْ مَالِكٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سِوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ أَنَسٍ وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ ، وَرُوِيَ ( أَيْضًا ) مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ فِيهِ إِسْنَادًا غَيْرَ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ، عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ فِيهِ جَمَاعَةٌ ( مِنَ الْأَئِمَّةِ ) يَطُولُ ذِكْرُهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمْ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابٍ ( جَمَعَهُ ) فِي ذَلِكَ ، وَمِنْ أَجَلِّ مَنْ رَوَاهُ ، عَنْ مَالِكٍ ابْنُ جُرَيْجٍ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ( وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَبِالسِّلَاحِ ، وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ فِيهَا ، وَلَكِنَّ هَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مَنْسُوخٌ وَمَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ . يَعْنِي يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، فَلَا تَحِلُّ ( لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ ) لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : إِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ هُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْكَعْبِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهَ . وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ : رَوَى خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ ، وَذَكَرُوا قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ وَالْحَسَنِ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِهِ فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ مُوجِبَ الْإِحْرَامِ مُوجِبُ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ خَائِفًا لِحَرْبٍ أَوْ خَائِفًا مِنْ سُلْطَانٍ ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ جَازَ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُحْصَرِ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَدَاوُدَ ( فِي هَذَا الْبَابِ ) وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تُدْخَلُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ ( إِلَّا مَا ذَكَرْتُ عَنْهُ ) وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي دُخُولِ الْإِنْسَانِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مِثْلِ مَا عَمِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ من القرب إِلَّا رَجُلًا يَأْتِي بِالْفَاكِهَةِ مِنَ الطَّائِفِ ، أَوْ يَنْقُلُ الْحَطَبَ يَبِيعُهُ ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . قِيلَ لَهُ : وَرُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَدِيدٍ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَقَالَ : ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَهُ خَبَرٌ مِنْ جُيُوشِ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي : كَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا وَرَخَّصُوا لِلْحَطَّابِينَ ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ يَكْثُرُ اخْتِلَافُهُ إِلَى مَكَّةَ ، وَرُخِّصَ أَيْضًا لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ بَلْدَةً ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ كَمَا صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : وَأَمَّا مَنْ نَزَعَ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ فِي تِجَارَةٍ ، أَوْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَهَا إِلَّا مُحْرِمًا ، لِأَنَّهُ يَأْتِي الْحَرَمَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْرِمَ لِدُخُولِهِ إِيَّاهُ ( قَالَ ) : وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَشْيًا إِلَى مَكَّةَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَهَا مُحْرِمًا بِحَجٍّ ، أَوْ عُمْرَةٍ . قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ ( مَكَّةَ ) وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَإِنَّ هَذِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَالُ خُصُوصٍ ، لِأَنَّهُ أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّةُ بَعْضَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِإِحْرَامِهِ وَجْهٌ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا ( لَهُ ) سَاعَةً ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا ( إِلَّا ) مُحْرِمًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا حَرَمٌ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ طَاوُسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ والليث : لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ إِلَّا مُحْرِمًا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَسَاءَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَجِبَانِ إِلَّا عَلَى مَنْ نَوَاهُمَا وَأَحْرَمَ بِهِمَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا الْحَرَمَ إِلَّا حُرُمًا قَالَ : وَمَكَّةُ مُبَايِنَةٌ لِسَائِرِ الْبِلَادِ ، فَلَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِحْرَامٍ ، إِلَّا أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ وَشِبْهِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ لِمَنَافِعِ أَهْلِهِ وَنَفْسِهِ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَ عَلَى الْعِرَاقِيِّ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَةٍ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، فَإِنْ دَخَلَهَا مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ قِيلَ لَهُ : اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْحَطَّابِينَ ، وَمَنْ يُدْمِنُ الِاخْتِلَافَ إِلَى مَكَّةَ وَيُكْثِرُهُ فِي الْيَوْمِ ، وَاللَّيْلَةِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ لِمَا عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ ، وَلَوْ أُلْزِمُوا الْإِحْرَامَ لَكَانَ عَلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ رُبَّمَا عُمَرٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْهَا ، ثُمَّ خُوِّفَ ، فَانْصَرَفَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، فَمِثْلُ هَذَا وَشِبْهُهُ رُخِّصَ لَهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فأخبر بِالْفِتْنَةِ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ يُشَدِّدُونَ فِي ذَلِكَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَا عُمْرَةَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَجْلِ الطَّوَافِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمْ مِنَ الْحَرَمِ ، فَلَا يَدْخُلُهُ إِلَّا حَرَامًا . قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : فَإِنْ خَرَجَ قَرِيبًا لِحَاجَتِهِ ، قَالَ : يَقْضِي حَاجَتَهُ وَيَجْمَعُ مَعَ قَضَائِهَا عُمْرَةً ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا إِلَّا حَرَامًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ إِلَّا حَرَامًا إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يُرَخِّصُ لِلْحَطَّابِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إِهْلَالٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَتْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ عَهِدَ فِيهِ أَنْ يُقْتَلَ ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، لِأَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ، وَكَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ وَبَعْدَ قِرَاءَتِهِ الْقُرْآنَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ بِمَكَّةَ وَاتَّخَذَ قَيْنَتَيْنِ يُغَنِّيَانِهِ بِهِجَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَهِدَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا عَهِدَ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مَعَهُ قَدْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَامْرَأَتَيْنِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ : الْوَاقِدِيُّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ . رَوَى زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْغَزِّيُّ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ خَطَلٍ كَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشِّعْرِ ، وَرَوَى شَبَابَةُ ( بْنُ سَوَّارٍ ) ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ رَأَى مِنْكُمُ ابْنَ خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ . وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَسُبُّهُ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَالَّذِي ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقُ فِي الْمَغَازِي غَيْرُ هَذَا مِمَّا نَذْكُرُهُ بَعْدُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي قَتْلِهِ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ مَا تَرَكَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسُبُّهُ ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْهُمُ امْتَنَعَ فِي حِينِ كُفْرِهِ وَمُحَارَبَتِهِ ( لَهُ ) مِنْ سَبِّهِ . وَجَعَلَ الْقَائِلُ هَذَا حُجَّةً لِقَتْلِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقِيسَ الذِّمِّيَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ ، لِأَنَّ ابْنَ خَطَلٍ فِي دَارِ حَرْبٍ كَانَ ، وَلَا ذِمَّةَ لَهُ ، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْحَرْبِيِّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ بِتَخَيُّرِ الْإِمَامِ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ فَدَى بِهِ ، فَلِهَذَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ خَطَلٍ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ أَرَادَ مِنْهُمْ قَتْلَهُ . عَلَى أَنَّ ابْنَ خَطَلٍ كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ . كَذَلِكَ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ ، وَهَذَا يُبِيحُ دَمَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( مِنْ أَهْلِّ الذِّمَّةِ ) قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : يُعَزَّرُ وَلَا يُقْتَلُ ، وَقَالَ : اللَّيْثُ يُقْتَلُ مَكَانَهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُؤْخَذُ عَلَى مَنْ صُولِحَ مِنَ الْكُفَّارِ ، فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا : وَمَتَى ذَكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ ، أَوْ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَا يَنْبَغِي فَقَدْ أُحِلَّ دَمُهُ ( قَالَ : الطَّحَاوِيُّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلَا يُسْتَحَلُّ مَالَهُ ) . وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِقَوْلِ أَصْحَابِهِ بِمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ والليث وَقَدْ رُوِيَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي رَاهِبٍ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِمْتُهُ ، وَلَا يَخْلُو أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّةُ وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ وَكُفْرٍ ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُرِيقَ دَمَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِهَا فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّ لَهُ فِيهَا الْقِتَالُ ، أَوْ يَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْحَرَمَ لَا يُجِيرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يُجِرْهُمُ ( الْحَرَمُ ) وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْحَرَمِ اقْتُصَّ مِنْهُ ، وَمَنْ قَتَلَ وَدَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يُجِرْهُ ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْحَرَمُ حَدًّا وَجَبَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرَوَاهُ ابْنُ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، أَوْ حَدٌّ ( فَدَخَلَ الْحَرَمَ ) لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي النَّفْسِ ، وَلَا يُحَدُّ فِيمَا يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ ، وَتُقَامُ الْحُدُودُ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ زُفَرُ قَالَ : وَإِنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ ( أَوْ زَنَى فِي الْحَرَمِ ) رُجِمَ وَقُتِلَ فِي الْحَرَمِ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : يُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ فَيُقْتَلُ ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّجْمِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَبَيَّنَّاهَا وَأَوْضَحْنَا وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا ، وَكَانَ مُسْلِمًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدُمُهُ ، وَكَانَ مُسْلِمًا فَنَزَلَ ابْنُ خَطَلٍ مَنْزِلًا وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ ، وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا . وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَشْتَهْ ( الْأَصْبِهَانِيُّ الْمُقْرِئُ ) قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيُّ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : لَمَّا افْتَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَخَذَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ ذَا الْقَلْبَيْنِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ فَقَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قِيلَ فِي ذِي الْقَلْبَيْنِ : إِنَّهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ وَقِيلَ : ذَلِكَ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي فِهْرٍ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَعِنْدَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَيَحْيَى الْوُحَاظِيُّ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا ( الْإِسْنَادِ ) إِلَّا الْمِغْفَرُ لَا عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّإِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْفَتْحِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَيْبُخْتَ إِجَازَةً كَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ وَحَدَّثَنِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ( عَنْهُ ) قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مَالِكٌ عَامَ الْفَتْحِ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا : أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ( بْنِ الْمِسْوَرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو الطاهر ) مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ ( بْنُ سَلَمَةَ ) ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا ( عِنْدِي ) بِمُعَارِضٍ لِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَعَلَيْهَا الْمِغْفَرُ ، فَلَا يَتَعَارَضُ الْحَدِيثَانِ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الزِّبْرِقَانِ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ ، وَلَيْسَ بِصَائِمٍ . وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَى سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ، عَنْ مَالِكٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُغَنْزَلِيُّ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ هَكَذَا إِلَّا بِهِمَا ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ) وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا ، لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَى أَنَسٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ ( بْنُ مَالِكٍ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَابْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُخُولَهُ ( مَكَّةَ ) عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ خُصُوصٌ لَهُ ، وَأَنَّهَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى حَالِهَا : مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْإِخْمِيمِيُّ فِيمَا كَتَبَ بِإِجَازَتِهِ إِلَيَّ وَأَذِنَ لِي أَنْ أَرْوِيَهُ عَنْهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ سِلَاحًا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَقَالَ : اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ ( مُتَعَلِّقِينَ ) بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ . عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ وَمَقِيسُ بْنُ حُبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ حُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ وَهُوَ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ : أَخْلِصُوا ، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ مَا يُنْجِينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدِيَ فِي يَدِهِ ، فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا . قَالَ : فَجَاءَ فَأَسْلَمَ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى ( فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَمَا كان فيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِيَ عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ ؟ فَقَالُوا : مَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ ، أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَذَكَرَهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ .
11 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَالِكٌ ( ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . هَكَذَا ( هُوَ ) فِي الْمُوَطَّإِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ كُلُّهُمْ ( ، عَنْ مَالِكٍ ) ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ جَمِيعًا ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ ( قَالَ أَحَدُهُمْ ) فَيَأْتِيهِمْ وهم يصلون ، وقال الآخر : فيأتيهم وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَهَؤُلَاءِ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِ لَفْظِ الْمُوَطَّإِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، لِأَنَّ مَعْمَرًا وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ قَالُوا فِيهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي ( فَيَأْتِيهِمْ ) وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . هَكَذَا قَالَ فِيهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ : يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ( عِنْدَهُمْ ) إِلَى قُبَاءٍ ، وَهْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ عَلَى سِعَةِ الْوَقْتِ ، لِأَنَّ الْعَوَالِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمَسَافَةِ ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ ( عَلَى ) ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَعَشْرَةٍ ، وَمِثْلُ هَذَا هِيَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ قُبَاءٍ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَقُبَاءٌ مَوْضِعُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيَّ يَقُولُ : لَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ إِلَى قُبَاءٍ ، وَالْمَعْرُوفُ ( فِيهِ ) إِلَى الْعَوَالِي ، وَكَذَلِكَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ : إِلَى الْعَوَالِي كَمَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . هَكَذَا رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ مَالِكٍ وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ قَالُوا : قُبَاءٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : قَالَ جِبْرِيلُ : صَلِّ صَلَاةَ كَذَا ( فِي سَاعَةِ كَذَا ) حَتَّى عَدَّ الصَّلَوَاتِ ، قَالَ : بَلَى ، قَالَ : وَأَشْهَدُ أَنَّا كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، ثُمَّ نَأْتِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَإِنَّهَا لَمُرْتَفِعَةٌ وَهِيَ عَلَى ( رَأْسِ ) ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ قَالَ : صَلَّيْنَا الظُّهْرَ ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا صَلَّوُا الظُّهْرَ مَعَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى أَنَسٍ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ الْعَلَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَامَةِ فِي الظُّهْرَ وَالْقَامَتَيْنِ فِي الْعَصْرِ اسْتِحْبَابٌ ، وَأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مَمْدُودٌ مَا كَانَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، وَكَذَلِكَ حَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقْتَ الْعَصْرِ مِثْلَ هَذَا الْحَدِّ وَكَتَبَ بِهِ إِلَى عُمَّالِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَائِشَةُ فِي قَوْلِهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ نَنْحَرُ جَزُورًا فَنُقَسِّمُهُ عَشَرَ قِسَمٍ ، ثُمَّ نَطْبُخُ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَرْوَى الدَّوْسِيِّ : كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمْشِي إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَآتِيهِمْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَأَبُو أَرْوَى اسْمُهُ رَبِيعَةُ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو أَحْمَدَ الزَّيَّاتُ بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ أَبُو يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . وَكَذَلِكَ ( رَوَاهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ . وَكَذَلِكَ ) ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأُشْنَانِيُّ بِبَغْدَادَ ، قَدِمَ عَلَيْنَا بِهَا مِنَ الشَّامِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زِبْرِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، قَالَ : وَالْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ . وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ شَيْبَانَ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا كَانَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي بَابِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . ( وَمَضَى فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ خَاصَّةً ، وَسَيَأْتِي تَلْخِيصُ مَذَاهِبِهِمْ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ مُسْتَوْعَبَةً مُجْمَلَةً وَمُفَسَّرَةً فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ) .
باب الميم مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ . هَكَذَا نَسَبَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ ، قَالَ مُصْعَبٌ : وَأُمُّهُ مِنْ بَنِي الدِّئْلِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَفُقَهَائِهِمْ ، مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَالرِّوَايَةِ وَالِاتِّسَاعِ ، إِمَامٌ جَلِيلٌ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ ، أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَوَى عَنْهُمْ ، مِنْهُمْ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ الزُّهْرِيُّ وَسُنَيْنٌ أَبُو جَمِيلَةَ السُّلَمِيُّ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَهُ فِي الْحَجِّ مَعَ الْحَجَّاجِ وَقِيلَ : إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَيْنِ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ صَحَّحَ ذَلِكَ وَمَنْ نَفَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَسَمِعَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ جَمَاعَةٍ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ صِغَارٌ ، مِثْلِ : مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ( وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ) وَأَبِي الطُّفَيْلِ وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَنُظَرَائِهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ ، أَنَا لَقِيتُ جَابِرًا وَلَمْ يَلْقَهُ ، وَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ وَلَمْ يَلْقَهُ ، وَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَلْقَهُ . فَقَدِمَ الزُّهْرِيُّ مَكَّةَ فَقِيلَ لِعَمْرٍو : قَدْ جَاءَ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ : احْمِلُونِي إِلَيْهِ - وَكَانَ قَدْ أُقْعِدَ - فَحُمِلَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَأْتِ أَصْحَابَهُ إِلَّا بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ رَأَيْتَ ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الْقُرَشِيَّ قَطُّ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجَشُونُ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : يَا أَبَا بَكْرٍ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : جَالَسْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَنْسَقَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوِيدٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : مَا دَاهَنَ ابْنُ شِهَابٍ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ قَطُّ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَلَا أَدْرَكَتْ خِلَافَةُ هِشَامٍ أَحَدًا مِنَ التَّابِعَيْنِ أَفْقَهَ مِنْهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ : ابْنُ شِهَابٍ أَعْلَمُ النَّاسِ . قَالَ الْوَلِيدُ : وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : مَا ابْنُ شِهَابٍ إِلَّا بَحْرٌ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : قُلْتُ لِمَكْحُولٍ : مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ ؟ قَالَ : ابْنُ شِهَابٍ قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِهَا أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ بَشِيرٍ يَذْكُرُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِهَا إِلَّا اثْنَانِ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُ ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حُدِّثْتُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَا جَمَعَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَمَعَ الزُّهْرِيُّ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ( فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ( قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ) الطَّبَّاعُ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَا وَعَى أَحَدٌ مِنَ الْعِلْمِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا وَعَى ابْنُ شِهَابٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ الْهُذَلِيُّ : جَالَسْتُ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ . يَعْنِي الزُّهْرِيَّ . قَالَ سُفْيَانُ : كَانُوا يَقُولُونَ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْنُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا جُنَادَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُرِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا أَتَاكَ بِهِ الزُّهْرِيُّ بِسَنَدِهِ فَاشْدُدْ بِهِ يَدَيْكَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزُمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ فَقِيلَ لَهُ : وَلَا الْحَسَنُ ؟ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ وُهَيْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ ( أَحَدًا ) أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ لَهُ صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ : وَلَا الْحَسَنُ ؟ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : أَخَذْتُ بِلِجَامِ بَغْلَةِ الزُّهْرِيِّ فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُعِيدَ عَلَيَّ حَدِيثًا فَقَالَ : مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا قَطُّ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ( ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ) قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فَتَوَهَّمْتُ فِي حَدِيثٍ مِنْهَا ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى خَرَجَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ - وَأَخَذْتُ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ - عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي شَكَكْتُ فِيهِ فَقَالَ : أَوَلَمْ أُحَدِّثْكَهُ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، وَلَكِنِّي تَوَهَّمْتُ فِيهِ ، فَقَالَ : لَقَدْ فَسَدَتِ الرِّوَايَةُ خَلِّ لِجَامَ الْبَغْلَةِ . فَخَلَّيْتُهُ وَمَضَى . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا وَلَوْ سَمِعْتَ ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ بِالتَّرْغِيبِ لَقُلْتَ : مَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا ، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ قُلْتَ : لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا ، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْعَرَبِ وَالْأَنْسَابِ قُلْتَ : لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا ، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ . وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ : مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ : أَمَّا أَعْلَمُهُمْ بِقَضَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَفْقَهُهُمْ فِقْهًا وَأَعْلَمُهُمْ بِمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَمَّا أَغْزَرُهُمْ حَدِيثًا فَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَا تَشَاءُ أَنْ تُفَجِّرَ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَحْرًا إِلَّا فَجَّرْتَهُ ، قَالَ عِرَاكٌ : وَأَعْلَمُهُمْ عِنْدِي ابْنُ شِهَابٍ لِأَنَّهُ جَمَعَ عِلْمَهُمْ جَمِيعًا إِلَى عِلْمِهِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ ، وَلَقَدْ وُلِّيتُ الصَّدَقَةَ فَأَتَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَ إِلَيَّ كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَقَرَأَهُ عَلَيَّ فَحَفِظْتُهُ وَأَتَيْتُ إِلَى ( أَبِي بَكْرِ ) بْنِ حَزْمٍ فَقَرَأَ عَلَيَّ كِتَابَ الْعُقُولِ فَحَفِظْتُهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُعَاتِبُهُمْ فَوَصَلَ كِتَابُهُ فِي طُومَارٍ فَقُرِئَ ( الْكِتَابُ ) عَلَى النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا وَافْتَرَقَ النَّاسُ اجْتَمَعَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جُلَسَاؤُهُ فَقَالَ لَهُمْ سَعِيدٌ : مَا كَانَ فِي كِتَابِكُمْ ؟ فَإِنَّا نَوَدُّ أَنْ نَعْرِفَ مَا فِيهِ . فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ : فِيهِ كَذَا ( وَكَذَا ) وَالْآخَرُ يَقُولُ : فِيهِ كَذَا وَكَذَا ( أَيْضًا ) فَلَمْ يَشْتَفِ سَعِيدٌ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ لِابْنِ شِهَابٍ : فَقَالَ : أَتُحِبُّ ( يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ) أَنْ تَسْمَعَ كُلَّ مَا فِيهِ ( كَامِلًا ) ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَمْسِكْ فَهَذَّهُ - وَاللَّهِ - هَذًّا ، كَأَنَّمَا هُوَ فِي يَدِهِ فَقَرَأَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى يَقُولُ : إِذَا جَاءَنَا الْعِلْمُ مِنَ الْحِجَازِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ جَاءَنَا مِنْ الْعِرَاقِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ جَاءَنَا مِنْ الْجَزِيرَةِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ جَاءَنَا مِنْ الشَّامِ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَبِلْنَاهُ ، قَالَ سَعِيدٌ : كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ عُلَمَاءَ النَّاسِ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ( أَبَا ) الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ طَاهِرَ بْنَ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مَبْرُورٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَإِنَّمَا هُوَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ . وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَكْرَمَ النَّاسِ ، وَأَخْبَارُهُ فِي الْجُودِ كَثِيرَةٌ ( جِدًّا ) نَذْكُرُ مِنْهَا لَمْحَةً دَالَّةً : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ( أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ) بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَا رَأَيْتُ أَجْوَدَ مِنْهُ ، مَا كَانَتِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عِنْدَهُ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرِ . قَالَ الزُّبَيْرُ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ إِذَا أَبَى أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ( أَنْ ) يَأْكُلَ طَعَامَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يُحَدِّثَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ شِهَابٍ : لَوْ جَلَسْتَ إِلَى سَارِيَةٍ تُفْتِي النَّاسَ ، قَالَ : إِنَّمَا يَجْلِسُ هَذَا الْمَجْلِسَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا . وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ . قَالَ ( الْحُلْوَانِيُّ ) : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ مُحَدِّثًا فَقِيهًا إِلَّا وَاحِدًا . قُلْتُ : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : ابْنُ شِهَابٍ . وَقَالَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو قُدَامَةَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ يَقُولُ : مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَبَعْدَ الزُّهْرِيِّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَلَيْسَ مُرْسَلٌ أَصَحَّ مِنْ مُرْسَلِ الزُّهْرِيِّ لِأَنَّهُ حَافِظٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عِنْدَنَا كَأَخْذٍ بِالْيَدِ . قَالَ : وَرَأْيُ الزُّهْرِيِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَنِيفَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَخْبَارُ الزُّهْرِيِّ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْوَى فِي كِتَابٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ تُجْمَعَ فِي بَابٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ مِنْهَا هَاهُنَا طَرَفًا دَالًّا عَلَى مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ مِنَ الْعِلْمِ ، وَإِمَامَتِهِ وَحِفْظِهِ ، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِ الزُّهْرِيِّ : مُحَمَّدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، وَمِمَّا يُنْشَدُ لِابْنِ شِهَابٍ يُخَاطِبُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ : أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا تَتَبَّعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهِيَ أَبْيَاتٌ . وَوُلِدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمَاتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ ( سَنَةً ) ( وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ هِشَامٍ بِعَامٍ ) وَقِيلَ : إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَدُفِنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِيُدْعَى لَهُ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِضَيْعَةٍ لَهُ بِنَاحِيَةِ شَغْبٍ وَبَدَا ، مَرِضَ هُنَالِكَ وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَدُفِنَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ إِدَامَى ، وَهِيَ خَلْفَ شَغْبٍ وَبَدَا ، وَهِيَ أَوَّلُ عَمَلِ فِلَسْطِينَ ، وَآخِرُ عَمَلِ الْحِجَازِ . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ وَمُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَالطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، دَخَلَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَلِابْنِ شِهَابٍ فِي الْمُوَطَّإِ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةُ حَدِيثٍ ، وَأَحَدٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا ، مِنْهَا مُتَّصِلَةٌ مُسْنَدَةٌ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا ، وَسَائِرُهَا مُنْقَطِعَةٌ مُرْسَلَةٌ ، فَأَوَّلُ الْمُسْنَدِ مَا رَوَاهُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ . 1683 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي ، عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : يُهَاجِرُ ، وَسَائِرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّإِ يَقُولُ : يَهْجُرَ ، وَاخْتَصَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ( أَبُو نُعَيْمٍ ) الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فَخَالَفَ فِي لَفْظِهِ جَمَاعَةَ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَلْقَاهُ هَذَا فَيُعْرِضُ عَنْهُ وَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِالسَّلَامِ سَبَقَ إِلَى الْجَنَّةِ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فَذَكَرَهُ ، وَقَدْ زَادَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ : وَلَا تَنَافَسُوا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَا : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ( قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ) ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَنَافَسُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ . قَالَ حَمْزَةُ : لَا أَعْلَمَ أَحَدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ وَلَا تَنَافَسُوا ، غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَقَدْ رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ : وَلَا تَنَافَسُوا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّبَاغُضُ ، لِأَنَّ التَّبَاغُضَ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ حَالِقَةٌ لَهُ ، وَلِهَذَا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوَادِّ ، وَالتَّحَابِّ ، حَتَّى قَالَ : تَهَادُوا تَحَابُّوا . وروى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ ، فَإِنَّهَا ( هِيَ ) الْحَالِقَةُ . وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ التَّدَابُرُ ، وَالتَّدَابُرُ : الْإِعْرَاضُ وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ ( وَنَحْوُ هَذَا ) وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابُرٌ ، لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضْتَهُ أَعْرَضْتَ عَنْهُ ، وَمَنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ وَلَّيْتَهُ دُبُرَكَ ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ هُوَ بِكَ ، وَمَنْ أَحْبَبْتَهُ أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ وَوَاجَهْتَهُ لِتَسُرَّهُ وَيَسُرَّكَ . فَمَعْنَى تَدَابَرُوا ، وَتَقَاطَعُوا ، وَتَبَاغَضُوا مَعْنًى مُتَدَاخِلٌ مُتَقَارِبٌ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ فِي النَّدْبِ إِلَى التَّوَاخِي وَالتَّحَابِّ ، فَبِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَغَيْرِهِ وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يُخْرِجُهُ إِلَى مَعْنَى النَّدْبِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ فَهُوَ عِنْدِي مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حَيْثُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَهْجُرُوهُ ، وَلَا يُكَلِّمُوهُ هُوَ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - تَوْبَتَهُمْ وُعُذْرَهُمْ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَصْحَابَهُ ) أَنَّ يُرَاجِعُوهُمُ الْكَلَامَ ، وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَهْجُرَ الْمَرْءُ أَخَاهُ إِذَا بَدَتْ ( لَهُ ) مِنْهُ بِدْعَةٌ أَوْ فَاحِشَةٌ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هِجْرَانُهُ تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا عَنْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَا تَحَاسَدُوا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ التَّحَاسُدِ ، وَعَنِ الْحَسَدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَعُمُومِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَيْضًا عِنْدِي مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ . هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ لَيْلَهُ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا . فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَرْتِيبِ الْأَحَادِيثِ وَتَهْذِيبِهَا ، قَالَ : لَا حَسَدَ ، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْقُرْآنِ ، وَفِي نَفَقَةِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ ، وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ أَهْلَهُ وَلَا هِجْرَةَ إِلَّا لِمَنْ تَرْجُو تَأْدِيبَهُ ( بِهَا ) أَوْ تَخَافُ ( مِنْ ) شَرِّهِ فِي بِدْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ( رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَآنَاءَ النَّهَارِ ) وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَكِنَّهُ غَرِيبٌ لِمَالِكٍ ( وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لَهُ ) وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا سَوَاءً . وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ شَيْبَانَ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ زَادَ شَيْبَانُ : عَنْ مَوْلَى الزُّبَيْرِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ ؛ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، حَالِقَتَا الدِّينِ لَا حَالِقَتَا الشَّعْرِ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ - يَعْنِي شَيْبَانَ - فِي حَدِيثِهِ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَعِيشُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ : الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو الْبَغْدَادِيُّ ( بِمِصْرَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ الْأَصْبِهَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ تَوَضَّأَ وَلِحْيَتُهُ تَنْطِفُ ( مَاءً ) مِنْ وُضُوئِهِ ، وَقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشمال فسلم ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأَوَّلِ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ هَيْئَتِهِ ، فَلَمَّا قَامَ ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ : إِنَّهُ لَاحَيْتُ أَبِي وَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ آوِيَ عِنْدَكَ حَتَّى تَمْضِيَ الثَّلَاثُ فَعَلْتَ ، فَبَاتَ مَعَهُ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، قَالَ : فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ قُلْتُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي هِجْرَةٌ وَلَا غَضَبٌ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لَيْلًا لِأَنْظُرَ عَمَلَكَ فَأَقْتَدِيَ بِكَ ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا ، وَلَا أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ . فَقُلْتُ : هُوَ الَّذِي بَلَغَ بِكَ ، وَهُوَ الَّذِي لَا نُطِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَمَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَوْمًا عَلَى حَسَدِهِمْ آخَرِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَالَ : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَقَالَ : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَى قَوْلِهِ : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : لَمَّا رَفَعَ ( اللَّهُ ) مُوسَى نَجِيًّا رَأَى رَجُلًا مُتَعَلِّقًا بِالْعَرْشِ فَقَالَ : يَا رَبِّ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي صَالِحٌ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِعَمَلِهِ ، قَالَ : يَا رَبِّ أَخْبِرْنِي ، قَالَ : كَانَ لَا يَحْسُدُ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا قَالَ : الْحَسَدُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الْمُفَسِّرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَقَدْ خُلِقَ مَعَهُ الْحَسَدُ ، فَمَنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ إِلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ لَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُ شَيْءٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ فِي وَقْتِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ : إِذَا حَسَدْتُمْ ، فَلَا تَبْغُوا ، وَإِذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا ، وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا . ( وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ . قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ . وَذَكَرَ ( الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ) الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَعَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : كَذَبَ عَلَى الْحَسَنِ ضَرْبَانِ مِنَ النَّاسِ : قَوْمٌ رَأْيُهُمُ الْقَدَرُ ، فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ لِيُنْفِقُوهُ فِي النَّاسِ ، وَقَوْمٌ فِي صُدُورِهِمْ حَسَدٌ وَشَنَآنٌ ( وَبُغْضٌ ) لِلْحَسَنِ فَيَقُولُونَ : أَلَيْسَ يَقُولُ كَذَا ؟ أَلَيْسَ يَقُولُ كَذَا ؟ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ : مَا حَسَدْتُ أَحَدًا شَيْئًا قَطُّ بَرًّا وَلَا فَاجِرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَضَمَّنَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْغِضَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا يُدْبِرَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ إِذَا رَآهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَلَا يَقْطَعَهُ بَعْدَ صُحْبَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ جُرْمٍ ، أَوْ فِي جُرْمٍ يُحْمَدُ لَهُ الْعَفْوُ ( عَنْهُ ) وَلَا يَحْسُدَهُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ حَسَدًا يُؤْذِيهِ بِهِ ، وَلَا يُنَافِسَهُ فِي دُنْيَاهُ ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُنَالُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى . قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَيَحْسُدُ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ ؟ فَقَالَ : لَا أَبَا لَكَ أَنَسِيتَ إِخْوَةَ يُوسُفَ ؟ وَأَصْلُ التَّحَابِّ وَالتَّوَادِّ الْمَذْكُورِ فِي السُّنَنِ مَعْنَاهُ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَحْدَهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ ، فَهَكَذَا الْمَحَبَّةُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الدِّينِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَا تَكُنِ الْعَدَاوَةُ وَلَا الْمُنَافَسَةُ وَلَا الْحَسَدُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . وَلَمَّا كَانَتْ مُوَالَاةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، كَانَتْ مُعَادَاةُ أَعْدَائِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ أَبِي طُوَالَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَخَافُ مِنْ مُكَالَمَتِهِ وَصِلَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ ، أَوْ يُوَلِّدُ ( بِهِ ) عَلَى نَفْسِهِ مَضَرَّةً فِي دِينِهِ ، أَوْ دُنْيَاهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَقَدْ رُخِّصَ لَهُ فِي مُجَانَبَتِهِ وَبُعْدِهِ ، وَرُبَّ صَرْمٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ ( قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا مَا تَقَضَّى الْوُدُّ إِلَّا تَكَاشُرًا فَهَجْرٌ جَمِيلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ صَالِحُ ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَهَاجِرَيْنِ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنَ الْهِجْرَةِ أَمْ لَا ؟ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ الْهِجْرَةَ ، وَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ أَوْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : يُجْزِئُ مِنَ الصَّرْمِ السَّلَامُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ هَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَهْجُرَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ ( مِنْهُ ) مُكَالَمَتُهُ ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا سَلَامٌ لَيْسَ مَعَهُ إِعْرَاضٌ وَلَا إِدْبَارٌ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى ، عَنْ مَالِكٍ . قِيلَ لِمَالِكٍ : الرَّجُلُ يَهْجُرُ أَخَاهُ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ . فَقَالَ : إِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا لَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّحْنَاءِ حَتَّى يُكَلِّمَهُ وَيُسْقِطَ مَا كَانَ مِنْ هِجْرَانِهِ إِيَّاهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ فِي كِتَابِنَا هَذَا زِيَادَةً مِنَ الْأَثَرِ الْمَرْفُوعِ فِي ( مَعْنَى ) هَذَا الْبَابِ ، وَذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَهُ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ السَّلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ التَّبَاغُضِ وَتَوْرِيثِ الْوُدِّ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : قَدْ يَمْكُثُ النَّاسُ دَهْرًا لَيْسَ بَيْنَهُمُ وُدٌّ فَيَزْرَعُهُ التَّسْلِيمُ وَاللُّطَفُ
524 حَدِيثٌ تَاسِعٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلٌ عِنْدَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ لِلْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّازُ ، وَحَاتِمُ بْنُ سَالِمٍ الْقَزَّازُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي التَّمَّامِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَارِسِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ قَاسِمٍ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَأَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ ، وَقَدْ أَجَازَهُ لَنَا قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّازُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالُ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبَّاسُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ بَعْضِهِمْ . حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعُثْمَانِيُّ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَثْرَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَالْقَعْنَبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ شَعْبَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَهْضَمِيُّ الْخَيَّاطُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنِيهِ وَسَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ يُعِيدُهُ وَيُبْدِيهِ سَمِعْتُهُ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . فَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَمَّا غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِيِّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَى أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْجِنَازَةِ ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَقَالَ : قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرُهُ مُرْسَلٌ عَنْ سَالِمٍ أَوْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : عَنْ سَالِمٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَمْشُونَ أَمَامَهَا فَالْأَغْلَبُ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ سَالِمًا يَقُولُ ذَلِكَ وَابْنُ شِهَابٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : قَالَ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - فَيَكُونُ مُسْنَدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَعُقَيْلٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَكَذَا عَنْ سَالِمٍ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ غَالِبٍ التَّمَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْجِنَازَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ يُرْسِلُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا . وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْطَاكِيُّ عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فَأَسْنَدَهُ وَوَصَلَهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ حَجَّاجٍ ، وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ ، إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ كَمَا قَالَ حَجَّاجٌ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن الصباح الْبَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَا ، وَرِوَايَةُ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَوَاءٌ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَقَدْ رَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَبَانَ بِرِوَايَتِهِ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كُلَّهَا مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ عَنْ سَالِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَيَقُولُ : مَشَى أَمَامَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ . وَقَدْ رَوَى وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا حَدِيثًا أَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الشَّرِيفِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْغَافِقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ أَبُو زُرْعَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ عن رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَخَلْفَهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ، وَهَذَا خَطَأٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، لَا أَدْرِي مِمَّنْ جَاءَ ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ يُونُسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلًا . وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا وَالَّذِينَ يَرْوُونَهُ عَنْهُ مُرْسَلًا أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَخَلْفَهَا فَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ فِيهِ لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَو بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَهَا ، قَالَ ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ : وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى آخِرِهِ قَالَ : وَكَذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُقَيْلٌ وَمَالِكٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِلَّا يُونُسَ وَابْنَ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ فِيهِ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَقَدْ رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَ حَدِيثِهِ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ أَثْبَتُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَذَا ، وَرِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ تُوَافِقُ رِوَايَةَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَتُصَحِّحُ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي السَّرِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَمِّهِ ، عَنْ سَالِمٍ وَابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، قَالَ : قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَخَلْفَهَا ، وَفِي أَيِّ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ : السُّنَّةُ الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا ، وَالْفَضْلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ . وَلَا بَأْسَ عِنْدَهُمْ بِالْمَشْيِ أَمَامَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْفَضْلُ عِنْدَنَا الْمَشْيُ خَلْفَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَأَبِي قَتَادَةَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَشُرَيْحٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَيَأْمُرُونَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْحِجَازِيِّينَ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَطَأِ السُّنَّةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ . وَاحْتَجَّ بِتَقْدِيمِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي جِنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : فَضْلُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا عَلَى الْمَشْيِ أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ أوس الكندي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي جِنَازَةٍ وَعَلِيٌّ آخِذٌ بِيَدِي وَنَحْنُ خَلْفَهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا فَقَالَ : إِنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الَّذِي يَمْشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ ، وَإِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْلَمُ ، وَلَكِنَّهُمَا سَهْلَانِ يُسَهِّلَانِ عَلَى النَّاسِ ، وَبِهِ يَأْخُذُ الثَّوْرِيُّ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ لِينٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَبْزَى عَنْ عَلِيٍّ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ ، وَفِيهِ : وَقَالَ لِي عَلِيٌّ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، إِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ جِنَازَةً فَقَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْكَ ، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ ، وَذَلِكَ تَمَامُ الْحَدِيثِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن الصباح الزَّعْفَرَانِيُّ وَسَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرَيْرٍ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَدِّمُ النَّاسَ أَمَامَ جِنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنْ كَانَ الْمُشَيِّعُ لَهَا رَاكِبًا مَشَى خَلْفَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا فَحَيْثُ شَاءَ . وَرَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، وَالْمَاشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا وَحَيْثُ شَاءَ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا ، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُونِي أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرَّاكِبُ ( يَسِيرُ ) خَلَفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا ، وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي يَمْشِي مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخَرِّجْ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَخَرَّجَ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ لِلْمُخَالِفِ لَا غَيْرَ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قُرِئَ عَلَى سُفْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى الْجَابِرَ ، عَنْ أَبِي مَاجِدٍ الْحَنَفِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - يَقُولُ : سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّيْرِ بِالْجِنَازَةِ فَقَالَ : الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ ، وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ فِيهِ أَحْيَانًا ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ أَبَا مَاجِدٍ وَيَحْيَى الْجَابِرَ ضَعِيفَانِ ، وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْدَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ أَبُو الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبَا مَاجِدٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : سَأَلْنَا نَبِيَّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ السَّيْرِ بِالْجِنَازَةِ ، فَقَالَ : السَّيْرُ مَا دُونَ الْخَبَبِ ، فَإِنْ يَكُنْ خَيْرًا تَعَجَّلَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ ، الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ ، وَلَا تَتْبَعُ ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى الْجَابِرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَاجِدٍ الْحَنَفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْنَا نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّيْرِ بِالْجِنَازَةِ فَقَالَ : مَا دُونَ الْخَبَبِ ، الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا . قَالَ سُفْيَانُ : وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا لَا أَدْرِي أَمَرْفُوعَةٌ ، أَوْ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ ؟ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرْفُوعًا . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ هُوَ عِنْدَهُمْ مُنْكَرٌ مِنْ حَدِيثِ جُرَيْجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخِي زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ كِنَانَةَ مَوْلَى صَفِيَّةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : امْشُوا خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، فَهَذَا مَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَمْشُونَ خَلْفَهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قُلْتُ : كَيْفَ الْمَشْيُ فِي الْجِنَازَةِ ؟ فَقَالَ : أَمَا تَرَانِي أَمْشِي خَلْفَهَا ؟ وَهَذَا عِنْدِي لَا يَثْبُتُ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَطَأِ السُّنَّةِ ، أَذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِلرِّجَالِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَتَقَدَّمَ النِّسَاءُ أَمَامَ النَّعْشِ وَأَمَامَ الرِّجَالِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَشَى خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمَامَهَا ، وَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ ، فَتَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ وَقَالَ : ذَلِكَ عَنْ زَائِدَةَ بْنِ خِرَاشٍ ، قُلْتُ لَهُ : لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : زَائِدَةُ بْنُ خِرَاشٍ هَذَا هُوَ كُوفِيٌّ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ لِزَائِدَةَ بْنِ خِرَاشٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِزَائِدَةَ بْنِ أَوْسٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّنْ جَاءَ الْوَهْمُ فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ بِالْأَسَانِيدِ الْحِسَانِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي أُسَيْدٍ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَالْقَاسِمِ ، وَعُرْوَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَبُسْرِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، كُلُّهُمْ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا وَهُمْ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيُنَادِي بَعْضًا لِيَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى الْجُهَنِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمَشْيِ بَيْنَ يَدَيِ الْجِنَازَةِ ، فَقَالَ : كُنَّا نَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْجِنَازَةِ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِي وَائِلٍ وَأَنَا أَسْمَعُ : أَكَانَ أَصْحَابُكَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرازي ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ : سَمِعْتُ الْعَيْزَارَ يَسْأَلُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، فَقَالَ أَنَسٌ : إِنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ ؛ فَامْشِ إِنْ شِئْتَ أَمَامَهَا ، وَإِنْ شِئْتَ خَلْفَهَا ، وَإِنْ شِئْتَ عَنْ يَمِينِهَا ، وَإِنْ شِئْتَ عَنْ يَسَارِهَا .
1619 حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَشَدَ النَّاسَ بِمِنًى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِي ، فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ فَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : ادْخُلِ الْخِبَاءَ حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ فَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ قَتْلُ ابْنِ أَشْيَمَ خَطَأً . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمُتَّصِلِ وَجَائِزٌ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ ، وَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، وَوُلِدَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ . وَقَالَ سَعِيدٌ : مَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضِيَّةٍ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ إِلَّا وَأَنَا أَحْفَظُهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عِنْدَهُمْ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ وَالْبَيَانِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا أَرَى الدِّيَةَ إِلَّا لِلْعَصَبَةِ ; لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ : كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا . فَأَخَذَ بِذَلِكَ عُمَرُ . وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَزَادَ فِيهِ : وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ إِدْخَالُهُ كَلَامَهُ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرًا ، وَهُوَ الَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، لَا مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ جِدًّا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَيَّوْنَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ مُشْكُدَانَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً ، هَكَذَا رَوَاهُ مُشْكُدَانَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ . وَرَوَاهُ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَوْلَهُ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُوَرِّثَهَا مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ لَكِ شَيْئًا . فَنَشَدَ النَّاسَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمٌ فَلْيَقُمْ ، فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ ، فَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَلَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيْمٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ أَخْبَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَهُشَيْمٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ : حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ ، وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ ، لَا أَنَّ الضَّحَّاكَ كَتَبَ ( بِذَلِكَ ) إِلَى عُمَرَ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ : فَقَالَ الضَّحَّاكُ حِينَ نَشَدَهُمْ عُمَرُ وَأَخْبَرَ بِهِ عُمَرَ ، وَقَالَ لَهُ : ادْخُلِ الْخِبَاءَ حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ . وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُمْ ، فَقَامَ الضَّحَّاكُ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَقَدْ رَوَى زُفَرُ بْنُ وَثِيمَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ ، زُرَارَةُ بْنُ جَزِيٍّ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَنْطَاكِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ ، عَنْ زُفَرَ بْنِ وَثِيمَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ زُرَارَةَ بْنَ جَزِيٍّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَلَيْسَ مِمَّا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِمَ الْخَيِّرَ الْجَلِيلَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ وَالْعِلْمِ مَا يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ عِلْمُ خَاصَّةٍ لَا يُنْكَرُ أَنْ يَخْفَى مِنْهُ الشَّيْءُ عَلَى الْعَالِمِ ، وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ وُجُودِ الْخَبَرِ وَصِحَّتِهِ ، وَأَنَّ الرَّأْيَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلْمِ مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ ، أَلَا تَرَى عُمَرَ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِي رَأْيِهِ أَنَّ مَنْ يَعْقِلُ يَرِثُ الدِّيَةَ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِمَا أَخْبَرَهُ ، رَجَعَ إِلَيْهِ وَقَضَى بِهِ وَاطَّرَحَ رَأْيَهُ . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ مَذْهَبَ عُمَرَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ مَعْمُولٌ بِهِ ، وَأَنَّ مُرَاجَعَتَهُ لِأَبِي مُوسَى فِي حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلِاسْتِظْهَارِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُرَّاضِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَجَاءَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحْدَهُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ وَالْمَرْأَةَ وَالزَّوْجَ لَا يَرِثُونَ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : قَدْ ظَلَمَ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ بَنِي الْأُمِّ مِنَ الدِّيَةِ .
616 حَدِيثٌ سَابِعٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ ، وَأَنَّ عُمَرَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ أَخَذَهَا مِنَ الْبَرْبَرِ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ ، وكذلك رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحفظ عنه ، وَحَجَّ مَعَهُ ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي باب جَعْفَرِ بن محمد . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ . هَكَذَا حَدَّثَنَا بِهِ خَلَفٌ وَكَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبدوس ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ الْيَحْمَدِيُّ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ ، وَأَخَذَهَا عُمَرُ مِنْ فَارِسَ ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ مِنَ الْبَرْبَرِ . قَالَ عَلِيٌّ : وَحَدَّثَنَا بِهِ دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : تَفَرَّدَ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السَّائِبَ غَيْرَهُ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ صَاحِبُ عَبْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَبُو عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ ، وَأَخَذَهَا عُمَرُ مِنْ فَارِسَ ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ مِنْ بَرْبَرٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سُئِلَ : أَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ ، وَعُمَرُ مِنْ أهل السواد ، وَعُثْمَانُ مِنْ بَرْبَرٍ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَأَنَّ عُمَرَ أَخَذَهَا مِنْ مجوس السواد ، وَأَنَّ عُثْمَانَ أَخَذَهَا مِنْ بَرْبَرٍ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ السَّوَادِ لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ ، فَلَمَّا أُخِذَ مِنْهُمُ الْخَرَاجُ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْجِزْيَةِ وَأَحْكَامِهَا مُجَوَّدًا فِي بَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1243 حَدِيثٌ سَادِسٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ : أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ : رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ - وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ - : خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ . رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْمَرٍ ، وَبَحْرٍ السَّقَّاءِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا ، فَأَخْطَأَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ عَلَى مَالِكٍ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَوَصَلَهُ مَعْمَرٌ ، فَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ خَطَأِ مَعْمَرٍ ، وَمِمَّا حَدَّثَ بِهِ بِالْعِرَاقِ مِنْ حِفْظِهِ ، وَصَحِيحُ حَدِيثِهِ مَا حَدَّثَ بِهِ باليمن مِنْ كُتُبِهِ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبُّوَيْهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : لَمْ يُسْنِدْ لَنَا مَعْمَرٌ حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ ، وَالْأَكْثَرُ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَوَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَا : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْذَلِ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ مُسَدَّدٌ - ابْنِ عُمَيْرَةَ قَالَ وَهْبٌ الْأَسَدِيُّ قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ مَكَانَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، يَعْنِي : قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَاضِي الْكُوفَةِ عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْذَلِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بِمَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ عَنْ هُشَيْمٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ ، وَعَنْ غَيْرِ هُشَيْمٍ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ عِيسَى بْنَ الْمُخْتَارِ وَالْكَلْبِيَّ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ . هَكَذَا يَقُولُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْذَلِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُذَافٍ الْأَسَدِيِّ ، قَالَ : أَسْلَمْتُ وَكَانَ عِنْدِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَاتْرُكْ أَرْبَعًا . وَرَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْذَلِ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنِي أَنْ أَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ . فَذَكَرَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عن الكلبي ، عَنِ ابْنِ شَمَرْذَلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسَدِيِّ . قَالَ : أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : كَذَا قَالَ ابْنُ الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الشَّمَرْدَلِ ، وَهُوَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْذَلِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ ، وَلَيْسَتْ أَسَانِيدُهَا بِالْقَوِيَّةِ ، وَلَكِنَّهَا لَمْ يُرْوَ شَيْءٌ يُخَالِفُهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُهَا ، وَالْقَوْلُ بِهَا وَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا أَوْلَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ - كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ - وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَوْ خَمْسُ نِسْوَةٍ ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَلَا يُبَالِي كُنَّ الْأَوَائِلَ أَوِ الْأَوَاخِرَ عَلَى مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ ، اخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى امْرَأَتُهُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ ، فَإِنْ تَزَوَّجْنَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَخْتَارُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ أَوَّلَ ، طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَطْلِيقَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا إِنْ شَاءَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : سُئِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ رَجُلٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، قَالَ : يُفَارِقُ سِتًّا وَيُقِيمُ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّقَفِيَّ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَإِنْ وَجَدَ الِاثْنَتَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعِ أُخْتَيْهِ ، قَالَ : يَكُونُ لَهُ مِنَ السِّتِّ اثْنَتَانِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إِنَّمَا ظَنَّ السُّلْطَانُ أَنَّهُ قَدْ أَبْقَى لَهُ أَرْبَعًا ، فَفَسَخَ مَا سِوَى ذَلِكَ بِتَخْيِيرِهِ إِيَّاهُ ، ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّ مِنْهُنَّ أُخْتَيْنِ لَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ إِلَى تَخْيِيرِهِ ، كَمَا لَوْ كُنَّ عِنْدَهُ أَمْسَكَ أَرْبَعًا وَفَسَخَ مَا سِوَى ذَلِكَ . قَالَ أَحْمَدُ : يَعْنِي تَخْيِيرَهُ مِنَ السِّتِّ اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ رَجُلٌ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَانِي نِسْوَةٍ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ أَرْبَعًا فَغَلِطَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَنَزَعَ مِنْهُ سِتًّا ; لِأَنَّ أُخْتَيْهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَمْ يَكُونَا زَوْجَتَيْهِ ، قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ : فَلِمَ تَزَوَّجْنَ ؟ قَالَ : إِذْ لَا يَكُونُ لَهُ إِلَيْهِنَّ سَبِيلٌ ; لِأَنَّهُ أَحَلَّهُنَّ لِمَنْ نَكَحَهُنَّ . قَالَ : وَإِنْ كَانَ خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ قَدْ فَاتَ ، وَقِيلَ : النِّكَاحُ لَمْ يَفُتْ ، فَمَنْ هُنَاكَ رَدَّ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَتْ فَهِيَ مِثْلُ الْمُطَلَّقَةِ ، لَمْ تَبْلُغْهَا الرَّجْعَةُ ، فَتَزَوَّجَتْ ، وَهِيَ زَوْجَةٌ لِلْأَوَّلِ ، فَفَاتَتْ وَمَضَى ذَلِكَ ، قَالَ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوِ امْرَأَةٌ وَعَمَّتُهَا - كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَأَنَّمَا عَقَدَهُ - وَهُوَ مُسْلِمٌ عَقْدًا وَاحِدًا . وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ الْحَرْبِيَّ أَوِ الذِّمِّيَّ يُسْلِمُ وَقَدْ تَزَوَّجَ الْأُمَّ وَالِابْنَةَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ عُقْدَتَيْنِ فَلَمْ يَبْنِ بِهِمَا ، أَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَيُفَارِقَ الْأُخْرَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ مَالِكٌ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَسَّهُمَا جَمِيعًا ، فَإِنْ مَسَّهُمَا جَمِيعًا ، فَارَقَهُمَا جَمِيعًا . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ مَسَّ وَاحِدَةً وَلَمْ يَمَسَّ الْأُخْرَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الَّتِي لَمْ يَمَسَّ ، وَامْرَأَتُهُ هَاهُنَا الَّتِي قَدْ مَسَّ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَجُوسِيِّ يُسْلِمُ وَتَحْتَهُ الْأُمُّ وَابْنَتُهَا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا اخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، وَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا أَقَامَ عَلَى الَّتِي وَطِئَ وَفَارَقَ الْأُخْرَى ، وَإِنْ مَسَّهُمَا جَمِيعًا فَارَقَهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَبَدًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ الْمُشْرِكَةَ وَابْنَتَهَا فَدَخَلَ بِهِمَا ثُمَّ أَسْلَمَ وَيُسْلِمَانِ ، أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ ، وَلَا يَنْكِحُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَبَدًا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : كُلُّ مِلْكٍ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَأْنِفَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مَجُوسِيًّا أَسْلَمَ ، وَكَانَ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ وَابْنَتُهَا ، فَكَتَبَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ لَهُ فِي النِّسَاءِ سَعَةً ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ لَا يَرْتَجِعُ مِنْهَا شَيْئًا . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَأَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ : أَنَّ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يسأله عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمَجُوسِ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَابْنَتُهَا أَسْلَمَتَا مَعَهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ يُطَلِّقَهُمَا جَمِيعًا ، وَقَالَ : لَا أُحِبُّ أَنْ يُمْسِكَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَقَدِ اطَّلَعَ ذَلِكَ للْمُطَّلَع مِنْهُمَا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا - وَلَا يُبَالِي أَوَائِلَ كُنَّ أَوْ أَوَاخِرَ - هُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنَ الْأَوَائِلِ أَرْبَعٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ مِنَ الْأَوَاخِرِ أَرْبَعًا ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْبِسَ الْأَوَاخِرَ إِذَا مَاتَ الْأَوَائِلُ ; لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ فَاسِدٌ فِي قَوْلِهِمْ . قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : وَكَانَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ : يَحْبِسُ الْأَوَائِلَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ( ح ) . وَحدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ ، قَالَ : طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ ، سَمِعَ الضَّحَّاكَ بْنَ فَيْرُوزٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
1156 حَدِيثٌ خَامِسٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ باليمن ، فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي وُثُوبُ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ إِلَى مَا يَفْرَحُ بِهِ فِي دِينِهِ ، وَكَذَلِكَ - عِنْدِي - وُثُوبُهُ لِمَا يُسَرُّ بِهِ فِي دُنْيَاهُ إِذَا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي دِينِهِ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ بِإِسْلَامِ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافِ النَّاسِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ أَسْلَمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِبَاسَ الرِّدَاءِ كَانَ مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي ثُبُوتِ نِكَاحِهِمَا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ لَا يَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَكَيْفَ كَانَ إِسْلَامُهُ وَشَيْئًا كَافِيًا مِنْ خَبَرِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جِئْتُهُ : مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
844 حَدِيثٌ ثَانِي عَشَرَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ : إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : أَيَّامَ مِنًى يُرِيدُ الْأَيَّامَ الَّتِي يُقِيمُ النَّاسُ فِيهَا بِمِنًى فِي حَجِّهِمْ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، إِلَّا لِمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا ، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذِكْرُ اللَّهِ مَعَ رَمْيِ الْجِمَارِ هُنَاكَ ، وَفِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ تَكْبِيرٌ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ ( كُلَّهُ ) فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيُقَالُ : سُمِّيَتْ مِنًى لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَكَانٍ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ مِنًى ، لِمَا يُمْنَى فِيهِ مِنَ الدِّمَاءِ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَلَيْهِ ؛ فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ أَنْ يَرْكَبَ رَاحِلَتَهُ أَيَّامَ مِنًى ، فَيَصِيحُ فِي النَّاسِ لَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يُنَادِي بِذَلِكَ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى : لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ . وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ مُرْسَلًا هَكَذَا ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَمِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَمَاعَةٍ : وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ خَاصَّةً ، فَرُبَّمَا أَرْدَفْنَاهُ بِمَا خَفَّ عَلَيْنَا ، وَنَشَطْنَا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ . أَخْبَرَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ طُعْمٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ . وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ وَمَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ ويَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِنْدَنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ فِي جَمْعِ يَوْمِ عَرَفَةَ مَعَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي النَّهْيِ عَنْ صِيَامِهَا ، لَا يَأْتِي إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ لِمَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَيَأْتِي لمالك فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ عَشَرَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى أَيَّامِ مِنًى ; لِأَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ أَبِي النَّضْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى ، فَذَكَرْنَا هُنَالِكَ الْآثَارَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ ، وَذَكَرْنَا ثَمَّ مَا بَلَغَنَا عَنِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَعْيِينِ أَيَّامِ مِنًى وَعَدَدِهَا وَاشْتِقَاقِ مَعْنَاهَا ، وَذَكَرْنَا مَعْنَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، كُلُّ ذَلِكَ مُمَهَّدًا مَبْسُوطًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي أَيْضًا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَبِاللَّهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ . وَأَمَّا صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عُمَرَ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي طَلْحَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا ، وَفِي أَسَانِيدِ أَخْبَارِهِمْ تِلْكَ ضَعْفٌ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ . ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِسَرْدِ الصَّوْمِ إِذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهَا ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَا يَتَطَوَّعُ أَحَدٌ بِصِيَامِ أَيَّامِ مِنًى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَلَمْ يَكُنْ صَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ وَلَا غَيْرُهُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَلَا يَصُومُهَا أَحَدٌ بِحَالٍ مُتَطَوِّعٌ وَلَا غَيْرَ مُتَطَوِّعٍ ، وَإِنْ صَامَهَا الْمُتَمَتِّعُ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ مَرَّةً : إِنْ صَامَهَا الْمُتَمَتِّعُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ بِالْعِرَاقِ إِنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ أَنْ يَصُومَهَا الْمُتَمَتِّعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَامَ قَبْلَهَا ، قَالَ : وَرُبَّمَا جَبُنَتْ عَنْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ : لَا يَصُومُ أَحَدٌ أَيَّامَ مِنًى لَا مُتَمَتِّعٌ وَلَا غَيْرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ عَلِيٌّ : يَصُومُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إِذَا فَاتَ الْمُتَمَتِّعَ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الْهَدْيُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ الذَّبْحِ الثَّلَاثَةَ ، وَلَا يَقْضِيَ فِيهَا صِيَامًا وَاجِبًا ، مِنْ نَذْرٍ ، وَلَا قَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَلَا يَصُومُهَا إِلَّا الْمُتَمَتِّعُ وَحْدَهُ الَّذِي لَمْ يَصُمْ ، وَلَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ . قَالَ : وَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَيُصَامُ إِنْ نَذَرَهُ رَجُلٌ ، أَوْ نَذَرَ صِيَامَ ذِي الْحِجَّةِ ، فَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرُهُ ، فَلَا يَفْعَلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَامَ قَبْلَ ذَلِكَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا ، فَمَرِضَ ثُمَّ صَحَّ ، وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، فَيَبْنِي عَلَى الصِّيَامِ الَّذِي كَانَ صَامَهُ فِي الظِّهَارِ أَوْ قَتْلِ النَّفْسِ ، وَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَصُومُهُ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي الصِّيَامِ خَاصَّةً وَبَيْنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْأَثَرِ لَا يُجِيزُونَ صَوْمَ يَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَلَا فِي نَذْرٍ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الصِّيَامِ إِلَّا لِلْمُتَمَتِّعِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى ، وَعَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى ، وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ أَيَّامٌ ثَلَاثَةٌ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ذِكْرِ صِيَامِ أَيَّامِ الذَّبْحِ ، إِنَّمَا ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ هِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ ، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، كُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَاقِعَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : هِيَ يَوْمُ ( النَّحْرِ ) وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ ، وَهِيَ أَيَّامُ الذَّبْحِ عِنْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَى نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ مِنْهَا يَوْمُ النَّحْرِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِلَى هَذَا أَذْهَبُ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَهِيَ أَيَّامُ الذَّبْحِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُمْ : أَيَّامُ الذَّبْحِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا الثَّلَاثَةُ أَيَّامُ أَضْحًى ، وَالْأَضْحَى عِنْدَهُمَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ : يَوْمُ النَّحْرِ ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ ، وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ خَاصَّةً بَيَانًا فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
682 حَدِيثٌ ثَامِنٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ ، فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ آخَرَ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - مُسْنَدًا ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، ( عَنْ ) عُرْوَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَهُمَا شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ ، فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَتْ حَفْصَةُ - وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَنَا شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ كَذَلِكَ مُسْنَدًا ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقُدَامِيُّ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ كَمَا تَرَى ، وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ وَسُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ - الْحَدِيثَ مِثْلَهُ سَوَاءً بِمَعْنَاهُ - مُسْنَدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَدَارُ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، وَهُوَ صَالِحٌ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَجَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ فِي الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ فِي حَدِيثِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ خَطَأٌ كَثِيرٌ ، وَحُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَرْوُونَهُ مُرْسَلًا ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ . هَكَذَا رَوَى حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَهُمَا هَدِيَّةٌ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَفْطَرَتَا ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَحْكِي عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ هُوَ عَنْ عُرْوَةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : سَمِعْنَاهُ مِنْ صَالِحِ ( بْنِ أَبِي ) الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ مَحْرُوصٌ عَلَيْهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ سُفْيَانُ : فَسَأَلُوا ( الزُّهْرِيَّ ) وَأَنَا شَاهِدٌ : أَهْوَ عَنْ عُرْوَةَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ السَّائِلَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِالذِّكْرِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَّنَ الْعِلَّةَ فِيهِ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ وَعَبْدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَا : ( حَدَّثَنَا ) أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ فَلْيَصُمْهُ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ إِنْسَانٌ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَسْأَلُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ ، فَقُرِّبَ إِلَيْنَا طَعَامٌ فَابْتَدَرْنَاهُ فَأَكَلْنَا ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَدَرَتْنِي حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ . وَهَكَذَا هُوَ فِي الْمُصَنَّفِ فِي رِوَايَةِ الدَّبَرِيِّ سَوَاءٌ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ - يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ : أَسَمِعْتَهُ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ رَجُلٌ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ . وَرُوِيَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِمِثْلِ ذَلِكَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَأَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ إِسْنَادًا حَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَحَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا أَنَّ غَيْرَ جَرِيرٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِلَلُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ذِكْرُ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَ صِيَامُهُمَا وَاجِبًا مَا أَفْطَرَتَا ، وَلَوْ أَفْطَرَتَا مَا احْتَاجَتَا إِلَى نَقْلِ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُهْدِيَ لِي وَلِحَفْصَةَ طَعَامٌ ، وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَأَفْطَرْنَا ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فَأَفْطَرْنَا ، فَقَالَ : لَا عَلَيْكُمَا صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي قَالَ : حَدَّثَنِي زُمَيْلٌ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَصْبَحْتُ صَائِمَةً أَنَا وَحَفْصَةُ ، وَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ . فَأَعْجَبَنَا فَأَفْطَرْنَا ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَادَرَتْنِي حَفْصَةُ فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ : صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَأَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ لَا يُفْطِرَ ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ صَاحِبِهِمْ ، وَالْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْأَثَرِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْمُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ غَلَبَهُ شَيْءٌ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : الْمُتَطَوِّعُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ . قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَبَدَا لَهُ فَأَفْطَرَ ، أَيَقْضِيهِ ؟ فَقَالَ : إِنْ قَضَاهُ فَحَسَنٌ ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، قِيلَ لَهُ : فَالرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مُتَطَوِّعًا أَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَشَدُّ ، فَلَا يَقْطَعْهَا ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَطَعَهَا أَيَقْضِيهَا ؟ فَقَالَ : إِنْ قَضَاهَا خَرَجَ مِنَ الِاخْتِلَافِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ ، مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، قَالَتْ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ ، قَالَ : فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلْتُهُ فَشَرِبَ مِنْهُ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً ، قَالَ لَهَا : أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا ؟ قَالَتْ لَا ، قَالَ : فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ أُمِّ هَانِئٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا صَائِمَةٌ ، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ ، فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي ، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي . اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سِمَاكٍ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ أَصَحُّ إِسْنَادٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا خَالَفَهُ فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ كَذَلِكَ عَنْ سِمَاكٍ ، قَالَ شُعْبَةُ : وَكَانَ سِمَاكٌ يَقُولُ : حَدَّثَنِي ابْنَا أُمِّ هَانِئٍ ، فَرَوَيْتُهُ عَنْ أَفْضَلِهِمَا . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا لِجَوَازِ الْفِطْرِ فِي التَّطَوُّعِ بِأَنْ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : إِنَّا خَبَّأْنَا لَكَ حَيْسًا ، فَقَالَ : أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ وَهُوَ صَائِمٌ رَفَعَ إِنَاءً ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ قَالَ : وَهَذَا لِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَأَنْ لَا يَدْخُلُ ، وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ ، كَانَ لَهُ إِذَا دَخَلَ فِيهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ ، فَالتَّطَوُّعُ بِهَذَا أَوْلَى . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْإِنْسَانُ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ وَيَضْرِبُ لِذَلِكَ أَمْثَالًا : رَجُلٌ طَافَ سَبْعًا وَلَمْ يُوفِهِ فَلَهُ مَا احْتَسَبَ ، أَوْ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ لَمْ يُصِلِّ أُخْرَى ، فَلَهُ مَا احْتَسَبَ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلَهُ . وَذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَوَاءً . وَذَكَرَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : الصَّوْمُ كَالصَّدَقَةِ أَرَدْتَ أَنْ تَصُومَ فَبَدَا لَكَ ، أَوْ أَرَدْتَ أَنْ تَصَدَّقَ فَبَدَا لَكَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا ، إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَلَا قَضَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ شَرِيكٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ سَالِمٍ - يَعْنِي الْأَفْطَسَ - أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا فَأَرْسَلَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ : إِنِّي صَائِمٌ ، فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثِ سَلْمَانَ أَنَّهُ فَطَّرَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَأَفْطَرَ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ بِالْإِجْمَاعِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِمَا ، وَإِنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمَا قَضَاهُمَا ، وَأَنَّ الصِّيَامَ قِيَاسٌ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ ، أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ أَوْ صِيَامَهُ أَوْ طَوَافَهُ كَانَ عَاصِيًا لَوْ تَمَادَى فِي ذَلِكَ فَاسِدًا ، وَهُوَ بِالْحَجِّ مَأْمُورٌ بِالتَّمَادِي فِيهِ فَاسِدًا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى فَسَادِهِ ثُمَّ يَقْضِيَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ ؟ فَإِذَا قُلْنَا : لَا قَالَ إِنِّي صَائِمٌ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمًا فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ ، فَقَالَ : أَدْنِيهِ ، فَأَصْبَحَ صَائِمًا وَأَفْطَرَ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَيَقُولُ : أَصْبَحَ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ نَطْعَمُهُ ؟ فَتَقُولُ : لَا ، فَيَقُولُ : إِنِّي صَائِمٌ ، ثُمَّ جَاءَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ : أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، فَقَالَ : مَا هِيَ . قَالَتْ : حَيْسٌ ، قَالَ : قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ، فَأَكَلَ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ( عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ وَشَرِيكٌ ، وَالْحَدِيثُ لِطَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ) عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَمُجَاهِدٍ جَمِيعًا ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَدْ جَمَعَهُمَا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى - الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ وَالثَّوْرِيُّ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى كُنْتُ أَرَدْتُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ، فَقَدْ أَخْطَأَ . قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لِضَعْفِهِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إِذَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ عَامِدًا مَعَ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَيْسَ مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ بِمُعَظِّمٍ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ ، وَقَدْ أَبْطَلَ عَمَلَهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِتَمَامِهِ وَنَهَاهُ عَنْ إِبْطَالِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِضِدِّهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَهَذَا يَقْتَضِي عُمُومُهُ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ ، كَمَا قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ لِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ أَوْ عُمْرَتِهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ، فَالْقِيَاسُ عَلَى هَذَا الْإِجْمَاعِ إِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى مُفْسِدِ صَوْمِهِ عَامِدًا قِيَاسٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ . وَرُوِيَ : فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ ، وَرُوِيَ : فَلْيُصَلِّ يُرِيدُ : فَلْيَدْعُ ، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْكُلْ ، فَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ حَسَنًا لَكَانَ أَفْضَلُ ذَلِكَ وَأَحْسَنُهُ فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْفِطْرَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يَجُوزُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا يُفْطِرُ ، وَلَا يُفَطِّرُ غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهَا مَا احْتَاجَتْ إِلَى إِذْنِهِ ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا كَانَ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدِمَ إِلَيْهِ سَمْنٌ وَتَمْرٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ : رُدُّوا تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ ، وَرُدُّوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ ، فَإِنِّي صَائِمٌ وَلَمْ يُفْطِرْ بَلْ أَتَمَّ صَوْمَهُ إِلَى اللَّيْلِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَمْ يَخُصَّ فَرْضًا مِنْ نَافِلَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ اللَّاعِبُ بِدِينِهِ ، أَوْ قَالَ : بِصَوْمِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ : لَأَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسِنَّةُ فِي جَوْفِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْرُوفُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ : أَنَّ عَطَاءً صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا بِذِي طُوًى ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَعَطَاءٌ صَائِمٌ وَمُجَاهِدٌ صَائِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ صَائِمٌ ، فَأَفْطَرَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ ، وَقَالَ سَعِيدٌ : لَأَنْ تَخْتَلِفَ الشِّفَارُ فِي جَوْفِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ خِلَافُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاحْتِيَاطُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ الْمُتَطَوِّعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ .
1554 حَدِيثٌ عَاشِرٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُسْنَدًا عُقَيْلٌ وَغَيْرُهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ . هَكَذَا قَالَ عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبَعْضُهُ عَنْ جَابِرٍ ، وَقَدْ جَوَّدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ ( أَبِي ) السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيِّ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ اعْتَرَفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ، فَقَالَ ( لَهُ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبِكَ جُنُونٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَ فِي الْمُصَلَّى ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرًا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَمِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَنَادَاهُ وَحَدَّثَهُ أَنَّهُ زَنى ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَنَا وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلْ بِكَ جُنُونٌ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالْحِجَارَةِ فَقُتِلَ بِهَا رَجْمًا . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي رَجْمِ الْأَسْلَمِيِّ - وَهُوَ مَاعِزٌ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَمِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَنُعَيْمُ بْنُ هَزَّالٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَبُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ اعْتَرَفَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَإِسْرَائِيلُ وَأَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا ، فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً حُدَّ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رُوِيَ مِنَ الْآثَارِ الْمَذْكُورِ فِيهَا الرَّجْمُ بِإِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ، وَهُوَ دُونَ الْأَرْبَعِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ، وَلَمْ يُقَلْ : إِنِ اعْتَرَفَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَكُلُّ اعْتِرَافٍ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ الرَّجْمَ مَرَّةً كَانَ أَوْ أَكْثَرَ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الْحُقُوقِ يَجِبُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ ، وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ فِي الْقِيَاسِ ، وَلَيْسَ الشَّهَادَاتُ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ فِي ( شَيْءٍ ) ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الْحُقُوقِ لَا يَجِبُ تَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْإِقْرَارُ فِي الزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قِيَاسًا عَلَى الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجِبُ الرَّجْمُ بِالْإِقْرَارِ حَتَّى يُقِرَّ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُفْتَرِقَةٍ ، وَهُوَ أَنْ يَغِيبَ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي حَتَّى لَا يَرَاهُ ، ثُمَّ يَعُودَ فَيُقِرَّ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُقِرُّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَجَالِسَ مُفْتَرِقَةً . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يُحَدُّ فِي الْخَمْرِ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَالَ زُفَرُ : لَا يُحَدُّ حَتَّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ فِي مَوْطِنَيْنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّرِقَةِ صَحَّ إِقْرَارُهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي ، فَرَدَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ أَيْضًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ : أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا ؟ أَتُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نَرَى ، قَالَ : فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا بِعَقْلِهِ ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ زَنَا ، فَقَالَ : أَمَا لِهَذَا أَحَدٌ ؟ فَرَدُّوهُ ، ثُمَّ جَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ : أَمَا لِهَذَا أَحَدٌ ؟ فَرَدُّوهُ ، فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ ، قَالَ : ارْجُمُوهُ ، فَرَمَاهُ وَرَمَيْنَاهُ وَفَرَّ وَاتَّبَعْنَاهُ . قَالَ عَامِرٌ : فَقَالَ لِي جَابِرٌ : فَهَاهُنَا قَتَلْنَاهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ مَاعِزًا حَتَّى شَهِدَ وَأَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أَشْعَرُ قَصِيرٌ لَهُ عَضَلَاتٌ ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ زَنى ، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ ، لَا أُوتَى بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ فِي مَجَالِسَ مُفْتَرِقَةٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَعْرَضَ ( عَنْهُ ) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا فِي الثَّلَاثِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ طُرُقُهَا جِدًّا ، قَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُونَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ ، وَإِنَّمَا غَرَضُنَا أَنْ نَذْكُرَ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ مُتَّصِلًا لَا غَيْرُ ، وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ حُجَّةِ الْمُخَالِفِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِنَا شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي رُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَمَا لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ ( وَالثَّوْرِيُّ ) وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي رَجُلٍ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَهُوَ مُحْصَنٌ ثُمَّ نَدِمَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَتَى ذَلِكَ : إِنَّهُ يُضْرَبُ حَدَّ الْفِرْيَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِسَرِقَةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ قَتْلٍ ثُمَّ أَنْكَرَ ، عَاقَبَهُ السُّلْطَانُ دُونَ الْحَدِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِسَرِقَةٍ مِنْ مَالِ رَجُلٍ ، فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَدَّعِهِ وَكَذَّبَ السَّارِقَ أَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ مَالِ غَائِبٍ ، ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُقْطَعْ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ هَاهُنَا ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُقِرِّ بِالزِّنَا أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَيَرْجِعُ تَحْتَ الْعَذَابِ فَمَرَّةً قَالَ : إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَدِّ أُتِمَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ رُجُوعَهُ نَدَمٌ مِنْهُ ، وَمَرَّةً قَالَ : يُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ أَبَدًا ، وَلَا يُضْرَبُ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَيُرْفَعُ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَامَ حَدٌّ على أحدٍ بِغَيْرِ إِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ ، وَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَدِّ فَمَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِّ لَا يُتَمُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُضْرَبُ بِغَيْرِ إِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ ، وَظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَدِمَاؤُهُمْ حِمًى إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ رُجُوعَهُ نَدَمًا ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ رُجُوعَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَيْسَ بِنَدَمٍ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ بَيْنَ أَوَّلِ الْحَدِّ وَآخِرِهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقْبَلَ رجوعه بَعْدَ سَوْطٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يُقْبَلَ بَعْدَ سَبْعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَنُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ وَنَصْرِ بْنِ دَهْرٍ وَغَيْرِهِمْ ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ لَمَّا رُجِمَ وَمَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَتْبَعُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلُوهُ رَجْمًا . وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟! فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إِذَا رَجَعَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُرُوبَهُ رُجُوعًا ، وَقَالَ : فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ . وَقَالَ : إِنَّهُ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ( ح ) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ - يَعْنِي مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ - فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ . وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ - حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ قَالَ : رُدُّونِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1051 حَدِيثُ ثَالِثَ عَشَرَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا بدنة وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً . قَالَ : مَالِكٌ : لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ؟ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ إِلَّا جُوَيْرِيَةُ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِهِ إِلَّا بدنة وَاحِدَةً ، أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ . حَدَّثَنَاهُ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ . أَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَاخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِهِ عَنْهُ ، فَجَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ عَنْهُ عَنْ عَمْرَةَ ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَأَمَّا مَعْمَرٌ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا بَقَرَةً وَاحِدَةً ، هَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً ، وَأَمَّا يُونُسُ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً ، وَكَانَتْ عَمْرَةُ تُحَدِّثُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى عَمَّنْ حَجَّ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِبَقَرَةٍ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : قُلْتُ لِبَقِيَّةَ : كَمْ كَانُوا ؟ قَالَ : عَدَدٌ كَثِيرٌ . هَكَذَا قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ بَقَرَةً ، لَمْ يَشُكُّوا كَمَا شَكَّ مَالِكٌ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ ، وَكُلُّهُمْ جَعَلَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ : وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي فِي مَوْضِعَيْنِ : فِي مَوْضِعٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِي مَوْضِعٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ لِعَمْرَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ كَانَ اللَّيْثُ قَدْ بَيَّنَ فِيهِ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ عَمْرَةَ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْبَغْدَادِيُّ بمصر ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً . هَكَذَا حَدَّثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَعِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدِّمَشْقِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ بَقَرَةً عَنْ نِسَائِهِ ، وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ لَمْ يُسَمِّ عِدَّتَهُنَّ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنِ اعْتَمَرَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَبِمَعْنَاهُ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَمِثْلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَكِلَاهُمَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ هَذِهِ ، وَيُعَضِّدُهَا فِي قَوْلِهِ : بَقَرَةً وَاحِدَةً ، وَيُعَارِضُ ظَاهِرَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ يَوْمَئِذٍ الْبَقَرَ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَشُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَأَمَّا ابْنُ جُرَيْجٍ فَأَرْسَلَهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً بَقَرَةً عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ هُوَ عِنْدِي حَدِيثُ مَالِكٍ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسِ ( لَيَالٍ ) بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ . قَالَ يَحْيَى : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ : أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَئِذٍ ، يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا ذُكِرَ الْبَقَرُ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ بَقَرَةً وَاحِدَةً عَنْ أَزْوَاجِهِ ، وَهُوَ عِنْدِي تَفْسِيرُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذِكْرِ الْبَقَرِ الْجِنْسَ ، تَقُولُ : دُخِلَ عَلَيْنَا بِلَحْمِ بَقَرٍ ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَحْمَ إِبِلٍ وَلَا غَنَمٍ ، كَمَا تَقُولُ : لَحْمُ بَقَرٍ ، تَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ بَقَرِيٍّ ، وَهُوَ مِنْ بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرَانِ عَلَى هَذَا لَمْ يَتَدَافَعَا ، وَصَحَّ بِذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ أَنْ يُضَحِّيَ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِالْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَفِي مَعْنَاهَا عِنْدَهُ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ أَوِ الْبَقَرَةَ أَوِ الْبَدَنَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَسَوَاءٌ كَانُوا سَبْعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ يُشْرِكُهُمْ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرُوهَا بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ فَيَذْبَحُوهَا ، إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا تَطَوَّعَ عَنْهُمْ ، وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْأَجْنَبِيِّينَ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِثْلَهُ فِي الْبَقَرِ ، وَأَجَازَ مَالِكٌ الِاشْتِرَاكَ فِي الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِحَالٍ ، لَا فِي بَدَنَةٍ وَلَا فِي بَقَرَةٍ ، وَالْحُجَّةُ لَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ ضَحَايَاهُ : هَذِهِ عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي ، وَهَذَا كُلُّهُ تَطَوُّعٌ لَيْسَ بِاشْتِرَاكٍ لَازِمٍ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ : يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ التَّطَوُّعِ ، وَفِي الْوَاجِبِ ، وَفِي الضَّحَايَا . الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اشْتِرَاكُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ وَلَا بَقَرَةٍ . وَأَجْمَعَ العلماء أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الشَّاةِ لِمَنْ لَزِمَهُ دَمٌ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نَتَمَتَّعُ فَذَكَرَهُ ، وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِ أَبِي الزُّبَيْرِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا فِيهِ شِفَاءٌ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ نَحْرِ الْبَقَرِ وَذَبْحِهَا ; لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ذَبْحٌ ، وَفِي بَعْضِهَا نَحْرٌ ، وَهُوَ لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ ( نَحْرَ ) الْبَقَرِ وَيَسْتَحِبُّ فِيهَا الذَّبْحَ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ نُحِرَتِ الْبَقَرَةُ كُرِهَ ذَلِكَ وَجَازَ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِنْ ذُبِحَ الْجَزُورُ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذُبِحَ الْجَزُورُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، أَوْ نُحِرَتِ الشَّاةُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، لَمْ تُؤْكَلْ ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ نَحْرَ الْبَقَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ : انْتَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . تَمَّتْ أَحَادِيثُ ابْنِ شِهَابٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
429 مَرَاسِيلُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَفْسِهِ . حَدِيثٌ أَوَّلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ . مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ ، وَذَكَرْنَا أَوَّلَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ، وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا ، وَالْقَوْلِ بِهِ وَالْفَتْوَى ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ ، فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِي هَذَا . وَأَمَّا أَهْلُ بَلَدِنَا فَجَرَى بَعْضُهُمْ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ السُّلْطَانِ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ صَنَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ قَدِيمًا ، يُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، وَإِلَى مَرْوَانَ ، ( وَقَدْ نُسِبَ ) إِلَى عُثْمَانَ ، وَلَا يَصِحُّ . وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، فَكُلُّهُمْ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ . فَأَمَّا الْآثَارُ الْمُتَّصِلَةُ وَالْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَمِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي تَمَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَا : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ( ح ) ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عِيدٍ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمؤمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَا : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنِّي شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ خَطَبَ ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ ، فَأَتَاهُنَّ فَوَعَظَهُنَّ ، وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخُرْصَ وَالْخَاتَمَ وَالثَّوْبَ وَالشَّيْءَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَشُعْبَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثَ الْبَرَاءِ وَغَيْرَهُمَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِأَسَانِيدِهَا ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ( عَنْ طَاوُسٍ ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا يَرُدُّ قَوْلَ الْقَائِلِ : إِنَّ عُثْمَانَ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ . وَأَصَحُّ مَا فِيهِ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُعَاوِيَةَ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كل مَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ بِالْأَسَانِيدِ ، عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَهَذَا عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُنَّتُهُ وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1651 حَدِيثٌ ثَانٍ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ . هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهَا ، وَذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ . وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَجْتَمِعُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ - أَوْ قَالَ : بِأَرْضِ الْحِجَازِ - دِينَانِ . قَالَ : فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَجَدَ الثَّبْتَ عَلَيْهِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَلِذَلِكَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، فَجَعَلَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنصارى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثٍ فِيهِ كَلَامٌ غَيْرُ هَذَا . قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ قَالَ : سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الْعَرَبِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَقُرَيَّاتُهَا . قَالَ يَعْقُوبُ : وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ . وَذَكَرْنَا مِقْدَارَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ( بْنُ مَيْمُونٍ ) مَوْلَى آلِ سَمُرَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَخْرِجُوا يَهُودَ الْحِجَازِ . وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ - بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزَّنْبَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ أَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ لَهُ يَهُودِيٌّ : أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَتُرَانِي نَسِيتُ قَوْلَهُ : كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ قَلَصَتْ بِكَ نَاقَتُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ . فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : إِنَّمَا كَانَتْ هَزِيلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ . قَالَ عُمَرُ : كَلَّا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَلَّ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ .
1154 حَدِيثٌ ثَالِثٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ ، وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ ، وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ ، مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْإِسْلَامِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِدَائِهِ نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ ، وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا قَبِلْتُهُ ، وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلْ لَكَ تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : طَوْعًا أَمْ كَرْهًا ؟ فَقَالَ : بَلْ طَوْعًا . فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّتِي عِنْدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجُهَا كَافِرٌ وَمُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ ، وَابْنُ شِهَابٍ إِمَامُ أَهْلِ السِّيَرِ وَعَالِمُهُمْ وَكَذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُسْنَدِ الْحَسَنِ الْإِسْنَادِ إِلَّا حَدِيثٌ رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ . وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ ، وَرَدَّهَا إِلَى الْأَوَّلِ . وَقَدْ حَدَّثَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا ، بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بَعْدَ سَنَتَيْنِ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَقُولُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَتْرُوكٌ مَنْسُوخٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ رُجُوعَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ عَادَتِهَا ، وَإِسْلَامُ زَيْنَبَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرَائِضِ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ بَرَاءَةٌ بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ . وَرَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ ، وَفِي هَذَا أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَهُوَ كَافِرٌ ، فَمِنْ هُنَاكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ . وَقَالَ آخَرُونَ : قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي الْعَاصِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ إِلَى قَوْلِهِ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ كَافِرًا ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا يُحِلُّ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِكَافِرٍ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُلَاعِنِ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ قَالَ : لَا يَعْلُو مُسْلِمَةً مُشْرِكٌ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَظْهَرُ وَلَا يُظْهَرُ عَلَيْهِ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ مَا يُغْنِي وَيَكْفِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ ، فَلَمَّا هَاجَرْنَ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا امْتُحِنَّ بِمِحْنَةِ الْإِسْلَامِ ، وَعُرِفَ أَنَّهُنَّ جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ قَدْ أَذِنَ لِامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ أَنْ تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَتَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرْ مَتَى كَانَ خُرُوجُهُ إِلَى الشَّامِ . وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ مِنَ الشَّامِ مَرَّ بِأَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَخَذُوهُمْ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا لِصِهْرِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ . فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الشِّرْكِ ، كَانَ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا إِذَا أَسْلَمَا مَعًا ، وَأَصْلُ الْعَقْدِ مَعْفِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا كُفَّارًا ، فَأَسْلَمُوا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ، وَأُقِرُّوا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي أَصْلِ نِكَاحِهِمْ شُرُوطُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ وَتَوْقِيفٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَافِرَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ ، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا إِلَيْهَا إِذَا كَانَ لَمْ يُسْلِمْ فِي عِدَّتِهَا ، إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، إِلَّا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ الزَّوْجَةِ إِلَّا بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَّفِقُ الْجَمِيعُ عَلَى نَسْخِهِ ، لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ فِي أَصْلِهِ ، وَوُجُودِ التَّنَازُعِ فِي حَقِّهِ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَتَيْنِ لِهِجْرَتِهَا ، وَأَظُنُّهُ مَالَ فِيهِ إِلَى قِصَّةِ أَبِي الْعَاصِ ، وَقِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْعَاصِ كَافِرًا ؛ إِذْ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَوْ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَهَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ وَأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي النِّكَاحِ ، إِذْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ تَحْرِيمُ فُرُوجِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَلَا وَجْهَ هَاهُنَا لِلْإِكْثَارِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ حَامِلًا فَتَمَادَى حَمْلُهَا وَلَمْ تَضَعْهُ حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَهَذَا مَا لَمْ يُنْقَلْ فِي خَبَرٍ ، أَوْ تَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ ، فَيَكُونَ أَيْضًا ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ فَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَدِّ أَبِي الْعَاصِ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرٌ مَتْرُوكٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ؛ فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يُرِيدُ عَلَى مِثْلِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّدَاقِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . وَكَذَلِكَ يَقُولُ الشَّعْبِيُّ عَلَى عَمَلِهِ بِالْمَغَازِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرُدَّ أَبَا الْعَاصِ إِلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : إِنْ أَسْلَمُ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ . وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ ، وَلَا حُكْمَ لِلدَّارِ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اعْتَبَرَ الْعِدَّةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحَرْبِيَّةِ : تَخْرُجُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً ، وَلَهَا زَوْجٌ كَافِرٌ بِدَارِ الْحَرْبِ : فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ( وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : أَمَّا الْفُرْقَةُ فَقَدْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا ) ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَلَكِنَّ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيِّ اعْتِبَارُ الْعِدَّةِ فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي الْحَرْبِيَّةِ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ طَلِيقَةٌ ، وَهُوَ خَاطِبٌ . وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ : إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَلَيْسَتِ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، وَإِذَا أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كِتَابِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً زَوْجُهَا أَحَقُّ بِهَا أَبَدًا إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ وَأَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلُ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ وَزَوْجَتُهُ مَجُوسِيَّةٌ غَائِبَةٌ ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ يُسْلِمُ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا ( لِأَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ بِهَا ) كَانَ مُتَمَسِّكًا بِعِصْمَتِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ قَالَ : وَالْحَاضِرَةُ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، فَلَيْسَ الرَّجُلُ مُمْسِكًا بِعِصْمَتِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ بِهَا شَيْئًا غَيْرَ حَاضِرٍ ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَجَوَابٌ ، فَكَأَنَّهَا إِذَا أَسْلَمَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَدْ أَسْلَمَتْ مَعَ إِسْلَامِهِ إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْتَظِرُ جَوَابَهَا ، أَلَا تَرَى الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي كُنَّ بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يُنْتَظَرْ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِنَّ الْإِسْلَامُ ؟ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْهُدْنَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الصُّلْحِ . قَالَ : وَالْكَوَافِرُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِنَّ هَذَا هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ مِنَ الْعَرَبِ ، فَكَانَ سَبِيلُ الْمَجُوسِيَّاتِ سَبِيلَهُنَّ ، فَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمْسِكَ بِعِصْمَةِ كَافِرَةٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَتْ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَالْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ ; لِأَنَّهُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَى الْفَسْخِ ، وَلَيْسَ يُرَاجِعُهَا فِي الْعِدَّةِ إِنْ أَسْلَمَتْ ، بِخِلَافِهِ إِذَا كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ إِسْلَامَهُ قَبْلَهَا أَشْبَهُ بِالْمُفَارِقِ يَرْتَجِعُ ، وَالِارْتِجَاعُ إِنَّمَا هُوَ بِالرِّجَالِ لَا بِالنِّسَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ ، وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ صَاحِبُهُ فِي الْعِدَّةِ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ أَوْ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الرَّجُلِ أَوْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَسْلَمَا قَبْلُ ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتَاهُمَا فَاسْتَقَرَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ زَوْجِهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ إِذْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ فَاسْتَقَرَّتَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَذَلِكَ التَّمَادِي فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْعِدَّةِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ وَأَحْكَمْتُ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الذِّمِّيَّيْنِ : إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ عُرِضَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِسْلَامُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ وَأَسْلَمَتْ هُنَاكَ كَانَتِ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ حُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ فِي النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ امْرَأَتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَجُوسِيَّةً ، وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمِ الْمَرْأَةُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ فِي الْمَهْرِ : إِنْ أَسْلَمَتْ وَأَبَى فَلَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا النِّصْفُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَأَبَتْ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ فَلَا مَهْرَ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ، فَيَخْرُجُ إِلَى بَعْضِ الْأَسْفَارِ ، فَتُسْلِمُ امْرَأَتُهُ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِالنِّكَاحِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ إِنْ قَدِمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ ، نَكَحَتْ أَوْ لَمْ تَنْكِحْ ، هَذَا إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي غَيْبَتِهِ ، فَإِنْ نَكَحَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا أَوْ يَبْلُغَهَا إِسْلَامُهُ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : وَإِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً اسْتُؤْنِيَ بِتَزْوِيجِهَا ، وَكُتِبَ لِلسُّلْطَانِ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَلَا . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي صَدَاقِ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ مُعَجَّلٌ وَلَا مُؤَجَّلٌ ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ رَدَّتْهُ ; لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَلَوْ بَنَى بِهَا كَانَ لَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ فِي الصَّدَاقِ . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَيَمَسَّهَا ، أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا ، سُمِّيَ لَهَا أَوْ لَمْ يُسَمَّ ، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا ، فَإِنْ بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِهَا فَلَهَا بَقِيَّتُهُ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ يُسْلِمْ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجُوسِيَّةِ يَتَزَوَّجُهَا الْمَجُوسِيُّ ثُمَّ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَرَضَ لَهَا أَوْ لَمْ يَفْرِضْ ، أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ ، أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا فَأَبَتْ هِيَ أَنْ تُسْلِمَ فِي الْوَجْهَيْنِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَتْ فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي ، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ . وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ جُمَيْعٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَهَذَا لَفْظُهُ : عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَاجَرَتْ وَتَزَوَّجَتْ ، وَكَانَ زَوْجُهَا قَدْ أَسْلَمَ ، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى زَوْجِهَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَزَوَّجَتْ ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ مَعَهَا وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي ، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ بِأَنْ قَالَ : خَبَرُ ابْنِ شِهَابٍ مُنْقَطِعٌ ، وَفِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِدَّةَ إِذَا وُجِّهَتْ عَلَى سبب غير الطَّلَاقِ ، فَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ ، وَأَمَّا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَلَا عِدَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوِ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ مَا كَانَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الثَّانِي مِنْهُمَا مَعًا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَوْرِ ، رُوِيَ ( عَنْ ) عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ الذِّمِّيَّةُ وَأَبَى زَوْجُهَا أَنْ يُسْلِمَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْعِدَّةَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَا فِي النَّصْرَانِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ زَوْجِهَا : أَخْرَجَهَا عَنْهُ الْإِسْلَامُ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ، فَتُسْلِمُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، قَالَ : فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُ مَا حَكَى فِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ امْرَأَةَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَامْرَأَةَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَسْلَمَتَا فِي عِدَّتِهِمَا ، فَأَقَامَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ امْرَأَةَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، فَرُدَّتْ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ ، وَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ ، وَأَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ( ذَلِكَ ) . وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِذَا أَسْلَمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، يَعْنِي إِذَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِنْ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ فِي عِدَّةِ امْرَأَتِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنِ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْأَمَانِ لِلْكَافِرِ وَدُعَاؤُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ - وَإِنْ كَانَ لَهُ شَوْكَةٌ ، وَكَانَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ الْعَالِيَةَ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا طُمِعَ بِإِسْلَامِهِ . وَفِيهِ التَّأْمِينُ عَلَى شُرُوطٍ تَجُوزُ وَعَلَى الْخِيَارِ فِيهَا . وَفِيهِ جَوَازُ تَصْحِيح الْأَمَارَاتِ فِي الْعُقُودِ ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ صَحَّ عِنْدَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى إِرْسَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِدَائِهِ أَمَارَةً لِأَمَانِهِ . وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالْحِرْصِ عَلَى دُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ . وَفِيهِ إِجَازَةُ تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ إِذَا كَانَ وَجْهًا ذَا شَرَفٍ وَطَمَعٍ بِإِسْلَامِهِ ، وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُطْمَعْ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّ الطَّمَعَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ تُوجِبُ عَمَلًا ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ أَوْ كَرِيمَةُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ طَمِعْتُمْ بِإِسْلَامِهِ . وَمِنِ الْإِكْرَامِ دُعَاؤُهُ بِالتَّكْنِيَةِ ، وَقَدْ كان الكلبي يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا قَالَ : كَنِّيَاهُ . وَأَمَّا شُهُودُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ ، وَهُوَ كَافِرٌ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا خَدَمًا أَوْ نَوَاتِيَّةً . وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ أَتَاهُ فَقَالَ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ - فِي حِينِ خُرُوجِهِ إِلَى بَدْرٍ - : إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ : لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ - إِذَا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ - إِذَا كَانَ حُكْمُ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ انْطَلَقَ وَبَعَثَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ وَهُمْ يَهُودُ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا ، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إِلَى ذَلِكَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِذَا اسْتُعِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أُسْهِمَ لَهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَلَكِنْ يُرْضَخُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَسْتَأْجِرُهُمُ الْإِمَامُ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَعْطَاهُمْ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ : يُرْضَخُ لِلْمُشْرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اتَّفَقُوا أَنَّ الْعَبْدَ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ إِذَا قَاتَلَ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ الْعَارِيَةِ وَالِاسْتِعَارَةِ ، وَجَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا اسْتُعِيرَ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَعْهُودِ مِمَّا يُسْتَعَارُ مِثْلُهُ ، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ هَذَا فِي الْعَارِيَةِ أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَةِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ أَمَانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانًا ، أَوْ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمُسْتَعِيرُ فِيهِ وَلَا ضَيَّعَ ، وَكَذَلِكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ أَيْضًا إِذَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَصَحَّ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ وَلَا تَعَدٍّ ، فَإِنْ خَفِيَ هَلَاكُهُ ضُمِنَ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيهِ إِذَا ادَّعَى هَلَاكَهُ وَذَهَابَهُ ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَى مَا قَالَ بَيِّنَةً ، وَتَضَمَّنَ أَبَدًا إِذَا كَانَ هَكَذَا ، وَلَا يَضْمَنُ إِذَا كَانَ هَلَاكُهُ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ بِلَا تَضْيِيعٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ أَشْهَبُ : يَضْمَنُ كُلَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ أَوْ لَمْ تَقُمْ ، وَسَوَاءٌ هَلَكَ بِسَبَبِهِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ يَضْمَنُ أَبَدًا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِصَفْوَانَ حِينَ اسْتَعَارَ مِنْهُ السِّلَاحَ وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ . قَالَ : وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : الْمُسْتَعِيرُ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَعَارَهُ إِلَّا الْحَيَوَانَ وَالْعَقَارَ وَيَضْمَنُ الْحُلِيَّ وَالثِّيَابَ وَغَيْرَهَا . قَالَ : وَإِنِ اشْتُرِطَ ضَمَانُ الْحَيَوَانِ ضَمِنَهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا ضَمَانَ فِي الْعَارِيَةِ ، وَلَكِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَتَبَ بِأَنْ يَضْمَنَهَا ، فَالْقَضَاءُ الْيَوْمَ عَلَى الضَّمَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : العارية غير مَضْمُونَةٌ ، وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِالتَّعَدِّي ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ عَارِيَةٍ مَضْمُونَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ بِمَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ( مُحَمَّدِ ) بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحُوَيْطِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْعَارِيَةُ مُؤَادَّةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَارِيَةَ لَا تُضْمَنُ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا فَجَعَلَ الْأَمَانَاتِ مُؤَدَّاةً . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ إِذَا وُجِدَتْ قَائِمَةَ الْعَيْنِ ، وَهَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا التَّنَازُعُ فِيهَا إِذَا تَلِفَتْ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُهَا ؟ وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدَادَ ، وَفِي رِوَايَتِهِ بِوَاسِطٍ غَيْرُ هَذَا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ صَفْوَانَ هَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ اخْتِلَافًا يَطُولُ ذِكْرُهُ : فَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ فِيهِ الضَّمَانَ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يذكره ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ ( عَنْ أَبِيهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) ، عَنِ ابْنِ صَفْوَانَ قَالَ : اسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، أَوْ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ مُرْسَلًا أَيْضًا . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ الضَّمَانَ ، وَلَا يَقُولُ مُؤَدَّاةً ، بَلْ عَارِيَةً فَقَطْ ، وَالِاضْطِرَابُ فِيهِ كَثِيرٌ ، وَلَا يَجِبُ - عِنْدِي - بِحَدِيثِ صَفْوَانَ هَذَا حُجَّةٌ فِي تَضْمِينِ الْعَارِيَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، قَالُوا : اسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ سِلَاحًا ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ : أَعَارِيَةٌ أَمْ غَصْبٌ ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ . فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ دِرْعًا ، فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجْمَعُوا أَدْرَاعَ صَفْوَانَ ، فَفَقَدُوا مِنْ أَدْرَاعِهِ أَدْرَاعًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ غَرِمْنَاهَا لَكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فِي قَلْبِي الْيَوْمَ مِنِ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ . وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا صَفْوَانُ ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلَاحٍ ؟ قَالَ : عَارِيَةٌ أَمْ غَصْبٌ ؟ قَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ . فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ ، ثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ - سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ - بِمَعْنَاهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ فَذَكَرَهُ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ضَمَّنَ الْعَارِيَةَ ، بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ ، ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ قَالَ : هُوَ أَمِينُكَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ ، قَالَ قَتَادَةُ : ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنْ لَا ضَمَانَ فِي الْعَارِيَةِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
310 حَدِيثٌ رَابِعٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ فِيمَا عَلِمْتُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُرْسَلًا . وَرَوَى فِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ . وَرَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ ( أَحَدٌ ) مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ هَكَذَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ابْنُ عُيَيْنَةَ - وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . وَمِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ صَالِحَ بْنَ أَبِي الْأَخْضَرِ وَابْنَ جُرَيْجٍ رَوَيَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ . بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ الدَّبَرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، رَوَاهُ خُشَيْشٌ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ مَنِيعٍ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُرَّةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَكُلُّ هَذَا خَطَأٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَأَمَّا رِوَايَةُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ : عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، فَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الشَّعْرَانِيُّ بِتِنِّيسَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا خَلَّادٌ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ أَصَابَهُمْ وَعْكٌ ( مِنْ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ ) ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلَّانُ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَهِيَ مُحَمَّةٌ ، فَحُمَّ النَّاسُ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ قُعُودٌ ، فَقَالَ : صَلَاةُ الْقَاعِدِ نِصْفُ صَلَاةِ الْقَائِمِ ، فَتَجَشَّمَ النَّاسُ الْقِيَامَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَذَكَرَهُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَلَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُصَلِّي قَاعِدًا فَقَالَ : صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ قَالَ : فَتَجَشَّمَ النَّاسُ الْقِيَامَ . وَهَذَا عِنْدِي خَطَأٌ مِنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ . وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ ، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ وَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا ، هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ الْحُفَّاظُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي جَالِسًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حُدِّثْتُ أَنَّكَ قُلْتَ : صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ ، وَأَنْتَ تُصَلِّي جَالِسًا ؟ قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ . وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحسين بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَّانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أُصَلِّي قَاعِدًا فَقَالَ : أَمَا إِنَّ لِلْقَاعِدِ نِصْفَ صَلَاةِ الْقَائِمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِهِ مَا بَلَغَهُ عِلْمُنَا مُخْتَصَرًا مُهَذَّبًا ، وَلَمْ نَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ مَعَانِيهِ ، لِتَقَدُّمِ الْقَوْلِ فِيهَا مُمَهَّدَةً فِي بَابِ الْأَلِفِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَمَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ ، وَهُوَ الطَّاعُونُ ، يُقَالُ : أَرْضٌ وَبِيئَةٌ ، أَيْ : ذَاتُ وَبَاءٍ وَأَمْرَاضٍ . وَأَمَّا الْوَعْكُ ، فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْحُمَّى دُونَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ ، وَأَمَّا السُّبْحَةُ فَهِيَ النَّافِلَةُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ سُبْحَةٌ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا النَّافِلَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى - مُجَوَّدًا فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا نَسَبَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرْنَا أَشْيَاءَ مِنْ أَخْبَارِهِ هُنَاكَ ، وَصَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ هَذَا حَفِيدُهُ أَحَدُ الثِّقَاتِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، وَكَانَ أطْعَمَ النَّاسَ الطَّعَامَ فِي دَهْرِهِ ، وَفِيهِ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ إِذْ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ ، وَهُوَ يَخْطِرُ حَوْلَ الْبَيْتِ : تَظَلُّ تَخْطِرُ حَوْلَ الْبَيْتِ مُنْتَحِيًا لَوْ كُنْتَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَزِدِ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَحَدُ الْأَشْرَافِ الْجِلَّةِ ، قُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَدُوًّا لِبَنِي أُمَيَّةَ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ 1579 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ ، فَجَاءَهُ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . هَكَذَا ، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قِيلَ لِصَفْوَانَ : مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ جَدِّهِ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ . وَرَوَاهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ صَفْوَانَ ، إِلَخْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ صَفْوَانَ قِيلَ لَهُ : مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ، فَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَدْ قِيلَ لِي مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ذَهَبَتِ الْهِجْرَةُ فَارْجِعْ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ ، فَنَامَ صَفْوَانُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا ، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا ، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرَوِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا رَوَاهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً . حَدَّثَنَا بِحَدِيثِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ . حَدَّثَنِي أَبُو عِيسَى الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ ابْنُ رَشِيقٍ ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَزَّارُ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَائِنِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَذَكَرَهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ شَبَابَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ شَبَابَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ . هَكَذَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يَسْمَعَ ابْنُ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ لِابْنِ شِهَابٍ فِي أَحَادِيثِهِ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ مِمَّنْ يُحَدِّثُ عَنْهُ . وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ سَمَاعُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ قُتِلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، قَالَ : وَالزُّهْرِيُّ يَوْمَئِذٍ سِنُّهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ; لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهِيَ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ : مَا نَعْلَمُ لِصَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنًا أَخَذَ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، كُلُّهُمْ ، عَنْ عَطَاءٍ . وَرَوَاهُ حَمَّادٌ أَيْضًا ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ جَمِيعًا ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ تَحْتَ رَأْسِهِ خَمِيصَةٌ ، فَجَاءَ لِصٌّ فَانْتَزَعَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَلَمْ يَسْمَعْهُ عَطَاءٌ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ; لِأَنَّ شُعْبَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ رَوَيَاهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ الْمُرَقَّعِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَهُ ، فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ ، قَالَ : أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ أَبَا وَهْبٍ ، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ الْمُرَقَّعِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَذَكَرَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ صَفْوَانَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَدْ هَاجَرَ ، فَقَالَ : لَا أَتْرُكُ مَنْزِلِي حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُ بِرَجُلٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا سَرَقَ خَمِيصَةً لِي ، وَالرَّجُلُ مَعَهُ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ ، قَالَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَدْ هَاجَرَ ، فَقَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . وَطَاوُسٌ سَمَاعُهُ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مُمْكِنٌ ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ . وَذَكَرَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ زُهَيْرٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ شَيْخًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ طَاوُسًا تُوُفِّيَ ، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، فِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ . قَالَ : فَإِذَا كَانَ سِنُّهُ هَذَا فَغَيْرُ مُمْكِنٍ سَمَاعُهُ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ; لِأَنَّ صَفْوَانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ . وَقِيلَ : كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْجَمَلِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ طَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ سَوَّارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَاتَّبَعَهُ فَأَدْرَكَهُ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَذَا سَرَقَ رِدَائِي مِنْ تَحْتِ رَأْسِي ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ فَقَالَ : إِنَّ رِدَائِي لَمْ يَبْلِغْ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ هَذَا ، قَالَ : أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . قَالَ الْبَزَّارُ : وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ابْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي ثَمَنُهَا ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي ، فَأُخِذَ الرَّجُلَ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : تَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، أَنَا أُمَتِّعُهُ ثَمَنَهَا ، قَالَ : فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ مِنَ الْفِقْهِ وَالْمَعَانِي : أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ مُفْتَرَضَةً . وَفِيهِ إِبَاحَةُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ . وَفِيهِ تَوَطِّي الثِّيَابِ وَتَوَسُّدُهَا . وَفِيهِ أَنَّ مَا جَعَلَهُ الْإِنْسَانُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَهُوَ حِرْزٌ لَهُ ، وَمَا سُرِقَ مِنْ حِرْزٍ فِيهِ الْقَطْعُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّارِقِ مِنْ غير حِرْزٍ ، فَأَمَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، فَإِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا جَمِيعًا الْحِرْزَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالُوا : مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، بَلَغَ الْمِقْدَارَ أَوْ زَادَ ، وَالْحُجَّةُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا قَطْعَ فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ حَتَّى يَأْوِيَهَا الْمُرَاحُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّارِقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَدِيعَةِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ دَلِيلٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْحِرْزِ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : كُلُّ سَارِقٍ يُقْطَعُ ، سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ ، وَغَيْرِ حِرْزٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ أَمْرًا مُطْلَقًا ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِقْدَارَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحِرْزَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابٍ مِنْ مَعَانِي الْحِرْزِ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، فَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ أَنَّ السَّارِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْحِرْزِ : أَنَّ الْحِرْزَ كُلُّ مَا يُحْرِزُ بِهِ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ إِذَا أَرَادُوا التَّحَفُّظَ بِهَا ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّيْءِ الْمَحْرُوزِ ، وَاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ ، فَإِذَا ضُمَّ الْمَتَاعُ فِي السُّوقِ إِلَى مَوْضِعٍ ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فَهُوَ حِرْزٌ . وَكَذَلِكَ إِذَا جُعِلَ فِي ظَرْفٍ فَأُخْرِجَ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ مَنْ يُحْرِزُهُ . أَوْ كَانَتْ إِبِلَ قُطْرٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، أَوْ أُنِيخَتْ فِي صَحْرَاءَ حَيْثُ يُنْظَرُ إِلَيْهَا ، أَوْ كَانَتْ غَنَمًا فِي مُرَاحِهَا ، أَوْ مَتَاعًا فِي فُسْطَاطٍ ، أَوْ بَيْتًا مُغْلَقًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ مَقْفُولًا عَلَيْهِ . وَكُلُّ مَا تَنْسُبُهُ الْعَامَّةُ إِلَى أَنَّهُ حِرْزٌ عَلَى اخْتِلَافِ أَزْمَانِهَا وَأَحْوَالِهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرِدَاءُ صَفْوَانَ كَانَ مُحْرَزًا بِاضْطِجَاعِهِ عَلَيْهِ ، فَقَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارِقَهُ . قَالَ : وَيُقْطَعُ النَّبَّاشُ إِذَا أَخْرَجَ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ ; لِأَنَّ هَذَا حِرْزُ مِثْلِهِ . مَذْهَبُ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَقَارِبٌ جِدًّا . وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِيرَادِ مَسَائِلِ السَّرِقَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْحِرْزِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَاهُنَا جُمَلًا تَكْفِي ، وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى الْفُرُوعِ نَظَرَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ، وَبَانَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّارِقِ يَرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ سَرِقَتَهُ بِيَدِهِ ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ لِثُبُوتِ سَرِقَتِهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةِ عُدُولٍ قَامَتْ عَلَيْهِ ، فَيَهَبُ لَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَا سَرَقَهُ ، هَلْ يُقْطَعُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ : يُقْطَعُ لِأَنَّ الْهِبَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ ، فَلَا يَسْقُطُ مَا قَدْ وَجَبَ لِلَّهِ . كَمَا أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً ثُمَّ نَكَحَهَا قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ الْحَدَّ عَنْهُ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَيَخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِالسَّارِقِ إِلَى الْإِمَامِ ، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُقْطَعُ ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : فِي هَذَا لَا يُقْطَعُ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَالَا : لَا يُقْطَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، مَعَ وُقُوعِ مَالِكِهِ عَلَى السَّرِقَةِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ ، وَبَعْدَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَيْهِ . وَحُجَّةُ أَبِي يُوسُفَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِلسَّارِقِ رِدَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ لَمَا قُطِعَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الَّذِي سَرَقَ ثَوْبَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَهُ لَهُ ، وَقَالَ : هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَهُمْ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، هَلَّا كَانَ مَا أَرَدْتَ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ; فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا لَمْ أُوتَ بِهَا وَلَمْ أَعْرِفْهَا لَمْ أُقِمْهَا ، وَإِذَا أَتَتْنِي لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْهَا ، وَلَا لِغَيْرِي ; هَذَا مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالزَّانِي تُوهَبُ لَهُ الْأَمَةُ الَّتِي زَنَى بِهَا ، أَوْ يَشْتَرِيهَا ، أَنَّ مِلْكَهُ الطَّارِئَ لَا يُزِيلُ الْحَدَّ عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ . وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ مَتَى وَهَبَ السَّرِقَةَ صَاحِبُهَا لِلسَّارِقِ سَقَطَ الْحَدُّ ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَعَافَوْا عَنِ الْحُدُودِ بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ . قَالَ : فَهَذَا الْحَدُّ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ بِالْهِبَةِ ، وَقَدْ حَصَلَتْ مِلْكًا لِلسَّارِقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السُّلْطَانَ ، فَلَمْ يَبْلُغِ الْحَدُّ السُّلْطَانَ إِلَّا وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ . قَالَ : وَمَا حَصَلَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ اسْتَحَالَ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْطَعُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَا فِي مَلْكِ نَفْسِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ الطَّارِئَ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي الْحُدُودِ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَاتِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا فِي الْحُدُودِ إِذَا بَلَغَتْ إِلَى السُّلْطَانِ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَفْوٌ لَا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَجَائِزٌ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَافَوُا الْحُدُودَ مَا بَيْنَهُمْ ، مَا لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ ، وَذَلِكَ مَحْمُودٌ عِنْدَهُمْ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السَّرِقَةِ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ ، فَإِذَا بَلَغَ السَّارِقُ إِلَى السُّلْطَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِهِ فِي عَفْوٍ وَلَا غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُتْبِعُهُ بِمَا سَرَقَ مِنْهُ إِذَا وَهَبَهُ لَهُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّارِقَ لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقَطْعُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ غَائِبٍ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ رَبُّ السَّرِقَةِ ، وَلَوْ كَانَ لِرَبِّ السَّرِقَةِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَحْضُرَ فَيَعْرِفَ مَا عِنْدَهُ فِيهِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّارِقِ تُدَّعَى عَلَيْهِ السَّرِقَةُ فِي ثَوْبٍ هُوَ بِيَدِهِ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ ، وَصَاحِبُ السَّرِقَةِ غَائِبٌ . فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُخَاصِمُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا رَبُّ الثَّوْبِ ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، وَلَا خُصُومَةَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّ الثَّوْبِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ : كُلُّ مَنْ خَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ كَانَ خَصْمًا لَهُ ، وَسُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ، فَإِنْ قُبِلَتْ قُطِعَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَدْفَعٍ ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ : حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ ) ابْنُ السَّبَّاقِ هَذَا عُبَيْدٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَابْنُهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَمِنْ أَشْرَافِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ . وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَلِلسَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ : عَوْفٌ ، وَعُبَيْدٌ ، وَعُمَيْلَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ . قَالَ الزُّبَيْرُ : بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَهَلَكُوا ، وَانْقَرَضُوا ، قَالَ : وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَغَى بِمَكَّةَ فَتَفَانَوْا فِي الْبَغْيِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، قَالَ : وَصَارَ بَعْضُ بَنِي السَّبَّاقِ فِي عَكٍّ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ هَذَا . 146 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضِيرُهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا ، كَمَا يُرْوَى ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ اخْتِلَافًا . وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّعَيْنِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَحُمَيْدٍ ابْنَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَنْ أَحَدِهِمَا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا ( فَاغْتَسِلُوا ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . رَوَاهُ عَنْ حَجَّاجٍ هَذَا ، وَهُوَ حَجَّاجُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَفْلَحَ الرُّعَيْنِيُّ أَبَا الْأَزْهَرِ جَمَاعَةٌ هَكَذَا ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا فِي الْمُوَطَّأِ . وَقَدْ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّبَّاحُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَزِيدُ بْنُ سَعِيدٍ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ضَعِيفٌ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَعْيَنَ الْمَقْدِسِيِّ ، بِهَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّبَّاحِيُّ قَالَ : حَضَرْتُ مَالِكًا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ غُسْلِ الْجُمْعَةِ قَالَ : حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى الْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَمِمَّا أَجَازَ لَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ رَحْمُونَ الْإِفْرِيقِيُّ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ عَنْهُ أَيْضًا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قُرَادٍ الْجُهَيْنِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّبَّاحِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِيُّ بِالرَّمْلَةِ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو رِفَاعَةَ عُمَارَةُ بْنُ وَثِيمَةَ بْنِ مُوسَى ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالُوا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّبَّاحِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قال : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . وَهَذَا اضْطِرَابٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ كَمَا رَأَيتَ فِي هَذَا ، وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسٌ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، أَنْبَأَنَا أَبِي ، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا ) لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضِيرُهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَاغْتَسِلُوا فِيهِ بِالْمَاءِ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضِيرُهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْأَمْرُ بِغُسْلِ الْجُمْعَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَفِيهِ الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ لِقَوْلِهِ : إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا ، وَفِيهِ أَخْذُ الطِّيبِ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ ، وَأَخْذُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ حَسَنٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرَفُ بِرَائِحَةِ الطِّيبِ إِذَا مَشَى . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَرُدُّوا الطِّيبَ ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ . وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى السِّوَاكِ ، وَالْآثَارُ فِي السِّوَاكِ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي سِوَاكِ الْقَوْمِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا أَنَّهُ كَانَ الْأَرَاكَ وَالْبَشَامَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكُلُّ مَا جَلَا الْأَسْنَانَ ، وَلَمْ يُؤْذِهَا ، وَلَا كَانَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ ، فَجَائِزٌ الِاسْتِنَانُ بِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْمِلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فِي الْجُمْعَةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَأْتِيَ فِي خُطْبَتِهِ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ فُصُولِ الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا ، تَعْلِيمًا لَهُمْ ، وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا يُصْلِحُهُمْ فِي دِينِهِمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّ يَوْمَ الْجُمْعَةِ يَوْمُ عِيدٍ لَمْ يَحْنِثْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ : وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ كَذَا ، وَلَأَفْعَلَنَّ كَذَا يَوْمَ عِيدٍ ، وَلَمْ يَنْوِ يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَلَا الْأَضْحَى ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَلَا نَوَى شَيْئًا ، أَنَّهُ يَبِرُّ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ جُمْعَةٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَطْهَرُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ ، وَمِنْبَرُهُ صَغِيرٌ ، إِنَّمَا هُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَعَرِقَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ ، فَصَارُوا يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى بَلَغَتْ أَرْوَاحُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ مَا يَجِدُ مِنْ طِيبِهِ أَوْ دُهْنِهِ .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ ) يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا . وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ ، يُقَالُ فِي نَسَبِهِ : أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ لَهُ قَدْرٌ ، وَعِلْمٌ بِالْأَنْسَابِ ، وَأَيَّامِ النَّاسِ . 212 وَحَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيِ النَّهَارِ ، الظَّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ، فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ - : أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُصِرَتْ ، وَمَا نَسِيتُ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ . هَكَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ خَاصَّةً مُنْقَطِعٌ ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ مِنْ طَرِيقٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَقَدْ وَصَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيْنِ ، فَقَامَ ابْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ فَضِيلَةَ مِنْ خُزَاعَةَ ، حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ ، فَقَالَ : أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الشِّمَالَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ فِيهِ : فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ولَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْجَدَانِ فِي وَهْمِ الصَّلَاةِ حِينَ ثَبَّتَهُ النَّاسُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْجَدَانِ إِذَا شَكَّ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ حِينَ لَقَّنَهُ النَّاسُ . قَالَ صَالِحٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : كُلٌّ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ الظُّهْرَ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَلَمْ يُخْبِرْنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . فَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ : إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ مَا نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَتَمَّهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ يَقْتَنِعَانِ بِحَدِيثِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ ابْنُ عَبْدِ عَمْرٍو : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تُقْصَرْ ، وَلَمْ أَنْسَ ، فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ حِينَ اسْتَيْقَنَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سِلْيمانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ ، فَسَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرَفَ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ : أَخَفَّتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : صَدَقَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَقَصَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ ، ثُمَّ اسْتَحْكَمَتِ الْأُمُورُ بَعْدُ ، هَكَذَا يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ : إِنَّ ذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَإِنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرُ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَشَرَحْنَاهُ ، وَبَسَطْنَاهُ فِي بَابِ أَيُّوبَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَلَمْ نَذْكُرْ فِي بَابِ أَيُّوبَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَنَذْكُرُهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، وَلِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ : فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ . اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي وُجُوهِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَهَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُسَلِّمُ الْمُصَلِّي مِنَ الصَّلَاةِ نَافِلَةً كَانَتْ أَوْ فَرِيضَةً تَسْليمَةً وَاحِدَةً ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَلَا يَقُلْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَقَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ يَقُولُ فِيهَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا كُلِّهِ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ : يُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : وَعَنْ يَسَارِهِ ؟ فَقَالَ : مَا كَانُوا يُسَلِّمُونَ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَفْعَلُهُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إِنَّمَا حَدَثَتِ التَّسْلِيمَتَانِ مِنْ زَمَنِ بَنِي هَاشِمٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : وَالْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً عَنْ يَمِينِهِ ، وَأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلُهُ ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، وَقَالَ : وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مَوْضِعِ رَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ ، فَمَرَّةً قَالَ : يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ ، وَمَرَّةً قَالَ : يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا ، وَالْمُصَلِّي لِنَفْسِهِ يُسَلِّمُ اثْنَتَيْنِ ، وَالْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ ثَلَاثًا إِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَدْرَكْتُ الْأَئِمَّةَ ، وَالنَّاسُ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وُجُوهِهِمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَكَانَ اللَّيْثُ يَبْدَأُ بِالرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سعد : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِمُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ مِنْ هُنَا وهنا ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَلَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا وَهْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ . وَفِي التَّسْلِيمَتَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَابِتٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَعَلَّقَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يُسَلِّمُونَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَرَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ فِي وُجُوبِهِمَا فَرْضًا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : كِلَا التَّسْلِيمَتَيْنِ سُنَّةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالسَّلَامِ بَعْدَ أَنْ يَقْعُدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا السَّلَامُ إِعْلَامٌ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَتَمَامِهَا . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السَّلَامَ إِذَا وُضِعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَالْكَلَامِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، ثُمَّ بَيَّنَ بِفِعْلِهِ كَيْفَ التَّسْلِيمُ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ : التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى يَخْرُجُ بِهَا مِنْ صَلَاتِهِ وَاجِبَةٌ ، وَالْأُخْرَى سُنَّةٌ . وَمِنْ حُجَّتِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، والتَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ تَسْلِيمٍ ، وَهَذِهِ أَيْضًا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كُنْتَ إِمَامًا فَسَلِّمْ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ إِمَامٍ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَسَلِّمْ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ ، تَنْوِي بِهِ الْمَلَائِكَةَ ، وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : نَأْمُرُ كُلَّ مُصَلٍّ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، إِمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَأْمُومًا ، وَيَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَيَنْوِي بِالْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ بالتَّسْلِيمَةِ الَّتِي إِلَى نَاحِيَتِهِ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الْيَسَارِ ، قَالَ : وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ .
699 ( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى وَحْدَهُ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ) وَهِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، وَجَدَ أَخْبِيَةً : خِبَاءَ عَائِشَةَ ، وَخِبَاءَ حَفْصَةَ ، وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ لِيَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَخَطَأٌ مُفْرِطٌ ، لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ رُوَاةَ الْمُوَطَّأِ اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِهِ وَإِسْنَادِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَذْكُرُ عَمْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ يَصِلُهُ بِسَنَدِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَجَمَاعَةٌ عَنْهُ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ لَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ يَحْيَى سَمَاعُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَرَوَاهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفِ بِشَبْطُونٍ ، وَكَانَ ثِقَةً ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَدْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنْهُ بِالْأَنْدَلُسِ ، وَمَالِكٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ، ثُمَّ رَحَلَ فَسَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ حَاشَى وَرَقَةً فِي الِاعْتِكَافِ لَمْ يَسْمَعْهَا أَوْ شَكَّ فِي سَمَاعِهَا مِنْ مَالِكٍ ، فَرَوَاهَا عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، فَلَا أَدْرِي مِمَّنْ جَاءَ هَذَا الْغَلَطُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَمِنْ يَحْيَى أَمْ مِنْ زِيَادٍ ؟ وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ ذَلِكَ ؟ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَأَخْبَرَنَا النُّعْمَانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ، فَأَذِنَتْ لَهَا ، فَضَرَبَتْ خِبَاءً ، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فأخبر ، فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهِنَّ ، فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، قَالَتْ : فَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ ، قَالَتْ : وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَائِهَا ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الْأَبْنِيَةِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ قَالَتْ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ ، وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَهُ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَسَمِعْتُ بِذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ ، فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ رَأَى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةَ أَبْنِيَةٍ ، فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا : لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهَذَا ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْعَشْرَةَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : بِنَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الرَّابِعُ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى قَوْلِهِ : فَلَمَّا صَلَّى إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَزَيْنَبُ ، قَالَ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهَذَا ؟ فَرَفَعَ بِنَاءَهُ ، قَالَتْ : فَلَمْ يَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهُمَا أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ ، قَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا فِي شَوَّالٍ . هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهِهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ نَوَى اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ ، وَحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَخَشِيَ عَلَيْهِنَّ أَنْ تَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ ، وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَانْصَرَفَ ، ثُمَّ وَفَى اللَّهَ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ ، فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ فَيُحْتَمَلُ أَيْ أَيَظُنُّونَ بِهِنَّ الْبَرَّ ؟ فَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرِدْنَ الْكَوْنَ مَعِي ، وَلَا يُرِدْنَ الْبِرَّ خَالِصًا ، فَكَرِهَ لَهُنَّ ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ أَوْ تُرِدْنَ ؟ كَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ : مَا أَظُنُّهُنَّ يُرِدْنَ الْبِرَّ أَوْ لَيْسَ يُرِدْنَ الْبِرَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ لِأَزْوَاجِهِ الِاعْتِكَافَ لِشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ ; لِأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا عُثْمَانَ ، وَلَا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ . وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ مَذْهَبًا ، وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ ، لَقَطَعْتُ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ . وَمَا أَظُنُّ اسْتِئذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَافِظٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الِاعْتِكَافَ يُلْزَمُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ دُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ اعْتِكَافِهِ - نَظَرَ فَرَأَى الْأَخْبِيَةَ ، وَالِاعْتِكَافُ إِنَّمَا هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ مَعَ عَقْدِ نِيَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ ، وَعَلَيْهَا تَقَعُ الْمَجَازَاتُ ، فَمِنْ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَضَى اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهْمَسٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ الْآيَةَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مَعَنَا نُذُورًا ، وَنَوَيْتُ أَنَا شَيْئًا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ فِءْ بِهِ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى الِاعْتِكَافَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَعْمَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى النَّاسِ لِرَبِّهِ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ ، وَأَبْدَرَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ ; فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ . وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْغُوبٌ فِيهِ . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ ، وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا . وَمَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ قَضَاءَ مَا قَطَعَهُ مِنَ اعْتِكَافِهِ قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ يَقْطَعُهُ صَاحِبُهُ عَمْدًا أَوْ مَغْلُوبًا ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ قَطْعِ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ كَرِهَ لِلنِّسَاءِ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ ، ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ النِّسَاءِ يَعْتَكِفْنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدِ اعْتَكَفَ النِّسَاءُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يُعْجِبُهُ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَرْأَةُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالْمُسَافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا ; لِأَنَّهُ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَنْصُورٌ : يَعْنِي مِنَ الْمَسَاجِدِ ; لِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ عِنْدَهُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ هَذَا ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فَأَذِنَ لَهُنَّ ; فَضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدُ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَذِنَ لَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ضَرْبُ أَخْبِيَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَكَمَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا ، كَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ . وَقَالَ : مَنْ لَمْ يُجِزِ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ أَصْلًا ، إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاعْتِكَافَ إِنْكَارًا عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ ؟ قَالَ : وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ فَلَا أَعْلَمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ . وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : يَدْخُلُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَيَكُونُ يَبْتَدِئُ لَيْلَتَهُ . فَقِيلَ لَهُ : قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُومِنِينَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ، فَسَكَتَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهَا فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ . وَاخْتَلَفَ عَنِ النَّخَعِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ أَيْضًا جَمِيعًا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ صَوْمٍ : أَنَّ اعْتِكَافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي رَمَضَانَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضَانَ لِغَيْرِ رَمَضَانَ . وَلَوْ نَوَى الْمُعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ بِصَوْمِهِ التَّطَوُّعَ وَالْفَرْضَ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَيْلَ الْمُعْتَكِفِ يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنَ اجْتِنَابِ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّ لَيْلَهُ دَاخِلٌ فِي اعْتِكَافِهِ ، وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِمَوْضِعِ صَوْمٍ ، فَكَذَلِكَ نَهَارُهُ ، وَلَيْسَ بِمُفْتَقَرٍ إِلَى الصَّوْمِ ، فَإِنْ صَامَ فَحَسَنٌ . قَالَ : وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ فِيهِ ، وَيَبْتَدِئَ . وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ قِيلَ لَهُ : فَمَتَى يَخْرُجُ ؟ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى . وَقَدِ اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، والليث عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لَيْلًا ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا أوَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ ، دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَخَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ . وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ والليث بن سعد : يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَالشَّهْرُ وَالْيَوْمُ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ ، لَا يَدْخُلُ إِلَّا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّيَالِي تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا ، قَالَ : يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصُّبْحَ ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ . وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . وَمَا أَظُنُّهُ تَرَكَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ عَلَى خِلَافِهِ . وَأَجْمَعَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا نَذَرَتِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَمَرِضَتْهُ أَنَّهَا لَا تَقْضِيهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَاضَتْهُ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَقْضِيهِ ، وَتَصِلُ قَضَاءَهَا بِمَا اعْتَكَفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلِ اسْتَأْنَفَتْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ أَنَّ الْمَرِيضَةَ تَمْرَضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَالْحَائِضَ لَا تَحِيضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَأَقْصَى مَا تَحِيضُ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا بَعْضُهُ ، وَجَبَ كُلُّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حُجَّةُ مَنْ يُسَامِحُ نَفْسَهُ ، وَيُكَلِّمُ مَنْ يُقَلِّدُهُ ، وَفَسَادُهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَقَدْ سَوَّى سَحْنُونٌ بَيْنَ حُكْمِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا اعْتِكَافُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا ، وَمَا مَضَى فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَذَرَتْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ : إِنَّهَا إِنْ مَرِضَتْ أَوْ حَاضَتْ فَأَفْطَرَتْ لِذَلِكَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَهِيَ تَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، فَحُكْمُ الِاعْتِكَافِ عِنْدِي مِثْلُ ذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، فَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ جَائِزٌ كَمَا هُوَ فِي رَمَضَانَ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي صَوْمِ الْمُعْتَكِفِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ بِغَيْرِ صَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، كُلُّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلَّا أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : اعْتَكِفْ ، وَصُمْ . وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ نَقْلًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الصَّوْمُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ ، فَعَاوَدَهُ السَّائِلُ فَقَالَ : يَصُومُ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى الِاعْتِكَافِ ، وَسُنَنُهُ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أُصُولِ مَسَائِلِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَاللَّهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ مِنَ اعْتِكَافِهِ فَسَنَذْكُرُهُ ، وَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، لمالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ الرَّكِينِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَسَلَةَ الْفَزَارِيِّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجَاوِرُ فِي الْمَسْجِدِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، لَمْ يَكْتُبْهُ مَالِكٌ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ .
336 ( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ : حَدِيثٌ وَاحِدٌ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَمْ يُقِمْ مَالِكٌ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ، وَأَسْقَطَ مِنَ الْإِسْنَادِ رَجُلًا ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . كَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرُ ، والليث بْنُ سَعْدٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَغَلِطَ ، وَوَهِمَ . وَلِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : إِنِّي لَأُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِيهِمَا لَا تُجْهَلُ . فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : هَذِهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَنَحْنُ أَجَفَا النَّاسِ ، نَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ مِنْ غَلَطِ الْكَاتِبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الدَّبَرِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ كَذَلِكَ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الذُّهْلِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، وَقَالَ : لَا أَدْرِي هَذَا الْوَهْمُ أَمِنْ مَعْمَرٍ جَاءَ أَمْ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ عِنْدِي مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ ، وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطُّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ . وَذَكَرَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحِطَّةِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ كَانَ عَامِلًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى خُرَاسَانَ ، وَلَهُ إِخْوَةٌ كَثِيرَةٌ ، ذَكَرَهُمْ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَمِنْ أَعْمَامِهِ مَنْ يُسَمَّى أُمَيَّةَ بْنَ خَالِدٍ ، وَلِخَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ جَدِّهِ بِنُونَ كَثِيرٌ أَيْضًا أَسَنُّهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا الْقَصْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ إِذَا كَانَ سَفَرًا ، وَخَوْفًا ، وَاجْتَمَعَا جَمِيعًا ; قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمْ يُبَحِ الْقَصْرُ إِلَّا مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ يَعْنِي الْحَرَائِرَ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤمِنَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ فَلَمْ يُبَحْ نِكَاحُ الْإِمَاءِ إِلَّا بِعَدَمِ الطَّوْلِ إِلَى الْحُرَّةِ ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ جَمِيعًا ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أَيْ فَأَتِمُّوا الصَّلَاةَ ، فَهَذِهِ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْقُرْآنُ . وَقَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى . فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سُنَّةً مَسْنُونَةً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زِيَادَةً مِنْهُ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ كَسَائِرِ مَا سَنَّهُ وَبَيَّنَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرٌ مِمَّا لَوْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ لَطَالَ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى الْقَوْلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : إِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ، مَعَ حَدِيثِ عُمَرَ : حَيْثُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ فَقَالَ لَهُ : تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ، يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يُبِيحُ فِي كِتَابِهِ الشَّيْءَ بِشَرْطٍ ، ثُمَّ يُبِيحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ كَانَ خَائِفًا ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ ، وَأَبَاحَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِقْصَارُ النَّاسِ الصَّلَاةَ الْيَوْمَ ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَحَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ مَكِّيَّانِ ثِقَتَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي اسْمِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، فَرَوَى عَنْهُ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَاتِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ إِدْرِيسَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، لَمْ يَقُلْ عَبْدَ اللَّهِ ، وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ كَمَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا شَكَّ فِيهِ . فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارِ بْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ مَاهِرٍ ، وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ ، وَيُقَالُ ابْنُ بَابَاهُ ، وَيُقَالُ ابْنُ بَابِي ، فَرَجُلٌ مَكِّيٌّ أَيْضًا مَوْلَى آلِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ ، يَرْوِي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَابْنُ نَجِيحٍ ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ : وَأَيْنَ قَوْلُهُ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَنَحْنُ آمِنُونَ ؟ فَقَالَ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا سُنَّةً ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَأَينَ الْمَذْهَبُ عَنْهُمَا ؟ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ وقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ أَكُونُ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ أُصَلِّي ؟ قَالَ : رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلَ حُمَيْدٌ الضَّمْرِيُّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي أُسَافِرُ أَفَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ أَمْ أُتِمُّهَا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بِقَصْرِهَا ، وَلَكِنَّهُ تَمَامُهَا ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ثُلُثَيْ إِمَارَتِهِ أَوْ شَطْرَهَا ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَا بَنُو أُمَيَّةَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْفَاهَا عُثْمَانُ أَرْبَعًا بِمِنًى فَقَطْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَادَاهُ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنَى ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ مَا زِلْتُ أُصَلِّيهِمَا رَكْعَتَيْنِ مُنْذُ رَأَيْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ ، فَخَشِيَ عُثْمَانُ أَنْ يَظُنَّ جُهَّالُ النَّاسِ أَنَّمَا الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ ، قال ابن جريج : وإنما أوفاها بمنى فقط . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَبَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا ; لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : زَعَمُوا أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَتَمَّ فِي سَفَرِهِ ; لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِمِنَى فَصَلَّى أَرْبَعًا . قَالَ : وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلِكَ أَوْ مَاشِيَةٍ لَكَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ ، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا إِنَّمَا صَلَّى خَلْفَهُ أَعْرَابِيٌّ رَكْعَتَيْنِ ، فَجَعَلَ يُصَلِّي أَبَدًا رَكْعَتَيْنِ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ ، فَصَلَّى أَرْبَعًا لِيَعْرِفَ النَّاسُ كَيْفَ الصَّلَاةُ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عُثْمَانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ الْأَعْرَابَ حَجُّوا ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ . حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ، وَهُمَا تَمَامٌ ، وَقَالَا : الْوِتْرُ فِي السَّفَرِ مِنَ السُّنَّةِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ فِيمَا جُعِلَ الْقَصْرُ ، وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ؟ يَعْنِي : فَمَا لَهُمْ يَقْصُرُونَ آمِنِينَ ؟ قَالَ : السُّنَّةُ ، قُلْتُ : رُخْصَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : أَمَّا قَوْلُهُ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا خَافُوا ، وَسَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ الرَّكْعَتَيْنِ فَهُمَا وَفَاءٌ ، وَلَيْسَ بِقَصْرٍ . فَهَذَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِثْلُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : عَجِبْتُ مِنْ عَائِشَةَ حِينَ كَانَتْ تُصَلِّي أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : عَلَيْكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُعَابُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْقَاسِمِ هَذَا فِي عَائِشَةَ يُشْبِهُ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ ، وَلَا شَرِيفٍ ، وَلَا ذُو فَضْلٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ عُيُوبُهُ ، وَمَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ فِي إِتْمَامِ عَائِشَةَ أَقَاوِيلَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ ، وَتَأْوِيلَاتٌ لَا يَصْحَبُهَا دَلِيلٌ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ مُوعِبٍ ، وَأَضْعَفُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ : إنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ النَّاسَ حَيْثُ كَانُوا بَنُوهَا ، وَكَأنَ مَنَازِلُهُمْ مَنَازِلَهَا ، وَهَذَا أَبْعَدُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّوَابِ ، وَهَلْ كَانَتْ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ ، إِلَّا أَنَّهَا زَوْجُ أَبِي الْمُؤْمِنِينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي سَنَّ الْغَزْوَ فِي أَسْفَارِهِ فِي غَزَوَاتِهِ وَحَجِّهِ وَعُمَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُصْحَفِهِ : النَّبِيُّء أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ . أَخْبَرَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُنَادِي ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ أَبُو يَزِيدَ الْقَطَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : هَؤُلاءِ بَنَاتِي قَالَ : كُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أُمَّتِهِ . وَذَكَرَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ قَالَ : لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ ، وَلَكِنْ نِسَاءُ أُمَّتِهِ ، وَكُلُّ نَبِيٍّ هُوَ أَبُو أُمَّتِهِ . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي قَصْرِ عَائِشَةَ ، وَإِتْمَامِهَا ، أَنَّهَا أَخَذَتْ بِرُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتُرِيَ النَّاسَ أَنَّ الْإِتْمَامَ لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ ، وَإِبَاحَةٌ ، وَأَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ ، فَكَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . فَلَعَلَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْتَرِ الْقَصْرَ فِي أَسْفَارِهِ إِلَّا تَوْسِعَةً عَلَى أُمَّتِهِ ، وَأَخْذًا بِأَيْسَرِ أَمْرِ اللَّهِ . وَبِنَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ ذَكَرْنَا جَوَابَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ ، وَرُخْصَةٌ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ عَائِشَةَ مَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُتِمُّ فِي سَفَرِهِ وَيَقْصُرُ . وَقَدْ أَتَمَّ جَمَاعَةٌ فِي السَّفَرِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَائِشَةُ ، وَقَدْ عَابَ ابْنُ مَسْعُودٍ عُثْمَانَ بِالْإِتْمَامِ وَهُوَ بِمِنَى ، ثُمَّ لَمَّا أَقَامَ الصَّلَاةَ عُثْمَانُ مَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ ، وَلَوْ أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ فَرْضٌ مَا صَلَّى خَلْفَ عُثْمَانَ أَرْبَعًا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَامَ وَأَفْطَرَ ، وَأَتَمَّ وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَنْبَأَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ وَأَفْطَرَ ، وَقَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ . وَقَدْ رَوَى زَيْدٌ الْعَمِّيُّ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّنْ يُسْتَظْهَرُ بِهِ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسَافِرُ فَيُتِمُّ بَعْضُنَا ، وَيَقْصُرُ بَعْضُنَا ، وَيَصُومُ بَعْضُنَا ، وَيُفْطِرُ بَعْضُنَا ، فَلَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ ، وَالِاعْتِبَارَ بِالْأُصُولِ تُصَحِّحُ مَا جَاءَا بِهِ مَعَ فِعْلِ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى ، قِيلَ لَهُ : أَمَّا ظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَرْضٌ ، وَلَكِنَّ الْآثَارَ ، وَالنَّظَرَ ، وَالِاعْتِبَارَ كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ على غير مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَحَسْبُكَ بِتَوْهِينِ ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَخُرُوجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ مُخَالَفَتُهَا لَهُ ، وَإِجْمَاعُ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ خَلْفَ الْمُقِيمِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ كَافِيًا ، حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَدْ أمِنَ النَّاسُ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا تَعْجَبُ مِنْهُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، كُلُّهمْ قَالَ : سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ : إِنَّهَا فَرِيضَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ عَنْهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَتَدَبَّرْهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ رَكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، بَلْ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُضَافَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَتَمُّوا فِي أَسْفَارِهِمْ ، وَإِلَى سَائِرِ السَّلَفِ الَّذِينَ فَعَلُوا فِعْلَهُمْ أَنَّهُمْ زَادُوا فِي فَرْضِهِمْ عَامِدِينَ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ بِهِ فَرْضَهُمْ . هَذَا مَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَنْسُبَهُ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ حَكَى أَبُو مُصْعَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، قَالَ : الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، وَذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَ مَنْ فَهِمَ لَا إِيجَابٌ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : الْقَصْرُ فِي الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ بِالسُّنَّةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الْأَثْرَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْقَارئ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكُفْرُ هَاهُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ ، وَلَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ كَأَنَّهُ قَالَ : كَفَرَ لِنِعْمَةِ التَّأَسِّي الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ فِي قَبُولِ رُخْصَتِهِ ، كَمَا فِي امْتِثَالِ عَزِيمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ يَطُولُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ لِخُرُوجِنَا عَمَّا لَهُ قَصَدْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ صَلَّى فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَرْبَعًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ صَلَاةَ سَفَرٍ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْوَقْتِ لَأَعَادَهَا أَرْبَعًا ، قَالَ : وَلَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ ، وَهُوَ يَنْوِي أَرْبَعًا ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُجْزِهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُسَافِرٍ أَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَاهِلًا ، قَالَ : أَرَى أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ جَمِيعًا ، وَهَذَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا نَاسِيًا لِسَفَرِهِ أَوْ لِإِقْصَارِهِ أَوْ ذَاكِرًا لِذَلِكَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : أَوْ جَاهِلًا ، فَلْيُعِدْ فِي الْوَقْتِ . وَلَوِ افْتَتَحَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَأَتَمَّهَا أَرْبَعًا تَعَمُّدًا أَعَادَهَا أَبَدًا ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ وَأَجْزَأَتْهُ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : بَلْ يُعِيدُ لِكَثْرَةِ سَهْوِهُ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ هُوَ سَهْوٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مَضَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِذَا صَلَّى أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا صَلَّى أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ ، فَإِذَا طَالَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ وَكَثُرَ لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمٌ لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ قَامَ الْمُسَافِرُ لِثَالِثَةٍ وَصَلَّاهَا ثم ذِكْرٍ ، فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِيمَنْ صَلَّى فِي سِفْرٍ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا : بِئْسَ مَا صَنَعَ ، وَقَضَتْ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِلِ : لَا أَبَا لَكَ ، تَرَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ تَرَكُوهَا لِأَنَّهَا ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقَصْرُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ سُنَّةٌ ، وَأَمَّا فِي الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ فَبِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُتِمَّ فِي السَّفَرِ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ ، كَمَا لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ نَزْعَ خُفَّيْهِ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ ، فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ كَانَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ أَرْبَعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِنْهُ نَحْوُهُ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لَهُ : لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي ، ثُمَّ قَالَ : السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا أَصْلٌ لَا يَثْبُتُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا فَسَادَ أَصْلِهِمْ ، وَاعْتِبَارَهُمُ الْقُعُودَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ إِتْمَامُ مَنْ أَتَمَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَمَا لَمْ يُنْكِرُوهُ وَأَقَرُّوهُ فَحَقٌّ وَصَوَابٌ . وَقُلْنَا : إِنَّ الْقَصْرَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ ، وَهُوَ فِعْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَإِنْ تَكُنْ رُخْصَةً ، وَيُسْرًا ، وَتَوْسِعَةً ، فَلَا وَجْهَ لِلرَّغْبَةِ عَنْهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ أَنْ تُقْبَلَ رُخْصَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَنَأْتِيَهَا ، وَإِنْ تَكُنْ فَضِيلَةً فَهُوَ الَّذِي ظَنَنَّا ، وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَالُ ، فَامْتِثَالُ فِعْلِهِ فِي كُلِّ مَا أُبِيحَ لَنَا أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعَلَى هَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خُفَّيْهِ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِعِبَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ ، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَف الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ إِلَّا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يُوَفِّيَانِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَصُومَانِ . قَالَ : وَسَافَرَ سَعْدٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْفَى سَعْدٌ الصَّلَاةَ وَصَامَ ، وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَأَفْطَرُوا ، فَقَالُوا لِسَعْدٍ : كَيْفَ نُفْطِرُ وَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَأَنْتَ تُتِمُّهَا وَتَصُومُ ، فَقَالَ : دُونَكُمْ أَمْرَكُمْ فَإِنِّي أَعْلَمُ شَأْنِي ، قَالَ : فَلَمْ يُحَرِّمْهُ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَأَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ، قَالَ : قَصْرُهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ وَالْأَخْيَارُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ . قَالَ : وَأَنْبَأْنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنْ صَلَّيْتَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ، فَقَدْ صَلَّى مَنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ صَلَّى مَنْ لَا بَأْسَ بِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي مِقْدَارِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ : أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، قَالَ مَالِكٌ : ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَمَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ ، أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْيَوْمُ التَّامُّ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَقَاوِيلُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَقْصُرُ أَحَدٌ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا . وَقَالَ دَاوُدُ : مَنْ سَافَرَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ قَصَرَ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ ؟ فَقَالَ : رَأَيتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَيَمَنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ مُتَلَذِّذًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَمَنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَمَنْ كَانَ الصَّيْدُ مَعَاشَهُ قَصَرَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا يَقْصُرُ ، وَلَا يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَقْصُرُ مُسَافِرٌ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ . وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ قَالَ : فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ . وَلِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : مَنْ سَافَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ قَصَرَ وَمَسَحَ . وَقَصَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُرُوجِهِ إِلَى صِفِّينَ ، وَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى مَالِهِ بِالطَّائِفِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ . وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطَالِعُ مَالَهُ بِخَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إِبَاحَةِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ تَاجِرًا ، وَفِي أَمْرٍ أُبِيحَ لَهُ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ . وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي رَجُلٍ خَرَجَ فِي بَعْثٍ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ : يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فِي مُسَيرِهِ ذَلِكَ ، وَافَقَ ذَلِكَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ : لَا قَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِلْعَاصِي أَنْ يَقْصُرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا كَانَ أَوْ مُطِيعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، والليث ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : إِذَا نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : إِذَا نَوَى إِقَامَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ يَوْمًا أَتَمَّ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قَصَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ هِنْدٍ عَنْهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ نَوَى إِقَامَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ قَصَرَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : إِذَا أَقَامَ ثَلَاثًا أَتَمَّ . وَعَنِ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ مُتَبَايِنَةٌ مِنْهَا : إِذَا أَزْمَعَ الْمُسَافِرُ عَلَى مُقَامِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، رَوَاهُ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ نَافِعٌ : وَهُوَ آخِرُ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلِهِ . وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ أَقَامَ عَشْرَ لَيَالٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَالطُّرُقُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : مَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَبَدًا حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ مُقَامَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً قَصَرَ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ . فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهَا قَوْلٌ عَاشِرٌ : أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ يَنْزِلَ وَطَنًا لَهُ . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ أَقَامَ سَنَتَيْنِ بِنَيْسَابُورَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : آتِي الْمَدِينَةَ فَأُقِيمُ بِهَا السَّبْعَةَ أَشْهُرٍ وَالثَّمَانِيَةَ طَالِبًا حَاجَةً فَقَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ : أَقَمْنَا بِسِجِسْتَانَ ، وَمَعَنَا رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَنَتَيْنِ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَكَانَ الثَّلْجُ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُفُولِ . وَأَقَامَ مَسْرُوقٌ بِالسِّلْسِلَةِ سَنَتَيْنِ ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْصَرَفَ يَلْتَمِسُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ . وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ إِلَى السِّلْسِلَةِ حِينَ اسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى بَلَغَ ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ فِي السِّلْسِلَةِ حَتَّى رَجَعَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَائِشَةَ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا ، قَالَ : اتِّبَاعُ السُّنَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّا نُطِيلُ الْمُقَامَ بِالْغَزْوِ بِخُرَاسَانَ فَكَيْفَ تَرَى ؟ قَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ . مَحْمَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُقِيمِينَ هَذِهِ الْمُدَدَ الْمُتَقَارِبَةَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَخْرُجُ الْيَوْمَ ، أَخْرُجُ غَدًا ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا عَزِيمَةَ هَاهُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ ، قَالَ : فَرَابِعَةٍ ، وَخَامِسَةٍ ، وَسَادِسَةٍ ، وَسَابِعَةٍ ، وَثَامِنَةِ التَّرْوِيَةِ ، وَتَاسِعَةٍ ، وَعَاشِرَةٍ ، قَالَ : فَإِنَّمَا حَسِبَ أَنَسٌ مُقَامَهُ بِمَكَّةَ وَمِنَى لَا وَجْهَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ غَيْرُ هَذَا . قَالَ أَحْمَدُ : فَإِذَا قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ قَصَرَ ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ ، قَالَ : أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ الرَّابِعَ ، وَالْخَامِسَ ، وَالسَّادِسَ ، وَالسَّابِعَ ، وَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْأَبْطَحِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ صَلَاةً قَصَرَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَتِهَا ، فَمَنْ أَجْمَعَ أَنْ يُقِيمَ كَمَا أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ ، فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ . قُلْتُ لَهُ : فَلِمَ لَا تَقْصُرُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا ، فَنَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَنُتِمُّ . قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : فَإِذَا قَالَ : أَخْرَجُ الْيَوْمَ أَخْرَجُ غَدًا يَقْصُرُ ؟ قَالَ : هَذَا شَيْءٌ آخَرُ ، هَذَا لَمْ يَعْزِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَصْدُرُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهِجْرَةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَرَضَةً قَبْلَ الْفَتْحِ كَانَ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُهَاجِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِتَقْضِيَةِ حَوَائِجِهِ ، وَتَهْذِيبِ أَسْبَابِهِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ لَهَا بِحُكْمِ الْمُقَامِ ، وَلَا جَعَلَهَا فِي حَيِّزِ الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ دَارَ مُقَامٍ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إِقَامَةٌ لِمَنْ نَوَاهَا ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، وَمَنْ نَوَى إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ بِمُقِيمٍ ، وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ نَوَى إِقَامَةَ سَاعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَكُنْ بِسَاعَتِهِ تِلْكَ دَاخِل فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ ، وَلَا فِي أَحْوَالِهِ . وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أَجْلَى الْيَهُودَ جَعَلَ لَهُمْ إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي قَضَاءِ أُمُورِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَفَاهُمْ عُمَرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُمْ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُقِيمِينَ بِهَا ، فَحِينَ نَفَاهُمْ عُمَرُ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ إِقَامَةً . وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ لَمْ يُعَانِدْ ، وَيَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ هَوَاهُ وَعَمَاهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ ، قَالَ سُفْيَانُ : بَعْدَ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ؟ قَالَ حَفْصٌ : بَعْدَ الصَّدْرِ ثَلَاثًا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ أَبِي : مَا كَانَ أَشَدَّ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا . وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ قَالَ : لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِ أَنَّهُ يَقْصُرُ فِيهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَرْبَعِ فَمَا فَوْقَهَا ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ التَّمَامِ لَا يَزُولُ بِاخْتِلَافٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : يُصَلِّي صَلَاةَ مُقِيمٍ ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُقِيمِينَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَلَّمَ الْمُسَافِرُ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ سِعَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُصَلُّونَ فُرَادَى ، وَلَا يُقَدِّمُونَ أَحَدًا . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ ، وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَنْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ بِهِمْ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُسَافِرِ يَؤُمُّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ ، فَيُحْدِثُ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَيُقَدِّمُ مُقِيمًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي الْمُقِيمُ تَمَامَ صَلَاةِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى مَنْ خَلْفَهُ بِالْجُلُوسِ ثُمَّ يَقُومُ وَحْدَهُ ، فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْعُدُ ، وَيَتَشَهَّدُ ، وَيُسَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ ، وَيَقُومُ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ فَيُتِمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : يُتِمُّ الْمُسْتَخْلَفُ صَلَاةَ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ مُسَافِرًا يُسَلِّمُ بِهِمْ فَيُسَلِّمُ مَعَهُ الْمُسَافِرُونَ ، وَيَقُومُ الْمُقِيمُونَ فَيَقْضُونَ وُحْدَانًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُتِمُّونَ كُلُّهُمْ صَلَاةَ مُقِيمٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَسَائِلُ السَّفَرِ تَكْثُرُ جِدًّا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا ، وَمَا يُعِينُ عَلَى فَتْحِ مَا انْغَلَقَ مِنْهَا مِنْ مَعْنَاهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ : حَدِيثٌ وَاحِدٌ ) عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ هَذَا أَظُنُّهُ مِنْ ثَقِيفٍ ، مِنْ وَلَدِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَارِثَةَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِعِلْمِ حَقِيقَةٍ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ عَبَّادُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( وَيَقُولُونَ : إِنَّ زِيَادًا اسْتَلْحَقَ عَبَّادًا أَيْضًا ; فَعَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ مُسْتَلْحَقٌ مِنْ مُسْتَلْحَقٍ ) ، وَلَا أقف لَهُ عَلَى وَفَاةٍ ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ خَبَرًا ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ رَوَى عَنْهُ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَالْآخَرُ فِيمَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ مَالِكٌ ، وَلَمْ يُقِمْهُ ، وَأَفْسَدَ إِسْنَادَهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ . وَحَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ : 73 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمُ الَّتِي بَقِيَتْ ، فَفَزِعَ النَّاسُ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . وَهُوَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ مِنْهُ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَا غَيْرِهِمْ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ . وَزَادَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي ذَلِكَ أَيْضًا شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِيهِ المغيرة غَيْرُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ يَقُولُونَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَا يَقُولُونَ : عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ كَمَا قَالَ يَحْيَى ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ . كَتَبْتُ هَذَا ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى وَهِمَ فِي قَوْلِهِ ، عَنْ أَبِيهِ حَتَّى وَجَدْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ يَحْيَى ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ فِيهِ ، عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ يَحْيَى قَالَ : وَهُوَ وَهْمٌ . قَالَ : وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : فَإِنْ كَانَ رَوْحٌ حَفِظَ فَقَدْ أَتَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ يَرْوِيهِ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ . وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ إِسْنَادٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْوِيهِ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَا يَذْكُرُ حَمْزَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ . وَرُبَّمَا جَمَعَ حَمْزَةَ وَعُرْوَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِيهِمَا الْمُغِيرَةِ . وَرِوَايَةُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ مَقْطُوعَةٌ ، وَعَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ لَمْ يَرَ الْمُغِيرَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إِلَى حَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ) فَذَكَرَهُ سَوَاءً كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ مُصْعَبٌ : وَأَخْطَأَ فِيهِ مَالِكٌ خَطَأً قَبِيحًا ، أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَتَبْتُهُ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ ، عَنِ ابْنِ حَمْدَانَ ، وَحَدَّثَنَا أَيْضًا قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ ) ، وَكَتَبْتُهُ أَيْضًا مِنَ الْأَصْلِ الصَّحِيحِ لِأَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْخَبَرَ ، عَنْ مَعْمَرٍ فِي كِتَابِهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ هَكَذَا مَقْطُوعًا ، وَأَظُنُّ هَذَا إِنَّمَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ الزُّهْرِيِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ تَخَلَّفَ ، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ ، فَتَبَرَّزَ ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا غَسَلَ وَجْهَهُ ، وَأَرَادَ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ ضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ قَالَ : فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ قَالَ : ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَكْعَةً قَالَ : فَذَهَبْتُ أُوذِنُهُ فَقَالَ : دَعْهُ ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَكْعَةً ، فَفَزِعَ النَّاسُ لِذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ فَرَغَ : أَصَبْتُمْ ، أَوْ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ صَلَّى فِيهِمَا . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَابْنِ سَمْعَانَ : أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : سَكَبْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَوَضَّأَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَمْعَانَ عَبَّادًا ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ جَمَعَهُمْ فِي إِسْنَادٍ وَاحِدٍ ، وَلَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا تَرَى ، إِلَّا مَا خَصَّ مِنْ ذِكْرِ مَالِكٍ فِي عُرْوَةَ ، وَذِكْرِ ابْنِ سَمْعَانَ فِي عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ هَذِهِ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِمَالِكٍ . وَأَظُنُّ ابْنَ وَهْبٍ حَمَلَ لَفْظَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرًا . وَقَدْ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ رُبَّمَا أَرْسَلَ الْحَدِيثَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَلَا يَذْكُرُ عَبَّادَ بْنَ زِيَادٍ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْ هُنَالِكَ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَمْعَانَ عَبَّادَ بْنَ زِيَادٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْمُغِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ : إِسْمَاعِيلُ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ( عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، وَذَكَرَهُ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ) ، وَأَمَّا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فَرَوَاهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَأَتْقَنَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدٌ ، وَيَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ قَالَ : تَخَلَّفْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ الْإِدَاوَةَ أَوْ قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ ، وَمَعِي الْإِدَاوَةُ قَالَ : فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ اسْتَنْثَرَ قَالَ يَعْقُوبُ : ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمَا مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ ، فَضَاقَ عَنْهُ كُمَّاهَا ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ ، فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ بِخُفَّيْهِ ، وَلَمْ يَنْزِعْهُمَا ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى النَّاسِ فَوَجَدَهُمْ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى بِصَلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتِمُّ صَلَاتَهُ ، فَأَفْزَعَ الْمُسْلِمِينَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : أَحْسَنْتُمْ ، وَأَصَبْتُمْ ، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ تَبُوكَ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِمِثْلِ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ . وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَكَانَ لَا يُحَدِّثُ بِهِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ هَذَا لِصِغَرِ سِنِّهِ إِلَّا عَبَّادًا . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ تَبُوكَ ، قَالَ : فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ الْغَائِطِ ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيَّ ، أَخَذْتُ أُهْرِقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ ذِرَاعَيْهِ مِنْ جُبَّتِهِ فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ ، وَأَقْبَلْتُ مَعَهُ ، حَتَّى نَجِدَهُمْ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتِمُّ صَلَاتَهُ ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ ، أَوْ قَالَ : أَصَبْتُمْ ، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، وَزَادَ الْمُغِيرَةُ : فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُ . فَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ خَاصَّةً ، وَتَمْهِيدُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَمَّا طُرُقُ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الِاسْتِيعَابِ فَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَيْهَا ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ مِنْ نَحْوِ سِتِّينَ طَرِيقًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ الشَّعْبِيُّ ، فَزَادَ فِيهِ حُكْمًا جَلِيلًا حَسَنًا ، وَذَلِكَ اشْتِرَاطُ طَهَارَةِ الْقَدَمَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ عِنْدَ إِدْخَالِهِمَا الْخُفَّيْنِ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْحَدَثِ ، قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْبٍ ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ ، فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ ، فَضَاقَتْ فَادَّرَعَهَا ادِّرَاعًا ، ثُمَّ أَهَوَيْتُ إِلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنْزِعَهُمَا فَقَالَ : دَعِ الْخُفَّيْنِ ، فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . قَالَ أَبِي : قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ : شَهِدَ لِي عُرْوَةُ عَلَى أَبِيهِ ، وَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُجَالِدٌ ، وَزَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ، قَالَ : لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِيهِمَا طَاهِرَتَيْنِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَيَتَوَضَّأُ أَحَدُنَا ، وَرِجْلَاهُ فِي الْخُفَّيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوِيقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعَمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ : أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ فِي حَاجَتِهِ ، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجَهَهُ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ : ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَعْضِ حَاجَتِهِ ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ عَنْهُمَا كُمَّا الْجُبَّةِ قَالَ : فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ . ذَكَرْتُ هَذَا الْإِسْنَادَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَرَوَاهُ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ أَيْضًا ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ . وَرَوَاهُ أَيْضًا ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي يَعْمَرَ ، وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ بُرْمَةَ ، وَأَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَغَيْرُهُمْ . وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ ، وَعَلَى خُفَّيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ صَحِيحٌ ، مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بَكْرٍ ، وَغَيْرِهِ صِحَاحٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَكُلُّهُمْ يَصِفُ ضِيِقَ الْجُبَّةِ ، وَيَصِفُ إِمَامَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالْقِصَّةُ عَلَى وَجْهِهَا بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، وَمَعْنًى وَاحِدٍ ، إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ مِمَّنِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَصَدَ إِلَى الْحُكْمِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَعَلَى النَّاصِيَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ضُرُوبٌ مِنْ مَعَانِي الْعِلْمِ . مِنْهَا : خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزْوِ لِجِهَادِ عَدِوِّهِ ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِغَزَاةِ الْعُسْرَةِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى تَبُوكَ فَصَالَحَهُ أَهْلُ أَيْلَةَ ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا ، قَالَ خَلِيفَةُ : وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : كَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا فِي غُرَّةِ رَجَبٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ . وَفِيهِ آدَابُ الْخَلَاءِ ، وَالْبُعْدُ عَنِ النَّاسِ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَفِيهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ تَرْكُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَكَبَ عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهَ ، يَعْنِي لِوُضُوئِهِ . وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ، وَتَوَضَّأَ . وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ : فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْإِدَاوَةَ كَانَتْ مَعَ الْمُغِيرَةِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّهُ نَاوَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ بِهَا ، ثُمَّ لَمَّا جَاءَ رَدَّهَا إِلَيْهِ ، فَسَكَبَ مِنْهَا الْمَاءَ عَلَيْهِ ، بَلْ فِي قَوْلِهِ فَتَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ تَصْرِيحٌ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ الْمُغِيرَةِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ دُونَهَا ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَتَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ قِبَلَ الْغَائِطِ ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً وَقَالَ مَعْمَرٌ : فَتَخَلَّفَ ، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ . فَإِنْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ يَوْمَئِذٍ فِي نَقْلِ مَنْ يُقْبَلُ نَقْلُهُ ، وَإِلَّا فَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَرْكَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ، وَالْعُدُولَ عَنْهُ إِلَى الْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ . وَقَدْ نَزَعَ بِنَحْوِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَزَعَمَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ بِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَلْفَاظِ بَعْضِ النَّاقِلِينَ لَهُ بِذَلِكَ ، وَذَلِكَ اسْتِدْلَالٌ أَيْضًا لَا نَصٌّ ، وَأَيَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ الْيَوْمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَطْهَرُ ، وَأَطْيَبُ ، وَأَنَّ الْأَحْجَارَ رُخْصَةٌ ، وَتَوْسِعَةٌ ، وَأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا جَائِزٌ فِي السَّفَرِ ، وَالْحَضَرِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ لُبْسِ الضَّيِّقِ مِنَ الثِّيَابِ ، بَلْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا مُسْتَحْسَنًا فِي الْغَزْوِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأَهُّبِ ، وَالِانْشِمَارِ ، وَالتَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِبَاسُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ عِنْدِي لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ الْخَفِيفَ فِي الْغَسْلِ ، وَالْوُضُوءِ لَا يُوجِبُ اسْتِئنَافَهُ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ عَمَلٍ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ آخِذًا فِي طَهَارَتِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهَا انْصِرَافًا عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ ، وَغَسْلِ الْإِنَاءِ ، وَشِبْهِ ذَلِكَ . فَإِنْ أَخَذَ الْمُتَوَضِّئُ فِي غَيْرِ عَمَلِ الْوُضُوءِ وَتَرَكَهُ ، اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا جِدًّا ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا خَفِيفًا فَهُوَ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ شُغْلًا ، وَإِنْ قَلَّ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ . وَفِيهِ : أَنْ لَا بَأْسَ بِالْفَاضِلِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْعَالِمِ وَالْإِمَامِ أَنْ يُخْدَمَ ، وَيُعَانَ عَلَى حَوَائِجِهِ . وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فَيَتَوَضَّأَ ، وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا كَانَ الْإِنَاءُ لَا يَتَهَيَّأُ أَنْ يُدْخِلَ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ فِيهِ . وَفِيهِ : إِذَا خِيفَ فَوْتُ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ فَوْتُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنْهَا لَمْ يُنْتَظَرِ الْإِمَامُ لَهَا وَلَا غَيْرُهُ ، فَاضِلًا كَانَ أَوْ عَالِمًا أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ : مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ لِيَشْتَغِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ كُلُّهُ ، وَقَالَ : لَوْ أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ عن أَوَّلِ وَقْتِهَا لَأُخِّرَتْ لِإِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ ; إِذْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي السَّفَرِ ، وَفِيمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ . وَفِيهِ أَنَّ تَحَرِّي الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يُقَدِّمُوا إِمَامًا بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَالِي . وَمِنْهَا أَنْ يَأْتَمَّ الْإِمَامُ وَالْوَالِي مَنْ كَانَ بِرَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ . وَمِنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَكْعَةً ، وَجَلَسَ مَعَهُ فِي الْأُولَى ثُمَّ قَامَ فَقَضَى . وَفِيهِ فَضْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; إِذْ قَدَّمَهُ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِصَلَاتِهِمْ بَدَلًا مِنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ صَلَاةُ الْفَاضِلِ خَلْفَ الْمَفْضُولِ . وَفِيهِ حَمْدُ مَنْ بَدَّرَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ ، وَشُكْرُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَتَحْسِينُ فِعْلِهِ . وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَخْذُولٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ ، وَعَسَى الْقُرْآنُ نَسَخَهُ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابَ اللَّهِ ، بَلْ بَيَّنَ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الْآيَةَ . وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا ، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَازَ عَلَيْهِمْ جَهْلُ مَعْنَى الْقُرْآنِ ؟ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنَ الْخِذْلَانِ . رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : رَأَيْتُ جَرِيرًا يَتَوَضَّأُ مِنْ مِطْهَرَةٍ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا ؟ فَقَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَكَانُوا يَعْنِي أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَغَيْرَهُمْ ، يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : وَضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُسَدَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ مِنْ مِطْهَرَةٍ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقَالُوا : أَتَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْكَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يُعْجِبُ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ : إِنَّمَا كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ : بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ بُلْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ جَرِيرٍ : أَنَّهُ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَصَلَّى ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ هَذَا . وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَجْلِ أَنْ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدِّرْهَمِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ : أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ؟ قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ قَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَفَاضَ ، وَتَوَاتَرَ ، وَأَتَتْ بِهِ الْفِرَقُ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا وَجْهَ لَهَا ، وَلَا مَعْنًى . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ . وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَالْحُدَيْبِيَةِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ أَجْمَعِينَ ، وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، كُلُّهُمْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخِيَارِ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ قَالَ : مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَصَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِالطُّرُقِ الْحِسَانِ مِنْ مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وابن مسعود ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَالْمُغِيرَةُ ، وَسُلَيْمَانُ ، وَبِلَالٌ ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَرِيرٍ الزُّبَيْرِيُّ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَجَرِيرٌ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَمَّارٌ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ . وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْهُمْ خِلَافٌ إِلَّا شَيْءٌ لَا يَثْبُتُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ الْأَزْدِيَّ - عَنْ قطْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : إِنَّ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ ، قَالَ عَطَاءٌ : كَذِبَ عِكْرِمَةُ ، أَنَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا . وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَدْخَلَ أَحَدُكُمْ رِجْلَيْهِ فِي خُفَّيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يَقُولُ فِيمَنْ تَأَوَّلَ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ إِذَا كَانَ لِتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ فِي السُّنَّةِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ كَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ ؟ قَالَ : بَلَى ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَنَّكَ لَمْ تَرَ أَنَّ تَمْسَحَ ، وَصَلَّى بِكَ رَجُلٌ يَرَى الْمَسْحَ أَلَمْ تَكُنْ تُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنَ الْجَسَدِ ثُمَّ صَلَّى أَلَمْ تُصَلِّ خَلْفَهُ ؟ ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ نَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ ، أَفَلَا نُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمَالِكٍ مِمَّنْ سَهَّلَ الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ ؟ قَالَ : بَلَى نُصَلِّي . ثُمَّ قَالَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ : حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ قَالَ : نَحْنُ لَا نَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَلَكِنْ لَوْ ذَهَبَ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ صَلَّيْنَا خَلْفَهُ . قَالَ : إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ رَجُلٌ الْمَسْحَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنَ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ لَا يَمْسَحُونَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَهَذَا لَا نُصَلِّي خَلْفَهُ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَنْكَرَ عَلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى خُفَّيَّ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي نَفْسِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَإِنْ جَاءَ مِنَ الْغَائِطِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : عَمُّكَ أَعْلَمُ مِنْكَ ، يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ، فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ جِئْتَ مِنَ الْغَائِطِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَنْكَرْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَهُوَ أَمِيرٌ بِالْكُوفَةِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : أَوَعَلَيَّ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ ؟ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْكُوفَةِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ : عَرَفْتُ أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا أَعْلَمُ ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا عِنْدَ عُمَرَ قَالَ سَعْدٌ : اسْتَفْتِ أَبَاكَ فِيمَا أَنْكَرْتَ عَلَيَّ فِي شَأْنِ الْخُفَّيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا إِذَا تَوَضَّأَ ، وَفِي رِجْلَيْهِ الْخُفَّانِ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا ؟ ( فَقَالَ عُمَرُ : لَا ، فَقُلْتُ : وَإِنْ ذَهَبَ أَحَدُنَا إِلَى الْغَائِطِ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا ؟ ) . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ بِمِثْلِ حَدِيثِ نَافِعٍ إِيَّايَ ، وَزَادَ عَنْ عُمَرَ : إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِيهِمَا وَأَنْتَ طَاهِرٌ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِذَلِكَ ، وَيَعْمَلُ بِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ ، مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا إِلَّا شَيْءٌ لَا يَصِحُّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَحَدًا يُنْكِرُ ذَلِكَ ، وَلَا فِي فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رِوَايَةَ جَابِرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالرِّوَايَاتُ الصِّحَاحُ عَنْهُ بِخِلَافِهِ ، وَهِيَ مُنْكَرَةٌ يَدْفَعُهَا مُوَطَّؤُهُ ، وَأُصُولُ مَذْهَبِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : نَسِيتَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ ، بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : أَنَّهُ سَافَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَتَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَسِيتَ ، لَمْ تَخْلَعْ خُفَّيْكَ ؟ قَالَ : كَلَّا ، بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ ، بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ بِحَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ لَهُ : سَلْ عَلِيًّا ، فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ مَنِ احْتَجَّ بِهَذَا أَوْ سَامَحَ نَفْسَهُ فِي احْتِجَاجِهِ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَتَرْكِ بَعْضِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَسْحُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَالتَّوْقِيتُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِحَدِيثٍ مَوْضِعُ الْحُجَّةِ مِنْهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بِالسَّعْيِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ : اسْأَلُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْحَكَمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ، وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ ، وَأَثْبَتُ وَأَرْفَعُ مِمَّنْ وَقَفَهُ ، عَلَى أَنَّ تَوْقِيفَهُ عِنْدِي فُتْيَا بِهِ ، وَاسْتِعْمَالٌ لَهُ ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَدْحًا فِيهِ . وَحَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : لَا يُحِيكَنَّ فِي صَدْرِ امْرِئٍ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَإِنْ جَاءَ مِنَ الْغَائِطِ ، فَإِنِّي كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي الْمَسْحِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَتَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ . قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : قُلْتُ لِأَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مِقْلَاصٍ : أَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ . قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ ، وَقَالَ لِي أَبُو مُصْعَبٍ : دَارُ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ لِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَدْ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّفَرِ ، وَالْحَضَرِ اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ ابْنِ نَافِعٍ هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمِصْرَ ، رَوَاهُ ثِقَاتُ الْفُقَهَاءِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَخَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَسْوَافَ ، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ خَرَجَ ، قَالَ أُسَامَةُ : فَسَأَلْتُ بِلَالًا : مَا صَنَعَ ؟ قَالَ : ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : هَذَا صَحِيحٌ فِي الْمَسْحِ بِالْحَضَرِ ، وَالْأَسْوَافُ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ . وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِرْدَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِلَالٌ بِالْأَسْوَافِ قَالَ : فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ خَرَجَا ، قَالَ أُسَامَةُ : فَسَأَلْتُ بِلَالًا : مَا صَنَعَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : ذَهَبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ الْخُفَّيْنِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ ، فَبَالَ قَائِمًا ، فَتَنَحَّيْتُ فَدَعَانِي ، فَجِئْتُ فَأَتَى بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : هَكَذَا قَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ بِالْمَدِينَةِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ : أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَوَكِيعٌ ، وَسُفْيَانُ ، وَجَرِيرٌ لَا يَقُولُونَ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : وَالسُّبَاطَةُ : الْمَزْبَلَةُ ، وَالْمَزَابِلُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَضَرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثِقَةٌ حَافِظٌ ، لَيْسَ يَرْوِيهِ غَيْرُهُ ، وَقَدْ زَادَ مَا حَذَفَهُ غَيْرُهُ ، وَزِيَادَةُ مِثْلِهِ وَاجِبٌ قَبُولُهَا ، وَلَيْسَ فِي الْأُصُولِ مَا يَدْفَعُ مَا جَاءَ بِهِ بَلِ النَّاسُ عَلَيْهِ اهـ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَمْسَحُ ظُهُورَهُمَا وَبُطُونَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ لِي نَافِعٌ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ يَضَعُ إِحْدَى يَدَيْهِ فَوْقَ الْخُفِّ ، وَالْأُخْرَى تَحْتَ الْخُفِّ ، وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ مَا حَكَاهُ عَنْهُ مَعْمَرٌ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا دُونَ بُطُونِهِمَا أَجَزَأَهُ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قَالَ : وَمَنْ مَسَحَ بَاطِنَ الْخُفَّيْنِ دُونَ ظَاهِرِهِمَا لَمْ يُجْزِهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ : بَاطِنُ الْخُفَّيْنِ وَظَاهِرُهُمَا سَوَاءٌ ( وَمَنْ مَسَحَ بَاطِنَهُمَا دُونَ ظَاهِرِهِمَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ كَمَنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا سَوَاءً ) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ : مَنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا وَلَمْ يَمْسَحْ بُطُونَهُمَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْدَهُ . وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَجَزَأَهُ ، وَمَنْ مَسَحَ بَاطِنَهُمَا دُونَ ظَاهِرِهِمَا لَمْ يُجْزِهُ ، وَلَيْسَ بِمَاسِحٍ ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً . وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ أَشْهَبَ ، إِنْ مَسَحَ بُطُونَهُمَا ، وَلَمْ يَمْسَحْ ظُهُورَهُمَا أَجَزَأَهُ . وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِهِ أَنَّ أَعْلَى الْخُفِّ يُجْزِئُ عَنْ أَسْفَلِهِ ، وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ أَسْفَلِهِ ، وَتَمَامُ الْمَسْحِ عِنْدَهُ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلُهُ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ مَا حَدَّثْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ثَوْرٌ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، فَذَكَرَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ : حَدَّثْتُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْمُغِيرَةُ ، وَهَذَا إِفْسَادٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْإِخْلَالِ فِي إِسْنَادِهِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ أَعْلَاهُمَا ، وَأَسْفَلَهُمَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : إِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ رِجْلَيْكَ مَا لَمْ تَخْلَعْهُمَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ مُصْعَبٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ ظُهُورَ خُفَّيْهِ وَبُطُونَهُمَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ : تَضَعُ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ ، وَالْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِهِ ، قِيلَ لِابْنِ وَضَّاحٍ : مِنْ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، تَكُونُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِ الْخُفِّ فِي كِلْتَيْهِمَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْخُفَّيْنِ دُونَ بَاطِنِهِمَا ، وَقَدْ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَابْنِ عُبَادَةَ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَغَيْرِهِمْ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو السَّوْدَاءِ عُمَرُ النَّهْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَمْسَحُ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ ، وَيَقُولُ : لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظُهُورَهُمَا لَظَنَنْتُ أَنَّ بُطُونَهُمَا أَحَقُّ . قَالَ الْحُمَيدِيُّ : هَذَا مَنْسُوخٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَحْمِلُ هَذَا عَلَى الْمَسْحِ عَلَى ظُهُورِ الْخُفَّيْنِ ، وَيَقُولُ : مَعْنَى ذِكْرِ الْقَدَمَيْنِ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَا مُغَيَّبَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ ، فَهَذَا هُوَ الْمَسْحُ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُهُ . وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَعَلَهُ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ اهـ . وَسَنَذْكُرُ أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةَ لِهَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، فِي مُرْسَلَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالَّذِي تَأَوَّلْتُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ الْقَدَمَيْنِ إِذَا كَانَا فِي الْخُفَّيْنِ قَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ هَكَذَا مِنْ وُجُوهٍ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِمَسْحِ أَعَلَا الْخُفَّيْنِ دُونَ أَسْفَلِهِمَا أَيْضًا ; مَا حَدَّثْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَهْرَيِ الْخُفَّيْنِ . وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْقِيتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا وَقْتَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ مَسَحَ مَا بَدَا لَهُ ، قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ : الْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ . قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَجْعَلُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقْتًا . ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي لَهِيعَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، والليث بْنِ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَلَوِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِفَتْحٍ مِنَ الشَّامِ ، وَعَلَيَّ خُفَّانِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ قَالَ : كَمْ لَكَ مُنْذُ لَمْ تَنْزِعْهُمَا ؟ قَالَ : فَقُلْتُ لَبِسْتُهُمَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ ، وَالْيَوْمُ الْجُمْعَةُ ثَمَانٍ ، قَالَ : أَصَبْتَ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنَا عبدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ ؟ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَدْ طَلَبْنَا ذَلِكَ ، فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا يُوَقِّتُ لَهُمَا وَقْتًا اهـ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا أَعْلَمُ لِلْمُقِيمِ أَجَلًا ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ : لَيْسَ لِمَسْحِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَنَا وَقْتٌ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ بِلَادِنَا فِي ذَلِكَ وَقْتٌ ، قَالَ مَالِكٌ : يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا قَالَ : وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهَذَا رَأْيِي الَّذِي آخُذُ بِهِ اهـ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : امْسَحْ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَا لَمْ تَخْلَعْهُمَا ، لَا تُوَقِّتْ وَقْتًا ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحُسْنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى هَارُونَ ، أَوْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ التَّوْقِيتُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَرُوِيَ التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . مِنْهَا مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَا حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَغَيْرُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : كُنَّا بِأَذْرَبِيجَانَ فَكَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثًا إِذَا نَحْنُ سَافَرْنَا ، وَلَيْلَةً إِذَا نَحْنُ أَقَمْنَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ نُبَاتَةَ الْجَعْفِيِّ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَشْعَبَ ، عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ ، فِيهَا ضَعْفٌ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : حَضَرْتُ سَعْدًا ، وَابْنَ عُمَرَ يَخْتَصِمَانِ إِلَى عُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إِلَى مِثْلِ سَاعَتِهِ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . وَثَبَتَ التَّوْقِيتُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ . وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ عِنْدِي ; لِأَنَّ الْمَسْحَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى اتِّفَاقِهِمْ . فَلَمَّا قَالَ أَكْثَرُهُمْ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُقِيمِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ صَلَاتَهُ بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ الْغَسْلُ حَتَّى يُجْمِعُوا عَلَى الْمَسْحِ ، وَلَمْ يُجْمِعُوا فَوْقَ الثَّلَاثِ لِلْمُسَافِرِ ، وَلَا فَوْقَ الْيَوْمِ لِلْمُقِيمِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّوْقِيتِ فِي شَيْءٍ مِنْ حُدُودِ التَّوْقِيتِ ، وَمُرَاعَاةِ الْحَدَثِ ، وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ ، وَالَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَوْلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَسَأَلْتُ عَلِيًّا فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِر ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ مِثْلَهُ سَوَاءً ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ جَمَاعَةٌ ، وَذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقَالَ : مَا حَاجَتُكَ ؟ قُلْتُ : جِئْتُ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ ، قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ ، قَالَ : قُلْتُ : جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، قَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا ، وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا ، وَلَا نَخْلَعَهُمَا مِنْ غَائِطٍ ، وَلَا بَوْلٍ ، وَلَا نَوْمٍ ، وَلَا نَخْلَعَهُمَا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَرْفُوعًا ، وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ ، وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُهَاجِرُ مَوْلَى أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ ثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَالَ أَبُو يَحْيَى السَّاجِيُّ : مُهَاجِرٌ أَبُو مَخْلَدٍ هَذَا صَدُوقٌ ، وَمَعْرُوفٌ ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ مَجْهُولٌ بِشَيْءٍ ، رَوَى عَنْهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي تَوْقِيتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُهَاجِرُ ، وَهُوَ أَبُو مَخْلَدٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا . وَقَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ ، وَلَوِ اسْتَزَدْنَاهُ زَادَنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ ، هَلْ يُمْسَحُ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : يُمْسَحُ إِذَا كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ الْقَدَمُ ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ الْقَدَمُ لَمْ يُمْسَحْ . وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْخَرْقُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَمِنْ لُبْسِهِ ، وَيَكُونُ مِثْلُهُ يمشي فِيهِ ، وَيُنْتَفَعُ بِهِ . وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، والليث ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالطَّبَرِيِّ إِجَازَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ جُلُّهُ ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ مِنَ الْخَرْقِ فَمُتَجَاوَزٌ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ تَشْدِيدٌ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ بمصر : إِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مُقَدَّمِ الرِّجْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ إِذَا بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ ، وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ مَا ظَهَرَ مِنَ الرِّجْلِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مَسَحَ ، وَلَا يَمْسَحُ إِذَا ظَهَرَتْ ثَلَاثٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ إِذَا كَانَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ يُغَطِّيهِ الْجَوْرَبُ ، فَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ لَمْ يَمْسَحْ اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، وَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ ، وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ والليث مِثْلَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : إِنْ غَسَلَهُمَا مَكَانَهُ أَجَزَأَهُ ، وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَهُمَا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَرَاخِي الْغَسْلِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ ، وَلَا اسْتِئنَافُ الْوُضُوءِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ خَاصَّةً . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إِحْدَاهَا : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ ، وَالثَّالِثَةُ : أَنَّهُ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عِنْدَ لُبْسِ خُفِّهِ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى ، وَلَبِسَ الْخُفَّ الْآخَرَ ، هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إِنْ أَحْدَثَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ حِينَ أَهْوَى لِيَنْزِعَ خُفَّيْهِ : دَعِ الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ فِيهِمَا ، وَهُمَا طَاهِرَتَانِ . وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ ، وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ جِئْتَ مِنَ الْغَائِطِ . قَالُوا : فَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ إِلَّا مَنْ لَبِسَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ طِهَارَتِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَدَاوُدُ : يُجْزِيهِ أَنْ يَمْسَحَ . قَالُوا : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَمْسَحَ لَابِسُ خُفَّيْهِ حَتَّى يُتِمَّ غَسْلَ رِجْلَيْهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلًا وَيَلْبَسَ فِيهَا خُفًّا ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَهُ الْأُخْرَى وَيَلْبَسَ الْخُفَّ الثَّانِيَةَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . قَالُوا : وَقَدْ يُقَاسُ بِأَبْعَدَ مِنْ هَذَا ، وَحَسْبُ كُلِّ رِجْلٍ أَنَّهَا لَمْ تَلْبَسِ الْخُفَّ إِلَّا وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ خُفَّهُ ثُمَّ أَعَادَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَقِيَتْ أَشْيَاءُ مِنْ مَسَائِلِ الْمَسْحِ لَوْ تَقَصَّيْنَاهَا خَرَجْنَا عَنْ شَرْطِنَا فِي تَأْلِيفِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَ ، وَقَضَى مَا فَاتَهُ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَفِيهِ : أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِمَ الْخَيِّرَ الْفَاضِلَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ فِي صَلَاتِهِ بِمَنْ هُوَ دُونَهُ . وَأَنَّ إِمَامَةَ الْمَفْضُولِ جَائِزَةٌ بِحَضْرَةِ الْفَاضِلِ إِذَا كَانَ الْمَفْضُولُ أَهْلًا لِذَلِكَ . وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ : كُنَّا مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَسُئِلَ : هَلْ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السَّحَرِ ضَرَبَ عُنُقَ رَاحِلَتِي ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ حَاجَةً ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا بَرَزْنَا عَنِ النَّاسِ ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَتَغَيَّبَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ ، فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : حَاجَتُكَ يَا مُغِيرَةُ ، قُلْتُ : مَا لِي حَاجَةٌ ، فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ مَاءٌ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقُمْتُ إِلَى قِرْبَةٍ أَوْ سَطْحِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي آخِرِ الرَّحْلِ فَأَتَيْتُ بِمَاءٍ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ فَأَحْسَنَ غَسْلَهُمَا قَالَ : وَأَشُكُّ أَقَالَ : أَدَلَّكَهُمَا بِتُرَابٍ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ يَدَيْهِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ ، فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِهَا إِخْرَاجًا ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ قَالَ : فَيَجِيءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَسْلُ الْوَجْهِ مَرَّتَيْنِ ، فَلَا أَدْرِي أَهَكَذَا أَمْ لَا ؟ ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَأَدْرَكْنَا النَّاسَ ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، وَتَقَدَّمَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، وَهُمْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَذَهَبْتُ أُؤذِنُهُ ، فَنَهَانِي ، فَصَلَّيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكْنَا ، وَقَضَيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الْأَصْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : كَانَ أَبِي لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِ إِلَّا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ السُّنَّةُ ، وَاتِّبَاعُهَا أَفْضَلُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ قَالَ : مَنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَأَحْسَبُ تَرْكَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَسَحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُمْ ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغَيرَةَ قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي سَفَرٍ ، فَأَتَى عَلَيْهِمْ يَوْمٌ حَارٌّ ، فَقَالَ : لَوْلَا خِلَافُ السُّنَّةِ لَتَرَكْتُ الْخُفَّيْنِ .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ ) وَعُثْمَانُ هَذَا لَا أَعْرِفُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ حَدِيثَ الْجَدَّةِ هَذَا ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَأَقُولُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِي ابْنِ أُكَيْمَةَ إِذْ سُئِلَ عَنْهُ ، وَقَالَ : حَسْبُكَ بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، هَذَا عِلْمِي فِيهِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ النِّسَبِ فَيَنْسُبُونَهُ عُثْمَانَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَرَشَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَسَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ( الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي خَرَشَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فِي النَّسَبِ ، وَقَالَ : فَوَلَدَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَرَشَةَ ) ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ حَدِيثَ الْجَدَّةِ ، هَذَا لَفْظُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُصْعَبُ قَالَ : عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَرَشَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ حَدِيثَ الْجَدَّةِ . ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ، وَقَالَ : كَذَا قَالَ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى هَذَا . وَقَالَ مُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ : سَأَلْتُ مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيَّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ فَقَالَ : مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَرَوَى الَّذِي يُقَالُ : ( عُمِّيتَ عَمَى أَرَوَى ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَثَلٌ قَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَعَا عَلَى أَرْوَى بِنْتِ أُوَيْسٍ فِي قِصَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ مَعَهَا ، قَالَ الزُّبَيْرُ : وَالْعَامَّةُ تُصَحِّفُ الْمَثَلَ فَتَقُولُ : أَعْمَاكَ اللَّهُ عَمَى الْأَرْوَى ، يُرِيدُونَ الْأَرْوَى الَّتِي فِي الْجَبَلِ يَظُنُّونَهَا شَدِيدَةَ الْعَمَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ ابْنُ خَرَشَةَ لَا ابْنُ أَبِي خَرَشَةَ ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدِّهِ ، يَقُولُ : عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، وَلَمْ يَرْوِ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ هَذَا غير هذا الْحَدِيثَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سَمَاعٌ لِقَبِيصَةَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا شُهُودٌ لِتِلْكَ الْقِصَّةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَلَهُ سِنٌّ لَا يُنْكَرُ مَعَهَا سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَسَنَذْكُرُ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرَ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : 1098 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَكِنَّ هُوَ السُّدُسُ ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا ، وَأَيُّكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، وَأَمَّا قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ فَقِيلَ : إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً ، كَانَ مَوْلِدُهُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ . ذَكَرَ وَكِيعٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ : أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةً أَحَدُهُمْ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ مَرَّةً أُخْرَى : أَرْبَعَةٌ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْمِلُ عَلَى قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لِمُخَالَطَةِ السُّلْطَانِ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ : فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَقَبِيصَةُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ذَكْوَانَ أَوِ ابْنِ ذَكْوَانَ قَالَ : أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةً : سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَقَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ . هَكَذَا يَقُولُ الْأَعْمَشُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكْوَانُ أَوِ ابْنُ ذَكْوَانَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ أَبُو الزِّنَادِ ، وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ فِي عِلْمٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا غَيْرَ الْأَعْمَشِ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي كِتَابِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ فِي وَقْتِهِ مِنْ شُيُوخِهِ سَبْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ ، وَلَعَلَّ الْأَعْمَشَ إِنَّمَا حَكَى مَا حَكَاهُ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ فَهُوَ شَيْخُهُ ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ أَبَا الزِّنَادِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذَكْوَانَ . وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَالُ فَقَدْ أَدْرَكَ أَبُو الزِّنَادِ بِالْمَدِينَةِ جَمَاعَةً كُلُّهُمْ أَفْقَهُ مِنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا جَعَلَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ فِي الْفِقْهِ كَسَعِيدٍ وَعُرْوَةَ إِلَّا مَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ لَا يَصْلُحُ أَيْضًا أَنَّ يُضَافَ لَهُ هَذَا الْخَبَرُ ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَكِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَبَا الزِّنَادِ ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، فَقَالَ : ذَكْوَانُ أَوِ ابْنُ ذَكْوَانَ . وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ خُزَاعِيٌّ ، وَهُوَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ حَلْحَلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كُلَيْبِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو خُزَاعَةَ ، وَلِأَبِيهِ ذُؤَيْبٍ صُحْبَةٌ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي خُزَاعَةَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْقَبَائِلِ الرُّوَاةِ ، وَمَاتَ قَبِيصَةُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ فِيمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ سَنَةَ سِتَّةٍ وَثَمَانِينَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ . وَكَانَ قَبِيصَةُ مِمَّنْ قَاتَلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ حَتَّى ذَهَبَتْ عَيْنُهُ ، وَيُكْنَى قَبِيصَةُ أَبَا إِسْحَاقَ ، كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ مُعَلِّمَ كُتَّابٍ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الشَّامِ ، فَصَحِبَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِهِ ، إِلَيْهِ الْبَرِيدُ ، وَعَرْضُ الْكُتُبِ الْوَارِدَةِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَبُو أُوَيْسٍ ، وَلَمْ يُجَوِّدْهُ ، وَجَاءَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ غَيْرُهُمَا مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ حَدَّثَهُ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ : أَنَّ الْجَدَّةَ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ( وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنِ ابْنِ ابْنِهَا أَوِ ابْنِ ابْنَتِهَا ، لَمْ يُدْخِلُوا بَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَبَيْنَ قَبِيصَةَ أَحَدًا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ قَبِيصَةَ ، وَمَرَّةً قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ : أَنَّ الْجَدَّةَ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ مَالِكٍ ، وَأَبِي أُوَيْسٍ ; لِإِدْخَالِهِمَا بَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ وَقَبِيصَةَ عُثْمَانَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، قَالَ : وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ وَرَّثَ الْجَدَّتَيْنِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ ، قَالَ : وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي أُوَيْسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنِ ابْنِ ابْنِهَا أَوِ ابْنِ ابْنَتِهَا ، لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا هِيَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ شَيْئًا ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي لَكِ بِشَيْءٍ ، وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ الْعَشِيَّةَ ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : إِنَّ الْجَدَّةَ أَتَتْنِي تَسْأَلُنِي مِيرَاثَهَا مِنِ ابْنِ ابْنِهَا أَوِ ابْنِ ابْنَتِهَا ، وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ لَهَا فِي الْكِتَابِ شَيْئًا ، وَلَمْ أَسْمَعِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي لَهَا بِشَيْءٍ ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا شَيْئًا ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي لَهَا بِالسُّدُسِ فَقَالَ : هَلْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ أَحَدٌ ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي لَهَا بِالسُّدُسِ ، فَأَعْطَاهَا أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الَّتِي تُخَالِفُهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّمَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِكِ ، وَلَكِنْ إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَالسُّدُسُ بَيْنَكُمَا ، وَأَيُّكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَيْضًا ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْكَعْبِيِّ ، هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْقَضَاءَ إِلَى الْخُلَفَاءِ أَوْ إِلَى مَنِ اسْتَخْلَفُوهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَعَلُوهُ إِلَيْهِ ، وَعِنْدَهُمْ تُطْلَبُ الْحُقُوقُ حَتَّى يُوصَلَ إِلَيْهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَاضٍ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنِ اسْتَقْضَى ، فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْضَى عُمَرُ ، وَأَنَّهُ بَعَثَ شُرَيْحًا إِلَى الْكُوفَةِ قَاضِيًا ، وَبَعَثَ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ إِلَى الْبَصْرَةِ قَاضِيًا . قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا طَوِيلٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ . وَفِيهِ : أَنَّ الْفَرَائِضَ فِي الْمَوَارِيثِ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ نَصًّا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هَذَا عَلَى أَنْ لَا عِلْمَ إِلَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَجَازَ لَهُ ذَلِكَ . وَلَكِنْ لِلْعُلَمَاءِ فِي الْقِيَاسِ كَلَامٌ قَدْ ذَكَرْتُ مِنْهُ مَا يَكْفِي فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . وَالِاسْتِدْلَالُ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِلْجَدَّةِ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ : عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ وَالسِّهَامَ فِي الْمَوَارِيثِ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ . وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَأَغْنَى عَنِ الْكَلَامِ فِيهِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ فَرْضَ الْجَدَّةِ وَالْجَدَّاتِ السُّدُسُ لَا مَزِيدَ فِيهِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَرَائِضُ وَالسِّهَامُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نصا مَا عَدَا الْجَدَّةَ ، فَإِنَّ فَرْضَهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِنْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي فَرْضٍ فَرْضَهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّاتِ عَلَى مَا أَصِفُ لَكَ ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ : سَوَاءً كَانَتِ الْجَدَّةُ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ مِيرَاثُهَا السُّدُسُ ، فَإِنِ اجْتَمَعَتَا فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَثُرَتْ لَا يَزِدْنَ عَلَى السُّدُسِ إِذَا تَسَاوَيْنَ فِي الْقعدد ، فَإِنْ قَرُبَتِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَانَ السُّدُسُ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِنْ قَرُبَتِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ كَانَ السُّدُسُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَإِنْ بَعُدَتْ . وَلَا تَرِثُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إِلَّا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَا تَرِثُ الْجَدَّةُ أُمُّ أَبِ الْأُمِّ عَلَى حَالٍ ، وَلَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ أَحَدٌ مِنْ جَدَّاتِهِ ، وَلَا تَرِثُ جَدَّةٌ وَابْنُهَا حَيٌّ ، يَعْنِي الِابْنَ الَّذِي جَرَّهَا إِلَى الْمِيرَاثِ . فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ جَدَّةٌ أُمَّ عَمٍّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، فَلَا يَحْجُبُهَا هَذَا الِابْنُ عَنِ الْمِيرَاثِ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ الْجَدَّاتِ مَعَ الْأُمِّ ، فَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يُورِّثُ إِلَّا جَدَّتَيْنِ أُمَّ أُمٍّ ، وَأُمَّ أَبٍ ، وَأُمَّهَاتِهِمَا ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو ثَوْرٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَطَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَابْنِ هُرْمُزَ ، وَابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ فَعَابَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَتَعِيبُنِي أَنْ أُوتِرَ بِرَكْعَةٍ ، وَأَنْتَ تُوَرِّثُ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ . قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ اللَّتَيْنِ تَرِثَانِ ، وَالثَّالِثَةِ الَّتِي تُطْرَحُ وَأُمَّهَاتِهَا ، فَقَالَ : اللَّتَانِ تَرِثَانِ أُمُّ الْأُمِّ ، وَأُمُّ الْأَبِ ، وَأُمَّهَاتُهُمَا إِذَا لَمْ يَكُونَا ، وَالثَّالِثَةُ الَّتِي تُطْرَحُ أُمِّ الْجَدِّ أَبِ الْأَبِ ، وَأُمَّهَاتُهَا . قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : فَأَمَّا أُمُّ أَبِ الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ شَيْئًا . وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ ، وَاحِدَةٍ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَالِاثْنَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ . وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَكَانَ قَوْلُهُ فِي الْجَدَّاتِ كَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُ الدُّنْيَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَلَا يُشْرِكُ مَعَهَا مَنْ لَيْسَ فِي قُعْدُدِهَا ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَا يُوَرِّثَانِ الْجَدَّاتِ الْأَرْبَعَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : تَرِثُ الْجَدَّاتُ الْأَرْبَعُ قَرُبْنَ أَوْ بَعُدْنَ . وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَرِثُ الْجَدَّاتُ الْأَرْبَعُ . وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَ يُورِّثَانِ أَرْبَعَ جَدَّاتٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُشْرِكُ بَيْنَ الْجَدَّاتِ فِي السُّدُسِ دُنْيَاهُنَّ وَقُصْوَاهُنَّ مَا لَمْ تَكُنْ جَدَّةً أُمَّ جَدَّةٍ أَوْ جَدَّتَهَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَرَّثَ بَيْنَهُمَا مَعَ سَائِرِ الْجَدَّاتِ ، وَأَسْقَطَ أُمَّهَا أَوْ جَدَّتَهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسْقِطُ الْقُصْوَى بِالدُّنْيَا إِذَا كَانَتَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ أَبٍ ، وَأُمَّ أَبِ أَبٍ ، فَيُورِّثُ أُمَّ الْأَبِ وَيُسْقِطُ أُمَّ أَبِ الْأَبِ . وَكَانَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ يَخْتَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَيُقَوِّيهَا ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يُورِّثُ الْجَدَّةَ أُمَّ أَبِ الْأُمِّ مَعَ مَنْ يُحَاذِيهَا مِنَ الْجَدَّاتِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَدَّةِ أَيْضًا قَوْلٌ شَاذٌّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَرْكِهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَحْكِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ جَدٍّ لَيْسَ دُونَهُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَهُوَ أَبٌ ، وَكُلُّ جَدَّةٍ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ لَيْسَ دُونَهَا أَقْرَبُ مِنْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ . قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَّثَ جَدَّةً ثُلُثًا ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ لَوُرِّثَتِ الثُّلُثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَدِّ أَنَّهُ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ ، فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَفُقَهَاءُ الْبَصْرَةَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَغَيْرُهُ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَدَاوُدَ ، وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ . وَاخْتُلِفَ فِي الْجَدِّ عَنْ عُمَرَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : احْفَظُوا عَنِّي ثَلَاثًا : لَمْ أَقُلْ فِي الْجَدِّ شَيْئًا ، وَلَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئًا ، وَلَمْ أَسْتَخْلِفْ أَحَدًا . وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ الْخَلِيفَتَيْنِ يَعْنِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ يَقُولَانِ فِي الْجَدِّ بِقَوْلِي ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْهُ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرْوُونَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْجَدِّ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ . وَرَوَى أَهِلُ الْعِرَاقِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَاسِمُ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ إِلَى السُّدُسِ ثُمَّ يُقَاسِمُ بَيْنَهُمْ إِلَى الثُّلُثِ . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ بِقَوْلِ زَيْدٍ إِلَّا فِي الْخَرْقَاءِ . وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَإِنَّهُمْ يُقَاسِمُونَ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةٍ مُقَاسَمَةِ الْجَدِّ الْإِخْوَةَ ، فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ لَيْسَ بِأَبٍ ، وَلَا يُحْجَبُ بِهِ الْإِخْوَةُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ أَقَاوِيلِهِمْ فِي الْجَدِّ وَقَالَ كَقَوْلِ زَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ وَقَفَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي الْجَدِّ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ بِقَوْلِ أَحَدٍ ، وَقَالَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِّ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَالْمُغِيرَةُ صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَهُشَيْمٌ . وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْجَدِّ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَدِّ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَدَّةِ أَنَّهَا أُمٌّ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : جَاءَتْ جَدَّاتٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ فَأَعْطَى الْمِيرَاثَ أُمَّ الْأُمِّ دُونَ أُمِّ الْأَبِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَعْطَيْتَ الْمِيرَاثَ الَّتِي لَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ، فَجَعَلَ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ : إِذَا كَانَتِ الْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ هِيَ أَقْعَدُ فَشَرِّكْ بَيْنَهُمَا قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ : أَدْرَكْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ ، وَطَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُونَ : إِذَا كَانَتِ الْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَقْرَبَ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ فَهُمَا سَوَاءٌ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَذَكَرْنَا مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي أَحْكَامِ الْجَدَّاتِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدَ ، كُلُّهُمْ يَذْهَبُ فِي الْجَدَّاتِ إِذَا اجْتَمَعَتْ أُمُّ الْأَبِ ، وَأُمُّ الْأُمِّ ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ وَلَا أَبٌ ، أَنَّ أُمَّ الْأُمِّ إِنْ كَانَتْ أَقْعَدَهُمَا ( كَانَ لَهَا السُّدُسُ دُونَ أُمِّ الْأَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ أَقْعَدَهُمَا ) ، وَكَانَتَا مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْقُعْدُدِ فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . وَإِنَّمَا كَانَتِ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ إِذَا كَانَتْ أَقْعَدَ أَوْلَى بِالسُّدُسِ مِنْ أُمِّ الْأَبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا أَقْرَبُ لِلْمَيِّتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَتَهَا ، وَهِيَ الْأُمُّ تَمْنَعُ الْجَدَّاتِ الْمِيرَاثَ مِنْ أَجْلِ قُرْبِهَا ، فَكَذَلِكَ أُمُّهَا تَمَنَعُ الْجَدَّاتِ إِذَا لَمْ يَكُنَّ فِي دَرَجَتِهَا . فَأَمَّا إِذَا بَعُدَتْ ، وَقَرُبَتِ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَقَالَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ أُمَّ الْأُمِّ هِيَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ مِنَ السُّنَّةِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ تَرَكَ جَدَّتَهُ أُمَّ أُمِّهِ وَجَدَّتَهُ أُمَّ أَبِيهِ ، فَالسُّدُسُ هَاهُنَا لِأُمِّ أُمِّهِ ، وَإِنْ تَرَكَ أُمَّ أَبِيهِ وَأُمَّ أُمِّ أُمِّهِ فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا سَوَاءً . وَلَا يَرِثُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنَ الْجَدَّاتِ غَيْرُهُمَا . وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي تَقْوِيَةِ أُمِّ الْأُمِّ ، أَنَّ الْأُمَّ لَمَّا مَنَعَتِ الْجَدَّاتِ ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْأَبُ أُمَّ الْأُمِّ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَقْوَى ; لِأَنَّهَا تُدْلِي بِهَا ، وَهِيَ تَمْنَعُ الْجَدَّاتِ ، وَلَا يَمْنَعُهَا الْأَبُ ، وَالْأُخْرَى تُدْلِي بِالْأَبِ ، وَالْأَبُ لَا يَحْجُبُ أُمَّ الْأُمِّ ، فَكَيْفَ تَحْجُبُهَا أُمُّهُ أَوْ تَسْتَوِي مَعَهَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ ، وَابْنُهَا حَيٌّ ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَبِهِ يَقُولُ شَرِيكٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَالطَّبَرِيُّ . وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُورِّثُهَا مَعَ مَنْ يُحَاذِيهَا مِنَ الْجَدَّاتِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُهَا ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الْحَسَنِ . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْجَدَّةِ قَالَ : إِنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّدُسَ مَعَ ابْنِهَا ، وَابْنُهَا حَيٌّ . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَيْضًا قَالَ : أَنْبَأَنَا شُعَيْبُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمَّ ، وَابْنُهَا حَيٌّ ، وَهُوَ خَالُ الْمَيِّتِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْجَدَّةِ حَتَّى سَأَلَ ، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يُعْطِي الْأُخْرَى شَيْئًا ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا إِسْمَاعِيلُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : وَرَّثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَدَّةً مَعَ ابْنِهَا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَانَ يُوَرِّثُ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا ، وَقَضَى بِذَلِكَ بِلَالٌ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ : لَا يَحْجُبُ الْجَدَّاتِ إِلَّا الْأُمُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أشعث ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يَجُوزُ حَجْبُهَا بِالذُّكُورِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّ ، وَأُمِّ الْأُمِّ ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَدَمَ الْأَبِ لَا يَزِيدُهَا فِي فَرْضِهَا ، وَإِنَّمَا لَهَا السُّدُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكَيْفَ يَحْجُبُهَا . وَوَجْهٌ آخَرُ لَمَّا كَانَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ ، وَيَرِثُونَ مَعَهَا ، كَانَتِ الْجَدَّةُ كَذَلِكَ تَرِثُ مَعَ الْأَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ تُدْلِي بِهِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا ، يَعْنُونَ أَنَّهَا لَا تَرِثُ أُمُّ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُمْ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ : أَنَّ الْجَدَّ لَمَّا كَانَ مَحْجُوبًا بِالْأَبِ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَدَّةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ بِهِ مَحْجُوبَةً ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَبَوَيِ الْأَبِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْجُبَهَا الْأَبُ . وَوَجْهٌ آخَرُ : أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ أُمَّ أُمٍّ لَمْ تَرِثْ مَعَ الْأُمِّ ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أُمَّ أَبٍ لَا تَرِثُ مَعَ الْأَبِ . وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ ، وَابْنَ الْأَخِ لَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَعَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّتِ ، فَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ لَا تَرِثُ مَعَ الْأَبِ لِأَنَّهَا بِهِ تُدْلِي . ذَكَرَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَجْعَلْ لِلْجَدَّةِ شَيْئًا مَعَ ابْنِهَا . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ أَشْعَثَ ، وَأَبِي سَهْلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ ، وَزَيْدٌ لَا يُورِّثَانِ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا ، وَمَا قَرُبَ مِنَ الْجَدَّاتِ ، وَمَا بَعُدَ مِنْهُنَّ جَعَلَ لَهُنَّ السُّدُسَ إِذَا كُنَّ مِنْ مَكَانَيْنِ شَتَّى ، وَإِذَا كُنَّ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ ، وَرَّثَ الْقُرْبَى . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُوَرِّثِ الْجَدَّةَ إِذَا كَانَ ابْنُهَا حَيًّا ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : لَمْ يُوَرِّثْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ . قَالَ وَكِيعٌ : وَالنَّاسُ عَلَى ذَا ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ بَسَّامِ بْنِ فَضْلٍ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، ثِقَةٌ شَرِيفٌ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ( وَمَا أَحْسَبُهُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِ شِهَابٍ ) ، وَأَبُو بَكْرٍ هَذَا هُوَ وَالِدُ خَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ النَّسَّابَةِ الْمُحَدِّثِ الْمَدَنِيِّ شَيْخِ ابْنِ وَهَبٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ هَذَا الْقَاسِمُ ، وَقِيلَ بَلِ الْقَاسِمُ أَخُوهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ( فَإِنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا هُوَ الْقَاسِمَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ) . وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَنُونَ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُمُ الزُّهْرِيُّ ، مِنْهُمْ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَهَؤُلَاءِ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَأُمُّ سَالِمٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ ، وَحَمْزَةَ وَاحِدَةٌ أُمُّ وَلَدٍ ، وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَوْصَى أَبُوهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَلَمْ يُوصِ إِلَى سَالِمٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُدَارُ عَلَى أَنْ لَا يُوصِيَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يُدِيرُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأُدِيرُهُمْ وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْعَيْنِ سَالِمُ وَلِأَبِي بَكْرٍ شَيْخِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا أَخٌ يُقَالُ لَهُ : الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَخٌ ثَانٍ يُقَالُ لَهُ : أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ أَيْضًا ، وَفِي وَلَدِ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا قُضَاةٌ ، وَأُمَرَاءُ بِالْمَدِينَةِ وَأَخٌ ثَالِثٌ يُسَمَّى عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ الْعَدَوِيُّ شَرَفُ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَذِكْرُهُمْ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَوَلَدِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ . وَمِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا . 1712 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ لَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْآثَارِ ، وَالْأَنْسَابِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَمَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْطَأَ . وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُونَ الْحَدِيثَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، لَا يَقُولُونَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ ، فَذَكَرَهُ سَوَاءً . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ ، وَقَالَ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ لَهُ وَجْهٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا بَعْضَ الِاخْتِلَافِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّهِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَقُولُونَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَرْوِيَهُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَقَدْ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ حَفَدَتِهِ : مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى عَنْهُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ فِي السِّنِّ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ خَطَأً ، عَنْ مَعْمَرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ، وَلَا يُحْفَظَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ مَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٌ بِالْيَمَنِ وَبِالْبَصْرَةِ ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الْأَعْلَى ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، فِيمَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ صَحَّ حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ فَهُوَ إِسْنَادٌ آخَرُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، وَمُسَدَّدٌ ، وَابْنُ الْمُقْرِئِ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ ، وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُسَدَّدٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُوا بِأَيْمَانِكُمْ ، وَاشْرَبُوا بِأَيْمَانِكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ . ( وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَبُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ ، وَلَا أَنْ يَشْرَبَ بِشِمَالِهِ ) لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَفِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَالشُّرْبِ بِهَا نَهْيٌ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ وَالشُّرْبِ بِهَا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ ، فَمَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَوْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ ، وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَالِمٌ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ طَعَامُهُ ذَلِكَ وَلَا شَرَابُهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ نَهْيُ أَدَبٍ لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ . وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ أَنَّ مَا كَانَ لِي مِلْكًا فَنُهِيتُ عَنْهُ فَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْهُ تَأَدُّبٌ ، وَنَدْبٌ إِلَى الْفَضْلِ وَالْبِرِّ ، وَإِرْشَادٌ إِلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْفَضْلُ فِي الدِّينِ ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِي فَنُهِيتُ عَنْهُ ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ وَتَحْظِيرٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ الْيَمِينَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَالشِّمَالَ لِلِاسْتِنْجَاءِ . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْيَمِينِ ، كَمَا نَهَى أَنْ يُؤْكَلَ أَوْ يُشْرَبَ بِالشِّمَالِ ، وَمَا عَدَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالِاسْتِنْجَاءَ ، فَبِأَيِّ يَدَيْهِ فَعَلَ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ . إِلَّا أَنَّ التَّيَامُنَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّهُ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ ، وَيَرْغَبَ فِيهِ ، فَفِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَتْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَ : أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ، وَلِيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ، وَالشَّيْطَانُ الْمَقْصُودُ إِلَى ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْجِنِّ جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِهِمْ ، نَحْوَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى طَرِيقِ اتِّسَاعِ اللُّغَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ شَيَاطِينُ لِبُعْدِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : نَوَى شَطُونٌ أَيْ بَعِيدَةٌ ، قَالَ جَرِيرٌ : أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلِي وَكُنَّ يَهْوِينَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانًا وَقَالَ مَنْظُورُ بْنُ رَوَاحَةَ : فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ تَرَقَّصَتْ شَيَاطِينُ رَأْسِي وَانْتَشَيْنَ مِنَ الْخَمْرِ وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ : فَلَمَّا أَتَانِي مَا تَقُولُ مُحَارِبٌ بَعَثْتُ شَيَاطِينِي وَجُنَّ جُنُونُهَا وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ : إِنِّي وَكُلُّ شَاعِرٍ مِنَ الْبَشَرْ شَيْطَانُهُ أُنْثَى وَشَيْطَانِي ذَكَرْ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لِشَيَاطِينِ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْجِنِّ ، اسْمٌ لَازِمٌ لَهُمْ مِنْ أَسْمَائِهِمْ لِلصَّالِحِ مِنْهُمْ وَالطَّالِحِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ ، وَالْأَسْمَاءُ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا فَإِنَّمَا هِيَ عَلَى حِسَابِ مَا عَلَّمَهَا اللَّهُ آدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَاءُ عَلَامَاتٍ لِلْمُسَمَّيَاتِ . وَقَدْ حَمَلَ قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ ، فَقَالُوا فِي قَوْلِهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ : إِنَّ الْأَكْلَ بِالشِّمَالِ أَكْلٌ يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ ، كَمَا قَالَ فِي الْخَمْرَةِ زِينَةُ الشَّيْطَانِ ، وَفِي الِاقْتِعَاطِ بِالْعِمَامَةِ عِمَامَةُ الشَّيْطَانِ ، أَيْ : إِنَّ الْخَمْرَةَ وَمِثْلَ تِلْكَ الْعِمَّةِ يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ ، وَيَدْعُو إِلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ ، وَيُزَيِّنُهُ ، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلَا مَعْنَى لِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ إِذَا أَمْكَنَتْ فِيهِ الْحَقِيقَةُ بِوَجْهٍ مَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَكْلُ الشَّيْطَانِ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ تَشَمُّمٌ ، وَاسْتِرْوَاحٌ ، لَا مَضْغٌ ، وَلَا بَلْعٌ ، وَإِنَّمَا الْمَضْغُ وَالْبَلْعُ لِذَوِي الْجُثَثِ ، وَيَكُونُ اسْتِرْوَاحُهُ وَشَمُّهُ مِنْ جِهَةِ شِمَالِهِ ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ مُشَارِكًا فِي الْمَالِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ قَالُوا : الْإِنْفَاقُ فِي الْحَرَامِ ، ( وَالْأَوْلَادِ ) قَالُوا : الزِّنَا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ مِنَ الْجِنِّ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ فِي حَدِيثِ الِاسْتِنْجَاءِ : هِيَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ طَعَامَهُمْ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَمَا لَمْ يُغْسَلْ مِنَ الْأَيْدِي وَالصِّحَافِ ، وَشَرَابُهُمُ الْجَدَفُ ، وَهِيَ الرَّغْوَةُ وَالزَّبَدُ . وَهَذِهِ أَشْيَاءُ لَا تُدْرَكُ بِعَقْلٍ ، وَلَا تُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ ، وَإِنَّمَا فِيها التَّسْلِيمُ لِمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِنَا ، وَهُوَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجِنُّ كُلُّهُمْ يَأْكُلُونَ ، وَيَشْرَبُونَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بَعْضُهُمْ جِنْسٌ مِنْهُمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ السُّلَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّفَوِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : وَسُئِلَ عَنِ الْجِنِّ مَا هُمْ ؟ وَهَلْ يَأْكُلُونَ ، وَيَشْرَبُونَ ، وَيَمُوتُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ ؟ قَالَ : هُمْ أَجْنَاسٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ خَالِصُ الْجِنِّ فَهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ ، وَلَا يَشْرَبُونَ ، وَلَا يَتَوَالَدُونَ ، وَمِنْهُمْ أَجْنَاسٌ يَأْكُلُونَ ، وَيَشْرَبُونَ ، وَيَتَنَاكَحُونَ ، وَيَتَوَالَدُونَ ، وَيَمُوتُونَ ، وَمِنْهُمُ السَّعَالِي ، وَالْغُولُ ، وَالْقَطُوبُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، فَهَذَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ قَدْ قَالَ مَا تَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلِأَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ أَقَاوِيلُ فِي إِدْرَاكِ الْجِنِّ بِالْأَبْصَارِ ، وَفِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِنْسَانِ ، هَلْ هُمْ مُكَلَّفُونَ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ ، لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ ذَلِكَ ، وَهُمْ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ مُخَاطَبُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَقَوْلِهِ : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ وَقَوْلِهِ : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ، هَذَا مِمَّا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً الْجِنِّ ، وَالْإِنْسِ ، وَغَيْرُهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) ، وَالْجِنُّ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ يَنْزِلُونَ عَلَى مَرَاتِبَ : فَإِذَا ذَكَرُوا الْوَاحِدَ مِنَ الْجِنِّ خَالِصًا قَالُوا : جِنِّيٌّ ، فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ قَالُوا : عَامِرٌ ، وَالْجَمْعُ عُمَّارٌ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ قَالُوا : أَرْوَاحٌ ، فَإِنْ خَبُثَ وَتَعَرَّمَ فَهُوَ شَيْطَانٌ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَارِدٌ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ قَالُوا : عِفْرِيتٌ ، وَالْجُمَعُ عَفَارِيتٌ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَتَلَتْ جَانًّا ، فَأُوتِيَتْ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقِيلَ لَهَا : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلْتِ مُسْلِمًا ، قَالَ : فَقَالَتْ : إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلِمَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقِيلَ لَهَا : مَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ إِلَّا وَعَلَيْكِ ثِيَابُكِ ، فَأَصْبَحَتْ فَزِعَةً ، فَأَمَرَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَجُعِلَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانٌ أَيْضًا ، وَشِفَاءٌ فِي بَابِ صَيْفِيٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
1467 ( حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ مُرْسَلًا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا هَكَذَا مُرْسَلًا ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَحَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَجَعَلَ مَعَ حَرَامِ بْنِ سَعْدٍ ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَلَمْ يَصْنَعِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ شَيْئًا لِأَنَّهُ أَفَسَدَ إِسْنَادَهُ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِيهِ ، عَنْ أَبِيهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ : لَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ عَبْدَ الرَّزَّاقِ عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِيهِ . هَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يُتَابَعْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : لَمْ يُتَابَعْ مَعْمَرٌ عَلَى ذَلِكَ ، فَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْخَطَأَ فِيهِ مِنْ مَعْمَرٍ ، وَجَعَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَلَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ هَذَا ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَا غَيْرَ . ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : اجْتَمَعَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامٍ ، لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ إِلَّا مَعْمَرًا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِيهِ فِيمَا حَدَّثَنَا عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ جَمَعَ إِلَى حَرَامٍ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَمَحْفُوظٌ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا ، فَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَحَدَّثَ بِهِ الثِّقَاتُ ، وَاسْتَعْمَلَهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ ، وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ ، وَجَرَى فِي الْمَدِينَةِ بِهِ الْعَمَلُ ، وَقَدْ زَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَأَلْفَاهَا صِحَاحًا ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَحْتَجُّونَ بِهَا ، وَحَسْبُكَ بِاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ لِهَذَا الْحَدِيثِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَمَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابُّ مِنَ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهَا ، وَمَا كَانَ بِالنَّهَارِ فَلَا شَيْءَ عَلَى أَصْحَابِ الدَّوَابِّ ، وَيُقَوَّمُ الزَّرْعُ الَّذِي أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ ، قَالَ : وَالْحَوَائِطُ الَّتِي تُحْرَسُ وَالَّتِي لَا تُحْرَسُ سَوَاءٌ ، وَالْمُحَظَّرُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمُحَظَّرِ سَوَاءٌ ، يُغَرَّمُ أَهْلُهَا مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ بِاللَّيْلِ فَوَطِئَتْ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ لَمْ يُغَرَّمْ صَاحِبُهَا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْحَوَائِطِ وَالزَّرْعِ وَالْحَرْثِ . قَالَ : وَإِذَا تَقَدَّمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَلْبِ الضَّارِي أَوِ الْبَعِيرِ أَوِ الدَّابَّةِ ، فَمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَعَلَيْهِمْ غُرْمُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ فَهُوَ فِي مَالِ رَبِّهَا ، وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ قِيمَتِهَا ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ قِبَلِهِ إِذْ لَمْ يَرْبِطْهَا ، وَلَيْسَتِ الْمَاشِيَةُ كَالْعَبِيدِ ، حَكَاهُ سَحْنُونٌ ، وَأَصْبَغُ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالضَّمَانُ عَنِ الْبَهَائِمِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ أَهْلُهَا ، وَمَا أَفْسَدَتْ بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ عَنْهُ . قَالَ : وَالْوَجْهُ الثَّانِي : إِذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَأَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ فِيهَا أَوْ ذَنَبِهَا مِنْ كَسْرٍ وَجُرْحٍ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ مَنْعَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ مَنْ كُلِّ مَا تُتْلِفُ بِهِ أَحَدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ضَمَانِ مَا جَنَتْهُ الْبَهَائِمُ مُسْتَوْعَبًا كَافِيًا مُهَذَّبًا فِي بَابِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . فَأَمَّا فَسَادُ الزُّرُوعِ ، وَالْحَوَائِطِ ، وَالْكُرُومِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ النَّفْشَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند ذَكَرَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ فَجَازَ الِاقْتِدَاءُ بِكُلِّ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِنْ نَسْخٍ فِي الْكِتَابِ أَوْ سُنَّةٍ وَارِدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ ذَلِكَ ( تُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ ) فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ شَرِيعَتَنَا مُخَالِفَةٌ لِشَرِيعَتِهِمْ ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَا يَجِبُ الاحتمال عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، وَأَوْرَدْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهَا ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَضْمَنُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ كُلَّ مَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، وَلَا يَضْمَنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَ اللَّيْثُ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ الْجَانِي أَنَّهُ لَا يُفْتَكُّ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ جِنَايَتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَهَذَا ضَعِيفُ الْوَجْهِ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، فَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْهُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمَاشِيَةِ ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْهُ فِي شَاةٍ وَقَعَتْ فِي غَزْلِ حَائِكٍ بِالنَّهَارِ أَنَّهُ يَضْمَنُ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : تَصْحِيحُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الثَّوْرِيِّ : أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَهَا سَائِبَةً ضَمِنَ ، وَإِذَا أَرْسَلَهَا مَحْفُوظَةً لَمْ يَضْمَنْ بِاللَّيْلِ ، وَلَا بِالنَّهَارِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ وَالدَّابَّةِ ، لَا فِي لَيْلٍ ، وَلَا فِي نَهَارٍ ، وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ ، وَالسَّائِقِ ، وَالْقَائِدِ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى فِي إِرْسَالِهَا ، وَرَبْطِهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِبُ لَهُ رَبْطُهَا فِيهِ ، أَوْ يُعَنِّفُ عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ ، فَيَضْمَنُ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي بَعْضِ الْمَتْلَفَاتِ دُونَ بَعْضٍ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، وَصَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ مَعَ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَهُمْ يَرْوُونَ حَدِيثَ الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ ، وَعَنْهُمْ نُقِلَ ، وَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ إِلَّا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَكَيْفَ يَجْهَلُونَ مَعْنَاهُ ، وَهُمْ رُوَاتُهُ مَعَ عِلْمِهِمْ وَمَوْضِعِهِمْ مِنَ الْفِقْهِ وَالْفَهْمِ ، هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ ذُو فَهْمٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ فِيمَا تُفْسِدُهُ أَوْ تَجْنِي عَلَيْهِ لَا فِي لَيْلٍ ، وَلَا فِي نَهَارٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا : أَنَّ الذِّمَّةَ بَرِيئَةٌ لَا يَثْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِمَا لَا مِدْفَعَ فِيهِ ، وَجَعَلُوا حَدِيثَ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَلَيْسَ كَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّعَارُضَ فِي الْآثَارِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِنَفْيِ الْآخَرِ ، وَحَدِيثُ الْعَجْمَاءِ جُرْحُهَا جُبَارٌ مَعْنَاهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَمْ يَخُصَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ ، وَتَبْقَى لَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ جَاءَ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ نَهَارًا لَا لَيْلًا ، وَفِي الزَّرْعِ ، وَالْحَوَائِطِ ، وَالْحَرْثِ دُونَ غَيْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُسْتَحِيلًا مِنَ الْقَوْلِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا مُتَعَارِضٌ ، وَإِنَّمَا الْمُتَعَارِضُ وَالْمُتَضَادُّ الْمُتَنَافِي الَّذِي لَا يَثْبُتُ بَعْضُهُ إِلَّا بِنَفْيِ بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ ، وَالْمُفَسَّرِ ، وَمِنْ بَابِ الْعُمُومِ ، وَالْخُصُوصِ ، وَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَالْفَرْقُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْعَجْمَاءِ ، وَبَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ الْعَجْمَاءُ لَيْلًا مِنَ الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ ، وَبَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ نَهَارًا ، أَنَّ أَهْلَ الْمَوَاشِي بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى إِرْسَالِ مَوَاشِيهِمْ لِتَرْعَى بِالنَّهَارِ ، وَلِأَهْلِ الزَّرْعِ حُقُوقٌ فِي أَنْ لَا تُتْلِفَ عَلَيْهِمْ زُرُوعَهُمْ ، وَالْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ لَهُ الزَّرْعُ يَتَعَاهَدُهُ بِالنَّهَارِ ، وَيَحْفَظُهُ عَمَّنْ أَرَادَهُ ; لِانْتِشَارِ الْبَهَائِمِ لِلرَّعْيِ وَغَيْرِهِ ، فَجُعِلَ حِفْظُ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعَاشِ ، وَالرَّعْيِ ، وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ ، وَإِرْسَالِ الدَّوَابِّ ، وَالْمَوَاشِي ، وَإِذَا أَتْلَفَتْ بِالنَّهَارِ مِنَ الزَّرْعِ شَيْئًا فَصَاحِبُ الزَّرْعِ إِنَّمَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَحْفَظْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَحْفَظُونَهُ فِيهِ مِمَّنْ أَرَادَهُ ; إِذْ لَوْ مُنِعَ النَّاسُ مِنْ تَرْكِ مَوَاشِيهِمْ لِلرَّعْيِ مِنْ أَجْلِ الزَّرْعِ لَلَحِقَتْهُمْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ ، وَمَشَقَّةٌ ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَقَدْ جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يَرْجِعُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَوْضِعِهِ ، وَيَرْجِعُ أَهْلُ الزَّرْعِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، وَيَرُدُّ أَهْلُ الْمَاشِيَةِ مَاشِيَتَهُمْ إِلَى مَوَاضِعِهِمْ لِيَحْفَظُوهَا فِيهَا ، فَإِذَا تَرَكُوهَا لَيْلًا حَتَّى أَفْسَدَتْ ، فَالْجِنَايَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاشِيَ لَا مِنْ أَهْلِ الزَّرْعِ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَحْفَظُونَ زُرُوعَهُمْ بِاللَّيْلِ لِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَعِلْمِهِمْ أَنَّ الْمَوَاشِيَ بِاللَّيْلِ تُرَدُّ إِلَى أَمَاكِنِهَا ، فَإِذَا فَرَّطَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ فِي رَدِّهَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، أَوْ فَرَّطَ فِي ضَبْطِهَا وَحَبْسِهَا عَنِ الِانْتِشَارِ بِاللَّيْلِ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ ضَالَّةً أَوْ نَافِرَةً فَلَا يَتَهَيَّأُ لِصَاحِبِهَا ضَمُّهَا ، وَلَا رَدُّهَا إِلَى مَكَانِهَا ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ مَا أَتَلَفَتْ بِاللَّيْلِ ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا أَتَلَفَتْ بِالنَّهَارِ ، وَأَمَّا السَّائِقُ ، وَالرَّاكِبُ ، وَالْقَائِدُ ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى مَا أَتَلَفَتْ بِاللَّيْلِ ; لِأَنَّ الرَّاكِبَ يَتَهَيَّأُ لَهُ حِفْظُ الدَّابَّةِ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا ، وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ سَائِقُهَا ، وَقَائِدُهَا ، وَالْأَغْلَبُ أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَكِبُوا أَوْ سَاقُوا أَوْ قَادُوا مَنَعُوا الدَّابَّةَ مِمَّا أَرَادَتْ مِنْ إِتْلَافٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَإِنَّمَا أُوتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ فَعَلَيْهِمُ الضَّمَانُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ قَدْ غَلَبَتِ الرَّاكِبَ أَوِ الْقَائِدَ أَوِ السَّائِقَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَلَا ضَمَانَ يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَنْ حِفْظِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ . وَخَبَرُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ هَذَا فِي طَرْحِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْلِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَتْلَفَتْ مَاشِيَتُهُمْ مِنْ زُرُوعِ النَّاسِ نَهَارًا ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أُطْلِقَتْ لِلرَّعْيِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تَرْعَى ، وَمَعَهَا صَاحِبُهَا فَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ زَرْعِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ حَتَّى أَتْلَفَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَنْعِهَا ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الرَّاكِبِ ، وَالسَّائِقِ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ . وَبِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : أَنَّ نَاقَةً دَخَلَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَذَهَبَ أَصْحَابُ الْحَائِطِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ نَهَارًا ( بِمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِالنَّهَارِ ) ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ حِفْظُ مَاشِيَتِهِمْ بِاللَّيْلِ ، وَعَلَيْهِمْ مَا أَفْسَدَتْهُ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ شَاةً وَقَعَتْ فِي غَزْلِ حَائِكٍ فَاخْتَصَمُوا إِلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : انْظُرُوهُ ، فَإِنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ ألَيْلًا وَقَعَتْ فِيهِ أَمْ نَهَارًا ؟ فَفَعَلَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ ضَمِنَ ، وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنْ ، ثُمَّ قَرَأَ شُرَيْحٌ : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ قَالَ : فَالنَّفْشُ بِاللَّيْلِ ، وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : النَّفْشُ بِاللَّيْلِ ، وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنَا أَنَّ حَرْثَهُمْ كَانَ عِنَبًا . قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَكُمُ الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَحَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَ أَمْوَالِهِمْ بِالنَّهَارِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَفْسَدَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ ، أَوْ قَالَ : مَا أَصَابَتْ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانَتْ لَنَا نَاقَةٌ ضارية فدَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَكُلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ عَبْدَ الرَّزَّاقِ عَلَى رِوَايَتِهِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثُ : كَانَتْ لَنَا نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ ، وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًا لِمَنْ فَرَّقَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الضَّارِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَلَا صَحِيحِ النَّظَرِ ، وَأَمَّا مَنْ تُقُدِّمَ إِلَيْهِ بِالنَّهْيِ فَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ كَفِّ عَادِيَةٍ ضَارِيَةٍ ، فَمِنْ قِبَلِهِ أُتِيَ لَا مِنْ قِبَلِ ضَارِيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ حَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ ) وَاسْمُهُ حَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ مَنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، لِجَدِّهِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّحَابَةِ . وَحَرَامٌ هَذَا يُكْنَى أَبَا سَعْدٍ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ قَلِيلُ الرِّوَايَةِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ . 1823 ( حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ : أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ ، فَنَهَاهُ عَنْهَا ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ لَهُ : اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ يَعْنِي رَقِيقَكَ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يَعْنِي عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَذَلِكَ مِنَ الْغَلَطِ الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ لِسَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ صُحْبَةٌ ، فَكَيْفَ لِابْنِهِ حَرَامٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثَ نَاقَةِ الْبَرَاءِ هُوَ حَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ نَافِعٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَالْحَدِيثُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ مُرْسَلٌ ، قَالَ يَحْيَى : نُضَّاحُكُ : يَعْنِي رَقِيقَكَ ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : نَاضِحُكَ رَقِيقُكَ ، وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى سَوَاءً ، وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ : نُضَّاحُكَ وَرِقِيقُكَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : النُّضَّاحُ الرَّقِيقُ ، وَيَكُونُ فِي الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْخَلِيلُ فَقَالَ : النَّاضِحُ الْجَمَلُ يُسْقَى عَلَيْهِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فَاتَّفَقَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى أَنْ قَالُوا فِيهِ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَزِيدُوا ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّ أَبَاهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَرَاجِ الْحَجَّامِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ : أَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ ، وَاعْلِفْهُ نَاضِحَكَ . ( هَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ مُحَيِّصَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ : فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِهِ فَنَهَاهُ أَنْ يَأْكُلَ كَسْبَهُ ثُمَّ عَادَ فَنَهَاهُ ثُمَّ عَادَ فَنَهَاهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهُ حَتَّى قَالَ لَهُ : اعْلِفْ كَسْبَهُ نَاضِحَكَ ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُحَيِّصَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وُجَوَّدَ إِسْنَادَهُ . وَقَالَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو ظَبْيَةَ لَمْ يُسَمِّهِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ . وَلَا يَتَّصِلُ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلُهَا ، وَسَائِرُهَا مُرْسَلَاتٌ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ : نَافِعٌ أَبُو ظَبْيَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهُ ، فَرَدَّدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اعْلِفْ بِهِ النَّاضِحَ ، اجْعَلْهُ فِي كِرْشِهِ . عِنْدَ اللَّيْثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ أَسَانِيدَ ) قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَمَعْنَى حَدِيثِ مُحَيِّصَةَ هَذَا التَّنَزُّهُ لَا التَّحْرِيمُ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى ثَوَابٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ قَبْلَ الْعَمَلِ ، فَأَشْبَهَ الْإِجَارَةَ الْمَجْهُولَةَ مِنْ نَاحِيَةٍ لِمَا عَسَى أَنْ لَا تَطِيبَ بِهِ نَفْسُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْعِوَضِ ، وَمِنْ هَاهُنَا كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ يُرْضُونَ الْحَجَّامِينَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي بَابِ حُمَيْدٍ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ كسب الْحَجَّامِ فَقَالَ : لَقَدِ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ كسب الْحَجَّامِ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : إِنَّ لِي غُلَامًا حَجَّامًا ، وَإِنَّ أَهَّلَ الْعِرَاقِ يَزْعُمُونَ أَنِّي آكُلُ ثَمَنَ الدَّمِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَذَبُوا إِنَّمَا تَأْكُلِينَ خَرَاجَ غُلَامِكِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ : كَانَ لِلْحَجَّامِينَ سُوقٌ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ اللَّيْثُ : قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يُقِرُّونَ بِأُجْرَةِ الْحَجَّامِ ، وَلَا يُنْكِرُونَهَا ) .
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ حَدِيثَانِ ) أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمَا جَمِيعًا مُرْسَلَانِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : وَلَدُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَفَضَالَةُ ، وَوَهْبٌ ، وَمَعْبَدٌ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : هُمْ خَمْسَةٌ : عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ، وَمَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : فَسَمِعَ الزُّهْرِيُّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ حِينَ عَمِيَ ، وَسَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ ، وَسَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ قَائِدِ كَعْبٍ ، وَرَوَى عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ وَلَا أَرَاهُ سَمِعَ مِنْهُ . 566 ( حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ . لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِنْ أَفْضَلِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ بَيَانُ سَمَاعِ الزُّهْرِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ( عَنْ أَبِيهِ . فَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ) . وَرَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ جَعَلُوا الْحَدِيثَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ جَدِّهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ . وَذَكَرَ أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَعُقَيْلٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبٍ لَمْ يَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَذَكَرَهُ اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ كُلُّ هَذَا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هَذَا ، وَهُوَ الَّذِي يُشْبِهُ حَدِيثَ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَشُعَيْبٍ ، وَابْنِ أَخِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا وَجْهَ عِنْدِي لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَاتِّفَاقُ مَالِكٍ ، وَيُونُسَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَالنَّفْسُ إِلَى قَوْلِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ أَمْيَلُ وَأَسْكَنُ ، وَهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ بِحَيْثُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ، وَالنَّسَمَةُ هَاهُنَا الرُّوحُ ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ : حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقِيلَ : النَّسَمَةُ : النَّفْسُ ، وَالرُّوحُ ، وَالْبَدَنُ ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَعْنِي النَّسَمَةَ الْإِنْسَانُ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِنْسَانِ نَسَمَةٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ; لِأَنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ بِرُوحِهِ فَإِذَا فَارَقَتْهُ عُدِمَ أَوْ صَارَ كَالْمُعْدَمِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّسَمَةَ الْإِنْسَانُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ قَالَ الشَّاعِرُ : بِأَعْظَمِ مِنْكَ يَقِي فِي الْحِسَابِ إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا يَعْنِي إِذَا بُعِثَ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : النَّسَمَةُ الْإِنْسَانُ ، قَالَ : وَالنَّسَمُ نَفْسُ الرُّوحِ ، وَالنَّسِيمُ هُبُوبُ الرِّيحِ ، وَقَوْلُهُ : تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ يُرْوَى بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ ، وَيُرْوَى بِضَمِّ اللَّامِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْأَكْلُ وَالرَّعْيُ ، يَقُولُ : تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتَرْعَى وَتَسْرَحُ بَيْنَ أَشْجَارِهَا ، وَالْعَلُوقَةُ وَالْعَلَاقُ وَالْعَلُوقُ : الْأَكْلُ وَالرَّعْيُ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ : مَا ذَاقَ الْيَوْمَ عَلُوقًا أَيْ طَعَامًا ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ يَصِفُ الْخَيْلَ : ( وَمُجَنَّبَاتٍ لَا يَذُقْنَ عَلُوقَةً يَمْصَعْنَ بِالْمَهَرَاتِ وَالْأَمْهَارِ ) يَعْنِي : مَا يَرْعَيْنَ وَلَا يَذُقْنَ شَيْئًا ، قَالَ الْأَعْشَى : وَفَلَاةٍ كَأَنَّهَا ظَهْرُ تُرْسٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّبِيعَ عَلَاقُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ شُهَدَاءً كَانُوا ، أَمْ غَيْرَ شُهَدَاءٍ ، إِذَا لَمْ يَحْبِسْهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ كَبِيرَةٌ وَلَا دَيْنٌ ، وَتَلَقَّاهُمْ رَبُّهُمْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَبِالرَّحْمَةِ لَهُمْ . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَخُصَّ فِيهِ مُؤْمِنًا شَهِيدًا مِنْ غَيْرِ شَهِيدٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَبْرَارِ فِي عِلِّيِّينَ ، وَأَرْوَاحَ الْفُجَّارِ فِي سِجِّينٍ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ . وَهَذَا قَوْلٌ يُعَارِضُهُ مِنَ السُّنَّةِ مَا لَا مَدْفَعَ فِي صِحَّةِ نَقْلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ : هَذَا مِقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْأَثَرِ فِي بَابِ نَافِعٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشُّهَدَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ ، وَالسُّنَّةَ لَا يَدُلَّانِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الْآيَةَ . وَأَمَّا الْآثَارُ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . وَمِنْهَا ما حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّهَدَاءُ يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَكُونُ مَأْوَاهُمْ إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : هَلْ تَعْلَمُونَ كَرَامَةً أَفْضَلَ مِنْ كَرَامَةٍ أُكْرِمْتُمُوهَا ؟ ؟ فَيَقُولُونَ : لا غير أنَّا وَدِدْنَا أَنَّكَ أَعَدْتَ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقَاتِلَ مَرَّةً أُخْرَى فِي سَبِيلِكَ . وَذَكَرَ بَقِيُّ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . قَالَ بَقِيُّ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُذَلَّلَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ، وَمَشْرَبِهِمْ ، وَمَقِيلِهِمْ ، قَالُوا : مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ ، لِئَلَّا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ ، وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ ، قَالَ : فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( قَالَ بَقِيٌّ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْنَاهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّا فَقَدَ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ ، أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ ، قَالُوا : فَلَمَّا رَأَوْا أنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ قَالُوا : نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تَرَكَهُمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ ، وَلَوْلَا عَبْدُ اللَّهِ مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ ، قَالَ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى قَنَادِيلِهَا ، فَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا رَبُّهَا فَيَقُولُ : مَاذَا تُرِيدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَنُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى . وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ إِلَى آخِرِهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَشُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَذِكْرُ أَبِي الضُّحَى فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدِي خَطَأٌ ، وَأَظُنُّ الْوَهْمَ فِيهِ مِنِ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ بَقِيٌّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ تَجُولُ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَجَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَيْسَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَكِنْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِهَا فَيَجِدُونَ رِيحَهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَالُوا : يُرْزَقُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ فَيَجِدُونَ رِيحَهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي صُورَةِ طَيْرٍ بِيضٍ ، يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ . ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الشَّرِيفِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو ، قَالَ : الْجَنَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الشَّمْسِ ، تَنْشُرُهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ كَالزَّرَازِيرِ يَتَعَارَفُونَ ، وَيُرْزَقُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ السَّلَفِ مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا فِي هَذَا الْبَابِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَفِي بَعْضِهَا فِي صُورَةِ طَيْرٍ ، وَفِي بَعْضِهَا فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ ، وَفِي بَعْضِهَا كَطَيْرٍ ، وَالَّذِي يُشْبِهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : كَطَيْرٍ أَوْ كَصُوَرِ طَيْرٍ ; لِمُطَابَقَتِهِ لِحَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ نَظَرٍ ، وَلَا قِيَاسٍ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَإِنَّمَا نُسَلِّمُ فِيهِ لِمَا صَحَّ مِنَ الْخَبَرِ عَمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . ( رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : كَطَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ . وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الشُّهَدَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ) . وَلِلنَّاسِ أَقَاوِيلُ فِي مُسْتَقَرِّ الْأَرْوَاحِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ ، سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَأَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الشُّهَدَاءِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . وَجَاءَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ فِي صِفَةِ أَحْوَالِ الشُّهَدَاءِ وَطَعَامِهِمْ فِي الْجَنَّةِ أَقَاوِيلُ غَيْرُ هَذِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا ، وَمَا يُطَابِقُهُ ، وَيُضَاهِيهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَفَنِيَةِ قُبُورِهِمْ ، وَكَانَ ابْنُ وَضَّاحٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَمَالَ إِلَى الْحَدِيثِ : اذْهَبُوا بِرُوحِهِ - يَعْنِي الْمُؤْمِنَ - إِلَى عِلِّيِّينَ ، وَقَالَ فِي الْكَافِرِ : اذْهَبُوا بِرُوحِهِ إِلَى سِجِّينٍ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرْضِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَبَابِ الْعَلَاءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
980 ( حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مُرْسَلٌ ) حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ قَالَ : فَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ : بَرَّحَتْ بِنَا امْرَأَةُ أَبِي الْحُقَيْقِ بِالصِّيَاحِ ، فَأَرْفَعُ عَلَيْهَا السَّيْفَ ثُمَّ أَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكُفُّ ، وَلَوْلَا ذَاكَ اسْتَرَحْنَا مِنْهَا . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو الْمُصْعَبِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، لَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللَّهِ ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَلَا حَسِبْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ، وَجَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلًا عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ ، لَمْ يُسْنِدْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَلَا عَلِمْتُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي كُلِّ رِوَايَةٍ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ رُوَاتِهِ إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ حِينَ خَرَجُوا إِلَيْهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّوَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ حِينَ خَرَجُوا إِلَيْهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ : بَرَّحَتْ بِنَا امْرَأَةُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِالصِّيَاحِ ، فَأَرْفَعُ السَّيْفَ ثُمَّ أَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكُفُّ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ اسْتَرَحْنَا مِنْهَا . فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِيهِ ، فَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَجَعَ ابْنُ عَتِيكٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ بِخَيْبَرَ ، قَالَ اللَّيْثُ : وَحَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ السُّلَمِيُّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النَّفَرَ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَنْ عُقَيْلٍ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ( وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) قَالَ : كَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مُرْسَلًا . هَكَذَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ النَّفَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِخَيْبَرَ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ : لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً . كَمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ : فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ إِدْرِيسَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ، وَنَهَى أَنْ يُقْتَلَ وَلِيدٌ صَغِيرٌ أَوِ امْرَأَةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَقَدْ أَعْضَلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ وَقَلَبَ الْإِسْنَادَ وَالْمَتْنَ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي الْمُتْعَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ حَدِيثَ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ أَيْضًا فِي قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، وَأَصَابَ بَعْضَ الْإِسْنَادِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : هَكَذَا حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مُخْتَصَرًا فِي عَقِبِ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ . وَحَدَّثَنَا مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : إِنَّ كَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَا يَتَصَاوَلَانِ فِي الْإِسْلَامِ كَتَصَاوُلِ الْفَحْلَيْنِ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَمَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْمُدَّبِرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَرِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ . وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، وَالصِّبْيَانِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى زَمَنَ خَيْبَرَ عَنْ أَنْ يُقْتَلَ وَلِيدٌ صَغِيرٌ أَوِ امْرَأَةٌ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الرَّهْطَ ، هَكَذَا مُرْسَلًا . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الرَّهْطَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ لِيَقْتُلُوهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، وَالْوِلْدَانِ . فَاتَّفَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَمِّعٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، على عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مُجَمِّعٍ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَدِيثُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا لِأَنَّ مَعْمَرًا ، وَابْنَ عُيَيْنَةَ لَمْ يُسَمِّيَاهُ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ ، وَشَكَّ مَالِكٌ فِي اسْمِهِ فَقَالَ : أَحْسَبُ وَقَالَ يُونُسُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ : من غير شَكَّ ، وَقَالَ عُقَيْلٌ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ : وَاتَّفَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ يُسَمَّى سَلَّامٌ ، وَيُكْنَى أَبَا رَافِعٍ ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ عَلَى نَحْوِ قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَفِي قِصَّتِهِ ، وَقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ إِبَاحَةُ الْفَتْكِ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ ، وَأَنَّ مَنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا ذِمَّةَ لَهُ ، وَدَمُهُ هَدَرٌ ، وَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآذَاهُ ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَتْلَ الذِّمِّيِّ بِذَلِكَ يَقُولُ : إِنَّ ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَكَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَا حَرْبًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذِمَّةٌ . وَأَمَّا قِصَّةٌ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ابْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَوَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : إِنَّ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَا يَتَصَاوَلَانِ فِي الْإِسْلَامِ كَتَصَاوُلِ الْفَحْلَيْنِ ، لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا إِلَّا قَالَتِ الْخَزْرَجُ : وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهِ أَبَدًا فَضْلًا عَلَيْنَا فِي الْإِسْلَامِ ( زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا صَنَعَتِ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصَابَتِ الْأَوْسُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ زَادَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتِ الْخَزْرَجُ : وَاللَّهِ لَا نَنْتَهِي حَتَّى نُجْزِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي أَجْزَءُوا فَتَذَاكَرُوا رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : مَنْ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَدَاوَةِ كَابْنِ الْأَشْرَفِ فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ ثم اتفقا ، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ . وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ : وَهُوَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الْأَعْوَرُ أَبُو رَافِعٍ بِخَيْبَرَ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَلَا امْرَأَةً ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَزْرَجِ رَهْطٌ مِنْ بَنِيَ سَلِمَةَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتِيكٍ أَحَدُ بَنِيَ سَلِمَةَ ، وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ ، أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ ، وَأَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ ، وَخُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدٍ - رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ حَلِيفٌ لَهُمْ يَعْنِي الْخَزْرَجَ - حَتَّى أَتَوْا خَيْبَرَ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ عَمَدُوا إِلَى كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا فَغَلَّقُوهُ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَهْلِهِ ثُمَّ اشْتَدُّوا . هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ أَتَوْا دَارَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ لَيْلًا ، فَلَمْ يَدَعُوا بَيْتًا فِي الدَّارِ إِلَّا أَغْلَقُوهُ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَهْلِهِ ، قَالَ : وَكَانَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ ، إِلَيْهَا عَجَلَةٌ قَالَ : فَاشْتَدُّوا فِيهَا حَتَّى قَامُوا عَلَى بَابِهِ ، فَاسْتَأْذَنُوا فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمُ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَاسٌ أَوْ نَفَرٌ مِنَ الْعَرَبِ أَرَدْنَا الْمِيرَةَ ، فَقَالَتْ : هَذَا الرَّجُلُ صَاحِبُكُمْ فَادْخُلُوا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أَغْلَقُوا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الْبَابَ ، ثُمَّ ابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ ، قَالَ : يَقُولُ قَائِلُهُمْ : وَاللَّهِ مَا دَلَّنَا عَلَيْهِ إِلَّا بَيَاضُهُ عَلَى الْفِرَاشِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ، كَأَنَّهُ قِبْطِيَّةٌ مُلْقَاةٌ ، قَالَ : وَصَاحَتْ بِنَا امْرَأَتُهُ قَالَ : فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَّا السَّيْفَ لِيَضْرِبَهَا ثُمَّ يَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُفُّ يَدَهُ ، قَالَ : وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَرَغْنَا مِنْهَا بِلَيْلٍ ، قَالَ : فَلَمَّا ضَرَبْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا ، تَحَامَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَبْقَرَهُ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : قِطِّي قِطِّي أَيْ حَسْبِي حَسْبِي ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : فَجَعَلَ يَقُولُ : بَطْنِي بَطْنِي ثَلَاثًا ، ثُمَّ اتفقا ، قال : ثم خَرَجْنَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ سَيِّئَ الْبَصَرِ فَوَقَعَ مِنْ فَوْقِ الْعَجَلَةِ ، فَوَثبتْ رِجْلُهُ وَثْبا مُنْكَرًا ، فَنَزَلْنَا وَاحْتَمَلْنَاهُ ، هَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : سَيِّئَ الْبَصَرِ فَوُثِبتْ يَدُهُ وَثْبا شَدِيدًا فَاحْتَمَلْنَاهُ ، ثم اتفقا بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ حَتَّى أَتَيْنَا مَنْهَرَ عَيْنٍ مِنْ عُيُونِهِمْ فَدَخَلْنَا فِيهِ ، قَالَ : وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ ، وَأَشْعَلُوهَا فِي السَّعَفِ ، وَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ وَيَشْتَدُّونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ ، وَيَطْلُبُونَ ، وَأَخْفَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَنَا ، فَلَمَّا يَئِسُوا رَجَعُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ فَاكْتَنَفُوهُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : أَنَذْهَبُ ، وَلَا نَدْرِي أَمَاتَ عَدُوُّ اللَّهِ أَمْ لَا ؟ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَّا فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ تَبْكِيهِ ، وَفِي يَدِهَا الْمِصْبَاحُ ، وَحَوْلَهُ رِجَالٌ يَهُودٌ ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَفِي يَدِهَا الْمِصْبَاحُ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ، وَتُحَدِّثُهُمْ ، وَتَقُولُ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ ثُمَّ اتَّفَقَا ثُمَّ أَكْذَبْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ وَأَيْنَ ابْنُ عَتِيكٍ بِهَذِهِ الْبِلَادِ ؟ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَتْ : فَاظَ وَإِلَهَ يَهُودَ ، قَالَ : فَمَا سَمِعْتُ كَلِمَةً كَانَتْ أَلَذَّ إِلَى نَفْسِي مِنْهَا ، قَالَ مَعْمَرٌ فِي حَدِيثِهِ : ثُمَّ جِئْتُ فَأَخْبَرْتُ أَصْحَابِي أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، فَاحْتَمَلْنَا صَاحِبَنَا فَجِئْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ جَاءَنَا فَأَخْبَرَنَا الْخَبَرَ ، فَاحْتَمَلْنَا صَاحِبَنَا فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ ، وَاخْتَلَفْنَا عِنْدَهُ فِي قَتْلِهِ ، كُلُّنَا يَدَّعِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَاتُوا أَسْيَافَكُمْ ، قَالَ : فَجِئْنَاهُ بِهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : لِسَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ هَذَا قَتَلَهُ ، رَأَى فِيهِ أَثَرَ الطَّعَامِ . قَالَ مَعْمَرٌ : جَاؤوهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ : أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَذْكُرُ قَتْلَ ابْنَ الْأَشْرَفِ ، وَقَتْلَ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ : لِلَّهِ دُرُّ عِصَابَةٍ لَاقَيْتَهُمْ يَا ابْنَ الْحُقَيْقِ وَأَنْتَ يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إِلَيْكُمُ مَرَحًا كَأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مِغْرَفِ حَتَّى أَتَوْكُمْ فِي مَحَلِّ بِلَادِكُمْ فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبَيْضٍ دُفَّفِ مُسْتَنْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ مُحَمَّدٍ مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُجْحِفِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَالدُّفَفُ الْخِفَافُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بُكَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الرَّازِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجُعِلَ الصَّغَارُ وَالذِّلَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي . أَبُو الْمُنِيبِ الْجُرَشِيُّ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، يَرْوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ الشَّامِيُّ ، وَحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، وَأَبُو الْيَمَانِ ، وَمُجَاهِدُ بْنُ فَرْقَدٍ الصَّنْعَانِيُّ ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ قِصَّةُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَأَخَّرْنَا الْقَوْلَ فِي حُكْمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ ، إِلَى آخِرِ بَابِ حَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( ابْنُ شِهَابٍ عَنْ ابن أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ) اخْتُلِفَ فِي اسْمِ ابْنِ أُكَيْمَةَ هَذَا فَقِيلَ عِمَارَةُ بْنُ أُكَيْمَةَ ، وَقِيلَ عُمَرُ بْنُ أُكَيْمَةَ ، وَقِيلَ عَمْرٌو ، وَقِيلَ عَامِرٌ ، وَقِيلَ عَمَّارٌ ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، يُكْنَى أَبَا الْوَلِيدِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِئَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : حَسْبُكَ بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : زَعَمَ مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ أُكَيْمَةَ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أُكَيْمَةَ ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا عَبَّادُ بْنُ أُكَيْمَةَ فَإِنْ صَحَّ فَحَسْبُكَ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى جَلَالَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسَعِيدٌ يُصْغِي إِلَى حَدِيثِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعِيدٌ أَجَلُّ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِهِ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَإِلَى حَدِيثِهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى جَلَالَتِهِ عِنْدَهُمْ ، وَثِقَتِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 194 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ، قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْمَقَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْخَفَّافُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّاهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَزَادَ فِيهِ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا قِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ ) . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي مَوْضِعِ ابْنِ أُكَيْمَةَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَذَلِكَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِابْنِ أُكَيْمَةَ . وَإِنَّمَا دَخَلَ الْوَهْمُ فِيهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّ ذِكْرَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ لَا شَكَّ عِنْدَهُمْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَهَذَا وَجْهُ ذِكْرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، لَا أَنَّهُ فِي الْإِسْنَادِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ : هَلْ قَرَأَ مِنْكُمْ مَعِي أَحَدٌ ؟ قَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ أَنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَقُولُ مَا بَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ السَّرَّاجِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً نَظُنُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ . فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَى قَوْلِهِ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ هَذَا : قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَانْتَهَى النَّاسُ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ سُفْيَانُ ، وَتَكَلَّمَ الزُّهْرِيُّ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَسْمَعْهَا فَقَالَ مَعْمَرٌ : إِنَّهُ قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَانْتَهَى حَدِيثُهُ إِلَى قَوْلِهِ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ : وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَاتَّعَظَ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ مَعَهُ فِيمَا جَهَرَ بِهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ : قَوْلُهُ فَانْتَهَى النَّاسُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَى قَوْلِهِ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ، لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَأَبُو أُوَيْسٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً . وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ : فَانْتَهَى النَّاسُ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّازِقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَمَا سَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ : هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقِرَاءَةَ ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ الْكِنَانِيِّ ثُمَّ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَمَا سَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي آنِفًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَهَرَ بِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَقُولُونَ : إِنَّ سَمَاعَ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَانَ وَاحِدًا بِعَرْضٍ وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نُقِلَ ، وَجَاءَ النَّاسُ بِهِ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ إِمَامُهُ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُ لَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ . وَهَذَا مَوْضُوعٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ( نَذْكُرُهَا ، وَنُبَيِّنُ وُجُوهَهَا بِعَوْنِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) . فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا يَقْرَأُ لَا فِيمَا أَسَرَّ ، وَلَا فِيمَا جَهَرَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ ، وَلَا يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا ، وَسَنُبَيِّنُ أَقْوَالَهُمْ وَاعْتِلَالَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنُبَيِّنُ الْحُجَّةَ لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ وَعَلَيْهِمْ بِمَا يَحْضُرُنَا ذِكْرُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ ، وَلَا يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ شِهَابٍ وَقَتَادَةَ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ : إِنْ سَمِعَ لَمْ يَقْرَأْ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ قَرَأَ ، وَمِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ مَنْ قَالَ : لَا يَقْرَأُ فِيمَا قَرَأَ إِمَامُهُ وَجَهَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَقْرَأُ ، وَأَوْجَبُوا كُلُّهُمُ الْقِرَاءَةَ فِيمَا إِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمُ الْقِرَاءَةُ فِي مَا أَسَرَّ الْإِمَامُ دُوَنَ مَا جَهَرَ . وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ كَانَ يَقُولُهُ بِالْعِرَاقِ ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . فَمِنَ الْحُجَّةِ لمن ذهب هذا المذهب قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَوْجَبَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الِاسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ جَهَرَ إِمَامُهُ بِالْقِرَاءَةِ لِيَسْمَعَ الْقِرَاءَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ دُونَ صَلَاةِ السِّرِّ ; لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ مَنْ لَا يَجْهَرُ إِمَامُهُ ، وَكَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَكُونَ مُنَازَعَةُ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ ; لِأَنَّ الْمُسِرَّ إِنَّمَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِي أُنَازَعُ الْقِرَاءَةَ يُضَاهِي وَيُطَابِقُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مَعْنٍ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ ( قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ) قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَنْجَرْسِيِّ ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ : فَقُلْتُ لِأَبِي عِيَاضٍ : لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ أَلَّا يَسْتَمِعَ ، قَالَ : لَا . إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ شِئْتَ اسْتَمَعْتَ ، وَأَنْصَتَّ ، وَإِنْ شِئْتَ مَضَيْتَ وَلَمْ تَسْمَعْ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفْقَهَ مِنْ أَبِي عِيَاضٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الْأَحْمَرُ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : أَتَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : أَلَا تَفْقَهُونَ ؟ مَا لَكُمْ لَا تَعْقِلُونَ ؟ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ : أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ ، فَإِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا ، وَسَيَكْفِيكَ ذَلِكَ الْإِمَامُ ، قَوْلُهُ أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجَهْرِ دُونَ الَسِّرِّ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ ، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قَالَ : فِي الصَّلَاةِ . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ مِثْلُهُ ، إِلَّا أَنَّ مُجَاهِدًا زَادَ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : وَجَبَ الْإِنْصَاتُ فِي اثْنَتَيْنِ ، فِي الصَّلَاةِ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ ، وَفِي الْخُطْبَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ . وَسُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا ، وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ سَوَاءً . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَحَدَّثَنَا جُبَيْرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قَالَا : فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ ، قَالَ قَتَادَةُ : الْإِنْصَاتُ بِاللِّسَانِ ، وَالِاسْتِمَاعُ بِالْأُذُنَيْنِ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ يَفْقَهُوهُ حَتَّى يُنْصِتُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَةِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا جَهَرَ إِمَامُهُ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ مَعَهُ بِشَيْءٍ ، وَأَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ وَيُنْصِتَ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ مَخْصُوصٌ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ وَحْدَهُ ، إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَمَا عَدَا هَذَا الْمَوْضُوعَ وَحْدَهُ ، فَعَلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ وَتَقْدِيرِهِ : لَا صَلَاةَ يَعْنِي لَا رَكْعَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، إِلَّا لِمَنْ صَلَّى خَلَفَ إِمَامٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِعُ ، وَيُنْصِتُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشُعَيْبٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . وَسَنَذْكُرُ الدَّلَائِلَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا رَكْعَةَ فِي بَابِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِهِ الْعَوْنُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ . وَالدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى خُصُوصِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ، وَقَوْلُهُ : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا ، رَوَاهُ أَبُو مُوسَى ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِقَوْمٍ جَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ ، وَهُوَ يَقْرَأُ : خَلَطْتُمْ عَلَيَّ الْقِرَاءَةَ أَنْصِتُوا لِلْقِرَاءَةِ ، وَقَوْلُهُ أَنْصِتُوا لِلْقِرَاءَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ الْجَهْرِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا محمد بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله الأسدي ، قال : حدثنا يونس بن إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله قال : كنا نقرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خلطتم علي القراءة . وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة . وحدثنا محمد بن إبراهيم حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْجَارُودُ ، عَنْ مُعَاذٍ التِّرْمِذِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، زَادَ الْجَارُودُ : وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده فَقُولُوا : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَأَنْبَأْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ ابْنَ عَجْلَانَ عَلَى قَوْلِهِ : وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَعْضُهُمْ يَقُولُ : أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ انْفَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِنَّ ابْنَ عَجْلَانَ انْفَرَدَ بِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ) بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَشْهَلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا . وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي غَلَّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ حِطَّانَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ ابْنِ عَجْلَانَ ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى غَيْرُ جَرِيرٍ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، قِيلَ لَهُ : لَمْ يُخَالِفْهُمَا مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُمَا ، فَوَجَبَ قَبُولُ زِيَادَتِهِمَا ، وَقَدْ صَحَّحَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَحَسْبُكَ بِهِ إِمَامَةً وَعِلْمًا بِهَذَا الشَّأْنِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَنْ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا فَقَالَ : حَدِيثُ ابْنِ عَجْلَانَ الَّذِي يَرْوِيهِ أَبُو خَالِدٍ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ جَرِيرٌ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ رَوَاهُ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَدْ رواه المعتمر ، قال : فَأَيُّ شَيْءٍ تُرِيدُ ؟ فَقَدْ صَحَّحَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثَ أَبِي مُوسَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا . فَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا مِنْهُ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا عَمَلٌ مَوْرُوثٌ بِالْمَدِينَةِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ جَوَّابٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَإِنْ قَرَأْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ قَرَأْتُ . وَعَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، وَيَزِيدَ التَّيْمِيِّ قَالَا : أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ نَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَهَذَا مَحَلُّهُ عِنْدَنَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ ; لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ : عَهِدَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا نَقْرَأَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْجَهْرِ لِئَلَّا يَتَضَادَّ الْخَبَرُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، عَنْ عُمَرَ ، وَعَنْهُ فِيهِ اضْطِرَابٌ . وَأَمَّا عَلِيٌّ فَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : يَقْرَأُ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ ، سورة ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ ، وَيُنْصِتُ مَنْ خَلْفَهُ ، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ ، وَمَنْ خَلْفَهُ فِي الثَّالِثَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي الْعِشَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَسُورَةٍ ، سورة ، وَيُنْصِتُ مَنْ خَلْفَهُ ، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ ، وَمَنْ خَلْفَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْصِتُوا فِي الْفَجْرِ . ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَهَذَا يَدْفَعُ مَا رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّازِقِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ، وَفِي تَخْصِيصِهِ الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ ( فِيمَا جُهِرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَيَقْرَأُ ) فِي غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَفِي ذَلِكَ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ مَعَ الْإِمَامِ ، فَسَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : لَا تَقْرَأْ إِلَّا أَنْ تَتَّهِمَ الْإِمَامَ ، وَسَأَلْتُ مُجَاهِدًا فَقَالَ : قَدْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَوَ ، يَقْرَأُ ( وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقْرَأُ ) خَلَفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ . وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْصِتُ لِلْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ لَا يَقْرَأُ مَعَهُ ، وَكُلَّمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ فَهَذَا يُفَسِّرُهَا . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَدْخَلَ مَالِكٌ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الْمُجْمَلَ فِي بَابِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ ، وَقَيَّدَهُ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ ، ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ : هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ ؟ قَالَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ ، قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي بَابِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ، وَيَتْرُكَ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ، ثُمَّ أَرْدَفَ قَوْلَهُ هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلِهِ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ ، وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ وَجَهَرَ فَلَا يَقْرَأْ شَيْئًا ، فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ خَلْفَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ ، وَسَوَاءً سَمِعَ الْمَأْمُومُ قِرَاءَتَهُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ جَهَرَ فِيهَا الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا لِمَنْ خَلْفَهُ الْقِرَاءَةُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا وَاحِدٌ ، كَالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ، وَشَهِدَهَا أَنْ يَتَكَلَّمَ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَنْ سَمِعَهَا سَوَاءً . وَسُوَاءٌ عِنْدَهُمْ أُمُّ الْقُرْآنِ وَغَيْرُهَا ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَالْإِنْصَاتِ ، لَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا . وَلَوْ جَازَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ ، لَمْ يَكُنْ لِجَهْرِ الْإِمَامِ بِالْقِرَاءَةِ مَعْنًى ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجْهَرُ لِيُسْتَمَعَ لَهُ ، وَيُنْصَتَ ، وَأُمُّ الْقُرْآنِ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ ، وَكَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْمَعْ أَنْ يَقْرَأَ وَلَوْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِنْصَاتِ ، وَالِاسْتِمَاعِ هُوَ مَنْ سَمِعَ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ ، وَقَالَ بِقَوْلِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ ، وَبَعْدَهُ . ( وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْخَطِيبَ بِمَا شَاءَ مِنَ الْخَيْرِ ، وَمَا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ) ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الصَّلْتِ الرَّبَعِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : إِذَا لَمْ يَسْمَعْكَ الْإِمَامُ فَاقْرَأْ . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِذَا لَمْ تَفْهَمْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَاقْرَأْ إِنْ شِئْتَ ، وَسَبِّحْ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَتْرُكُ أَحَدٌ مِنَ الْمَأْمُومِينَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَلْفَ إِمَامِهِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَامٌّ لَا يَخُصُّهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مُصَلِيًا مِنْ مُصَلٍ . قَالُوا : وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا خَاصٌّ وَاقِعٌ عَلَى مَا سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ، وَقَوْلُهُ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا أَرَادَ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بمصر ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ ، وَالْبُوَيْطِيُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ : يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَمْ أَسْمَعْكَ قَرَأْتَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، قَالَ : أَجَلْ إِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : أَخَذْتُ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَمَكْحُولٍ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كُنْتَ مَعَ الْإِمَامِ فَاقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ قَبْلَهُ ، وَإِذَا سَكَتَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مَرْفُوعًا ، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ضَعِيفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَقِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يُقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ ( وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ) ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ فَلْيُبَادِرْ بِالْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوْ لِيَقْرَأْهَا بَعْدَمَا يَسْكُتُ ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيُنْصِتْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٍ قَالَا : أَنْبَأَنَا ابْنُ خَيْثَمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يُقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَكِنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ سَكَتَ سَكْتَةً لَا يُقْرَأُ قَدْرَ مَا يُقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ . وَعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، جَهَرَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ ، فَإِذَا جَهَرَ فَفَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ فَاقْرَأْ بِهَا أَنْتَ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : إِذَا قَالَ الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَبَعْدَمَا يَفْرَغُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ( وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ ، وَرَمَوْهُ بِالْكَذِبِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يُسِيئ الْقَوْلَ فِيهِ ، وَابْنُ خَيْثَمٍ فِيهِ لَيِّنٌ ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ) حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَلْفَ الْإِمَامِ جَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ . وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَسُورَةٍ في الأوليين ، وَبِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، وَمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ لَا يَقْرَأُ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، قَالَ الْبُوَيْطِيُّ : وَكَذَلِكَ يَقُولُ اللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَرَوَى الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيمَا أَسَرَّ ، وَفِيمَا جَهَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : يُقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ ، وَفِيمَا جَهَرَ ، وَقَالَ : فَإِذَا جَهَرَ فَأَنْصِتْ ، وَإِذَا سَكَتَ فَاقْرَأْ ، يَعْنِي فِي سَكَتَاتِهِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ سَكَتَاتٌ حِينَ يُكَبِّرُ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ ، وَحِينَ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : حَفِظْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَكْتَتَيْنِ فِي صَلَاتِهِ ، سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، فَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أُبَيٍّ فَقَالَ : صَدَقَ سَمُرَةُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أشعث عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ إِذَا اسْتَفْتَحَ ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا ( ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ ، وَرَوَى قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ مِثْلَهُ ) ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْكُتَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ السُّورَةِ لِئَلَّا يَصِلَ التَّكْبِيرَ بِالْقِرَاءَةِ . وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَسْكُتُ سَكَتَاتٍ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، وَيَتَحَيَّنُ الْمَأْمُومُ تِلْكَ السَّكَتَاتِ مِنْ إِمَامِهِ فِي إِمَامَتِهِ ، فَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ سَكْتَةً بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، وَيَسْكُتَ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ; لِيَقْرَأَ مَنْ خَلْفَهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَاقْرَأْ مَعَهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَأَسْرِعِ الْقِرَاءَةَ ، هَذَا لَفْظُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ مِثْلُهُ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَنْكَرَ السَّكْتَتَيْنِ ، وَلَمْ يَعْرِفْهُمَا ، وَقَالَ : لَا يُقْرَأُ أحد مَعَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ ، وَلَا بَعْدَهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ إِذَا كَبَّرَ ، وَلَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَا يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلَفَ إِمَامِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ ، مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، قَالُوا بِهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الْإِمَامِ ، وَالْمَأْمُومِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ إِمَامًا مِنْ مَأْمُومٍ ، وَلَا مُنْفَرِدٍ . قَالُوا : وَلَمَّا لَمْ يَنُبْ رُكُوعُ الْإِمَامِ ، وَلَا قِيَامُهُ ، وَلَا إِحْرَامُهُ ، وَلَا سُجُودُهُ ، وَلَا تَسْلِيمُهُ ، عَنْ رُكُوعِ الْمَأْمُومِ ، وَلَا عَنْ قِيَامِهِ ، وَلَا عَنْ سجوده ، ولا عن إِحْرَامِهِ ، وَلَا عَنْ تَسْلِيمِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا تَنُوبُ قِرَاءَتُهُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ عَنْ قِرَاءَتِهِ . وَقَالُوا : إِنْ كَانَ الزُّهْرِيُّ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُجْمَلًا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ ، فَقَدْ رَوَاهُ مَكْحُولٌ مُفَسَّرًا ، وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ ، قَالَ : قُلْنَا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَفْعَلُ ، قَالَ : لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْإِمَامِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنِّي لِأَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَلَا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ . وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، قَالُوا : وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ أَحَدٍ مَأْمُومًا كَانَ أَوْ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا . وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحِذَاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَمَّنْ شَهِدَ ذَلِكَ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَتَقْرَؤونَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ ؟ فَسَكَتُوا ، قَالَ : أَتَقْرَؤونَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ ؟ قَالُوا : إِنَّا لَنَفْعَلُ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَنَا : هَلْ تَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ إِذَا كُنْتُمْ مَعِي فِي الصَّلَاةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، وَنَافِعٌ هَذَا مَجْهُولٌ ، وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ شَيْءٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَا مَطْعَنَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ غَيْرُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ . وَأَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ ، فَإِنَّمَا فِيهِ : إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي النَّفْسِ مَا لَمْ يُحَرَّكْ بِهَا اللِّسَانُ فَلَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَدِيثُ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ فِيمَا نُهِيَ أَنْ يَعْمَلَهُ أَوْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَرْضًا فِيمَا أُمِرَ بِعَمَلِهِ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي : إِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ بِغَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ قِرَاءَةً لِمَنْ خَلْفَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أُمُّ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَكُونُ قِرَاءَةً لِمَنْ خَلْفَهُ ، فَقَدْ نَقَصَ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ عَمَّا سُنَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ لِلْمُصَلِّينَ ، وَحُرِمَ مِنْ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ أُمِّ الْكِتَابِ مَا لَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : وَالَّذِي يُصَلِّي خَلْفَ الْإِمَامِ حُكْمُهُ فِي الْقِرَاءَةِ حُكْمُ مَنْ قَرَأَ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَشْرَكَ بَيْنَ الْقَارِئِ وَبَيْنَ الْمُسْتَمِعِ الْمُنْصِتِ ، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْمُسْتَمِعُ لِخُطْبَتِهِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يُقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ لَا فِيمَا أَسَرَّ ، وَلَا فِيمَا جَهَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْعِرَاقِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَسَعْدٍ ، هَؤُلَاءِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِأَنْ قَالَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، خَاصٌّ وَوَاقِعٌ عَلَى مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ، أَوْ كَانَ إِمَامًا ، فَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَرَاءَ إِمَامٍ ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا لَمْ يَقْرَأْ مَنْ خَلْفَهُ لَمْ تَنْفَعْهُمْ قِرَاءَتُهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُمْ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا قَالَ سُفْيَانُ : لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ ، وَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ مَذْمُومُ الْمَذْهَبِ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْحُفَّاظُ فِيهِ ، سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَجَرِيرٌ ، فَرَوَوْهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ الْإِرْسَالُ ، وَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَبَيْنَ جَابِرٍ أَبَا الْوَلِيدِ هَذَا ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا لَا يَصِحُّ . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ رَكْعَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَا تُصَلَّى إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ بِرَفْعِهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ . وَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ ، وَلَسْنَا نَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَ التَّنَازُعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا مَا سِوَاهُمَا . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانُوا يَقْرَأُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : خَلَطْتُمْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَخْلِطُونَ إِلَّا بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْكُوفِيِّينَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَمَّا عَدَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَعِيدٌ قَوْلُهُ ، وَغَيْرُ ظَاهِرٍ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مِنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، بِمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ ، عن الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْفِطْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْخَبَرُ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَنْ قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْفِطْرَةَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، فَكَيْفَ وَهُوَ خَبَرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وَأَبَاهُ مَجْهُولَانِ ، وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَلِيٍّ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ، وَهُوَ خَبَرُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : مَنْ قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ ، عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ ظَاهِرِ حَدِيثِ زَيْدٍ هَذَا . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَقْرَآنِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ دُونَ مَا أَسَرَّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، مِنْ أَصَحِّ الطُّرُقِ عَنْهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي فِيهِ حَجَرٌ ، فَمُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ ، وَلَا نَقَلَهُ ثِقَةٌ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ فَمُنْقَطِعٌ لَا يَثْبُتُ ، وَلَا يَتَّصِلُ ، وَلَيْسَ عَنْهُ فِيهِ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ غَيْرُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ صَاحِبًا صَحَّ عَنْهُ بِلَا اخْتِلَافٍ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَتَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا قَالَا : وَدِدْنَا أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوُهُ تُرَابًا ، فَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُمَا ، لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا أَرَادَا فِي الْجَهْرِ دُونَ السِّرِّ ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَرَادَا السِّرَّ وَالْجَهْرَ ، فَقَدْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُمَا ، وَمِثْلُهُمَا ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ يَجِبُ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَأَوْضَحْنَا مَا صَحَّ مِنَ السُّنَّةِ ، وَمَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَيُّكُمْ قَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا . رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالُوا : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَنَّ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ بِهِ تُكْرَهُ ، وَلَا تَجُوزُ . ( وَمَعْنَى قَوْلِهِ خَالَجَنِيهَا أَيْ نَازَعَنِيهَا ، وَالْمُخَالَجَةُ هُنَا عِنْدَهُمْ كَالْمُنَازَعَةِ ، فَحَدِيثُ عِمْرَانَ هَذَا كَحَدِيثِ ابْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا تَكُونُ الْمُنَازَعَةُ إِلَّا فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْمَأْمُومُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسِيُّ ، قَالَهُ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ لَنَهَى عَنْهُ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ رَفْعَ صَوْتِ الرَّجُلِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فِي صَلَاةٍ سُنَّتُهَا الْإِسْرَارُ بِالْقِرَاءَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَرَأَ خَلْفَهُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَيُّكُمْ قَرَأَ ؟ قَالُوا : رَجُلٌ ، قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ شُعْبَةُ : قُلْتُ لِقَتَادَةَ : أَلَيْسَ يَقُولُ سَعْدٌ : أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ قَالَ : ذَلِكَ إِذَا جَهَرَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ شُعْبَةُ : قُلْتُ لِقَتَادَةَ : كَأَنَّهُ كَرِهَهُ ، قَالَ : لَوْ كَرِهَهُ نَهَى عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ إِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ بِالْقِرَاءَةِ جَائِزَةٌ ; لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ الْجَهْرِ لَا مَعَ السِّرِّ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَكَرِهَهَا الْكُوفِيُّونَ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، يُقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا يُسِرُّ فِيهِ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ هَاهُنَا إِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ بِهِ الْإِمَامُ سُنَّةٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : قَالَ : الْقِرَاءَةُ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ تَرَكَهَا ، وَقَدْ أَسَاءَ . ذَكَرَ ابْنُ خُوازِ مَنْدَادَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ خَلَفَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مستحبة غير وَاجِبَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ فَقَالَ : إِنْ قَرَأْتَ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ ( وَإِنْ لَمْ تَقْرَأْ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ ) . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَشْغَلَ نَفْسِي بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ ، عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَالثَّالِثَةِ مِنَ الْمَغْرِبِ ، وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَتَمَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ : الْقِرَاءَةُ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ وَاجِبَةٌ ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَقَلُّ شَيْءٍ إِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ لِقَوْلِهِ : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ هَاتِهِ الْعِلَّةُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ ، فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَقْرَأَ لِنَفْسِهِ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَا يَنُوبُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ ، وَلَا تُجْزِيهِ ، كَمَا لَا يَنُوبُ وَلَا يُجْزِي عَنْهُ عِنْدَهُمْ إِحْرَامُهُ ، وَرُكُوعُهُ ، وَسُجُودُهُ ، عَنْ إِحْرَامِ الْمَأْمُومِ ، وَرُكُوعِهِ ، وَسُجُودِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ الْحُجَّةُ لَهُمْ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهَا هَاهُنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقْرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ وَفِيمَا جَهَرَ ، وَالثَّانِي : يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا جَهَرَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ ، وَيَتَّبِعُ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ قَبْلُ وَبَعْدُ ، وَالثَّالِثُ : لَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا جَهَرَ ، وَيَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا أَسَرَّ . وَذَكَرَ ابْنُ خُوازِ مَنْدَادَ قَوْلًا رَابِعًا ، مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ ، وَلَا فِيمَا جَهَرَ . وَهَذَا الْقَوْلُ الرَّابِعُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ غَيْرُ مَشْهُورٍ ، وَأَصْحَابُهُ الْيَوْمَ لَا يَذْكُرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِيمَا أَسَرَّ وَفِيمَا جَهَرَ ، ( وَالثَّانِي : يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا أَسَرَّ ، وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا جَهَرَ ) ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
34 ( حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ عُثْمَانُ الطَّرَائفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوَتِرْ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : هَذَا وَهْمٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَيْضًا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الِاسْتِنْثَارِ ، وَحُكْمِهِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي بَابِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصَّنَابِحِيِّ ، وَأَمَّا الِاسْتِجْمَارُ فَهُوَ الِاسْتِطَابَةُ بِالْأَحْجَارِ ، وَمَعْنَاهُ إِزَالَةُ الْأَذَى مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْأَحْجَارِ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَعْنَى الِاسْتِجْمَارِ التَّمَسُّحُ بِالْأَحْجَارِ ، وَالْجِمَارُ عِنْدَ الْعَرَبِ : الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ ، وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ ، قَالَ : وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْثُرْ ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اللَّفْظُ يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَمَعْنَى الْوِتْرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوتِرَ مِنَ الْجِمَارِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ يُقَالُ : قَدْ جَمَّرَ الرَّجُلُ يُجَمِّرُ تَجْمِيرًا ، إِذَا رَمَى جِمَارَ مَكَّةَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : فَلَمْ أُرَ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى أَفْلَتْنَ : يَعْنِي أَهْلَكْنَ ، وَالْفَلَتُ بِفَتْحِ اللَّامِ : الْهَلَاكُ ، وَمِنْهُ قِيلَ : الْمُسَافِرُ عَلَى فَلَتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّهُ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيُرْوَى أُفْتِنَّ ذَا هَوًى ، وَيُفْتِنَّ ذَا هَوًى ، وَهَذَا شِعْرٌ عَرَضَتْ فِيهِ قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَهِيَ حِكَايَةٌ عَجِيبَةٌ حَدَّثَنِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعَانِدِيُّ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَرْغَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَمَّارٍ الثَّقَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَجَّ فِي خِلَافَتِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الْقَائِلُ : وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لَا يُبَاءُ بِهِ دَمٌ وَمِنْ غِلْقٍ رَهْنًا إِذَا ضَمَّهُ مِنَى وَمِنْ مَالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شَيْءِ غَيْرِهِ إِذَا رَاحَ نَحْوَ الْجَمْرَةِ الْبِيضُ كَالدُّمَا يُسَحِّبْنَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ بِأَسْوُقٍ ( خَوَالٍ إِذَا أَوْلَيْنَ أَعْجَازَهَا رِوَا ؟ ) أَوَانِسُ يَسْلينَ الْحَلِيمَ فُؤَادَهُ فَيَا طُولَ مَا شَوْقٍ وَيَا حُسْنَ مُجْتَلَا فَلَمْ أُرِ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى ( قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : لَا جَرَمَ ، وَاللَّهِ لَا تَشْهَدِ الْحَجَّ مَعَ النَّاسِ الْعَامَ ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الطَّائِفِ ) . وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَقَالَ لَهُ : أَلَسْتَ الْقَائِلَ : فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لَا يُبَاءُ بِهِ دَمٌ وَمَنْ غِلْقٍ رَهَنًا إِذَا ضَمَّهُ مِنَى فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ ، وَالْخَبَرَ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَسْجُنَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ بِأَسْوُقٍ ( خِدَالٍ وَأَعْجَازٍ مَئَاكِمُهَا رِوًى ) ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضَّحَّاكَ بْنَ عُثْمَانَ . وَعَرِضَتْ لَهُ فِيهِ أَيْضًا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قِصَّةٌ يَلِيقُ بِأَهْلِ الدِّينِ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا ، ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ هَذَا الشِّعْرَ فِي أُمِّ عُمَرَ بِنْتِ مَرْوَانَ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَمٌّ إِلَّا عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْأَحْوَصُ ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ عُمَرَ ، وَالْأَحْوَصَ بِالْخُبْثِ وَالشَّرِّ ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاشَدُدْهُمَا ، وَاحْمِلْهُمَا إِلَيَّ ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ حَمَلَهُمَا إِلَيْهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ ثُمَّ قَالَ : هِيهِ ؟ فَلَمْ أُرَ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى وَمِنْ مَالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شَيْءِ غَيْرِهِ إِذَا رَاحَ نَحْوَ الْجَمْرَةِ الْبَيْضُ كَالدُّمَا أَمَا وَاللَّهِ لَوِ اهْتَمَمْتَ بِحَجِّكَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَى شَيْءِ غَيْرِكَ ، فَإِذَا لَمْ يَفْلِتِ النَّاسُ مِنْكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَمَتَى يَفْلِتُونَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : أُعَاهِدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ ، وَلَا أَذْكُرَ النِّسَاءَ فِي شِعْرٍ أَبَدًا ، وَأُجَدِّدُ تَوْبَةً عَلَى يَدَيْكَ قَالَ : أَوَتَفْعَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى تَوْبَتِهِ ، وَخَلَّاهُ ، ثُمَّ دَعَا بالْأَحْوَصَ فَقَالَ : هِيهِ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ قَيِّمِهَا يَهْرُبُ مِنِّي بِهَا وَأَتَّبِعُ بَلِ اللَّهُ بَيْنَ قَيِّمِهَا وَبَيْنَكَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَأَبَى ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَرُدُّهُ مَا دَامَ لِي سُلْطَانٌ ; فَإِنَّهُ فَاسِقٌ مُجَاهِرٌ ، وَالتَّجْمِيرُ أَيْضًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : أَنْ يُرْمَى بِالْجُنْدِ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ ، قَالَ حُمَيْدٌ الْأَرْقَطُ : فَالْيَوْمَ لَا ظُلْمٌ وَلَا تَجْمِيرُ وَلَا لِغَازٍ إِنْ غَزَا تَجْمِيرُ وَقَالَ بَعْضُ الْغُزَاةِ الْمُجَمَّرِينَ : مُعَاوِيُ إِمَّا أَنْ تُجَمِّرَ أَهْلَنَا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نَؤُبَ مُعَاوِيَا أَجَمَّرْتَنَا إِجْمَارَ كِسْرَى جُنُودَهُ وَمَنَّيْتَنَا حَتَّى مَلَلْنَا الْأَمَانِيَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِزَالَةِ الْأَذَى مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ ، هَلْ هُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ ، أَمْ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ، وأنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَتَارِكُهُا عَمْدًا مُسِيءٌ ، فَإِنْ صَلَّى كَذَلِكَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لَهُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَهُ ، وَلَا عِنْدَ كُلِّ مَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَهُ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ وَجَبَ فِي السُّنَنِ أَنْ تُعَادَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَكَانَتْ كَالْفَرَائِضِ فِي وُجُوبِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى دُونَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالْمَاءِ ، وَمَوْضِعُ الْمَخْرَجِ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالْأَحْجَارِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ وَالثِّيَابُ فَلَا مَدْخَلَ لِلْأَحْجَارِ فِيهَا . وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إِذَا ذَهَبَ النَّجَسُ ; لِأَنَّ الْوِتْرَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ ، وَالْوِتْرُ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَالْوِتْرُ فِيهِ أَحْرَى بِأَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ : مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْحُصَيْنِ الْحِرَابِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ : مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةِ ، قَالَ : أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا ، وَنَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَعْقَاعُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ ، فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ ، وَالرِّمَّةِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : كُلُّ مَا قَامَ مَقَامَ الْأَحْجَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : كُلُّ طَاهِرٍ وَكُلُّ نَجِسٍ أَزَالَ النَّجَسَ أَجَزَأَ ، وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ الطَّاهِرَةِ ، وَالْأَحْجَارُ عِنْدَهُمْ مَخْصُوصَةٌ بِتَطْهِيرِ الْمَخْرَجِ كَمَا أَنَّ الْمَخْرَجَ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يُطَهَّرَ بِالْأَحْجَارِ فَيُجْزِئُ فِيهِ عَنِ الْمَاءِ دُونَ مَا عَدَاهُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِنِ اسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَجْزَأَهُ ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ، عَنِ الرَّوْثِ ، وَالرِّمَّةِ ، وَنَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ ، وَالرِّمَّةُ : الْعِظَامُ ، فَلَمَّا طَابَقَ النَّهْيَ لَمْ يَجُزْ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ . وَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا فِي مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ بَيْنَ الْمُعْتَادَاتِ ، وَغَيْرِ الْمُعْتَادَاتِ أَنَّ الْحِجَارَةَ تُجْزِئُ فِيهَا فِي السَّبِيلَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيمَا عَدَا الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ إِلَّا الْمَاءُ قَالَ : وَكَذَلِكَ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ وَمَا حَوْلَهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْأَحْجَارُ ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْمَذْيِ ، وَحُكْمِ غَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ مَا حَوْلَ الْمَخْرَجِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ وَالْعَادَةِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَهَكَذَا حَكَى ابْنُ خُوَازِ بنْدَادَ عَنْهُمْ . وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّ الْأَحْجَارَ تُجْزِئُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ مِنَ الشَّرَجِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَخْرَجِ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا مَرَّةً : يُجْزِئُ فِيهِ الأحجار ، ومرة مِثْلَ قَوْلِنَا . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَعَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ رَطْبَةً تَزُولُ بِكُلِّ مَا أَزَالَ عَيْنَهَا وَأَذْهَبَهَا غَيْرَ الْمَاءِ ، وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَصْلًا عِنْدَ جَمِيعِ الْعِرَاقِيِّينَ . وَقَالَ دَاوُدُ : النَّجَاسَةُ لَا يُزِيلُهَا غير الْمَاءُ ، وَإِذَا زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ أَجْزَأَ ، وَلَا يُحَدُّ قَدْرُ الدِّرْهَمِ . قَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ ، وَالْمَاءُ أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَيَغْسِلُ مَا هُنَالِكَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَسْتَنْجِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَإِنْ لَمْ تُنْقِ زَادَ حَتَّى يَنْقَى ، وَإِنْ أَنْقَاهُ حَجَرٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ إِنْ أَنْقَاهُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَلِكَ فِي الْمَخْرَجِ ، وَمَا عَدَا الْمَخْرَجَ فَإِنَّمَا يُغْسَلُ بِالْمَاءِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ ، وَالْمَاءُ أَطْهَرُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ بِالْأَحْجَارِ مَا لَمْ يَعْدُ الْمَخْرَجَ ، فَإِنْ عَدَا الْمَخْرَجَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا الْمَاءُ ، وَالْمُهَاجِرُونَ كَانُوا لَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ : إِذًا لَا تَزَالُ يَدِي فِي نَتْنٍ . وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَكَانُوا يُتْبِعُونَ الْأَحْجَارَ بِالْمَاءِ ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءٍ . وَالْمَاءُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَنصَارِ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ ، وَالْأَحْجَارُ رُخْصَةٌ تُجْزِئُ ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِنْجَاءَ وَاجِبًا ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّونَ الْوِتْرَ ، وَقَدْ رَوَى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ ، عَنِ الْحُصَيْنِ الْجَوَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوَتِرْ ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ، فِيهِ مَجْهُولُونَ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الرَّازِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قَالَ : وَكَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التمهيد الجزء الحادي عشر ( ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ حَدِيثَانِ ) وَاسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ هَذَا عَائِذُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، مِنْ سَاكِنِي دِمَشْقَ ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِهَا ، قَالَ ابْنُ مُسْهِرٍ : كَانَ مِنْ أَرْفَعِ التَّابِعِينَ فِي الْعِلْمِ بِدِمَشْقَ ، وَمِمَّنْ صَحِبَ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، قَالَ : وَكَانَ عَالِمَ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَيْضًا قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ : أَدْرَكْتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ ، وَفَاتَنِي مُعَاذٌ ، وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي السَّائِبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَبِي إِدْرِيسَ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي دُحَيْمًا - : أَيُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَكَ أَعْلَمُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ ، أَمْ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ؟ قَالَ : أَبُو إِدْرِيسَ عِنْدِي الْمُقَدَّمُ ، وَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ جُبَيْرٍ لِإِسْنَادِهِ وَأَحَادِيثِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا إِدْرِيسَ فَقَالَ : لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا لَهُ ، وَمِنَ اللِّقَاءِ ، وَاسْتِعْمَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِيَّاهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ . 1075 ( حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حرام ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي جَاءَ بِهِ يَحْيَى فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، فَإِنَّمَا هُوَ لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا الْحُكْمَ فِي التَّحْرِيمِ وَالنَّهْيِ ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ افْتِرَاقِ الْمَعَانِي وَاجْتِمَاعِهَا ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِيمَا عَلِمْتُ ، بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ إِلَّا أَبَا أَوْسٍ فَإِنَّهُ وَافَقَهُمْ فِي الْإِسْنَادِ ، وَخَالَفَهُمْ فِي الْمَتْنِ ، فَزَادَ فِيهِ أَلْفَاظًا سَنَذْكُرُهَا هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً : مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، والليث بْنِ سَعْدٍ ، وَزَادَ فِيهِ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَطْءَ الْحَبَالَى ، وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءٌ ، وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا حَدِيثَ صَالِحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو ثَعْلَبَةَ - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ مِنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ( أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا غَيْرَ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَصَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُوَيْسٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ ( الْخَطْفَةِ ، وَالنُّهْبَةِ ، وَالْمُجَثَّمَةِ ) ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ . وَهَذَا اللَّفْظُ إِنَّمَا يُحْفَظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَيِّنُ الْإِسْنَادِ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْإِفْرِيقِيِّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ ، وَالنُّهْبَةِ ، وَالْخَطْفَةِ ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ قَالَ : وَالْمُجَثَّمَةُ الَّتِي تُصَيَّدُ بِالنَّبْلِ . وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عُبَيَدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ : أَرْسَلُونِي إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَسْأَلُهُ عَنْ لُحُومِ السِّبَاعِ فَكَرِهَهَا ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي خَطْفَةٍ ، وَعَنْ كُلِّ مُجَثَّمَةٍ ، وَعَنْ كُلِّ نُهْبَةٍ ، وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : صَدَقَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَدْرِي كَيْفَ مَخْرَجُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ بِحَدِيثِ النَّهْيِ ، عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بن الصباح قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ . قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا حَتَّى أَتَيْتُ الشَّامَ ، وَحَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ روحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، وَهُوَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ حَتَّى حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ . وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُغِيثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْأُتُنِ ، وَأَبْوَالِ الْإِبِلِ ، وَمَرَارَةِ السَّبُعِ فَقَالَ : أَمَّا أَبْوَالُ الْإِبِلِ فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا وَلَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا ، وَأَمَّا أَلْبَانُ الْأُتُنِ فَقَدْ بَلَغَنَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَهَى عَنْ لُحُومِهَا ، وَلَا أَدْرِي أَلْبَانَهَا الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ لُحُومِهَا ، وَدِمَائِهَا إِلَّا نَحْوَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا ، فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا فَلَا خَيْرَ فِي مَرَارَتِهَا . وَحَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ صَالِحٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنِ الْمُتْعَةِ ، وَأَنْ تُوطَأَ الْحَبَالَى ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ . وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَإِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا ; لِأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ الثِّقَاتِ : مَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٍ ، وَيُونُسَ ، وَعُقَيْلٍ لَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي النَّابِ مِنَ السِّبَاعِ . وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِسْنَادُهُ قَدْ تَقَدَّمَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْهُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ دُونَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ لَفْظُ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ هَذَا خَطَأٌ مَقْلُوبُ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ مُنْكَرٌ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَحَادِيثَ ثَلَاثَةً ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي تَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ إِسْنَادٌ إِلَّا إِسْنَادُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ الْأَثْبَاتُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ . حَدِيثُ الرَّبِيعِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى دَخَلَ الشَّامَ فَصَحِيحٌ ثابت مقبول عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَهَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَالْأَلْفَاظِ ، وَتَمْهِيدُهُ . وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي مَعَانِيهِ فَقَدْ مَضَى مُسْتَوْعَبًا مَبْسُوطًا مُمَهَّدًا فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيمٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ - حَدِيثَانِ وَاسْمُ أَبِي عُبَيْدٍ هَذَا : سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ ، ابْنِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : يُنْسَبُ وَلَاؤُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ ، وَأَحْيَانًا يُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : هُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، كَذَلِكَ قَالَ مَعْمَرٌ عَنْهُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ جُوَيْرِيَّةُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَقَالَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيُّ : عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : عَنْ مَالِكٍ ، سَوَاءً . وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِيهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ ، نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، إِلَّا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ رَفَعَ النَّهْيَ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، وَيَرْفَعُهُ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَوْلَى عِنْدَهُمْ بِالصَّوَابِ ، وَحَدِيثُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى بَنِي أَزْهَرَ ، قَالَ : شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، فَكَانَا يُصَلِّيَانِ ثُمَّ يَنْصَرِفَانِ فَيُذَكِّرَانِ النَّاسَ ، فَسَمِعْتُهُمَا يَقُولَانِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ : يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ، عَلَى مَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا ثِقَةً مَأْمُونًا . قَالَ الطَّبَرِيُّ : كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ، وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، وَكَانَ مِنْ قُدَمَاءِ مَنْ كَانَ يَتَفَقَّهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَمِنْ كِبَارِ تَابِعِيهَا . 431 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ : شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا : يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ وَقَالَ : إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ ، فَمَنْ أَحْبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ ( بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ . لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمُوَطَّأِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَّةُ عَنْ مَالِكٍ ، فَجَعَلَ لَفْظَهُ مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ مَنِ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلَاثٍ . قَالَ : شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ نُسُكِكِمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ . وَقَالَ فِيهِ سَعِيدٌ الزُّبَيْرِيُّ وَمَكِّيٌّ ، جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاكُمْ أَنْ تُمْسِكُوا لَحْمَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِ أَحَدٍ مِنْكُمْ لَحَمٌ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ : بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَعِيدِكُمْ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ قَالَ : ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ ، فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا يَوْمٌ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَقَدْ أَذِنَّا لَهُ فَلْيَرْجِعْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَشْهَدِ الصَّلَاةَ . قَالَ : ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ ، فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ نُسُكِكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَلَا تَأْكُلُوهَا بَعْدُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا قَصَّرَ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ النُّسُكِ بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ( بِهِ ) فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حِينَ سَمِعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَمَلٌ ، وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ لَا يَجُوزُ ، فَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ وَتَرَكَ ذِكْرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى ، وَذَكَرْنَا النَّسْخَ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ وَأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَمَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا تَقْصِيرُ مَالِكٍ فِي ذِكْرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ قَطُّ فِي أَنْ لَا أَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ وَلَا إِقَامَةَ ، وَذَكَرَ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنْ فِي الْفِطَرِ وَلَا الْأَضْحَى نِدَاءٌ وَلَا إِقَامَةٌ مُنْذُ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَوْمِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى صِحَاحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ ( لَهُ ) وَلَا يُقَامُ فِي الْعِيدَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعْدٍ ، وَهِيَ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَسُنَّةٌ غَيْرُ فَرِيضَةٍ ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَ فِيهِمَا الْأَذَانَ بَنُو أُمَيَّةَ . وَاخْتَلَفَ فِي أَوَّلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ مُعَاوِيَةُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ لِلْعِيدِ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ : ابْنُ الزُّبَيْرِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَخْرَجَ الْمِنْبَرَ فِي الْعِيدَيْنِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدَيْنِ زِيَادٌ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْعُودَيْنِ وَخَطَبَ جَالِسًا وَأُذِّنَ فِي الْعِيدَيْنِ قُدَّامَهُ : زِيَادٌ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْعِيدَيْنِ وَأَذَّنَ فِيهِمَا زِيَادٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ فَقُلْتُ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا . قَالَ : فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ . وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ . قَالَ : فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَسَأَلَهُ ابْنُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : هَلَّا أَذَنْتَنَا ؟ وَفَاتَتْهُمُ الصَّلَاةُ يَوْمَئِذٍ ، فَلَمَّا سَاءَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَعُدِ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِأَمْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ فِي تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ يَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ تَمَامِ ( الْقَوْلِ فِي ) الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِيهِمَا بِعَوْنِ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ : ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى بَنُو مَرْوَانَ . فَهَذَا مَا رُوِيَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدَيْنِ وَأَقَامَ ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا مُعَاوِيَةُ ، وَالثَّانِي ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالثَّالِثُ زِيَادٌ ، وَالرَّابِعُ بَنُو مَرْوَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ مَنْ أُذِّنَ لَهُ فِي الْعِيدَيْنِ عَلَى مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : زِيَادٌ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِثْلُهُ أَيْضًا ; لِأَنَّ زِيَادًا عَامِلُهُ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : ابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَنُو مَرْوَانَ ، فَقَدْ قَصَّرُوا عَمَّا عَلِمَهُ غَيْرُهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ عَلِمَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا الْأَذَانُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ عُثْمَانَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِهِ ، ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ أشعث عن الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عُثْمَانُ ، لِيُؤْذِنَ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ بُرْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ الْأَذَانُ عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، فَأَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ التَّأْذِينَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَرَى أَنْ يُتْرَكَ الْبَيْعُ عِنْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّ الْأَذَانَ ( كَانَ أَوَّلُهُ ) حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ( فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمَّا كَانَ خِلَافَةُ عُثْمَانَ ( وَكَثُرَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) أَمَرَ عُثْمَانَ بِالْأَذَانِ الثَّالِثِ فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ ، فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ( إِنَّ ) الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ هُوَ الْأَذَانُ الثَّالِثُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ بُرْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا التَّأْذِينَةُ الثَّانِيَةُ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ : الْأَذَانُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ ، وَهَذَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ عُثْمَانَ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ النُّفَيْلِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ثُمَّ سَاقَ ( نَحْوَ ) حَدِيثِ يُونُسَ الَّذِي تَقَدَّمَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَيُونُسَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَذَانُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَالثَّالِثُ أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ عَلَى الزَّوْرَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الِاضْطِرَابَ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ . وَهَذَا يُصَحِّحُ رِوَايَةَ بُرْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَ التَّأْذِينَةَ الثَّانِيَةَ . وَفِي كَيْفِيَّةِ أَوَّلِ الْأَذَانِ فِي الْجُمُعَةِ عِنْدِي نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي أَذَانِ الْعِيدِ ، فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعِيدِ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ . شَكَّ يَحْيَى فِي عُثْمَانَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ خَطَبَ ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ خَطَبَ ، وَصَلَّى عُمَرُ ثُمَّ خَطَبَ ، وَصَلَّى عُثْمَانُ ثُمَّ خَطَبَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَطِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ فَبَدَأَ فَصَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، ثُمَّ خَطَبَ قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَشْهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الصِّغَرِ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَلَمَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَا : لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ ، فَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ ، وَعَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ جَعَلَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِنْهُمْ ، فَقِيلَ : عُثْمَانُ ، وَقِيلَ : مُعَاوِيَةُ ، وَقِيلَ : مَرْوَانُ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَنْ قَالَ : مَرْوَانُ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا لِمُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ مَرْوَانُ لِيُحْدِثَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ أَمْرٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ ، وَمَنْ قَالَ : عُثْمَانُ ، احْتَجَّ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : كَانَتِ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ كَثُرَ النَّاسُ ، قَدَّمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ . أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَفْتَرِقَ النَّاسُ وَأَنْ يَجْتَمِعُوا . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ ، فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ ، وَمَا أَظُنُّ مَالِكًا ذَكَرَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا إِنْكَارًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ عُثْمَانَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْخُطْبَةَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي سَفَرٍ سِنِينَ ، ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ ، وَكَذَلِكَ قَدَّمَ الصَّلَاةَ فِي الْعِيدَيْنِ سِنِينَ ، ثُمَّ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ ، فَحَكَى كُلٌّ مَا عَلِمَ وَرَأَى . وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهِمَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( بْنِ سَلَامٍ ) قَالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ ، لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ الْعِيدَيْنِ ، فَكُلُّهُمْ صَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْهُمْ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ . وَأَمَّا حَدِيثُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : فَخَطَبَ لَا يَثْبُتُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَتَدْرِي أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ يَوْمَ الْفِطْرِ ثُمَّ صَلَّى ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي ، أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُعَاوِيَةُ . ( قَالَ ) : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ ثُمَّ صَلَّى مُعَاوِيَةُ . قَالَ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ . كَانَ لَا يُدْرِكُ عَامَّتُهُمُ الصَّلَاةَ ، فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذِهِ أَحَادِيثُ مَقْطُوعَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهَا ، وَلَيْسَ فِيه حَدِيثٌ يُحْتَجُّ بِهِ ، إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، فَكُلُّهُمْ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فِي الْعِيدَيْنِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُمْ . وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ الَّذِي يُمْكِنُ فَفِي مُعَاوِيَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ فَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مُعَاوِيَةُ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهَا بِالْمَدِينَةِ مَرْوَانُ وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُصَلِّي ( فِي ) الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ( وَقَوْلُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ) ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ مَرْوَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا مَرْوَانُ ، خَالَفْتَ السُّنَّةَ . فَقَالَ مَرْوَانُ : يَا فُلَانُ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ . سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَرْوَانَ : تُرِكَ مَا هُنَالِكَ . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ مَنْ تَرَكَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ( وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) قَالَ : أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا مَرْوَانُ ، خَالَفْتَ السُّنَّةَ أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ فِيهِ وَبَدَأْتَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ . فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ وَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا مَرْوَانُ ، خَالَفْتَ السُّنَّةَ ، أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ ، وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : مَنْ هَذَا ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ إِلَى آخِرِهِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ؟ فَقَالَ : تُرِكَ مَا هُنَالِكَ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى - وَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ - حَتَّى أَفْضَيْنَا إِلَى الْمُصَلَّى ، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ الْكِنْدِيُّ قَدْ بَنَى لِمَرْوَانَ مِنْبَرًا مِنْ لَبِنٍ وَطِينٍ ، فَعَدَلَ مَرْوَانُ إِلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى حَاذَاهُ ، فَجَذَبْتُهُ لِيَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، تُرِكَ مَا تَعْلَمُ . فَقُلْتُ : كَلَّا وَرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَا تُؤْتَوْنَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ . قَالَ : ثُمَّ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَرْوَانَ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ وَ : تُرِكَ مَا تَعْلَمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ . وَأَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ مُعَاوِيَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، يَقُولُ : خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ يَوْمًا إِلَى الْمُصَلَّى ، وَيَدُ مَرْوَانَ فِي يَدِي ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْقَى الْمِنْبَرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَجَذَبْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ : صَلَاةُ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . فَقَالَ مَرْوَانُ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ تُرِكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَمَا لَوْ فَعَلْنَا مَا تَقُولُ ذَهَبَ النَّاسُ وَتَرَكُونَا ، وَقَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ . فَقُلْتُ : إِذًا لَا تَجِدُونَ خَيْرًا مِمَّا أَعْلَمُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمْرَهُمْ بِبَعْثٍ إِنْ كَانَ أَوْ أَمْرٍ ثُمَّ انْصَرَفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ ، وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ لَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهِمَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ : مَسْأَلَةُ الْأَذَانِ فِي ( صَلَاةِ ) الْعِيدَيْنِ ، وَمَسْأَلَةُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ عَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِيمَا ذَكَرَ لَهُ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي لَيْسَتْ عِنْدَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ خَطَبَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ خَطَبَ ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ عَطَاءٍ عِكْرِمَةَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ( ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ) . فَهَذَا مَا صَحَّ عِنْدَنَا فِي الْأَذَانِ لِلْعِيدَيْنِ ، وَفِي مَوْضِعِ الْخُطْبَةِ فِيهِمَا . وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِيهِمَا فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي آخِرِ بَابِ نَافِعٍ ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ ( فِيهِمَا ) فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا أَيْضًا فِي بَابِ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ لَهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قِيَاسًا عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ . وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ هَذَيْنَ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا : يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ - فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالِهِ ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، لَا لِلْمُتَطَوِّعِ وَلَا لِنَاذِرِ ( صَوْمِهِ ) وَلَا أَنْ يَقْضِيَ فِيهِمَا رَمَضَانَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ ، وَالنَّاذِرِ صَوْمَهَا ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ فِيهَا ، وَالتَّطَوُّعِ بِآخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الضَّحَايَا وَسَائِرِ النُّسُكِ ، وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ ، إِلَّا أَنِّي أَقُولُ : الْأَكْلُ مِنَ الْهَدْيِ بِالْقُرْآنِ ، وَمِنَ الضَّحِيَّةِ بِالسُّنَّةِ . وَأَمَّا إِذْنُ عُثْمَانَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي وَقَوْلُهُ : قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ - يَعْنِي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ - قَالَ : فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ عُثْمَانَ هَذَا ، وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا ، فَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إِلَى أَنَّ شُهُودَ الْعِيدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُجْزِئُ عَنِ الْجُمُعَةِ إِذَا صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ حَتَّى الْعَصْرَ . وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَهْجُورٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْأَمْصَارِ مِنَ الْبَالِغِينَ الذُّكُورِ الْأَحْرَارِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ بهذه الصفات فَفَرْضُهُ الظُّهْرُ فِي وَقْتِهَا فَرْضًا مُطْلَقًا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ يَوْمُ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ : إِنِ اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْفِطْرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلْيَجْمَعْهُمَا وَلْيُصَلِّهِمَا رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ حِينَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْفِطْرِ ، ثُمَّ هِيَ هِيَ حَتَّى الْعَصْرِ . ثُمَّ أَخْبَرَنَا عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ : اجْتَمَعَا يَوْمُ فِطْرٍ وَيَوْمُ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا ، جَعَلَهُمَا وَاحِدًا ، فَصَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ بِكُرَةَ صَلَاةِ الْفِطْرِ ، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ . قَالَ : فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلَمْ يَقُولُوا فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْقَهْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَلَقَدْ أَنْكَرْتُ أَنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ . قَالَ : حَتَّى بَلَغَنَا بَعْدُ أَنَّ الْعِيدَيْنِ كَانَا إِذَا اجْتَمَعَا صُلِّيَا كَذَلِكَ وَاحِدًا . وَذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمَا كَانَا يُجْمَعَانِ إِذَا اجْتَمَعَا ، وَرَأَى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي كِتَابٍ لِعَلِيٍّ زَعَمَ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ فِي جَمْعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَيْنَهُمَا يَوْمَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا قَالَ : سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَصَابَ ، عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَيَانٌ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ ، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّ مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ غَيْرَهَا حَتَّى الْعَصْرِ ، فَإِنَّ الْأُصُولَ كُلَّهَا تَشْهَدُ بِفَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ لَمْ يَسْقُطْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، فَكَيْفَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضٌ لِسُنَّةٍ حَضَرَتْ فِي يَوْمِهِ ؟ هَذَا مَا لَا يَشُكُّ فِي فَسَادِهِ ذُو فَهْمٍ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ ، فَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ في غير وَقْتَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ صَدْرُ النَّهَارِ ، وَأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : إِنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ بِالْعِيدِ ، وَلَا تُصَلَّى ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً ، فَقَوْلٌ بَيِّنُ الْفَسَادِ ، وَظَاهِرُ الْخَطَأِ ، مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَخُصَّ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهَا بَيَانُ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ ، وَلَكِنْ فِيهَا الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ شُهُودِ الْجُمُعَةِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ تَسْقُطَ الْجُمُعَةُ عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَغَيْرِهِمْ ، وَيُصَلُّونَ ظُهْرًا ، وَالْآخَرُ : أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى ، وَعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الرُّصَافِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ الْبَصْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّهُ ) قَالَ : قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَتْهُ الْجُمُعَةُ ، وَإِنَّا مُجْمِعُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ شِئْتُمْ أَجْزَأَكُمْ ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَتْهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ فِيمَا عَلِمْتُ عَنْ شُعْبَةَ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي شُعْبَةَ أَصْلًا ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهَا كَلَامٌ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُضَعِّفُونَ بَقِيَّةَ عَنِ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَهُ مَنَاكِيرُ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلًا قَالَ : اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّا مُجْمِعُونَ ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْمَعَ فَلْيَجْمَعْ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ ، فَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذِكْرِ إِبَاحَةِ الرُّجُوعِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِجْزَاءَ . وَرَوَاهُ زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ إِلَّا أَنَّهُ أَسْنَدَهُ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْبَكَّائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَيَوْمِ جُمُعَةٍ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْعِيدِ : هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ : عِيدُكُمْ هَذَا وَالْجُمُعَةُ ، وَإِنِّي مُجْمِعٌ إِذَا رَجَعْتُ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فَلْيَشْهَدْهَا . قَالَ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بِالنَّاسِ . فَقَدْ بَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالنَّاسِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ لَازِمٌ ، وَأَنَّهَا غير سَاقِطَةٌ ، وَأَنَّ الرُّخْصَةُ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ شَهِدَ الْعِيدَ مَنْ أَهْلَ الْبَوَادِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا تَأْوِيلٌ تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ ، وَتَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَلَا دَلِيلَ مَعَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ . فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِمْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَصَلَّى الْعِيدَ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْجُمُعَةِ . قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : مَا أَمَاطَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ : هَكَذَا صَنَعَ بِنَا عُمَرُ - قِيلَ لَهُ : هَذَا حَدِيثٌ اضْطَرَبَ فِي إِسْنَادِهِ ، فَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ : اجْتَمَعَ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عِيدَانِ ، فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ فَأَطَالَ الْخُطْبَةَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْجُمُعَةَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَصَابَ السُّنَّةَ . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ عَنْ سَوَّارٍ ، عَنِ الْقَطَّانِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ ، وَأَنَّهُ أَطَالَ الْخُطْبَةَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ ، وَسَقَطَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ ، وَاسْتَجْزَى بِمَا صَلَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّاسَ جَمَعُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : أَصَابَ السُّنَّةَ - وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى الظُّهْرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي بَيْتِهِ ، وَأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي تَرْكِ الِاجْتِمَاعَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ لَا أَنَّ الظُّهْرَ تَسْقُطُ . وَأَمَّا حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ ، قَالَ : شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ : هَلْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَكَيْفَ صَنَعَ ؟ قَالَ : صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ فَقَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي شُهُودِهَا ، وَأَحْسَنُ مَا يُتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَذَانَ رُخِّصَ بِهِ مَنْ لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ مِمَّنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْعِيدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَجُزْ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ تَجِبُ حُجَّتُهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ ذَهَبَ إِلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بِأَحَادِيثَ لَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ إِلَّا وَفِيهِ مَطْعَنٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَحَسْبُكَ بِذَلِكَ ضَعْفًا لَهَا ، وَسَنَذْكُرُ الْآثَارَ فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ فِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي فَرْضِهَا يُغْنِي عَمَّا سِوَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِنَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الذكور غير الْمُسَافِرِينَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْمِصْرِ ، وَخَارِجًا عَنْهُ مِمَّنْ إِذَا شَهِدَ الْجُمُعَةَ أَمْكَنَهُ الِانْصِرَافُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ . وَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ : إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِهِ : يَا أَهْلَ فَرْدَا وَيَا أَهْلَ دَامِرَةَ - قَرْيَتَيْنِ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ وَالْأُخْرَى عَلَى خَمْسَةٍ - إِنَّ الْجُمُعَةَ لَزِمَتْكُمْ ، وَإِنَّهُ لَا جُمُعَةَ إِلَّا مَعَنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِمَشْقَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا بِشُهُودِ الْجُمُعَةِ . وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ : كَانَ أَبِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ ، فَكَانَ رُبَّمَا شَهِدَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَرُبَّمَا لَمَّ يَشْهَدْهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يَنْزِلُ إِلَيْهَا مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ ، وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ . وَقَالَ مَالِكٌ والليث : تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْمِصْرِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِمَّنْ يَسْكُنُ خَارِجَ الْمِصْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْمِصْرِ ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ جُمُعَةٌ ، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ : لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ إِلَّا عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ، كَانَ بِالْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ . يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَسْمَعُ مِنْهُ وَمِنْ مِثْلِهِ النِّدَاءَ . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : لَا يَتَبَيَّنُ عِنْدِي أَنْ يَخْرُجَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ، قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يُحْرِجَ أَهْلَ الْمِصْرِ وَإِنْ عَظُمَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي مُرَاعَاةِ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ ; لِأَنَّ الصَّوْتَ النَّدِيَّ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ هُدُوءِ الْأَصْوَاتِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْمَعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَلَا يَكُونُ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ مُخَالِفًا لِمَنْ قَالَ : لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ إِلَّا عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَدْ ذُكِرَ ابن عبدوس فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : عَزِيمَةُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءَ ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، وَمَنْ كَانَ أَبْعَدَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ فِي شُهُودِهَا فَهُوَ أَحْسَنُ . فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ . وَعَلَى هَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ أَنْ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى مَا صَنَعَ عُثْمَانُ فِي إِذْنِهِ لِأَهْلِ الْعَوَالِي ; لِأَنَّ الْجُمُعَةَ كَانَتْ عِنْدَهُ وَاجِبَةً عَلَى أَهْلِ الْعَوَالِي ; لِأَنَّ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوِهَا ، وَذَهَبَ غَيْرُ مَالِكٍ إِلَى أَنْ إِذْنَ عُثْمَانَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي إِنَّمَا كَانَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى أَهْلِ الْعَوَالِي عِنْدَهُ ; لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ عِنْدَهُ . هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ : سُفْيَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهَا . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ وَالْقُرَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ ، وَفِي عَدَدِ رِجَالِ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، فَسَنَذْكُرُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ فِي مُرَاعَاةِ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ الصَّبَّةَ مِنَ الْغَنَمِ فَيَنْزِلَ بِهَا عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَتَأْتِيَ الْجُمُعَةُ فَلَا يَجْمَعَ فَيُطْبَعَ عَلَى قَلْبِهِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ شَرَطَ سَمَاعَ النِّدَاءِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ أَيْضًا قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : سُئِلَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَأَنَا أَسْمَعُ : مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ ؟ فَقَالَ : مِنْ مَدَى الصَّوْتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا يَحْضُرُنِي مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ عَطَاءٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ - إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَا النُّزُولُ إِلَيْهَا لِبُعْدِ مَوْضِعِهِ عَنْ مَوْضِعِ إِقَامَتِهَا - عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ - مُجْمَعٌ أَنَّ الظُّهْرَ وَاجِبَةٌ لَازِمَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ هَذِهِ حَالَهُ . وَعَطَاءٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ مُوَافِقَانِ لِلْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ يَوْمِ عِيدٍ ، فَكَذَلِكَ يَوْمُ الْعِيدِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ ، هَذَا لَوْ كَانَ قَوْلُهُمَا اخْتِلَافًا يُوجِبُ النَّظَرَ ، فَكَيْفَ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَتَأْوِيلُهُ بَعِيدٌ ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ : ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ وَأَنَّ أَهْلَهُ إِذَا أَقَامُوهَا وَلَا سُلْطَانَ عَلَيْهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ . وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مِثْلُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَالِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ صَلَاةَ عَلِيٍّ بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ أَصْلٌ فِي كُلِّ سَبَبِ تَخَلُّفِ الْإِمَامِ عَنْ حُضُورِهِ أَوْ خَلِيفَتِهِ أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِقَامَةَ رَجُلٍ يَقُومُ بِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَالطَّبَرِيِّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ : لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ لَوْ مَاتَ وَالِيهُمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمُ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَقْدُمَ عَلَيْهِمْ وَالٍ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُصَلُّونَ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ . وَقَالَ دَاوُدُ : الْجُمُعَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى وَالٍ وَلَا إِمَامٍ وَلَا إِلَى خُطْبَةٍ وَلَا إِلَى مَكَانٍ ، وَيَجُوزُ لِلْمُنْفَرِدِ عِنْدَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ جُمُعَةً . قَالَ : وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَقَوْلُ دَاوُدَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ; لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَجَمَاعَةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَكَانِ وَالْوَالِي وَالْخُطْبَةِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : حَيْثُمَا كَانَ أَمِيرٌ فَإِنَّهُ يَعِظُ أَصْحَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ . ذَكَرْنَا قَوْلَ الزُّهْرِيِّ هَذَا ; لِأَنَّهُ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ عَلِيٍّ حِينَ صَلَّى بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ الْحُدُودَ وَالْجُمُعَةَ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْجُمُعَةَ السُّلْطَانُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا عِنْدَ نُزُولِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَوْتِ الْإِمَامِ أَوْ قَتْلِهِ أَوْ عَزْلِهِ . وَالْجُمُعَةُ قَدْ جَاءَتْ : فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا أَرْبَعًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ( وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ) : يُصَلِّي بِهِمْ بَعْضُهُمْ بِخُطْبَةٍ وَيُجْزِيهِمْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْفُسَّاقِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ ، فَقَالَ : أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ أَوْ مِثْلَهُمْ - يَعْنِي فِي الْفِسْقِ وَالْمَذْهَبِ - أَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ شُهُودِهَا مَعَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ وَلَا هُوَ مِثْلُهُمْ فَلَا يُعِيدُ . قَالَ : قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ يُقَالُ إِنَّهُ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ؟ فَقَالَ ( حَتَّى ) تَعْلَمَ ذَلِكَ وَتَسْتَيْقِنَ . قَالَ : فَقُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ أَتَرَى أَنْ يصَلِّيَ وَرَاءَ مَنْ جَمَّعَ بِالنَّاسِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؟ فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ صَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ؟ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَصْلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا فَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ مُؤْتَةَ لَمَّا قُتِلَ الْأُمَرَاءُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَمَّرُوهُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُتَغَلِّبَ وَالْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ تَجُوزُ الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ ، فَمَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ أَحْرَى بِجَوَازِهَا خَلْفَهُ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ إِذَا قَدَّمُوا رَجُلًا لَا يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ ؟ قَالَ : صَلِّ خَلْفَهُ . فَذَكَرْتُ لَهُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : إِذَا كَانَ الَّذِي قَدَّمَهُ لَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ فَسَدَتِ الصَّلَاةُ خَلْفَ هَذَا الْمُقَدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمْ . فَقَالَ : أَمَّا أَنَا ، فَلَسْتُ أَقُولُ بِهَذَا . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ : تَذَاكَرْنَا الْجُمُعَةَ لَيَالِيَ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ ، فَإِنَّمَا كَذِبُهُ عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِمَامُ فِتْنَةٍ ، وَأَنَا أَتَحَرَّجُ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ أَحْسَنُ مَا صَنَعَ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ مَرَّةً عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ، وَمَرَّةً عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : دَخَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَرَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْتَ إِمَامُ الْعَامَّةِ ، وَيُصَلِّي بِنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ ؟ فَقَالَ : صَلِّيَا خَلْفَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْقِصَّةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ ; لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِهِمُ الْجُمُعَةَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ أَوِ ابْنُهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، وَصَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ ، مِنْهُمُ الْوَاقِدَيُّ وَالزُّبَيْرِيُّ ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي حَصْرِ عُثْمَانَ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بَعْدُ . وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : حَضَرْتُ الصَّلَاةَ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُ عُثْمَانَ ، وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، أَوْ إِلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، فَقُلْ لَهُ : يُصَلِّي بِالنَّاسِ . وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، قَالَ : صَلَّى أَبُو أُمَامَةَ أَوْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ . قَالَ الْمَدَائِنِيُّ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جَعْدَةَ قَالَ : صَلَّى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، وَصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . قَالَ : وَقَالَ جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ جَاءَ عَلِيٌّ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ . وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، قَالَ : سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ ، أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، قَالَ يَحْيَى : وَلَعَلَّهُ قَدْ صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ بَعْدَ رَجُلٍ . فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ قَوْلَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ لِعُثْمَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِمَامُ فِتْنَةٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَلَا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَحَدَ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : مَا صَلَّى عَلِيٌّ بِالنَّاسِ حِينَ حُصِرَ عُثْمَانُ إِلَّا صَلَاةَ الْعِيدِ وَحْدَهَا ، وَكَانَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ : إِنَّ الَّذِي عَنَى عُثْمَانُ بِقَوْلِهِ إِمَامُ فِتْنَةٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ ، وَهُوَ الَّذِي أَجْلَبَ عَلَى عُثْمَانَ بِأَهْلِ مِصْرَ . وَالْوَجْهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي قَوْلِهِ إِمَامُ فِتْنَةٍ أَيْ إِمَامَةٌ فِي فِتْنَةٍ ، لِأَنَّ الْجُمُعَاتِ وَالْأَعْيَادَ وَالْجَمَاعَاتِ نِظَامُهَا وَتَمَامُهَا الْإِمَامَةُ ، فيهَا تَكُونُ الْجَمَاعَةُ الْمَحْمُودَةُ ، وَبِبَقَاءِ النَّاسِ بِلَا إِمَامٍ تَكُونُ الْفِرْقَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَمَاعَةِ وَالِاعْتِصَامِ بِالْإِمَامَةِ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْفُرْقَةِ ، مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَصَحِيحِ الْأَثَرِ فِي بَابِ سُهَيْلٍ عِنْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ لَكُمْ ثَلَاثًا . الْحَدِيثَ ، مِنْهَا : أَنَّ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَأَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
495 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي . فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا . أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ خَصَّتْ مِنْهَا الدَّاعِيَ إِذَا عَجَّلَ فَقَالَ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ؟ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِجَابَةِ وَمَعْنَاهَا مَا فِيهِ غِنًى عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : فَإِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنَّ يُكَفِّرَ عَنْهُ أَوْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي آخِرِ بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِجَابَةِ عَلَى إحَدى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ أَنَّهُ يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ بِتَأْوِيلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ، وَبِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَعِبَادَةٌ وَحُسْنُ عَمَلٍ ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا أَخَافُ أَنْ أُحْرَمَ الْإِجَابَةَ ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أُحْرَمَ الدُّعَاءَ . وَهَذَا عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ آيَةَ الْإِجَابَةِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْوَعْدِ ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ لَاهٍ فَادْعُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ تُجَابُ دَعْوَتُهُ ، وَلَا فِي كُلِّ وَقْتٍ تُجَابُ دَعْوَةُ الْفَاضِلِ ، وَأَنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ لَا تَكَادُ تُرَدُّ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ ، وَاحْتُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الدُّعَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلْ . قَالُوا : وَمَا الِاسْتِعْجَالُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَقُولُ : ( قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبُّ ) فَلَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي . وَهَذَا أَكْمَلُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَوْضَحُ مَعْنًى ، وَهُوَ يُفَسِّرُهُ وَيُعَضِّدُهُ . وَقَدْ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ تَلَا : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي الْآيَةَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ كُلِّهَا الدُّعَاءُ . وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى حِزْبِهِ مِنَ الدُّعَاءِ كَمَا يُوَاظِبُ عَلَى حِزْبِهِ مِنَ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لِكُلِّ شَيْءٍ ثَمَرَةٌ ، وَثَمَرَةُ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ . وَقَالَ أَيْضًا : لَا يَسْمَعُ اللَّهُ دُعَاءَ مُسَمِّعٍ وَلَا مُرَاءٍ وَلَا لَاعِبٍ . وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ : الدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ الَّذِي تُخْرِجُهُ الْأَحْزَانُ ، وَمِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ : التَّفَرُّغُ . وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ . وَقَالُوا : لَا يَصْلُحُ الْإِلْحَاحُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) . وَقَالَ مُوَّرِقٌ الْعِجْلِيُّ : دَعَوْتُ رَبِّي فِي حَاجَةٍ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَقْضِهَا لِي وَلَمْ أَيْأَسْ مِنْهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُقَالُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً .
218 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ، قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ فَانْتَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ . قَدْ ذَكَرْنَا ابْنَ بُحَيْنَةَ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْوَهْمَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ مِثْلِهِ لَيْسَ لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَاعْتَدَلَ قَائِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : وَاعْتَدَلَ قَائِمًا ; لِأَنَّ النَّاهِضَ لَا يُسَمَّى قَائِمًا حَتَّى يَعْتَدِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا الْقَائِمُ : الْمُعْتَدِلُ . وَفِي حَدِيثِنَا هَذَا : ثُمَّ قَامَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : لَا يَنْبَغِي لَهُ إِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا أَنَّ يَرْجِعَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اعْتَدَلَ قَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَذْكُرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُذَكِّرَهُ مَنْ خَلْفَهُ بِالتَّسْبِيحِ ، وَلَا سِيَّمَا قَوْمٌ قِيلَ لَهُمْ : مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَهُمْ أَهْلُ النُّهَى ، وَأَوْلَى مَنْ عَمِلَ بِمَا حَفِظَ وَوَعَى ، وَأَيُّ الْحَالَيْنِ كَانَتْ فَلَمْ يَنْصَرِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ أَنْ لَا يَرْجِعَ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ سَهْوِهِ وَحَالِ رُجُوعِهِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ . وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا فَعَلَهُ ، وَتَرْكُ الرُّجُوعِ رُخْصَةٌ ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ لَمْ يكُنْ فَرْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ تَمَادَى وَلَمْ يَجْلِسْ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ هَذَا ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَتُجْزِيهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ : يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ : يَسْجُدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حِينِ قِيَامِهِ ، وَرُجُوعِهِ إِلَى الْجُلُوسِ زِيَادَةٌ فَكَأَنَّهُ زَادَ وَنَقَصَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( إِذَا ذَكَرَ وَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا جَلَسَ ، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ ) وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ( وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَفِي قَوْلٍ الشَّافِعِيِّ : إِذَا رَجَعَ إِلَى الْجُلُوسِ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، وَفِي قَوْلٍ الْأَسْوَدِ ) وَعَلْقَمَةَ : لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِأَنْ رَجَعَ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِذَا ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يَقْعُدُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحِ الْقِرَاءَةَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا فَارَقَتِ الْأَرْضَ أَلْيَتُهُ وَهَمَّ بِالْقِيَامِ مَضَى كَمَا هُوَ وَلَا يَرْجِعُ . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ : إِذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنِ الْأَرْضِ مَضَى . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَنْصَرِفُ وَيَقْعُدُ وَإِنْ قَرَأَ مَا لَمْ يَرْكَعْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَهُوَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْفَتْوَى : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مَاهَانَ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُبَيْلٍ أَحْمَسُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا ( فَلْيَجْلِسْ ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا ) فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَيْسَ فِي كِتَابِي عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ : مَنْ تَرَكَ الرُّجُوعَ لِمَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ : الْوُسْطَى سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَرَجَعَ السَّاهِي إِلَيْهَا مَتَى ذَكَرَهَا فَقَضَاهَا ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ كَمَا يَصْنَعُ مَنْ تَرَكَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً ، وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ ، وَلَرُوعِيَ فِيهَا مَا يُرَاعَى فِي السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ مِنَ الْوَلَاءِ وَالرُّتْبَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمَهَا وَكَانَتْ سَجْدَتَا السَّهْوِ تَنُوبُ عَنْهَا ، وَلَمْ تَنُبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الْبَدَنِ غَيْرُهَا ، عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَلَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّجُوعَ إِلَيْهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ كُلَّ مَنْ سَهَا فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ ، لِيُكْمِلَ فَرِيضَتَهُ عَلَى يَقِينٍ ؟ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقِيَامَ وَالْجَلْسَةَ الْأَخِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ كُلُّهُ ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ وَذَكَرَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ فَأَتَّمَّهُ ، وَبَنَى عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَتَمَادَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ سُجُودُ السَّهْوِ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ وُجُوبُ فَرْضِهِ ، وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَأَمَرَ بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ صَلَّى جَالِسًا فَرِيضَةً ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ ، وَأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ إِلَّا بِقِيَامٍ وَجُلُوسٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا بِجُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؟ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ ( لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْجَلْسَةُ الْآخِرَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَرْضٌ ) وَاجِبٌ ( أَيْضًا ) وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهَا إِلَّا بَعْضَ الْبَصْرِيِّينَ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ انْفَرَدَ بِهِ مَنْ لَا حُجَّةَ فِي نَقْلِهِ ، فَكَيْفَ بِانْفِرَادِهِ ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى وَحْدَهَا مِنْ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ كُلِّهَا فِي الصَّلَاةِ ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ إِلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَحُجَّتُهُمْ مَا وَصَفْنَا ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، قَالُوا : وَلَكِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِأَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَيْهَا ، وَأَنْ تُجْبَرَ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَقَالُوا : هِيَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمٍ كَالْعَرَايَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْقِرَاضِ مِنَ الْإِجَارَاتِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَمَلُ الْبَدَنِ فِي السَّهْوِ عَلَيْهَا ، إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ وَغَلِطَتْ ، وَاعْتَلُّوا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا ; لَأَنَّ السُّنَنَ حُكْمُهَا عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْهَا عَامِدًا فَقَدْ قَصَّرَ عَنْ حِفْظِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْكَمَالِ ، وَلَا يَجِبْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ إِعَادَةٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمَا فَرْضًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يَفْسُدُ بِتَرْكِهِمَا صَلَاةُ مَنْ تَرَكَهُمَا عَامِدًا ، وَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا فَرْضًا مِنْ أَوْكَدِ السُّنَنِ ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ فَرْضًا هُوَ سُنَّةٌ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَقَالُوا : خَرَجَتِ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى بِدَلِيلِهَا مِنْ بَيْنِ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَانْفَرَدَتْ بِحُكْمِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهَا بِذَلِكَ ، كَمَا خَصَّ الْمَأْمُومَ إِذَا أَحْرَمَ وَرَاءَ إِمَامِهِ ، وَهُوَ رَاكِعٌ أَنْ يَنْحَطَّ إِلَى رُكُوعِهِ بِإِثْرِ إِحْرَامِهِ دُونَ أَنْ يَقِفَ ، هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْوُقُوفُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَرْضٌ . قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ يَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مِنْ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، وَمِنْ أَنْ ( يَجْلِسَ فِي ) ثَانِيَةٍ لَهُ ، وَأَنْ يَقُومَ بَعْدَ أُولَى لَهُ - كَانَ دَلِيلُهُ عَلَى ( مُخَالَفَةِ رُتْبَةِ الصَّلَاةِ اتِّبَاعَ إِمَامِهِ ، وَجَازَ لَهُ فِي اتِّبَاعِهِ مَا لَوْ فَعَلَهَ عَامِدًا هُوَ وَحْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، أَوْ فَعَلَهُ سَاهِيًا لَمْ تُجْزِهِ ، وَكَانَ دَلِيلُهُ عَلَى ( ذَلِكَ كُلِّهِ ) قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مَعَ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَخَصَّ بِهَذَا الدَّلِيلِ تِلْكَ الْجُمَلَ ( الْعِظَامَ ) وَالْأُصُولَ الجسام ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ انْصِرَافِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ خَصَّهَا مِنْ بَيْنِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ( بِحُكْمٍ تُجْبَرُ فِيهِ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْفَرَائِضِ فِي الصَّلَاةِ ) وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فَرْضٌ كَسَائِرِ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ ; إِذْ لَيْسَ مِنْ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ ( فِي الصَّلَاةِ ) شَيْءٌ غَيْرَ فَرْضٍ . قَالُوا : فَالْجَلْسَةُ الْوُسْطَى ( أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا ) لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا ; لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ . وَقَدْ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الْآيَةَ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ يَحْتَجُّ فِيهِ عَلَى مَنْ جَعَلَ السُّتْرَةَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ( قَالَ ) وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْمُفْتَرَضَ فِي الصَّلَاةِ حَرَكَاتُ الْبَدَنِ مِنْ حِينِ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا فِي تَكْبِيرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَبْقَى فِي الصَّلَاةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ ، وَإِنَّمَا هُوَ زِينَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَسِتْرٌ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَوَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الصَّلَاةَ عِنْدَ اللُّبْسِ كَمَا يَنْوِي بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ ( الدُّخُولَ ) فِي الصَّلَاةِ ( هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ ، وَإِنَّمَا جَلَبْنَاهُ لِقَوْلِهِ : إِنَّ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ مُفْتَرَضَاتٌ فِي الصَّلَاةِ ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا شَيْئًا . وَقَدْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى إِيجَابِ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى فَرْضًا ، وَرَأَتِ الِانْصِرَافَ إِلَيْهَا مَا لَمْ يَعْمَلِ الْمُصَلِّي بَعْدَهَا مِنَ الْعَمَلِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا ، وَشَذَّتْ فِي ذَلِكَ . وَقَوْلُهَا عِنْدِي مَرْدُودٌ بِدَلِيلِ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . وَذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ إِلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ الْآخِرَةَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ ; قِيَاسًا عَلَى الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى ، وَاحْتَجَّ فِي الْوُسْطَى بِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : إِذَا رَفَعَ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ الْآخَرِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ أَحْدَثَ فَقَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَالْجَلْسَةُ الْوُسْطَى لَا تَخْلُو ( مِنْ ) أَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ ( عَلَيْهَا ) أَوْ يكُونَ سُنَّةً ، فَذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا الْفَرْضُ . قَدْ قَامَتْ الدَّلَائِلُ عَلَى فَرْضِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا . وَكُلُّ أَعْمَالِ الْبَدَنِ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنَ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ عُلَيَّةَ مَعَ شُذُوذِهِ أَيْضًا فِيهِ . ( وَالْقَوْلُ ) بِأَنَّ الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لِأَنِّي رَأَيْتُ الْفَرَائِضَ يَسْتَوِي فِي تَرْكِهَا السَّهْوُ وَالْعَمْدُ إِلَّا فِي الْمَأْثَمِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ سَهَا عَنْ مَسْحِ رَأْسِهِ وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، وَمَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ ، وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ . وَسَائِرُ الْفَرَائِضِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ عَلَى هَذَا ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ آثِمٌ ، وَالسَّاهِيَ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْإِثْمَ . فَلَوْ كَانَتِ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى فَرْضًا لَلَزِمَ السَّاهِيَ عَنْهَا ( الِانْصِرَافُ إِلَيْهَا ) وَالْإِتْيَانُ بِهَا وَلَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا ؛ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سُبِّحَ بِهِ لَهَا ، فَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا . وَحَسْبُكَ بِهَذَا حُجَّةً لِمَنْ يُعَانِدُ ، وَاللَّهُ نَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السُّوَيْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ فَأَشَارَ أَنْ قُومُوا . فَلَمَّا أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ : فَنَهَضَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ فَقُلْنَا : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَضَى ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ : سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ( يَرْفَعُهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدِ قَالَ : ) ( صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِثْلَ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو عُمَيْسٍ نَضْرٌ الْمَسْعُودِيُّ . وَفَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍّ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةُ ) وَعِمْرَانُ بْنُ حَصِينٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ . وَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ . وَقَرَأَتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ سَهَا ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ حِينَ انْصَرَفَ ، ثُمَّ قَالَ : كُنْتُمْ تُرَوْنِي أَجْلِسُ ، إِنَّمَا صَنَعْتُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، مَوْقُوفٌ . وَقَدْ سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، فِي الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، قَالَ يَحْيَى : خَطَأٌ لَيْسَ يَرْفَعُ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : أَمَّنَا سَعْدٌ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَمَاسَةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَامَ فِي صَلَاتِهِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ ، فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) فَعَرَفَ الَّذِي يُرِيدُونَ ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّسْبِيحِ بِالسَّاهِي الْقَائِمِ مِنِ اثْنَتَيْنِ ، وَإِعْلَامِهِ بِسَهْوِهِ ذَلِكَ ، وَإِبَايَتِهِ مِنَ الِانْصِرَافِ . وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ، وَهَذِهِ الْآثَارُ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ مِنْ وَجْهٍ ، مُخَالِفَةٌ لَهُ مِنْ آخَرَ ; لِأَنَّ فِيهَا السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَبِهَذِهِ الْآثَارِ يَحْتَجُّ مَنْ رَأَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : السُّجُودُ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ أَبِي السَّائِبِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ . وَالْحُجَّةُ لِقَائِلِهِ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي بُحَيْنَةَ ، وَهُوَ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَأَثْبَتُ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالسُّجُودِ ( فِي ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ ( فِي ذَلِكَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : السَّجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلَامِ . فَقَالَ عُمَرُ : أَبَى ذَلِكَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَا زُهْرِيُّ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَيْمُونٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَلَّى لِلنَّاسِ الْمَغْرِبَ فَسَهَا ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَسَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ ، فَقَالَ : أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالسُّنَّةُ عَلَى غَيْرِ الَّذِي صَنَعْتَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَكَيْفَ ؟ قَالَ : تَجْعَلُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ . قَالَ عُمَرُ : إِنِّي قُلْتُ : إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيَّ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : مَا دَخَلَ عَلَيْكَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : السُّجُودُ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَيُجْزِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ ، فَسُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَكُلُّ سَهْوٍ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَالسُّجُودُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ ) ( عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : كُلُّ مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَفِي النُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ . فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّهْوَ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ أَنَّ السُّجُودَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : سُجُودُ السَّهْوِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ إِذَا نَهَضَ مِنِ اثْنَتَيْنِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَصَحُّ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ - مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : وَإِذَا شَكَّ فَرَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ أَيْضًا ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . قَالَ : وَإِذَا سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ . قَالَ : وَإِذَا شَكَّ فَكَانَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إِلَى التَّحَرِّي سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : وَكُلُّ سَهْوٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَا ذَكَرْنَا يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَبِهَذَا كُلِّهِ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى خُصَيْفٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَشُكُّ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ . ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ خُصَيْفٍ ، وَهُوَ خِلَافٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقَوْلُ فِي التَّحَرِّي ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَهُمَا عِنْدَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالسُّجُودُ عِنْدَهُ فِي الْقِيَامِ مِنِ اثْنَينِ بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ زِيَادَةً يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَحَجَّتُهُ حَدِيثُ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ؛ فَإِذَا سَلَّمَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْحُجَّةَ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّدِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَالسَّلَامِ مِنْهُمَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا تَشَهُّدَ فِيهِمَا وَلَا تَسْلِيمَ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ التَّشَهُّدِ عِنْدَهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ : إِنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا لَا يُسَلِّمُ . قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ( وَالثَّوْرِيُّ ) وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ . وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : يُسَلِّمُ مِنْهُمَا وَلَا يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَأَى السَّلَامَ فِيهِمَا ، فَعَلَى أَصْلِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ وَالتَّسْلِيمَتَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ . وَمَنْ رَأَى السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ هُوَ السَّلَامُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَلَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَمَحْفُوظٌ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، سَجَدَ سجدتين ، فكبر فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ لِمَكَانِ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَبَقِيَّةُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَزَادَ : فَكَانَ مِنَّا التَّشَهُّدُ فِي قِيَامِهِ : مَنْ نَسِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَهُوَ جَالِسٌ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلٌ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ هُرْمُزَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهَى عَنْ قُعُودٍ قَامَ مِنْهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ وَانْتُظِرَ سَلَامُهُ ، كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَبَّرَ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ فِي الصَّلَاةِ : فَأَمَّا الْفَرْضُ فِي ذَلِكَ فَعَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ ، أَحَدُهَا أَنَّ الْجَلْسَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ وَالسَّلَامَ فَرْضٌ . وَحَكَى مِثْلَ هَذَا الصَّعْبُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ بَيَانَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ ; لِأَنَّ أَصْلَ فَرْضِهَا مُجْمَلٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الْبَيَانِ ، فَكُلُّ عَمَلِهِ فِيهَا فَرْضٌ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلِ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ ابْنِ طَلْقٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ . قَالُوا : وَمَا لَمْ يُسَلِّمْ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا بِغَيْرِ السَّلَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا فَرْضٌ ، وَالسَّلَامَ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ بِوَاجِبٍ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ عَمَلَ الْبَدَنِ كُلَّهُ فَرْضٌ ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَكَذَلِكَ كَلُّ عَمَلِ الْبَدَنِ ، إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ، وَهِيَ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى . وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْرُجْ قَطُّ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ . وَقَالَ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، وَقَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ ، فَسَقَطَ التَّشَهُّدُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَا شَيْءَ مِنَ الذِّكْرِ وَاجِبٌ غَيْرَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْجُلُوسَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ وَلَا السَّلَامُ بِوَاجِبٍ فَرْضًا . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ . وَاحْتَجُّوا لَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ مُجْمَلِ الصَّلَاةِ ، وَعَمَلِ الْبَدَنِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْأَنْعُمِ وَهُوَ الْإِفْرِيقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَافِعٍ وَبَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَاهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ . وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ أَنَّ الْجُلُوسَ وَالتَّشَهُّدَ وَاجِبَانِ ، وَلَيْسَ السَّلَامُ بِوَاجِبٍ . قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّدَ وَقَالَ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذَا فَقَدَ تَمَّتْ صَلَاتُكَ ، وَقَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ . وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ أَنْ لَيْسَ الْجُلُوسُ مِنْهَا وَلَا التَّشَهُّدُ وَلَا السَّلَامُ بِوَاجِبٍ . إِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ . هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَصَرَّحَ بِقِيَاسِ الْجَلْسَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى الْأُولَى ، فَخَالَفَ الْجُمْهُورَ وَشَذَّ ، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ الْمَذْكُورِ : إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جُلُوسًا ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ لِضَعْفِ سَنَدِهِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي لَفْظِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ وَوُجُوبِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْقَارِئِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ مُسْنَدَةٍ ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ ، مَوْلَى مُحَمَّدِ ( بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ) بْنِ عَبَدَ الْمُطَّلِبِ ، يُكَنَّى أَبَا دَاوُدَ ، كَانَ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْقِرَاءَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ بِالْمَدِينَةِ ؛ وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا حُجَّةً فِيمَا نَقَلَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ ( وَقَرَأَ عَلَيْهِ نَافِعٌ ، وَتُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فِيمَا قَالَ مُصْعَبٌ . وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : مَاتَ أَبُو دَاوُدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ 1160 مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ، يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ ، لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَذَاكَ أَنَّهُمَا مُسْنَدَانِ مَرْفُوعَانِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ الصَّوَّافُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ؛ يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَتَابِعَ رَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى ذَلِكَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سَيْفٍ التُّجِيبِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ : يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُمْنَعُ الْفُقَرَاءُ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ : هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْأَعْرَجِ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى الْغَنِيُّ وَيُمْنَعُ الْمِسْكِينُ ، وَهِيَ حَقٌّ مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ عَصَى . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ إِسْنَادِ مَالِكٍ وَلَفْظِهِ سَوَاءً . وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَجَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدَّثَنِي يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِئْسَ الطَّعَامُ الْوَلِيمَةُ يُدْعَى لَهُ الْأَغْنِيَاءُ ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا . فَأَمَّا قَوْلُهُ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ . فَلَمْ يُرِدْ ذَمَّ الطَّعَامِ فِي ذَاتِهِ وَحَالِهِ ، وَإِنَّمَا ذَمَّ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ لِلْأَغْنِيَاءِ إِلَيْهِ دُونَ الْفُقَرَاءِ ، فَإِلَى فَاعِلِ ذَلِكَ تَوَجَّهَ الذَّمُّ ، لَا إِلَى الطَّعَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ إِتْيَانِ الدَّعْوَةِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ ، وَمَضَى هُنَاكَ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ إِتْيَانُهُ مِنَ الدَّعَوَاتِ إِلَى الطَّعَامِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ : يَجِبُ إِجَابَةُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَلَا يَجِبُ غَيْرُهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِجَابَةُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَاجِبَةٌ ، وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِ غَيْرِهَا مِنَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْوَلِيمَةِ كَالْإِمْلَاكِ وَالنِّفَاسِ وَالْخِتَانِ وَحَادِثِ سُرُورٍ ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا تَبَيَّنَ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحسن العنبري الْقَاضِي الْبَصْرِيُّ : إِجَابَةُ كُلِّ دَعْوَةٍ اتَّخَذَهَا صَاحِبُهَا لِلْمَدْعُوِّ فِيهَا طَعَامًا وَاجِبَةٌ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمْ نَجِدْ عَنْ أَصْحَابِنَا - يَعْنِي أَبَا حَنَفِيَّةَ وَأَصْحَابَهُ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، إِلَّا فِي إِجَابَةِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : الْوَلِيمَةُ : طَعَامُ الْعُرْسِ ، وَقَدْ أَوْلَمَ ، أَيْ : أَطْعَمَ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي إِلَى خِتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ . قَالَ : وَقَدْ كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَأْتِي الْخِتَانَ ، وَلَا نُدْعَى لَهُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . قَالَ : إِذَا دُعِيتُمْ فَأَجِيبُوا ، وَإِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا وَلَا ( أَعْلَمُ ) خِلَافًا فِي وُجُوبِ إِتْيَانِ الْوَلِيمَةِ لِمَنْ دُعِيَ إِلَيْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُنْكَرٌ وَلَهْوٌ . وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ . وَأَمَّا غَيْرُ الْوَلِيمَةِ مِنَ الطَّعَامِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ فَمَنْ أَوْجَبَ الْإِجَابَةَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ الْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي بَابِ إِسْحَاقَ ( بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَنْ أَبَى حَقَّ ذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ، وَفِي بَابِ إِسْحَاقَ ) بَيَانُ مَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُنْكَرِ وَاللَّهْوِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجَابَةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّ اللَّهْوَ الْخَفِيفَ مِثْلُ الدُّفِّ وَالْكَبَرِ ، فَلَا يَرْجِعُ فَإِنِّي أَرَاهُ خَفِيفًا . وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَالَ أَصْبَغُ : أَرَى أَنْ يَرْجِعَ . قَالَ : وَقَدْ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِذِي الْهَيْئَةِ أَنْ يَحْضُرَ مَوْضِعًا فِيهِ لَعِبٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا كَانَ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مُسْكِرٌ أَوْ خَمْرٌ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ - نَهَاهُمْ ، فَإِنْ نَحَوْا ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ ، وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ . قَالَ : وَضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ فَوَجَدَ فِيهَا لَعِبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ . وَقَالَ هِشَامٌ الدَّارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَخْرُجَ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِنْ كَانَ ( فِيهَا ) الضَّرْبُ بِالْعُودِ وَاللَّهْوِ فَلَا يَشْهَدْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَفِينَةُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَجُلًا أَضَافَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَدَعَوْهُ فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ ، فَرَأَى قِرَامًا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ : أَلْحِقْهُ . فَقَالَ لَهُ : مَا رَجَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَرِهَ دُخُولَ بَيْتٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، وَلِتَقُدُّمِ نَهْيِهِ . وَقَوْلُهُ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ تَمَاثِيلُ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مُنْكَرٍ إِذَا كَانَ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَنْبَغِي دُخُولُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِرُجُوعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَعَامٍ دُعِيَ إِلَيْهِ لَمَّا رَأَى فِي الْبَيْتِ مِمَّا يُنْكِرُهُ وَمَا تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْهُ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : طَعَامُ الْوَلِيمَةِ هُوَ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْإِمْلَاكِ خَاصَّةً . قَالُوا : وَيُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي يُصْنَعُ لِلنُّفَسَاءِ : الْخُرْسُ وَالْخُرْسَةُ ، وَلِلطَّعَامِ الَّذِي يُصْنَعُ عِنْدَ الْخِتَانِ : الْإِعْذَارُ ، وَلِلطَّعَامِ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ : النَّقِيعَةُ ، وَلِلطَّعَامِ الَّذِي يُعْمَلُ عِنْدَ بِنَاءِ الدَّارِ : الْوَكِيرَةُ وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ : كُلُّ طَعَامٍ تَشْتَهِي رَبِيعَةُ الْخُرْسُ وَالْإِعْذَارُ وَالنَّقِيعَةُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ : وَالْمَأْدُبَةُ : كُلُّ مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ ، قَالَ : وَيُقَالُ : طَعَامٌ أُكِلَ عَلَى ضَفَفٍ : إِذَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي وَكَانَ قَلِيلًا .
1462 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ( عَنْ مَالِكٍ ) بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَكِنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، إِلَّا مَعْمَرًا فَإِنَّ عِنْدَهُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً عَلَى حَائِطِهِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُقَيْلٍ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ حَدِيثَ الْأَعْرَجِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ ( وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ الصِّنْهَاجِيُّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَوَهِمَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ مَعْمَرٍ ذِكْرُ أَبِي سَلَمَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : ( وَقَدْ ) رُوِيَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ( عَنْ مَالِكٍ ) عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( وَالصَّوَابُ فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) . وَقَالَ يَعْقُوبُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : قَالَ لِي مَعْنُ بْنُ عِيسَى : أَتُنْكِرُ الزُّهْرِيَّ - وَهُوَ يَتَمَرَّغُ فِي أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنْ عِدَّةٍ ؟ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . هَكَذَا يَقُولُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَعُقَيْلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ : إِذَا سَأَلَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . هَكَذَا رَوَى هَؤُلَاءِ ( هَذَا ) الْحَدِيثَ عَلَى سُؤَالِ الْجَارِ ( جَارَهُ ) وَاسْتِئْذَانِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَيُونُسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السُّؤَالَ ، وَالْمَعْنَى عِنْدِي فِيهِ وَاحِدٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ فِيهِ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . ( قَالَ اللَّيْثُ : هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا لَنَا عَنْ مَالِكٍ وَآخِرُهُ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَجَّاجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ الْعَامِرِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : سَمِعْتُهُ مِنَ اللَّيْثِ ، عَنْ مَالِكٍ وَمَالِكٌ حَيٌّ ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِذَلِكَ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ اللَّيْثِ ، لَا عَلَى لَفْظِ الْمُوَطَّأِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ : سَأَلْتُ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ خَشَبَةٍ أَوْ خَشَبِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ مِنْ جَمَاعَةٍ خَشَبَةً ( يَعْنِي ) عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ اللَّفْظَانِ جَمِيعًا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْنَا فِيهِمَا الشُّيُوخُ فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمْعِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِذَا أَتَى بِلَفْظِ النَّكِرَةِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا فِي أَكْتَافِكُمْ وَأَكْنَافِكُمْ . وَالصَّوَابُ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ - التَّاءُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ النَّدْبُ إِلَى بِرِّ الْجَارِ ، وَالتَّجَاوُزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحُلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ بمصر ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَيْسَ يُقْضَى عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ لِجَارِهِ ، وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ ( كَانَ ) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَصَاةِ بِالْجَارِ . قَالَ : وَمَنْ أَعَارَ صَاحِبَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ أَغْضَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ . قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ فَقَالَ : انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَنَا : الِاخْتِيَارُ وَالنَّدْبُ فِي إِسْعَافِ الْجَارِ وَبِرِّهِ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عُلَمَاءُ السَّلَفِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ، وَحَمَلُوهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا . وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ : الْحَضُّ وَالنَّدْبُ عَلَى حَسْبَ مَا يَرَاهُ الزَّوْجُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُؤْخَذُ بِمَا قَضَى بِهِ عُمَرُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْخَلِيجِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ . قَالَ : وَأَمَّا مَا حَكَمَ بِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِ الرَّبِيعِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْحَائِطِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْحَائِطِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ ، وَأَرْفَقُ بِصَاحِبِ الْحَائِطِ ، فَلِذَلِكَ حَكَمَ لَهُ عُمَرُ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْ وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ حَائِطٌ ، فَأَرَادَ جَارُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ سُتْرَةً يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ صَاحِبُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ ، وَمَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ . وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . وَحَكَى مَالِكٌ عَنِ الْمُطَّلِبِ - قَاضٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ - كَانَ يَقْضِي بِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنْ قَالُوا : هَذَا قَضَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمِرْفَقِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ ، وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا ، وَمَنَعَ ( مِنَ ) الْآخَرِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ فِي سَاقِيَةٍ يَسُوقُهَا الضَّحَّاكُ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَقَالَ لَهُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَ بِهَا وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ . لِامْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عِنْدَ عُمَرَ مَا أَجْبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ عَلَى رَغْمِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ جَدِّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ مِثْلَ مَا قَضَى بِهِ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ . وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ مُسْتَفِيضٌ مُتَرَدِّدٌ . رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعَرِيضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ؟ فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، ( فَأَمَرَهُ ) أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا . فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُه وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا وَاللَّهِ . فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ . فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ . وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( بْنُ عَوْفٍ ) أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالرَّبِيعُ : السَّاقِيَةُ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ : حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : اسْتُشْهِدَ مِنَّا غُلَامٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ : أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ . فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَسٍ ، وَكَانَ مُدَلِّسًا عَنِ الضُّعَفَاءِ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، مَا وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَنَى فَلْيَدْعُمْ جُذُوعَهُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ . قَالَ أَسَدٌ : وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ ( مُسْلِمٍ ) أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ . قَالَ أَسَدٌ : وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ . وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ تَرْكَهُ لِكُلِّ مَا أَدْخَلَ فِي مُوَطَّئِهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْمِرْفَقِ ، وَقَالَ : جَعَلَ فِي أَوَّلِ بَابِ الْقَضَاءِ بِالْمِرْفَقِ مِنْ مُوَطَّئِهِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِحَدِيثَيْ عُمَرَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْلَمَةَ ، وَقِصَّةِ الْمَازِنِيِّ مَعَ الضَّحَّاكِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ قَالَ : ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ( إِنَّهُ ) لَمْ يُرْوَ عَنْ ( أَحَدٍ مِنَ ) الصَّحَابَةِ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَجُلَّةِ الْأَنْصَارِ ، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَدْ خَالَفَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، وَأَبَى مِمَّا رَآهُ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، لَوْ كَانَ رَأْيُهُ وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ عُمَرَ مَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِيجَابِ لِلْجَارِ ، لَمَا خَالَفَهُ ، وَلَكِنْ رَآهُ عَلَى النَّدْبِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ عُمَرَ . وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَجَبَ النَّظَرُ . ( وَالنَّظَرُ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بُقُولِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ يَعْنِي أَمْوَالَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَدِمَاءَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَعْرَاضَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ( حَرَامٌ ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ ، وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . وَالْأُصُولُ فِي هَذَا كَثِير جِدًّا ، وَلِهَذِهِ الْأُصُولِ الْجِسَامِ وَلِمِثْلِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ ; لِتُسْتَعْمَلَ أَخْبَارُهُ وَسُنَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهَا ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْعَالَمِ مَا وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ ، وَنَهَى أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ - فَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ عَلَى مِثْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَحِلُّ فِي حُقُوقِ الْجَارِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْعَ مَا لَا يَضُرُّ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ ( الْكِرَامِ مِنَ ) الْمُؤْمِنِينَ وَمِنَ الدَّلِيلِ ( أَيْضًا ) عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَزَلْ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الْأَعْرَجِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَلَقَّوْا حَدِيثَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ ، وَمَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا كَمَذْهَبِ عُمَرَ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ لِمَنْ خَالَفَنَا وَعَلَيْهِمْ ، لَمْ أَذْكُرْهُ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ . وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ فَاضْطَرَبَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَلَا مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَلَا مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَتَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُحْسِنِ الِاخْتِيَارَ . قَالَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ : لَازِمٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى مَنْ أَبَاهُ وَأَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِنَ الضِّرَارِ أَنْ يَدْفَعَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَ بَيْتِهِ فِي جِدَارِهِ ، فَيَمْنَعُهُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةُ ، وَصَاحِبُ الْجِدَارِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ : وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . وَقَوْلُ عُمَرَ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا لَا يَضُرُّكَ ؟ قَالَ : وَقَدْ قَضَى مَالِكٌ لِلْجَارِ إِذَا تَغَوَّرَتْ بِيده أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ وَزَرْعَهُ بِبِئْرِ جَارِهِ ، حَتَّى يُصْلِحَ بِئْرَهُ ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبَةِ فِي جِدَارِ الْجَارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ بِالْجِدَارِ ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يُوهِنَ الْجِدَارَ وَيَضُرَّ بِهِ ، لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْجِدَارِ . وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْخَشَبِ : احْتَلْ لِخَشَبِكَ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي حَائِطِ الْمَازِنِيِّ . قَالَ : وَالرَّبِيعُ : السَّاقِيَةُ . فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْحَائِطِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَقَضَى عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ فِي الْحَائِطِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدِ اسْتَحَقَّهُ ، فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِصَاحِبِ الْحَائِطِ . قَالَ : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فِي قِصَّةِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ يَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْحُكْمِ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ . قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ ( قَالَ ) وَلَيْسَ مِثْلَ هَذَا حُكْمُ عُمَرَ فِي رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي حَائِطِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ طَرِيقٌ وَلَا رَبِيعٌ ( قَالَ ) : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ( ابْنِ ) حَبِيبٍ ، وَالْخَطَأُ فِيهِ وَالتَّنَاقُضُ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
150 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْمُغِيرَةَ بْنَ سِقْلَابٍ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدًا فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ مُسَدَّدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ وَيُحْفَظُ إِلَّا حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَوَّلِ الْأَذَانِ إِلَى آخِرِهِ ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَعُمُومُهُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدِي فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ كَمَا يَقُولُ حَتَّى يَسْكُتَ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ حُيَيٍّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ كَمَا يَقُولُونَ ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَاسْأَلْهُ تُعْطَ . وَرَوَى كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مثله بمعناه ، وَزَادَ : صَلُّوا عَلَيْهِ عَشْرًا . الْحَدِيثَ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَقُولُونَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَفِي قَوْلِهِ ( : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ) فَإِنَّهُ يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُنَادِي بِذَلِكَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . ثُمَّ يُتِمَّ الْأَذَانَ مَعَهُ إِلَخْ . وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمَ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، قَالَ أَحَدُكُمْ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَإِذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) ثُمَّ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ - دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، قَالَ : إِنِّي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ ، إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى إِذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَلَمَّا قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ، حَتَّى يَبْلُغَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ ، فَيَقُولُ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، بَدَلَ كَلِمَةٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ ، مَرَّتَيْنِ ، عَلَى حَسَبِ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ، ثُمَّ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتِمَ الْأَذَانَ . وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ - إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ - مِثْلَ قَوْلِهِ ، وَإِذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي الْمُؤَذِّنِ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ يَحْيَى : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ لا غير ، وَلَا يَقُولُ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَلَا مَا بَعْدَهَا . وَحُجَّتُهُمْ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ إِذَا كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ اثْنَتَيْنِ ( كَبَّرَ اثْنَتَيْنِ ، فَإِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اثْنَتَيْنِ شَهِدَ اثْنَتَيْنِ ) وَإِذَا شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ شَهِدَ اثْنَتَيْنِ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عِنْدَ الْأَذَانِ . وَرَوَاهُ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبُ الْأَلْفَاظِ ) وَأَظُنُّ أَبَا دَاوُدَ ( إِنَّمَا ) تَرَكَهُ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارِيُّ ، وَذَكَرَهُ النَّسَوِيُّ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّشَهُّدِ دُونَ التَّكْبِيرِ وَدُونَ سَائِرِ الْأَذَانِ . وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ فَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ الْحَكِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ( عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ . هَكَذَا رَوَاهُ قُتَيْبَةُ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ الْحَكِيمِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ اللَّيْثِ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الْحَكِيمِ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَقَالَ فِيهِ أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْحَكِيمِ . وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ وَمُطَلِّبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ الْحَكِيمِ ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَكِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ . وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ : لَا يَلْزَمُ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَلْفَاظِهِ إِذَا أَتَى بِمَعْنَاهُ مِنَ التَّشَهُّدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَشْهَدُ قَالَ : وَأَنَا وَأَنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُصَلِّي يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ ، وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلَا تَقُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُ ، وَإِذَا كُنْتَ فِي نَافِلَةٍ فَقُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُ : التَّكْبِيرُ وَالتَّشَهُّدُ ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَدِيثِ . هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَذْهَبُهُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ - مِنْ رَأْيِهِ - يَقُولُ الْمُصَلِّي مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي نَافِلَةٍ وَلَا مَكْتُوبَةٍ . وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَيَقُولُ فِي مَوْضِعِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقُولُ الْمُصَلِّي فِي نَافِلَةٍ وَلَا مَكْتُوبَةٍ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ إِذَا سَمِعَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَكِنْ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَهُ . وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : لَمْ أَجِدْ ، عَنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا شَيْئًا مَنْصُوصًا . وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، فِيمَنْ أَذَّنَ فِي صِلَاتِهِ إِلَى قَوْلِهِ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ - أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ إِنْ أَرَادَ الْأَذَانَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : يُعِيدُ إِذَا أَرَادَ الْأَذَانَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ فِيمَنْ يُجِيبُ إِنْسَانًا ، وَهُوَ يُصَلِّي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقُولُهُ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقِ بْنِ خُوَازَ بنْدَادٍ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَلِّي فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ مِنَ التَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ ، فَإِنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ - الْأَذَانَ كُلَّهُ - كَانَ مُسِيئًا وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ ، وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ فِي الْفَرِيضَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ، فَإِنْ قَالَ الْأَذَانَ كُلَّهُ فِي الْفَرِيضَةِ أَيْضًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، وَلَكِنَّ الْكَرَاهِيَةَ فِي الْفَرِيضَةِ أَشَدُّ . وَذُكِرَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَقُولُ فِي النَّافِلَةِ الشَّهَادَتَيْنِ ، وَإِنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً كَانَتْ أَوْ فَرِيضَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا تَقَدَّمَ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّافِلَةِ وَالْمَكْتُوبَةِ أَصَحُّ عَنْهُ ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ ، قَدِ اضْطَرَبَتْ فِي ذَلِكَ الْآثَارُ وَهُوَ كَلَامٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي نَافِلَةٍ وَلَا فَرِيضَةٍ . وَأَمَّا سَائِرُ الْأَذَانِ فَمِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يَصْلُحُ فِي الصَّلَاةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا ( هُوَ ) التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ، وَلَمْ يَخُصَّ صَلَاةً مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ ؟ فَمَا كَانَ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي مِثْلُهُ يَصْلُحُ فِي الصَّلَاةِ ، جَازَ فِيهَا قِيَاسًا وَنَظَرًا وَاتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي كَرَاهِيَةِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ إِذَا كَانَ سَامِعُهُ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ مَكْتُوبَةٍ ، فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِمَا ، وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي . قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْأَذَانُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا ضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : قَالَ أَبُو قَنَانٍ لِامْرَأَتِهِ ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ : إِذَا مِتُّ فَتَزَوَّجِي فُلَانًا ، فَتَزَوَّجَتْهُ فَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ : قُمْ فَصْلِ بِاللَّيْلِ ، فَإِنَّ أَخَاكَ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ، فَكَانَتْ تُؤْذِيهِ بِذَلِكَ ، فَأُتِيَتْ فِي مَنَامِهَا فَقِيلَ لَهَا : إِنَّ زَوْجَكِ هَذَا أَرْفَعُ مِنْ أَبِي قَنَانٍ بِدَرَجَةٍ ، قَالَتْ : وَكَيْفَ وَأَبُو قَنَانٍ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ؟ فَقِيلَ لَهَا : إِنَّ هَذَا يَقُولُ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ .
1682 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . أَمَّا قَوْلُهُ : فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، فَمَعْنَاهُ : يُدِيرُ هَذَا عَنْ هَذَا بِوَجْهِهِ ، وَذَلِكَ عَنْهُ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَلِهَذَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ التَّدَابُرِ وَالْإِعْرَاضِ . قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا أَبْصَرْتَنِي أَعْرَضْتَ عَنِّي كَأَنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ وَهْبِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْحِمْصِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسِيُّ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلَقِيَهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ زَادَ أَحْمَدُ : وَخَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَجْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُلَيْمٍ الْبَصْرِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ أَبُو حَفْصٍ - وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِهِ - قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ كَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ ، أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ ، فَإِذَا تَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ ، مِنْهَا تِسْعُونَ لِلَّذِي بَدَأَ بِالْمُصَافَحَةِ ، وَعَشَرٌ لِصَاحِبِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمُصَافَحَةَ وَفَضْلَهَا فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَةِ آثَارٌ شِدَادٌ فِيهَا تَغْلِيظٌ ، مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ دَخَلَ النَّارَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي خِرَاشٍ السَّلَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ . وَحَسْبُكَ بِحَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَغْفِرُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيَقُولُ : أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي التَّحَابِّ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالتَّآلُفِ وَالْعَفْوِ ( وَالتَّجَاوُزِ ) وَبِهَذَا بُعِثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِ صُنْعِهِ .
415 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ ، فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّهُ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَهَرَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : بَلَى ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ ، قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . هَكَذَا رَوَاهُ سَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ إِلَّا رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا : حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ رِوَايَةِ ( رَوْحِ ) بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَأَبُو أَوَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ ( حَدَّثُوهُ ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى وَالْجَمَاعَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ فَسَمَّى الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ . وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَسَنَذْكُرُ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ رِوَايَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الرَّجُلُ الْمُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَالَّذِي جَرَى فِيهِ هَذَا الْكَلَامُ هُوَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دَاوُدَ الْبُرُلُّسِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْغُدَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ يَسَافٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا أُصِيبَ عُثْمَانُ بْنُ مَالِكٍ فِي بَصَرِهِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي أَوْ بُقْعَةٍ مِنْ دَارِي وَدَعَوْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا بِالْبَرَكَةِ ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ وَخَرَجَ فَصَلَّى فِي بُقْعَةٍ مِنْ دَارِهِ ، ثُمَّ قَعَدَ الْقَوْمُ يَتَحَدَّثُونَ ، فَذَكَرَ بَعْضُهُمُ ابْنَ الدُّخْشُمِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ذَلِكَ كَهْفُ الْمُنَافِقِينَ وَمَأْوَاهُمْ ، وَأَكْثَرُوا فِيهِ حَتَّى رَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : هَلْ يُصَلِّي ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَاةً لَا خَيْرَ فِيهَا أَحْيَانًا ، وَيُلَبِّي أَحْيَانًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ ، إِنَّهُ مَنْ يَشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا بِهَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ ، حَرَّمُهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ قَتَادَةُ : قَالَ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ : أَمَرَنَا أَبُونَا أَنْ نَكْتُبَ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَكْتُبَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ، وَقَالَ : احْفَظُوهُ يَا بَنِيَّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : إِبَاحَةُ الْمُنَاجَاةِ وَالتَّسَارِّ مَعَ الْوَاحِدِ دُونَ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا دُونَ الْوَاحِدِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ، وَأَنَّ مُنَاجَاةَ الِاثْنَيْنِ دُونَ الْجَمَاعَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الرَّئِيسَ الْمُحْتَاجَ إِلَى رَأْيِهِ وَنَفْعِهِ جَائِزٌ أَنْ يُنَاجِيَهُ كُلُّ مَنْ جَاءَهُ فِي حَاجَتِهِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَعِينُوا عَلَى حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ . وَفِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُظْهِرَ الْحَدِيثَ الَّذِي يُنَاجِيهِ بِهِ صَاحِبُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُنَاجِي ، أَوْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ أَهْلُ الْمَجْلِسِ إِلَى عِلْمِهِ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حُقِنَ دَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَا يُوجِبُ إِرَاقَتَهُ مِمَّا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِيحِ لِقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَأَنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ . وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، لَمْ يَنْهَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ صَلَّى ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ مَنْ صَلَّى ، جَازَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ ، رَدٌّ لِقَوْلِ صَاحِبِهِ الْقَائِلِ لَهُ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ ، بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثْبَتَ لَهُ الشَّهَادَةَ وَالصَّلَاةَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِمْ يَعْنِي عَنْ قَتْلِ مَنْ أَقَرَّ ظَاهَرًا وَصَلَّى ظَاهِرًا . وَأَمَّا قَوْلُنَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثْبَتَ لَهُ الشَّهَادَةَ وَالصَّلَاةَ ، فَمَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ هُوَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَسُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الزَّنْدَقَةِ فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ ، وَكِتْمَانِ الْكُفْرِ ، هُوَ الزَّنْدَقَةُ عِنْدَنَا الْيَوْمَ . قِيلَ لمالك : فَلِمَ يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ عَرَفَهُمْ ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قَتَلَهُ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ وَهُمْ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ لَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : يَقْتُلُهُمْ لِلضَّغَائِنِ ، أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَيَتَمَنَّعُ النَّاسُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ . هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عُوتِبَ فِي الْمُنَافِقِينَ ، فَقَالَ : يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي ! وَقَدِ احْتَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي قَتْلِ الزِّنْدِيقِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا يَقُولُ : إِنَّ الشَّأْنَ فِيهِمْ أَنْ يُقَتَّلُوا تَقْتِيلًا حَيْثُ وُجِدُوا وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِتَابَةً ، فَمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ حَيْثُ وُجِدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ إِلَّا ابْنَ نَافِعٍ يَجْعَلُونَ مَالَ الزِّنْدِيقِ إِذَا قَتَلُوهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ لِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ كَالْمُحَارِبِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَلَا يَقْتُلُونَهُ حَدًّا ، وَإِنَّمَا يَقْتُلُونَهُ عَلَى الْكُفْرِ ، فَكَيْفَ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . وَأَمَّا ابْنُ نَافِعٍ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : مِيرَاثُهُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَهَذَا أَبْيَنُ لِأَنَّ الدَّمَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمَالِ ، وَالْمَالَ تَبَعٌ لَهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِتَابَةِ الزِّنْدِيقِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ وَالتَّعْطِيلِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْإِيمَانِ مُظْهِرٌ لَهُ ، جَاحِدٌ لِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لَهُ . فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : يُقْتَلُ الزَّنَادِقَةُ وَلَا يُسْتَتَابُونَ . قَالَ مَالِكٌ : وَيُسْتَتَابُ الْقَدَرِيَّةُ كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَقِيلَ لِمَالِكٍ فِي الْقَدَرِيَّةِ : كَيْفَ يُسْتَتَابُونَ ؟ قَالَ : يُقَالُ لَهُمْ : اتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ فَعَلُوا وَإِلَّا قُتِلُوا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الزِّنْدِيقِ فَقَالَا مَرَّةً : يستتاب ، ومرة : : فَلَا يُسْتَتَابُ وَيُقْتَلُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : اقْتُلِ الزِّنْدِيقَ ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُعْرَفُ . قَالَ : وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ) : يُسْتَتَابُ الزِّنْدِيقُ كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ظَاهِرًا ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ . قَالَ : وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالرِّدَّةِ فَأَنْكَرَ ، قُتِلَ . فَإِنْ أَقَرَّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ غَيْرِهِ . وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ فِي الزِّنْدِيقِ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ أَقَرَّ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ لَمْ يُقْتَلْ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ لِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ ، وَلَوْ شَاءَ لَقَتَلَهُمْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ دُونَ الْعِلْمِ ، وَالْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ لِلْحَاكِمِ ( عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ) جَائِزٌ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا ، وَإِنَّمَا أَتَيْنَا بِمَا يُطَابِقُ بَعْضَ مَعَانِي الْحَدِيثِ وَيُجَانِسُهُ عَلَى شَرْطِ الِاخْتِصَارِ وَتَرْكِ الْإِكْثَارِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : يُسْتَتَابُ الزِّنْدِيقُ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي . قُلْتُ : إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ . فَقَالَ : نَعَمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُسْتَتَابُ وَهُوَ لَا يُظْهِرُ الْكُفْرَ ؟ هُوَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ ، فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُسْتَتَابُ ؟ قُلْتُ : فَيُسْتَتَابُ عِنْدَكَ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي . وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا لِمَنْ أَبَى مِنْ قَتْلِ الزِّنْدِيقِ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَالَهَا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُهَا غَيْرَ مُخْلِصٍ بِهَا ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ ، وَأَنَّ السَّرَائِرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَأَمَّا الْآثَارُ الْمُتَّصِلَةُ الثَّابِتَةُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، فَمِنْهَا : مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ حَدَّثَهُ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ ( كَانَ ) قَدْ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا سَاءَ بَصَرِي وَبَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي وَادٍ طَفِقْتُ يَشُقُّ عَلَيَّ إِجَازَةُ الْوَادِي إِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بيتي في مَكَانٍ أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَأَفْعَلُ . قَالَ عِتْبَانُ : فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتَكَ ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي نُرِيدُ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرَ وَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَجَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ ، وَحَبَسْنَاهُ لِخَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ ، فَسَمِعَ رِجَالٌ أَهْلَ الدَّارِ - وَهُمْ يَدْعُونَ وَالدُّورُ قُرْبَهُمْ - فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ في بيتي ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : فَأَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ ؟ لَا أَرَاهُ أَتَى ، فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ : ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَقُلْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، أَمَّا نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا نَرَى مَوَدَّتَهُ وَنَصِيحَتَهُ وَوَجْهَهُ إِلَّا إِلَى الْمُنَافِقِينَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ ضَرِيرًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعَالَ فَصَلِّ فِي دَارِي ، حَتَّى أَتَّخِذَ مُصَلَّاكَ مَسْجِدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ ، فَتَخَلَّفَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ فَوَقَعُوا فِيهِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ وَإِنَّهُ هُوَ مُنَافِقٌ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهَا تَعَوُّذًا . فَقَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ صَادِقًا بِهَا إِلَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ النَّارُ . وَعِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ وَأَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ خُطَّ لِي فِي دَارِي مَسْجِدًا . فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعَ قَوْمُهُ ، وَتَغَيَّبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ فَغَمَزَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ : إِنَّهُ وَإِنَّهُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُزقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ) قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلَاحِ . قَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ . قَالَ : فَقَالَ سَعِيدٌ : وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبَطْنَيْنِ . يَعْنِي أُسَامَةَ . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا طُرُقُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ فَقَدْ ذَكَرَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي مُسْتَقْصَاةً مُجَوَّدَةً ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا عَنْهُ : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَبْرُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ فَسَارَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا صَلَاةَ لَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مُرْسَلًا ، وَوَافَقَهُ فِي إِرْسَالِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ ، فَلَمَّا وُجِّهَ لِيُقْتَلَ قَالَ : أَيَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَيَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُهُ مِنْ سُفْيَانَ مِرَارًا ، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ فِيهِ سَمَاعًا ، وَهُوَ مِنْ قَدِيمِ حَدِيثِ سُفْيَانَ . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ وَأَبُو أُوَيْسٍ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ( فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ الرَّجُلَ وُجِّهَ لِيُقْتَلَ ، إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ ) وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ رُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ أَنَّ رَجُلًا سَارَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، وَلَيْسَ فِيهِ : فَوُجِّهَ الرَّجُلُ لِيُقْتَلَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَسْقَطَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالُوا : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ . وَهُوَ كَلَامٌ مَحْفُوظٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهِهِ كُلِّهَا ، وَلَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ جَسِيمٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ ( مَا يَدُلُّ عَلَى غَلَطِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَخَطَئِهِ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ) : فَلَمَّا وُجِّهَ الرَّجُلُ لِيُقْتَلَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ( الزُّهْرِيُّ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالَسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ ( إِذْ ) جَاءَ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّهُ بِهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ يَحْيَى حَرْفًا بِحَرْفٍ . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو مُصْعَبٍ عَنِ ( الزُّهْرِيِّ ) عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا ، قَالَ : وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ مُسْنَدًا ، زَادَ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلًا . وَقَالَ : فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ قَدْ أَصَابَ فِي زِيَادَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّ بِهِ . وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا رَجُلٌ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لَهُ : هَلْ أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا وَلَكِنْ قَدْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْهُ مَا خَلَصَ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا مِنَ الْيَقِينِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ ( فَقَالَ ) : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ . فَقَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْهُمْ . ( قَالَ الْقَاضِي : زَادَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : أَنَّ الرَّجُلَ سَارَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ . قَالَ : فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ . قَالَ الْقَاضِي : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ الْجَنْدَعِيَّ حَدَّثَهُ ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ حَدَّثَهُ ، أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَدَّثُوهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالَسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ يُدْرَ مَا الَّذِي سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حِينَ جَهَرَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ الرَّجُلُ ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ عَدَدٌ اتَّفَقُوا فِيهِ أَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ ، وَجَعَلَهُ أَبُو أُوَيْسٍ عَنْ نَفَرٍ ، وَالَّذِينَ اتَّفَقُوا فِيهِ : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَسَمَّى مَعْمَرٌ الرَّجُلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَضْبُوطًا عَنْهُ ، حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَسَارَّهُ ، فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَّهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسْتَأْذِنُهُ فِيهِ ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( أَلَيْسَ ) يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ ( أَلَيْسَ ) يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ . قَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْهُمْ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالَسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَارَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَلَمْ يُدْرَ مَا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ يَجْهَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَوَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ : أَوَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا صَلَاةَ لَهُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا فِي كِتَابِنَا : عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، فَقَدِ اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَأَبُو أُوَيْسٍ ، وَهُمْ سَبْعَةٌ بِابْنِ أَخِي ( الزُّهْرِيِّ ) هَؤُلَاءِ النَّفَرُ السَّبْعَةُ وَلَيْسَ فِيهِمْ أَجْوَدُ رِوَايَةً مِنْ مَعْمَرٍ إِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ضَبَطَ عَنْ مَعْمَرٍ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْقَاضِي : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَلَيْسَ هُوَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ ( الَّذِي رَوَى حَدِيثَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ ) أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ : وَاللَّهِ إِنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ . قَالَ الْقَاضِي : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ، وَلَيْسَ هُوَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ الَّذِي رَوَى حَدِيثَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتُؤْذِنَ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنِ اخْتَلَفْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ضَرْبَتَيْنِ ( يَضْرِبُنِي ) فَقَطَعَ يَدِي ، فَذَهَبْتُ لِأَضْرِبَهُ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَفَأَقْتُلُهُ أَمْ أَدَعُهُ ؟ قَالَ : دَعْهُ . قُلْتُ : إِنَّهُ قَطَعَ يَدِي ! قَالَ : وَإِنْ فَعَلَ . فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ مِرَارًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ مِثْلُكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ مِثْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، عَنِ الْمِقْدَادِ . اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ سَبْعَةُ نَفَرٍ : ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٌ والليث وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ . قَالَ : وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَ مَعْمَرٌ يُحَدِّثُهُمْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ حِفْظِهِ ، فَوَهِمَ فِي أَسَانِيدَ ، وَسَمَاعُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَصَحُّ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَهْلَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ كُتُبُهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ ، لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ إِسْنَادِهِ . وَحَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ ( أَبُو ) الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ . وَحَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، عَنِ الْمِقْدَادِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مُسْنَدِ الْمِقْدَادِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْمِقْدَادِ هَذَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجَنْدَعِيُّ ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتَ رَجُلًا مِنَ الْكَفَّارِ ، فَاقْتَتَلْنَا ، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ، أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقْتُلْهُ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قَطَعَهَا ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقْتُلْهُ فَإِنَّ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ : عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ : إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ سَمِعَ قَوْلَ كَافِرٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلَهُ ، وَلِذَلِكَ كُنْتَ لَا تُخْفِي أَنْتَ إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ قَبْلُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لِلْإِسْلَامِ مُنْتَهًى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ . قَالَ : ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ثُمَّ تَقَعُ الْفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ . قَالَ الرَّجُلُ : كَلَّا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ : بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَعُودُنَّ فِيهَا أَسَاوِدَ صُبًّا ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : أَسَاوِدَ صُبًّا ، يَعْنِي الْحَيَّةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَشَ ارْتَفَعَ ثُمَّ انْصَبَّ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا مُرْسَلٌ . وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ هَذَا قِيلَ : إِنَّهُ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَقِيلَ : أَبَا يَزِيدَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : تُوُفِّيَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ، وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا يَرْوِي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . 1880 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ( ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذَا نَفَذَ مَا عِنْدَهُ قَالَ : مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفِّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ . هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فِيمَا عَلِمْتُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ قَالُوا : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ : مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفِّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرُهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَنْ أَدَّخِرَ عَنْكُمْ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ : لَنْ أَسْتُرَهُ عَنْكُمْ وَأَمْنَعَكُمُوهُ ، وَأَنْفَرِدَ بِهِ دُونَكُمْ ، وَنَحْوَ هَذَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ ، هَذَا إِنْ كَانَ عَطَاؤُهُ ذَلِكَ مِنْ سَهْمٍ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ، فَحَسْبُكَ وَمَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنْفَاذِ أَمْرِ اللَّهِ ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ ، وَقِسْمَةِ مَالِ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ ، وَقَدْ فَازَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ فَوْزًا عَظِيمًا ، وَفِيهِ إِعْطَاءُ السَّائِلِ مَرَّتَيْنِ ، وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى السَّائِلِ ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِاللَّهِ عَنْ عِبَادِهِ وَالتَّصَبُّرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ نَهْيٌ عَنِ السُّؤَالِ ، وَأَمْرٌ بِالْقَنَاعَةِ وَالصَّبْرِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي السُّؤَالِ ، وَمَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَتَى يَجُوزُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَدِيثٌ وَاحِدٌ هُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، كَانَا جَلِيلَيْنِ عَالِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَذَا تَنْتَحِلُهُ الشِّيعَةُ بِأَسْرِهَا ، وَالْحَسَنُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْإِرْجَاءِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُكَنَّى أَبَا هَاشِمٍ ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثَانِ . قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي كِتَابِ النَّسَبِ : أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْ دَوْلَةِ الْمُسَوَّدَةِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ يُكَنَّى أَبَا هَاشِمٍ ، وَكَانَ صَاحِبُ الشِّيعَةِ ، فَأَوْصَى إِلَى مُحَمَّدِ ( بْنِ عَلِيِّ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَدَفَعَ إِلَيْهِ كُتُبَهُ وَمَاتَ عِنْدَهُ ، وَقَدِ انْقَرَضَ وَلَدُهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ : كَانَ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَوْصَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَدَفَعَ إِلَيْهِ كُتُبَهُ ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَصِيَّ أَبِي هَاشِمٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو هَاشِمٍ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِنَّمَا هُوَ فِي وَلَدِكَ . وَكَانَتِ الشِّيعَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ أَبَا هَاشِمٍ وَيَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ ، قَدْ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو هَاشِمٍ عَالِمًا ، قَدْ سَمِعَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو هَاشِمٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ ، سُقِيَ سُمًّا فِي لَبَنٍ فَمَاتَ مِنْهُ . وَقَالَ الْعَدَوِيُّ : وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَكَانَ مِنْ أَظْرَفِ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ الرَّسَائِلَ وَكَانَ رَأْسَ الْمُرْجِئَةِ الْأُولَى ، وَأَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ ، وَكَانَ دَاعِيَةَ أَبِيهِ إِذْ كَانَ أَبُوهُ فِي الشِّعْبِ ، وَلَمَّا خَرَجَ الْحَسَنُ دَاعِيَةً لِأَبِيهِ أَخَذَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ بِنَصِيبِينَ ( فَبَعَثَ بِهِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ عَامِلَ مُصْعَبٍ عَلَى نَصِيبِينَ ) فَبَعَثَ بِهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَحَبَسَهُ فِي السِّجْنِ ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ : فَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وَاسِطٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ : كَيْفَ أَفْلَتَّ مِنْ سِجْنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ؟ قَالَ : أَفْلَتُّ لَيْلًا ، فَأَخَذْتُ عَلَى أَطْرَافِ الْجِبَالِ حَتَّى أَتَيْتُ أَبِي . قَالَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ السِّجْنُ الَّذِي حَبَسَهُ فِيهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُعْرَفُ بِسِجْنِ عَارِمٍ ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى كُثَيِّرُ عَزَّةَ فِي قَوْلِهِ : بَلِ الْعَائِذُ الْمَظْلُومُ فِي سِجْنِ عَارِمٍ قَالَ : وَكَانَ فَقِيهًا قَدْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فَأَكْثَرَا . قَالَ : وَلِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِنُونٍ : عَبْدُ اللَّهِ أَبُو هَاشِمٍ وَالْحَسَنُ - وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا - وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُلَقَّبُ شَعْرَةً ، وَكَانَ شَدِيدَ الْعَارِضَةِ . وَقَالَ مُصْعَبٌ : الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَمُّهُ جَمَالُ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . قَالَ : وَالْحَسَنُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُجْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : مَاتَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي عَسْكَرِ الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ . وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : مَاتَ بِالْحِجْرِ مِنْ بِلَادِ ثَمُودَ . قَالَ مُصْعَبٌ : وَتُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُقَالُ سَنَةُ مِائَةٍ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ إِذَا قَدِمَ ، مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ ؟ قَالَ : عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ مُوسَى وَغَيْرُهُمْ . 1151 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ( ، عَنْ أَبِيهِمَا ) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمِصْرِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبُو زُبَيْدٍ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، فَذَكَرَ فِيهِ مُخَاطَبَةَ عَلِيٍّ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ قَوْلَهُ لَهُ : دَعْ عَنْكَ هَذَا . فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَرَ : إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَوَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ مُخَاطَبَةَ عَلِيٍّ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَاقَهُ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : نُهِيَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمُ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ ؛ مِنْهُمْ : مَعْمَرٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ ، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَسُفْيَانِ بْنِ حُسَيْنٍ ، كُلُّهُمِ اتَّفَقُوا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَجَعَلُوا النَّهْيَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيمَا ذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ لَيْسَ بِمُخَالَفَةٍ لَهُمْ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ : يَحْتَمِلُ حَدِيثُ مَالِكٍ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ . كَأَنَّهُ أَرَادَ : نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ . فَيَكُونُ الشَّيْءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَوْمَ خَيْبَرَ أَكْلَ لُحُومِ الْحُمُرِ خَاصَّةً ، وَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ خَارِجًا ، عَنْ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى وَقْتِهِ بِدَلِيلِهِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ بُكَيْرٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ فِيهِ : نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ . لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَسَكَتَ ، عَنْ قِصَّةِ الْمُتْعَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ . فَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ الْمُفَسِّرُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا . فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عُمَرَ الْحَرَّانِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا رِوَايَةُ هُشَيْمٍ . وَأَظُنُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ لَهُ فِي حِينِ خُرُوجِهِ إِلَى الْعِرَاقِ : اكْتُبْ لِي فِي الْأَقْضِيَةِ - أَحَادِيثَ ابْنِ شِهَابٍ - قَالَ مَالِكٌ : فَفَعَلْتُ وَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ الْجُعْفِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ . قَالَ حَمَّادٌ : وَسَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ : حَدَّثَنَا خَلَفُ ( بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ( ح ) وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ حَدَّثَنَا ) عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَامِلٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : تَكَلَّمَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . أَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ أَنَّ الْحَسَنَ وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُ يُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ : فَحَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَعِظُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فِي فُتْيَاهُ فِي الْمُتْعَةِ وَيَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ ، إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَتُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ خَيْبَرَ حِينَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . فَقَدْ بَانَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَعْمَرٍ وَيُونُسَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَإِنَّ ذِكْرَ النَّهْيِ عَنِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ غَلَطٌ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ غَلَطِ ابْنِ شِهَابٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَوْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ حَرَّمَهَا أَيْضًا . وَفِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا إِسْقَاطُ يُونُسَ - فِي رِوَايَتِهِ مِنْ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعِ عَامِ خَيْبَرَ : عَامَ تَبُوكَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ . قَالَ إِسْحَاقُ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : فَهَلَا عَنِ الْحَسَنِ ذَكَرْتَ الْحَدِيثَ ؟ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ حَدَّثَنِي لَمْ أَشُكَّ . وَذِكْرُ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَيْسَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ مِمَّنْ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَعْمَرٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ ، عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ - لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ ، وَمَنْ زَادَ ذِكْرَ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَحَسَنٍ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّهُ حَدَّثَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ بِالنِّسَاءِ ، قَالَ : دَعْ هَذَا عَنْكَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْهَا وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ وَالْقَوَادِيرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَسَنٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا - عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ . قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ يَعْنِي نِكَاحَ الْمُتْعَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعِنْدَ الزُّهْرِيِّ ( فِي هَذَا الْبَابِ ) حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا وَقَالَ : هِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ عَامَ الْفَتْحِ وَلَا يَصِحُّ ، عَنْ مَالِكٍ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ . فَقُلْتُ : مِمَّنْ سَمِعْتَهُ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَزَعَمَ ( مَعْمَرٌ ) أَنَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ . وَحَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا ، عَنْ أَيُّوبَ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، فَذَكَرَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَذَهَبَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ - هَكَذَا قَالَ - لَمْ يَقُلْ وَقْتَ كَذَا . وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ . لَمْ يَزِدْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ ، هَكَذَا مُخْتَصَرًا ، رَوَتْهُ طَائِفَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهَا ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ يَصِحُّ فِيهِ لِمَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَيْرَ ( حَدِيثِ ) هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْعَزِيزِ ( بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا ( ح ) . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، قَالَ : حَتَّى إِذَا كُنَّا بِعُسْفَانَ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ ، فَقَامَ إِلَيْهِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْشَمَ الْمُدْلِجِيُّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنَا تَعْلِيمَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ ، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَقَالَ : بَلْ لِلْأَبَدِ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَدِمَ ( مِنْكُمْ ) مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ . قَالَ : فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى حَلَلْنَا ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَمَتَّعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسْوَانِ . وَفِي حَدِيثِ وَرْقَاءَ : الِاسْتِمْتَاعُ عِنْدَنَا : التَّزْوِيجُ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدَةَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْعُزْبَةَ قَدْ شُقَّتْ عَلَيْنَا . قَالَ : فَاسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ . قَالَ فَأَتَيْنَاهُنَّ فَأَبَيْنَ أَنْ يُنْكِحَنَّا إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنَّ أَجَلًا ( فَذَكَرُوا ذَلِكَ ) قَالَ : فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي - وَفِي حَدِيثِ وَرْقَاءَ : وَهُوَ ابْنُ عَمٍّ لِي وَهُوَ أَسَنُّ مِنِّي وَأَنَا أَشِبُّ مِنْهُ - وَعَلَيَّ بُرْدٌ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ ، وَبَرْدُهُ أَمْثَلُ مِنْ بُرْدِي ، قَالَ : فَأَتَيْنَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، فَعَرَضَنَا عليها النِّكَاحَ ، فَنَظَرَتْ إِلَيَّ وَإِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : بُرْدٌ كَبُرْدٍ وَالشَّابُّ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ . قَالَ : فَتَزَوَّجْتُهَا ، فَكَانَ الْأَجَلُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا عَشْرًا . وَفِيِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ : فَاخْتَارَتْنِي فَتَزَوَّجْتُهَا ثَلَاثًا بِبُرْدِي . ثُمَّ اتَّفَقُوا فَبِتُّ مَعَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَوَرْقَاءُ قَائِمٌ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّا كُنَّا أَذِنَّا لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ ، فَمَنْ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا ، وَلْيُعْطِهَا مَا سَمَّى لَهَا ، وَلِيُفَارِقْهَا وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَفِي حَدِيثِ وَرْقَاءَ : فَإِنَّهُنَّ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللَّهِ ، وَقَدْ حَرَّمْتُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : مَا حَلَّتِ الْمُتْعَةُ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثًا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، مَا حَلَّتْ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَجِدْ هَذَا فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ لِي : كَيْفَ كَانَ أَمْرُ أَبِيكَ فِي الْمُتْعَةِ ؟ قَالَ : ( قُلْتُ : ) سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : اعْتَمَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَةً ، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَابْنُ عَمِّي إِلَى مَكَّةَ ، فَرَأَيْنَا امْرَأَةً كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا بِبُرْدَيْنَا ، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنَ ابْنِ عَمِّي ، وَكَانَ بُرْدُ ابْنِ عَمِّي خَيْرًا مِنْ بُرْدِي ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ ، فَقَالَ ابْنُ عَمِّي : إِنَّ بُرْدِي خَيْرٌ مِنْ بُرْدِهِ . فَقَالَتْ : قَدْ رَضِينَاهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ بُرْدِهِ . فَتَمَتَّعْنَا بِهِنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَنَا عَنْهُنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ ( قَالَ ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا سَمِعْتُ فِي الْمُتْعَةِ بِحَدِيثٍ هُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتْعَةِ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا ، فَقَالَتْ : مَا تُعْطِي ؟ فَقُلْتُ : رِدَائِي ، وَقَالَ صَاحِبِي : رِدَائِي . وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا ، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا ، فَقَالَتْ : أَنْتَ ، وَرِدَاؤُكَ يَكْفِينِي . فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى : مَنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهِنَّ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا . لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ الْوَقْتَ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَلَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ . أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، فَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْمُتْعَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَإِذَا هُوَ يُحَرِّمُهَا أَشَدَّ التَّحْرِيمِ وَيَقُولُ فِيهَا أَشَدَّ الْقَوْلِ . وَعِنْدَ عَقِيلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . إِلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِصْرِيُّ بِمِصْرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ثُمَّ الْعَجْلَانِيِّ قَالَ : إِنَّمَا رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتْعَةِ لِعُزْبَةٍ كَانَتْ بِالنَّاسِ شَدِيدَةٍ ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ . وَأَمَّا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . قَالَ أَبُو الْعُمَيْسِ : عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ( مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا ) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَمَتَّعَ فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَزْدَادَا ازْدَادَا ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، قَالَا : خَرَجَ عَلَيْنَا - يَعْنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ فَاسْتَمْتِعُوا ، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا وَنَحْنُ شَبَابٌ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي ؟ قَالَ : لَا . ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ . ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ ، فَنَهَانَا أَنْ نَخْتَصِيَ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالشَّيْءِ عَمَّا نَهَانَا عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ . فَهَذَا مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُسْنَدِ ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى إِجَازَتِهَا ، فَتَحْلِيلُهَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ ، وَرُوِيَ تَحْلِيلُهَا أَيْضًا وَإِجَازَتُهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ شِئْتَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : لَقَدْ كَانَ أَحَدُنَا يَسْتَمْتِعُ بِمِثْلِ الْقَدَحِ سُوَيْقًا . وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، حَتَّى نَهَى عُمَرُ النَّاسَ عَنْهَا فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : تَمَتَّعْنَا إِلَى النِّصْفِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ، دَخَلَتْ عَلَى عمر بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَتْ : إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْمُتْعَةُ وَلَوْ كُنْتَ تَقَدَّمْتَ فِيهَا لَرُجِمْتَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَنْهِي عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا : مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرَاهَا حَلَالًا حَتَّى الْآنَ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي حَرْفِ أُبَيٍّ : إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَرَأَهَا أَيْضًا هَكَذَا : : إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَابْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، هَكَذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ الْمُتْعَةَ صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ بِالطَّائِفِ ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَدَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ لَهُ بَعْضُنَا ذَلِكَ ؛ فَقَالَ : نَعَمْ . فَلَمْ تَقِرُّ بِي نَفْسِي حَتَّى قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ : فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ الْمُتْعَةَ ، فَقَالَ : نَعَمِ اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ اسْتَمْتَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا جَابِرٌ وَنَسِيتُ اسْمَهَا ، فَحَمَلَتِ الْمَرْأَةُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ لَهُ : نَعَمْ . قَالَ : مَنْ أُشْهِدَ ؟ قَالَ عَطَاءٌ : فَلَا أَدْرِي قَالَتْ : أُمِّي وَابْنُهَا أَوْ أَخَاهَا وَابْنُهَا . قَالَ : فَهَلَّا غَيْرُهُمَا ؟ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . قَالَ عَطَاءٌ : وَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ مَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ إِلَّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ رَحِمَ بِهَا أَمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَلَوْلَا نَهْيُهُ عَنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَى الزِّنَا إِلَّا شَقِيٌّ . قَالَ عَطَاءٌ : فَهِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَجَلِ عَلَى كَذَا وَكَذَا لَيْسَ بِتَشَاوُرٍ ، فَإِنْ بَدَا لَهُمَا أَنْ يَتَرَاضَيَا بَعْدَ الْأَجَلِ وَأَنْ يَتَفَرَّقَا فَنِعْمَ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَسَأَلْتُ عَطَاءً : أَيَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ جَمِيعًا ؟ وَهَلِ الِاسْتِمْتَاعُ إِحْصَانٌ ؟ وَهَلْ يَحِلُّ اسْتِمْتَاعُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الَّذِي مَضَى ؟ قَالَ : مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَمَا رَاجَعْتُ فِيهِ أَصْحَابِي . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، قَالَ : كَانَتْ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ عِرَاقِيَّةٌ تَتَنَسَّكُ جَمِيلَةٌ ، لَهَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو أُمَيَّةَ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُكْثِرُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا ، قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ : إِنَّا قَدْ أَنْكَحْنَاهَا ذَلِكَ النِّكَاحَ لِلْمُتْعَةِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأُخْبِرْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ : هِيَ أَحَلُّ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ ؛ يَعْنِي الْمُتْعَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ آثَارٌ مَكِّيَّةٌ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهَا ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُحَذِّرُونَ النَّاسَ مِنْ مَذْهَبِ الْمَكِّيِّينَ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ ، وَيُحَذِّرُونَ النَّاسَ مِنْ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي النَّبِيذِ الشَّدِيدِ ، وَيُحَذِّرُونَ النَّاسَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْغِنَاءِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مَا فِيهِ شِفَاءٌ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى الشَّرِيدِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنِ الْمُتْعَةِ : أَسِفَاحٌ هِيَ أَمْ نِكَاحٌ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا سِفَاحَ وَلَا نِكَاحَ . قُلْتُ : فَمَا هِيَ ؟ قَالَ : هِيَ الْمُتْعَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ . قُلْتُ : هَلْ لَهَا مِنْ عِدَّةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، عدتها حيضة . قُلْتُ : يَتَوَارَثَانِ ؟ قَالَ : لَا . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُتْعَةَ نِكَاحٌ لَا إِشْهَادَ فِيهِ وَلَا وَلِيَّ ، وَأَنَّهُ نِكَاحٌ إِلَى أَجَلٍ تَقَعُ فِيهِ الْفُرْقَةُ بِلَا طَلَاقٍ وَلَا مِيرَاثٍ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا لَيْسَ حُكْمُ الزَّوْجَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا سُئِلَتْ عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَتْ : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ قَالَتْ : فَمَنِ ابْتَغَى غَيْرَ مَا زَوَّجَهُ اللَّهُ أَوْ مَا مَلَكَّهُ فَقَدْ عَدَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : إِنِّي لَأَرَى تَحْرِيمُهَا فِي الْقُرْآنِ . قَالَ : قُلْتُ : فَأَيْنَ ؟ قَالَ : فَقَرَأَ عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَةَ : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ الْآيَةَ . قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : ازْدَادَتِ الْعُلَمَاءُ لَهَا مَقْتًا حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ : ( يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ ) ؟ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُمَا بَيْتَانِ : قَالَ الْمُحَدِّثُ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَرْجِعِ النَّاسِ وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ وَمَالِكُ ( بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ : ) إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ، يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ . يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ فَقَالَ : ( إِنَّكَ ) جِلْفٌ جَافٌّ ، لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُعْمَلُ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ ، وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، مَا سَمِعْنَاهُ إِلَّا مِنَ النَّيْسَابُورِيِّ . فَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهَا قَوْلَانِ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، رُوِيَ ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ( ، عَنِ الْحَكَمِ ) ، عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ ( ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الْمُتْعَةُ مَنْسُوخَةٌ ، نَسَخَهَا الطَّلَاقُ وَالصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ . وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلَّ صَوْمٍ ، وَنَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ ، وَنَسَخَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ الْمُتْعَةَ وَنَسَخَتِ الضَّحِيَّةُ كُلَّ ذَبْحٍ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : نَسَخَهَا الْمِيرَاثُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَأَوَّلَانِ قَوْلَهُ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أَنَّهُ إِذَا تَمَتَّعَ بِالْعُقْدَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا ( نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ وَطِئَ فَلَهَا ) الصَّدَاقُ كُلُّهُ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا تَرَاضَيَا بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ . فَتَرْكُ الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ الصَّدَاقَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا فَتَعْفُو الْمَرْأَةُ عَنْ صَدَاقِهَا أَوْ يَعْفُو الزَّوْجُ عَنِ النِّصْفِ إِنْ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا ، فَيَتِمُّ لَهَا الصَّدَاقُ . وَذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، وَهُوَ الصَّدَاقُ كَامِلًا ، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتُمْ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ تَطَئُوا فَنِصْفُ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ ذَلِكَ فَرِيضَةً ( يَقُولُ : أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ عَلَيْهِمَا أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَى الْيَوْمِ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ، مُخَالِفِينَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ . عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَقُولُ : إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ نَكَحَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَقَدْ وَجَبَ صَدَاقُهَا كُلُّهُ . وَالِاسْتِمْتَاعُ هُوَ النِّكَاحُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً وَقَوْلُهُ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ قَالَ : الْمُتَرَاضِي أَنْ يُوَفِّيَهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرَهَا . وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ( ، عَنْ عَطَاءٍ ) الْخُرَسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قَالَ : نَسَخَتْهَا : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ . وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : هَلْ ( تَرَى ) مَا صَنَعْتَ ؟ وَبِمَا أَفْتَيْتَ ؟ سَارَتْ بِفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ ، وَقَالَتْ فِيهِ الشُّعَرَاءُ . فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَا وَاللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ ، وَلَا هَذَا أَرَدْتُ ، وَلَا أَحْلَلْتُ مِنْهَا إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْلُولَةٌ ، لَا تَجِبُ بِهَا حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَلَكِنَّ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ . وَالْآثَارُ الَّتِي رَوَاهَا الْمَكِّيُّونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِحَاحُ الْأَسَانِيدِ ( عَنْهُ ) وَعَلَيْهَا أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالنَّظَرِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْآثَارِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قَالَ : النِّكَاحُ . وَرُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : لَا أُوتِيَ بِرَجُلٍ تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ ، وَلَا أُوتِيَ بِرَجُلٍ تَمَتَّعَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ إِلَّا جَلَدْتُهُ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ : هُوَ السِّفَاحُ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ هَذَا . قَالَ : بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَقُولَهُ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَإِنْ كَانَ عُمَرُ لَيُنَكِّلُ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا السِّفَاحُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْمُتْعَةِ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَهَا إِلَى أَجَلٍ : يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : أَتَزَوَّجُهَا شَهْرًا ، أَوْ يَقُولُ : تُمَتِّعِينِي بِنَفْسِكِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَهْرًا - فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : هَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، وَهَذِهِ الْمُتْعَةُ الْمَحْظُورَةُ الْمُحَرَّمَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ زُفَرُ : إِذَا تَزَوَّجَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرًا فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ مَا خَلَا الْأَوْزَاعِيَّ : إِنَّهُ إِذَا نَكَحَ الْمَرْأَةَ نِكَاحًا صَحِيحًا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَكِنَّهُ نَوَى أَنْ لَا يَحْبِسَهَا إِلَّا شَهْرًا ، أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا تَضُرُّهُ نِيَّتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ نِكَاحِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا نَكَحَ أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ ، وَحَبْسُهُ إِنْ وَافَقَتْهُ وَإِلَّا طَلَّقَهَا ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَكِنَّهُ يَنْوِي أَنْ لَا يَحْبِسَهَا إِلَّا شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ وَيُطْلِقُهَا ، فَهُوَ مُتْعَةٌ وَلَا خَيْرَ فِيهِ . وَأَمَّا ( لَحْمُ ) الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ السَّلَفِ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِأَكْلِهَا بَأْسًا ، وَيَتَأَوَّلَانِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الْآيَةَ ) عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ . رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَوْمَ خَيْبَرَ ) عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنِ السَّبَايَا الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ ، وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع ، وَعَنْ بَيْعِ الْخُمْسِ حَتَّى يُقْسَمَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جِبِّيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع . وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ عَنْ ( ابْنِ عَبَّاسٍ ) يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . عند ذَكَرَ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَشْعَثَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْحُمُرِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْخَيْلِ . قَالَ عَمْرٌو : أَخْبَرْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا الشَّعْشَاءِ فَقَالَ : قَدْ كَانَ الْحَكَمُ الْغِفَارِيُّ فِينَا يَقُولُ هَذَا ، وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ؛ يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرَّجُلُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَمْرٌو هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السكن ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ، وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ . وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ ، كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَهَا بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ حَسَنٍ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهَا وَقَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ ، عَنْ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ . مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يُعَرَجُ عَلَى مِثْلِهِ ، مَعَ مَا عَارَضَهُ مِنَ الْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . وَبِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ . وَبِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ لُحُومَ الْخَيْلِ وَلُحُومَ الْوَحْشِ ، وَنَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ . وَفِي إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ وَإِبَاحَتِهِ لِذَلِكَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ يَوْمَئِذٍ عِبَادَةٌ لِغَيْرِ عِلَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْخَيْلَ أَرْفَعُ مِنَ الْحَمِيرِ ، وَأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى الْخَيْلِ وَعَلَى فَنَائِهَا فَوْقَ الْخَوْفِ عَلَى الْحَمِيرِ ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ إِلَى الْخَيْلِ أَعْظَمُ مِنْ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَمِيرِ ، وَبِهَذَا يَبِينُ لَكَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ إِلَى الظَّهْرِ وَالْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عِبَادَةً وَشَرِيعَةً ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى يَوْمَ خَيْبَرَ : أَنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ وَرَسُولَهُ ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ؟ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَذَكَرَهُ . وَأَمَّا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَلَا خِيَارَ فِيهِ لِأَحَدٍ ، وَكُلُّ قَوْلٍ خَالَفَ السُّنَّةَ فَمَرْدُودٌ ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ فِي كِتَابِهِ عِنْدَ تَنَازُعِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، بِالرَّدِّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَيْسَ فِي جَهْلِ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ قَدْ عَلِمَهَا فِيهِ غَيْرُهُ حُجَّةٌ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِنَا هَذَا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ أَكْلَهَا مَكْرُوهٌ ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ فَقَالَ : لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذَا بِالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ كَالْحِمَارِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ ذُو ظِلْفٍ ، وَقَدْ بَايَنَ ذَوَاتَ الْأَظْلَافِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ ، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَذَبَحَ لَنَا الْخَيْلَ ، وَأَطْعَمَنَا لَحْمَهَا . وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حدثنا قاسم ، قال : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَأَكَلْنَاهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ أَبِي رُمَيْكٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هُودٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ : أَكَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ فَرَسٍ . وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ الْإِذْنِ فِي الْخَيْلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَجُوزُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْبَيْعَ وَالتَّصَرُّفَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّكُوبَ وَالزِّينَةَ لا غير ، وَجَائِزٌ بَيْعُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا وَفِي ثَمَنِهَا بِإِجْمَاعٍ . وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَظْرُ وَالْمَنْعُ ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْمَنْعُ مِنَ الْحِمَارِ ، وَالْبَغْلُ ابْنُ الْحِمَارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحِمَارِ بِإِجْمَاعٍ وَالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ ، وَبَقِيَ الْفَرَسُ عَلَى أَصْلِ إِبَاحَتِهِ . هَذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ ، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ فِيهِ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ !
913 - حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ - فِيمَا عَلِمْتُ - إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الْغَزِّيَّ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ وَزَادَ أَلْفَاظًا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ - لَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا بِالْإِقَامَةِ ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا تَطَوُّعًا وَلَا إِثْرَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . قُلْتُ : فَمَا بَالُ الْأَذَانِ ؟ قَالَ : إِنَّمَا الْأَذَانُ دَاعٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَمَنْ يَدْعُو وَهُمْ مَعَهُ ؟ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَزَادَ فِيهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ أَلْفَاظًا سَنَذْكُرُهَا وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِي مَعَانِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ أَنَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِإِمَامِ الْحَاجِّ وَالنَّاسِ مَعَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَمْ يَدْفَعْ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالْمُزْدَلِفَةُ هِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ ، وَهِيَ جَمْعُ ثَلَاثَةِ أَسْمَاءَ لِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِإِمَامِ الْحَاجِّ وَالنَّاسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : الصَّلَاةُ أَمَامَكُ بِالْمُزْدَلِفَةِ . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي بَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَيْئَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصلاتين بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ ، وَالْآخَرُ : هَلْ يَكُونُ جَمْعُهُمَا مُتَّصِلًا لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ ، أَمْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ مِثْلِ الْعَشَاءِ وَحَطِّ الرَّحَّالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟ وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ يَقُولُونَ : يُؤَذَّنُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيُقَامُ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ أَيْضًا ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِإِجْمَاعٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ لِي مَالِكٌ فِي جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَبِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، قَالَ : لِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الْأَئِمَّةِ ، فَلِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَلَكِنَّهُ رَوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْدٍ أَبِي قُدَامَةَ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ عُمَرَ بِالْمُزْدَلِفَةِ كَذَلِكَ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَيْسَ بِقَوِيِّ الْحَدِيثِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَجَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَالَّذِي يَحْضُرُنِي مِنَ الْحُجَّةِ لمالك فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ فِي الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ أَنَّ الْوَقْتَ لَهُمَا جَمِيعًا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَإِذَا كَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنَ الْأُخْرَى ، لِأَنْ لَيْسَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَائِتَةٌ تُقْضَى ، وَإِنَّمَا هِيَ صَلَاةٌ تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا ، وَكُلُّ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي وَقْتِهَا فَسَنَّتُهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامُ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَّا الْأُولَى مِنْهُمَا فَتُصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَتُصَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . قَالُوا : وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بِالتَّأْذِينِ لِلثَّانِيَةِ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا لِعَشَائِهِمْ فَأَذَّنَ لِيَجْمَعَهُمْ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ إِذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنِ الْإِمَامِ لِعَشَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ فَأَذَّنُوا لِجَمْعِهِمْ ، وَإِذَا أَذَّنَ أَقَامَ . قَالُوا : فَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالُوا : وَالَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَجْعَلُ الْعَشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِجَمْعٍ ، فَجَعَلَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْعَشَاءَ ، وَصَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ . وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِجَمْعِ كَلِّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَالْعِشَاءُ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ جَمِيعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُؤَذَّنُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا . وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، قَالَا : صَلَّى بِنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإِقَامَةٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتِي الْعِشَاءَ ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَنَعَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِثْلَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَاحِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَا أَيْضًا : عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : هُوَ الْحَارِثِيُّ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : هُوَ الْمُحَارِبِيُّ - : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَكَانِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصواب الحارثي ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ ثِقَةٌ - مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَهُ . وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَقَدْ حَمَلَ قَوْمٌ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا لَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا بِالْإِقَامَةِ - عَلَى هَذَا أَيْضًا ؛ أَيْ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . وَحَمَلَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ لِكُلِّ صَلَاةِ مِنْهُمَا دُونَ أَذَانٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ فِيهِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، لِأَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ فِيهِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَطَأٌ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ جَمِيعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَهُوَ أَكْمَلُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي الْحَجِّ وَأَتَمُّهُ وَأَحْسَنُهُ مَسَاقًا ، رَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَجَمَاعَةٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَاخْتَارَهُ ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّظَرَ يَشْهَدُ لَهُ لِأَنَّ الْآثَارَ لَمْ تَخْتَلِفْ أَنَّ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ صَلَاتَا الْمُزْدَلِفَةِ فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّهُمَا فِي حُرْمَةِ الْحَجِّ ، وَالْآثَارُ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَغَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ فِي ذَلِكَ بِعَرَفَةَ ، وخَالَفَ الطَّحَاوِيُّ فِي ذَلِكَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الصلاتين تُصَلَّيَانِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . قَالُوا : فَكَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا أَذَانًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَدْ حَكَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، يُؤَذَّنُ لِلْمَغْرِبِ وَيُقَامُ لِلْعِشَاءِ فَقَطْ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ أبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاعْتَلُّوا بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ إِنَّمَا أَذَّنَا لِلثَّانِيَةِ مِنْ أَجْلِ تَأْخِيرِهِمَا الْعِشَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ : تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ جَمِيعًا بِإِقَامَتَيْنِ دُونَ أَذَانٍ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذِهِ الزِّيَادَةُ ، وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظٌ زِيَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أبِيهِ - مثله ، غير أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُنَادِ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا بِإِقَامَةٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ إِقَامَةٍ ، لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعَبِ نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ . فَرَكِبَ حَتَّى جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَنَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْآثَارُ ثَابِتَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهِيَ مِنْ أَثْبَتِ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ يَعْجَبُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَرْوِهِ ، وَتَرَكَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي رَوَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا اخْتِصَارُ مَا بَلَغَنَا مِنَ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَتَهْذِيبِ ذَلِكَ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ بِالنَّاسِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَفَاضَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخَّرَ حِينَئِذٍ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ ، فَصَلَّى بِهَا بِالنَّاسِ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْحَاجِّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي حِينِ جَمْعِهِ لِلصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةِ مِنْهُمَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ ، وَاحِدَةٌ بِإِثْرِ أُخْرَى ، وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ . وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا - جَمِيعًا - تُصَلَّيَانِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُصَلَّى بِإِقَامَةٍ إِقَامَةٍ ، وَلَا يُؤَذَّنُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَالِمٍ وَالْقَاسِمِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُمَا يُصَلَّيَانِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ أبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُجَّةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَلَا مَدْخَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا الِاتِّبَاعُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّيهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ جَمْعٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا مِنْ عُذْرٍ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُصَلِّيهِمَا حَتَّى يَأْتِيَ جَمْعًا ، وَلَهُ السَّعَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا دُونَ جَمْعٍ أَعَادَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ صَلَّاهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَسَوَاءٌ صَلَّاهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا إِذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ . وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا إِنْ صَلَّاهُمَا بِعَرَفَاتٍ أَجْزَأَهُ . وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ جَمْعٍ ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعُرْوَةَ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ . وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ . وَصَلَاهُمَا جَمِيعًا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ بِجَمْعٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إِلَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَذَلِكَ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ - هَلْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ الصَّلَاتَيْنِ أَمْ لَا - فِي كِتَابِنَا هَذَا عند ذَكَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَلَمْ يَأْتِهَا وَلَمْ يَبِتْ بِهَا غَدَاةَ النَّحْرِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ لَمْ يُنِخْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى مِنًى فَرَمَى الْجَمْرَةَ فَإِنَّهُ يُهَرِيقُ دَمًا ، فَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ وَتَرَكَ الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ وَلَمْ يَقِفْ بِهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَقِفْ بِهَا وَلِمَ يَمُرَّ بِهَا وَلَمْ يَبِتْ فِيهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ . قَالُوا : فَإِنْ بَاتَ وَتَعَجَّلَ فِي اللَّيْلِ رَجَعَ إِذَا كَانَ خُرُوجُهُ من غير عُذْرٍ حَتَّى يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ يُصْبِحَ بِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ . قَالُوا : وَإِنْ كَانَ رَجُلًا مَرِيضًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ غُلَامًا صَغِيرًا فَتَقَدَّمُوا مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ نَزَلَ وَخَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا لِيَقِفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَيُصْبِحَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ . قَالَ : وَإِنَّمَا حَدَّدْنَا نِصْفَ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يُصْبِحُوا بِهَا وَلَا يَقِفُوا مَعَ الْإِمَامِ ، وَالْفَرْضُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ سَوَاءٌ ، وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ لِمَوَاضِعِ الْفَضْلِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ . قَالَ : وَمَا كَانَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَهُوَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِجَمْعٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنَّ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ ارْتَحَلَ بِلَيْلٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَو يَقُولُ : إِنَّمَا جمع منزل تُدْلِجُ مِنْهُ إِذَا شِئْتَ . وَقَالَ عَلْقَمَةُ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : مَنْ لَمْ يَنْزِلْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً ; وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَرْضٌ وَاجِبٌ يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَالْأَصَحُّ عَنْهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ قَابِلًا . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُفِيضَ فَقَدْ أَدْرَكَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى رَوَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا لَيْلًا وَهُمْ بِجَمْعٍ ، فَانْطَلَقَ إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْلًا فَأَفَاضَ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جَمْعٍ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتْعَبْتُ نَفْسِي وَأَنْصَبْتُ رَاحِلَتِي ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ : مَنْ صَلَّى مَعَنَا الْغَدَاةَ بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ وَقَدْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ . رَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ، وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : زَكَرِيَّاءُ أَحْفَظُهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الشَّعْبِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مُعْنَاهُمْ كُلُّهُ وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ : أتيت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجَمْعٍ - فَقُلْتُ : جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ ، أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي ، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ كَانَ صَحِيحًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ سَأَلَهُ عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، فَدَارَ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِالنَّهَارِ لَا يَضُرُّهُ إِنْ فَاتَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِاللَّيْلِ وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِالنَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ وَأَنَّهُ قَدْ تَمَّ حَجُّهُ ; لِأَنَّهُ رَأَى لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَقِفَ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ ، وَعُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ إِذَا وَقَفَ بِاللَّيْلِ وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِالنَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ . قَالَ : وَلَوْ حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَلَى مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ لَوَجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ بِجَمْعٍ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ فَاسِدًا ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ يُحْمَلُ عَلَى صِحَّتِهِ وَصِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ ، لِأَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا سَأَلَ وَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا فَأُعْلِمَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا ، فَسَكَتَ عَنْ أَنْ يَقُولَ لَيْلًا لِعِلْمِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ ، لِأَنَّ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا فَقَدْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ النَّهَارِ اتِّصَالَ اللَّيْلِ بِهِ . قَالَ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِمَعْنَى لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ؛ أَيْ آثِمًا وَكَفُورًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ كَانَ الْوُقُوفُ وَاجِبًا لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَمْ يُغْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا يُجْزِئُ عَنِ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ ، إِلَّا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَهُوَ مُسِيءٌ ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ دَمًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَجَمَاعَةٌ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّ الْفَرْضَ عِنْدَهُ اللَّيْلُ دُونَ النَّهَارِ ، وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْفَرْضِ ، إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقِفَ كَمَا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَارًا يَتَّصِلُ لَهُ بِاللَّيْلِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ ، لَا حَجَّ لِمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا ، أَوْ لَيْلَةَ النَّحْرِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَسَنَذْكُرُ مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالصَّلَاةِ بِهَا فِي أُولَى الْمَوَاضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ الْحَجَّاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَرْضًا مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا بِأَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَ لِمَنْ أَوْجَبَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَرْضًا ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا قَالَ فِيهِ : مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا هَذِهِ - وَكَانَ قَدْ أَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ - فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ وَتَمَّ تَفَثَهُ . فَذَكَرَ الصَّلَاةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَكَانَ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ ، فَلَمَّا كَانَ حُضُورُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مِنْ صَلِيبِ الْحَجِّ كَانَ الْوُقُوفُ بِالْمَوْطِنِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ . قَالُوا : فَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِهَذَا الْحَدِيثِ ذَلِكَ الْفَرْضُ إِلَّا بِعَرَفَةَ خَاصَّةً . قَالُوا : فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَقَالَ : قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ كَمَا ذَكَرَ عَرَفَاتٍ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُنَّتِهِ ، فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ ، لَا يُجْزِئُ الْحَجُّ إِلَّا بِإِصَابَتِهِمَا ; قِيلَ لَهُ : لَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي الْوُقُوفِ ، وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَشُهُودُ الْمَوْطِنِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ لَمْ يَرِدْ بِذِكْرِهَا إِيجَابُهَا ، هَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ الْأَزْدِيُّ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدَّيْلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ : الْحَجُّ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَمَنْ أَدْرَكَ جَمْعَا قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ .
911 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنْ لَا تُخَالِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي أَمْرِ الْحَجِّ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ - وَأَنَا مَعَهُ - فَصَاحَ بِهِ عِنْدَ سُرَادِقِهِ : أَيْنَ هَذَا ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ - وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ - فَقَالَ : مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ فَقَالَ : الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ . فَقَالَ : أَهَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً ثُمَّ أَخْرُجُ . فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ ، فَصَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَأقْصِرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْمَا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : صَدَقَ . قَدْ ذَكَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِنَا ، وَأَمَّا الْحَجَّاجُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ ، أُمُّهُ فَارِعَةُ بِنْتُ هَمَّامِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، كَانَتْ قَبْلَ أَبِيهِ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . كَانَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَهْلًا أَنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ ، وَلَا يُؤْثَرُ حَدِيثُهُ ، وَلَا يُذَكَرُ بِخَيْرٍ لِسُوءِ سِرِّهِ وَإِفْرَاطِهِ فِي الظُّلْمِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَائِفَةٌ تُكَفِّرُهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لَهُ . وَلِيَ الْحِجَازَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَوَلِيَ الْعِرَاقَ عِشْرِينَ سَنَةً : قَدِمَ عَلَيْهِمْ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ . رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، قَالَ : لَمَّا أَتَى الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : إِنَّهُ شَقِيُّ بْنُ كَسِيرٍ . فَقَالَ : مَا أَنَا إِلَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، بِذَلِكَ سَمَّانِي أَبَوَايَ . قَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ . قَالَ : إِذًا أَكُونُ كَمَا سَمَّانِي أَبِي سَعِيدًا . وَقَالَ : دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . فَقَالَ الْحَجَّاجُ : وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى . فَقَالَ سَعِيدٌ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قَالَ : فَضَرَبَ عُنُقَهُ . قَالَ سُفْيَانُ : فَلَمْ يَقْتُلْ بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ يُخَرَّجُ فِي الْمُسْنَدِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجَّاجِ : الرَّوَاحُ هَذِهِ السَّاعَةُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ ، وَلِقَوْلِ سَالِمٍ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَأقْصِرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : صَدَقَ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا مَعَ سَالِمٍ وَأَبِيهِ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَعَ الْحَجَّاجِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهْمٌ مِنْ مَعْمَرٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : وَهِمَ فِي ذَلِكَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ لَمْ يَرَ ابْنَ عُمَرَ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ : قَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِمَّا لَا يُصَحِّحُهُ أَحَدٌ سَمَاعًا ، وَلَيْسَ لِابْنِ شِهَابٍ سَمَاعٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ فَقَالَ : مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ قَدْ شَاهَدَ ابْنَ عُمَرَ مَعَ سَالِمٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ . وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَفِيهَا : فَرَكِبَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَفِيهَا : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا ، فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي حَدِيثِهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَصَابَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ مِنَ الْحَرِّ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنَا مِثْلُهُ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ عَنْبَسَةَ رَوَى عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ . قَالَ : وَمَرْوَانُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمَاتَ ابْنُ عُمَرَ ( فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ ) سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ( قَالَ : ) وَأَظُنُّ مَوْلِدَ الزُّهْرِيِّ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَمَوْتُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ شَاهَدَ ابْنَ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ ، فَلَسْتُ أَدْفَعُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ . هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الذُّهْلِيُّ . وذكر الحلواني قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ : قَدْ أَدْرَكَ الزُّهْرِيُّ الْحَرَّةَ وهو بالغ وَعَقَلَهَا . أَظُنُّهُ قَالَ : وَشَهِدَهَا . وَكَانَتِ الْحَرَّةُ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ - فِيمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَوْمَ عَرَفَةَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرُوحَ فَآذِنَّا . فَرَاحَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، فَوَقَفَ بِفَنَاءِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ : مَا يَحْبِسُهُ . فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْتَدِيَ بِكَ ، وَأَنْ آخُذَ عَنْكَ . فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ : إِنْ أَرَدْتَ السُّنَّةَ فَأَوْجِزِ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمَا ، وَكُنْتُ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ : اقْتَدِ بِابْنِ عُمَرَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ ، قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمَا وكنت صائما فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : فَقُلْتُ لِمَعْمَرٍ : فَرَأَى الزُّهْرِيُّ ابْنَ عُمَرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثَيْنِ ، فَسَلْنِي عَنْهُمَا أُحَدِّثْكَهُمَا . قَالَ : فَجَعَلْتُ أَتَحَيَّنُ خَلْوَتَهُ لِأَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُمَا وَلَا يَكُونُ مَعَنَا أَحَدٌ . قَالَ : فَلَمْ يُمَكِّنِّي ذَلِكَ حَتَّى أُنْسِيتَهُ ، فَمَا ذَكَرْتُ حَتَّى نَفَضْتُ يَدِي مِنْ قَبْرِهِ ، فَنَدِمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ : وَمَا ضَرَّنِي لَوْ سَمِعْتُهُمَا وَسَمِعَ مَعِي غَيْرِي . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ مَعْمَرٍ وَلَا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا عَلِمْتُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ فِي الْحَجِّ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ وَلَا يُعْرَفُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْحُلْوَانِيُّ : وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدِ ابْنِ أَخِي يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ . قَالَ الْحَسَنُ : وَمَاتَ ابْنُ مَرْوَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ فِي أَوَّلِهَا ، إِلَّا أَنَّهُ حَجَّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمَاتَ بَعْدَ الْحَجِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فِقْهٌ وَآدَابٌ وَعِلْمٌ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ كَثِيرٌ . فَمِنْ ذَلِكَ مَشْيُ الرَّجُلِ الْفَاضِلِ مَعَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِ فِيهِ . وَفِيهِ تَعْلِيمُ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ السُّنَنَ إِذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ ، وَلَعَلَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا وَتَصْرِفُهُ عَنْ غَيِّهِ . وَفِيهِ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنَ السَّلَاطِينِ مَا كَانَ إِلَيْهِمْ إِقَامَتَهُ ؛ مِثْلَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَجَّ يُقِيمُهُ السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُقِيمُهُ لَهُمْ عَلَى شَرَائِعِهِ وَسُنَنِهِ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا ؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا أَوْ مُبْتَدِعًا ، مَا لَمْ تُخْرِجْهُ بِدْعَتُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَوَاحَ الْإِمَامِ مِنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِعَرَفَةَ إِلَى مَسْجِدِهَا حِينَ نزُولُ الشَّمْسُ ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ سُنَّةٌ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَلْزَمُ كُلُّ مَنْ بَعُدَ عَنِ الْمَسْجِدِ بِعَرَفَةَ أَوْ قُرُبَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا مَوْضِعَ نُزُولِهِ بِالصُّفُوفِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَفَهِمَهَا فَلَا حَرَجَ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَزَلَ بِنَمِرَةَ مِنْ عَرَفَةَ ، وَحَيْثُ مَا نَزَلَ مِنْ عَرَفَةَ فَجَائِزَةٌ . وَكَذَلِكَ وُقُوفُهُ مِنْهَا حَيْثُمَا وَقَفَ فَجَائِزٌ ، إِلَّا بَطْنَ عرفة ، فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ بِعَرَفَةَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا مَعَ الْإِمَامِ ، عَلَى مَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ : أَيَّةُ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُوحُ فِي هَذَا الْيَوْمِ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ رُحْنَا . فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ قَالَ : أَزَاغَتِ الشَّمْسُ ؟ قَالُوا : لَمْ تَزُغْ . ثُمَّ قَالَ : زَاغَتِ الشَّمْسُ ؟ فَلَمَّا قَالُوا قَدْ زَاغَتْ ، ارْتَحَلَ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقُصْوَى فَرَحَلَتْ لَهُ ، وَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي وَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ مَا لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، وَأَمَّا وَقْتُ الرَّوَاحِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَفةَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِيهِ بِمَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ مَرَاسِلِ مَالِكٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ بِعَرَفَةَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَفِي جُلُوسِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ قَبْلَهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَخْطُبُ الْإِمَامُ طَوِيلًا ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ يُصَلِّي . ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ صَدْرًا مِنْ خُطْبَتِهِ ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مَعَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ . وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ : الْأَذَانُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ . وَبِمِثْلِ ذَلِكَ سَوَاءً . قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْخُذُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ إِذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مِنَ الْأَذَانِ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ ( الصَّلَاةَ ) وَقَالَ مَالِكٌ ، وَسُئِلَ عَنِ الْإِمَامِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ : أَيَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ طَوِيلًا ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ ثُمَّ يُصَلِّي . ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ . وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِمَّا قَدَّمْنَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْلِسُ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَتَى الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ خَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى . وَلَمْ يَذْكُرْ جُلُوسًا عِنْدَ الصُّعُودِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْأُولَى جَلَسَ جِلْسَةً خَفِيفَةً قَدْرَ ( قِرَاءَةِ ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ خِطْبَةً أُخْرَى . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ( بِعَرَفَةَ ) لَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرِهَا ( وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ فَعَلَ ، لَمْ يَجْهَرْ ) وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ - إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا - رَكْعَتَيْنِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُسَافِرًا وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلَ عَمَلَ حَجِّهِ وَعَجَّلَ الِانْصِرَافَ . وَاخْتُلِفَ فِي قَصْرِ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ مَكِّيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ مِنًى بِعَرَفَةَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنًى بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا أَقَامُوا يَقْصُرُونَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ ، وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضًا كَذَلِكَ ، إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَأَيَّامِ مِنًى . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنًى مُقِيمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَيْضًا . كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ . وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَأَهْلُ مِنًى يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ ، وَأَهْلُ عَرَفَةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ سَوَاءً . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يُصَلُّوا فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ( وَسَائِرُ الْأُمَرَاءِ هَكَذَا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ) فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَكِّيًّا وَغَيْرَ مَكِّيٍّ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَهْلِ مَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ . وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مُنْكَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِهِ وَنَكَارَتِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ : مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ صَلَّى بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَرْبَعًا ، لَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا أَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا : الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ - الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ ( وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ ) هَلْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَهُ أَنْ يَجْمَعَ ( بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ يَجْمَعُ ) بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ . قَالَ : فَإِنِ احْتُبِسَ إِنْسَانٌ دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ لِمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : صَلِّ مَعَ الْإِمَامِ ( بِعَرَفَاتٍ ) الصَّلَاتَيْنِ إِنِ اسْتَطَعْتَ ، وَإِنْ صَلَّيْتَ فِي رَحْلِكَ فَصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِلَّا لِوَقْتِهَا . وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : جَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا . وَعِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ ( جَمْعَ ) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ وَلِكُلِّ مُسَافِرٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا جُمُعَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصلاتين بِعَرَفَةَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّيهِمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي صَلَاتَيِ الْمُزْدَلِفَةِ ، وَالْحُجَّةُ لَهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ : يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ : إِقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَرَوَى عَنْهُ الْكَوْسَجُ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ( أَيْضًا ) الْجَمْعُ بَيْنَ الصلاتين بِعَرَفَةَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً . وَفِي لُبْسِ الْحَجَّاجِ الْمُعَصْفَرَ ، وَتَرْكِ ابْنِ عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ مَعَ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِيَّاهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ( شَيْءٍ مِنْ ) أَمْرِ الْحَجِّ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَإِنْ ( كَانَ ) أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ ، وَإِنَّمَا كَرِهُوهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ . وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ لُبْسِ الْمُصَبَّغَاتِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْتَفِضُ ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَلَا يَحْيَى وَلَا مُطَرِّفٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَكْرَهُ الْمُثْرَدَ بِالْعُصْفُرِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ بِالْعُصْفُرِ فِي الْإِحْرَامِ : الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ - يَعْنِي مُعَصْفَرَيْنِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَا أَخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ . فَسَكَتَ عُمَرُ . أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَخْرُجُ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ مُضَرَّجَانِ فِي الْحَرَمِ ( مَعَ ابْنِ عُمَرَ ) فَلَا يُنْكِرُ عَلَيَّ . وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ وَهْبٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَسْتَحِبُّ إِيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرِ الْمُصَبَّغِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الطِّيبَ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَحِلُّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُحْرِمَ ) عَنِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا صُبِغَ بِهِمَا مِنَ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَاتِ فِي الْإِحْرَامِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ خَوْفًا مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الصَّبْغِ مِثْلَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُعَدُّ طِيبًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا كَانَ ( ذَلِكَ ) مِنْ عُمَرَ إِلَى طَلْحَةَ لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ الشُّبْهَةِ لِئَلَّا يَظُنُّ ( بِهِ ) ظَانٌّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِمِثْلِهِ ، وَيَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَلِيلًا لِعَمَلٍ يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ ، مِثْلَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَفِيهِ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْحَجَّاجِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً ، كَذَلِكَ كَانَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ . ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ فَتْوَى الصَّغِيرِ بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ . أَلَا تَرَى أَنَّ سَالِمًا عَلَّمَ الْحَجَّاجَ السُّنَّةَ فِي قَصْرِ الْخُطْبَةِ وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ ، وَابْنُ عُمَرَ أَبُوهُ إِلَى جَانِبِهِ ؟! . وَقَصْرُ الْخُطْبَةِ فِي ذَلِكَ ( وَفِي غَيْرِهِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ) سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ تُصَلِّي الْعَصْرَ بِإِثْرِ السَّلَامِ مِنَ الظُّهْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ . رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ طَيِّبَاتٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِإِقْصَارِ الْخُطَبِ . وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْصُرَ الْخُطْبَةَ وَنُطِيلَ الصَّلَاةَ . وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قَصْرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلَاةِ . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ ، وَأَنَّهُ يُقْصِرُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا وَإِنْ لَمْ يَخْطُبْ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِيهَا فَأَسَرَّ الْقِرَاءَةَ ، إِنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ ، وَلَكِنَّهَا قُصِرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ ، فَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ ، وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ وَأَشْهَبُ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْوُقُوفَ . وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِهِ ، وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ الْقَعْنَبِيُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ بَعْدَ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سُنَّةٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ ، وَذَكَرْنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَبِكُلِّ مِصْرَ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّهُ فَرْضٌ لَا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَلَا حَجَّ لَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَصْرِهِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَقِفْ . فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : اللَّيْلُ هُوَ الْمُفْتَرَضُ ، وَالْوُقُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سُنَّةٌ ، دَلَّ عَلَى مَا أَضَفْنَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ جَوَابُهُ فِي مَسَائِلِهِ فِي ذَلِكَ . ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ثُمَّ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهَا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ ، ( فَيَقِفُ بِهَا ) أَنَّ حَجَّهُ قَدْ فَاتَهُ ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ، وَالْهَدْيُ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ ، وَهُوَ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ . وَقَالَ مَالِكٌ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْهُ - أَنَّ مَنْ دَفَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَهُوَ قَدْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَلَا رُوِّينَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ عَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُمْ ، وَحَجُّهُ تَامٌّ . قَالَ الْكُوفِيُّونَ : فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ بَعْدَ الْمَغِيبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يطلع الْفَجْرَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَجَّتُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ سَوَاءً إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّمِ - حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ ( حَدِيثِ ) الصَّلَاةِ بِالْمُزْدَلِفَةِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ مَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا هُوَ الْفَرْضُ دُونَ النَّهَارِ : حُكْمُ الْجَمِيعِ لِمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ اللَّيْلِ بِتَمَامِ الْحَجِّ ، وَإِنَّ إِدْرَاكَ أَوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَوَّى كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ حُكْمِ سَائِرِ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَا انْتَفَى فِي بَعْضِ الْجِنْسِ فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي سَائِرِهِ . وَذَكَرُوا كَلَامًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْفَرَجِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوُقُوفَ بِبَطْنِ عرَفةَ ( مِنْ عَرَفَةَ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عرفة ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِهَا وَلَمْ يَقِفْ مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِهَا فَقَالَ مَالِكٌ : يُهَرِيقُ دَمًا وَحَجُّهُ تَامٌّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجْزِيهِ وَحَجُّهُ فَائِتٌ . وَبِهِ قَالَ أَبُو الْمَصَبِّ الَّذِي قَالَ : عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدَّيْلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فقد أَدْرَكَ ، وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَيَّامِ النَّاسِ ، مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَاتَ بِعَقِبِ هَذِهِ الْحَجَّةِ بِمَكَّةَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ مَوْقِفٌ مَعْرُوفٌ بِعَرَفَةَ ، كَانَ قَدْ وَقَفَ فِيهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَقَفَ بِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَبَرَّكُ بِالْمَوْقِفِ فِيهِ وَكَانَ لَا يَدْعُ الْحَجَّ كُلَّ عَامٍ مُنْذُ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ ، فَانْطَلَقَ مَعَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدِي الْحَجَّاجِ ، فَأَمَرَ مَنْ نَخَسَ بِابْنِ عُمَرَ حَتَّى نَفَرَتْ بِهِ نَاقَتُهُ ، فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ أَيْضًا بِنَاقَتِهِ فَنُخِسَتْ فَنَظَرَتْ فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سَكَنَتْ ، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ ، فَثَقُلَ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمْرُهُ ، فَأَمَرَ رَجُلًا مَعَهُ حَرْبَةً يُقَالُ : إنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً ، فَلَمَّا دَفَعَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ لَصِقَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَأَمَرَ الْحَرْبَةَ عَلَى قَدَمِهِ وَنَخَسَهُ بِهَا فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ بِمَكَّةَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ بِأَكْثَرِ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شُهُودَ عَرَفَةَ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ ، وَهُوَ الرُّكْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْحَجِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنَّهُ يَجْبُرُ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِالدَّمِ ؟ وَمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ؟ وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِهَا حَتَّى انْصَدَعَ الْفَجْرُ فِي بَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِعَرَفَةَ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا ، هُوَ الْمُفْتَرَضُ ، وَجَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا سُنَّةٌ مَعَ الْإِمَامِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ خَالَفَهُ الْإِجْمَاعُ ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : قَلْتُ لِلثَّوْرِيِّ إنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، عَنْ سُوُيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ . فَقَالَ لِي : إِنَّهَا قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ لَا يُؤْخَذُ بِهَا ، وَقَدْ تَرَكْتُ هَذَا مِنْهَا ، وَمَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَشْهَدُهَا مَعَ الْإِمَامِ ( بِعَرَفَةَ ) قَالَ الْكِشْوَرِيُّ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ : أَتَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ( لِابْنِ عُيَيْنَةَ ؟ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْقَعْنَبِيِّ وَأَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ) وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْوُقُوفِ رَكِبَ مُعَجِّلًا وَرَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ كُلُّ مَنْ مَعَهُ مَا يُرْكَبُ ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَفْضَلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا ، وَمَنْ وَقَفَ رَاجِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
813 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مُسْنَدٌ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ( بْنَ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْمِكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ قُرَيْشًا بَنَتِ الْكَعْبَةَ وَلَمْ تُتِمَّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْمِكِ ، وَلَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ ، إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ قُرَيْشًا لِبُنْيَانِهِمُ الْكَعْبَةَ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَقَالَ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يَعْنِي قُرَيْشًا . وَالْقَوَاعِدُ أَسَاسُ الْبَيْتِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْوَاحِدَةُ مِنْهَا قَاعِدَةٌ ، قَالُوا : وَالْوَاحِدُ مِنَ النِّسَاءِ قَاعِدٌ . وَفِيهِ حَدِيثُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ النَّاسِ ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَلِمِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمَا كَسَائِرِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يُسْتَلَمُ ، وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ عَلَى حَقِيقَةٍ ، لِمَا لَمْ يَكُونَا تَامَّيْنِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ بَعْدَ ذِكْرِ جُمْلَةٍ كَافِيَةٍ مِنْ خَبَرِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ يَشْفِي النَّاظِرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ الْجَدْرِ : أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَ : إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ . قُلْتُ : فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا ؟ قَالَ : فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْجَدْرُ لُغَةً فِي الْجِدَارِ ، وَالْجَدْرُ أَيْضًا وَالْجَدِيرُ مَكَانٌ بُنِيَ حَوْلَهُ جِدَارٌ . قَالَهُ الْخَلِيلُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ الْفِجَارِ وَبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ بَيْنَ الْفِيلِ وَالْفِجَارِ أَرْبَعُونَ سَنَةً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ، فَكَانَ بَيْنَ مَبْعَثِهِ وَبَيْنَ الْفِيلِ سَبْعُونَ سَنَةً . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا وَهْمٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِنَا ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَنُبِّئَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْفِيلِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ بَيْنَ غَزْوَةِ ( أَصْحَابِ ) الْفِيلِ وَبَيْنَ الْفِجَارِ أَرْبَعُونَ سَنَةً . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : بُنِيَ الْبَيْتُ عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ الْفِيلِ ، كَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ : خَمْسًا وَثَلَاثِينَ . كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ - يَعْنِي الْبَيْتَ - عَرِيشًا تَقْتَحِمُهُ الْعِتَرُ حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، بَنَتْهُ قُرَيْشٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَابْتِدَاءِ أَمْرِهَا كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَكْتَفِي بِهِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا بِحَوَلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ) فِي قَوْلِهِ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ : أَوَّلُ بَيْتٍ وَضَعَهُ ( اللَّهُ ) فِي الْأَرْضِ فَطَافَ بِهِ آدَمُ فَمَنْ بَعْدَهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى آدَمَ إِذْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ : ابْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ . قَالَ عَطَاءٌ : فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ مِنْ حِرَاءٍ وَمِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَمِنْ لُبْنَانَ وَمِنَ الْجُودِيِّ وَمِنْ طُورِ زَيْت ، وَكَانَ رَبَضُهُ مِنْ حِرَاءٍ ، فَكَانَ ( هَذَا ) بِنَاءُ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ نَاسٌ : أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ سَحَابَةً فِيهَا رَأْسٌ ، فَقَالَ الرَّأْسُ : يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْخُذَ بِقَدْرِ هَذِهِ السَّحَابَةِ . فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَخُطُّ قَدْرَهَا ، ثُمَّ قَالَ الرَّأْسُ : أَقَدْ فَعَلْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَارْتَفَعَتْ فَحَفَرَ فَأَبْرَزَ عَنْ أَسَاسٍ ثَابِتٍ فِي الْأَرْضِ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ : بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ : لُبْنَانَ وَطُورَ زَيْتَا وَطُورَ سَيْنَاءَ وَحِرَاءٍ وَمِنَ الْجُودِيِّ ، وَكَانَ رَبَضُهُ مِنْ حِرَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرَّبَضُ هَاهُنَا الْأَسَاسُ الْمُسْتَدِيرُ بِالْبَيْتِ مِنَ الصَّخْرِ ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ رَبَضٌ ، هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ ، مِنْهُمْ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَغَيْرُهُ : إِنَّ شِيث بْنَ آدَمَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ . وَزَعَمَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : وَكَانَ شِيث وَصِيَّ أَبِيهِ آدَمَ ، وَهُوَ الَّذِي وَلَدَ الْبَشَرَ كُلَّهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ ، وَكَانَتْ هُنَاكَ خَيْمَةً لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَضَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنَ الْجَنَّةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ أَقْبَلَ مِنْ أَرْمِينْيَا وَمَعَهُ السَّكِينَةُ تَدُلُّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ ، فَجَاءَتْ حَتَّى تَبَوَّأَتِ الْبَيْتَ كَمَا تَبَوَّأَ الْعَنْكَبُوتُ . قَالَ : فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَحْجَارٍ يُطِيقُهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا ، أَوْ قَالَ : لَا يُطِيقُهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا . قَالَ بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ : فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ هَذَا بَعْدُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ) السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ هِيَ بَعْدُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَذْهَبُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ آدَمَ لَمْ يَبْنِ الْكَعْبَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ؟ قَالَ : فَأَيْنَ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ ؟ وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكًا فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ( مُوسَى ) بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ . قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَوَّلُ بَيْتٍ ، كَانَ نُوحٌ قَبْلَهُ ، فَكَانَ فِي الْبُيُوتِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ فَكَانَ فِي الْبُيُوتِ ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : ) يَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ . قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى . قُلْتُ : كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَّا أَرْبَعُونَ سَنَةً . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ عَلِيٍّ هَذَا ، وَيُوَافِقُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قَالَا : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَبْنِيَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ الْبَيْتَ ، فَقَامَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَأَخَذَا الْمَعَاوِلَ لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْتُ ، فَبَعَثَ اللَّهِ رِيحًا يُقَالُ لَهُ : الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ ، فَكَشَفَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ . وَهَذَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا بُنْيَانُ قُرَيْشٍ الْبَيْتَ ، فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : كَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ بِالرَّضْمِ لَيْسَ فِيهَا مَدَرٌ ، وَكَانَتْ قَدْرُ مَا تَقْتَحِمُهَا الْعِنَاقُ وَكَانَتْ ثِيَابُهَا تُوضَعُ عَلَيْهَا تُسْدَلُ سَدْلًا عَلَيْهَا ، وَكَانَ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ مَوْضُوعًا عَلَى سُورِهَا بَادِيًا ، وَكَانَتْ ذَاتَ رُكْنَيْنِ هَيْئَةَ هَذِهِ الْحَلْقَةِ ، فَأَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مِنَ الرُّومِ حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ جُدَّةَ انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِيَأْخُذُوا خَشَبَهَا فَوَجَدُوا رُومِيًّا عِنْدَهَا ، فَأَخَذُوا الْخَشَبَ فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا ، وَكَانَتِ السَّفِينَةُ تُرِيدُ الْحَبَشَةَ . كَانَ الرُّومِيُّ الَّذِي فِي السَّفِينَةِ نَجَّارًا ، فَقَدِمُوا بِالْخَشَبِ وَقَدِمُوا بِالرُّومِيِّ ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ : نَبْنِي بِهَذَا الْخَشَبِ بَيْتَ رَبِّنَا . فَلَمَّا أَرَادُوا هَدْمَهُ إِذَا هُمْ بِحَيَّةٍ عَلَى سُورِ الْبَيْتِ مِثْلَ قِطْعَةِ الْجَائِزِ سَوْدَاءَ الظَّهْرِ بَيْضَاءَ الْبَطْنِ ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا أَتَى أَحَدٌ إِلَى الْبَيْتِ لِيَهْدِمَهُ أَوْ يَأْخُذَ مِنْ أَحْجَارِهِ سَعَتْ إِلَيْهِ فَاتِحَةً فَاهَا . فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْمَقَامِ فَعجوا إِلَى اللَّهِ فَقَالُوا : رَبَّنَا لَمْ ترَعْ ، أَرَدْنَا تَشْرِيفَ بَيْتِكَ وَتَزْيِينِهِ ، فَإِنْ كُنْتَ تَرْضَى بِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَمَا بَدَا لَكَ فَافْعَلْ . فَسَمِعُوا خَوَاتًا فِي السَّمَاءِ ، فَإِذَا هُمْ بِطَائِرٍ أَعْظَمُ مِنَ النِّسْرِ أَسُودُ الظَّهْرِ أَبْيَضَ الْبَطْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، فَغَرَزَ مَخَالِبَهُ فِي قَفَا الْحَيَّةِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا تَجُرُّ ذَنَبَهَا ( أَعْظَمُ ) مِنْ كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى انْطَلَقَ بِهَا نَحْوَ أَجْيَادٍ ، فَهَدَمَتْهَا قُرَيْشٌ وَجَعَلُوا يَبْنُونَهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي تَحْمِلُهَا قُرَيْشٌ عَلَى رِقَابِهَا ، فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاءِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا . فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ حِجَارَةً مِنْ أَجْيَادٍ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ فَضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّمِرَةُ فَذَهَبَ يَضَعُ النَّمِرَةَ عَلَى عَاتِقِهِ ، فَتُرَى عَوْرَتُهُ مِنْ صِغَرِ النَّمِرَةِ ، فَنُودِيَ : يَا مُحَمَّدُ خَمِّرْ عَوْرَتَكَ . فَلَمْ يُرَ عُرْيَانَا بَعْدَ ذَلِكَ . وَكَانَ بَيْنَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَمْسُ سِنِينَ ، وَبَيْنَ مُخْرِجِهِ وَبُنْيَانِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمَّا كَانَ جَيْشُ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ فَذَكَرَ حَرِيقَهَا فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : إِنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ( فِي الْحِجْرِ ) ضَاقَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالْخَشَبُ . قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ : شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا ، يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ . وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ جَعَلَتْ لَهَا دُرْجًا يَرْقَى الَّذِي يَأْتِيهَا عَلَيْهَا ، فَجَعَلَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ لَاصِقَةً بِالْأَرْضِ . قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ سَابِطٍ أَنَّ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ، كَشَفُوا ، عَنِ الْقَوَاعِدِ فَإِذِ الْحَجَرُ مِثْلَ الْخِلْفَةِ ، فَرَأَى الْحِجَارَةَ مُشْتَبِكَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، إِذَا حُرِّكَتْ بِالْعَتَلَةِ تَحَرَّكَ الَّذِي مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى . قَالَ ابْنُ سَابِطٍ : فَأَرَانِيهِ زَيْدٌ لَيْلًا بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ ، فَرَأَيْتُهَا أَمْثَالَ الْخِلْفِ مُشْتَبِكًا أَطْرَافُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَنْبَأَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلَمَ أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ ( فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ مِجْمَرِهَا فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ ) فَاحْتَرَقَتْ ، فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فِي هَدْمِهَا وَهَابُوا هَدْمَهَا ، فَقَالَ لَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : مَا تُرِيدُونَ بِهَذَا ؟ الْإِصْلَاحُ ( تُرِيدُونَ ) أَمِ الْفَسَادُ ؟ فَقَالُوا : بَلْ نُرِيدُ الْإِصْلَاحَ . قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُهْلِكُ الْمُصْلِحَ . قَالُوا : فَمَنِ الَّذِي يَعْلُوهَا ؟ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : أَنَا أَعْلُوهَا وَأَهْدِمُهَا . فَارْتَقَى الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ وَمَعَهُ الْفَأْسُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ . ثُمَّ هَدَمَ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَدْ هَدَمَ مِنْهَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَا خَافُوا مِنَ الْعَذَابِ هَدَمُوا مَعَهُ ، حَتَّى إِذَا بَنَوْهَا فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ : أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ ، حَتَّى كَادَ يَشْجُرُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالُوا : تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ . فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحًا نَمِرَةً ، فَحَكَّمُوهُ فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ ، فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةً مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْتَقَى هُوَ ، فَرَفَعُوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ ، فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ . وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَذَا ، وَحَدِيثُهُمَا أَكْمَلُ وَأَتَمُّ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهْدِمَ الْكَعْبَةَ وَأَبْنِيَهَا عَلَى قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ وَأَجْعَلَ لَهَا بَابَيْنِ وَأُسَوِّيَهَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا رَفَعُوهَا أَنْ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ أَحَبُّوا . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : اسْمُ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ لِقُرَيْشٍ بَاقُومُ وَكَانَ رُومِيًّا ، وَكَانَ فِي سَفِينَةٍ فَحَمَتْهَا الرِّيحُ - يَقُولُ : حَبَسَتْهَا - فَخَرَجَتْ إِلَيْهَا قُرَيْشٌ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا ، وَقَالُوا لَهُ : ابْنِهَا عَلَى بُنْيَانِ الْكَنَائِسِ . قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : لَمَّا أَرَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ خَرَجَتْ مِنْهَا حَيَّةٌ فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا ، وَكَانَتْ تَشْرُفُ عَلَى الْجِدَارِ . قَالَ عَمْرٌو : وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : فَجَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ فَأَخَذَ بِأَنْيَابِهَا فَذَهَبَ بِهَا نَحْوَ أَجْيَادٍ ، فِيمَا أَحْسَبُ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا : عَجِبْتُ لَمَّا تَصَوَّبَتِ الْعِقَابُ إِلَى الثُّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ إِذَا قُمْنَا إِلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ تُهَيِّبْنَا الْبِنَّاءَ وَقَدْ تُهَابُ فَلَمَّا أَنْ خَشِينَا الرِّجْزَ جَاءَتْ عِقَابٌ تَتْلَئِبُّ لَهَا انْصِبَابُ فَضَمَّتْهَا إِلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إِلَى بِنَاءٍ لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ غَدَاةَ نَرْفَعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا ثِيَابُ أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ وَمَرَّةً قَدْ تَعَمَّدَهَا كِلَابُ فَبَوَّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا وَعِنْدَ اللَّهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَكَانُوا يَهُمُّونَ بِذَلِكَ لِيَسْقُفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا ، وَأَنَّهَا ( كَانَتْ ) رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَ الْكَعْبَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكٌ ، مَوْلًى لِبَنِي مَلِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ ، فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ ، وَتَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى سَفِينَةً إِلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ فَتَحَطَّمَتْ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا وَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا ، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ فَتَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا ، وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا ( فَتَتَشَرَّفُ ) كُلَّ يَوْمٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا احْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا ، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا ، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا تَشْرُفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّا لَنَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا ، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ ، وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ الْحَيَّةَ . فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبُنْيَانِهَا قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَتَنَاوَلَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا ، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي بُنْيَانِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلَّا طَيِّبًا ، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ وَلَا بَيْعُ رِبَا وَلَا مَظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ . وَالنَّاسُ يَنْحَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ( أَنَّهُ حَدَّثَ ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَظَرَ إِلَى ابْنِ الْجَعْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ : جَدُّ هَذَا - يَعْنِي أَبَا وَهْبٍ - هُوَ الَّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنَ الْكَعْبَةِ . فَذَكَرَ الْخَبَرَ سَوَاءً . إِلَى قَوْلِهِ : مَظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَجَزَّأَتِ الْكَعْبَةَ فَكَانَ شَقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي زُهْرَةَ ، وَكَانَ مِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لَبَنِي مَخْزُومٍ ، وَقَبَائِلُ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَعٍ وَبَنِي سَهْمٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ شَقُّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَهُوَ الْحَطِيمُ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرَقُوا مِنْهُ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا . فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَمْ ترَعْ . قَالَ ابْنُ هِشَامْ : وَيُقَالُ لَمْ نَزَغْ . اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ ، ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا : نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ مَا صَنَعْنَا بِهَدْمِهَا ، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ ( مَعَهُ ) حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إِلَى الْأَسَاسِ أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسِنَّةِ أَخَذَ بَعْضُهَا بَعْضًا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ رَوَى ( هَذَا ) الْحَدِيثَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ لِيَقْلَعَ بِهَا أَحَدَهُمَا ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا ، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ . قَالَ : وَحُدِّثْتُ أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَإِذَا هُوَ : أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ ، خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ ، لَا تزُولُ حَتَّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا ، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ . قَالَ : وَحُدِّثْتُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ : مَكَّةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ ، يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ ، لَا يَحِلُّهَا أَوَّلُ مَنْ أَهَلَّهَا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ ، ثُمَّ بَنَوْهَا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى ، حَتَّى تَحَاوَرُوا وَتَخَالَفُوا وَاعْتَدُّوا لِلْقِتَالِ ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ ، فَسُمُّوا لَعَقَةُ الدَّمِ ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا ، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَبَا أُمَيْنَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ . فَفَعَلُوا فَكَانَ أَوَّلُ دَاخِلٍ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا ، هَذَا مُحَمَّدٌ . فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلُمَّ إِلَيَّ ثَوْبًا . فَأُتِيَ بِهِ ، فَأَخَذَ الرُّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا . فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ : الْأَمِينُ . قَالَ : وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا ، كَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ ، ثُمَّ كُسِيَتِ الْبُرُودَ ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ : الْحَجَّاجُ ( بْنُ يُوسُفَ ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ مَوْلَاهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ : وَلِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدِي ، أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَأَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ الَّذِي أُنَفِّسُهُ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى وَلَدِي ، فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ ، فَيَجِيءُ الْكَلْبُ حَتَّى يَلْحَسَهُ ، ثُمَّ يَشْغَرُ فَيَبُولُ عَلَيْهِ . قَالَ : فَبَنَيْنَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ ، وَمَا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ ، فَإِذَا هُوَ وَسْطُ حِجَارَةٍ تَكَادُ أَنْ تَتَرَايَا فِيهَا وُجُوهُنَا ، فَقَالَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ : نَحْنُ نَضَعُهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : نَحْنُ . فَقَالُوا : اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا . قَالُوا : أَوَّلُ مَنْ يَجِيءُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ . فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : أَتَاكُمُ الْأَمِينُ ، فَقَالُوا لَهُ فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى وَضَعَهُ هُوَ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : كَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ عَلَى عَهْدِ الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمَ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَرْضِ حَتَّى بَنَتْهُ قُرَيْشٌ ، وَرَدَمُوا الرَّدْمَ الْأَعْلَى ، وَصَرَفُوا السَّيْلَ عَنِ الْكَعْبَةِ ، وَكَسَوْا يَوْمَئِذٍ الْبَيْتَ الْوَصَائِلَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ ، وَهُوَ تَبَعٌ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ ، وَهُوَ تَبَعُ الْآخَرِ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدِمَ مَكَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ : قَالَ أَبِي : فَذَهَبْتُ مَعَهُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا تَقَرَّبَتْ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَعَجَزَتْ واستقصرت ، فَتَرَكُوا بَعْضَ الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ ، فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَهْدِمَ الْبَيْتَ وَيَبْنِيَهُ قَالَ لِلنَّاسِ : اهْدِمُوا . فَأَبَوْا أَنْ يَهْدِمُوا ، وَخَافُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ . قَالَ مُجَاهِدٌ : فَخَرَجْنَا إِلَى مِنًى ، فَأَقَمْنَا بِهَا ثَلَاثًا نَنْتَظِرُ الْعَذَابَ . قَالَ : وَارْتَقَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ هُوَ بِنَفْسِهِ فَهَدَمَ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ اجْتَرَءُوا عَلَى ذَلِكَ . قَالَ : فَهَدَمُوا ، قَالَ : فَلَمَّا بَنَاهَا جَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ ، وَأَوْطَأَهُمَا بِالْأَرْضِ ، بَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ ، وَزَادَ فِيهَا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ ، وَزَادَ فِي طُولِهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ . قَالَ : فَلَمَّا ظَهَرَ الْحَجَّاجُ رَدَّ الَّذِي كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَدْخَلَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ : وَدِدْنَا أَنَّا كُنَّا تَرَكْنَا أَبَا خُبَيْبٍ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ ( يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ ) . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ شَرَاحِيلَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ ، قَالَ : أَدْخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ قُرَيْشٍ ، فَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالشِّرْكِ لَبَنَيْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَتَدْرِي لِمَ قَصَّرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : لَا . قَالَ : قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ . قَالَ : وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قَدْ وَهَتْ مِنْ حَرِيقِ أَهْلِ الشَّامِ . قَالَ : فَهَدَمَهَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ، فَكَشَفَ عَنْ رَبَضِ الْحَجَرِ أَخَذَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، فَتَرَكَهُ مَكْشُوفًا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَتَشَهَّدُ عَلَيْهِ . قَالَ : فَرَأَيْتُ رَبَضَهُ ذَلِكَ كَخَلْفِ الْإِبِلِ خَمْسَ حُجَارَاتٍ ، وَجْهٌ حَجَرٌ ، وَوَجْهٌ حَجَرٌ ، وَوَجْهٌ حَجَرَانِ . قَالَ : وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الْعَتَلَةَ ، فَيَهُزُّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْآخَرِ فَيَهْتَزُّ الرُّكْنُ الْآخَرُ . قَالَ : ثُمَّ بَنَاهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّبَضِ وَصَنَعَ لَهُ بَابَيْنِ لَاصِقَيْنِ بِالْأَرْضِ ، شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدَمَهُ الْحَجَّاجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ ، ثُمَّ أَعَادَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ . قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَدِدْتُ أَنَّكَ تَرَكْتَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَا تَحْمِلُ . قَالَ مَرْثَدٌ : وَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مَا كَانَ وَلِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَأَدْخَلْتُ الْحِجْرَ كُلَّهُ فِي الْبَيْتِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلِمَ يُطَافُ بِالْحِجْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيْتِ ؟ وَرُوِّينَا أَنَّ الرَّشِيدَ هَارُونَ ذَكَرَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ مَا بَنَى الْحَجَّاجُ مِنَ الْكَعْبَةِ ، وَأَنْ يَرُدَّهُ إِلَى بُنْيَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَامْتَثَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ ، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا نَقَضَ الْبَيْتَ وَبَنَاهُ فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ فَوَاجِبٌ إِدْخَالُهُ فِي الطَّوَافِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَزِمَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يَكْفِي . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ ، وَلَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ ، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ ، وَأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَطُفْ ، فَمَنْ لَمْ يَطُفِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ كَامِلًا ، رَجَعَ مِنْ بِلَادِهِ حَتَّى يَطُوفَ وَيُكْمِلَهُ ، فَهُوَ فَرْضٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا فِي الطَّوَافِ وَرَاءَ الْحِجْرِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ وَيَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَيَقُولُ : طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ : مَنْ لَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ وَلَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ فِي شَوْطٍ أَوْ شَوْطَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ - أَلْغَى ذَلِكَ وَبَنَى عَلَى مَا كَانَ طَافَ طَوَافًا كَامِلًا قَبْلَ أَنْ يَسَلُكَ فِي الْحِجْرِ ، وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا سَلَكَ فِي الْحِجْرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ سَلَكَ فِي الْحِجْرِ وَلَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ - وَذَكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ - أَعَادَ الطَّوَافَ ، وَإِنْ كَانَ شَوْطًا قَضَاهُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَضَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ وَانْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ . قَالَ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، فَإِنْ حَلَّ أَهْرَاقَ دَمًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَلِمْ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا رُكْنَيْنِ : الْيَمَانِيَّ وَالْأَسْوَدَ . وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إِلَّا فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَانَ ( كُلَّهَا ) وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خِلَافَهُ . وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ ، فَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قَدِمَ مُعَاوِيَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، فَطَافَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ؛ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : إِنَّمَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهِ مَهْجُورًا . وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ فَقَلَّبَ الْقِصَّةَ فِيهِ ، وَجَعَلَ مَكَانَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُعَاوِيَةَ وَمَكَانَ مُعَاوِيَةَ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : طَافَ مُعَاوِيَةُ بِالْبَيْتِ وَمَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْحِجْرِ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ ( وَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَخَافَتُهَا كُلَّمَا اسْتَلَمَ ، وَيَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَلِمْ هَذَيْنِ ، وَيَقُولُ لَهُ مُعَاوِيَةُ أَنْ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ مُجَاهِدًا رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ، وَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ اسْتِلَامَهُ الركنين الآخرين ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : لَيْسَ مِنَ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ . قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِيهِ ، رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَالِمٌ وَنَافِعٌ وَعُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ وَيُوسُفُ بْنُ مَاهِكٍ وَغَيْرُهُمْ . وَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ لَا يَسْتَلِمَانِ هُمَا : الرُّكْنُ الشَّامِيُّ الَّذِي يَلِي الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ ، وَالرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ الَّذِي يُقَابِلُ الْيَمَانِيُّ ، وَهُمَا اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ ، وَقَدْ نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ ، عَنِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْغَرْبِيَّيْنِ ، وَهُمَا هَذَانِ الْمَذْكُورَانِ ، وَقَالَ عُمَرُ لِيَعْلَى : لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . فَحَصَلَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ : إِنَّ الْحِجْرَ بَعْضُهُ مِنَ الْبَيْتِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَاللَّهِ ( إِنِّي ) لَأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنَّ كَانَتْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلَامَهُمَا ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ إِلَّا لِذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَالِكٌ أَحْسَنُ إِقَامَةً لِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَحْسَنُ سِيَاقَةً لَهُ مِنْهُ ، وَمَالِكٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِمَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي دُلَيْمٍ حَدَّثَهُمَا قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا أُبَالِي صَلَّيْتُ فِي الْحِجْرِ أَوْ فِي الْبَيْتِ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ .
1679 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ - فِيمَا عَلِمْتُ - فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، إِلَّا رِوَايَةً جَاءَتْ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التَّنِّيسِيِّ مُرْسَلَةً ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا مَا فِي إِسْنَادِهِ الْإِيصَالُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ : وَهُمْ جُوَيْرِيَةُ ، وَأَظُنُّهُ أَرَادَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ فِيهِ إِلَّا إِسْنَادُ الْمُوَطَّأِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَتْحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَأزْدِيُّ إِمْلَاءً قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقِطَّانُ - حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ . وَهَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَصَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ كُلِّ مَنْ رَأَيْنَا رِوَايَتَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ زَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَلْفَاظًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ فَارِسِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو الْعَبَّاسِ بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، يَقُولُ : إِنَّكَ لِتَسْتَحِي حَتَّى إِنَّهُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ . وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُحْشِ وَالْفَوَاحِشِ ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَبِهَذَا صَارَ جُزْءًا وَشُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً مُرَكَّبَةً فِي الْمَرْءِ فَإِنَّ الْمُسْتَحِيَ يَنْدَفِعُ بِالْحَيَاءِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي كَمَا يَنْدَفِعُ بِالْإِيمَانِ عَنْهَا إِذَا عَصَمَهُ اللَّهُ ، فَكَأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ ، فَلَمَّا صَارَ الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ يَعْمَلَانِ عَمَلًا وَاحِدًا جُعِلَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ اكْتِسَابًا وَالْحَيَاءُ غَرِيزَةً ، وَالْإِيمَانُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ . حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ الْجُرْجَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، أَعْظَمُهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، أَفْضَلُهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَجْلَانِ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنِ ابْنِ الْعَجْلَانَ ؛ قَالَا جَمِيعًا : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِيمَانُ سِتُّونَ - أَوْ بِضْعَةٌ ، أَوْ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ - بَابًا ، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ . وَلَمَّا كَانَ مَنْ لَا يَسْتَحِي رَاكِبًا الْفَوَاحِشَ مُرْتَكِبًا لِلْقَبِيحِ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ حَيَاءٌ وَلَا دِينٌ كَمَا قَالَ : فِي النُّبُوَّةِ الْأُولَى مَكْتُوبٌ : إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قِلَّةُ الْحَيَاءِ كُفْرٌ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ عَنْهُ ، وَهَذَا صَحِيحُ الْمَعْنَى عَلَى الضِّدِّ ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَسْتَحْيِ لَا يُبَالِي مِنَ الْعَارِ وَالْمَعَاصِي مَا يَأْتِي ، كَانَ الْمُسْتَحِي مِنْ أَجْلِ حَيَائِهِ مُرْتَدِعًا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْعَارِ وَالْكَبَائِرِ ، فَصَارَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَنَا مَعَ التَّصْدِيقِ الطَّاعَاتُ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ ، وَلِذَلِكَ صَارَ الْخُلُقُ الْحَسَنُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَتَمَامِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَصْبِرُ فَلَا يَشْفِي غَيْظَهُ بِمَا يُسْخِطُ رَبَّهُ ، وَيَحْلُمُ فَلَا يُفْحِشُ وَلَا يَنْتَصِرُ بِلِسَانٍ وَلَا يَدٍ ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى مَا وَصَفْنَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ أَكْمَلَكُمْ إِيمَانًا أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا إِذَا فَقِهُوا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ ، عَنْ أَمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ خُلُقٌ حَسَنٌ ، وَاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي بَزَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ الْكَيْخَارَانِيِّ ، عَنْ أَمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - أَوْ عَنْ أَمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ . وَرَوَاهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ أَمِّ الدَّرْدَاءِ ، قَالَ لَهَا : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ فِي الْإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ - وَهُمْ أَهْلُ الْأَثَرِ - مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالنَّقَلَةِ وَعِنْدَ مَنْ خَالَفَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي الْعِبَارَةِ عَنْهُ اخْتِلَافٌ ، وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَهِدَايَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا ، قَالُوا : إِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ . وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ : وَالْمَعْرِفَةُ . قَالُوا : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَمِنْ أَلْسِنَةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - حَاكِيًا عَنْ بَنِي يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ؛ أَيْ : بِمُصَدِّقٍ لَنَا . قَالُوا : وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْخَلْقِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَلَهُمُ الْجَنَّةُ عَلَى ذَلِكَ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، يَقُولُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيُصَدِّقُونَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَصَدَّقَ بِهِ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ ، ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ وَقَبْلَ عَمَلِهَا كَانَ مُؤْمِنًا - لَا مَحَالَةَ - كَامِلَ الْإِيمَانِ . قَالُوا : فَالطَّاعَاتُ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا ، كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُسَمَّى كُفْرًا . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذْ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَاحْتَجُّوا مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ بِطُولِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ! فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ مَا نَرَى وَجْهَهُ وَحَدِيثَهُ إِلَّا إِلَى الْمُنَافِقِينَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَكِنَّا أَدْرَكْنَا الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ مُوجِبَاتُ الْفَرَائِضِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ النَّجَاةَ بِهَا فَرَائِضَ فِي كِتَابِهِ ، فَنَحْنُ نَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ قَدْ صَارَ إِلَيْهَا ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُغَيِّرَ فَلَا يُغَيِّرْ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى الْآخِرَ انْتَهَى إِلَيْهَا ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُغَيِّرَ فَلَا يُغَيِّرْهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ وَالْكِبَارِ عَنِ الصِّغَارِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ - قَالَهَا ثَلَاثًا . قَالَ : بَشِّرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَرَوَاهُ عَنْ مُعَاذٍ أَيْضًا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَا جَمِيعًا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي الْبِرْتِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَدْبِيُّ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْمُعَلِّمِ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ . وَلَمْ يَقُلِ الْحَدْبِيُّ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً . وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْبَزَّارُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قَالَ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا نُعَيمُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ قَالَ : وَمَعْلُومٌ أَنَّ امْتِحَانَهُمْ إِيَّاهُنَّ إِنَّمَا هُوَ مُطَالَبَةٌ لَهُنَّ بِالْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي جَاءَهُ بِالْأَمَةِ السَّوْدَاءِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - مُؤْمِنَةً أَعْتِقْهَا . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : أَتُشْهِدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : أَعْتِقْهَا ، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، قَالُوا : فَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَصَرِيحِ السُّنَّةِ ؛ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ ، وَأَمَّا فَرَائِضُ الْأَعْمَالِ فَلَا تُسَمَّى إِيمَانًا كَمَا لَا تُسَمَّى الذُّنُوبُ كُفْرًا . قَالُوا : وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الْمَعْصِيَةُ كُفْرًا لَمْ تَكُنِ الطَّاعَةُ إِيمَانًا ، هَذَا يَحْمِلُهُ مَا عَوَّلُوا عَلَيْهِ فِيمَا ذَهَبُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَيْهِ . وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فَقَالُوا : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ؛ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ ، اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ مَعَ الْإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ . قَالُوا : وَكُلُّ مَا يُطَاعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْإِيمَانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي ، وَأَهْلُ الذُّنُوبِ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنُونَ غَيْرُ مُسْتَكْمِلِي الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِهِمْ ، وَإِنَّمَا صَارُوا نَاقِصِي الْإِيمَانِ بِارْتِكَابِهِمُ الْكَبَائِرَ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَزِنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ . يُرِيدُ مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ جَمِيعِ الْإِيمَانِ عَنْ فَاعِلِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا صَلَّوْا لِلْقِبْلَةِ وَانْتَحَلُوا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ قَرَابَتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا : إِنَّ مُرْتَكِبَ الذُّنُوبِ نَاقِصُ الْإِيمَانِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِكَافِرٍ كَمَا زَعَمَتِ الْخَوَارِجُ فِي تَكْفِيرِهِمُ الْمُذْنِبِينَ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ حُدُودًا جَعَلَهَا كَفَّارَةً وَتَطْهِيرًا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ وَاقَعَ مِنْهَا شَيْئًا - يَعْنِي مِنَ الْكَبَائِرِ - وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ ، وَمَنْ لَا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ . وَلَيْسَ هَذَا حُكْمُ الْكَافِرِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرَ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وَالْإِيمَانُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ النَّاقِصَ فِيهَا كَالْكَامِلِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ؛ أَيْ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ حَقَّ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُؤْمِنِ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِنْ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْلِمُ حَقًّا . وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا . وَمَعْلُومٌ مَعْمُولٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ هَذَا أَكْمَلَ حَتَّى يَكُونَ غَيْرُهُ أَنْقُصَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ . كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيمَانٍ كَامِلٍ وَأَنَّ بَعْضَ الْإِيمَانِ أَوْثَقُ عُرْوَةً وَأَكْمَلُ مِنْ بَعْضِ ، كَمَا قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمُ الْحَدِيثَ ، يُرِيدُ : لَيْسَ الطَّوَّافُ بِالْمِسْكِينِ حَقًّا ، لِأَنَّ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَيَتَعَفَّفُ . وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي الْحَدِيثَ ، وَرَوَى مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمْرَةَ ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ : مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَأَعْطَى فِي اللَّهِ وَمَنَحَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ . وَمِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمْهُورُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ أَرَادَ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَسَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَانًا ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَكَثِيرٌ جِدًّا ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجُّ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ . وَقَدْ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : تَعَالَوْا بِنَا سَاعَةً نُؤْمِنُ ؛ أَنْ نَذْكُرَ اللَّهَ . فَجَعَلَ ذِكْرَ اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ الْحَدِيثَ ، وَيَأْتِي فِي بَابِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : أَسْلِمْ . قَالَ : وَمَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : أَنْ تُسَلِّمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ ، وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ . قَالَ : فَأَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ ، قَالَ : الْإِيمَانُ . قَالَ : وَمَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرَسُولِهِ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ . قَالَ : فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْهِجْرَةُ . قَالَ : وَمَا الْهِجْرَةُ ؟ قَالَ : أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ . قَالَ : فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تُجَاهِدَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا لَقِيتَهُمْ ثُمَّ لَا تَغُلَّ وَلَا تَجْبُنَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ سَوَاءً بِالشَّهَادَةِ ، وَرَوَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ مِنْهُمْ : أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ ، وَمُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُؤَمَّلٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : كَلَّمْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْإِرْجَاءِ فَجَعَلَ يَقُولُ وَأَقُولُ ، فَقُلْتُ لَهُ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلٍ الشَّامِ ، عَنِ أبِيهِ - ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . قَالَ حَمَّادٌ : فَقُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ : أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : وَالْإِيمَانُ ؟ ثُمَّ جَعَلَ الْهِجْرَةَ وَالْجِهَادَ مِنَ الْإِيمَانِ . قَالَ : فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أَلَا تُجِيبُهُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ ؟ قَالَ : لَا أُجِيبُهُ وَهُوَ يُحَدِّثُنِي بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : كُنْتُ بِمَكَّةَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ وَعَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ . فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا حَنِيفَةَ ! حَدَّثَنَا أَيُّوبٌ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ - وَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي الْأَحْكَامِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَيْ غير بيت منهم . قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا فَأَسْلَمْنَا هُنَا بِمَعْنَى اسْتَسْلَمْنَا مَخَافَةَ السِّنَانِ وَالْقَتْلِ ، كَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ قَالَ قَتَادَةُ : لَيْسَ كُلُّ الْأَعْرَابِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ الْآيَةَ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورُ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ وُصِفَ بِغَيْرِ مَا وُصِفَ بِهِ الْإِيمَانُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا ؛ مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ أَنَّ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا أَنَّهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ! قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا أَنَّهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، وَأَنَا اخْتَصَرْتُ مِنْهُ صَدْرًا لَيْسَ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَابِ . وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ كَمَا رَوَاهُ كَهَمْسٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ جَمَاعَةٌ ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ ، وَعُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ وَالْجَرِيرِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ . وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ ، رَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَلْقَمَةُ بْنُ مِرْبَدٍ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَهُ مَعْنَاهُ ، لَمْ يَذْكُرَا عُمَرَ . وَقَدْ رَوَى الْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً - مَسْنَدًا بِتَمَامِهِ - لَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ مَعْنَيَانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ قِسْمًا فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ بَعْضَهُمْ . قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنَعْتَ فُلَانًا ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَرَاهُ مُؤْمِنًا . فَقَالَ : لَا تَقُلْ مُؤْمِنًا ، وَلَكِنْ قُلْ مُسْلِمًا . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ جَمَاعَةٌ ؛ مِنْهُمْ : مَعْمَرٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَصَالِحُ بْنُ كِيسَانَ ، وَابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ - بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ . قَالَ : وَقَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَيَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ ، وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ عَلَى مَا مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ ، لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْعَمَلُ وَالْإِيمَانَ الْكَلِمَةُ ، إِلَّا أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي الْإِسْلَامِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَعَلَى هَذَا خَرَّجَ الْكَلَامَ ابْنُ شِهَابٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَقَارِبٌ ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهَ : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّظَرِ الْمُتَّبِعِينَ لِلسَّلَفِ وَالْأَثَرِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ قَالَ : هَذَا الْإِيمَانُ ، وَدَوَّرَ دَارَةً ، وَهَذَا الْإِسْلَامُ ، وَدَوَّرَ دَارَةً خَلْفَ الدَّارَةِ الْأُولَى . قَالَ : فَإِذَا أَذْنَبْنَا خَرَجْنَا مِنَ الدَّارَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِذَا أَحْسَنَّا رَجَعْنَا إِلَى الْإِيمَانِ ، فَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى الشِّرْكِ . وَقَالَ بِهَذَا طَوَائِفُ مِنْ عَوَامِّ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَهُوَ كُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى مُتَّفِقُ الْأَصْلِ ، وَرُبَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْأَلْقَابِ وَلَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا بِذَنْبٍ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا ؛ فَكَفَّرَهُ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ وَأَبَى الْجُمْهُورِ أَنْ يُكَفِّرُوهُ إِلَّا بِالْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَهَذَا مَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْإِيمَانِ ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ جِمَاعُ الطَّاعَاتِ ، وَمَنْ قَصَّرَ مِنْهَا عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ فَاسِقٌ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ ، وَسَواهُمُ الْمُتَحَقِّقُونَ بِالِاعْتِزَالِ أَصْحَابَ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْخَوَارِجِ : الْمُذْنِبُ كَافِرٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ ، إِلَّا أَنَّ الصُّفْرِيَّةَ تَجْعَلُهُ كَالْمُشْرِكِ ، وَتَجْعَلُ دَارَ الْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ دَارَ حَرْبٍ . وَأَمَّا الْإبَاضِيَّةُ فَتَجْعَلُهُ كَافِرَ نِعْمَةٍ ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنَ الْكَبِيرَةِ ، وَلَا يَسْتَحِلُّونَ مَالَهُ كَمَا يَسْتَحِلُّهُ الصِّفْرِيَّةُ ، وَلَهُمْ ظَوَاهِرُ آيَاتٍ يُبَرْهِنُونَ بِهَا قَدْ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ ، وَقَدْ مَضَى عَلَى مَا فَسَّرَتِ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ . رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكُنْتُمْ تَعُدُّونَ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ كُفْرًا أَوْ شِرْكًا أَوْ نِفَاقًا ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مُؤْمِنِينَ مُذْنِبِينَ . وَلَوْلَا أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا كِتَابُ شَرْحِ مَعَانِي السُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي الْمُوَطَّأِ لَحَدَدْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ هُنَا ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَكَسْرِ أَقْوَالِهِمْ ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْآثَارِ فِي الْإِيمَانِ ، وَمَدَارِ الْبَابِ كُلِّهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا . وَأَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي نَزَعَ بِهَا الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فَمِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَقَوْلُهُ : فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَقَوْلُهُ : زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَعَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ - جَمَاعَةُ أَهْلِ الْآثَارِ وَالْفُقَهَاءُ أَهْلُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَوَقَفَ فِي نُقْصَانِهِ ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمَعْمَرُ بْنُ عِيسَى وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ بِصَنْعَاءَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمَعْمَرًا وَابْنَ جُرَيْجٍ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُونَ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ . فَقُلْنَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَقُولُ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، فَإِنْ لَمْ أَقُلْ هَذَا فَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ : وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ وَسُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ : أَدْرَكْتُ أَصْحَابَنَا سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَابْنَ جُرَيْجٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَمَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ وَالَأَوزَاعِيَّ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُونَ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ . فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : إِنْ خَالَفْتَهُمْ فَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . قَالَ أَحْمَدُ : وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : كَانَ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا : أَنَا مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِلَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُوسُ بْنُ ذِي رَقِيبَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالُوا : قَوْلٌ وَعَمَلٌ - سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَابْنَ جُرَيْجٍ وَهِشَامَ بْنَ حَسَّانٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ الطَّائِفِيَّ وَالْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ وَنَافِعَ بْنَ عُمَرَ الْجُمَحِيَّ ؛ فَكُلُّهُمْ قَالَ لِي : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ . فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُيَيْنَةَ : لَا تَقُلْ يَنْقُصُ ! فَغَضِبَ وَقَالَ : اسْكُتْ يَا صَبِيَّ ، بَلْ يَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءً . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : نَحْنُ نَقُولُ : الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَالْمُرْجِئَةٌ تَقُولُ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ ، وَجَعَلُوا تَرْكَ الْفَرَائِضِ ذَنْبًا بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الْمَحَارِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِنَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ وَلَا عُذْرٍ كُفْرٌ ، وَرُكُوبُ الْمَحَارِمِ عَمْدًا من غير اسْتِحْلَالُ مَعْصِيَةٍ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَمْرُ آدَمَ وَإِبْلِيسَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى آدَمَ الشَّجَرَةَ وَنَهَاهُ عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا فَأَكَلَ مِنْهَا فَسَمَّاهُ عَاصِيًا ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ فَسُمِّيَ كَافِرًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ : سَأَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ : حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَيْنَ يَذْهَبُ بِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ كَانَ هَذَا قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَفِيمَا أَجَازَنَا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ وَأَذِنَ لِي فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ وَكَتَبَهُ إِلَيَّ بِخَطِّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا مُبَارَكُ بْنُ حَسَّانٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ : إِنَّ فِي الْمَسْجِدِ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ وَمُسْلِمًا التَّحَاتَّ وَسَالِمًا الْأَفْطَسَ . قَالَ : وَمَا يَقُولُونَ ؟ قُلْتُ : يَقُولُونَ مَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ وَقَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ وَأَكْلَ الرِّبَا وَعَمِلَ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ أنَّهُ مُؤْمِنٌ كَإِيمَانِ الْبَرِّ التَّقِيِّ الَّذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ . فَقَالَ : أَبْلَغَهُمْ مَا حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْتُلُ الْقَاتِلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَخْتَلِسُ خِلْسَةً يُشْتَهَرُ بِهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؟ قَالَ عَطَاءٌ : يُخْلَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يَخْلَعُ الْمَرْءُ سِرْبَالَهُ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْإِيمَانِ تَائِبًا رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَالِمٍ الْأَفْطَسِ وَأَصْحَابِهِ ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى عَطَاءٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : قُلْ لَهُمْ : أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ؟ فَدَخَلَ فِيهِ السَّارِقُ وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ نَزَلَتِ الْأَحْكَامُ وَالْحُدُودُ بَعْدُ فَلَزِمَتْهُ وَلَمْ يُعَذَرْ فِي تَرْكِهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ . وَقَالَ : الْإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي الْحَيَاءِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ حِسَانٌ نَذْكُرُ مِنْهَا هَاهُنَا مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ ؛ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ . قَالَ بَشِيرٌ : فَقُلْتُ إِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا ، وَإِنَّ مِنْهُ عَجْزًا ! فَقَالَ : أَخْبَرْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُجِيبُنِي بِالْمَعَارِيضِ ! لَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ مَا عَرَفْتُكَ . فَقَالُوا : يَا أَبَا بُجَيْدٍ ، إِنَّهُ طَيِّبُ الْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّهُ وَإِنَّهُ . فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى سَكَنَ وَحَدَّثَ . وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّهُ يُقَالُ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا ! فَقَالَ عُمَرُ : أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنِ الصُّحُفِ ! وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَعْقُوبَ الْمَقْدِسِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ ، وَمَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ . وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنِ أبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا ، وَخُلُقُ هَذَا الدِّينِ الْحَيَاءُ . لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا وَكِيعٌ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ عَذْرَاءَ فِي خِدْرِهَا .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - تِسْعَةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مُرْسَلَةٌ ، وَغَيْرُهَا مُتَّصِلَةٌ مُسْنَدَةٌ ، وَمِنْهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَرَكَ سَالِمًا فِيهِ أَخُوهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسَالِمٌ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو ، كَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَكَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهِ سَالِمٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُحِبًّا فِي سَالِمٍ فِيمَا ذَكَرُوا ، وَكَانَ يُفْرِطُ فِي حُبِّهِ فَيُلَامُ أَحْيَانًا فِي ذَلِكَ ، فَكَانَ يَقُولُ : يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ وَجِلْدَةٌ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ وَيُرْوَى : يُدِيرُوْنَنِي فِي سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ وَجِلْدَةٌ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ وَكَانَ سَالِمٌ نَاسِكًا يَلْبَسُ الصُّوفَ ، وَكَانَ فَقِيهَا جَلِيلًا أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْعَشْرَةِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ مُدَاعِبًا ، لَهُ أَخْبَارٌ ظَرِيفَةٌ مَعَ أَشْعَبَ الطَّمَّاعِ ، وَكَانَ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ ، يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ، رَوَى عَنْهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ ، عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَوْ فَاتَنِي مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةٌ مَا زِدْتُ عَلَى أَنْ أَرْكَعَ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى . وَكَانَ سَالِمٌ سَرِيعَ الْكَلَامِ ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمًا يُسْئَلُ عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ . وَكَانَ سَرِيعَ الْكَلَامِ . قَالَ الْحُلْوَانِيُّ : وَحَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : هَلْ تَدْرِي لِمَا سَمَّيْتُ ابْنِي سَالِمًا ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : بِاسِمِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَهَلْ تَدْرِي لِمَ سَمَّيْتُ ابْنِي وَاقِدًا ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : بِاسِمِ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوْعِيِّ ، وَهَلْ تَدْرِي لِمَ سَمَّيْتُ ابْنِي عَبْدَ اللَّهِ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : بِاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : قَرَأَ عَلَيَّ الْحَارْثُ بْنُ مِسْكِينٍ - وَأَنَا شَاهِدٌ - أَخْبَرَكُمُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ قَالَ : إِنَّ فُتْيَا ابْنِ شِهَابٍ وَوَجْهَ مَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ إِلَى قَوْلِ سَالِمٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَتُوُفِّيَ سَالِمٌ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ فِيهَا ، وَصَلَّى عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، كَانَ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ زَائِرًا فَوَافَقَ مَوْتَ سَالِمٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ . وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : صَلَّى عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ . ذَكَرَ ذَلِكَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ وَخَالِدِ بْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ آخَرُونَ : صَلَّى عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ : صَلَّيْنَا عَلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي سَائِرِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِلَّا أَنَّ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ قَالَ : تُوُفِّيَ سَالِمٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ . وَكَذَلِكَ قَالَ ضَمْرَةُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ : شَهِدْتُ جِنَازَةَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ . قَالَ حَمْزَةُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ : حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ ، فَعَادَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مَرِيضًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ . 165 - حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ وَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ إِلَى الرُّكُوعِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، مِنْهُمْ : الْقَعْنَبِيُّ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ الطِّبَاعِ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الزُّبَيْرِيُّ ، وَكَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ ، وَأَبُو حُذَافَةَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِيهِ عَنْهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّنِّيسِيُّ ، وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ ، وَخَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زِيَادٍ النَّصِيبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ ، وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فَذَكَرُوا فِيهِ الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ إِلَى الرُّكُوعِ ، قَالُوا فِيهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ . ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الطُّرُقَ عَنْ أَكْثَرِهِمْ عَنْ مَالِكٍ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِرُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَمِمَّنْ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ : الزُّبَيْدِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ؛ كُلُّهُمْ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْخَبَرِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَتَرَكْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي ذَلِكَ هَاهُنَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ إِسْقَاطَ ذِكْرِ الرَّفْعِ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِمَّا أَتَى مِنْ مَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي كَانَ رُبَّمَا وَهِمَ فِيهِ ، لِأَنَّ جَمَاعَةً حُفَّاظًا رَوَوْا عَنْهُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي رَفَعَهَا سَالِمٌ عَنِ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَوْقَفَهَا نَافِعٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَمِنْهَا مَا جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَفِعْلِهِ ، وَمِنْهَا مَا جَعَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ ، وَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ سَالِمٍ وَلَمْ يَلْتَفِتِ النَّاسُ فِيهَا إِلَى نَافِعٍ ، فَهَذَا أَحَدُهَا . وَالثَّانِي : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، جَعَلَهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ - قَوْلُهُ . وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ : النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . وَالرَّابِعُ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَابْتِهَالٌ إِلَيْهِ وَاسْتِسْلَامٌ لَهُ وَخُضُوعٌ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ضَعِيفًا إِلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَحْدَهَا ، وَتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ أَكْثَرُ الْمَالِكِيِّينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ؛ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا . قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ الْكَبِيرِ : لَا نَعْلَمُ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ يُنْسَبُ إِلَى أَهْلِهِ الْعِلْمُ قَدِيمًا تَرَكُوا بِإِجْمَاعِهِمْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَأَشْهَبُ وَأَبُو الْمُصْعَبِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا إِلَى أَنْ مَاتَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ دُوَادُ بْنُ عَلِيٍّ : الرَّفْعُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ ، رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الرَّفْعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ وَاجِبٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَّا عِنْدَ الْإِحْرَامِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ لَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كُلُّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . وَذَكَرَ ابْنُ خَوَازِ بنْدَادَ قَالَ : اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ قَالَ : لَا يَرْفَعُ إِلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ . وَهَذَا قَالَ : لَا يَرْفَعُ أَصْلًا . قَالَ : وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الرَّفْعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لَا غَيْرَ . وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ وَمَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ الْمُوَافِقِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ لَا يَرْفَعُ بَعْدُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكبر فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى أُذُنَيْهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِذَاكَ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ : لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ بِالْحَافِظِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : فَصَلَّى ، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً . وَهَذَانِ حَدِيثَانِ مَعْلُولَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، مَرْفُوعَانِ عِنْدَ أَهْلِ الصِّحَّةِ عِنْدَهُمْ ، وَسَنَذْكُرُ الْعِلَّةَ فِيهِمَا عَنْهُمْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ ، وَيَقُولُ : أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الرَّفْعَ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ . ذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَأَفْرَدَ لِذَلِكَ بَابًا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْبَزَّارُ ، وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَنَذْكُرُ مِنْهُمْ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ عِنْدَهُمْ . وَلَمْ يُرْوَ عَنِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الرَّفْعِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ مِمَّنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِيهِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ، وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلَ ذَلِكَ ، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْهُ الرَّفْعَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَى عَنْهُ نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَرِوَايَةُ الْأَعْرَجِ مُفَسَّرَةٌ ، وَرِوَايَةُ نُعَيْمٍ مُجْمَلَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ . وَقَوْلُهُ " أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ فِي التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ، وَلَا يُقَاسُ نُعَيْمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِأَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ فِيمَا مَرَّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَرُوِيَ الرَّفْعُ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِمْ ، فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ أَكْثَرَهُمْ ، وَذَكَرَ بَعْضَهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إِذَا رَكَعَا وَإِذَا رَفَعَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَغُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ إِذَا رَكَعُوا وَإِذَا رَفَعُوا كَأَنَّهَا الْمَرَاوِحُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ : رَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إِذَا رَكَعَا وَإِذَا رَفَعَا رُؤوسَهُمَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَارِثٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إِذَا كَبَّرَا وْإِذَا رَكَعَا وَإِذَا رَفَعَا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : هُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ : رَأَيْتُ عَطَاءً وَطَاوُسًا وَمُجَاهِدًا وَالْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ وَنَافِعًا وَابْنَ أَبِي نَجِيحٍ وَالْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ وَقَتَادَةَ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يَقُولُ : رَأَيْتُ مُعَمَّرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعُوا رُؤوسَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ مِنْ نَقْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ يَرْفَعُونَ ، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ في غَيْرَ الِافْتِتَاحِ إِلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ ، وَحَسْبُكَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الرَّفْعِ مِمَّنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِيهِ إِلَّا ابْنِ مَسْعُودٍ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَا بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : إِنْ كُنَّا لَنُؤَدَّبُ عَلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ - يَعْنِي إِذَا لَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ : سَالِمٌ قَدْ حَفِظَ عَنِ أبِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا مَرَّةً فِي أَوَّلِ شَيْءٍ فَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي أَلْفَاظِهِ ، وَقَدْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلَّلَهُ وَرَمَى بِهِ . وَقَالَ وَكِيعٌ : يَقُولُ فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ . وَمَرَّةً يَقُولُ : لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً ، وَإِنَّمَا يَقُولُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، لِأَنَّ ابْنَ إِدْرِيسَ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ قَالَ : كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَكَعَ . وَلَفْظُهُ غَيْرُ لَفْظِ وَكِيعٍ ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ . ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ أبِيهِ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ قَاسِمٍ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ انْفَرَدَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ فَرَوَاهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ الْحُفَّاظُ ؛ مِنْهُمْ : شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ - لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ فِيهِ قَوْلَهُ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " ، وَإِنَّمَا قَالَهُ فِيهِ عَنْهُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَحَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ بِهِ قَدِيمًا وَلَيْسَ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " . قَالَ : فَنَظَرْتُهُ فَإِذَا مُلْحَقٌ بَيْنَ سَطْرَيْنِ ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْحُمَيْدِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ : مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " فَخَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : " أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَصَلَّى ، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً " : هَذَا حَدِيثٌ يُخْتَصَرُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْبَزَّارُ : وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْتُ الْبَزَّارَ يَقُولُهُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ وَضَّاحٍ يَقُولُ : الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ لَا يَعُودُ ضعيفة كُلُّهَا . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْكُوفِيِّينَ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الْقَاضِي بِدِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيَكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلِ شَمْسٍ ، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ الَّذِي نَهَاهُمْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَمَّا سَنَّ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا رَأَى أَقْوَامًا يَعْبَثُونَ بِأَيْدِيهِمْ وَيَرْفَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الرَّفْعِ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ . وَكَانَ فِي الْعَرَبِ الْقَادِمِينَ وَالْأَعْرَابِ مَنْ لَا يَعْرِفُ حُدُودَ دِينِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ، وَبَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَلِّمًا ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَعْبَثُونَ بِأَيْدِيهِمْ فِي الصَّلَاةِ نَهَاهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالسُّكُونِ فِيهَا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : صَحِبْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ ، فَمَا مَاتَ إِلَّا وَهُوَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ . فَقِيلَ لِيُونُسَ : وَصَفَ أَشْهَبُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : سُئِلَ أَشْهَبُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، فَكَانَ يَقُولُ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا أَحْرَمَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده . قَالَ يُونُسُ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : صَحِبْتُ مَالِكًا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ ، فَلَمَّا كَانَ بِمَوْضِعٍ - ذَكَرَهُ يُونُسُ - دَنَتْ نَاقَتِي مِنْ نَاقَتِهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَيْفَ يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : وَعَنْ هَذَا تَسْأَلُنِي ! مَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ . ثُمَّ قَالَ : إِذَا أَحْرَمَ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : سَمِعْتُ هَذَا مِنْ يُونُسَ غَيْرَ مَرَّةٍ . وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَابْنَ نَافِعٍ مِنْ مَالِكٍ قَالَ : يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ إِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . قَالَ : وَلَيْسَ الرَّفْعُ بِلَازِمٍ ، وَفِي ذَلِكَ سَعَةٌ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَيَرْفَعُ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ لِرَفْعِهِ إِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . قَالَ : وَلَيْسَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ بِاللَّازِمِ ، وَفِي ذَلِكَ سَعَةً . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ - أَوْ قَالَ : كُلَّمَا خَفَضَ - وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُمَا سَمِعَا يَحْيَى بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الْمُصْعَبِ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا قَالَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ : وَكَانَ عِنْدَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ لَا يَرْفَعُونَ إِلَّا فِي الْإِحْرَامِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، فَمَا عَابَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ . وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : كَانَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخُنَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَكَانَ أَفْضَلُ مَنْ رَأَيْتُ وَأَفْقَهُهُمْ وَأصَحُّهُمْ عِلْمًا وَدِينًا ، فَقَلَتْ لَهُ : فَلِمَ لَا تَرْفَعُ أَنْتَ فَنَقْتَدِي بِكَ ؟ قَالَ لِي : لَا أُخَالِفُ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَدَيْنَا الْيَوْمَ عَلَيْهَا ، وَمُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا قَدْ أُبِيحَ لَنَا لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْأَئِمَةَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ أَنْ أَرْفَعَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ قَالَ : حَضَرْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ : رَأَيْتُكَ تَرْفَعُ يَدَيْكَ إِذَا أَرَدْتَ الرُّكُوعَ وَنَحْنُ عِنْدَنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ ، أَفَتَرَاهُ يُنْقِصُ مِنَ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ نَفْعَلْ ؟ فَقَالَ : مَا أَدْرِي ، أَمَّا نَحْنُ فَنَفْعَلُهُ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عِنْدَنَا وَأَثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَهُ بِكُلِّ إِشَارَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ؛ بِكُلِّ أُصْبُعٍ حَسَنَةٌ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : نَذْهَبُ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ أَيْضًا ؟ قَالَ : لَا ، أَنَا أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنِ أبِيهِ ، وَلَا أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَلْفَاظِهِ ، حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ خِلَافُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ يَسْأَلُ عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، قَالَ : وَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ ؟ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى مَنْ لَا يَرْفَعُ حَصَبَهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَاقِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَبَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ لَهُ : بِكُلِّ إِشَارَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ . قَالَ : إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَالَ : عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ مِشْرَحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ : لَيْسَ بَيْنَ ابْنِ لَهِيعَةَ وَمِشْرَحٍ أَحَدٌ . ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَؤُلَاءِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ - كَالْمُغْتَاظِ - يَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ ، وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي فِيهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ : كَانَ يُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ ، وَزِينَةُ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْأَيْدِيَ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَعَ وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنَ الْوَاجِبِ فِيهَا ، وَأَنَّهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ خُضُوعٌ وَاسْتِكَانَةٌ وَاسْتِسْلَامٌ ، وَزِينَةُ الصَّلَاةِ كَمَا وَصَفْنَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ فِيمَنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ فَاسِدَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ . وَرَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ إِيجَابَ الْإِعَادَةِ إِيجَابُ فَرْضٍ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّةٍ أَوْ سُنَّةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فَرَائِضَ الصَّلَاةِ وَسُنَنَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَدَلَّلَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أبِيهِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ لِاسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ ، وَحِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَيَهْوِي سَاجِدًا ، وَحِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ - إِلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا فِي ذَلِكَ أُمَّتَهُمْ . قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ : فَإِنْ نَقَّصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قَالَ : ذَلِكَ نَقَّصَ مِنْ صِلَاتِهِ . وَفِيمَا أَجَازَ لَنَا قَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ وَعَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : مَنْ رَفْعِ يَدَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ . قَالَ : وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ يَرْفَعُونَ . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رُبَّمَا فَعَلَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يَفْعَلْهُ . قَالَ : وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَصَلٍّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْحَسَنُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ رَفَعَ مِنْهُمْ لَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُنْعِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : كُنْتُ غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِي ، فَحَدَّثَنِي وَائِلُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ الْتَحَفَ وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ فَأَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ ثَوْبِهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ وَسَجَدَ ، وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ رَفْعَ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُهُ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُجَادَّةَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ فَقَالَ : هِيَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ وَتَرَكَهُ مَنْ تَرَكَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ مَنْ فَعَلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : زِيَادَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَدْ عَارَضَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ لَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَالسُّنَنُ لَا تَثْبُتُ إِذَا تَعَارَضَتْ وَتَدَافَعَتْ ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ إِنَّمَا رَآهُ أَيَّامًا قَلِيلَةً فِي قُدُومِهِ عَلَيْهِ ، وَابْنُ عُمَرَ صَحِبَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ عِنْدَهُمْ وَأَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عند جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الْقَائِلِينَ بِالرَّفْعِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : رَفْعُ الْيَدَيْنِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ - فَذَكَرَ حَدِيثَ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ نَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ : كُلُّ تَكْبِيرٍ كَانَ فِي افْتِتَاحٍ أَوْ فِي قِيَامٍ فَفِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَلْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا جَدِّي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ؛ قَالُوا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : رَأَيْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَبَّرَ ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ . وَكَانَ طَاوُسٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَمَا فَعَلَهُ مَالِكٌ أَصَحُّ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ أَكْثَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَفَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي عَيْبِ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ ، وَلَا وَجْهَ لِلْإِكْثَارِ فِيهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ سُفْيَانَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَرْفَعَ يَدَيَّ إِذَا رَكَعْتُ وَإِذَا رَفَعْتُ ، فَهَمَمْتُ بِتَرْكِهِ وَقُلْتُ : يَنْهَانِي سُفْيَانُ ، ثُمَّ قُلْتُ : شَيْءٌ أَدِينُ اللَّهَ بِهِ لَا أَدَعُهُ ، فَفَعَلْتُ فَلَمْ يَنْهَنِي . وَرُوِي عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ صَلَاتِي قَالَ لِي : أَرَدْتَ أَنْ تَطِيرَ ! فَقُلْتُ لَهُ : وَهَلْ مَنْ رَفَعَ فِي الْأُولَى يُرِيدُ أَنْ يَطِيرَ ؟ فَسَكَتَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلٍ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَنْتَ تَرَى غَيْرَهُ فَلَا تَنْهَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا فَوْقَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُمَا إِلَى صَدْرِهِ ، وَكُلُّهَا آثَارٌ مَحْفُوظَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَأَثْبَتُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، وَفِيهِ الرَّفْعُ حَذْوَ الْمَنْكِبَينِ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَفِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ حَسَنٌ ، وَابْنُ عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ وَمَخْرَجِهِ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : رَأَيْتُ سَالِمًا وَالْقَاسِمَ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَنَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَكْحُولًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَخْتَارُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ وَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِمَامِ ؛ هَلْ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ؟ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَطْ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَا غَيْرَ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ : إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَالْمَأْمُومَ يَقْتَصِرُ عَلَى : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : يَقُولُ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَقُولُهَا الْمُنْفَرِدُ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارْثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ؛ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَقَطْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُولُ الْمَأْمُومُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . كَمَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ إِمَامِهِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ لمالك فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
164 حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلٌ عِنْدَ يَحْيَى وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَالَ : وَكَانَ لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَوَصَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو قُرَّةَ ) ( مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمُّ ، وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَالْحُنَيْنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْأَحْرَشُ وَزُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ الرَّوَاسِيُّ ، وَكَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ - كُلُّ هَؤُلَاءِ وَصَلُوهُ فَقَالُوا فِيهِ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ أَرْسَلُوهُ ، وَمِمَّنْ أَرْسَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَجَمَاعَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ مُتَّصِلًا ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ إِلَّا مُرْسَلًا ، كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ لَهُ . وَأَمَّا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فَرَوَوْهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعِنْدَ مَعْمَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ ) . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعَقَبِ الدِّمَشْقِيُّ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِلزُّهْرِيِّ ، عَنْ ( ) حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رجلا أعمى ، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ فَأَذِّنْ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : الْأَذَانُ بِاللَّيْلِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ؛ إِذْ لَا أَذَانَ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِلنَّافِلَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا أَذَانَ إِلَّا لِلْفَرَائِضِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَأَوْكَدُ مَا يَكُونُ فَلِلْجَمَاعَاتِ . وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْأَذَانِ وَسُنَّتِهِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَفِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَبَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْأَذَانِ بِاللَّيْلِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي الْكُوفِيِّ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ . وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّ شَأْنَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ بِلَيْلٍ . يَقُولُ : فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانَ فَلَا يَمْنَعُكُمْ أَذَانُهُ مِنْ سُحُورِكُمْ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقَارِبَ الصَّبَاحُ بِأَذَانِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يطلع الْفَجْرَ ، وَمَنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ إِعَادَةُ الْأَذَانِ . وَحُجَّةُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا : مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْفَجْرَ هَكَذَا ، وَمَدَّ يَدَهُ عَرَضًا . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : شَدَّادٌ مَوْلَى عَيَّاشٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَلَا بِمِثْلِهِ ؛ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . فَرَجَعَ فَقَالَهَا . وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ دُونَ أَصْحَابِ أَيُّوبَ ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَخَطَّئُوهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ أَيُّوبَ يَرْوُونَهُ عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَذَّنَ بِلَالٌ مَرَّةً بِلَيْلٍ ، فَذَكَرَهُ مَقْطُوعًا . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : أَذَّنَ بِلَالٌ مَرَّةً بِلَيْلٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُجْ فَنَادِ : إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ : لَيْتَ بِلَالًا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ ، ثُمَّ نَادَى : إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . وَرَوَى زُبَيْدٌ الْإِيَامِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ أَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَعِدْ أَذَانَكَ . وَاحْتَجُّوا ( أَيْضًا ) بِمَا رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ مُحِلل ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : شَيَّعْنَا عَلْقَمَةُ إِلَى مَكَّةَ ، فَخَرَجَ بِلَيْلٍ ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ خَالَفَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ كَانَ نَائِمًا كَانَ خَيْرًا لَهُ ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرَ أَذَّنَ . وَمُحِلٌّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ ، أَذَّنَ الصُّبْحَ ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَرْجِعَ يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . وَهَذَا إِسْنَادٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ؛ لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ . وَلَكِنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ وَحَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ قَدْ رَوَيَا هَذَا الْخَبَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ : يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ لِمُؤَذِّنِهِ ، لَا مَا ذَكَرَ أَيُّوبُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ لِبِلَالٍ . وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحًا : قَوْلُهُ : إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا ، عَنْ ذَلِكَ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ، عَنْ وَاحِدٍ . وَكَذَلِكَ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْمُسْنَدِ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالَّذِي أُحِبُّهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنٌ آخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ . وَفِيهِ اتِّخَاذُ مُؤَذِّنَيْنِ ، وَإِذَا جَازَ اتِّخَاذُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ جَازَ أَكْثَرُ ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ أَذَانِ الْأَعْمَى وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ مَعَهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يَهْدِيهِ لِلْأَوْقَاتِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ( جَوَازِ ) شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى مَا اسْتَيْقَنَهُ مِنَ الْأَصْوَاتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ أَصْبَحْتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ ( وَعَمِلَ بِهِ ) وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ( وَنَسَبْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ وَذَكَرْنَا ) الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَكْلِ السَّحُورِ ، وَعَلَى أَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَوْضِعُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ لِمَنْ شَاءَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ ؛ لِقَوْلِهِ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ . ثُمَّ مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا الْأَعْمَشَ فَشَذَّ ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى قَوْلِهِ . وَالنَّهَارُ الَّذِي يَجِبُ صِيَامُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، عَلَى هَذَا إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ : وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلُّ آخَرِ لَيْلَةٍ حَمْرَاءَ يَصْبُحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ فَهَذَا عَلَى الْقُرْبِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ الْآيَةَ ، وَهَذَا عَلَى الْقُرْبِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا على القرب الْحَقِيقِيِّ . وَلَيْسَتِ الْأَشْعَارُ وَاللُّغَاتُ مِمَّا يَثْبُتُ بِهَا شَرِيعَةٌ وَلَا دِينٌ ، وَلَكِنَّهَا يُسْتَشْهَدُ بِهَا عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى الْمُسْتَغْلَقِ إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ : وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رجلا أعمى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . مَعْنَاهُ أَيْضًا الْمُقَارَبَةُ ؛ أَيْ : قَارَبَتِ الصَّبَاحَ ( وَهَذَا ) عَلَى مَا فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ مِمَّا ذَكَرْنَا قَوْلَهُ : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ يُرِيدُ بِالْبُلُوغِ هَاهُنَا مُقَارَبَةُ الْبُلُوغِ لَا انْقِضَاءَ الْأَجَلِ ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَوِ انْقَضَى - وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ - لَمْ يَجُزْ ( لَهُمْ ) إِمْسَاكُهُنَّ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُرْبَ الشَّيْءِ قَدْ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهُ ، وَالْمُرَادُ مَفْهُومٌ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا وَيَشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ مَنْ لَا يُؤَذِّنَ إِلَّا وَقَدْ أَصْبَحَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا صَحَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقَارَبَةِ الصَّبَاحِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الصَّبَاحَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ ، أَوْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٍ فِي الْفَجْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ تَسَحَّرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ أَكَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مَضَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْوَاجِبِ خَاصَّةً . قَالَ : هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ - فِي الَّذِي يَأْكُلُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَهَارٌ - وَأَمَّا الَّذِي يَأْكُلُ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ إِذَا كَانَ أَكْثَرْ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : كُلُّ مَا شَكَكْتَ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ : مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ التَّطَوُّعُ عَامِدًا أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَلِمَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَحَادِيثُ فِي السُّحُورِ حِسَانٌ ، سَيَأْتِي مَوْضِعُهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
1657 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مَقْطُوعٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ ، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الطَّاعُونِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَرِوَايَةُ سَالِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَوْ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَا تَتَّصِلُ ، وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ ( صَحِيحٌ مِنْ وُجُوهٍ ) مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِشْرَ بْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ ، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَجَمَعَ بِشْرٌ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا وَرَفَعَهُمَا ، وَلَيْسَ حَدِيثُ سَالِمٍ مُصَرَّحًا بِمَا وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ ، وَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ جَمِيعًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ ، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، هَكَذَا قَالَا ، لَمْ يَذْكُرَاهُ مَرْفُوعًا وَلَا سَاقَا لَهُ مَتْنًا عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ سَالِمٍ هَذَا سَوَاءً . وَقَدْ وَهِمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَرَوَاهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ، لَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ ( بْنِ رَبِيعَةَ ) جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ سَالِمًا رَوَاهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ( ذَلِكَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ) وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ لَفْظَ حَدِيثَيِ ابْنِ شِهَابٍ جَمِيعًا ، عَنْ سَالِمِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ فِي الطَّاعُونِ أَحَادِيثُ ، مِنْهَا حَدِيثُهُ عَنْ سَالِمٍ هَذَا ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ أَيْضًا ، وَمِنْهَا حَدِيثُهُ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ عِنْدَهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي النَّضْرِ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحَادِيثُ مُتَّصِلَةٌ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
229 حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلٌ ، يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ . فَقَالَ عُمَرُ : الْوُضُوءُ أَيْضًا ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ . هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، لَمْ يَقُولُوا : عَنْ أَبِيهِ . وَوَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَجُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَعُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْجُذَامِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُخَلَّدٍ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ وَيَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ وَالْقَعْنَبِيُّ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْهُ ، فَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَأَمَّا ( حَدِيثُ ) رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِمٌ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَمَّا حَدِيثُ جُوَيْرَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ( فَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ ) ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ لِلْخُطْبَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ، عن القعنبي ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءً . وَقَدْ ( رُوِّينَا ) حَدِيثَ جُوَيْرَةَ ( هَذَا ) عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَالِكٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَمَاعَ جُوَيْرِيَّةَ مِنْ نَافِعٍ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَحَادِيثَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِمْلَاءً مِنْ كِتَابِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : بَيْنَمَا عُمَرُ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ . الْحَدِيثَ . سَوَاءً مِنْهُمْ مَعْمَرٌ وَأَبُو أُوَيْسٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ سَمَاعَ أَبِي أُوَيْسٍ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ مَعَ مَالِكٍ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ عَرْضَهُمَا كَانَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ وَاحِدًا . فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُوَيْسٍ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، مِنْهُمْ مَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْسِلْ . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَلَيْسَ عِنْدَهُ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ ( عُثْمَانُ ) بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ . فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ؟ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : ( إِنِّي ) شُغِلْتُ الْيَوْمَ ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ . فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ . قَالَ مَعْمَرٌ : الرَّجُلُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ( قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُرِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ) ، عَنْ حُسَيْنٍ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ( تَوْبَةَ ) الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، جَمِيعًا ، عَنْ يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ - قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ : أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ . فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ! أَلَمْ تَسْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ؟ وَقَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْحَلَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَائِرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ الشَّنِّيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَلْهُو أَحَدُكُمْ حَتَّى إِذَا كَادَتِ الْجُمُعَةُ تَفُوتُهُ جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ ، فَقَالَ : مَا فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ كُنْتُ رَاقِدًا ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وُضُوءٌ ؟ هَكَذَا حُدِّثْتُ بِهِ مَرْفُوعًا ، وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ لَا أَدْرِي ( مِمَّنْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) وَإِنَّمَا الْقِصَّةُ مَحْفُوظَةٌ لِعُمَرَ لَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَاءَ وَعُمَرُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَلَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهَامَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْبِيخٌ فِي لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، تَقُولُ إِذَا أَنْكَرَتِ الْقَوْلَ أَوِ الْفِعْلَ : أَيُّ شَيْءٍ هَذَا ؟ وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ أَيْضًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : أَنْتَ قَائِلٌ : لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ . فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَكَانَ يُقَالُ لِعُمَرَ : خَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تُسُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ . وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ بمصر قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ ( ح ) وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ ( أَبِي ) حَثْمَةَ : لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَكْتُبُ : مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ عُمَرُ يَكْتُبُ : مِنْ خَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ ؟ وَمَنْ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ : عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَتْنِي الشِّفَاءُ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ الْعِرَاقِ : ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ نَبِيلَيْنِ ، أَسْأَلْهُمَا عَنِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِهِ . فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِلُ الْعِرَاقِ بِلَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ أَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ دَخَلَا الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا هُمَا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَا لَهُ : اسْتَأْذِنْ لَنَا يَا عَمْرُو عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ عَمْرٌو : أَنْتُمَا أَصَبْتُمَا اسْمَهُ ، نَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُوَ أَمِيرُنَا . فَوَثَبَ عَمْرٌو ( فَدَخَلَ ) فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ عُمَرُ : وَمَا بَدَا لَكَ يَا ابْنَ الْعَاصِي فِي هَذَا الِاسْمِ ؟ رَبِّي يَعْلَمُ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ . فَقَالَ : إِنَّ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَعَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَدِمَا فَأَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ دَخَلَا الْمَسْجِدَ فَقَالَا لِي : اسْتَأْذِنْ لَنَا يَا عَمْرُو عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُمَا وَاللَّهِ أَصَابَا اسْمَكَ ، أَنْتَ الْأَمِيرُ وَنَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ . قَالَ فَجَرَى الْكِتَابُ مِنْ يَوْمِئِذٍ . قَالَ يَعْقُوبُ : وَكَانَتِ الشِّفَاءُ جَدَّةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ . وَفِي الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ ( أَيْضًا ) شُهُودُ الْخِيَارِ وَالْفُضَلَاءِ السُّوقَ ، وَمَعْنَاهُ التَّجْرُ فِيهِ ، وَهَكَذَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يُعَانُونَ الْمُتَاجِرَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِيطَانٌ وَلَا غَلَّاتٌ يَعْتَمِرُونَهَا إِلَّا بَعْدَ حِينٍ ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَنْظُرُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَيَعْتَمِرُونَهَا ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ وَالتَّعَرُّضِ لَهُ وَالتَّحَرُّفِ . وَفِيهِ أَنَّ السُّوقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَمْنَعُونَهُ ، وَمَنْ تَجَرَ فِيهِ إِلَى وَقْتِ النِّدَاءِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ بِتَرْكِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ الْمَتَاجِرِ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ لِلسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ الْأَسْوَاقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قَائِمَةً فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . قَالَ : وَالذَّاهِبُ إِلَى السُّوقِ عُثْمَانُ ، قِيلَ لَهُ : أَيُمْنَعُ النَّاسُ السُّوقَ قَبْلَ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : لَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَوَامِرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَكُونُ الْوُجُوبُ فَرْضًا ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ إِيضَاحِ ذَلِكَ ، فَكَرِهْتُ ذِكْرَهُ هَاهُنَا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ - أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمُرْ عُثْمَانَ بِالِانْصِرَافِ لِلْغُسْلِ ، وَلَا انْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ ذَكَّرَهُ عُمَرُ بِذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فَرْضًا لِلْجُمُعَةِ مَا أَجْزَأَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِهِ ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ ، أَوْ بِالْغُسْلِ لِلْجُنُبِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَهِلَهُ عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ . وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ وُجُوبُ سُنَّةٍ وَاسْتِحْبَابٍ وَفَضِيلَةٍ . وَأَنَّ قَوْلَهُ : كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ أَرَادَ بِهِ الْهَيْئَةَ وَالْحَالَ وَالْكَيْفِيَّةَ ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ ، فَافْهَمْ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ هُدْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَرْحَ ( لَفْظِ ) هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي ، عَنِ الْإِكْثَارِ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا جَهْلُ مَعْنَى السُّنَّةِ ، وَمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَهَذَا مَفْهُومٌ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ : هَلْ هُوَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لِلْأُمَّةِ ، أَمْ هُوَ اسْتِحْبَابٌ وَفَضْلٌ ، أَوْ كَانَ لِعِلَّةٍ فَارْتَفَعَتْ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَالْمُسْلِمُونَ ، فَاسْتَحَبُّوهَا وَنَدَبُوا إِلَيْهَا ، وَهَذَا سَبِيلُ السُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ . فَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبِ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ رَوَاهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّدْبِ كَمَا ذَكَرْنَا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ حَدِيثُ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً . وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، حَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَتَنْدُبُ إِلَيْهِ ، وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمُعِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ فَقَدْ أَمَرَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْغُسْلِ وَأَخْذِ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَاجِبًا فِعْلُهُ فَرْضًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ مَعْرُوفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةَ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، وَبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ . ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْمُرَادِيِّ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ . وَمِثْلُهُ أَيْضًا حَدِيثُ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ وَعُثْمَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحٌ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ ؛ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْرُورٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ كَمَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا فَضَالَةُ بْنُ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، فَذَكَرَهُ . وَحَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا . حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ سُنَّةٍ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ دَلِيلِ حَدِيثِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً فَقُلْتُ لَهُ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَيْسَ بِآثِمٍ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وُجُوبَ سُنَّةٍ ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ وَأَنَّ الطِّيبَ يُغْنِي عَنْهُ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ قَدْ زَالَتْ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَمْرِ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ التَّمْتَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَوْصِلِيُّ بِالْمَوْصِلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ ، فَإِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ جَاءُوا وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رَدِيئَةٌ ، وَأَلْوَانُهَا مُتَغَيِّرَةٌ ، قَالَ : فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَلْيَتَّخِذْ ثَوْبَيْنِ سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ . وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ إِلَّا ادَّهَنَ وَتَطَيَّبَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْغُسْلَ . وَهَذِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَتْ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا عَنْهَا ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ : يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْحِجَامَةِ وَغَسْلِ الْمَيِّتِ . وَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَكَانَتْ تَذْهَبُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَتَذْكُرُ فِي الْعِلَّةِ مَا ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ ، قِيلَ لَهُمْ : لَوِ اغْتَسَلْتُمْ ؟ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا يَرُوحُونَ بِهَيْئَتِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَوِ اغْتَسَلْتُمْ ؟ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مِثْلَهُ سَوَاءً . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ وَبِهِمْ وَسَخٌ ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ فَتَأَذَّى بِهِمُ النَّاسُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَوَلَا يَغْتَسِلُونَ ؟ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ ، أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ( أَبِي ) عَمْرٍو ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ ؟ قَالَ : لَا ؛ وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ ، وَسَأُخْبِرُكَ كَيْفَ كَانَ ( بَدْءُ ) الْغُسْلِ ، كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرَقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ ، حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا ، ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ ، وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ ، وَكَفَّوُا الْعَمَلَ وَوَسِعَ مَسْجِدُهُمْ ، وَذَهَبَ ( بَعْضُ ) الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَطْهَرُ ، ثُمَّ قَالَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَلْبَسُونَ الصُّوفَ ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ ، وَمِنْبَرُهُ صَغِيرٌ إِنَّمَا هُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَعَرَقَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ ، فَصَارَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْوَاحُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ ، فَاغْتَسِلُوا ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَطْيَبَ مَا يَجِدُ مِنْ طِيبِهِ أَوْ دُهْنِهِ . وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَوَى وُجُوبَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي سَعِيدٍ يَقُولُ : ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ : الْغُسْلُ وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ . وَرُوِّينَا عَنْهُ - مَرْفُوعًا أَيْضًا - مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَتَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ( ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدِيثُ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ وَإِنْ كَانَ الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ - فِيمَا يَقُولُونَ - إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ ( أَحْسَنُهَا ) إِسْنَادًا ، وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ غَيْرَ حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ ) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِهِ وَأَنَّهُ فَضِيلَةٌ وَسُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إِنَّهُ سُنَّةٌ ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ وُجُوبِهِ . وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ وَمَا أَشْبَهَهُ . وَمَنْ أَثْبَتِ حَدِيثٍ ( فِي ) سُقُوطِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَا كَانُوا يَرَوْنَ غُسْلًا وَاجِبًا إِلَّا غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ غُسْلَ الْجُمْعَةِ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا : يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَأَنْ يَسْتَنَّ ، وَأَنْ يُصِيبَ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَهُوَ أَحَبُّ الْقَوْلَيْنِ إِلَى سُفْيَانَ ، يَقُولُ : هُوَ وَاجِبٌ ، يَعْنِي وُجُوبَ سُنَّةٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ وَبْرَةَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ ، وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ ( بِهِ ) فِي هَذَا الْبَابِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ الْمُسْتَعَان
1817 - حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ - مُسْنَدٌ شَرَكَ فِيهِ سَالِمًا أَخُوهُ حَمْزَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ أبِيهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ . الشُّؤْمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ النَّحْسُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ، قَالُوا : مَشَائِيمُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : نَحِسَاتٌ ذَوَاتُ نُحُوسٍ مَشَائِيمُ . وَقَدْ فَسَّرَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ الشُّؤْمَ تَفْسِيرًا حَسَنًا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ أَوْ عَنْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا - شَكَّ مَعْمَرٌ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّؤْمُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ . قَالَ : وَقَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ : وَالسَّيْفِ . قَالَ مَعْمَرٌ : سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ : شُؤْمُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ ، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَشُؤْمُ الدَّارِ جَارُ السُّوءِ . وَقَدْ رَوَى جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ أَمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَزِيدُ السَّيْفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ؛ أَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ . أَمَّا الْمَتْنُ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ كَانَ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ - يَعْنِي الشُّؤْمَ ، فَلَمْ يَقْطَعْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالشُّؤْمِ . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا شُؤْمَ ، وَالْيُمْنُ فِي الدَّارِ وَالدَّابَّةِ وَالْخَادِمِ . وَرُبَّمَا قَالَ : الْمَرْأَةِ . وَهَذَا أَشْبَهُ فِي الْأُصُولِ ، لِأَنَّ الْآثَارَ ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا طِيَرَةَ وَلَا شُؤْمَ وَلَا عَدْوَى . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا شُؤْمَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا طِيَرَةَ ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ . قَالُوا : وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ . هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَعْنَى ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُمُورٌ كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ ! قَالَ : فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ . قَالَ : وَكُنَّا نَتَطَيَّرُ ! قَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . قَالَ الدَّارَقُطْنِي : تَفَرَّدَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِذِكْرِ الْكُهَّانِ وَالنَّهْيِ عَنْ إِيتَائِهِمْ . قَالَ : وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَعْدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطِّبَاعُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ - ذَكَرُوا سُؤَالَهُ عَنِ الطِّيَرَةِ لَا غَيْرَ - قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطِّيَرَةِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثَ ابْنَ شِهَابٍ هَذَا فَقَالَ فِيهِ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَمَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ . وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَا يرْوَي فِي إِسْنَادِهِ حَمْزَةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ . فَقِيلَ لِسُفْيَانَ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ عَنْ حَمْزَةَ ! قَالَ : مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَمْزَةَ قَطُّ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَوَاءً . وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أبِيهِ - لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَمْزَةَ . وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ بِمِثْلِ إِسْنَادِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَمْزَةَ أَيْضًا ، إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْهَرَوِيُّ - فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ بِهِ إِجَازَةً - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّقَّاشُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ التَّطَيُّرِ وَاشْتِقَاقُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ وَمُرُورِهِ سَانِحًا أَوْ بَارِحًا ، مِنْهُ اشْتَقُّوا التَّطَيُّرَ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَتَطَيَّرُوا مِنَ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْضَبِ وَالْأَبْتَرِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَوُا الْغُرَابَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الطَّيْرِ يَتَفَلَّى أَوْ يَنْتِفُ ، وَلِإِيمَانِ الْعَرَبِ بِالطِّيَرَةِ عَقَدُوا الرَّتَائِمَ وَاسْتَعْمَلُوا الْقِدَاحَ بِالْآمِرِ وَالنَّاهِي وَالْمُتَرَبِّصِ ، وَهِيَ غَيْرُ قِدَاحِ الْأَيْسَارِ ، وَكَانُوا يَشْتَقُّونَ الْأَسْمَاءَ الْكَرِيهَةَ مِمَّا يَكْرَهُونَ ، وَرُبَّمَا قَلَبُوا ذَلِكَ إِلَى الْفَأْلِ الْحَسَنِ فِرَارًا مِنَ الطِّيَرَةِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّوُا اللَّدِيغَ سَلِيمًا وَالْقَفْرَ مَفَازَةً ، وَكَنَّوُا الْأَعْمَى أَبَا الْبَصِيرِ ، وَنَحْوَ هَذَا ; فَمَنْ تَطَيَّرَ جَعَلَ الْغُرَابَ مِنَ الِاغْتِرَابِ وَالْغُرْبَةِ ، وَجَعَلَ غُصْنَ الْبَانِ مِنَ الْبَيْنُونَةِ ، وَالْحَمَامَ مِنَ الْحُمَامِ وَمِنَ الْحَمِيمِ وَمِنَ الْحُمَّى ، وَرُبَّمَا جَعَلُوا الْحَبْلَ مِنَ الْوِصَالِ ، وَالْهُدْهُدَ مِنَ الْهُدَى ، وَغُصْنَ الْبَانِ مِنْ بَيَانِ الطَّرِيقِ ، وَالْعُقَابَ مِنْ عُقْبَى خَيْرٍ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْهُمْ ، إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْإِشْفَاقُ تَطَيَّرُوا وَتَشَاءَمُوا ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجَاءُ وَالسُّرُورُ تَفَاءَلُوا ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَهُمْ فيما يرون مِنَ الْأَشْخَاصِ وَيَسْمَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا طِيَرَةَ وَلَا شُؤْمَ . فَعَرَّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ ; لِيَرْفَعَ عَنِ الْمُتَوَقِّعِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيُعَلِّمُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَنَالُهُ مِنْهُ إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ فَهُوَ عِنْدُنَا على غير ظَاهِرُهُ ، وَسَنَقُولُ فِيهِ بِحَوَلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِيمَا بَيْنُ اللِّحْيَيْنِ - يَعْنِي اللِّسَانَ - وَمَا شَيْءٌ أَحْوَجَ إِلَى سجن طويل مِنْ لِسَانٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَنَقُولُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ بِمَا نَرَاهُ يُوَافِقُ الصَّوَابَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا طِيَرَةَ نَفْيٌ عَنِ التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِأُصُولِ شَرِيعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ الشُّؤْمِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ رَوَى زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا طِيَرَةَ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ ، وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ . وَقَالَ : هَذَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ لِمَنْ تَطَيَّرَ - قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ : لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَنْتَ لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يَنْفِي بَعْضُهُ بَعْضًا ; لَأَنَّ قَوْلَهُ لَا طِيَرَةَ نَفْيٌ لَهَا ، وَقَوْلَهُ وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ إِيجَابٌ لَهَا ، وَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ هَذَا مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ نَفْيُ الطِّيَرَةِ بِقَوْلِهِ لَا طِيَرَةَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ فَمَعْنَاهُ إِثْمُ الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطِّيَرَةِ وَقَوْلُهُ فِيهَا : إِنَّهَا شِرْكٌ ، وَمَا مَنَّا إِلَّا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ . فَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مِنْ تَطَيَّرَ فَقَدْ أَثِمَ ، وَإِثْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَطَيُّرِهِ لِتَرْكِ التَّوَكُّلِ وَصَرِيحِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَا تَطَيَّرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ ، لِأَنَّهُ لَا طِيَرَةَ حَقِيقَةً ، وَلَا شَيْءَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ ، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تَسْلِيمُ الْأَمْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْكُ الْقَطْعِ عَلَى اللَّهِ بِالشُّؤْمِ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا يُقْطَعُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الْعَمَلَ فَقَطْ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ : قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَمَا قَدْ خُطَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ ، وَلَيْسَتِ الْبِقَاعُ وَلَا الْأَنْفُسُ بِصَانِعَةٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِرَحْمَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ قَوْمٌ لَا يَتَطَيَّرُونَ ولَا يَرَوْنَ الطِّيَرَةَ شَيْئًا . ذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ النَّابِغَةَ خَرَجَ مَعَ زَيَّانَ بْنِ سَيَّارٍ يُرِيدَانِ الْغَزْوَ ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي مَنْهَلٍ يُرِيدَانِ الرِّحْلَةَ إِذْ نَظَرَ النَّابِغَةُ فَإِذَا عَلَى ثَوْبِهِ جَرَادَةٌ ، فَقَالَ : جَرَادَةٌ تُجَرِّدُ وَذَاتُ أَلْوَانٍ ! فَتَطَيَّرَ ، وَقَالَ : لَا أَذْهَبُ فِي هَذَا الْوَجْهِ ! وَنَهَضَ زَيَّانُ ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ تِلْكَ الْغَزْوَةِ سَالِمًا غَانِمًا أَنْشَأَ يَقُولُ : تَخَبَّرَ طَيْرَةً فِيهَا زِيَادٌ لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ أَقَامَ كَأَنَّ لُقْمَانَ بْنَ عَادٍ أَشَارَ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُشِيرُ تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ أحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ هَذَا زَيَّانُ بْنُ سَيَّارٍ - وَهُوَ أَحَدُ دُهَاةِ الْعَرَبِ وَسَادَاتِهِمْ - لَمْ يَرَ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَقَالَ إِنَّهُ اتِّفَاقٌ وَبَاطِلُهُ كَثِيرٌ . وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى الطِّيَرَةَ شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِ وَيُوصِي بِتَرْكِهَا الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ ، وَذَلِكَ مِنْ صَحِيحِ قَوْلِهِ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ شِعْرِهِ هَذَا فَهُوَ مَصْنُوعٌ : يَا أَيُّهَا الْمُزْمِعُ ثُمَّ انْثَنَى لَا يُثْنِكَ الْحَازِي وَلَا السَّاحِجُ وَلَا قَعِيدٌ أَعْضَبَ قَرْنَهُ هَاجَ لَهُ مِنْ مَرْتَعٍ هَائِجُ بَيْنَا الْفَتَى يَسْعَى وَيُسْعَى لَهُ تَاحَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ خَالِجُ يَتْرُكُ مَا رَقَّحَ مِنْ عَيْشِهِ يَعْبَثُ فِيهِ هَمَجٌ هَامِجُ لَا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بِأَغْبَارِهَا إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنِ النَّاتِجُ أَمَّا قَوْلُهُ الْحَازِي فَهُوَ الْكَاهِنُ ، وَ السَّاحِجُ الْغُرَابُ ، وَ الْخَالِجُ مَا يَعْتَرِي الْمَرْءَ مِنَ الشَّكِّ وَتَرْكِ الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ ، وَرَقَّحَ مَعِيشَتَهُ أَيْ أَصْلَحَهَا ، وَ الشَّوْلُ النُّوقُ الَّتِي جَفَّتْ أَلْبَانُهَا ، وَكَسَعَتِ النَّاقَةُ إِذَا بَرَكَتْ وَفِي ضَرْعِهَا بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّبَنِ ، وَالْأَغْبَارُ هَاهُنَا بَقَايَا اللَّبَنِ ، وَ النَّاتِجُ الَّذِي يَلِي النَّاقَةَ فِي حِينِ نَتَاجِهَا . وَالْمُرَقِّشُ السَّدُوسِيُّ كَانَ أَيْضًا مِمَّنْ لَا يَتَطَيَّرُ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ الْوَاقِ : الصَّرْدُ ، وَالْحَاتِمُ : الْغُرَابُ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ ، فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : قَدَّرَ اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ ، فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُمَيْرٍ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ فَذَكَرَهُ سَوَاءً . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ كَذَلِكَ الْفُضَيْلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ حَدِيثَ الشُّؤْمِ وَتَقُولُ : إِنَّمَا حَكَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقْوَالِهِمْ ، وَكَانَتْ تَنْفِي الطِّيَرَةَ وَلَا تَعْتَقِدُ شَيْئًا مِنْهَا ، حَتَّى قَالَتْ لِنِسْوَةٍ كُنَّ يَكْرَهْنَ الِابْتِنَاءَ بِأَزْوَاجِهِنَّ فِي شَوَّالٍ : مَا تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا فِي شَوَّالٍ ، وَمَا دَخَلَ بِي إِلَّا فِي شَوَّالٍ ، فَمَنْ كَانَ أَحْظَى مِنِّي عِنْدَهُ ؟ وَكَانَتْ تَسْتَحِبُّ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فِي شَوَّالٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ! فَطَارَتْ شُقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشُقَّةٌ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَتْ : كَذَبَ - وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفَرْقَانَ - عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِهَذَا ؟ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ، ثُمَّ قَرَأَتْ عَائِشَةُ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ كَذَبْتَ بِمَعْنَى غَلِطْتَ فِيمَا قَدَّرْتَ وَأَوْهَمْتَ فِيمَا قُلْتَ وَلَمْ تَظُنَّ حَقًّا ، وَنَحْوَ هَذَا ; وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِهِمْ مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِهِمْ كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ : كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكُ مَكَّةً وَنَظْعَنُ إِلَّا أَمْرَكُمْ فِي بَلَابِلِ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْرا مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ هَمْدَانَ : كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ لَا تَأْخُذُونَهَا مُرَاغَمَةً مَا دَامَ لِلسَّيْفِ قَائِمُ وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْسِيُّ : أَفِي الْحَقِّ إِمَّا بِجْدَلٌ وَابْنُ بِجْدَلٍ فَيَحْيَا وَإِمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَيُقْتَلُ كَذَبْتُمْ - وَبَيْتِ اللَّهِ - لَا تَقْتُلُونَهُ وَلَمَّا يَكُنْ يَوْمٌ أَغَرُّ مُحَجَّلُ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصِّدْقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْغَلَطِ وَظَنِّ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ مَكَّةَ إِنْ لَمْ يَتْرُكُوا جِوَارَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ : كَذَبْتُمْ ؛ أَيْ غَلِطْتُمْ فِيمَا قُلْتُمْ وَظَنَنْتُمْ ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ الْهَمْدَانِيِّ وَالْعَبْسِيِّ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التَّزْوِيجِ بِيَدٍ مِنَ الطَّلَاقِ ، قَالَ : بِيَدِ الْعَبْدِ . قُلْتُ : إِنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : بِيَدِ السَّيِّدِ ! قَالَ : كَذَبَ جَابِرٌ ؛ يُرِيدُ غَلِطَ وَأَخْطَأَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَبَرًا عَمَّا كَانَتْ تَعْتَقِدُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْقَوْمِ فِي قِصَّةِ الدَّارِ اتْرُكُوهَا ذَمِيمَةً فَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا رَآهُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسَخَ فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَؤُوفًا بِالْمُؤْمِنِينَ ، يَأْخُذُ عَفْوَهُمْ شَيْئًا شَيْئًا ، وَهَكَذَا كَانَ نُزُولُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ حَتَّى اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ وَكَمُلَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اتْرُكُوهَا ذَمِيمَةً وَلِغَيْرِهِمْ وَلِسَائِرِ أُمَّتِهِ الصَّحِيحَ بِقَوْلِهِ لَا طِيَرَةَ وَلَا عَدْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ - حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ، قَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ وَعَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ نَسَبِهِ هَاهُنَا ، وَعَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، رَوَى عَنْ عَمِّهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 418 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَسَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ ، وَوَهِمَ فِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ - قَالَ : وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَتُهُ - أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلْقِي ثُمَّ يَنْصِبُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهَا الْأُخْرَى . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمَقْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ - فَذَكَرَهُ . وَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ مِنَ الْوَهْمِ الْبَيِّنِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَظُنُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِإِدْخَالِ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ مَا بِأَيْدِي الْعُلَمَاءِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَابْنَ جُرَيْجٍ وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ رَوَوْا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَيَسْتَلْقِيَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السَّبِيعِيُّ الْحَلَبِيُّ ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ - فَذَكَرَهُ . فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَالِكًا بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَكَانَ عِنْدَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدِيثُ عَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ هَذَا يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ لِذَلِكَ ، ثُمَّ أَرْدَفَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ بِمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِفِعْلِهِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِعَمَلِ الْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ ، وَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمَا النَّسْخُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَنْسُوخِ مِنْ سَائِرِ سُنَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَمِنْ أَوْضَحِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ ذَلِكَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْعُلَمَاءِ بِمَا عَمِلُوا بِهِ فِيهِ ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ يَتَبَيَّنُ النَّاسِخُ مِنْهُ مِنَ الْمَنْسُوخِ لَكَانَ النَّظَرُ يَشْهَدُ لِحَدِيثِ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْأُمُورَ أَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَظْرُ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ - مِثْلَ ذَلِكَ . هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ إِسْنَادِهِ وَفِي ذِكْرِ مَوْضِعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
166 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ - مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صِلَاتُهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ خِلَافًا فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ أبِيهِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ عَنِ أبِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ إِلَّا مَا فِي الْمُوَطَّأِ - مُرْسَلٌ ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أبِيهِ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ هَذَا الْإِسْنَادُ ، وَالصَّوَابُ عِنْدَهُمْ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . أَمَّا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ مُسْنَدَةً فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَكَثِيرَةٌ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَقَفُ بِهِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا عَلَى الْمُرَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَرْفَعُ ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الِاثْنَتَيْنِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ صِلَاتَهُ ، فَإِذَا قَضَى صِلَاتَهُ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي وَبَقِيَّةُ ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ - حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي اثْنَتَيْنِ ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفرغ مِنَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ يَجْعَلُهُ مَالِكٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَوَافَقَ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : صَلَّى بِنَا عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ صَلَاةً أَذْكَرَنَا بِهَا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ . قَالَ أَبُو مُوسَى : فَإِمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا ، خَالَفَ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْرَائِيلَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : لَقَدْ ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا ؛ فَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ وَكُلَّمَا سَجَدَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؛ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْصَرَفْنَا أَخْذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ : لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا مِثْلَ صَلَاةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ فَقَالَ : اجْتَمَعُوا حَتَّى أُصَلِّيَ لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَاجْتَمَعُوا ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ ، فَكَبَّرَ بِهِمُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً سِوَى تكبيرة الِافْتِتَاحِ ، يُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ ، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ - أَوْ قَالَ : أُمِّ الْقُرْآنِ - وَأَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً . فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّهُ أَحْمَقُ ! فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحمد . وَكَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يعني الأصم - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ؛ فَكُلُّهُمْ يُكَبِّرُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَإِذَا خَفَضَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَهَذَا عَامِلُكَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُتِمُّهُ ؟ قَالَ : تِلْكَ الصَّلَاةُ الْأُولَى ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنِّي . وَمِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنِ أبِيهِ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ ، وَرَوَاهُ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى يُحَدِّثُ عَنِ أبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا خَفَضَ - يَعْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ . وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ أبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُنْ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ . هَذَا لَفَظُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَاتَّفَقَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ فَقَالَا فِيهِ : سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَسَعِيدٌ أَخَوَانِ ، وَكِلَاهُمَا يَرْوِي عَنِ أبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى . وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ بُنْدَارٌ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ أبِيهِ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ نَقَّصَ التَّكْبِيرَ زِيَادٌ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُعَلَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَارُودِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ . قَالَ : وَكَانَ قَتَادَةُ يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ . قَالَ أَحْمَدُ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَبِّرَ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْفَرْضِ ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : مَا الَّذِي نَقَصُوا مِنَ التَّكْبِيرِ ؟ قَالَ : إِذَا انْحَطَّ إِلَى السُّجُودِ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : وَقَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : نُقْصَانُ التَّكْبِيرِ هُوَ إِذَا انْحَطَّ إِلَى السُّجُودِ فَقَطْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا نُقْصَانَ التَّكْبِيرِ ، وَمَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنِ أبِيهِ وَعَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَفْعٍ وَوَضْعٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَيُسَلِّمُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ ، يَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ ، انْفَرَدَ بِهِ أَشْهَبُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا . وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا مَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَيْءٌ وَيُخَالِفُهُ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا ، وَلَا سِيَّمَا ابْنُ عُمَرَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ وَكُلَّمَا رَفَعَ ، ثُمَّ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ عَنْ يَسَارِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلِلْقَوْلِ فِي أَحَادِيثِ التَّسْلِيمَتَيْنِ والتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَالتَّكْبِيرُ كُلُّهُ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ فِي ذَلِكَ ؛ قَالَ : وَالسُّنَنُ فِي الصَّلَاةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سُنَّةً ، أَوَّلُهَا الْإِقَامَةُ ، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ ، وَالسُّورَةُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَالتَّكْبِيرُ كُلُّهُ سِوَى تكبيرة الْإِحْرَامِ - وَذَكَرَ سَائِرَهَا كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ أبِي سَلَمَةَ : فَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ تَارِكٌ وَكَبَّرَ تكبيرة الْإِحْرَامَ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَبَّرَ تكبيرة الْإِحْرَامَ ، إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُسِيءٌ لَا يُحْمَدُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ ، فَإِنْ فَعَلَهُ سَاهِيًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَرَى السُّجُودَ إِلَّا فِي السَّهْوِ عَنْ عَمَلِ الْبَدَنِ لَا عَنِ الذِّكْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَرْكِهِمُ التَّكْبِيرَ الْمَذْكُورَ دُونَ أَنْ يَعِيبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ذَلِكَ . وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تُعَدُّ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَرَكَ فِيهَا مَالِكٌ الْعَمَلَ لِلْحَدِيثِ ، وَأَمَّا وُجُوبُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ التَّكْبِيرِ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ . وَأَثْبَتُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ - وَكَانَ بَدْرِيًّا - قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ نَاحِيَةَ الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى وَرَسُولُ اللَّهِ يَرْمُقُهُ وَلَا يَشْعُرُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ . قَالَ : لَا أَدْرِي فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ : وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَهَدْتُ وَحَرَصْتُ ، فَعَلِّمْنِي وَأَرِنِي ! فَقَالَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَتَوَضَّأْ فَأَحْسِنِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَاعِدًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، فَإِذَا صَنَعْتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ ، وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا انْتَقَصْتَهُ مِنْ صَلَاتِكَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ - وَكَانَ بَدْرِيًّا - قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمُقُهُ ، فَصَلَّى ثُمَّ جاء سَلَّمَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ . فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدِ اجْتَهَدْتُ فِي نَفْسِي ، فَعَلِّمْنِي وَأَرِنِي ! فَقَالَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَتَوَضَّأْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ قُمْ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى - فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَائِضَ الصَّلَاةِ دُونَ سُنَنِهَا ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ تَكْبِيرٍ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَسُقُوطِ مَا سِوَاهَا مِنَ التَّكْبِيرِ مِنْ جِهَةِ الْفَرْضِ ، وَهِيَ تَشْهَدُ لِصِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ . وَهُوَ حَدِيثٌ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ ؛ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَحْسَنُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : مَنْ أَسْقَطَ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِظَمَ التَّكْبِيرِ عِنْدَهُ وَجُمْلَتَهُ فَرْضٌ ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ نَحْوَ التَّكْبِيرَةِ وَالتَّكْبِيرَتَيْنِ . وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ - مِنْ رَأْيِهِ : لَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يُكَبِّرْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا شَيْءٌ إِذَا كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ سَاهِيًا اسْتُحِبَّ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ ، فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَا : وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ التَّكْبِيرَ عَامِدًا ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ مَاضِيَةٌ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تكبيرة الْإِحْرَامِ ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَحُجَّتُهُمْ عِنْدِي الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ : إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ ، ثُمَّ ارْكَعْ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَعَلَّمَهُ مَا كَانَ وَاجِبًا ، وَسَكَتَ لَهُ عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَعَنْ سَائِرِ الذِّكْرِ الْمَسْنُونِ وَالْمُسْتَحَبِّ ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ فِعْلُهَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ لَا يُقِيمُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَأَيَّ شَيْءٍ تَرْجُو مِنْهُ ؟ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : وَلَوِ افْتَتَحَ الرَّجُلُ صَلَاتَهُ بِسَبْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَمْ يُكَبِّرْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لم يجزه ، وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ لَمْ يُجْزِهِ ، وَهَذَا تَصْحِيحٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ لِحَدِيثِ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَتَدِينُ مِنْهُ بِهِ ، وَهُوَ إِمَامٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأوْزَاعِيُّ وَطَائِفَةٌ أَيْضًا : تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَأْمُومِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا لَمْ يُكَبِّرْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَرْضًا ، وَهَذَا يَقْضِي عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَأْمُومِ فَافْهَمْ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ تكبيرة الْإِحْرَامَ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَالِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْإِحْرَامِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ خَوَازِ بنْدَادَ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ بَعْدَهُ ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ أَجْزَاهُ ، وَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ . قَالَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ : يُكَبِّرُ مَعَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : فَإِنْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنَ التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُجْزِيهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ : لَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يفرغ الْإِمَامُ مِنَ التَّكْبِيرِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إِنْ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَاهُ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ : إِنْ تَقَدَّمَ جُزْءٌ مِنْ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ فِي الْإِحْرَامِ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ فِي الْإِحْرَامِ بَعْدَ إِمَامِهِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرَةِ ، وَالْإِمَامُ إِنَّمَا يَصِيرُ دَاخِلًا فِيهَا بعد الفراغ من التَّكْبِيرِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ دُخُولُ الْمَأْمُومِ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إِمَامُهُ بَعْدُ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا لِمَنْ أَجَازَ مِنْ أَصْحَابِهِ تَكْبِيرَهُمَا مَعًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ : إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا . قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مَعًا لِقَوْلِهِ : فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَهُمْ يَرْكَعُونَ مَعًا . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ أَصَحُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُكَبِّرُ فِيهِ الْإِمَامُ لِلْإِحْرَامِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَفرغ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَبَعْدَ أَنْ تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ وَيَقُومَ النَّاسُ مَقَامَاتِهِمْ . وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ مِثْلُ هَذَا فِي تَأْخِيرِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ وَتَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ : لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَيَسْتَحْسِنُونَ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ . قَالُوا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ قَبْلَ فَرَاغِ مِنَ الْإِقَامَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي حِينِ قِيَامِ الْمَأْمُومِ إِلَى الصَّلَاةِ ؛ فَكَانَ مَالِكٌ لَا يَحِدُّ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِحَدٍّ ، وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ ; فَمِنْهُمُ الْخَفِيفُ وَالثَّقِيلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوُا الْإِمَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ ، وَحَجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي . وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَشَيْبَانُ . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ شَيْبَانَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَحَدَّثَ بِهِ مُسَدَّدٌ وَغَيْرُهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَالْحَجَّاجِ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي الصَّفِّ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُدُ : الْبِدَارُ فِي الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْلَى فِي أَوَّلِ أَخْذِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهُ بِدَارٌ إِلَى فِعْلِ بِرٍّ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَحْدُودٌ عِنْدَهُمْ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْإِمَامِ أَيُكَبِّرُ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ أَوْ حَيْثُ يَفْرُغُ مِنَ الْإِقَامَةِ ؟ فَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ إِلَى الصُّفُوفِ فَإِذَا اسْتَوَتْ كَبَّرَ ، وَحَدِيثُ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يُضَيِّقَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي . فَقَالَ : أَنَا أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أُقِيمَتِ الصُّفُوفُ ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى مَقَامَهُ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، وَلَا أَدْفَعُ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ فِي الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ ، كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الزُّبَيْدِيُّ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي بَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكَمٍ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا قِلَابَةَ وَعِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ الْغِفَارِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيَّ وَسُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ بَدْءٍ مِنَ الْإِقَامَةِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ بِالْإِقَامَةِ فَكُنْ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ . قَالَ : وَرَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا قِلَابَةَ وَعِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ الْغِفَارِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ وَالزُّهْرِيَّ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ بَدْءٍ مِنَ الْإِقَامَةِ . قَالَ : وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ عَدَّلَ الصُّفُوفَ بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ كَبَّرَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِخُنَاصِرَةَ يَقُولُ حِينَ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ : قُومُوا ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : مَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ حَتَّى تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أَبِي يَعْلَى قَالَ : رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِذَا قِيلَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَامَ فَوَثَبَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ أَنْ يَقُومَا حَتَّى يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ : سَمِعْتُ فَرْقَدًا السَّبَخِيَّ قَالَ لِلْحَسَنِ وَأَنَا عِنْدَهُ : أَرَأَيْتَ إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ ، أَأَقُومُ أَمْ حَتَّى يَقُولَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ؟ فَقَالَ الْحَسَنُ : أَيُّ ذَلِكَ شِئْتَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا كُلْثُومُ بْنُ زِيَادٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَجَبَ الْقِيَامُ ، وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَتِ الصُّفُوفُ ، وَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَبَّرَ الْإِمَامُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّكْبِيرِ فِيمَا عَدَا الْإِحْرَامَ ؛ هَلْ يَكُونُ مَعَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ فِي حَالِ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ حِينَ يَنْحَطُّ إِلَى الرُّكُوعِ وَإِلَى السُّجُودِ وَحِينَ يَرْفَعُ مِنْهُمَا ، إِلَّا فِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْجَلْسَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَائِمًا ، فَإِذَا اعْتَدَلَ فَإِنَّمَا كَبَّرَ ، وَلَا يُكَبِّرُ إِلَّا وَاقِفًا ، كَمَا لَا يُكَبِّرُ فِي الْإِحْرَامِ إِلَّا وَاقِفًا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : التَّكْبِيرُ فِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ ، يُكَبِّرُ فِي حَالِ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ ، وَفِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ تَكْبِيرَةِ السَّجْدَةِ الَّتِي بَعْدَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَالَ : كَانَ مَكْحُولٌ يُكَبِّرُهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ ، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُكَبِّرُهَا وَهُوَ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ ، فَقِيلَ لِلْقَاسِمِ : إِنَّ مَكْحُولًا يُكَبِّرُهَا وَهُوَ قَائِمٌ ! قَالَ : وَمَا يَدْرِي مَكْحُولٌ مَا هَذَا !
1672 - حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مِنْ حُسْن إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيَّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ أبِيهِ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سُفْيَانَ يُثْنِي عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ خَيْرًا ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ دَاوُدَ الضَّبِّيُّ قَاضِي طَرْسُوسَ فَقَالَ فِيهِ أَيْضًا : عَنِ أبِيهِ . وَهُمَا جَمِيعًا لَا بَأْسَ بِهِمَا ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَيْسَ بِالْحُجَّةِ عَلَى جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ الَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا فِيهِ : عَنِ أبِيهِ . فَأَمَّا رِوَايَةُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ أبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ وَأَبُو جُمُعَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْأَنْطَاكِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ أبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - زَادَ سَعْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ أبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ أبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا أُوتِيَ فِيهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُوسَى بْنُ دَاوُدَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمَا حَمَلَا حَدِيثَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ الْعُمَرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ ، وَرَوَاهُ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَاخْتَلَفَ فِي حَدِيثِهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَقْرِيِّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمَقْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَقْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا . وَأَمَّا عَبْدُ الْجَبَّارِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ وَأَعْضَلَ ، وَلَا مَدْخَلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا إسْنَادَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ - وَهُمْ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا ، وَالْآخَرُ : مَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ قُرَّةَ بْنِ حَيْوَئِيلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا ، وَالْمُرْسَلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الِإسْنَادَيْنِ فَخَطَأٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ قُرَّةَ بْنِ حَيْوَئِيلَ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو الْجَهْمِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْجَوَارِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ حَيْوَئِيلَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ حَيْوَئِيلَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّحَّاسُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيْوَئِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَلَامُهُ هَذَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْكَلَامِ الْجَامِعِ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ الْجَلِيلَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ : مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ قَالَ : كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَكَانَ فِيهَا : وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمِ وَهُوَ فِي حَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ ، فَقَالَ : أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ ؟ فَقَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَنَّى بَلَغْتَ مَا أَرَى ؟ قَالَ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي . وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ : مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى ؟ - يُرِيدُونَ الْفَضْلَ - فَقَالَ لُقْمَانُ : صِدْقُ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي . وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : مِنْ عَلَامَةِ إِعْرَاضِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَقَالَ سَابِقٌ : وَالنَّفْسُ إِنْ طَلَبَتْ مَا لَيْسَ يَعْنِيهَا جَهْلًا وَسَخْفًا تَقَعُ فِيمَا يُعَنِّيهَا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حُمَيْدٍ : إِذَا عَقَلَ الْفَتَى اسْتَحْيَا وَاتَّقَى وَقَلَّتْ مِنْ مَقَالَتِهِ الْفُضُولُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِّينَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ : أَصُولُ السُّنَنِ فِي كُلِّ فَنٍّ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ ; أَحَدُهَا : حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . وَالثَّانِي : حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ الْحَدِيثَ . وَالثَّالِثُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ . وَالرَّابِعُ : حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَحْبَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ ؛ أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ ، أَوْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ ، أَوْ تَسْأَلَ عَنْ عِلْمٍ فَتُخْبَرَ بِهِ ، أَوْ تَتَكَلَّمَ فِيمَا يَعْنِيكَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكَ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ ؛ أَحَدُهَا مُسْنَدٌ ، وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ يَسْتَنِدَانِ مِنْ وُجُوهِ من غير رِوَايَةِ مَالِكٍ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَيُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ ، أُمُّهُ غَزَالَةُ أُمُّ وَلَدٍ ، وَهُوَ عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ لِحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنَانِ يُسَمَّيَانِ بِعَلِيٍّ ؛ فَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ الْأَكْبَر قُتِلَ بِكَرْبَلَاءَ مَعَ أَبِيهِ وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ ، وَيُقَالُ : أُمُّهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي مُرَّةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ . وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ هَذَا فَكَانَ أَفْضَل بَنِي هَاشِمٍ ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : مَا رَأَيْتُ هَاشِمِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ وَكَانَ أَفْضَلَ هَاشِمِيٍّ أَدْرَكْتُهُ . وَقِيلَ : بَلْ كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ . وَقَالَ أَهْلُ النَّسَبِ : إِنَّهُ لَيْسَ لِحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَقِبٌ إِلَّا مِنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ هَذَا الْأَصْغَرِ . وَأَمَّا أَخُوهُ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ الْأَكْبَرُ الْمَقْتُولُ مَعَ أَبِيهِ بِكَرْبَلَاءَ فَلَا عَقِبَ لَهُ ، وَشَهِدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ هَذَا الْأَصْغَرُ مَعَ أَبِيهِ كَرْبَلَاءَ ، وَاخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ لَمْ يَنْبُتْ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : لَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ لَمْ يَنْبُتْ بِشَيْءٍ . قَالَ : وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَسَمِعَ مُحَمَّدُ منُ جَابِرٍ وَرَوَى عَنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا ، وَمَاتَ جَابِرٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ . قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُقَاتِلْ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ هَذَا يَوْمَئِذٍ مَعَ أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا عَلَى فِرَاشٍ لَا أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَرِيضًا مُضْطَجِعًا عَلَى فِرَاشٍ ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ قَالَ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ : اقْتُلُوا هَذَا . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَنَقْتُلُ حَدَثًا مَرِيضًا لَمْ يُقَاتِلْ ؟ وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ : لَا تَعْرِضُوا لِهَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ وَلَا لِهَذَا الْمَرِيضِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ : فَلَمَّا أُدْخِلْتُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ قَالَ : مَا اسْمُكَ ؟ قُلْتُ : عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ . قَالَ : أَوَلَمْ يَقْتُلِ اللَّهُ عَلِيًّا ؟ قَالَ : قُلْتُ : كَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ أَكْبَرُ مِنِّي قَتَلَهُ النَّاسُ . قَالَ : بَلِ اللَّهُ قَتَلَهُ . قُلْتُ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ، فَصَاحَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ عَلِيٍّ : يَا ابْنَ زِيَادٍ ، حَسْبُكَ مِنْ دِمَائِنَا ، أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ إِنْ قَتَلْتَهُ إِلَّا قَتَلْتَنِي مَعَهُ . وَيُقَالُ : إِنَّ قُرَيْشًا رَغِبَتْ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَاتِّخَاذِهِنَّ حِينَ وُلِدَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَكُلُّهُمْ لِأُمِّ وَلَدٍ . وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاةِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ هَذَا ؛ فَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَكَانَ يُقَالُ : سَنَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَقِيلَ : سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ : تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ : تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ سَنَةَ مِائَةٍ . قَالَ الْمَدَائِنِيُّ : وَيُقَالُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : مَاتَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَهُوَ الْقَائِلُ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِنَصِيبِي مِنَ الذُّلِّ حُمْرَ النَّعَمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ ذَا عَقْلٍ وَفَهْمٍ وَعِلْمٍ وَدِينٍ ، وَلَهُ أَخْبَارٌ صَالِحَةٌ حِسَانٌ تَرَكْتُهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ ؛ مِنْهَا مَا رَوَى جَرِيرٌ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعَامَةَ قَالَ : كَانَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ يَبْخَلُ ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوهُ يَعُولُ مِائَةَ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ فِي السِّرِّ . وَمِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ كَانَ يَلْبَسُ كِسَاءَ خَزٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا يَلْبَسُهُ فِي الشِّتَاءِ ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ . قَالَ : وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الصَّيْفِ ثَوْبَيْنِ مِنْ مَتَاعِ مِصْرَ مُمَشَقَيْنِ ، وَيَلْبَسُ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ وَيَقُولُ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ . 1104 - حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ : عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الشَّكِّ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ أَوْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، وَالثَّابِتُ عَنْ مَالِكٍ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ كَمَا رَوَى يَحْيَى وَتَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ : عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ . وَذَكَرَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : قَالَ لِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : تَرَانِي لَا أَعْرِفُ عُمَرَ مِنْ عَمْرٍو ! هَذِهِ دَارُ عُمَرَ وَهَذِهِ دَارُ عَمْرٍو . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا أَهْلُ النَّسَبِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ابْنًا يُسَمَّى عُمَرَ ، وَلَهُ أَيْضًا ابْنًا يُسَمَّى عَمْرًا ، وَلَهُ أَيْضًا أَبَانٌ وَالْوَلِيدُ وَسَعِيدٌ ، وَكُلُّهُمْ بَنُو عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ وَعَمْرٍو وَأَبَانٍ ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ وُلِّيَ خُرَاسَانَ ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى مَالِكُ ابْنُ الرَّيْبِ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرْنِي بِعْتُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَأَصْبَحْتُ فِي جَيْشِ ابْنِ عَفَّانَ غَازِيَا وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عُثْمَانَ أَحَدَ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ جَلِيلًا أَيْضًا فِي قُرَيْشٍ ، وُلِّيَ الْمَدِينَةَ مَرَّةً وَرَوَى عَنِ أبِيهِ ، فَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ لِعُثْمَانَ ابْنًا يُسَمَّى عَمْرًا ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ لِعُمَرَ أَوْ عَمْرٍو ؟ فَأَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ - غَيْرَ مَالِكٍ - يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . وَمَالِكٌ يَقُولُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ . وَقَدْ وَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : هُوَ عُمَرَ ، وَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ لِعُثْمَانَ ابْن يُقَالُ لَهُ عُمَرُ ، وَهَذِهِ دَارُهُ . وَمَالِكٌ لَا يَكَادُ يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ حِفْظًا وَإِتْقَانًا ، لَكِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا عَمْرٌو بِالْوَاوِ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي حَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ . فَقَالَ سُفْيَانُ : لَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً ، وَتَفَقَّدْتُهُ مِنْهُ فَمَا قَالَ إِلَّا عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِمَّنْ تَابَعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلَى قَوْلِهِ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعُقَيْلٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ والْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْجَمَاعَةُ أَوْلَى أَنْ يُسَلَّمَ لَهَا ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وَلَقَدْ أَحْسَنَ ابْنُ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ وَمَالِكٍ جَمِيعًا ، وَقَالَ : قَالَ مَالِكٌ : عُمَرُ ، وَقَالَ يُونُسُ : عَمْرٌو . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : خَالَفَ مَالِكٌ النَّاسَ فِي هَذَا فَقَالَ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا زِيَادَةُ مَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ ، وَهِيَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ الرَّافِعَةُ لِلشُّبْهَةِ ، وَأَمَّا اقْتِصَارُ مَالِكٍ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ فَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ ، فَكَأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَصَدَ إِلَى النُّكْتَةِ الَّتِي لِلْقَوْلِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَقَطَعَ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْأَثَرِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةَ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَيَحْيَى بْنَ بِشْرٍ وَمَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نُفَيْلٍ وَفِرْقَةً قَالَتْ بِقَوْلِهِمْ ؛ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ بِقَرَابَتِهِ ، وَأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ ، وَقَالُوا : نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَنَا ، وَنَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : أَهْلُ الشِّرْكِ نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ : لَا نَرْثِهِمْ وَلَا يَرِثُونَنَا . ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا نَرِثُ أَهْلَ الْمِلَلِ وَلَا يَرِثُونَا . وَقَوْلُهُ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا مَشْهُورٌ فِيهِ أَيْضًا ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسِ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا . وَالْحُجَّةُ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ كِتَابُ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ بَيَانُ ذَلِكَ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ مِنْ نَقْلِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ ، فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مَحْجُوجٌ بِهِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِثْلِ مَالِكٍ والليث وَالثَّوْرِيِّ والْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرْثُ الْكَافِرَ كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرْثُ الْمُسْلِمَ - اتِّبَاعًا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَخْذًا بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ ؛ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ - أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي الْمُرْتَدِّ قَالَ : إِذَا قُتِلَ فَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ ، وَإِذَا لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ فَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ عَلَى دِينِهِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ : مِيرَاثُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ الَّذِي ارْتَدَّ إِلَيْهِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : النَّاسُ فَرِيقَانِ ؛ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَقُولُ : مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّهُ سَاعَةَ يَكْفُرُ تُوقَفُ عَنْهُ فَلَا يَقْدِرُ مَنْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يَنْتَظِرَ أَيُسْلِمُ أَمْ يَكْفُرُ ؛ مِنْهُمْ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ . وَفَرِيقٌ يَقُولُ : لِأَهْلِ دِينِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ ، وَغَرَضُنَا الْقَوْلُ فِي مِيرَاثِهِ فَقَطْ ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّهُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ ، لِأَنَّ قَرَابَةَ الْمُرْتَدِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ جَمَعُوا سَبَبَيْنِ : الْقَرَابَةَ وَالْإِسْلَامَ ، وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ انْفَرَدُوا بِالْإِسْلَامِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَوَارِيثِ أَنَّ مَنْ أَدْلَى بِسَبَبَيْنِ كَانَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ الْمُسْتَوْرِدَ الْعَجَلِيَّ عَلَى الرِّدَّةِ وَوَرَّثَ وَرَثَتَهُ مَالَهُ . حَدِيثُهُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ الثِّقَاتِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : أَتَى عَلِيٌّ الْمُسْتَوْرِدَ الْعَجَلِيَّ - وَقَدِ ارْتَدَّ - فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَبَى ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَوْرِدِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : أُتِيَ عَلِيٌّ بِشَيْخٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَعَلَّكَ إِنَّمَا ارْتَدَدْتَ لِأَنْ تُصِيبَ مِيرَاثًا ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ ! قَالَ : لَا . قَالَ : لَعَلَّكَ خَطَبْتَ امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُنْكِحُوكَهَا فَأَرَدْتَ أَنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْإِسْلَامِ ! قَالَ : لَا . قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ : أَمَّا حَتَّى أَلْقَى الْمَسِيحَ فَلَا . فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، وَدَفَعَ مَالَهُ إِلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِينَ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْمُرْتَدِّ فَقَالَ : نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُسِرَ فَتَنَصَّرَ : إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ بَرِئَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَاعْتَدَّتْ مِنْهُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، وَدُفِعَ مَالُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : مَالُ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَا أَصَابَ فِي ارْتِدَادِهِ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ . قَالَ : وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وُلَدٌ فِي ارْتِدَادِهِ لَمْ يَرِثْهُ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : الْمُرْتَدُّونَ لَا يَرِثُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَرِثُهُمْ أَوْلَادُهُمْ أَوْ وَرَثَتُهُمُ الْمُسْلِمُونَ . وَتَأَوَّلَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْكَافِرَ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَيَكُونُ دِينُهُ مِلَّةً يُقَرُّ عَلَيْهَا . وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : الْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ ، فَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي مَجْرَى الْفَيْءِ . وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَبِيعَةَ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي قَطْعِ وِلَايَةِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعَمَّمُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، فَلَمْ يَخُصَّ كَافِرًا مُسْتَقِرَّ الدِّينِ أَوْ مُرْتَدًّا ، وَلَيْسَ يَصِيرُ مِيرَاثُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ جِهَةِ الْمِيرَاثِ ، وَلَكِنْ سَلَكَ بِهِ سَبِيلَ كُلِّ مَالٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ ، وَهُوَ فَيْءٌ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ . وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يُخَالِفُهُ ، وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ وَجَبَ النَّظَرُ وَطَلَبُ الْحُجَّةِ ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ قَوْلًا عَامًّا مُطْلَقًا ، وَالْمُرْتَدُّ كَافِرٌ لَا مَحَالَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَرَفَ مَالَ ذَلِكَ الْمُرْتَدِّ إِلَى وَرَثَتِهِ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، لِأَنَّ مَا صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الْأَمْوَالِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُصْرَفَ فِي الْمَصَالِحِ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ قَالَ فِي الْمُرْتَدِّ : مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ كَانُوا يُطَيِّبُونَهُ لِوَرَثَتِهِ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُطَيِّبُونَ لِوَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ مِيرَاثَهُ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ فَيَرِثَهُ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَوْلَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْمُرْتَدِّ كَمْ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ ؟ قَالَ : ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ . قُلْتُ : إِنَّهُ قُتِلَ ! قَالَ : فَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قُلْتُ : أَيُوَصَّلُ مِيرَاثُهُ ؟ قَالَ : مَا يُوَصَّلُ مِيرَاثُهُ . قُلْتُ : يَرِثُهُ بَنُوهُ ؟ قَالَ : نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُثَنَّى ، عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ ، فَقَالَ : نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ سَعِيدٍ هَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الْمَالَ فِي أَمْرِهِ كَالْمِيرَاثِ . وَفِي مَالِ الْمُرْتَدِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ ؛ أنَّ مَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ فَهُوَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ ؛ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمُرْتَدِّ : مِيرَاثُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ الَّذِي تَوَلَّى . وَرَوَى مَطَرٌ الْوَرَّاقُ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ ، وَالْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ وَتَوْقِيفِهِ عَنْهُ وَحُكْمِ امْرَأَتِهِ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى لَفْظِ حَدِيثِنَا عَلَى مَا شَرَطْنَا ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ مَنِ ارْتَدَّ فِي اسْتِتَابَتِهِ وَقَتْلِهِ مُجَوَّدًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ، وَفِي مَعْنَى حَدِيثِنَا هَذَا مِيرَاثُ الْكَافِرِ مِنَ الْكَافِرِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْرِيثِ الْيَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَمِنَ الْمَجُوسِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَرِثَ الْكَافِرُ الْكَافِرَ - كَانَ عَلَى شَرِيعَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ - لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا مَنَعَ مِنْ مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِيرَاثَ الْكَافِرِ الْكَافِرَ ، وَتَأَوَّلَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى . قَالَ : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ ، وَالْإِسْلَامُ مِلَّةٌ . وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ : الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : الْإِسْلَامُ مِلَّةٌ ، وَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالصَّابِئُ وَعَبَدَةُ النِّيرَانِ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ - كُلُّ ذَلِكَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ؛ يَعْنِي فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِثَ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ ، وَلَا النَّصْرَانِيُّ الْيَهُودِيَّ ، وَلَا الْمَجُوسِيَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى . وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَفُقَهَاءُ الْبَصْرِيِّينَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَالْحَسَنِ وَشَرِيكٍ ، وَرُوَاتُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . قَالُوا : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَلٌ مُفْتَرِقَةٌ ، لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ أَهْلَ مِلَّةٍ أُخْرَى . وَقَالَ شُرَيْحٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْكُفْرُ ثَلَاثُ مِلَلٍ ؛ فَالْيَهُودُ مِلَّةٌ ، وَالنَّصَارَى مِلَّةٌ ، وَسَائِرُ مِلَلِ الْكُفْرِ مِنَ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنْ تُوُفِّيَ النصراني الذِّمِّيُّ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ أَحَدُهُمَا حَرْبِيٌّ وَالْآخَرُ ذِمِّيٌّ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيُّ قَالَ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ حَرْبِيًّا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ أَحَدُهُمَا حَرْبِيٌّ وَالْآخَرُ ذِمِّيٌّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَرِثَهُ الذِّمِّيُّ دُونَ الْحَرْبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا وَرِثَهُ الْحَرْبِيُّ دُونَ الذِّمِّيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فَصَحِيحٌ عَنْهُ ثَابِتٌ لَا مَدْفَعَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ الْوَاسِطِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ فِيهِ فَقَالَ فِيهِ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ، وَهُشَيْمٌ لَيْسَ فِي ابْنِ شِهَابٍ بِحُجَّةٍ ، وَحَدِيثُهُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ هُشَيْمٍ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْعَلَاءِ الْمِهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ . وَهَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ : وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِمَالِكٍ . وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ أبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى . وَلَيْسَ دُونَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ .
1891 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ ؛ أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى مُرْسَلًا لَمْ يَقُلْ عَنْ أبِيهِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ، وَمِمَّنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَأَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَابْنُ شَرُوسٍ الصَّنْعَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَحَبِيبٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو حُذَافَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مُسْنَدًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّحَّانُ بِمِصْرَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ أبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ ؛ أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي ، وَأَنَا الْحَاشِرُ ، وَأَنَا الْعَاقِبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ ؛ أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ . هَكَذَا قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْعَاقِبِ فِي نَسَقِ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ وَالْحَسَنِ بْنِ خَضِرٍ وَالْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ ؛ كُلُّهُمْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ ؛ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنِّي أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي أَحْشُرُ النَّاسَ ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَقُلْ : خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ ، وَالْأَسْمَاءُ هُنَا وَالصِّفَاتُ سَوَاءٌ ، فَمُحَمَّدٌ مُفَعَّلٌ مِنَ الْحَمْدِ ، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ أَفْعَلُ مِنَ الْحَمْدِ ، قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو رَجَاءٍ الْمِعْلَالِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ : أَحْسَنُ بَيْتٍ قِيلَ - فِيمَا قَالُوا - قَوْلُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ أَوْ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ : وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَالْقَوْلُ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَسَائِرُ فِرَقِ الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُوا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَمْ أَرَ فِي ذِكْرِهِ هَاهُنَا وَجْهًا ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي أَيْ قُدَّامِي وَأَمَامِي ؛ أَيْ أنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ وَيَنْضَمُّونَ حَوْلَهُ وَيَكُونُونَ أَمَامَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَرَوَى الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ إِذَا ضَمَّتْهُمْ مِنَ النَّوَاحِي . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مُطَابِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيئينَ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : خَتَمَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ ، وَخَتَمَ بِمَسْجِدِهِ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ - يَعْنِي مَالِكٌ بِذَلِكَ مَسَاجِدَ الْأَنْبِيَاءِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : سَأَلْتُ سُفْيَانَ - يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ - عَنِ الْعَاقِبِ ، فَقَالَ لِي : آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ خَلَفَ بَعْدَ شَيْءٍ فَهُوَ عَاقِبٌ ، وَقَدْ عَقَّبَ يُعَقِّبُ عُقْبًا ، وَلِهَذَا قِيلَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ بَعْدَهُ عَقِبَهُ ، وَكَذَلِكَ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ عَقِبَة .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ ، يُكْنَى أَبَا سَعِيدٍ . قَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ وَشَيْئًا مِنْ أَخْبَارِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ وَقْتِهِ بِالنَّسَبِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ ، أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ . دَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ - يَعْنِي عَبْدَ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ - فِي حِلْفِ الْفُضُولِ ؟ قَالَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُمْ . قَالَ : صَدَقْتَ . وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ سَنَةَ مِائَةٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَتُوُفِّيَ أَخُوهُ أَبُو مُحَمَّدٍ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ : فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . 172 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِـ وَالطُّورِ . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عن ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ وَالصَّوَابُ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ سَعَةً وَأَنَّهُ لَيْسَ يَضِيقُ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مُسْتَوْعَبًا وَفِي سَائِرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ المص مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ كَمَا ذَكَرْنَا . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَرَأَ بِـ الصَّافَّاتِ فِي الْمَغْرِبِ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ حم الدُّخَانِ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِـ الْمُرْسَلَاتِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَهِيَ آثَارٌ صِحَاحٌ مَشْهُورَةٌ لَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا بِدَلَائِلَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ فِيهَا قِرَاءَةَ السُّوَرِ الْقِصَارِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَكُونَ إِبَاحَةً وَتَخْيِيرًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ دَلِيلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَا اسْتَحَبُّوا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُقَصِّرْ وَلْيُخَفِّفْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي دِينِنَا سَعَةً وَيُسْرًا وَتَخْفِيفًا ، لَا شَرِيكَ لَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ عَنْهُ فِيهِ ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ مَعْنًى بَدِيعٌ حَسَنٌ مِنَ الْفِقْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ جُبَيْرَ بْنِ مُطْعِمٍ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَافِرٌ وَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ الرُّكَيْنِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْمَقْرَئِيُّ ، جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ الطُّورِ وَلَمْ أُسْلِمْ يَوْمَئِذٍ ، فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي . وَقَالَ : لَوْ كَانَ مُطْعِمٌ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّفَرِ لَأَعْتَقْتُهُمْ . هَذَا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ . وَلَمْ يُتَابَعْ هَذَانِ عَلَى سِيَاقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَمِمَّنْ رَوَى ذِكْرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ وَغَيْرُهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ فِي فِدَاءِ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ ، قَالَ : فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِـ الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ، فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ كَالْكَرْبِ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ . وَأَسْلَمَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَامَ الْفَتْحِ ، وَيُقَالُ : عَامَ خَيْبَرَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ الطُّورِ . قَالَ سُفْيَانُ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ قَالَ : فَكَادَ يَطِيرُ قَلْبِي . وَحَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ الطُّورِ . قَالَ سُفْيَانُ : فَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ جُبَيْرًا قَالَ : سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَا مُشْرِكٌ ، فَكَادَ قَلْبِي يَطِيرُ حِينَ قَرَأَ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ وَلَمْ يَقُلْهُ لَنَا الزُّهْرِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ . قَالَ سُفْيَانُ : فَأَمَّا أَنَا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ وَالطُّورِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي . وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَجَعَلَ فِي مَوْضِعِ الْمَغْرِبِ الْعَتَمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ . وَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قال : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْعَتَمَةِ بِـ وَالطُّورِ . وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الشَّكِّ فِي الْعَتَمَةِ أَوِ الْمَغْرِبِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَجَازَهُ لَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَسَدٍ ، عَنِ ابْنِ جَامِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ - قَالَ هُشَيْمٌ : وَلَا أَظُنُّنِي إِلَّا وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُكَلِّمَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ أَوِ الْعَتَمَةَ ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَيَقْرَأُ وَقَدْ خَرَجَ صَوْتُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ قَالَ : فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَلَّمْتُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، فَقَالَ : شَيْخُكَ - أَوِ : الشَّيْخُ - لَوْ كَانَ أَتَانَا فِيهِمْ شَفَّعْنَاهُ ؛ يَعْنِي أَبَاهُ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ : وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَتْ يَدُ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَامَهُ فِي شَأْنِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَهُوَ أَيْضًا أَجَارَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مِنَ الطَّائِفِ مِنْ دُعَاءِ ثَقِيفٍ ، أَجَارَهُ هُوَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ ، وَخَبَرُهُ بِكَمَالِهِ فِي الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ الْهِلَالِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَعْتَقَتْهُ وَأَعْتَقَتْ إِخْوَتَهُ عَطَاءً وَعَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَ اللَّهِ بَنِي يَسَارٍ مَوَالِيَهَا ، فَوَلَاؤُهُمْ لَهَا ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الْفَتْوَى بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يُكْنَى أَبَا أَيُّوبَ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مُقَدَّمًا فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ ، وَكَانَ نَظِيرًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَكَانَ مُكَاتِبًا لِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدَّى فَعُتِقَ ، وَوَهَبَتْ مَيْمُونَةُ وَلَاءَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَتْ خَالَتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ فِعْلِهَا ، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سُوقَ الْمَدِينَةِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَةً وَاحِدَةً فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : سُلَيْمَانُ بْنُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى أَشْهَبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِسْرَافٌ وَإِفْرَاطٌ ، وَلَيْسَ سُلَيْمَانُ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْفِقْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ وَالسِّيَرِ ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْقَهِ أَهْلِهَا ، فَقِيلَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . وَقِيلَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ : مَنْ أَفْقَهُ مَنْ أَدْرَكْتُمَا ؟ فَقَالَا : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ عِنْدَنَا بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَفْقَهَ رَجُلٍ كَانَ مُلْزِمًا بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَتَّفِقَانِ فِي الْقَوْلِ ، وَكَانَ إِذَا ارْتَفَعَ الصَّوْتُ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ سَمِعَ فِيهِ سُوءًا قَامَ عَنْهُ . ذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : اخْتَلَفَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ ، فَقَالَ لِي : قُمْ فَسَلْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْهَا . فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يَسْأَلُكَ مَتَى تُبَاعُ الثَّمَرَةُ ؟ قَالَ : إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا . فَأَتَيْتُ سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ائْتِهِ فَاسْأَلْهُ مَتَى يَتَبَيَّنُ صَلَاحُهَا ؟ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : قَالَ سُلَيْمَانُ : مَتَى يَتَبَيَّنُ صَلَاحُهَا ؟ قَالَ : إِذَا سَنْبَلَ الزَّرْعُ وَاحْمَرَّ الزَّهْرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَسُلَيْمَانُ فَقِيهٌ عَالِمٌ وَرِعٌ نَبِيلٌ ، كَانَتْ لَهُ جَلَالَةٌ وَقَدْرٌ بِالْمَدِينَةِ ، ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ . قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً . وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا ، قَالَ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . فَقَالَ : يُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ غَيْرُهُ إِنَّهُ طَاوُسٌ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . 806 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ ، وَقَدْ سَمِعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ النَّحْرِ - وَالْفَضْلُ رِدْفُهُ - فَقَالَتْ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَسَّكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَهَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَاهُ أَوَّلًا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ . فَلَمَّا جَاءَنَا الزُّهْرِيُّ تَفَقَّدْتُ هَذَا فَلَمْ يَقُلْهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنُبَيِّنُهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ رُكُوبِ نَفْسَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِذَا أَطَاقَتِ الدَّابَّةُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِارْتِدَافِ وَذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَالْجَلِيلُ مِنَ الرِّجَالِ جَمِيلٌ بِهِ الِارْتِدَافُ وَالْأَنَفَةُ مِنْهُ تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ ، حَبَّبَ اللَّهُ إِلَيْنَا الطَّاعَةَ بِرَحْمَتِهِ . وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ فِي الْآدَمِيِّينَ مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ وَمَا يُخَافُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ شُبَّانِ بَنِي هَاشِمٍ ، بَلْ كَانَ أَجْمَلَ أَهْلِه زَمَانِهِ فِيمَا ذَكَرُوا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مَنْعُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِنَّ وَمِنْهُنَّ الْفِتْنَةُ مِنَ الْخُرُوجِ وَالْمَشْيِ فِي الْحَوَاضِرِ وَالْأَسْوَاقِ ، وَحَيْثُ يَنْظُرْنَ إِلَى الرِّجَالِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ الْآيَةَ - مَا يَكْفِي لِمَنْ تَدَبَّرَ كِتَابَ اللَّهِ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ بِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَجَعَلَ يَلْحَظُ إِلَى امْرَأَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ يَا غُلَامُ ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فِيهِ بَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَهَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحُجُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حُجِّي عَنْ أَبِيكِ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ كَانَ مَعَكِ ذُو مَحْرَمٍ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ لَيْسَ مِنَ السَّبِيلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِهِ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَكَانَ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ كَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ الْجَوَابِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ ، وَجَعَلُوا أَبَا الْخَثْعَمِيَّةِ مَخْصُوصًا بِالْحَجِّ عَنْهُ كَمَا كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَخْصُوصًا بِرَضَاعِهِ فِي حَالِ الْكِبَرِ مَعَ اشْتِرَاطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ ، فَكَذَلِكَ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مَعَ شَرْطِ اللَّهِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ الِاسْتِطَاعَةَ وَهِيَ الْقُدْرَةُ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَالْقُدْرَةِ وَتَكُونُ أَيْضًا فِي الْمَالِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِبَدَنِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِثْلِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ؛ فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ نَصًّا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الشَّعِثُ التَّفِلُ . فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْعَجُّ وَالثَّجُّ . فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا : السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، قَالَ : السَّبِيلُ أَنْ يَصِحَّ بَدَنُ الْعَبْدِ وَيَكُونُ لَهُ ثَمَنُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْحِفَ بِهِ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ الْحَجُّ إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً مِنَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ : ذُو الْمَحْرَمِ فِي الْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ، وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ الله . وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ ، وَبِهِ اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الْبَدَنُ فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالنُّكْتَةُ الَّتِي بِهَا اسْتَدَلُّوا وَعَلَيْهَا عَوَّلُوا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْحَجَّ إِذْ فُرِضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَبُوهَا فِي حَالٍ لَا يَسْتَطِيعُهُ بِبَدَنِهِ ، فَأَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَالدَّيْنِ تَقْضِيهِ عَنْهُ ، فَكَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَعَانٍ ، مِنْهَا : أَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ لَا فِي الْبَدَنِ . وَمِنْهَا : أَنَّ عَمَلَهَا فِي ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَعْمَلُهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . وَمِنْهَا : أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْمَالِ كَمَا تَكُونُ بِالْبَدَنِ ، وَاحْتَجُّوا مِنَ الْآثَارِ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ فِيهِ تَشْبِيهُ الْحَجِّ بِالدَّيْنِ ، وَسَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْحَجَّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . وَقَالَ دَاوُدُ : الْحَجُّ عَلَى الْعَبْدِ وَاجِبٌ . وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : لَا حَجَّ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَاجِدًا مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ . قَالَ : الْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونُ مَعْضُوبًا بِبَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى رَكْبٍ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَهُ أَنَّ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ أَوْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِهَذَا الْوَجْهِ . قَالَ : وَمَعْرُوفٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَنَا مُسْتَطِيعٌ أَنْ أَبْنِيَ دَارًا أَوْ أَخِيطَ ثَوْبًا ؛ يَعْنِي بِالْإِجَارَةِ أَوْ بِمَنْ أَطَاعَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ ; حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْبَيْتِ وَإِقَامَةِ الْمَنَاسِكِ بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ أَوْ مَاشِيًا عَلَى رِجْلَيْهِ فَقَدْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ فَلَيْسَ بِمُخَاطَبٍ فِي الْحَجِّ . هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْضُوبَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ . وَالْمَعْضُوبُ الضَّعِيفُ الْهَرِمُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّهُوضِ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : رَجُلٌ مَعْضُوبٌ كَأَنَّمَا لُوِيَ لَيًّا ، وَالْمَعْضُوبُ الَّذِي كَادَتْ أَعْضَاؤُهُ تَنْتَشِرُ جَزَعًا . أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُقْرِئِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالَ : السَّبِيلُ الصِّحَّةُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : إِذَا كَانَ شَابًّا فَلْيُؤَاجِرْ نَفْسَهُ بِأَكْلَةٍ وَعُقْبَةٍ حَتَّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَيْضًا وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَبِأَيِّ وَجْهٍ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَقَدَرَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، وَلَيْسَ اسْتِطَاعَةُ غَيْرِهِ اسْتِطَاعَةً لَهُ ، وَالْحَجُّ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ عَمَلِ الْأَبْدَانِ ، فَلَا يَنُوبُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ . وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ شَاءَ لَا عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَحُجُّ عَنْ أَبِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ حَمَلُوا فِيهِ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَصْحَابِهِ ، وَقَالُوا : هَذَا حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ أَحَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَوْ فِي كِتَابِ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرُهُ ، وَقَدْ خَطَّأُوهُ فِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ فَقَالُوا : هَذَا لَفْظٌ مُنْكَرٌ لَا تُشْبِهُهُ أَلْفَاظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يَدْرِي هَلْ يَنْفَعُ أَمْ لَا يَنْفَعُ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرِيُّ قَالَ : لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ لَا كُوفِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ وَلَا أَحَدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا ظَاهِرُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَظَاهِرٌ جَمِيلٌ ، لِأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ ثِقَةٌ ، وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَهُشَيْمٌ . وَكَذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِالثَّوْرِيِّ مَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلِ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَهَؤُلَاءِ جِلَّةُ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ثِقَةٌ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ ، وَيُدْخَلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ أَصْلًا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ وَلَا يُجِيزُونَ صَلَاةَ أَحَدٍ منْ أَحَدٍ وَلَا يَقُولُونَ فِيهَا إِنَّهَا إِنْ لَمْ تَزِدِ الْمُصَلَّى عَنْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا كَمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْحَجِّ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ بِخِدْمَةِ النَّاسِ أَوْ بِالسُّؤَالِ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ وَصَلَ إِلَيْهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الفرض ووجب عليه الحج ، وَأَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي لَا زَادَ لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ السُّؤَالُ وَالتَّبَذُّلُ ، فَإِنْ حَجَّ أَجَزَأَهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْفَقِيرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ وَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ حِينَئِذٍ - قِيلَ لَهُ : لَوْ كَانَ الْحَجُّ لَا يَجِبُ فَرْضًا إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَمَا تَعَيَّنَ فَرْضُهُ عَلَى الْفَقِيرِ بِدُخُولِهِ مَكَّةَ ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ عَلَى الْعَبْدِ بِدُخُولِهِ مَكَّةَ ، وَلَوْ كَانَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ لَاسْتَوَى فِيهِ حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرُهُمْ كَمَا اسْتَوَوْا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْحَجُّ إِلَّا بِهِمَا ، وَيَدْخُلُ عَلَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ : إِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْعَبِيدِ بَاقِيَةٌ لَمْ تَزُلْ وَهِيَ الرِّقُّ ، وَعِلَّةُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ ثُمَّ اسْتَطَاعَ قَدْ زَالَتْ . وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ! قَالَ : احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَحُجَّ عَنْهُ . وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا سَوَاءً . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ ! قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَاقْضُوا اللَّهَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . قَالُوا : وَتَشْبِيهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِالدَّيْنِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ بِبَدَنِهِ عَنِ الِامْتِسَاكِ عَلَى الدُّؤْبَةِ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِذَا اسْتَطَاعَ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ أَوْ بِمَالِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي تَشْبِيهِهِ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا خُصُوصٌ لِلْخَثْعَمِيَّةِ كَمَا خُصَّ أَبُوهَا بِأَنْ يُعْمَلَ عَنْهُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ خُصَّتْ بِالْعَمَلِ عَنْهُ لِتُؤْجَرَ وَيَلْحَقَهُ ثَوَابُ عَمَلِهَا بِدَلِيلِ الْقُرْآنِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ ، وَبِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَرْضًا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَعْمَلُ عَنْهُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَيُشْرِكُهُ فِي ثَوَابِهِ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ . وَجَعَلُوا حَجَّ الْخَثْعَمِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا كَالْحَجِّ بِالصَّبِيِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ التَّبَرُّكُ لَا الْفَرْضُ ، وَأَدْخَلَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَجُّ لِمَالِكٍ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ قَالَ : لَوْ ثَبَتَ تَشْبِيهُ الْحَجِّ بِالدَّيْنِ لَكُنْتَ مُخَالِفًا لَهُ ، لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ مَنْ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَ قُوَّةً أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ الدَّيْنُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إِذَا أُدِّيَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُؤَدَّى ثَانِيَةً ، وَانْفَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْهُ لِعَدَمِهِ الِاسْتِطَاعَةَ بِبَدَنِهِ ، فَلَمَّا صَحَّ كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِبَدَنِهِ ، فَأَشَارَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ يَطْرَأُ عَلَيْهَا الْحَيْضُ فَتَعُودُ إِلَيْهِ ، وَأَدْخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ ، وَلَا يُجِيزُ الصَّلَاةَ وَلَا الصِّيَامَ أَنْ يَعْمَلَهُمَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِ مَيِّتٍ وَلَا حَيٍّ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ وَأَعْمَالِ الْبَدَنِ ، وَلِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تَشْغِيبٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ وَلَا يَجْمُلُ اجْتِلَابُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلصَّحِيحِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَطَوُّعًا . وَقَالَ : لِلْمَرِيضِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِفَرْضِهِ ، وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَإِنْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِالْحَجِّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَجَزَأَهُ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُوَاجِرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ نَحْوَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيُوصِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُوصِ فَحَجَّ عَنْهُ وَلَدُهُ فَحَسَنٌ ، إِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ يَقْضِيهِ ، وَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ لِذِي الْقَرَابَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ قَرَابَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا قَرَابَةَ لَهُ فَمَوَالِيهِ إِنْ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا تَطَوُّعًا فَلَا بَأْسَ . قَالَ : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلْيَحُجَّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَحُجَّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ . قَالَ : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَبْدَأْ بِدَيْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ يَحُجُّ بِهِ حَجَّ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قَدْرَ مَا إِنْ حَجَّ بِهِ أَضَرَّ بِعِيَالِهِ فَلْيُنْفِقْ عَلَى عِيَالِهِ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ إِذَا كَانَ لَهُ عُرُوضٌ إِنْ مَاتَ تَرَكَ وَفَاءً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ شَيْءٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَسْأَلَ النَّاسَ فَيَحُجَّ بِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَحُجَّ بَعْدَ أَنْ يُوسِرَ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : يَنْبَغِي لِلْأَعْزَبِ إِذَا أَفَادَ مَالًا أَنْ يَحُجَّ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ . قَالَ : وَحَجُّهُ أَوْلَى مِنْ قَضَائِهِ دَيْنًا عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَلْتَخْرُجِ الْمَرْأَةُ مَعَ وَلِيِّهَا ، فَإِنْ أَبَى وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ وَوَجَدَتْ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهَا مِنَ الرِّجَالِ أَوْ نِسَاءٍ مَأْمُونِينَ فَلْتَخْرُجْ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ المَذَاهِبَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا يَخْرُجُ مَعَهَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ وَيُجْزِيهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنِ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُلْبَسُ وَالرَّجُلَ لَا يُلْبَسُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنْ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ صَرُورَةٌ كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلنَّفْلِ لَغْوًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يُوَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ وَلَسْتُ أَكْرَهُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يُوَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ الْحَجَّ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُ الْمُتَقَرِّبِ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ مُسْلِمٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِلْمُسْلِمِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابِ الْمُصْحَفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَحَفْرِ الْقُبُورِ وَصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ ، وَالصَّدَقَاتُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدْ أَبَاحَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ ، وَلَا مَعْنًى لِاعْتِبَارِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَحُجُّ عَنِ الْمُسْلِمِ تَطَوُّعًا وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمُسْلِمِ . وَفِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ هَذَا رَدٌّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ عَنِ الرَّجُلِ ، وَحُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ . وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَبَى جَوَازَ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ الرَّجُلِ وَهُوَ صَرُورَةٌ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ . فَقَالَ : مَنْ شُبْرُمَةُ ؟ قَالَ : أَخٌ لِي - أَوْ : قَرِيبٌ لِي . فَقَالَ : حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ . وَمَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا يَذْكُرُ عَزْرَةَ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ عِلَلًا يَجِبُ بِهَا التَّوَقُّفُ عَنِ الْقَوْلِ بِالْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1413 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ يَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ، قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا : هَذَا لَكَ ، فخفف عنا وتجاوز فِي الْقَسْمِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَلِكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَنكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَاهُ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ يَسْتَنِدُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمَاعُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَهَا وَيَزْرَعُونَهَا ، فَدَعَا يَهُودَ خَيْبَرَ - وَقَدْ كَانُوا أُخْرِجُوا مِنْهَا - فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا عَلَى النِّصْفِ يُؤَدُّونَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ . فَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ أَوَّلُهُ ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهَا بِذَلِكَ أَوْ يَدْفَعُونَهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، وَإِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْخَرْصِ فِي ذَلِكَ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثَّمَرَةُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ وَهُوَ وَاحِدٌ ، فَأَخْبَرَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمٍ كَبِيرٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَقُولُوا لَهُ : إِنَّكَ وَاحِدٌ لَا نُصَدِّقُكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَلَوْ كَانَ خَبَرُهُ وَاحِدًا لَا يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ لَا يَحْمِلُهُ بُغْضُهُ عَلَى ظُلْمِ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَالظَّالِمُ نَفْسَهُ يَظْلِمُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَالشَّاهِدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ أَوِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ سُحْتٌ ، وَكُلُّ رُشْوَةٍ سُحْتٌ ، وَكُلُّ سُحْتٍ حَرَامٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَكْلُهُ . وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قَالُوا : السُّحْتُ الرُّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَفي السُّحْتُ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّحْتَ - وَهُوَ الرُّشْوَةُ عِنْدَ الْيَهُودِ - حَرَامٌ وَلَا يَحِلُّ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ! وَلَوْلَا أَنَّ السُّحْتَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ مَا عَيَّرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِأَكْلِهِ ، فَالسُّحْتُ مُحَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ ، آمِينَ . أَنْشَدَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ لِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا رُشْوَةٌ مِنْ بَابِ بَيْتٍ تَقَمَّحَتْ لِتَدْخُلَ فِيهِ وَالْأَمَانَةُ فِيهِ سَعَتْ هَرَبًا مِنْهَا وَوَلَّتْ كَأَنَّهَا حَلِيمٌ تَنَحَّى عَنْ جِوَارِ سَفِيهِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَصْرٍ الْقَفْصِيُّ الْحَافِظُ بِقَفْصَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مِقْسَمِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ لَهُ الْأَرْضَ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ ؛ يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ خَيْبَرَ : نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ ، فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنْ نَعْمَلَ وَلَنَا نِصْفُ الثَّمَرَةِ وَلَكُمُ النِّصْفُ . فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ تَصَرَّمَ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَ النَّخْلَ - وَهُوَ الَّذِي يَدْعُوهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ - فَقَالَ : هِيَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالُوا : أَكْثَرْ عَلَيْنَا ! وَفِي حَدِيثِ الْمُعَافَى : فَقَالَ : فِي ذَا كَذَا وَكَذَا . فَقَالُوا : أَكْثَرْتَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ! قَالَ : فَأَنَا أُعْطِيكُمُ النِّصْفَ الَّذِي قُلْتُ . قَالُوا : هَذَا الْحَقُّ ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَقَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ . وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ : أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ، قَالَ : فَأَنَا أَلِي جُذَاذَ النَّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ . قَالُوا : هَذَا الْحَقُّ ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَقَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ . قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذِكْرِ الْأَرْضِ ، وَفِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ مَعَانِيَ الْخَرْصِ وَمَعَانِي أَرْضِ خَيْبَرَ مَا فِيهِ إِشْرَافٌ عَلَى مَعَانِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ : كَانَ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا تُخْرِجُ أَرْضُهَا وَثَمَرُهَا خُصُوصًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا لَهُ كَالْعَبِيدِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ عَبْدِهِ كَيْفَ شَاءَ وَيَبِيعَ مِنْهُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، فَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَفْعِ الْأَرْضِ إلى اليهود بالنظر لِتِلْكَ الْعِلَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَنْبِيهٍ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ وَفِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا . وَلِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَكُونُ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَقَرَأَتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : أَفَاءَ اللَّهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِهِ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، أَنْتُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ ، قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ ! وَلَيْسَ يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، قَدْ خَرَصْتُ عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، قَدْ أَخَذْنَا فَاَخْرُجُوا عَنَّا . فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُقِرُّوا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَنْ لَيْسَ مِنَّا - أَوْ قَالَ : مَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
1025 - حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْضِهِ عَنْهَا . لَيْسَ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ اخْتِلَافٌ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - فِيمَا عَلِمْتُ . وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَنْفَعُ أُمِّي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا وَقَدْ مَاتَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : اسْقِ الْمَاءَ . قَالَ ابْنُ مَنِيعٍ : الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثُ النَّذْرِ ، وَحَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ ثِقَةٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ رَوَى هَذَا غَيْرَ شُجَاعِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَ بِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَرَوَى عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ - مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّذْرِ وَفِي حُكْمِهِ ؛ فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ وَتُوُفِّيَ وَلَمْ يَقْضِهِ كَانَ عَلَى أَقْعَدِ أَوْلِيَائِهِ قَضَاؤُهُ عَنْهُ وَاجِبًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنٍ أَوْ مَالٍ . وَقَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَلِيِّهِ إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ ، وَمَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ . وَاخْتَلَفُوا فِي النَّذْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : كَانَ ذَلِكَ صِيَامًا نَذَرَتْهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ؛ فَقَالَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاتِهِ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامٌ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا : إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ . وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِيهِ لَيْسَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُفْتِي بِخِلَافِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ نَذْرِهِ وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى صِيَامِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا . وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْإِطْعَامَ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَغَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ كَانَ فِي ثُلُثِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ أَمْكَنَهُ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَفْعَلْ أَطْعَمَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ فِي النَّذْرِ وَفِي قَضَاءِ رَمَضَانَ جَمِيعًا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ عَنْهُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمُ الْإِطْعَامُ دُونَ الصِّيَامِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَابْنُ عُلَيَّةَ أَنْ لَا يَصُومَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَاجِبٌ فِي رَأْسِ مَالِهِ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ : يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي النَّذْرِ ، وَيُطْعِمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ ، وَالْإِطْعَامُ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَفِي النَّذْرِ جَمِيعًا ، وَحُجَّةُ أَبِي ثَوْرٍ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ . رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، لَمْ يَخُصَّ نَذْرًا مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ . وَاحْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّذْرِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ ، وَفِي النَّذْرِ يُصَامُ عَنْهُ ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ " لَا يُصَامُ عَنْهُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ " بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مُطْلَقًا ، وَبِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِمَا جَمِيعًا الْإِطْعَامُ ، وَفِي فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِخِلَافِهِ مَا يُوهِنُهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّ وَالْمَدَنِيِّ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ عَنْهُ أَوْ عِنْدَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ سَوَاءً لِأَنَّهَا أَفَتَتْ بِخِلَافِهِ . رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا عَمْرَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا : يُطْعَمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَلَا يُصَامُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَالصَّوْمُ فِي الْقِيَاسِ مِثْلُهُ ، فَإِنِ ادَّعَوْا فِيهِ أَثَرًا عُورِضُوا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عِلَلِ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا أَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ فَالْمَصِيرُ إِلَى الْمُسْنَدِ عِنْدَهُمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الصَّاحِبِ ، وَفَتْوَاهُ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَهَذَا الْأَصْلُ قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَانَ عِتْقًا ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِي مَالِ الْإِنْسَانِ وَاجِبًا فَجَائِزٌ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ ، وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . قَالَ : فَهَذَا تَفْسِيرُ النَّذْرِ الْمُجْمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ . وَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : إِنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَانَ صَدَقَةً ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ آثَارًا قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا ، وَأَكْثَرُهَا فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَفِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ نَذْرًا مُطْلَقًا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ نَذْرًا هَكَذَا مُجْمَلًا مُبْهَمًا فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : لَيْسَ لِلنَّذْرِ إِلَّا الْوَفَاءُ بِهِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قَدْ سُمِّيَ مِنَ النَّذْرِ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّذْرِ فَقَالَ : أَفْضَلُ الْأَيْمَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالَّتِي تَلِيهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالَّتِي تَلِيهَا . يَقُولُ : الرَّقَبَةُ وَالْكُسْوَةُ ، فَالطَّعَامُ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : النَّذْرُ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ صَاحِبُهُ فَهُوَ أَغْلَظُ الْأَيْمَانِ ، وَلَهُ أَغْلَظُ الْكَفَّارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَمْ يَقُلْ مُغَلَّظَةٌ . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ مِثْلُهُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : الْيَمِينُ الْمُغَلَّظَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : إِنِّي لَأَعْجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ : إِنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : يَجْزِيهِ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ . وَقَالَهُ الْحَسَنُ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فِي النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : يُجْزِئُهُ مِنَ النَّذْرِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : سَوَاءٌ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ ، هِيَ يَمِينٌ . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : النَّذْرُ يَمِينٌ . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا قَوْلُ النَّاسِ عَلَيَّ نَذْرٌ لِلَّهِ ؟ قَالَ : يَمِينٌ ، فَإِنْ سَمَّى نَذْرًا فَهُوَ مَا سَمَّى . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ : إِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ مَا لَمْ يُسَمِّ النَّذْرَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْفُقَهَاءِ .
ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ ، مِنْ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ . أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا ؛ مِنْهَا وَاحِدٌ مُرْسَلٌ وَعَشَرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مُسْنَدَةٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا نَسَبَ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ نَسَبِ جَدِّهِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَعُبَيْدُ اللَّهِ هَذَا يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ ثُمَّ السَّبْعَةِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ كَانَتِ الْفَتْوَى تَدُورُ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا مُقَدَّمًا فِي الْفِقْهِ ، شَاعِرًا مُحْسِنًا ، لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا - فِيمَا عَلِمْتُ - فَقِيهٌ أَشْعَرُ مِنْهُ وَلَا شَاعِرٌ أَفْقَهُ مِنْهُ - فِي الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ غَيْرَ الشِّعْرِ وَصِنَاعَتِهِ - مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَلِلزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْقَاضِي فِي أَشْعَارِهِ كِتَابٌ مُفْرَدٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ مِنَ الْعِلْمِ شَيْئًا كَثِيرًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي قَدِ اكْتَفَيْتُ ، فَلَمَّا لَقِيتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَإِذَا لَيْسَ فِي يَدَيَّ مِنَ الْعِلْمِ شَيْءٌ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَلْطُفُ بِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَكَانَ يُعِزُّهُ عِزًّا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ : كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ . قَالَ مُغِيرَةُ : وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ : لَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَيًّا لَهَانَ عَلَيَّ مَا أَنَا فِيهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : أَدْرَكْتُ أَرْبَعَةَ بُحُورٍ ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُهُمْ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ تَفَرَّسَ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَانَ يُحَدِّثُهُ الْحَدِيثَ وَيَقُولُ لَهُ : أَنَا أُحَدِّثُكَ لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُكَ بِهِ يَوْمًا مَا . فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ كَانَ يَقُولُ : وَدِدْتُ أَنَّ لِي مَجْلِسًا مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِدِيَةٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : مَا أَصَبْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِثْلَ مَا أَصَبْتُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ ، فَلَيْتَ لِي الْيَوْمَ مَجْلِسًا مِنْهُ بِدِيَةٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا سَمِعْتُ بِحَدِيثٍ قَطُّ فَأَشَاءُ أَنْ أَعِيَهُ إِلَّا وَعَيْتُهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مِثْلَهُ ، وَزَادَ : قَالَ يَعْقُوبُ : وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَيًّا مَا صَدَرْتُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ عَلَيَّ بِيَوْمٍ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ غُرْمًا - قَالَ ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : صَحِبْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَمَا رَأَيْتُ أَعْرَبَ حَدِيثًا مِنْهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : تَقُولُ الشِّعْرَ وَأَنْتَ فَقِيهٌ ! قَالَ : هَلْ يَسْتَطِيعُ الَّذِي بِهِ الصَّدْرُ إِلَّا أَنْ يَنْفُثَ ! حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمُ بْنُ حُبَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْفِهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ الْمَدِينَةَ وَكَانَتْ جَمِيلَةً ، فَخَطَبَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَكَانَ مَعَهَا بُنَيٌّ لَهَا ، فَبَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ امْتِنَاعُهَا ، فَعَرَّضَ لِلْقَوْمِ فَقَالَ : أُحِبُّكِ حُبًّا لَا يُحِبُّكِ مِثْلَهُ قَرِيبٌ وَلَا فِي الْعَاشِقِينَ بِعِيدُ أُحِبُّكِ حُبًّا لَوْ شَعَرْتِ بِبَعْضِهِ لَجُدْتِ وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْكِ شَدِيدُ وَحُبُّكِ يَا أُمَّ الصَّبِيِّ مُدَلِّهِي شَهِيدِي أَبُو بَكْرٍ فَنِعْمَ شَهِيدُ وَيَعْلَمُ مَا أَخْفَي سُلَيْمَانُ عِلْمَهُ وَخَارِجَةُ يُبْدِي بِنَا وَيُعِيدُ مَتَى تَسْأَلِي عَمَّا أَقُولُ فَتُخْبَرِي فَلِلْحُبِّ عِنْدِي طَارِفٌ وَتَلِيدُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَعْقُوبَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمَتِ امْرَأَةٌ الْمَدِينَةَ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ ، وَكَانَتْ مِنْ هُذَيْلٍ وَكَانَتْ جَمِيلَةً ، فَرَغِبَ النَّاسُ فِيهَا فَخَطَبُوهَا ، وَكَادَتْ تُذْهِبُ بِعُقُولِ أَكْثَرِهِمْ ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا : أُحِبُّكِ حُبًّا فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ سَوَاءً إِلَى آخِرِهَا ، وَزَادَ : فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَمِنْتَ أَنْ تَسْأَلَنَا وَمَا رَجَوْتَ إِنْ سَأَلَتْنَا أَنْ نَشْهَدَ لَكَ بِزُورٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَهَؤُلَاءِ السِّتَّةُ هُمْ فُقَهَاءُ وَقْتِهِمْ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سَابِعُهُمْ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمَعْرُوفُ بِوَكِيعٍ صَاحِبُ التَّارِيخِ وَالْأَخْبَارِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَيَّانَ الطَّائِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ إِدْرِيسَ يَقُولُ : كَانَ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يَتَجَالَسُونَ بِالْمَدِينَةِ زَمَانًا ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ حَزْمٍ صَارَ إِلَى الْإِمَارَةِ ، فَمَرَّا بِعُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُسَلِّمَا وَلَمْ يَقِفَا بِهِ ، وَكَانَ ضَرِيرًا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ وَلَا تَدَعَا أَنْ تُثَنِّيَا بِأَبِي بَكْرِ لَقَدْ جَعَلَتْ تَبْدُو شَوَاكِلُ مِنْكُمَا كَأَنَّكُمَا بِي مُوقَرَانِ مِنَ الصَّخْرِ فَكَيْفَ تُرِيدَانِ ابْنَ سِتِّينَ حِجَّةً عَلَى مَا أَتَى وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ أَوْ عَشْرِ فَمُسَّا تُرَابَ الْأَرْضِ مِنْهَا خُلِقْتُمَا وَفِيهَا الْمَعَادُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْحَشْرِ وَلَا تَعْجَبَا أَنْ تُؤْتَيَا وَتُكَلَّمَا فَمَا خَشِيَ الْأَقْوَامُ شَرًّا مِنَ الْكِبْرِ لَقَدْ عَلَّقَتْ دَلْوَا كُمَا دَلْوَ حُوِّلَ مِنَ الْقَوْمِ لَا وَغْلَ الْمِرَاسِ وَلَا مُزْرِ فَطَاوَعْتُمَا بِي عَاذِلًا ذَا مُعَاكَةٍ لَعَمْرِي لَقَدْ أَوْرَى وَمَا مِثْلُهُ يُورِي فَلَوْلَا اتِّقَاءُ اللَّهِ مِنْ قِيلٍ فِيكُمَا لَلُمْتُكُمَا لَوْمًا أَحَرَّ مِنَ الْجَمْرِ يُقَالُ : أَوَرَى عَلَيْهِ صَدْرُهُ بِالْحِقْدِ . وَهِيَ أَبْيَاتٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ ، مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا كُلَّهَا لَهُ فِي أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ مِنْهَما أَرْبَعَةَ أَبْيَاتٍ أَوْ خَمْسَةً فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ . كَذَلِكَ ذَكَرَهَا أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا أُدْخِلَتْ مَعَهَا لِاتِّفَاقِ الْقَافِيَةِ ، وَإِنَّهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَتَيْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمًا فَوَجَدْتُهُ يَنْفُخُ وَهُوَ مُغْتَاظٌ ، فَقُلْتُ : مَالَكَ ؟ فَقَالَ : جِئْتُ أَمِيرَكُمْ آنِفًا - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فَلَمْ يَرُدَّا عَلَيَّ ، فَقُلْتُ : فَمُسَّا تُرَابَ الْأَرْضِ مِنْهَا خُلِقْتُمَا وَفِيهَا الْمَعَادُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْحَشْرِ وَلَا تَأْنَفَا أَنْ تُؤْتَيَا فَتُكَلَّمَا فَمَا خَشِيَ الْأَقْوَامُ شَرًّا مِنَ الْكِبْرِ فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَلْقَى عَدُوًّا وَطَاعِنًا لَلَاقَيْتُهُ أَوْ قَالَ عِنْدِي فِي السِّرِّ فَإِنْ أَنَا لَمْ آمُرْ وَلَمْ أَنْهَ عَنْكُمَا ضَحِكْتُ لَهُ حَتَّى يَلِجَّ وَيَسْتَشْرِي قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : تَقُولُ الشِّعْرَ فِي فَضْلِكَ وَنُسُكِكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْمَصْدُورَ إِذَا نَفَثَ بَرأ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي خَبَرِ وَكِيعٍ " أَبُو بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ " ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا فِي إِمَارَةِ عُمَرَ لَا فِي خِلَافَتِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي قَوْلِهِ " وَلَا تَدَعَا أَنْ تُثَنِّيَا بِأَبِي بَكْرِ " هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي خَبَرِهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ مَرَّ بِعُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَرُدَّا عَلَيْهِ . وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنِي بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَارِسْت عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فِي إِمْرَتِهِ ، قَالَ : وَكَانَ عُمَرُ يُجِلُّهُ إِجْلَالًا شَدِيدًا ، فَرَدَّهُ الْحَاجِبُ ، وَكَانَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ مُخْتَلِيًا بِهِ ، قَالَ : فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ غَضْبَانَ ، وَكَانَ فِي صَلَاحِهِ رُبَّمَا قَالَ الْأَبْيَاتَ ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ بِأَبْيَاتِهِ فَبَعَثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَعِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ يَعْذُرَانِهِ عِنْدَهُ وَيَقُولَانِ : إِنَّ عُمَرَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلِمَ بِإِتْيَانِكَ وَلَا بِرَدِّ الْحَاجِبِ إِيَّاكَ . فَقَالَ لِعَمْرٍو وَصَاحِبِهِ : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ وَلَا تَدَعَا أَنْ تُثَنِّيَا بِأَبِي بَكْرِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : فَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : أَنْشَدَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُعَاتِبُ رَجُلَيْنِ مَرَّا بِهِ : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ وَلَا تَدَعَا أَنْ تُثَنِّيَا بِأَبِي بَكْرِ فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ كَمَا تَقَدَّمَ نَسَقًا حَرْفًا بِحَرْفٍ ، وَزَادَ : وَلَوْ شِئْتُ أَدْلَى فِيكُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَانِيَةً أَوْ قَالَ عِنْدِيَ فِي السِّرِّ فَإِنْ أَنَا لَمْ آمُرْ وَلَمْ أَنْهَ عَنْكُمَا ضَحِكْتُ لَهُ حَتَّى يَلِجَّ وَيَسْتَشْرِي قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَشْعَارُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي غَيْرِ مَا مَعْنًى ، مِنْهَا فِي الْغَزَلِ بِزَوْجَتِهِ عَثْمَةَ ، أَظُنُّ أَكْثَرَهُ بَعْدَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا . ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ : أَبْيَاتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّتِي أَوَّلُهَا : لَعَمْرِي لَئِنْ شَطَّتْ بِعَثْمَةَ دَارُهَا لَقَدْ كِدْتُ مِنْ وَشْكِ الْفِرَاقِ أُلِيحُ أَرُوحُ بِهَمٍّ ثُمَّ أَغْدُو بِمِثْلِهِ وَيُحْسَبُ أَنِّي فِي الثِّيَابِ صَحِيحُ قَالَهَا فِي زَوْجَةٍ كَانَتْ لَهُ تُسَمَّى عَثْمَةَ ، عَتَبَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَمْرِ فَطَلَّقَهَا ، وَلَهُ فِيهَا أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ : كَتَمْتَ الْهَوَى حَتَّى أَضَرَّ بِكَ الْكَتْمُ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ قَالَ : أَنْشَدَنِي خَالِيَ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : كَتَمْتَ الْهَوَى حَتَّى أَضْرَّ بِكَ الْكَتْمُ وَلَامَكَ أَقْوَامٌ وَلَوْمُهُمُ ظُلْمُ وَنَمَّ عَلَيْكَ الْكَاشِحُونَ وَقَبْلَهُمْ عَلَيْكَ الْهَوَى قَدْ نَمَّ لَوْ يَنْفَعُ النَّمُّ وَزَادَكَ إِغْرَاءً بِهَا طُولُ هَجْرِهَا قَدِيمًا وَأَبْلَى لَحْمَ أَعْظُمِكَ الْهَمُّ وَأَصْبَحْتَ كَالْهِنْدِيِّ إِذْ مَاتَ حَسْرَةً عَلَى إِثْرِ هِنْدٍ أَوْ كَمَنْ سُقِيَ السُّمُّ أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي عَنَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ تَجَنَّيْتَ إِتْيَانَ الْحَبِيبِ تَأَثُّمًا أَلَا إِنَّ هِجْرَانَ الْحَبِيبِ هُوَ الْإِثْمُ فَذُقْ هَجْرَهَا قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ رَشَادٌ أَلَا يَا زَاعِمًا كَذَبَ الزَّعْمُ وَمِنْ أَشْعَارِهِ فِي عَثْمَةَ : عَفَتْ أَطْلَالُ عَثْمَةَ بِالْغَمِيمِ فَأَضْحَتْ وَهْيَ مُوحِشَةُ الرُّسُومِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ . وَفِيهَا يَقُولُ أَيْضًا : تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ فِي فُؤَادِي فَبَادِيهِ مَعَ الْخَافِي يَسِيرُ تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ سَرَابٌ وَلَا حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ أَكَادُ إِذَا ذَكَرْتُ الْعَهْدَ مِنْهَا أَطِيرُ لَوَ انَّ إِنْسَانًا يَطِيرُ وَهِيَ أَبْيَاتٌ أَيْضًا ذَوَاتُ عَدَدٍ ، أَنْشَدَهَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ لَهُ : تَقُولُ مِثْلَ هَذَا ! فَقَالَ : فِي اللَّدُودِ رَاحَةُ الْمَفْئُودِ . وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ جَرَتْ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - وَهِيَ أَبْيَاتٌ ، مِنْهَا : وَمَا الْحَقُّ أَنْ تَهْوَى فَتُسْعَفَ فِي الَّذِي هَوِيتَ إِذَا مَا كَانَ لَيْسَ بِأَعْدَلِ أَبَى اللَّهُ وَالْأَحْسَابُ أَنْ يَحْمِلَ الْقَذَى جُفُونُ عُيُونٍ بِالْقَذَى لَمْ تُوَكَّلِ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا يُخَاطِبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَبِنْ لِي فَكُنْ مِثْلِي أَوِ ابْتَغِ صَاحِبًا كَمِثْلِكَ إِنِّي مُبْتَغٍ صَاحِبًا مِثْلِي عَزِيزٌ إِخَائِي مَا يَنَالُ مَوَدَّتِي مِنَ النَّاسِ إِلَّا مُسْلِمٌ كَامِلُ الْعَقْلِ وَمَا يَلْبَثُ الْإِخْوَانُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إِذَا لَمْ يُؤَلَّفْ رُوحُ شَكْلٍ إِلَى شَكْلِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ . وَمِنْ قَوْلِهِ أَيْضًا يُخَاطِبُ ابْنَ شِهَابٍ : إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى خَلِيلًا مُصَافِيًا لَقِيتَ وَإِخْوَانُ الثِّقَاتِ قَلِيلُ وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ : أَعَاذِلُ عَاجِلُ مَا أَشْتَهِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الرَّائِثِ سَأُنْفِقُ مَالِيَ فِي حَقِّهِ وَأُوثِرُ نَفْسِي عَلَى الْوَارِثِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَيْضًا : إِذَا كَانَ لِي سِرٌّ فَحَدَّثْتُهُ الْعِدَا وَضَاقَ بِهِ صَدْرِي فَلَلنَّاسُ أَعْذَرُ هُوَ السِّرُّ مَا اسْتَوْدَعْتُهُ وَكَتَمْتُهُ وَلَيْسَ بِسِرٍّ حِينَ يَفْشُو وَيَظْهَرُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ حَمْزَةَ أَبِي عِمَارَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : مَالَكَ وَلِلشِّعْرِ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَصْدُورُ إِلَّا أَنْ يَنْفُثَ ؟ ! حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ ، وَيُقَالُ : سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ قِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ . 369 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عن ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَالَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ : وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ - وَأَنَا قَدْ رَاهَقْتُ الِاحْتِلَامَ . وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَلَمْ يَقُلْ لَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سعيد بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عن الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : جِئْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، وَنَحْنُ عَلَى أَتَانٍ لَنَا ، فَمَرَرْنَا بِبَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْنَا عَنْهَا وَتَرَكْنَاهَا تَرْتَعُ ، فَلَمْ يَقُلْ لَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ لَا يَضُرُّ الْمُصَلِّيَ وَلَا حَرَجَ فِيهِ عَلَى الْمَارَّ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ حُكْمِ السُّتْرَةِ وَحُكْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ ، وَمَضَى هُنَاكَ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ غِنًى وَكِفَايَةٌ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ ، فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ مَرَّ وَرَاءَهُ بَيْنَ أَيْدِي الصُّفُوفِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِمَارَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ، وَرَدُّوا بِهِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحِمَارَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَانْفَصَلَ مِنْهُمْ مُخَالِفُهُمْ بِأَنَّ مُرُورَ الْأَتَانِ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا بِلَفْظٍ هُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : الْحِمَارُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ . أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَيْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ عَلَى أَتَانٍ ، فَمَرَرْنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ . وَفِيهِ إِجَازَةُ شَهَادَةِ مَنْ عَلِمَ الشَّيْءَ صَغِيرًا وَأَدَّاهُ كَبِيرًا ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقِيَاسُهُ : الْعَبْدُ يَشْهَدُ فِي عُبُودِيَّتِهِ عَلَى مَا يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ فِيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ إِذَا أَدَّاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حَالٍ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ لَوْ شَهِدُوا بِهَا فَرُدَّتْ لِأَحْوَالِهِمُ النَّاقِصَةِ ، ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا فِي حَالِ تَمَامِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ - عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
1815 - حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ ، فَقَالَ : انْزِعُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ فَجَوَّدَ إِسْنَادَهُ وَأَتْقَنَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، مِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَزَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَأَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، وَزِيَادُ بْنُ يُونُسَ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ ، وَعُبَيْدُ بْنُ حَيَّانَ ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَرْوُونَهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَيْمُونَةَ - لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ . هكذا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَأَبُو الطَّاهِرِ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَالتِّنِّيسِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى وَإِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرُوا مَيْمُونَةَ . وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَجُوَيْرِيَّةُ عَنْ مَالِكٍ ، عن الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْطُوعًا . وَهَذَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا قَالَهُ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ ؛ فَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ كَمَا رَوَى يَحْيَى ، وَعَنْهُ مَعْمَرٌ خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ . وَقَالَ عَنْهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ يَزِيدَ : وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ ، أَوْ قَالَ : انْتَفِعُوا بِهِ . وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - لَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ . وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتُفْتِيَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ - مَقْطُوعًا - لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا مَيْمُونَةَ ، وَالصَّحِيحُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ : وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ أَيْضًا عن الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْفُوظٌ . قَالَ : وَالطَّرِيقَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : لَكِنَّ الْمَشْهُورَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ . قَالَ : وَصَوَابُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَرَوَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي وَدَكٍ لَهُمْ . قَالَ : وَهَذَا الْإِسْنَادُ عِنْدَنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ ضَعِيفٌ جِدًّا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنُ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا . هَذَا مِثْلُ إِسْنَادِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْبُرُلُّسِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : خُذُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - وَهَذَا لَفْظُ الْحَسَنِ ، قَالَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهُ وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ . قَالَ الْحَسَنُ : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُوذَوَيْهِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ . وَقَالَ فِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَعْمَرٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا - أَوْ قَالَ : مَائِعًا - لَمْ يُؤْكَلْ . هَذِهِ رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ . وَغَيْرُ مُسَدَّدٍ يَقُولُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ مَعْمَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ وَاسْتَصْبِحُوا . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " لَمْ يُؤْكَلْ " فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَكْلِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُؤْكَلْ وَلَكِنَّهُ يُسْتَصْبَحُ بِهِ وَيُنْتَفَعُ ، فَلَا تَتَعَارَضُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا عَبْدُ الْأَعْلَى فَرَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ وَمَا حَوْلَهَا فَتُطْرَحَ ؛ هَكَذَا قَالَ ، لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْمَائِعِ بِشَيْءٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عِنْدَهُ عَنْ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا هَذَا الْإِسْنَادُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَوْذَوَيْهِ - وَكَانَ مِنْ مُثْبِتِيهِمْ - أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يَرْوِيهِ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَمِمَّا يُصَحِّحُ حَدِيثَ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَنِي قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : فَقَدْ وَجَدْنَا ذِكْرَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، فَالْحَدِيثَانِ مَحْفُوظَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَانٍ مِنَ الْفِقْهِ مِنْهَا مَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَأَمَّا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْفَأْرَةَ وَمِثْلَهَا مِنَ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ يَمُوتُ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ أَوْ مَا كَانَ مِثْلَهُ مِنَ الْجَامِدَاتِ أَنَّهَا تُطْرَحُ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ ذَلِكَ الْجَامِدِ وَيُؤْكَلُ سَائِرُهُ إِذَا اسْتُيْقِنَ أَنَّهُ لَمْ تَصِلِ الْمَيْتَةُ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ السَّمْنَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ إِذَا كَانَ مَائِعًا ذَائِبًا فَمَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ أَوْ وَقَعَتْ - وَهِيَ مَيِّتَةٌ - أَنَّهُ قَدْ نَجَّسَ كُلُّهُ ، وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ فِيهِ مَيِّتَةً أَوْ حَيَّةً فَمَاتَتْ يَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا . هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَجَعَلُوا الْمَائِعَ كُلَّهُ كَالْمَاءِ ، وَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِشُذُوذِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَا هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يُعَدُّ خِلَافًا ، وَسَلَكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَخَالَفَ مَعْنَاهُ فِي الْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْمُرِّيِّ وَالزَّيْتِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَجَعَلَهَا كَالْمَاءِ فِي لُحُوقِ النَّجَاسَةِ إِيَّاهَا بِمَا ظَهَرَ مِنْهَا فِيهَا فَشَذَّ أَيْضًا ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْفَأْرَةَ كَمَا لَمْ يَتَعَدَّ السَّمْنَ وَالْحَيَّةَ - قَوْلُهُ وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا أَلَّا يَعْتَبِرُوا إِلْقَاءَهَا فِي السَّمْنِ حَتَّى تَكُونَ هِيَ تَقَعُ بِنَفْسِهَا ، وَكَفَى بِقَوْلٍ يَؤُولُ إِلَى هَذَا قَوْدُ أَصْلِهِ قُبْحًا وَفَسَادًا . وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي الْفَتْوَى فَالْفَأْرَةُ وَالْوَزَعَةُ وَالدَّجَاجَةُ وَمَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ ؛ إِذَا مَاتَ فِي السَّمْنِ أَوِ الزَّيْتِ أَوْ وَقَعَ فِيهِ وَهُوَ مَيِّتٌ إِذَا كَانَ لَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ كَالْبَعُوضِ الَّذِي لَا دَمَ لَهُ وَالدُّودِ وَشِبْهِ ذَلِكَ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَائِعَاتِ كُلَّهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ مَا خَلَا الْمَاءَ سَوَاءٌ ؛ إِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الْمَيْتَةُ نَجَّسَتِ الْمَائِعَ كُلَّهُ ، وَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، مِنْهُمْ دَاوُدُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَجَاسَتِهِ ، هَلْ يُسْتَصْبَحُ بِهِ ؟ وَهَلْ يُبَاعُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ وَلَا يُبَاعُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ : خُذُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ . قَالُوا : فَلَمَّا أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْجَامِدِ وَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ وَجَبَ أَنْ يُلْقَى أَبَدًا وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي شَيْءٍ كَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِالْفَأْرَةِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمَا أَمَرَ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ الْمَائِعُ يُلْقَى أَيْضًا كُلُّهُ وَلَا يُقْرَبُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَائِعِ نَصٌّ ، فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ " ؟ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ . قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّهُ يُدْهَنُ بِهَا السُّفُنُ وَالْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ : لَا ، هِيَ حَرَامٌ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، لَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمَ جَمَلُوهُ فَبَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . فَحَذَّرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا - مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِالزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي الصَّابُونِ وَشِبْهِهِ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ مَا لَمْ يُبَعْ وَلَمْ يُؤْكَلْ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ بِحَالٍ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا أَكْلُهُ فَمُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، إِلَّا الشُّذُوذَ الَّذِي ذَكَرْنَا . وَأَمَّا الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِجَازَةُ ذَلِكَ . رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : اسْتَنْفِعْ بِهِ لِلسِّرَاجِ ، وَلَا تَأْكُلْهُ . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ ابْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي أَفْرَانِ زَيْتٍ لِآلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَأَمَرَهُمُ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ وَيَدْهُنُوا بِهِ الْأُدُمَ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ جَرَّةٌ ضَخْمَةٌ مَلْأَى سَمْنًا ، فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَمَنَعَ أَهْلَهُ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ وَأَنْ يَدْهُنُوا بِهِ أُدُمًا كَانَ لَهُمْ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَرَّتَيْنِ وَقَعَتْ فِيهِمَا فَأْرَتَانِ ، فَأَمَّا الْوَاحِدَةُ فَأَخْرَجْنَا مِنْهَا الْفَأْرَةَ حَيَّةً ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا بَأْسَ بِزَيْتِهَا فَكُلُوهُ . وَأَمَّا الْأُخْرَى فَعَالَجْنَا بِالْفَأْرَةِ الَّتِي فِيهَا حَتَّى مَاتَتْ ، فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا مَا خَرَجَ رُوحُهَا فِيهَا . وَمِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهِ مَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ خَالِدٍ - يَعْنِي الْحَذَّاءَ - عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ فِي الْخَمْرِ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ بِطُرُقِهِ فِي بَابِ زَيْدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالُوا : فَهَذِهِ نُصُوصٌ صِحَاحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُنْتَفَعُ بِالزَّيْتِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ بِالْبَيْعِ وَبِكُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْأَكْلَ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ . قَالُوا : وَجَائِزٌ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُبَيِّنَ لَهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : لَا تَأْكُلُوهُ ، وَبِيعُوهُ وَبَيِّنُوا لِمَنْ تَبِيعُونَهُ مِنْهُ ، وَلَا تَبِيعُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَعَنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ : يَبِيعُونَهُ وَيُبَيِّنُونَ لَهُ ، وَلَا يُؤَكَلُ . ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنِ الزَّيْتِ تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ ، هَلْ يَصْلُحُ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ ؟ فَقَالَا : لَا . قُلْتُ : أَفَيَبِيعُهُ ؟ قَالَا : نَعَمْ ، ثُمَّ كُلُوا ثَمَنَهُ ، وَبَيِّنُوا لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مَا وَقَعَ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ ، قَالَ : إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ وَانْتَفِعُوا . قَالُوا : وَالْبَيْعُ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ . قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ " إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ " فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ : لَا تَقْرَبُوهُ لِلْأَكْلِ . قَالُوا : وَقَدْ أَجْرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّحْرِيمَ فِي شُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي كُلِّ وَجْهٍ ، وَمَنَعَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِنْهَا . وَذَكَرُوا حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ الْمَذْكُورَ ، قَالُوا : وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ الِانْتِفَاعَ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ وُجُوهِ سَائِرِ الِانْتِفَاعِ غَيْرَ الْأَكْلِ . قَالُوا : وَالْبَيْعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ . قَالُوا : وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّ شُحُومَ الْمَيْتَةِ مُحَرَّمَةُ الْعَيْنِ وَالذَّاتِ . وَأَمَّا الزَّيْتُ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ فَإِنَّمَا تَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ ، وَمَا تَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ ، كَالثَّوْبِ تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ مِنَ الدَّمِ وَغَيْرِهِ . وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِأَنَّ الزَّيْتَ النَّجِسَ تَجُوزُ هِبَتُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ ، وَلَيْسَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، قَالُوا : وَمَا جَازَ تَمْلِيكُهُ جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ . قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ " فَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى شُحُومِ الْمَيْتَةِ الَّتِي حُرِّمَ أَكْلُهَا وَلَمْ يُبَحِ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا . وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ وَلَمْ يُبِحْ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَرَّمَ ثَمَنَهُ ، وَأَمَّا مَا أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَلَيْسَ مِمَّا عَنَى بِقَوْلِهِ " إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ " ؛ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى بَيْعِ الْهِرِّ وَالسِّبَاعِ وَالْفُهُودِ الْمُتَّخَذَةِ لِلصَّيْدِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، قَالُوا : وَكُلُّ مَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ - غَسْلَ الْبَانِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ ، وَمِثْلُهُ الزَّيْتُ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى قِصَاعٍ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ فَيَجْعَلَ الزَّيْتَ النَّجِسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ نِصْفَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ حَتَّى يَمْتَلِئَ ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الزَّيْتُ مِنْ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يُجْعَلُ فِي أُخْرَى وَيُعْمَلُ بِهِ كَذَلِكَ ، ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ وَيُعْمَلُ بِهِ كَذَلِكَ . حُكِيَتْ لَنَا هَذِهِ الصِّفَةُ فِي غَسْلِ الزَّيْتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُتْبِيِّ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَيْسَ لِقَائِلِهِ سَلَفٌ وَلَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا مَا خَفِيَ عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَعَمِلُوا بِهِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ غَسْلُ مَا لَا يُرَى عِنْدَ أُولِي النُّهَى . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي شُحُومِ الْمَيْتَةِ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ : ذَكَرُوا أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ وَيَدْهُنُ بِهِ السُّفُنَ وَلَا يُمَسُّ ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ بِعُودٍ ، فَقُلْتُ : فَيُدْهَنُ بِهِ غَيْرُ السُّفُنِ ؟ قَالَ : لَمْ أَعْلَمْ . قُلْتُ : وَأَيْنَ يُدْهَنُ بِهِ مِنَ السُّفُنِ ؟ قَالَ : ظُهُورُهَا ، وَلَا يُدْهَنُ بُطُونُهَا . قُلْتُ : فَلَا بُدَّ أَنْ يَمَسَّ وَدَكُهَا بِالْمِصْبَاحِ فَتَنَالَهُ الْيَدُ ! قَالَ : فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ إِذَا مَسَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا شُذُوذٌ وَخُرُوجٌ عَنْ تَأْوِيلِ الْعُلَمَاءِ ، لَا يَصِحُّ بِهِ أَثَرٌ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي النَّظَرِ ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا فَصَارَتْ نَجِسَةَ الذَّاتِ مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا مَا خَصَّتِ السُّنَّةُ مِنَ الْإِهَابِ بَعْدَ الدِّبَاغِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّحْمِ وَاللَّحْمِ فِي قِيَاسٍ وَلَا أَثَرٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُ قَوْلِ عَطَاءٍ نصا مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَمَا أَدْرِي كَيْفَ جَازَ لَهُ الْفَتْوَى بِخِلَافِ مَا رَوَى ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ لَمْ يَسْمَعْ حَدِيثَهُ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فَجَاءَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَعْمَلُ فِي الْبَحْرِ ، وَلَنَا سَفِينَةٌ قَدِ احْتَاجَتْ إِلَى الدَّهْنِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا نَاقَةً مَيْتَةً كَثِيرَةَ الشَّحْمِ ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَدْهُنَ بِهِ سَفِينَتَنَا ، فَإِنَّمَا هُوَ عُودٌ وَإِنَّمَا تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَنْتَفِعُوا بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ - أَوْ قَالَ : بِشَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ .
653 - حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ بِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ ، وَبِقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ . وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَرِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَقَالَ فِيهِ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ ، وَفِي ذَلِكَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لِمَنِ ابْتَدَأَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي الْحَضَرِ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَرَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ إِنْ صَامَ بَعْضَهُ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ فِي سَفَرِهِ . رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ وَتَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَلَى سَفَرٍ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُسَافِرٌ ، فَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ كُلَّهُ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ أَنْ صَامَ بَعْضَهُ فِي الْحَضَرِ مُقِيمًا ، وَكَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْهُ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِيهَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ جَوَازُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَجَوَازُ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْفِطْرَ عَزْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَهُوَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَمْ يَعِبْ هَذَا عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . وَحَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ فِي السَّفَرِ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . وَذَكَرْنَا فِي بَابِ سُمَيٍّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ ؛ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ . وَالْآثَارُ بِهَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمُسَافِرَ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفِطْرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ إِنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَوَى الْفِطْرَ فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ سَفَرِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى أَتَى إِلَى مَكَّةَ . وَهَذَا لَا بَيَانَ فِيهِ لِمَا تَأَوَّلُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْهُ صَدْرٌ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ بِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ، فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ ثُمَّ شَرِبَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ! قَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . حَدَّثَنَاه عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، وَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَافِرِ يُفْطِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَهُوَ قَوْلُ الْمَخْزُومِيِّ وَأَشْهَبَ وَابْنِ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، إِلَّا الْبُوَيْطِيَّ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ : مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ فِي سَفَرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمَ الْكَدِيدِ ، فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ لَهُمَا جَمِيعًا أَنْ يُفْطِرَا . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الَّذِي يَخْرُجُ فِي سَفَرِهِ - وَقَدْ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ إِنْ جَامَعَ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلَّذِي يُصْبِحُ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ يُسَافِرُ أَنْ يُفْطِرَ وَلَمْ يَرَهُ إِثْمًا إِنْ أَفْطَرَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُدُ وَالْمُزَنِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَقَوْلُهُمَا شُذُوذٌ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ : يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ مُسَافِرًا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ ، وَسَتَأْتِي مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ بِأَسَدَّ اسْتِيعَابٍ فِي بَابِ سُمَيٍّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
1078 - حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ مَيْتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلًى لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ فَجَوَّدَ إِسْنَادَهُ أَيْضًا وَأَتْقَنَهُ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّافِعِيُّ ، ورواه القعنبي وَابْنُ بُكَيْرٍ وَجُوَيْرِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ اتِّصَالُهُ وَإِسْنَادُهُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَالزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ رِوَايَةِ يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ مَالِكٍ سَوَاءً . وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ مِرَارًا كَذَلِكَ ، وَمِرَارًا يَقُولُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : أَعْطَيْتُ مَوْلَاةً لِي مِنَ الصَّدَقَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَزَادَ : وَدِبَاغُ إِهَابِهَا طَهُورُهَا . وَاتَّفَقَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَيُونُسُ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا - إِلَّا أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ : لَحْمُهَا ، وَذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الدِّبَاغَ . وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا إِلَّا الزُّهْرِيَّ . وَاتَّفَقَ الزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَلَى ذِكْرِ الدِّبَاغِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً يَذْكُرُهُ فِيهِ وَمَرَّةً لَا يَذْكُرُهُ ، وَمَرَّةً يَجْعَلُ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَمَرَّةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ : لَسْتُ أَعْتَمِدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ لِاضْطِرَابِهِ فِيهِ . قَالَ : وَأَمَّا ذِكْرُ الدِّبَاغِ فِيهِ فَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُقَيْلٍ ، وَمِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَيَحْيَى وَبَقِيَّةُ لَيْسَا بِالْقَوِيَّيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ وَلَا مَعْمَرٌ وَلَا يُونُسُ الدِّبَاغَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي . قَالَ : وَأَمَّا من غير رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ فَذَلِكَ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رِوَايَةَ ابْنِ وَعْلَةَ وَعَطَاءٍ وَابْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دِبَاغُ الْإِهَابِ طَهُورُهُ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ ما روي فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ بِأَبْسَطِ مَا يَكُونُ مِنَ الْقَوْلِ وَأَعْظَمِهِ فَائِدَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَكُلُّ مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ مَضَى مُمَهَّدًا بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عن ابْنِ وَعْلَةَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَالْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ النَّيْسَابُورِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنِ اضْطِرَابِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَاضْطِرَابُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ أَصَحُّ ، وَثُبُوتُ الدِّبَاغِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَبَيَّنَا الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الدِّبَاغَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَفِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا فِي قِصَّةِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ مَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَابِ وَيُفَسِّرُ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَقْضِي عَلَى أَنَّ الْمَأْكُولَ كُلَّهُ مِنَ الْمَيْتَةِ حَرَامٌ ، وَفِي ذَلِكَ كَشْفُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَظْمَ حُكْمُهُ حُكْمُ اللَّحْمِ ، لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَلَا يُنْزَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - كَمَا يُصْنَعُ بِالصُّوفِ ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ بِالْمَوْتِ مَا حَرُمَ قَطْعُهُ مِنَ الْحَيِّ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتَةٌ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَزَّ الصُّوفِ عَنِ الشَّاةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - حَلَالٌ ، وَفِي هَذَا بَيَانُ مَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى يُدْبَغَ بِدَلِيلِ أَحَادِيثِ الدِّبَاغِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمَنْ أَجَازَ عَظْمَ الْمَيْتَةِ كَالْعَاجِ وَشِبْهِهِ فِي الْأَمْشَاطِ وَغَيْرِهَا زَعَمَ أَنَّ الْمَيْتَةَ مَا جَرَى فِيهِ الدَّمُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَظْمُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا . وَلَيْسَ الْعَظْمُ مِمَّا يُؤْكَلُ . قَالُوا : فَكُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْمَيْتَةِ جَائِزٌ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا . وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي أَمْشَاطِ الْعَاجِ وَمَا يُصْنَعُ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ وَعِظَامِ الْمَيْتَةِ ابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ؛ قَالُوا : تُغْسَلُ وَيُنْتَفَعُ بِهَا ، وَتُبَاعُ وَتُشْتَرَى . وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : تُغْلَى بِالْمَاءِ وَالنَّارِ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنَ الدَّسَمِ . وَمِمَّنْ كَرِهَ الْعَاجَ وَسَائِرَ عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي بَيْعِهَا وَلَا الِانْتِفَاعِ بِهَا عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْمَيْتَةَ مُحَرَّمَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا ، وَالْعَظْمُ مَيْتَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ وَأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَيِّ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ .
793 - حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى مَالِكٍ وَلَا عَلَى ابْنِ شِهَابٍ ، وَكُلُّ مَنْ فِي إِسْنَادِهِ فَقَدْ سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ سَمَاعًا ، كَذَلِكَ فِي الْإِمْلَاءِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ . وَقَدْ قُلْنَا فِي السَّنَدِ الْمُعَنْعَنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَرِثِ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، كُلُّهُمْ قَالُوا فِيهِ " أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ " كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَا فِيهِ : أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِهِ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : الْحِمَارُ عَقِيرٌ ؟ قَلت : لَا أَدْرِي ، فَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ عَقِيرًا أَمْ لَا ؟ إِلَّا أَنَّ فِي مَسَاقِ حَدِيثِهِ : أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيَّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَيْهِ بَعْضُ حِمَارٍ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ . هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ؛ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ شِهَابٍ ، وَقَالَ : بَعْضُ حِمَارٍ - ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ . وَعِنْدَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ . هَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ : بِحِمَارِ وَحْشٍ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمِقْسَمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ : عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ - فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا . رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَالَ مِقْسَمٌ فِي حَدِيثِهِ : رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ . رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ ، ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ : أَهْدَي لَهُ عَضُدَ صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءٍ . وَقَالَ طَاوُسٌ فِي حَدِيثِهِ : عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ . حَدَّثَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ الْقَاضِي ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ : كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمٍ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَامًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ عُضْوًا مِنْ لَحْمٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ ، إِنَّا حُرُمٌ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ أَكْلُهُ جَائِزًا . قَالَ سُلَيْمَانُ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ قَوْلُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا . كَأَنَّهُ صِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمُ حِمَارٍ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ حِمَارُ وَحْشٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ صَيْدًا حَيًّا وَلَا يُذَكِّيَهُ ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِي أُهْدِيَ هُوَ بَعْضُ الْحِمَارِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَعَلَى تَأْوِيلِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَكُونُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا الْمَرْفُوعَةُ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهَا حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ الْبَهْزِيِّ وَحِمَارِهِ الْعَقِيرِ ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَيْرٍ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ . وَمِمَّنْ رَوَى قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي بَابِ النَّضْرِ بْنِ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَوَاتُرِ طُرُقِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ . وَحَدِيثُ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَبُولُ صَيْدٍ وُهِبَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَلَا اصْطِيَادُهُ ، وَلَا اسْتِحْدَاثُ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَلِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ . وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ فِي الْمُحْرِمِ يَشْتَرِي الصَّيْدَ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ ، وَالثَّانِي صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ أَوْ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي يَدِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ ضَمِنَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِينَ أَوْ مِنْ أَجْلِهِمْ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ إِذَا لَمْ يُصَدْ لَهُ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ ، فَإِنْ صِيدَ لَهُ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ ، فَإِنْ أَكَلَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ فَدَاهُ . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ فَهُوَ مَيْتَةٌ ، لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ وَلَا لِحَلَالٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَا صِيدَ لِمُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ كَالْأَمِيرِ وَشِبْهِهِ هَلْ لِغَيْرِ ذَلِكَ الَّذِي صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ هُوَ وَسَائِرُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ ؟ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَأْكُلُ مَا صِيدَ لِمُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ عُثْمَانَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ : كُلُوا فَلَسْتُمْ مِثْلِي ، لِأَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَكْلُهُ . وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَرَاهِيَةُ أَكْلِهِ إِذَا ذُبِحَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِينَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ إِبَاحَتُهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا إِبَاحَةُ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِلْحَلَالِ . وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِنْ أَكَلَهُ ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ . وَقَوْلٌ آخَرُ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ لَحْمٍ صِيدَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، سَوَاءٌ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ لَمْ يُصَدْ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ مُبْهَمَةٌ ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ . وَرَوَى ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَرَوْنَ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ ، سَوَاءٌ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ لَمْ يُصَدْ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فَحَرَّمَ صَيْدَهُ وَقَتْلَهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ دُونَ مَا صَادَ غَيْرُهُمْ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ ، وَمَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُمَا قَالَا : مَا ذُبِحَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ لَمْ يَحِلَّ لَكَ أَكْلُهُ وَهُوَ عَلَيْكَ حَرَامٌ ، وَمَا ذُبِحَ مِنَ الصَّيْدِ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ فَلَا شَيْءَ فِي أَكْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَجَازَ أَكْلَ لَحْمِ صِيدَ لِلْمُحْرِمِ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ فَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَهْزِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِمَارِ الْوَحْشِ الْعَقِيرِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ المذكور فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ حَدِيثُ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عن الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصْطَادْ لَكُمْ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ - وَهُوَ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ ثِقَةٌ جَلِيلٌ - عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَحَادِيثَ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . وَسُئِلَ عَنِ الْقَوْمِ يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ الْوِلْدَانَ ، قَالَ : هُمْ مِنْهُمْ . وَأُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَبْوَاءِ حِمَارٌ فَرَدَّهُ . أَمَّا قِصَّةُ الْحِمَارِ بِالْأَبْوَاءِ فَفِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ التَّبْيِيتِ وَقَوْلُهُ " لَا حِمَى " فَصَحِيحٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَرِيبٌ عَنْ مَالِكٍ .
1512 - حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : فَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ قَالَ : أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ فَجَوَّدَ لَفَظَهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً ، قَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَيَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَفَأُعْتِقُ هَذِهِ . وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَحَذَفَ مِنْهُ أَنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، وَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا من الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أأعتقها ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدِينَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ : قَوْلُهُ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ومالك بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، أَفَأُعْتِقُ هَذِهِ ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بُكَيْرٍ سَوَاءً ، لَمْ يَقُلْ : فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا . وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ سَوَاءً وَجَعَلَهُ مُتَّصِلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا ، وَرَوَاهُ الْحُسَيْنُ هَذَا أَيْضًا عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الانقطاع فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ لِلِقَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أَعْتَقْتُهَا . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ يَحْيَى إِلَى آخِرِهَا ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ ظَاهِرُهَا الِاتِّصَالُ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُوهُ فَجَعَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالَفَ فِي لَفْظِهِ وَفِي مَعْنَاهُ ؛ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، أَفَأُعْتِقُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ لَهَا : فَمَنْ أَنَا ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى السَّمَاءِ ؛ أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . وَهَذَا الْمَعْنَى رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ هِلَالٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ الَّتِي بِهَا يُخْرَجُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ فَلَا إِيمَانَ لَهُ وَلَا شَهَادَةَ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُغْنِي وَيَكْفِي مَعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَهَا أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ ; لِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ يُجْزِي فِيهَا غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ ، وَلِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ قَدْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ ، وَإِذَا قَالَ : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَمَا شَاءَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُصَدِّقًا لِمَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ جَازَ عِتْقُهُ عَمَّنْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَامَ وَصَلَّى ، وَكَذَلِكَ الطفل بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلِ الْجَارِيَةَ عَنْ غَيْرِ الشَّهَادَةِ لمَا فِي الْحَدِيثِ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَإِقْرَارٌ دُونَ عَمَلٍ ، وَظَاهِرُهُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ ، لَكِنْ هَاهُنَا دَلَائِلُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ مِنْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ الْإِيمَانَ ، فَمَحْمَلُ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُدَافَعَةُ جَوَازِ عِتْقِ الطِّفْلِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ الْإِيمَانَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الطِّفْلُ وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : كُلُّ رَقَبَةٍ وُلِدَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَهِيَ تُجْزِئُ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِيمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُجْزِئُ عِتْقُ الصَّبِيِّ الْمُرْضَعِ فِي كَفَّارَةِ الدَّمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُؤْمِنًا جَازَ عِتْقُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يُعْتَقَ إِلَّا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يُرَاعِي إِسْلَامَ الْأَبِ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْأُمِّ ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ مِنَ السَّبْيِ فَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ : لَا يُجْزِي فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الصَّبِيُّ ، وَلَا يُجْزِي إِلَّا رَقَبَةٌ مُسْلِمَةٌ مَنْ صَامَ وَصَلَّى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاخْتِيَارِ وَالتَّمْيِيزِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ فِي الْمُوَارَثَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ ، وَمَا يَجِبُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِي الْجِنَايَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قَالَ : مَنْ قَدْ عَقَلَ الْإِيمَانَ وَصَامَ وَصَلَّى . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى ، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ رَقَبَةٌ لَيْسَتْ مُؤْمِنَةً فَالصَّبِيُّ يُجْزِئُ . وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَدْ صَلَّى ، وَمَا لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً فَيُجْزِئُ مَا لَمْ يُصَلِّ - لَمْ يَذْكُرِ الصِّيَامَ - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ عِتْقَ الصَّبِيِّ الَّذِي أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ يُجْزِئُ وَإِنِ اسْتَحَبُّوا الْبَالِغَ .
143 - حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . أُمُّ قَيْسٍ هَذِهِ اسْمُهَا جُذَامَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحَابِيَّاتِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّضْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَبُّ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ ، وَفِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَاتِ وَغَمَرَهَا طَهَّرَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ لَا لَهَا ، وَلَوْ كَانَ إِذَا اخْتَلَطَ بِالنَّجَاسَاتِ لَحِقَتْهُ النَّجَاسَةُ مَا كَانَ طَهُورًا وَلَا وَصَلَ بِهِ أَحَدٌ إِلَى الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُ طَهُورًا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرِهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَعَانٍ مِنْ قَلِيلِهِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ وَاضِحًا فِي الْمَاءِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ وُلُوغِ الْهِرَّةِ فِي الْإِنَاءِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ آدَمِيٍّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ نَجِسٌ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إِذَا كَانَا مُرْضَعَيْنِ لَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ كَبَوْلِ الرَّجُلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ مَا دَامَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَتَّى يَأْكُلَ الطَّعَامَ ، وَلَا يَبِينُ لِي فَرْقُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيَّةِ ، وَلَوْ غُسِلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ يُتْبَعُ مَاءً ، وَبَوْلُ الصَّبِيَّةِ يُغْسَلُ غَسْلًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : الرَّشُّ بِالرَّشِّ ، وَالصَّبُّ بِالصَّبِّ - مِنَ الْأَبْوَالِ كُلِّهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّضْحَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ صَبَّ الْمَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّشَّ . وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ الرَّشَّ لَا يَزِيدُ النَّجَاسَةَ إِلَّا شَرًّا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّضْحَ قَدْ يَكُونُ صَبَّ الْمَاءِ وَالْغَسْلَ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ قَوْلُ الْعَرَبِ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ ، بِهَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ . وَقَدْ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثُ فِيهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يُطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا أُطْعِمَا الطَّعَامَ غُسِلَا جَمِيعًا . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَالَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : أَعْطِنِي ثَوْبَكَ أَغْسِلْهُ ! فَقَالَ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنَ الْأُنْثَى ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ . وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ مَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ - مَا لَمْ يَأْكُلَا الطَّعَامَ - عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، وَالنَّضْحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ عِنْدَهُمْ الرَّشُّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ خَادِمُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَيْهِ ! قَالَ : فَجِئْتُ لِأَغْسِلَهُ ، فَقَالَ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ إِنْ صَحَّتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهَا وَجَبَ الْقَوْلُ بِهَا ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى الصَّبَّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ وَإِتْبَاعَهُ الْمَاءَ أَصَحُّ وَأَوْلَى ، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَالَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت : بَوْلُ الْغُلَامِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ طَعِمَتْ أَوْ لَمْ تَطْعَمْ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لِلْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مُسْتَعْمِلٌ لَهَا ، حَاشَا حَدِيثِ الْمُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ الرَّشَّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَالْمُحِلُّ ضَعِيفٌ . وَإِذَا صُبَّ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَغُسِلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّبَّ قَدْ يُسَمَّى نَضْحًا - كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الرَّضِيعَيْنِ مَا بَيْنَ الصَّبِّ وَالْعَرْكِ تَعَبُّدًا - كَانَ وَجْهًا حَسَنًا ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ - وَهُوَ رِوَايَتُهُ - يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَيُفْتِي بِهِ . رَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ : يُغْسَلُ غَسْلًا . وَبَوْلُ الصَّبِيِّ : يُتْبَعُ بِالْمَاءِ . وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
1564 - حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ ، فَقَالَ : إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَمِ الرَّابِعَةِ . هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ شِبْلًا أَوْ شِبْلَ بْنَ خَالِدٍ الْمُزَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ الْأَوْسِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ - وَذَكَرُوا الْحَدِيثَ ، إِلَّا أَنَّ عُقَيْلًا وَحْدَهُ قَالَ : مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْسِيُّ . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ . وَكَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ شِبْلٍ ، عَنْ حَامِدٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَوْسِيِّ ؛ فَجَمَعَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَانْفَرَدَ مَالِكٌ فِيهِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ . وَعِنْدَ عُقَيْلٍ وَالزُّبَيْدِيِّ وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فِيهِ أَيْضًا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ شِبْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ، وَجَمَعَ يُونُسُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَشِبْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ فَقَالَ : إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَجَعَلَ شِبْلًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَأَخْطَأَ وَأَدْخَلَ إِسْنَادَ حَدِيثٍ فِي آخَرَ وَلَمْ يُقِمْ حَدِيثَ شِبْلٍ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : شِبْلٌ هَذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . وَقَالَ عَبَّاسٌ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : لَيْسَ لِشِبْلٍ صُحْبَةٌ ، يُقَالُ : إِنَّهُ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَيُقَالُ : شِبْلُ بْنُ حَامِدٍ . قَالَ : وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ : شِبْلُ بْنُ حَامِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَوْسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ ، لِأَنَّ شِبْلًا لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ : جَمَعَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَشِبْلًا ، وَأَخْطَأَ فِي ضَمِّهِ شِبْلًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : وَإِنْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ جَمَعَهُمْ فِي حَدِيثِ الْأَمَةِ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ شِبْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَوْسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَرَكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ وَضَمَّ شِبْلًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ فَجَعَلَهُ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَإِنَّمَا هَذَا حَدِيثٌ وَذَاكَ حَدِيثٌ ، قَدْ مَيَّزَهُمَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : وَتَفَرَّدَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ . قَالَ : وَرَوَى الزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ شِبْلٍ ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى خِلَافِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ مَعْمَرًا وَمَالِكًا انْفَرَدَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَقُولُ أَنْ قَدْ تَابَعَهُمَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْسِيِّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : قَالَ يَحْيَى : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ تُحْصَنْ إِلَّا مَالِكٌ ، وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَ ؛ لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ عَلَى مَا قَدَّمْنَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَسَائِرُ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ وَلَمْ تُحْصَنْ غَيْرُ مَالِكٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : وَلَمْ تُحْصَنْ ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ فِيهِ . وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُعَيِّرْهَا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ عَادَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا بِضَفِيرٍ أَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ : إِذَا زَنَتْ وَلِيدَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى : فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ . وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ الْحَدَّ غَيْرَهُ ، وَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ : وَلَا يُعَيِّرْهَا وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِمَارَةُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، قَالَ فِيهِ عِمَارَةُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا . وَقَالَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ وَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا خَطَأٌ ، والصواب فيه قول مالك ومن تابعه وقول عقيل ومن تابعه إسناد آخر . وَرَوَى حَدِيثَ عِمَارَةَ اللَّيْثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمَارَةَ . ومن أَصْحَابِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَنْ يَقُولُ فِيهِ : عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ فَزَنَتْ أَنَّ عَلَيْهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْحُرَّةِ الْبِكْرِ مِنَ الْجَلْدِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، وَالْإِحْصَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ ؛ مِنْهَا الْإِسْلَامُ ، وَمِنْهَا الْعِفَّةُ ، وَمِنْهَا التَّزْوِيجُ ، وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْإِمَاءِ هَاهُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : فَإِذَا أُحْصِنَّ زُوِّجْنَ أَوْ تَزَوَّجْنَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِحْصَانُهَا إِسْلَامُهَا ، فَمَنْ قَرَأَ أَحْصَنَّ - بِفَتْحِ الْأَلِفِ - فَمَعْنَاهُ تَزَوَّجْنَ أَوْ أَسْلَمْنَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ - بِضَمِّ الْأَلِفِ - فَمَعْنَاهُ زُوِّجْنَ أَيْ أُحْصِنَّ بِالْأَزْوَاجِ - يُرِيدُ أَحْصَنَهُنَّ غَيْرُهُنَّ - يَعْنِي الْأَزْوَاجَ بِالنِّكَاحِ . وَقَدْ قِيلَ : أُحْصِنَّ بِالْإِسْلَامِ ، فَالزَّوْجُ يُحْصِنُهَا وَالْإِسْلَامُ يُحْصِنُهَا ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَدَاخِلَانِ فِي الْقَوْلَيْنِ ، فَمِمَّنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الصَّادِ فِي أُحْصِنَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَسَلَّامٌ وَالْقَاسِمُ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَأَبُو رَجَاءَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ - وَأَبُو عَمْرٍو وَقَتَادَةُ وَعِيسَى وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَأَيُّوبُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْوَجْهَانِ جَمِيعًا ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا أُحْصِنَّ بِالْأَزْوَاجِ . وَكَانَ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ بِزَوْجٍ . وَرَوَى عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلَهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ كُلِّ مَنْ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ . وَرَوَى أَهْلُ مَكَّةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا يُضَارِعُ هَذَا الْمَذْهَبَ ، رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْأَمَةِ كَمْ حَدُّهَا ؟ فَقَالَ : أَلْقَتْ فَرْوَتَهَا وَرَاءَ الدَّارِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَمْ يُرِدْ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ هَذَا الْفَرْوَةَ بِعَيْنِهَا ، لِأَنَّ الْفَرْوَةَ جِلْدَةُ الرَّأْسِ . كَذَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ ، وَكَيْفَ تُلْقِي جِلْدَةَ رَأْسِهَا مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْفَرْوَةِ الْقِنَاعَ ، يَقُولُ : لَيْسَ عَلَيْهَا قِنَاعٌ وَلَا حِجَابٌ ; لِأَنَّهَا تَخْرُجُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ يُرْسِلُهَا أَهْلُهَا إِلَيْهِ لَا تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ لَا تَكَادُ تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْفُجُورِ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِذَا فَجَرَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ تَصْدِيقُ هَذَا فِي حَدِيثٍ مُفَسَّرٍ حَدَّثَنَاهُ يَزِيدُ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : تَذَاكَرْنَا يَوْمًا قَوْلَ عُمَرَ هَذَا ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ حَرْمَلَةَ : إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي الرَّعَايَا ، فَأَمَّا اللَّوَاتِي قَدْ أَحْصَنَهُنَّ مَوَالِيهِنَّ فَإِنَّهُنَّ إِذَا أَحْدَثْنَ جُرِّدْنَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَمَّا الْحَدِيثُ فَرَعَايَا ، وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَرَوَاعِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ تُحْصَنَ بِالتَّزْوِيجِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ - كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ - لِأَنَّهَا لَا حِجَابَ عَلَيْهَا وَلَا قِنَاعَ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى عَبْدٍ وَلَا ذِمِّيٍّ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنْ لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ بِحُرٍّ ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ . رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْعَبْدِ حَدًّا إِلَّا أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ حُرٌّ فَيُحْصِنُهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا شَطْرُ الْجَلْدِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَزَنَى عَبْدٌ وَلَمْ يُحْصَنْ ؟ قَالَ : جَلْدٌ غَيْرُ حَدٍّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَذْهَبُ كُلِّ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْأَمَةِ حَدًّا حَتَّى تُنْكَحَ أَنَّهَا تُؤَدَّبُ وَتُجْلَدُ دُونَ الْحَدِّ إِذَا زَنَتْ ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَمِمَّنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالصَّادِ - أَحْصَنَّ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ ، وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وِزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، وَعِيسَى الْكُوفِيُّ ، وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبَانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ، وَعَاصِمٌ الْجحدَرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَاصِمٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ - ذَاتَ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ - خَمْسِينَ جَلْدَةً ، وَتَأْوِيلُ أَحْصَنَّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا : أَسْلَمْنَ ، وَالثَّانِي : عَفَفْنَ ، وَلَيْسَ عَفَفْنَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عَفَفْنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ يَعْنِي الزِّنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ هَارُونُ : أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ : تُقْرَأُ أَحْصَنَّ مَفْتُوحَةَ الْأَلِفِ ، وَتَفْسِيرُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ : عَلَى أَسْلَمْنَ وَعَفَفْنَ . وَرَوَاهُ وُهَيْبٌ عَنْ هَارُونَ فَجَعَلَ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ هَارُونَ ، قَالَ وُهَيْبٌ : أَخْبَرَنَا هَارُونُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَإِذَا أَحْصَنَّ - مَنْصُوبَةً - قَالَ هَارُونُ : وَتَفْسِيرُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِذَا أَسْلَمْنَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِذَا عَفَفْنَ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : إِنَّ جَارِيَةً لِي زَنَتْ . قَالَ : اجْلِدْهَا خَمْسِينَ . قَالَ : لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ . قَالَ : إِسْلَامُهَا إِحْصَانُهَا . وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : فَإِذَا أَحْصَنَّ ، يَقُولُ : فَإِذَا أَسْلَمْنَ . وَرَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا وَافَقَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ : أَحْدَثَ وَلَائِدُ مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ ، فَأَمَرَ بِهِنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَمَرَ شَبَابًا مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ فَجَلَدُوهُنَّ الْحَدَّ . قَالَ : فَكُنْتُ فِيمَنْ جَلَدُوهُنَّ . رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ وَلَائِدَ مِنَ الْخُمْسِ أَبْكَارًا فِي الزِّنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا خِلَافُ حَدِيثِ أَلْقَتْ فَرْوَتَهَا مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ عَنْ عُمَرَ ، وَهُوَ أَثْبَتُ . وَاخْتُلِفَ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَرَوَى سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَرِيزٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي أَمَةٍ لَهُ : لَا تَجْلِدُوهَا ، وَمَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ ذَنْبٍ فَعَلَيَّ . وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَضْرِبُ إِمَاءَهُ الْحَدَّ إِذَا زَنَيْنَ - تَزَوَّجْنَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْنَ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ ، عن ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ ، قَالَ : إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ زَوْجٍ جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ رَفَعَ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْضِي أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً إِلَّا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِجَلْدِهَا وَإِنْ لَمْ تُحْصَنْ ، فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةَ بَيَانٍ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ فَوَصَفَهُنَّ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ وَالْإِحْصَانُ التَّزْوِيجُ هَاهُنَا ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِيمَانِ قَدْ تَقَدَّمَ ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ ، فَقِيلَ : جَلْدٌ دُونَ الْحَدِّ . وَقِيلَ : بَلِ الْحَدُّ ، وَيَكُونُ زِيَادَةَ بَيَانٍ كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَقَدْ مَضَى مُكَرَّرًا هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَحُدَّ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ أَهْلُوهُمْ فِي الزِّنَا ، إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يَحُدُّ الْمَوْلَى عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ فِي الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ ، وَلَا يَقْطَعُهُ فِي السَّرِقَةِ وَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ السُّلْطَانُ دُونَ الْمَوْلَى فِي الزِّنَا وَفِي سَائِرِ الْحُدُودِ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْهُ : يَحُدُّهُ الْمَوْلَى فِي الزِّنَا . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحُدُّهُ الْمَوْلَى فِي كُلِّ حَدٍّ وَيَقْطَعُهُ ، وَحُجَّتُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى عَبِيدِهِمْ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : أَدْرَكْتُ بَقَايَا الْأَنْصَارِ يَضْرِبُونَ الْوَلِيدَةَ مَنْ وَلَائِدِهِمْ إِذَا زَنَتْ فِي مَجَالِسِهِمْ . وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْجُمُعَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحُدُودُ وَالْفَيْءُ وَالْحُكْمُ إِلَى السُّلْطَانِ . وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ إِقَامَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدًّا بِالشَّامِ ، فَقَالَ الْأَعْمَشُ : هُمْ أُمَرَاءُ حَيْثُمَا كَانُوا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ لِيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالْحَضِّ عَلَى مُبَاعَدَةِ الزَّانِيَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاطِّلَاعِ رُبَّمَا عَلَى الْمُنْكَرِ وَالْمَكْرُوهِ وَمِنَ الْعَوْنِ عَلَى الْخَبَثِ . قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ . وَتَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَوْلَادُ الزِّنَا . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَرَ نَفْيَ الْإِمَاءِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا . وَلَمْ يَقُلْ : فَانْفُوهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي نَفْيِ الزُّنَاةِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْأَمَةَ الزَّانِيَةَ لَيْسَ بَيْعُهَا بِوَاجِبٍ لَازِمٍ عَلَى رَبِّهَا وَإِنِ اخْتَارُوا لَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِوُجُوبِ بَيْعِهَا إِذَا زَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغَابُنَ فِي الْبَيْعِ وَأَنَّ الْمَالِكَ الصَّحِيحَ الْمِلْكِ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَهُ الْقَدْرُ الْكَبِيرُ بِالتَّافِهِ الْيَسِرِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا عَرَفَ قَدْرَ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : إِذَا عَرَفَ قَدْرَ ذَلِكَ جَازَ ، كَمَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لَوْ وَهَبَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَرَفَ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ رَشِيدًا حُرًّا بَالِغًا . وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لَبَادٍ . وَسَنُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ ، قِيلَ : مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ ، وَقِيلَ : حَبْلُ الشَّعْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
1556 - حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ . قَالَ : تَكَلَّمْ . قَالَ : إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عَلَى ابْنِيَ الرَّجْمَ ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي ، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَأَخْبَرُونِي إِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ . وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عَلَى ابْنِيَ الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِيَ الرَّجْمَ . وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ أَبَا عَاصِمٍ النَّبِيلَ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، لَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ذِكْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، كَذَلِكَ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، مِنْهُمُ : الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَابْنُ عُفَيْرٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عَاصِمٍ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّمْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكِسِّيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ تَابَعَ أَبَا عَاصِمٍ عَلَى إِفْرَادِ زَيْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ طَائِفَةٌ عَنْ مَالِكٍ ذَكَرَهُمُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ ؛ فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ سَوَاءً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَا : إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ - وَسَاقَا الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ . فقام خصمه فقال : صدق يا رسول الله ، اقض له بكتاب الله وَائذَنْ لِي . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ . فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا - وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ - فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَاللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ . هَكَذَا مُخْتَصَرًا ، لَمْ يَزِيدُوا حَرْفًا وَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِكَمَالِهِ ، إِلَّا أَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَجَعَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ ، فَمَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اخْتَصَرَهُ ، وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا هُرَيْرَةَ اسْتَقْصَى الْحَدِيثَ وَسَاقَهُ كَمَا سَاقَهُ مَالِكٌ سَوَاءً . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَشِبْلٍ ، قَالُوا : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ . وَذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شِبْلًا خَطَأٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِشِبْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ذِكْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شِبْلًا خَطَأٌ ، لَمْ يَسْمَعْ شِبْلٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ : وَهِمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي ذِكْرِ شِبْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ شِبْلٌ فِي حَدِيثِ خَالِدٍ : الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ . قَالَ : وَلَمْ يُقِمِ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِسْنَادَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَيْضًا ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِمَا جَمِيعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَنَذْكُرُ مَا صَنَعَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ بَعْدَ إِكْمَالِنَا الْقَوْلَ فِي حَدِيثِنَا هَذَا بِعَوْنِ اللَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ الْعَسِيفُ الْأَجِيرُ فَإِنَّهُ هَاهُنَا كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْعُسَفَاءِ وَالْوُصَفَاءِ إِذْ بَعَثَ السَّرِيَّةَ ، قَالَ : الْعُسَفَاءُ الْأُجَرَاءُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَسِيفُ الْعَبْدَ وَيَكُونُ السَّائِلَ ، قَالَ الْمَرَّارُ الْجَلِّيُّ يَصِفُ كَلْبًا : أَلِفَ النَّاسَ فَمَا يُنْجِهِمْ مِنْ عَسِيفٍ يَبْتَغِي الْخَيْرَ وَحُرِّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَدْ يَكُونُ الْأَسِيفَ الْحَزِينَ وَيَكُونُ الْعَبْدَ ، وَأَمَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَالْعَسِيفُ الْمَذْكُورُ فِيهِ الْأَجِيرُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ضُرُوبٌ مِنَ الْعِلْمِ ، مِنْهَا : أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْقَضَاءِ الْخَلِيفَةُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقَضَاءِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَوْلَى بِالْقَوْلِ وَالطَّالِبَ أَحَقُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالْكَلَامِ وَإِنْ بَدَأَ الْمَطْلُوبُ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْبَاطِلَ مِنَ الْقَضَايَا مَرْدُودٌ وَمَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْوَاضِحَةَ مِنْ ذَلِكَ فَبَاطِلٌ ، وَمِنْهَا : أَنَّ قَبْضَ مَنْ قُضِيَ لَهُ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ إِذَا كَانَ خَطَأً وَجَوْرًا وَخِلَافًا لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لَا يُدْخِلُهُ قَبْضُهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا يُصَحِّحُ ذَلِكَ لَهُ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَمِنْهَا : أَنَّ لِلْعَالِمِ أَنْ يُفْتِيَ فِي مِصْرٍ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِذَا أَفْتَى بِعِلْمٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ كَانَ يُفْتِي فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَلَا أَعْلَمُ غَيْرَهُمَا . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى مُوسَى بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ الَّذِينَ يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ : عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ . وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَنْصَارِ : أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ . وَفِيهِ أَنَّ يَمِينَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نُسِخَ خَطُّهُ وَثَبَتَ حُكْمُهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَثَبَتَ خَطُّهُ ، وَهَذَا فِي الْقِيَاسِ مِثْلُهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهَ نَسْخِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ احْتَجَّ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا أَحْصَنَ ، وَقَوْلِهِ : لَوْلَا أَنْ يُقَالَ إِنَّ عُمَرَ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا . وَسَنُبَيِّنُ مَا لِأَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا بِمَا يَجِبُ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ لِأُنَيْسٍ الْأَسْلَمِيِّ : إِنِ اعْتَرَفَتِ امْرَأَةُ هَذَا فَارْجُمْهَا . فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا . وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ أَحْصَنَ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ لَأَحْكُمَنَّ بَيْنَكُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ وَلَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ؛ أَيْ حُكْمُهُ فِيكُمْ وَقَضَاؤُهُ عَلَيْكُمْ ، عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَقَالَ : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ مِنَ الْوَحْيِ قُرْآنًا وَغَيْرَ قُرْآنٍ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ : جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَفِيهِ أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا لَمْ يُحْصِنْ حَدُّهُ الْجَلْدُ دُونَ الرَّجْمِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ فَأَجْمَعُوا أَنَّ الْأَبْكَارَ دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْخِطَابِ . وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنَّ الْمُحْصِنَ حَدُّهُ الرَّجْمُ . وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ جَلْدٌ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ : لَا جَلْدَ عَلَى الْمُحْصِنِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الرَّجْمُ فَقَطْ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا يَجْتَمِعُ جَلْدٌ وَرَجْمٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الزَّانِي الْمُحْصَنُ يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ . وَحُجَّتُهُمْ عُمُومُ الْآيَةِ فِي الزِّنَا بِقَوْلِهِ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ فَعَمَّ الزُّنَاةَ وَلَمْ يَخُصَّ مُحْصَنًا مِنْ غَيْرِ مُحْصَنٍ . وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ . وَرَوَى أَبُو حَصِينٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَعَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَانِيَةٍ فَجَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَالَ : الرَّجْمُ رَجْمَانِ ؛ رَجْمُ سِرٍّ وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ ، فَأَمَّا رَجْمُ الْعَلَانِيَةِ فَالشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ ، وَأَمَّا رَجْمُ السِّرِّ فَالِاعْتِرَافُ فَالْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا الْأَسْلَمِيَّ وَرَجَمَ يَهُودِيًّا وَرَجَمَ امْرَأَةً ، وَلَمْ يَجْلِدْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، وَقِيلَ امْرَأَتَيْنِ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ وَرَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ قُصِدَ بِهَا مَنْ لَمْ يُحْصَنْ مِنَ الزُّنَاةِ ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَلَمْ يَجْلِدَا . رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ عُمَرَ رَجَمَ فِي الزِّنَا رَجُلًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ . وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ إِذْ بَعَثَهُ عُمَرُ إِلَى امْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَهَا رَجُلًا فَاعْتَرَفَتْ وَأَبَتْ أَنْ تَنْزِعَ وَتَمَادَتْ عَلَى الِاعْتِرَافِ ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ - وَلَمْ يَذْكُرْ جَلْدًا . وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عُمَرَ مَقْدِمَهُ الشَّامَ بِالْجَابِيَةِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَجَمَ امْرَأَةً وَلَمْ يَجْلِدْهَا بِالشَّامِ . وَرَوَى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولَانِ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ آيَةَ الرَّجْمِ نَزَلَتْ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ : ارْجُمُوا الثَّيِّبَ وَاجْلِدُوا الْبِكْرَ . وَسَيَأْتِي مِنْ مَعَانِي الرَّجْمِ ذِكْرٌ صَالِحٌ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ شُرَاحَةَ فَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُ عَنْهُ . وَمِنْ أَوْضَحِ شَيْءٍ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ : قَوْلُهُ لِأُنَيْسٍ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا - وَلَمْ يَذْكُرُوا جَلْدًا . وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الزُّنَاةَ كَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعُدُولِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُمْسَكُوا فِي الْبُيُوتِ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ سَبِيلًا ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجَلْدِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ الْآيَةَ - قَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ . فَكَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةً وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا حُكْمٌ أَحْدَثَهُ اللَّهُ نَسَخَ بِهِ مَا قَبْلَهُ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي أَحْكَامِهِ وَأَحْكَامِ رَسُولِهِ لِيَبْتَلِيَ عِبَادَهُ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الْجَلْدَ مَعَ الرَّجْمِ وَيَقُولُ : رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَجْلِدْ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمَرْجُومِ جَلْدٌ ، بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ رَجَمَ وَلَمْ يَجْلِدْ . وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنَّ الثَّيِّبَ مِنَ الزُّنَاةِ إِنْ كَانَ شَابًّا رُجِمَ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا جُلِدَ وَرُجِمَ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَقَالَتْ بِهِ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنَةً ، وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ ، وَالشَّيْخَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ . فَهَذَا مَا لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَأَكْثَرُهُمْ يُنْكِرُ الرَّجْمَ وَيَدْفَعُهُ وَلَا يَقُولُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الزُّنَاةِ ثَيِّبًا وَلَا غَيْرَ ثَيِّبٍ ، عَصَمَنَا اللَّهُ مِنَ الْخِذْلَانِ بِرَحْمَتِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فَلَا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ ، فَإِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَجَمَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَجَمَ وَأَنَّا قَدْ رَجَمْنَا بَعْدَهُمَا ، وَسَيَكُونُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا امْتُحِشُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا كُلِّهِ ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا مَوْضِعًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَاهُمْ بِهِ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ وَأَشْعَبَ وَهِشَامٍ ، كُلِّهِمْ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ : كُنَّا نُشَبِّهُ حِفْظَ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ بِحِفْظِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ ، فَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ أَنْ يَكُونَ الزَّانِي حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا قَدْ وَطِئَ وَطْئًا مُبَاحًا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ ثُمَّ زَنَى بَعْدَ هَذَا ، وَالْكَافِرُ - عِنْدَهُ - وَالْعَبْدُ لَا يَثْبُتُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِحْصَانٌ فِي نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِ إِحْصَانٌ ، وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ الْمَحْظُورُ كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي الصِّيَامِ أَوْ فِي الِاعْتِكَافِ أَوْ فِي الْحَيْضِ لَا يَثْبُتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِحْصَانٌ ، إِلَّا أَنَّ الْأَمَةَ وَالْكَافِرَةَ وَالصَّغِيرَةَ يُحْصِنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ عِنْدَهُ وَلَا يُحْصِنُهُنَّ . هَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَحَدُّ الْحَصَانَةِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا : إِحْصَانٌ يُوجِبُ الرَّجْمَ يَتَعَلَّقُ بِسَبْعِ شَرَائِطَ : الْحُرِّيَّةُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ ، وَالدُّخُولُ . وَالْآخَرِ : إِحْصَانٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُ خَمْسُ شَرَائِطَ فِي الْمَقْذُوفِ : الْحُرِّيَّةُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالْعِفَّةُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُحْصِنُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا تُحْصِنُهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إِذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَنَّهُمَا مُحْصَنَانِ بِذَلِكَ الدُّخُولِ . وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا زَنَى الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بَعْدَمَا أَحْصَنَا فَعَلَيْهِمَا الرَّجْمُ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : وَبِهِ نَأْخُذُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ وَهُمَا حُرَّانِ وَوَطِئَهَا فَهَذَا إِحْصَانٌ ، كَافِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُسْلِمَيْنِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَوِ الصَّبِيُّ وَوَطِئَا فَذَلِكَ إِحْصَانٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُحْصَنًا - كَمَا قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا تَزَوَّجَ الصَّبِيُّ أُحْصِنَ إِذَا وَطِئَ ، فَإِنْ بَلَغَ وَزَنَى كَانَ عَلَيْهِما الرَّجْمُ ، وَالْعَبْدُ لَا يُحْصَنُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا تَزَوَّجَ الصَّبِيُّ لَا يُحْصَنُ ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أُحْصِنَ . وَقَالُوا جَمِيعًا : الْوَطْءُ الْفَاسِدُ لَا يَقَعُ بِهِ إِحْصَانٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : تُحْصِنُ الْأَمَةُ الْحُرَّ ، وَيُحْصِنُ الْعَبْدُ الْحُرَّةَ ، وَلَا تُحْصِنُ الْحُرَّةُ الْعَبْدَ وَلَا الْحُرُّ الْأَمَةَ ، وَتُحْصِنُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَ ، وَتُحْصِنُ الصَّبِيَّةُ الرَّجُلَ ، وَتُحْصِنُ الْمَجْنُونَةُ الْعَاقِلَ ، وَلَا يُحْصِنُ الصَّبِيُّ الْمَرْأَةَ ، وَلَا يُحْصِنُ الْعَبْدُ الْأَمَةَ وَلَا تُحْصِنُهُ إِذَا جَامَعَهَا فِي حَالِ الرِّقِّ . قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ خَصِيًّا وَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ خَصِيٌّ فَوَطِئَهَا ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ خَصِيٌّ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ فِرَاقَهُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْوَطْءُ إِحْصَانًا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُحْصَنُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَا بِالْمَمْلُوكَةِ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، زَادَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : وَتُحْصَنُ الْمُشْرِكَةُ بِالْمُسْلِمِ ، وَيُحْصَنُ الْمُشْرِكَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي الزَّوْجَيْنِ الْمَمْلُوكَيْنِ : لَا يَكُونَانِ مُحْصَنَيْنِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا ، وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيَّانِ لَا يَكُونَانِ مُحْصَنَيْنِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ إِسْلَامِهِمَا . قَالَ : وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ إِحْصَانٌ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ الْحُرَّةُ : إِذَا زَنَى فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ وَأَعْتَقَ ثُمَّ زَنَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ حَتَّى يَنْكِحَ غَيْرَهَا . وَقَالَ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تُحْصَنْ إِنَّهَا تُحْصِنُ الرَّجُلَ ، وَالْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ لَا يُحْصِنُ الْمَرْأَةَ ، قَالَ : وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَإِذَا هِيَ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَهَذَا إِحْصَانٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِيجَابُ الْأَوْزَاعِيِّ الرَّجْمَ عَلَى الْمَمْلُوكَةِ تَحْتَ الْحُرِّ وَعَلَى الْعَبْدِ تَحْتَ الْحُرَّةِ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَالرَّجْمُ لَا يَتَنَصَّفُ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ : فَاجْلِدُوهَا . وَقَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ : وَلَمْ يُحْصَنْ . وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغَرَّبَهُ عَامًا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ابْنَهُ ذَلِكَ كَانَ بِكْرًا وَأَنَّ الْجَلْدَ - جَلْدَ الْبِكْرِ - مِائَةُ جَلْدَةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغْرِيبِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يُنْفَى الرَّجُلُ وَلَا تُنْفَى الْمَرْأَةُ وَلَا الْعَبْدُ ، وَمَنْ نُفِيَ حُبِسَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُنْفَى الرَّجُلُ وَلَا تُنْفَى الْمَرْأَةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا نَفْيَ عَلَى زَانٍ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْحَدُّ - رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُنْفَى الزَّانِي إِذَا جُلِدَ - امْرَأَةً كَانَ أَوْ رَجُلًا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي نَفْيِ الْعَبْدِ ؛ فَقَالَ مَرَّةً : أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي تَغْرِيبِ الْعَبِيدِ ، وَقَالَ مَرَّةً : يُنْفَى الْعَبْدُ نِصْفَ سَنَةٍ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : سَنَةً إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ غَرَّبَ الزُّنَاةَ مَعَ حَدِيثِنَا هَذَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ؛ لَمْ يَخُصَّ عَبْدًا مِنْ حُرٍّ وَلَا أُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَبَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ . قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبِي ، وَقَالَ بَكْرٌ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ؛ الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ النَّفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِيهِ الْحَدَّ دُونَ النَّفْيِ ، وَمَنْ رَأَى نَفْيَ الْعَبِيدِ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ الْأَمَةِ مَعْنَاهُ التَّأْدِيبُ لَا الْحَدُّ ، وَسَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يَرَ نَفْيَ النِّسَاءِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِنَّ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ تَغْرِيبُ الْمَرْأَةِ الْبِكْرِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَفْيَ النِّسَاءِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ : يُجْلَدَانِ مِائَةً وَيُنْفَيَانِ سَنَةً . قَالَ : وَقَالَ عَلِيٌّ : حَسْبُهُمَا مِنَ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا . عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : غَرَّبَ عُمَرُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الْخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أُغَرِّبُ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لِلَّهِ مَا تَرَكَهُ عُمَرُ بَعْدُ ، وَلَا كَانَ عَلِيٌّ يَكْرَهُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَسُئِلَ إِلَى كَمْ يُنْفَى الزَّانِي ؟ قَالَ : نَفَاهُ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ . عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ وَسُئِلَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً . أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ نَفَى إِلَى فَدَكَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَفَى إِلَى فَدَكَ . الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَلِيًّا نَفَى مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : نَفَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ ؟ قَالَ : حَسْبُهُ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ الرَّجُلِ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ مَعَ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغَرَّبَهُ عَامًا فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الرَّجُلِ الْمُتَكَلِّمِ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَا يُؤْخَذُ أَبُوهُ ، أَوْ صَدَّقَهُ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرِيعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا ( لَا عَلَى غَيْرِهَا ) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ . وَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَلَدَهُ بِإِقْرَارِهِ وَكَسْبِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا بِإِقْرَارِ أَبِيهِ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ لَكَانَ أَبُوهُ قَاذِفًا لَهُ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا وَجَحَدَتْ هِيَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا ، وَلَوْ طَلَبَتْ حَدَّ الْقَذْفِ لَأُقِيمَ عَلَيْهِ أَيْضًا . قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ زَنَى بِي فُلَانٌ وَأَنْكَرَ حُدَّتْ لِلْقَذْفِ ثُمَّ لِلزِّنَا ، وَبِهَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلزِّنَا ، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ ، وَعَلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ إِنْ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُحَدُّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمَا لِلزِّنَا فَقَطْ ، لِأَنَّا قَدْ أَحَطْنَا عِلْمًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّانِ جَمِيعًا ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ زَانِيًا فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُحَدُّ لِلْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ لِلزِّنَا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا أَقَرَّ هُوَ وَجَحَدَتْ هِيَ جُلِدَ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا وَلَمْ يُرْجَمْ . وَفِيهِ رَدُّ مَا قُضِيَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَاتِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمَرُنَا فَهُوَ رَدٌّ . وَقَالَ عُمَرُ : رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَّةِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْجَوْرَ الْبَيِّنَ وَالْخَطَأَ الْوَاضِحَ الْمُخَالِفَ لِلْإِجْمَاعِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا مَرْدُودٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَضَى بِهِ . ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ : مَا مِنْ طَيِّبَةٍ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَّا ، وَلَا كِتَابٍ أَهْوَنُ عَلَيَّ رَدًّا مِنْ كِتَابٍ قَضَيْتُ بِهِ ثُمَّ أَبْصَرْتُ أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ ، أَوْ قَالَ : فِي غَيْرِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ اعْتِرَافَ الزَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً بِالزِّنَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ مَا لَمْ يَرْجِعْ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا . وَلَمْ يَقُلْ : إِنِ اعْتَرَفَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ . وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِثْبَاتُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِيجَابُ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْحُدُودِ ، وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ فَسَائِرُ الْأَحْكَامِ أَحْرَى بِذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ الْمَقْذُوفَ ، فَإِنِ اعْتَرَفَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْوَاجِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ وَطَالَبَ الْقَاذِفَ أَخَذَ لَهُ بِحَدِّهِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحُدُّ الْإِمَامُ الْقَاذِفَ حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمَقْذُوفُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ سَمِعَهُ فَيَجْلِدُهُ إِنْ كَانَ مَعَهُ شُهُودٌ عُدُولٌ . قَالَ : وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ عُدُولٌ عَلَى قَاذِفٍ لَمْ يُقِمِ الْحَدَّ حَتَّى يُرْسِلَ إِلَى الْمَقْذُوفِ وَيَنْظُرَ مَا يَقُولُ لَعَلَّهُ يُرِيدُ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَحُدُّ إِلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَحُدُّهُ الْإِمَامُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَقْذُوفُ . وَفِيهِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ فِي حُكْمِ الدِّينِ وَاحِدًا ، كَمَا أَنَّ الْحَكَمَ وَاحِدٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قُوَّةٌ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي بِمَا يُقِرُّ بِهِ عِنْدَهُ الْمُقِرُّ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لَهُ : احْمِلْ مَعَكَ مَنْ يَسْمَعُ اعْتِرَافَهَا . وَفِي ذَلِكَ إِيجَابُ الْقَضَاءِ بِمَا عَلِمَ الْقَاضِي وَهُوَ حَاكِمٌ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهِ أَقْوَالِهِمْ وَمَا نَزَعُوا بِهِ - فِي بَابِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
173 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، لَقَدْ أَذْكَرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ . أُمُّ الْفَضْلِ هَذِهِ هِيَ أُمُّ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاسْمُهَا لُبَابَةُ ، تُكْنَى أُمَّ الْفَضْلِ بِابْنِهَا الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَتَيْنَا مِنْ نَسَبِهَا وَأَحْوَالِهَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْمُرْسَلَاتِ وَمِثْلِهَا جَائِزٌ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَمَا يَجِبُ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِذَلِكَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مؤمل بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْإِمَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ فِي مَرَضِهِ مُتَوَشِّحًا فِي ثَوْبٍ - الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ، فَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةً بَعْدَهَا حَتَّى قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ ، ذَكَرْنَا نَسَبَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَأَبُو بَكْرٍ هَذَا أَحَدُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ الْعَشْرَةِ الَّذِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الْفَتْوَى فِي زَمَانِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأُمُّهُ فَاخِتَةُ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو قُرَشِيَّةٌ عَامِرِيَّةٌ ، وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ الْمُغِيرَةُ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ ، وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَرُدَّ مِنَ الطَّرِيقِ هُوَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ قُرَيْشٍ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيمَا أَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مُكْرِمًا لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا مُجِلًّا لَهُ ، وَأَوْصَى الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ بِإِكْرَامِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنِّي لَأَهُمُّ بِالشَّيْءِ أَفْعَلُهُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لِسُوءِ أَثَرِهِمْ عِنْدَنَا ، فَأَذْكُرُ أَبَا بَكْرٍ فَأَسْتَحِي مِنْهُ وَأَدَعُ ذَلِكَ الْأَمْرَ . وَكَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةً ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُغْتَسَلَهُ فَسَقَطَ ، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : وَاللَّهُ مَا أَحْدَثْتُ فِي صَدْرِ نَهَارِي شَيْئًا ، فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتَّى مَاتَ ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ بِالْمَدِينَةِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ خَبَرِهِ الْوَاقِدَيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَسْتَوْدِعُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَسُرِقَتْ ، فَاتَّهَمَ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ امْرَأَةً مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ ، فَحَذَّرَهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا وَخَوَّفَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا أَخَذَتْهَا وَأَنَّهَا عِنْدَهَا وَأَنَّهَا تُؤَدِّيهَا ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى مَشَايِخَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى اعْتِرَافِهَا ، وَفِيهم الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَخَلَّى سَبِيلَهَا ، فَلَمَّا خَرَجَتْ مِنْ دَارِهِ وَأَمِنَتْ قَالَتْ : مَا أَخَذْتُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، فَخَاصَمَهَا إِلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَسَأَلَ الشُّهُودَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَشَهِدُوا أَنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَنَّهَا مُؤَدِّيَتُهَا ، فَسَأَلَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى بَلَغَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : مَاذَا تَشْهَدُ بِهِ يَا قَاسِمُ ؟ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَعَانَا لِنَشْهَدَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي الْحَدِيدِ ظَاهِرًا عَلَيْهَا الضَّرْبُ ، فَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا أَخَذَتِ الْعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَأَقْبَلَ أَبَانٌ عَلَى الْمَشَايِخِ فَقَالَ : أَكَانَ أَمْرُهَا عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاسِمُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ ؟ فَلَوْلَا مَكَانُهُ لَقَضَيْتُ عَلَيْهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ! يَا قَاسِمُ ، جِئْتَ - وَاللَّهِ - بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : فَارْتَفَعَ أَمْرُ الْقَاسِمِ مِنْ يَوْمِئِذٍ عَلَى النَّاسِ وَفَطِنُوا لِفَضْلِهِ ، وَكَانَ الْمَالُ لِوَلَدِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَبَاعَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَتَّى أَدَّاهَا إِلَى عُرْوَةَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : وَاللَّهِ مَا عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، إِنَّمَا أَنْتَ مُسْتَوْدَعٌ ! فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ إِلَّا أَنْ يَغْرَمَهَا . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا يُفْطِرُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رُدِدْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مِنَ الطَّرِيقِ يَوْمَ الْجَمَلِ ؛ اسْتَصْغَرَنَا ! وَإِيَّاهُ عَنَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ : شَهِيدِي أَبُو بَكْرٍ فَنِعْمَ شَهِيدُ فِي أَبْيَاتٍ أَذْكُرُهَا فِي بَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 1363 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . وَقَعَ فِي نُسْخَةِ مُوَطَّأ يَحْيَى : وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَهَذَا مِنَ الْوَهْمِ الْبَيِّنِ وَالْغَلَطِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ وَعِنْدَ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ كُلِّهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَأَمَّا لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مِثْلِ هَذَا ; لِأَنَّهُ مِنْ خَطَأ الْيَدِ وَسُوءِ النَّقْلِ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هَذَا اسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو ، وَيُكَنَّى أَبَا مَسْعُودٍ ، أَنْصَارِيٌّ يُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَدْرًا . وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَأَمَّا مَهْرُ الْبَغِيِّ - وَالْبَغِيُّ الزَّانِيَةُ ، وَمَهْرُهَا مَا تَأْخُذُ عَلَى زِنَاهَا - فَمُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : بَغَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ تَبْغِي بِغَاءً فَهِيَ بَغِيٌّ ، وَهُنَّ الْبَغَايَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ؛ يَعْنِي زَانِيَةً ، وَقَالَ : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ يَعْنِي الزِّنَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ . وَأَمَّا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ فَمُجْتَمَعٌ أَيْضًا على تحريمه ، قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ مَا يُعْطَى الْكَاهِنُ عَلَى كَهَانَتِهِ ، وَالْحُلْوَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرِّشْوَةُ وَالْعَطِيَّةُ ، تَقُولُ مِنْهُ : حَلَوْتُ الرَّجُلَ حُلْوَانًا إِذَا رَشَوْتَهُ بِشَيْءٍ . قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ : كَأَنِّي حَلَوْتُ الشِّعْرَ يَوْمَ مَدَحْتُهُ صَفَا صَخْرَةٍ صَمَّاءَ يَبِسٍ بِلَالُهَا وَقَالَ غَيْرُهُ : فَمَنْ رَجُلٌ أَحْلُوهُ رَحْلِي وَنَاقَتِي يُبَلِّغُ عَنِّي الشِّعْرَ إِذْ مَاتَ قَائِلُهُ وَأَمَّا ثَمَنُ الْكَلْبِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّأهِ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْكِلَابِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَنَى كَلْبُ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَةُ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ ، فَوَجْهُ إِجَازَةِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْكِلَابِ أَنَّهُ لَمَّا قُرِنَ ثَمَنُهَا فِي الْحَدِيثِ مَعَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَهَذَا لَا إِبَاحَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ الَّذِي نهى عَنْ ثَمَنِهِ مَا لَمْ يُبَحِ اتِّخَاذُهُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي مِنَ الْكِلَابِ عُمُومُ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِهَا ، وَأَنَّ مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ مَعْدُومٌ وُجُودُهُ مِنْهَا . وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا زَرْعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا لَمْ يَسْرَحْ كَلْبُ الدَّارِ مَعَ الْمَاشِيَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : بَيْعُ الْكِلَابِ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ لِصَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَتَلَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ ، قَالَ : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وكذلك السباع كلها إِذَا اسْتُأنِسَتْ وَانْتُفِعَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ كَلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ كُلِّهَا وَلَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى حَالٍ كَانَ لِصَيْدٍ أَوْ لِغَيْرِ صَيْدٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ كَلْبًا مِنْ قِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَحُجَّتُهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، قَالَ : وَمَا لَا ثَمَنَ لَهُ فَلَا قِيمَةَ فِيهِ إِذَا قُتِلَ . وَاحْتَجَّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهَا ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ الْكِلَابُ مِمَّا يَجُوزُ تَمَوُّلُهُ وَمِلْكُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يَأْمُرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهَا ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِضَاعَةُ الْأَمْوَالِ وَتَلَفُهَا ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، وَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ لِتُقْتَلَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَدْخُلُ بِالْكَلْبِ فَمَا تَخْرُجُ حَتَّى يُقْتَلَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، قَالَ : إِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ الْجُذَامِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ . وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ . وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ . وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا صَحِيفَةٌ . وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفَةٌ ، وكُلَّمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ فَثَمَنُهُ جَائِزٌ فِي النَّظَرِ ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِمَّا لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي السِّنَّوْرِ شَيْءٌ صَحِيحٌ وَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ كُلِّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي حَيَاتِهِ نَحْوَ الْفَهْدِ وَالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ حَاشَا الْكَلْبِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَجُوزُ بَيْعُ الْفُهُودِ وَالنُّمُورِ وَالذِّئَابِ إِذَا كَانَتْ تُذَكَّى لِجُلُودِهَا ; لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا إِذَا ذُكِّيَتْ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : مَنْ قَتَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ . رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ جَعَلَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ الْقِيمَةَ ، وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَأَوْجَبَ فِي كَلْبِ مَاشِيَةٍ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ . وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَجَازَ الْكَلْبَ الضَّارِيَ فِي الْمَهْرِ ، وَجَعَلَ عَلَى قَاتِلِهِ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْكَلْبِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَالِي وَلِلْكِلَابِ ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبٍ آخَرَ . فَجَعَلُوا نَهْيَهُ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِإِبَاحَتِهِ ، وَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ كَلْبَ الصَّيْدِ وَغَيْرَهُ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ ، فَكَانَ بَيْعُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَرَامًا ، وَكَانَ قَاتِلُهُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحُ الِاصْطِيَادُ بِهِ كَانَ كَسَائِرِ الْجَوَارِحِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ . وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ كسب الْحَجَّامِ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ خَبِيثٌ ، ثُمَّ لَمَّا أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ كَانَ نَاسِخًا لِمَنْعِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي كسب الْحَجَّامِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الزَّرْعِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ ، وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَاعْفُرُوهُ الثَّانِيَةَ بِالتُّرَابِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَافِعًا صَوْتَهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَكَانَتِ الْكِلَابُ تُقْتَلُ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ . فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِلَابَ الَّتِي أَذِنَ فِي اتِّخَاذِهَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي قَتْلِهَا ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَتْلَ الْكِلَابِ كُلِّهَا مَنْسُوخٌ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
1382 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ الَّتِي رَأَيْنَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْنَا مُرْسَلًا إِلَّا عَبْدَ الرَّزَّاقِ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْنَدَهُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَكَةَ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنَ الثَّمَنِ شَيْئًا فَإِنْ وَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَوًى الصَّنْعَانِيَّانِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُسْنَدًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَامِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبِيرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، كَمَا فِي الْمُوَطَّأ لِيَحْيَى وَغَيْرِهِ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ قَدْ تَابَعَ عَبْدَ الرَّزَّاقِ عَلَى إِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ مُرْسَلٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا نَحْوَ الِاخْتِلَافِ عَلَى مَالِكٍ ، فَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأ ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْنَدًا ، حَدَّثَ بِهِ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَوَجَدَهَا بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . ذَكَرَهُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ هِشَامٍ هَكَذَا . وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ فِيمَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ - وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حِمْصِيٌّ ، يُكَنَّى أَبَا الْهُذَيْلِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا ، كَمَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخَبَائِرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، ذَكَرَه أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخَبَائِرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ فَذَكَرَهُ . وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَارُودِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً وَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ أَفْلَسَ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . فَجَمَعَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَحَدِيثَ الزُّبَيْدِيِّ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَتَهُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَحَدِيثُهُ عنهم مقبول عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ فِيهِ تَخْلِيطٌ كَثِيرٌ فَهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ : فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ قَالَ : وَأَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . قَالَ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا يُحْفَظُ لِلزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا الْيَمَانُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ وَعِنْدَهُ مَالُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ تَكُونُ رِوَايَةُ مَنْ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحَةً ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَرْوِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّفْلِيسِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَوْتَ وَلَا حُكْمَهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الْغَرِيمَ فِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ . وَرَوَى بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ فِي التَّفْلِيسِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْمَوْتِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ . وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ بِمَكَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ غَرِيمُهُ مَتَاعَهَ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وَرَوَى أَيُّوبُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا دُونَ الْغُرَمَاءِ . وَحَدِيثُ التَّفْلِيسِ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ثَابِتٌ ، وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِيِّينَ وَأَهْلُ الْأَثَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَتِهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ مِنْ فُرُوعِهِ . وَدَفَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَرَدُّوهُ ، وَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي رَدُّوهَا بِغَيْرِ سُنَّةٍ صَارُوا إِلَيْهَا ، وَأَدْخَلُوا النَّظَرَ حَيْثُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنَّظَرِ مَعَ صَحِيحِ الْأَثَرِ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ السِّلْعَةَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي ، وَثَمَنَهَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهَا كَسَائِرِ مَالِهِ ، وَهَذَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ لَوْلَا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ جَعَلَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا أَخَذَهَا ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَلَوْ جَازَ أَنْ تُرَدَّ مِثْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ الْوَهْمَ وَالْغَلَطَ مُمْكِنٌ فِيهَا لِجَازَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَبْقَى بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ سُنَّةٌ إِلَّا قَلِيلٌ مِمَّا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ كَثِيرًا إِذَا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَدِيثٍ فَيُقَالُ لَهُ : وَمَا تَقُولُ أَنْتَ أَوْ رَأْيُكَ ؟ فَيَقُولُ مَالِكٌ : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ أَقْبَحِ مَا جَاءَ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَعْوَاهُمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ ، وَهَذَا تَجْلِيحٌ وَتَصْرِيحٌ بِرَدِّ السُّنَّةِ بِالرَّأْيِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابَ قَوْلَهُ : مَنْ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ ، فَذَكَرَ الْبَيْعَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِأَلْفَاظِ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ لَا بِوَدِيعَةٍ وَلَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَمَانَاتِ ، وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَى مَنِ اسْتَحْيَى وَنَصَحَ نَفْسَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا بِأَحَدٍ سِوَاهُ . وَهَذِهِ السُّنَّةُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا ، فَلَا سَبِيلَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْأُصُولَ لَا تَنْقَاسُ ، وَإِنَّمَا تَنْقَاسُ الْفُرُوعُ رَدًّا عَلَى أُصُولِهَا ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَعْمَلَهُ وَأَفْتَى بِهِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَاءُ الشَّامِ وَفُقَهَاءُ الْبَصْرَةِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَلَا أَعْلَمُ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ سَلَفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : هُوَ فِيهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : هُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ شَرْعٌ سَوَاءٌ . وَأَحَادِيثُ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ يُضَعِّفُونَهَا ، وَالْوَاجِبُ كَانَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ الرُّجُوعُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ ، فَكَيْفَ أَنْ يَتَّبِعَ وَيُقَلِّدَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمُفْلِسِ يَأْبَى غُرَمَاؤُهُ دَفْعَ السِّلْعَةِ إِلَى صَاحِبِهَا وَقَدْ وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا ، وَيُرِيدُونَ دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي قَبْضِ السِّلْعَةِ مِنَ الْفَضْلِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَهُمْ ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أَخَذَهَا إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ فِي هَذَا مَقَالٌ . قَالَ : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ أَخَذَ السِّلْعَةَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ صَاحِبَهَا أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ فَالْغُرَمَاءُ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِهَا . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا إِذَا اقْتَضَى صَاحِبُ السِّلْعَةِ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا ؛ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ أَحَبَّ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ مِنَ الثَّمَنِ وَيَقْبِضَ سِلْعَتَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ . وَقَالَ أَشْهَبُ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدَيْنِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَانْتَقَدَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسِينَ ، وَبَقِيَتْ عَلَى الْغَرِيمِ خَمْسُونَ ، ثُمَّ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ فَوَجَدَ عِنْدَهُ - بَائِعُ الْعَبْدَيْنِ مِنْهُ - أَحَدَ عَبْدَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَفَاتَ الْآخَرُ فَأَرَادَ أَخْذَهُ بِالْخَمْسِينَ التي بقيت لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ ، وَقَالَ : الْخَمْسُونَ الَّتِي أَخَذْتُ ثَمَنُ الْعَبْدِ الذَّاهِبِ ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ : بَلِ الْخَمْسُونَ الَّتِي أَخَذْتَ ثَمَنُ هَذَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ سَوَاءً رُدَّ نِصْفٌ ما اقتضى وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَأَخَذَ الْعَبْدَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنما اقتضى مِنْ ثَمَنِ كُلِّ عَبْدٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَّا مَا اقْتَضَى . قَالَ : وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ عَبْدًا وَاحِدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَاقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ خَمْسِينَ دِينَارٍ رَدَّ الْخَمْسِينَ إِنْ أَحَبَّ وَأَخَذَ الْعَبْدَ ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي رَوَايَا الزَّيْتِ وَغَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ كَانَتِ السِّلْعَةُ عَبْدًا فَأَخَذَ نِصْفَ ثَمَنِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ ، وَبَيْعُ النِّصْفِ الثَّانِي الَّذِي بَقِيَ لِلْغَرِيمِ لِغُرَمَائِهِ ، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِمَا أَخَذَ ، وَلَوْ زَعَمْتَ أَنَّهُ يَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ جَعَلْتَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ لَوْ أَخَذَهُ وَيَأْخُذُ سِلْعَتَهُ ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ السُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ ، وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ : إنَّ صَاحِبَ الْعَبْدِ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ سَوَاءً مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُعْدَمٍ ، وَالَّذِي قَبَضَ مِنَ الثَّمَنِ إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ لِمَا فَاتَ إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ سَوَاءً ، ثُمَّ يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِذَا اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً . وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَحُجَّتُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : فَلَمْ يَقْبِضِ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، فَجَعَلَ شَرْطَ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِهَا إِذَا لَمْ يَقْبِضْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ إِذَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَمَسَائِلُ التَّفْلِيسِ كَثِيرَةٌ ، وَفُرُوعُهَا جَمَّةٌ ، نَحْوُ : تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، أَوْ وِلَادَةِ الْحَيَوَانِ ، أَوْ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا ، أَوِ اخْتِلَافِ سُوقِهَا ، وَلَيْسَ يَصْلُحُ بِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرُهَا . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْمُفْلِسِ يَمُوتُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَقَبْلَ تَوْقِيفِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ حُكْمُ الْفَلَسِ كَحُكْمِ الْمَوْتِ ، وَبَائِعُ السِّلْعَةِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْفَلَسِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهِ النَّصُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ، وَهُوَ قَاطِعٌ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ . وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْلِسَ يُمْكِنُ أَنْ تَطْرَأَ لَهُ ذِمَّةٌ وَلَيْسَ الْمَيِّتُ كَذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَوْتُ وَالْفَلَسُ سَوَاءٌ ، وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أبي المعتمر عن عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ قَالَ : أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ . فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَ الْمَوْتِ زِيَادَةً مَقْبُولَةً فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرُهُ لَا يَقْبَلُهَا ; لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَكَرَ حُكْمَ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْفَلَسِ ، وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ هَذَا مُتَّصِلٌ وَذَلِكَ مُرْسَلٌ ، وَالْمُتَّصِلُ أَوْلَى ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّ أبا المعتمر الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى حَدِيثَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ وَغَيْرُهُ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ القرشي الزُّهْرِيُّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَعَامِرٌ هَذَا أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَهُمْ خَمْسَةُ إِخْوَةٍ كُلُّهُمْ رَوَى الْحَدِيثَ : عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . وَمُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا ، وَرَوَى عَنْهُ أَهْلُهَا ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ ، وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْهُ الْعِلْمَ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَمُوسَى بْنُ سَعْدٍ رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ وَعَنِ ابْنِهِ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى . وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَلِيَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَتَلَ مَعَهُ ابْنَهُ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ . وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَثِقَاتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ مِنْهُمْ ، وَكُلُّ بَنِي سَعْدٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَيَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ : وَلَا تَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَوْ إِلَّا ابْنَتِي - عَلَى مَا رُوِيَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ نَقَلَةِ حَدِيثِهِ هُنَا - وَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ بَنَاتُ ، وَمَرَضُهُ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِيمَا ذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ فِيهِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ : عَامَ الْفَتْحِ . وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ذَلِكَ فِيهِ عَنْهُ غير ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَسَنَذْكُرُ رِوَايَتَهُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلَ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1495 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبِي وَجَعٌ قَدِ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ مِنِّي الْوَجَعُ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا تَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : الثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، وَجَعَلَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَصْلًا فِي مِقْدَارِ الْوَصِيَّةِ وَأنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ ، إِلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ اخْتِلَافًا عِنْدَ نَقَلَتِهِ . فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ . انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَا عَلِمْتُ . وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشَفَيْتُ مِنْهُ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِي مَنْ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : قَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَمَالِكٌ : حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَامَ الْفَتْحِ . قَالَ : وَالَّذِينَ قَالُوا حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَصْوَبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ عَامِ الْفَتْحِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرٍو الْقَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حِينَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَجِعٌ مَغْلُوبٌ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا ، وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ أَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . هَكَذَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ أَفَأُوصِي عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ لَا ابْنُ عُيَيْنَةَ وَلَا غَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ أَوْ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأُوصِي ، فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَوْلُهُ : أَفَأَتَصَدَّقُ - كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هِبَاتِ الْمَرِيضِ وَصَدَقَاتِهِ وَعِتْقِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ لَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ ، فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُدُ فِي هِبَةِ الْمَرِيضِ أَنَّهَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ شُذُوذُهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي أَوْ بِمَالِي ؟ وَأَمَّا مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ فَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأُوصِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَالَّذِي أَقُولُهُ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي قَالَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ شِهَابٍ رَوَاهُ عَنْ عَامِرٍ فَقَالَ فِيهِ : أَفَأُوصِي ؟ كَمَا قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عَفْرَاءَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لَهُ : أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالنِّصْفُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ فَهَذِهِ الْآثَارُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ إِذَا تَرَكَ وَرَثَةً مِنْ بَنِينَ أَوْ عَصَبَةٍ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ وَلَا عَصَبَةً وَلَا وَارِثًا بِنَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ بِقَوْلِهِمَا قَوْمٌ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ . وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَهَذَا لَا وَرَثَةَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنْ أَبَا مُوسَى أَجَازَ وَصِيَّةَ امْرَأَةٍ بِمَالِهَا كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا ، فَمَا يمنعه إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ - مِثْلَهُ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَانَ لَهُ بَنُونَ ، أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ مَالِهِمْ عَصَبَةُ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِمِقْدَارٍ لَا يُتَعَدَّى ، وَكَانَ مُرَادُهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَلَامِهِ مَا بَيَّنَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ يَعْنِي لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مُرَادَ رَبِّهِمْ فِيمَا احْتَمَلَهُ التَّأْوِيلُ مِنْ كِتَابِهِمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي بَابِ نَافِعٍ وَبَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ مِنْهَا إِلَّا الثُّلُثُ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ لَهُ : أُوصِي بِشَطْرِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنْ أَجَازَهُ وَرَثَتُكَ جَازَ . وَكَذَلِكَ قَالُوا : إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوهَا ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَيَجْعَلُونَهَا هِبَةً مُسْتَأْنَفَةً مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي إِلَيْهَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ وَأنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ عَنْهُ أَفْضَلُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَقِبِ قَوْلِهِ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ : وَلَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الْإِبْقَاءَ لِوَرَثَتِهِ . وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ قَلِيلًا وَمَالُهُ كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ . وَاسْتَحَبَّ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُعْرَفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٌ فَيَجُوزُ لَهُ الثُّلُثُ ، لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِإِسْحَاقَ حُجَّةً فِي قَوْلِهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبْعُ ، وَهَذَا الَّذِي نَزَعَ بِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ سُنَّةً . وَقَدْ رُوِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ ، وَبِذَلِكَ أَوْصَى وَقَالَ : رَضِيتُ لِنَفْسِي مَا رِضَى اللَّهُ لِنَفْسِهِ . كَأَنَّهُ يَعْنِي خُمُسَ الْغَنَائِمِ ، وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ الوصية بالثلث ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَطَلْحَةُ ضَعِيفٌ ، رَوَى عَنْهُ هَذَا الْخَبَرَ وَكِيعٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الثُّلُثُ وَسَطٌ لَا غَبْنَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ ، وَهَذَا لَا نَدْرِي مَا هُوَ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ لَيْسَتْ بِوَسَطٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ حُكْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَسَطٌ أَيْ عَدْلٌ ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، فَلَيْتَهُمْ نَقَصُوا إِلَى الرُّبُعِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَوْصَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ : أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ ؟ فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ فَهِيَ وَصِيَّتُهُ ، فَسَأَلْتُ ، فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمُسِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : صَاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَصَاحِبُ الْخُمُسِ أَفْضَلُ مَنْ صَاحِبِ الرُّبُعِ - يَعْنِي فِي الْوَصِيَّةِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَقَدْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْ ذَلِكَ . وَالْآيَةُ بِإِيجَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخَةٌ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ يُوصِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً كَانَ أَبْدَرَ النَّاسِ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُعْطِيَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغنى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : هَذَا لِفُلَانٍ ، وَهَذَا لِفُلَانٍ ! وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ كَانَا يُشَدِّدَانِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَوْصَى ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ ، فَإِنْ أَوْصَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا بَأْسَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مَا يُوصِي فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَتْرُكُهُ صَدَقَةً . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْنٍ يَقُولُ : إِنَّمَا الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ غَنِيًّا عَنْهَا أَنْ يَدَعَهَا . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَا ذُو مَالٍ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ مَا أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : لَأَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ؟ وَقَدْ مَنَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوِ ابْنُ عُمَرَ مَوْلًى لَهُمْ مِنْ أَنْ يُوصِيَ ، وَكَانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وَلَيْسَ لَكَ كَبِيرُ مَالٍ . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ وَرَثَتُهُ كَثِيرًا وَمَالُهُ قَلِيلًا أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ . قَالَ : وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ : قَلِيلٌ . وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَهُ عِدَّةٌ مِنَ الْوَلَدِ ، فَقَالَتْ : مَا فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ وَسَائِرِ الْجُلَّةِ لِلْمَرِيضِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ ، لِقَوْلِهِ : وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْبَنِينَ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَأنْ تَرَكَ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ وَاسِعَ الْمَالِ ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَرْضٌ ، وَأَدَاءُ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ . وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَكَانَ مَذْهَبًا ؛ لِقَوْلِهِ : حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُنْصَرِفِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَتُنْفِقُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ - أَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ ، فَاسْتَفْهَمَهُ هَلْ يَبْقَى بَعْدَ أَصْحَابِهِ ؟ فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَرْبٍ مِنْ قَوْلِهِ : لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ كَمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ ظَنُّهُ ، وَعَاشَ سَعْدٌ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فَتَابُوا فَانْتَفَعُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّا يُشْبِهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ هَذَا الْكَلَامُ قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ الشَّعِثِ الرَّأْسِ : مَالَهُ ؟ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ ! فَقَالَ الرَّجُلُ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : أَمِيرُكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : نَعَى إِلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ ، فَقُتِلُوا ثَلَاثَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ ارْتَجَزَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَيْرِهِ إِلَى خَيْبَرَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ يَا عَامِرُ ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ ! قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا اسْتَغْفَرَ لِإِنْسَانٍ قَطُّ يَخُصُّهُ بِذَلِكَ إِلَّا اسْتُشْهِدَ ، فَاسْتُشْهِدَ عَامِرٌ يَوْمَ خَيْبَرَ . وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَوْلِ وَلَا تَبْيِينٍ فِي الْمُرَادِ وَالْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ كُلُّهُ كَمَا تَرَى . وَقَدْ خُلِّفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَحْوَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَهُ وَسَيْرَهُ وَطَرَفًا مِنْ فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُقَامُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا وُقِتَ لَهُ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الصَّدْرِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ لِيَفِرَّ الرَّجُلُ بِدِينِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ ظَاهِرُهَا فِي الْهِجْرَةِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَقْدَانَ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ . وَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : هَذِهِ الْهِجْرَةُ هِجْرَةُ الْمَعَاصِي غَيْرُ الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ فُدَيْكٍ قَالَ : خَرَجَ فُدَيْكٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُدَيْكُ ، أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَاهْجُرِ السُّوءَ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ - تَكُنْ مُهَاجِرًا . وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : أَفْضَلُ الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ مُفْتَرَضَةٌ بِالْجُمْلَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمِ الْهِجْرَةَ إِلَى نَبِيِّهِمْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ . فَمَضَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ وَاسْتِيطَانُهَا وَتَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ مَعَهُ ، فَلَمَّا مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ . وَقَدْ كَانُوا يَعُدُّونَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَرْجِعَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ؛ أَيْ لَا هِجْرَةَ مُبْتَدَاةً يَهْجُرُ بِهَا الْمَرْءُ وَطَنَهُ هِجْرَانًا لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ خَاصَّةً بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَيَدَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَابٌ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَطَاقَتْ أُسْرَتُهُ أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهَا فَرْضًا وَاجِبًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ الْمُقَامُ فِي دَارٍ تَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ وَتَكُونُ كَلِمَتُهُ فِيهَا سُفْلَى وَيَدُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَطْعِ الذَّرَائِعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ; لِأَنَّ سَعْدًا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَرُبَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ حُبُّ الْوَطَنِ عَلَى دَعْوَى الْمَرَضِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَلَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! وَقَوْلُهُ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَهُ فِي مَرَضِهِ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَدَعُ مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَنِصْفِهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَبِثُلُثِهِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، سَعْدُ إِنَّكَ إِنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ تُوجَرُ فِي نَفَقَتِكَ كُلِّهَا حَتَّى فِيمَا تَجْعَلُ فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ! قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللهم اشْفِ سَعْدًا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ عَسَى أَنْ تُخَلَّفَ ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَعِيشَ بَعْدِي حَتَّى يُضَرَّ بِكَ قَوْمٌ وَيَنْتَفِعَ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ! . وَفِي قَوْلِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْزَنُ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، لَا أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسِّيَرِ ، وَالْخَبَرُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا نَصًّا . وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضْتُ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمُوتُ بِأَرْضِي الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، وَفِي آخِرِهِ : لَكِنْ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْبَائِسُ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، فَقَالَ : إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا . قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْجِوَارِ بِمَكَّةَ فَرَخَّصَ فِيهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ لِئَلَّا يَغْلُوَ السِّعْرُ ، وَكُرِهَ لِمَنْ هَاجَرَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا حَتَّى تُخْرِجَنَا مِنْهَا . لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ حَلِيفٌ لَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .
1420 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلٌ ; يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ : مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ مُرْسَلًا إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونَ ، وَأَبَا عِصَامٍ النَّبِيلَ ، وَيَحْيَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي قَبِيلَةَ الْمَدَنِيَّ ، وَأَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ ، وَسَعِيدًا الزُّبَيْرِيَّ ، فَإِنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُتَّصِلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فَرُوِيَ عَنْهُ مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مُسْنَدًا كَرِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُدَامِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ ، وَالْقُدَامِيُّ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُتْبَةَ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَصْبَغَ بْنَ مَلِيحٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ حَمَّادٍ الْمَهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بالشفعة فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، زَادَ ابْنُ قَاسِمٍ فِيهِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَهْلٍ ، قَالَ عَلِيٌّ : وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ رَاشِدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ عَلِيٌّ : وَثَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ابْنِ أَخِي رِشْدِينَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، قَالُوا كُلُّهُمْ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بالشفعة فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى الْقَفَصِيُّ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ ابْنُ أَخِي رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي عَاصِمٍ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : قُلْتُ لِأَبِي عَاصِمٍ مِنْ أَيْنَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مَالِكٍ ؟ يَعْنِي حَدِيثَ الشُّفْعَةِ مُسْنَدًا ، فَقَالَ : سَمِعْتُ مِنْهُ بِمِنًى أَيَّامَ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، وَأَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ ، قَالُوا لِأَبِي عَاصِمٍ : إِنَّ النَّاسَ يُخَالِفُونَكَ فِي مَالِكٍ فِي حَدِيثِ الشُّفْعَةِ فَلَا يَذْكُرُونَ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ : هَاتُوا مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَمِعْتُهُ أَنَا فِيهِ ، إِنَّمَا كَانَ قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو جَعْفَرٍ مَكَّةَ ; فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْمُرَ مَالِكًا أَنْ يُحَدِّثَهُمْ ; فَأَمَرَهُ فَسَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ : وَهَذَا فِي حَيَاةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ; لِأَنَّ أَبَا عَاصِمٍ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ حِينَ مَاتَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَلَمْ يَعُدْ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَاصِمٍ يَتَهَيَّبُ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى بَلَغَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ لَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَجَعَ إِلَى الْحَدِيثِ بِهِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بالشفعة فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، زَادَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ : قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : ثُمَّ لَقِيتُ مَالِكًا بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَحَدَّثَنَاهُ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَجَعَلَهُ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُوسٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَبَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، وَأَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ تَقَعِ الْحُدُودُ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ ، وَعَبْدٌ الدُّورِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ الزِّيَادِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ . وَلَفْظُ أَبِي قِلَابَةَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا حُدَّتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِي عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْنَدًا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الدَّارِمِيَّ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : هَكَذَا حَدَّثَنَا بِهِ مَالِكٌ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ كَأَنَّهُ يَقُولُ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ ; وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ ; فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ يَحْيَى بْنُ أَبِي قُتَيْلَةَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ الْقَاضِي إِمْلَاءً قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ يَحْيَى بْنُ أَبِي قُتَيْلَةَ الْمَدَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ يَحْيَى بْنُ أَبِي قُتَيْلَةَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي قُتَيْلَةَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَلَى الِاتِّصَالِ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ الْمُفَسِّرُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بالشفعة فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قُتَيْبَةَ الْمَهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَبُو عَاصِمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيِّ ، بِالْأَسَانِيدِ عَنْهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ غَيْرَ مَالِكٍ ; فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَيْهِ أَيْضًا ; فَرَوَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرْنَا ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ وَجَعَلَهُ مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدٍ ، ورَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضُ أَوْ حُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ حَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةَ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ . لَمْ يَذْكُرْ سَعِيدًا وَجَعَلَهُ عَنْ جَابِرٍ . هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، وَهِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : رِوَايَةُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الشُّفْعَةِ حَسَنَةٌ ، قَالَ : وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : رِوَايَةُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَصَحُّ فِي نَفْسِي مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَكْثَرَ النَّاسِ بَحْثًا عَلَى هَذَا الشَّأْنِ ; فَكَانَ رُبَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عنهم ، ومرة عن أحدهم ، ومرة عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى قَدْرِ نَشَاطِهِ ، فِي حِينِ حَدِيثِهِ ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ ; كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَغَيْرِهِ ، وَرُبَّمَا لَحِقَهُ الْكَسَلُ فَلَمْ يُسْنِدْهُ ، وَرُبَّمَا انْشَرَحَ فَوَصَلَ ، وَأَسْنَدَ عَلَى حَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ الْمُذَاكَرَةُ ; فَلِهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا كَبِيرًا فِي أَحَادِيثِهِ ، وَيُبَيِّنُ لَكَ مَا قُلْنَا رِوَايَتُهُ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ : فَمَرَّةً يَذْكُرُ فِيهِ وَاحِدًا ، وَمَرَّةً اثْنَيْنِ ، وَمَرَّةً جَمَاعَةً ، وَمَرَّةً جَمَاعَةً غَيْرَهَا ، وَمَرَّةً يَصِلُ ، وَمَرَّةً يَقْطَعُ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الشُّفْعَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ يُوجِبُونَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِي الْمَشَاعِ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا صَرْفُ الْحُدُودِ وَتَطْرِيقُ الطُّرُقِ . وَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ ابْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَفْظٌ مُشْكَلٌ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالشُّفْعَةِ ، وَالصَّقَبُ : الْقُرْبُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ قَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عِيسَى الْقَفَصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ حِجَازِيٌّ ثِقَةٌ ، وَهُوَ أَبُو يَعْلَى بْنُ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ يُحَدِّثُ عَنِ الشَّرِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمَرْءُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ ، قُلْتُ لِعَمْرٍو : وَمَا صَقَبُهُ ؟ قَالَ : الشُّفْعَةُ ، قُلْتُ : مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : الْجِوَارُ ، قَالَ : إِنَّ النَّاسَ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شِرْيكٍ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ : ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا . وَأَوْجَبَ آخَرُونَ الشُّفْعَةَ بِالطَّرِيقِ ; إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا لِحَدِيثٍ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ قَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يَنْتَظِرُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ; قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يَنْتَظِرُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدَةً . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الشَّرِيكَ فِي الْمَشَاعِ ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الشَّرِيكَ جَارًا ، وَالزَّوْجَةَ جَارَةً ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا لَمْ تَتَعَارَضِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنِّي أَقُولُ : إِنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا فِي ذِكْرِ الطَّرِيقِ قَدْ أَنْكَرَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ ، وَقَالُوا : لَوْ جَاءَ بِآخَرَ مِثْلِهِ تُرِكَ حَدِيثُهُ وَلَيْسَ عَبْدُ الْمَلِكِ هَذَا مِمَّا يُعَارَضُ بِهِ أَبُو سَلَمَةَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَتِهِمَا عَنْ جَابِرٍ مَا يَدْفَعُ رِوَايَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذِهِ ، وَإِيجَابُ الشُّفْعَةِ إِيجَابُ حُكْمٍ ، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَجِبُ بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ، وَلَيْسَ فِي الشُّفْعَةِ أَصْلٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ ، وَلَا خِلَافَ إِلَّا فِي الشَّرِيكِ الْمَشَاعِ فَقِفْ عَلَيْهِ ، وَفِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شِرْكٍ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ - مَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي غَيْرِ الْمَشَاعِ مِنَ الْعَقَارِ . وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ - مَا يَنْفِي شُفْعَةَ الْجَارِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَقَدْ أَوْجَبَ قَوْمٌ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَسَائِرِ الْمَشَاعِ مِنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا ، وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَكِّيِّينَ ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا لِضَعْفِهَا وَنَكَارَتِهَا وَأَبَى أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مِنَ الشُّفْعَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا مَشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ، وَتَصْلُحُ فِيهِ الْحُدُودُ لِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ; لِأَنَّهُ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَقْسُومٍ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : إِذَا ضُرِبَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : قُلْتُ لِطَاوُسٍ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِذَا ضُرِبَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ : قَالَ طَاوُسٌ : الْجَارُ أَحَقُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا لَمْ تَجِبِ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إِذَا قَسَّمَ وَضَرَبَ الْحُدُودَ ; كَانَ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ لَمْ يُقْسَمْ وَلَا ضَرَبَ الْحُدُودَ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ . فَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي كُلِّ أَصْلٍ مَشَاعٍ مِنْ رَبْعٍ ، أَوْ أَرْضٍ ، أَوْ نَخْلٍ ، أَوْ شَجَرٍ ، تَمْكُنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ وَالْحُدُودُ وَهَذَا فِي الشَّرِيكِ فِي الْمَشَاعِ دُونَ غَيْرِهِ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة فِي الْمَشَاعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمَشَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعيَّرْ ، إِذَا عُلِمَ السَّهْمُ وَالْجُزْءُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ تَمَامِ الْبَيْعِ فِي الْمَشَاعِ أَنَّ الْعُهْدَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُقْسَمْ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حُدُودٌ لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، وَهَذَا يَنْفِي الشُّفْعَةَ أَيْضًا فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُقْسَمْ ، وَيُوجِبُهَا فِي الْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي الْأَرْضِ الْمَشَاعِ دُونَ مَا عَدَاهُ ; فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُوجِبَةَ لِلشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَغَيْرِهِ فِيهَا زِيَادَةُ حُكْمٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا ، قِيلَ لَهُ : قَدْ عَارَضَهَا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ لِأَنَّهُ يَنْفِي الشُّفْعَةَ بِقَوْلِهِ : ( ( الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ ) ) فَأَوْجَبَ الشُّفْعَةَ فِي الْمَشَاعِ وَأَبْطَلَهَا فِي الْمَقْسُومِ ، وَإِذَا حَصَلَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَعَارِضَةً مُتَدَافِعَةً سَقَطَتْ عِنْدَ النَّظَرِ ، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْأُصُولِ ، وَأُصُولُ السُّنَنِ كُلُّهَا وَالْكِتَابُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِخْرَاجُ مِلْكٍ مِنْ يَدٍ قَدْ مَلَكَتْهُ مِلْكًا صَحِيحًا إِلَّا بِحُجَّةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا ، وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً صَحِيحًا قَدْ مَلَكَ مِلْكًا تِمًّا فَكَيْفَ يُؤْخَذُ مَالُهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ دُونَ حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ؟ وَهَذَا الَّذِي احْتَجَجْنَا لَهُ ، كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا فِي الشُّفْعَةِ فِي الثَّمَرَةِ ; إِذَا بِيعَتْ حِصَّةٌ مِنْهَا دُونَ الْأَصْلِ ; فَأَوْجَبَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ فِيهَا ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ ، وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنُ دِينَارٍ : لَا شُفْعَةَ فِيهَا ، وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَهْلِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلِي أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ إِذَا بِيعَتْ مَعَ الْأَصْلِ وَاشْتَرَطَهَا مُشْتَرِيهَا ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فَكَأَنَّهَا شَيْءٌ مِنْهُ إِذَا بِيعَتْ مَعَهُ ، وَقَدْ أَبْطَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشُّفْعَةَ فِي الْأَرْضِ دُونَ الرَّحى ، وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، فَأَوْجَبَا الشُّفْعَةَ فِي الرَّحى مَعَ الْأَرْضِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّحى مَعَ أَرْضِهَا أَثْبَتُ وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ الَّتِي وَرَدَتِ الشُّفْعَةُ فِي مِثْلِهَا مِنَ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ دُونَ أَصْلِهَا ، وَمِنَ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ مَعَ الْأَصْلِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي الصَّفْقَةِ إِلَّا بِاشْتِرَاطٍ كَسَائِرِ الْعُرُوضِ الْمُبَايِنَةِ ، وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، يَقُولُ سَحْنُونٌ فِي الشُّفْعَةِ فِي الرَّحى : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْحَمَّامِ ، وَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ ، وَنَفَاهَا بَعْضُهُمْ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَيْضًا فِي الشُّفْعَةِ ، فِي الْكِرَاءِ وَفِي الْمُسَاقَاةِ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْمَشَاعِ ، وَالْقَوْلُ بِهِ نَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالرَّشَادُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْأَرْضِينَ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَلَا شُفْعَةَ فِي ثَمَرَةٍ ، وَلَا كِتَابَةِ مُكَاتِبٍ ، وَلَا فِي دَيْنٍ ، وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأُصُولِ وَالْأَرْضِينَ خَاصَّةً ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَا شُفْعَةَ فِي عَيْنٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا بَيَاضٌ ، وَلَا فِي بِئْرٍ ، وَلَا فِي عَرْصَةِ دَارٍ ، وَلَا فَحْلِ نَخْلٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْأُصُولِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِ الْأُصُولِ الَّتِي قُصِدَتْ بِإِيجَابِ الشُّفْعَةِ فِيهَا . قَالَ : وَجَرَى ذِكْرُ الْحُدُودِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِيهَا وَمَا لَا تَأْخُذُهُ الْحُدُودُ مِنْهَا فَتَبَعٌ لَهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُهَا ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبِ الشُّفْعَةَ فِي الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ الَّتِي قَدْ قُسِّمَ الْبَيَاضُ الَّذِي يُسْقَى مِنْهَا ; ثُمَّ نَبَعَتِ الْعَيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَفِي فَحْلِ النَّخْلِ فَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا تَأْخُذُهُ الْحُدُودُ إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَنَاقُضٌ فِي إِيجَابِهِ الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ وَالْكِرَاءِ وَتَنَاقُضٌ آخَرُ فِي نَفْيِ الشُّفْعَةِ عَنْ عَرْصَةِ الدَّارِ ، وَلِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وُجُوهٌ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الِاعْتِرَاضَاتُ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَيْضًا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ هَلْ يَكُونُ الْمِدْيَانُ أَحَقَّ بِهِ أَمْ لَا ؟ وَرُوِيَتْ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَقُّ بِهِ ، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ مِنْ بَابِ الشُّفْعَةِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي كَالْبَائِعِ فِي حُسْنِ التَّقَاضِي وَالْبُعْدِ مِنَ الْأَذَى وَالْجَوْرِ ، فَلَا قَوْلَ لِلْمَدِينِ فِي ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ ، وَذِكْرُ الشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ تَجِبَ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يُقْسَمْ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ ، عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ ، وَهُوَ يَنْفِي الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقِسْمَةُ بِضَرْبِ الْحُدُودِ مِنَ الْأُصُولِ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى مَا يُضْرَبُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْأُصُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي مَشَاعٍ مِنَ الْأُصُولِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي دُخُولِ الْعَصَبَاتِ عَلَى أَصْحَابِ السِّهَامِ فِي الشُّفْعَةِ مِثْلُ : رَجُلٌ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ وَعَصَبَةً فَبَاعَ أَحَدُ الْبَنَاتِ حِصَّتَهَا مِنَ الرُّبْعِ الْمَوْرُوثِ ; فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِي نَصِيبِهَا مِنْ ذَلِكَ لِأَخَوَاتِهَا دُونَ الْعَصَبَاتِ ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَصَبَةُ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ فِي شُفْعَتِهِمْ بَيْنَهُمْ ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الْعَصَبَةِ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ ، دَخَلَ الْبَنَاتُ مَعَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْعَصَبَةِ فِي الشُّفْعَةِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ ، وَابْنُ دِينَارٍ : يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ الشَّرِكَةُ ، وَدُخُولُ الضَّرَرِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَلَيْسَ لِلْقَرَابَةِ فِي ذَلِكَ مَعْنًى عِنْدَهُمْ ، وَمَسَائِلُ الشُّفْعَةِ وَفُرُوعُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا يَصْلُحُ بِنَا إِيرَادُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
1622 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ الْجُبَارِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْجُبَارَ : الْهَدْرُ الَّذِي لَا أَرْشَ فِيهِ ، وَلَا دِيَةَ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : كَمْ مَلِكٍ نُزِعَ الْمُلْكُ عَنْهُ وَجُبَارٌ بِهَا دَمُهُ جُبَارُ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ . هَكَذَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عن الْقَعْنَبِيُّ ، وَهُوَ عِنْدَنَا فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، هَكَذَا ذكره القعنبي فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ; فَقَالَ فِيهِ مَالِكٌ : إنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . هَكَذَا ذكره القعنبي فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ اخْتَصَرَ إِسْنَادَهُ وَلَفْظَهُ ، وَذَكَرَهُ يَحْيَى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مُخْتَصِرًا لِلَّفْظِ ، وَجَاءَ بِإِسْنَادِهِ كَامِلًا ، فَقَالَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ ، فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا هَكَذَا ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ ، هَكَذَا حَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ; كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ سَوَاءً . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُرْحُهُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . وَالْعَجْمَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ بَهِيمَةٍ وَسَبُعٍ وَحَيَوَانٍ غَيْرِ نَاطِقٍ مُفْصِحٍ . قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ كَلْبًا : يَكَادُ إِذَا مَا أَبْصَرَ الضَّيْفَ مُقْبِلًا يُكَلِّمُهُ مِنْ حُبِّهِ وَهْوَ أَعْجَمُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ حَمَامَةً : وَلَمْ أَرَ مَحْزُونًا لَهُ مِثْلَ صَوْتِهَا وَلَا عَرَبِيًّا شَاقَهُ صَوْتُ أَعَجَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَالْجُبَارُ فِي كَلَامِ أَهْلِ تِهَامَةَ الْهَدْرُ ، وَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ فِي مَعْدِنٍ ، وَمَا اسْتُخْرِجَ مِنْهُ وَمَا وُجِدَ مِنْ مَالٍ مَدْفُونٍ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَقُولُ : هُوَ مَغْنَمٌ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْجُبَارُ الْهَدْرُ الَّذِي لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَجُرْحُ الْعَجْمَاءِ جِنَايَتُهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَجْمَاءَ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً نَهَارًا أَوْ جَرَحَتْ جُرْحًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيهِ سَبَبٌ أَنَّهُ هَدَرٌ ; لَا دِيَةَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَا أَرْشَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوَاشِي يُهْمِلُهَا صَاحِبُهَا ، وَلَا يُمْسِكُهَا لَيْلًا فَتَخْرُجُ ; فَتُفْسِدُ زَرْعًا أَوْ كَرْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ثِمَارِ الْحَوَائِطِ وَالْأَجِنَّةِ وَخَضِرِهَا ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ ; أَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي وَجَنَتْ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ آدَمِيٍّ أَنَّهُ هَدَرٌ مِنَ الزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الدَّابَّةِ الضَّارِيَةِ الْمُعْتَادَةِ الْفَسَادَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ وَأَمَّا السَّائِقُ لِلدَّابَّةِ أَوْ رَاكِبُهَا أَوْ قَائِدُهَا فَإِنَّهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ ضَامِنُونَ لِمَا جَنَتِ الدَّابَّةُ مِنْ أَجْلِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا ضَمَانَ فِي جُرْحِ الْعَجْمَاءِ عَلَى أَحَدٍ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ بِرِجْلٍ أَوْ بِمُقَدَّمٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ جُرْحَهَا جُبَارًا ، وَلَمْ يَخُصَّ حَالًا مِنْ حَالٍ . قَالُوا : فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ بِسَبَبِ جِنَايَةِ عَجْمَاءَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَأَرْسَلَهَا عَلَيْهِ ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ كَالْآلَةِ فَيَضْمَنُ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ وَقَصْدِهِ إِلَى إِفْسَادِ مَالِ غَيْرِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَكَذَلِكَ إِذَا تَعَدَّى فِي إِرْسَالِهَا أَوْ رَبْطِهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِبُ لَهُ رَبْطُهَا فِيهِ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ جِنَايَةَ دَابَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَ مِنْ رُكُوبِهَا وَسِيَاقَتِهَا وَقِيَادَتِهَا وَإِرْسَالِهَا مَا لَهُ فِعْلُهُ ; فَلَا يَضْمَنُ إِلَّا الْفَاعِلُ الْقَاصِدُ ، إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى غَيْرِهِ فِي مَوْضِعٍ مَا فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لِإِجْمَاعِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ خَاصَّةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ أَنَّ مَا جَنَتْ يَدُ الْإِنْسَانِ خَطَأً أَنَّهُ يَضْمَنُهُ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ دَمًا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ تَسْلِيمًا لِلسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ضَمَانُ السَّائِقِ وَالرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ ، عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْنَا فَافْهَمْهُ ، وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّهُ ضَمَّنَ الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ عَقْلَ مَا أَصَابَ الْفَرَسُ ، وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَادَ بَدَنَةً فَأَصَابَتْ طَيْرًا فَقَتَلَتْهُ فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَقُودُهَا أَوْ يَسُوقُهَا حَتَّى أَصَابَتِ الطَّيْرَ ; فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا قَتَلَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُودُهَا وَلَا يَسُوقُهَا فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا أَصَابَتْ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانُوا لَا يَضْمَنُونَ مِنَ النَّفْحَةِ وَيَضْمَنُونَ مِنْ رَدِّ الْعَنَانِ ، وَقَالَ حَمَّادٌ : لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ الْإِنْسَانُ الدَّابَّةَ ، وَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ حَمَّادٌ أَيْضًا : إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا سَاقَ الدَّابَّةَ فَأَتْعَبَهَا ; فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَرْسِلًا لَمْ يَضْمَنْ ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَرَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْفَارِسَ مَا أَوْطَأَتْ دَابَّتُهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَيُبَرِّئُ مِنَ النَّفْحَةِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاكِبَ كَانَ سَبَبَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ فَزَعَهَا الرَّاكِبُ أَوْ عَنَّتَهَا ضَمِنَ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُفْزِعْهَا وَلَمْ يُعْنِتْهَا لَمْ يَضْمَنْ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا ، وَيَضْمَنْ مَا أَصَابَتْ بِمُقَدِّمِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي نَفْحَةِ الدَّابَّةِ بِرِجْلِهَا إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا يَسِيرُ عَلَيْهَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَبْطَلَ النَّفْحَةَ بِالرِّجْلِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ فَهُوَ جُبَارٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَيُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنَ الْيَدِ وَالْفَمِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ فِيمَا تُفْسِدُ وَتَجْنِي عَلَيْهِ ، لَا فِي اللَّيْلِ وَلَا فِي النَّهَارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا أَوْ مُرْسِلًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الضَّمَانُ عَنِ الْبَهَائِمِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا أَصَابَتْ مِنَ الزَّرْعِ بِاللَّيْلِ فَأَفْسَدَتْهُ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : إِذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ فَمِهَا أَوْ ذَنَبِهَا مِنْ نَفْسٍ أَوْ جُرْحٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ مَنْعَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ كُلِّ مَا تُتْلِفُ بِهِ شَيْئًا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ الْمُقَطَّرَةُ بِالْبَعِيرِ ; لِأَنَّهُ قَائِدُهَا ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا إِلَّا ضَمَانُ كُلِّ مَا أَصَابَتْ بِهِ الدَّابَّةُ تَحْتَ الرَّاكِبِ ، أَوْ لَا يَضْمَنُ إِلَّا مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ ، لَا يَصِحُّ إِلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، فَأَمَّا مَنْ ضَمِنَ عَنْ يَدِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ عَنْ رِجْلِهَا فَهُوَ تَحَكُّمٌ قَالَ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّ الرِّجْلَ جُبَارٌ ; فَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْحُفَّاظَ لَمْ يَحْفَظُوهُ هَكَذَا ، قَالَ : وَلَوْ أَوْقَفَهَا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِفَهَا فِيهِ ، ضَمِنَ ، وَلَوْ أَوْقَفَهَا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ ، قَالَ : وَلَوْ جَعَلَ فِي دَارِهِ كَلْبًا عَقُورًا أَوْ حُبَالَةً فَدَخَلَ إِنْسَانٌ فَقَتَلَهُ الْكَلْبُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ الْمُزَنِيُّ : سَوَاءٌ عِنْدِي أَذِنَ لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ، وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتِ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا أَوْ قَادَهَا أَوْ سَاقَهَا كَمَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ وَهُوَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِجْلِهَا ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ : كُلُّهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَيَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا وَمُقَدَّمِهَا إِذَا كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا أَوْ سَائِقًا لَهَا أَوْ قَائِدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجْلِ وَالْمُقَدَّمِ فِي رَاكِبِ الدَّابَّةِ وَسَائِقِهَا وَقَائِدِهَا فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْ جِنَايَةِ فَمِهَا وَيَدِهَا إِذَا كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا أَوْ قَائِدًا لَهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مِنْ رِجْلِهَا ، وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الرِّجْلُ جُبَارٌ ، وَهَذَا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَهُ إِسْنَادَانِ : أَحَدُهُمَا : رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْبِئرُ جُبَارٌ وَالرِّجْلُ جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ، هَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ هَذَا وَرَوَاهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَصَلَهُ وَأَسْنَدَهُ ، وَلَيْسَ زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ مِثْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبُو قَيْسٍ أَيْضًا لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي حُكْمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ ، وَالْإِسْنَادُ الْآخَرُ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ الْوَاسِطِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الرِّجْلُ جُبَارٌ وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا سُفْيَانَ بْنَ حُسَيْنٍ وَهُوَ عِنْدَهُمْ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : النَّارُ جُبَارٌ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : أَصْلُهُ الْبِئرُ جُبَارٌ وَلَكِنَّهُ صَحَّفَهُ مَعْمَرٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ ابْنِ مَعِينٍ هَذَا نَظَرٌ ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : قَالَ لَنَا ابْنُ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ أَخْبَرَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : النَّارُ جُبَارٌ وَالْبِئرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ، وَقَدْ كَانَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُفْتِي بِأَنَّ الرِّجْلَ جُبَارٌ ، رَوَاهُ أَبُو فَرْوَةَ وَالشَّيْبَانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ : أَنَّ مَنْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِفَهَا فِيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ ضَيِّقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، فَجَنَتْ جِنَايَةً أَنَّهُ ضَامِنُهَا ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا فِي مَوْضِعٍ يَعْرِفُ النَّاسُ مِثْلَهُ تُوقَفُ فِيهِ الدَّوَابُّ أَوْ يُوقَفُ فِيهِ مِثْلُ دَابَّتِهِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : نَحْوَ دَارِ نَفْسِهِ أَوْ بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ دَارِ الْعَالِمِ أَوِ الْقَاضِي أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا جَنَتْ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرْسَلَهَا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهَا فِيهِ ضَمِنَ مَا جَنَتْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَالْبِئرُ جُبَارٌ فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الْبِئرِ وَحَافِرِهَا إِذَا سَقَطَ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَلِفَ وَعَطِبَ ، هَذَا إِذَا كَانَ حَافِرُ الْبِئرِ قَدْ حَفَرَهَا فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْفِرَهَا فِيهِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَهَا فِي فَنَائِهِ أَوْ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي دَارِهِ أَوْ فِي صَحْرَاءَ لِلْمَاشِيَةِ أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ مُحْتَمَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ وَأَصْحَابِهِمْ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْفِرَ فِي الطَّرِيقِ بِئرًا يُحْدِثُهَا لِلْمَطَرِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْفِرَ إِلَى جَنْبِ حَائِطِهِ مِرْحَاضًا ، وَلَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ مِيزَابًا ، وَلَا يَضْمَنُ مَا عَطِبَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَمَا حَفَرَهُ فِي الطَّرِيقِ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ لِضِيقِ الطَّرِيقِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا عَطِبَ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ : إِنْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئرًا لِسَارِقٍ يَرْصُدُهُ لِيَقَعَ فِيهِ أَوْ وَضَعَ لَهُ حِبَالَاتٍ أَوْ شَيْئًا يُتْلِفُ بِهِ السَّارِقَ فَدَخَلَ فَعَطِبَ فَهُوَ ضَامِنٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَجْهُ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفِرِ الْبِئرَ لِمَنْفَعَتِهِ ، وَإِنَّمَا حَفَرَهَا قَاصِدًا لِيُعْطِبَ بِهَا غَيْرَهُ ، فَهُوَ الْجَانِي حِينَئِذٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ : فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فِي هَذَا فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي الطَّرِيقِ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ ، قَالُوا : وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبِئرُ جُبَارٌ يَدْفَعُ الضَّمَانَ عَنْ رَبِّهَا فِي كُلِّ مَا سَقَطَ فِيهَا بِغَيْرِ صَنِيعِ آدَمِيٍّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمَعَادِنَ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ تَحْتَ الْأَرْضِ إِذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِنْهَا وَانْهَارَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهَا فَمَاتَ أَنَّهُ هَدَرٌ ، لَا دِيَةَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَقَطَ فِيهَا فَعَطِبَ بَعْدَ حَفْرِهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الرِّكَازِ ، وَفِي حُكْمِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : الرِّكَازُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ لِلْوَاجِدِ ، وَفِيهِ الْخُمُسُ قَالَ : وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ ; فَإِنَّهُ لِأَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْوَاجِدِ فِيهِ ، قَالَ : وَمَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَهُوَ لِلْجَمَاعَةِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا ، وَلَيْسَ لِمَنْ أَصَابَهُ دُونَهُمْ ، وَيُؤْخَذُ خُمُسُهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي الْعَرُوضِ ، وَالْجَوْهَرِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَنَحْوِهِ يُوجَدُ رِكَازًا أَنَّ فِيهِ الْخُمُسَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا أَرَى فِيهِ شَيْئًا ثُمَّ آخِرُ مَا فَارَقْنَاهُ عَلَيْهِ أَنْ قَالَ : فِيهِ الْخُمُسُ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : كُلُّ مَا وَجَدَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي خَرِبِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ الَّتِي يَفْتَتِحُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ظَاهِرَةٍ أَوْ مَدْفُونَةٍ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ الرِّكَازُ ، وَيُجْرَى مَجْرَى الْغَنَائِمِ يَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، وَيَكُونُ سَبِيلُ خُمُسِهِ سَبِيلَ خُمُسِ الْغَنَائِمِ يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ صَرْفِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : وَإِنَّمَا حَكَمَ لِلرِّكَازِ بِحُكْمِ الْغَنِيمَةِ ; لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فَأُنْزِلَ مَنْزِلَةَ مَنْ قَاتَلَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ فَإِنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الرِّكَازِ يُوجَدُ فِي الدَّارِ أَنَّهُ لِلْوَاجِدِ دُونَ صَاحِبِ الدَّارِ ، وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : الرِّكَازُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا كَانَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الْبَدْرَةِ أَوِ الْقِطْعَةِ يَكُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيُوجَدُ بِلَا مُؤْنَةٍ وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَقَوْلُ الطَّبَرِيِّ كَقَوْلِهِمْ سَوَاءً ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي الرِّكَازِ يُوجَدُ فِي الدَّارِ : إِنَّهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ دُونَ الْوَاجِدِ وَفِيهِ الْخُمُسُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُوَ لِلْوَاجِدِ وَفِيهِ الْخُمُسُ وَإِنْ وُجِدَ فِي فَلَاةٍ فَهُوَ لِلْوَاجِدِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ أَرْضُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهَا ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ لِوَاجِدِهِ أَنْ يَحْبِسَ الْخُمُسَ لِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْمَسَاكِينِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَجْهُ هَذَا عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ - أَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاكِينِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ السُّلْطَانَ إِنْ صَرَفَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الرِّكَازُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ الْعَرُوضَ وَغَيْرَهَا وَفِيهِ الْخُمُسُ وَسَوَاءٌ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ عَنْوَةٍ أَوْ صُلْحٍ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ ; فَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَهُوَ لَهُ إِنِ ادَّعَاهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَهُوَ لِلْوَاجِدِ وَفِيهِ الْخُمُسُ قَالَ : وَإِنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ مَنَازِلِهِمْ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُ وَلِلْجَيْشِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْوَاجِدِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَدُوُّ مِمَّا لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْفَيَافِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ الرِّكَازِ فِي اللُّغَةِ مَا ارْتَكَزَ بِالْأَرْضِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْبَدْرَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْمَعْدِنِ مُرْتَكِزَةً بِالْأَرْضِ لَا تُنَالُ بِعَمَلٍ وَلَا بِسَعْيٍ وَلَا نَصَبٍ ; فَفِيهَا الْخُمُسُ لِأَنَّهَا رِكَازٌ ، وَدَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَمْوَالِهِمْ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ركاز لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ إِذَا كَانَ دَفْنُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ ; فَحُكْمُهُ عِنْدَهُمْ حُكْمُ اللُّقَطَةِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُ مُسْلِمٍ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ - عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي زَكَاةِ الْمَعَادِنِ غَيْرُ الْحُكْمِ فِي الرِّكَازِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَصَلَ بَيْنَ الْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ بِالْوَاوِ الْفَاصِلَةِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ حُكْمُهُمَا سَوَاءٌ لَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ . فَلَمَّا قَالَ : الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ ، عُلِمَ أَنَّ حُكْمَ الرِّكَازِ غَيْرُ حُكْمِ الْمَعْدِنِ فِيمَا وُجِدَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَعَادِنِ : فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : فِيمَا خَرَجَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ الْخُمُسُ ، وَمَا كَانَ فِي الْمَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ اعْتَبَرَ كُلَّ وَاحِدٍ فِيمَا حَصَلَ بِيَدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَزَكَّاهُ لِتَمَامِ الْحَوْلِ إِنْ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ نِصَابٌ عِنْدَهُ الْحَوْلُ ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ضَمَّهُ إِلَى ذَلِكَ وَزَكَّاهُ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ كُلُّ فَائِدَةٍ تُضَمُّ فِي الْحَوْلِ إِلَى النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهَا ، وَتُزَكَّى بِحَوْلِ الْأَصْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، قَالُوا : وَكُلُّ مَا ارْتَكَزَ بِالْأَرْضِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْجَوَاهِرِ فَهُوَ رِكَازٌ ، وَفِيهِ الْخُمُسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : فِي ذَهَبِ الْمَعْدِنِ وَفِضَّتِهِ الْخُمُسُ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُمَا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا شَيْءَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ حَتَّى يَكُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا أَوْ خَمْسَ أَوَاقِي فِضَّةً ، وَإِذَا بَلَغَتَا هَذَا الْمِقْدَارَ وَجَبَ فِيهِمَا الزَّكَاةُ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي الْمَعْدِنِ نَيْلٌ ، فَإِنِ انْقَطَعَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ نَيْلٌ آخَرُ فَإِنَّهُ يُبْتَدَأُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَكَانَهُ ، وَالْمَعْدِنُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ فِي حِينِهِ ، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ حَوْلًا فَإِنِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ، وَلَمْ يَكْمُلْ فِيمَا خَرَجَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ نِصَابٌ ثُمَّ ابْتَدَأَ الْعَمَلَ لَمْ يَضُمَّ مَا خَرَجَ إِلَى مَا حَصَلَ بِالْعَمَلِ الْأَوَّلِ كَزَرْعٍ ابْتُدِئَ حَصَادُهُ قَالَ : وَإِنْ وُجِدَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي الْمَعْدِنِ مِنْ غَيْرِ كَثِيرِ عَمَلٍ ، كَالْبَدْرَةِ وَشِبْهِهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَازِ وَفِيهِ الْخُمُسُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَا وُجِدَ فِي الْمَعْدِنِ بِغَيْرِ عَمَلٍ فَهُوَ رِكَازٌ فِيهِ الْخُمُسُ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ ، خَاصَّةً فِي بَابِ رَبِيعَةَ وَهَذَا كُلُّهُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَدْرَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْمَعْدِنِ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ وَإِنَّمَا الْخُمُسُ فِي الرِّكَازِ ، وَهُوَ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا شَيْءَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَعَادِنِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، وَقَالَ فِي الْمَعْدِنِ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ : إِذَا ظَهَرَ فِيهَا فَهُوَ لِأَهْلِهَا ، وَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا النَّاسَ مِنَ الْعَمَلِ فِيهَا ، وَأَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ وَلَهُمْ مَا يُصَالِحُونَ عَلَيْهِ مِنْ خُمُسٍ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً فَهُوَ إِلَى السُّلْطَانِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي رَجُلٍ لَهُ مَعَادِنُ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ مَا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا ، وَلَا يُزَكِّي إِلَّا عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ كَالزَّرْعِ ، وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : وَأَمَّا الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ فِيهِ فَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ قَالَ الْمُزَنِيُّ : الْأَوْلَى بِهِ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعْدِنِ فَائِدَةٌ تُزَكَّى لِحَوْلِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ ، قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْمَعَادِنُ زَكَاةٌ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَقَالَ عَنْهُ الرَّبِيعُ فِي الْبُوَيْطِيِّ : وَمَنْ أَصَابَ مِنْ مَعْدِنٍ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فَقَدْ قِيلَ ، هُوَ كَالْفَائِدَةِ يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْحَوْلَ ، وَقِيلَ إِذَا بَلَغَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ مَكَانَهُ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَائِدَةِ تُسْتَأْنَفُ بِهِ حَوْلًا ، وَلَا تَجْرِي فِيهِ الزَّكَاةُ إِلَّا مَعَ مُرُورِ الْحَوْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا حَصَّلَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَقَوْلُ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ دَاوُدُ : وَمَا خَرَجَ مِنَ الْمَعَادِنِ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ ، إِنَّمَا الرِّكَازُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَفِيهِ الْخُمُسُ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ ، وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ فَهُوَ فَائِدَةٌ إِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ عِنْدَ مَالِكٍ صَحِيحُ الْمِلْكِ ، وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ عَلَى مِقْدَارَيْهِمَا ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي الْمَعَادِنِ حَدِيثُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْمَعَادِنَ الْقِبْلِيَّةَ ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَى الْيَوْمِ إِلَّا الزَّكَاةُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ لَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى قَوْمًا مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبَهُمْ ذَهَبَةً فِي تُرْبَتِهَا ، بَعَثَهَا عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ قَالَ : وَالْمُؤَلَّفَةُ إِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي الزَّكَوَاتِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمَعَادِنَ سُنَّتُهَا سُنَّةُ الزَّكَاةِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَعَثَ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَعَثَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَهَبَةٍ فِي أُدْمٍ مَقْرُوظٍ وَلَمْ تَحْصُلْ مِنْ تُرْبَتِهَا فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : بَيْنَ زَيْدِ الْخَيْرِ ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَابْنِ عُلَاثَةَ أَوْ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : قَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَؤُلَاءِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ وَهُمُ الْمُؤَلَّفَةُ قَالَ : وَعَلَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الصَّدَقَةِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَسْتَعْمِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْنَاهُ مِنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ : إِنْ كُنْتَ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ أَوْ فِي سَبِيلٍ مِيتَاءٍ فَعَرِّفْهُ ، وَإِنْ كُنْتَ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ سَبِيلٍ مِيتَاءٍ ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مُرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ : قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ .
210 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ مِنْ رُوَاتِهِ وَطُرُقِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ خَاصَّةً مَا حَضَرَنَا ، وَلَمْ يُسْنِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا عَلِمْتُ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ ; أَخُو فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ; فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُوسٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ قَالَا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْوَزَّانُ بِحَلَبَ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ بِالرِّقَّةِ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخُو فُلَيْحٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ النَّهَارِ ; فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكٍ مُسْنَدًا ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا مَعَانِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ; فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُسْتَوْعَبَةً مُسْتَقْصَاةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي بَابِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
195 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ " آمِينَ " لَا خِلَافَ بَيْنَ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، كُلُّهُمْ يَجْعَلُ قَوْلَهُ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَدْ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْمَدَنِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : آمِينَ وَلَمْ يُتَابِعْ حَفْصٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَإِنَّمَا هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ سُمَيٍّ وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَرَوَاهُ الْغُدَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ وَرَوَاهُ جُوَيْرَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدًا وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، لِدَلَائِلَ سَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّأْمِينَ هُوَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ : آمِينَ عِنْدَ دُعَائِهِ أَوْ دُعَاءِ غَيْرِهِ إِذَا سَمِعَهُ ، وَمَعْنَى آمِينَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ : اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا ، وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى قَوْلِ الْقَارِئِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ وَلا الضَّالِّينَ فَهَذَا هُوَ الدُّعَاءُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْمِينُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ ، فَكَأَنَّ الْقَارِئَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ، اللَّهُمَّ آمِينَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ فِيهِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا تَأْمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ خَاتِمَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا ; فَنَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْقَوْلِ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ يَعْنِي عِنْدَ قَوْلِهِ : وَلا الضَّالِّينَ فَأَمِّنُوا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ . وَفِي هَذَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِي بِغَيْرِهَا وَسَنَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَنَأْتِي بِالْحُجَّةِ لِاخْتِيَارِنَا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى آمِينَ أَشْهَدُ لِلَّهِ ، وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَاهَا كَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ ، وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ : الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مِثْلَ : أَوَهَ وَآوَهَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَ وَقَالَ آخَرُ - فَقَصَرَ - : تَبَاعَدَ مِنِّي فَحْطَلٌ إِذْ دَعَوْتُهُ أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : أَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَأْمِينَ الْمَأْمُومِ قَوْلُهُ آمِينَ ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْإِمَامِ سَوَاءً ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ ، وَلَمْ يَقُلْ إِذَا دَعَا الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ آمِينَ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ خَلْفَهُ دُونَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ حَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ سُمَيٍّ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِثْلُ حَدِيثِ سُمَيٍّ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالُوا : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قِرَاءَةِ وَلَا الضَّالِّينَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ ، قَالُوا : وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى التَّأْمِينُ دُعَاءً فِي اللُّغَةِ فَكَذَلِكَ يُسَمَّى الدُّعَاءُ تَأْمِينًا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا لِمُوسَى وَهَارُونَ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُونَ يُؤَمِّنُ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالُوهُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ، فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَاتِ أَنَّ الدُّعَاءَ يُسَمَّى تَأْمِينًا ، وَلَوْ صَحَّ لَهُمْ مَا ادَّعَوْهُ وَسُلِّمَ لَهُمْ مَا تَأَوَّلُوهُ ; لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا أَنَّ التَّأْمِينَ يُسَمَّى دُعَاءً ، وَأَمَّا أَنَّ الدُّعَاءَ يُقَالُ لَهُ تَأْمِينٌ فَلَا ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا وَلَمْ يَقُلْ قَدْ أُجِيبَ تَأْمِينُكُمَا ، فَمَنْ قَالَ : الدُّعَاءُ تَأْمِينٌ ، فَمُغَفَّلٌ لَا رَوِيَّةَ لَهُ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا إِنَّمَا قِيلَ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ لَهُمَا ، وَكَانَ نَفْعُهَا عَائِدًا عَلَيْهِمَا بِالِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِمَا ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ : أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ، وَلَمْ يَقُلْ دَعْوَتَاكُمَا ، وَلَوْ كَانَ التَّأْمِينُ دُعَاءً لَقَالَ : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتَاكُمَا ، وَجَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى الْمُؤَمِّنُ دَاعِيًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي آمِينَ : اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَهَذَا دُعَاءٌ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُسَمَّى الدُّعَاءُ تَأْمِينًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا لَمْ يَرِدْ بِهِ فَادْعُوَا مِثْلَ دُعَاءِ الْإِمَامِ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَهَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنَ الْمَأْمُومِ قَوْلَ آمِينَ لَا غَيْرَ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَكَذَلِكَ أَرَادَ مِنَ الْإِمَامِ قَوْلَ آمِينَ لَا الدُّعَاءَ بِالتِّلَاوَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي لَفْظِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَالتَّأْمِينُ مِنَ الْإِمَامِ كَهُوَ مِنَ الْمَأْمُومِ سَوَاءً وَهُوَ قَوْلُ آمِينَ هَذَا مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : آمِينَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا نَصٌّ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَيَقْطَعُ الْخِلَافَ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو الْمُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ قَالُوا : يَقُولُ آمِينَ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْأَثَرِ ; لِصِحَّتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ لَا يَجْهَرُ بِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ : يُجْهَرُ بِهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا تَلَا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرُوسٍ الْمُعَدَّلُ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زُرَيْقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْأَشْعَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ ، رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ : آمِينَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرِ بْنِ الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَرَأَ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ; قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ; قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلَالٍ مِثْلَهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : آمِينَ وَمَنْ خَلْفَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُغْلِظُ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْجَهْرَ بِهَا قَالَ : وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا حَسَدَنَا الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُونَا عَلَى آمِينَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ ، مِنْهَا : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فَمَنْ أَخْلَصَ فِي قَوْلِهِ آمِينَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَقَلْبٍ صَافٍ لَيْسَ بِسَاهٍ وَلَا لَاهٍ ; فَيُوَافِقُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَيَدْعُونَ لهم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ ، لَيْسَ عَنْ قُلُوبٍ لَاهِيَةٍ ; غُفِرَ لَهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي دُعَائِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَهِدْ وَلْيُخْلِصْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ الدُّعَاءَ مِنْ قَلْبٍ لَاهٍ وَقَالَ : اجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُخْلِصُونَ فِي الدُّعَاءِ غُفِرَ لَهُ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ الْحَثَّ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَرْضِ ; فَمَنْ دَعَا فِي صَلَاتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ; غُفِرَ لَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ دُعَاؤُهُ حِينَئِذٍ مُوَافِقًا لِدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفِي قَوْلِهِ ( اهْدِنَا ) دُعَاءٌ لِلدَّاعِي ، وَأَهْلِ دِينِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالتَّأْمِينُ عَلَى ذَلِكَ ; فَلِذَلِكَ نُدِبَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْحَفَظَةِ الْكَاتِبِينَ ، وَالْمَلَائِكَةِ الْمُتَعَاقِبِينَ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يُؤَمِّنُونَ عِنْدَ قَوْلِ الْقَارِئِ وَلا الضَّالِّينَ فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وَأَمَّنَ ; غُفِرَ لَهُ ، فَحَضَّهُمْ بِذَلِكَ عَلَى التَّأْمِينِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ الْحَدِيثَ . فَإِنْ قِيلَ : حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ : آمِينَ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ : آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ; غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْمَلَائِكَةَ الْحَافِظِينَ وَلَا الْمُتَعَاقِبِينَ ; لِأَنَّهُمْ حَاضِرُونَ مَعَهُمْ فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ قِيلَ لَهُ : لَسْنَا نَعْرِفُ مَوْقِفَ الْمَلَائِكَةِ مِنْهُمْ ، وَلَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا فَوْقَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَا عَلَاكَ فَهُوَ سَمَاءٌ ، وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْمَطَرَ سَمَاءً لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَيسَمِّي الرَّبِيعَ سَمَاءً ; لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ ، وَتُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَجَاوَرَهُ . قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا فَسَمَّى الْمَاءَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْهُ سَمَاءً ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فِي السَّمَاءِ إِنْ كَانَ قَالَهُ فَإِنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا يُقْطَعُ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْعَالِمُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ حَقِيقَةً : فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَلَا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَفَّ أَهْلُ الْأَرْضِ صَفَّ أَهْلُ السَّمَاءِ فَإِذَا قَالَ أَهْلُ الْأَرْضِ : وَلَا الضَّالِّينَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : آمِينَ ، فَإِذَا وَافَقَتْ آمِينَ أَهْلِ الْأَرْضِ آمِينَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَدْ قِيلَ فِيمَا وَصَفْنَا وَفِيمَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ وَبِاللَّهِ عِصْمَتُنَا وَتَوْفِيقُنَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تُغْفَرُ بِهَا الذُّنُوبُ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ كِفَايَةٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القرشي الْعَدَوِيِّ الْأَعْرَجِ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ ، مَدَنِيٌّ ، ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، وَلِيَ الْكُوفَةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَلَمَّا وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكُوفَةَ ضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا الزِّنَادِ يَسْتَكْتِبُهُ ، وَاسْتَقْضَى عَبْدُ الْحَمِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ الشَّعْبِيَّ أَيَّامَ إِمَارَتِهِ ، وَكَانَ فَاضِلًا نَاسِكًا ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَعْرَجَ وَصَاحِبُ شُرْطَتِهِ أَعْرَجَ ، فَقَالَ فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدَلٍ الشَّاعِرُ أَبْيَاتًا ، مِنْهَا قَوْلُهُ : وَأَمِيرُنَا وَأَمِيرُ شُرْطَتِنَا مَعًا لِكِلَيْهِمَا يَا قَوْمَنَا رِجْلَانِ 1655 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ . فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ . فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفَعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ . فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فِرَارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ ! فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ ، نَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطّأ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - لَمْ يَقُلْ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالَّذِي فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ . وَرِوَايَةُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَظُنُّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ . وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ نَصْرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ . وَأَمَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ فَمَشْهُورٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الصَّدَقَةِ ، الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَرْوِيهِ مَالِكٌ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هَذَا عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَيَرْوِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ بِبَبَّةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ - وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ - عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى . رَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ؛ فَقِيلَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقِيلَ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَالصَّوَابُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ الضُّحَى ، فَابْنُ شِهَابٍ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ نَفْسِهِ ، وَيَرْوِي عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، فَاعْلَمْ . وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فَقَدَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَأَمَّا أَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَمَعْرُوفٌ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ وَأَهْلِ النَّسَبِ ، وَلَهُ ابْنٌ يُسَمَّى الْعَبَّاسَ ، وَلَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ النَّسَبِ أَخَوَانِ ; أَحَدُهُمَا الصَّلْتُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، كَانَ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ عِنْدَهُ بِنْتَانِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ فَقِيهًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّهُ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْعِلْمِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً ، وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْنٍ كَانَ جَوَادًا ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ : لَوْلَا نَدَى الْحَارِثِ مَاتَ النَّدَى وَانْقَطَعَ الْمَسْؤولُ وَالسَّائِلُ فَأَمَّا قَوْلُ الذُّهْلِيِّ بِأَنَّ بَبَّةُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَمْ يُطَالِعْ مَا قَالَهُ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي : خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَعْمَالِهِ يُطَالِعُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْرِفُ أَحْوَالَ أَهْلِهَا ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مَرَّتَيْنِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ هَذِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ . ذَكَرَ خَلِيفَةُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ : لَمَّا صَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْلَ حَلَبَ شَخَصَ - وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَحَاصَرَا أَهْلَ إِيلِيَا ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عُمَرُ هُوَ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ وَيَكْتُبُ لَهُمْ أَمَانًا ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَدِمَ عُمَرُ فَصَالَحَهُمْ فَأَقَامَ أَيَّامًا ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ خُرُوجُهُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : فِيهَا خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَانْصَرَفَ مِنْ سَرْغَ وَبِهَا الطَّاعُونُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ فِي ذِكْرِ سَرْغَ وَمَعْنَى الطَّاعُونِ وَأَخْبَارٍ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ مَا يُغْنِي عَنْ تَكْرَارِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيٌّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ فَوَجَدْتُهُ قَائِلًا فِي خِبَائِهِ ، فَانْتَظَرْتُهُ فِي فَيْءِ الْخِبَاءِ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَضَوَّرَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ غَزْوَةِ سَرْغَ ؛ يَعْنِي حِينَ رَجَعَ مِنْ أَجْلِ الْوَبَاءِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْخَلِيفَةِ أُمَرَاءَ عَدَدًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِوُجُوهٍ يُصَرِّفُهُمْ فِيهَا ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَسَّمَ الشَّامَ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُنْدٌ وَنَاحِيَةٌ مِنَ الشَّامِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَحْسَبُ الرَّابِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ ، ثُمَّ لَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى جَمَعَ الشَّامَ لِمُعَاوِيَةَ . وَقَدِ اسْتَخْلَفَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ ، وَمَا أَظُنُّهُ اسْتَخْلَفَ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَطُّ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَخْلَفَ خَالًا لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ . وَأَمَّا عُمَّالُهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَكَثِيرٌ ، وَكَانَ يَعْزِلُ وَيُوَلِّي كَثِيرًا ، لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ؛ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَمَلِ وَالْوِلَايَةِ وَأَنْ لَا بَأْسَ لِلصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ فَاضِلًا عَالِمًا يَأْمُرُ بِالْحَقِّ وَيَعْدِلُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَشُورَةِ مَنْ يُوثَقُ بِفَهْمِهِ وَعَقْلِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ الْمُعْضِلِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا كَانَ سَبِيلُهَا الِاجْتِهَادَ وَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ الْقَائِلِينَ فِيهَا عَيْبُ مُخَالِفِهِ وَلَا الطَّعْنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا - وَهُمُ الْقُدْوَةُ - فَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ اجْتِهَادَهُ وَلَا وَجَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ . إِلَى اللَّهِ الشَّكْوَى ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أُمَّةٍ نَحْنُ بَيْنَ أَظْهُرِهَا تَسْتَحِلُّ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ إِذَا خُولِفَتْ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ مِنَ الْخَطَأ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَادَهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ خَالَفَهُ فِيهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَيْلُ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يُبِنْ مَوْقِعَ الصَّوَابِ فِيهِ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ وَذَوِي الرَّأْيِ وَيُشَاوِرَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ غَيْرِ اجْتِهَادِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَى الْأَصْلَحِ وَالْأَخْذُ بِمَا يَرَاهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ النَّظَرُ ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ عِنْدَ الْخِلَافِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى : تَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ ! فَقَالَ : نَعَمْ ، أَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشَّبَهُ فِي مَسْأَلَتِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ إِذَا نَزَلَ وَقَامَ الْحِجَاجُ فَالْحُجَّةُ وَالْفَلْجُ بِيَدِ مَنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكِتَابِ نَصٌّ لَا يُخْتَلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ وَجَبَ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ يُسَمَّى عِلْمًا وَيُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ ؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَجْرُونَ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ ، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ شَيْئًا لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْعِالْمَ قَدْ يُوجَدُ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي الْعِلْمِ دُونَهُ مَا لَا يُوجَدُ مِنْهُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَوْضِعَ عُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ وَمَكَانَهُ مِنَ الْفَهْمِ وَدُنُوَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا جَهِلَهُ عُمَرُ ، وَهَذَا وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَقَدْ جَهِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدِيثَ رُجُوعِ عُمَرَ مِنْ أَجْلِ الطَّاعُونِ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنَ الشَّامِ حِينَ سَمِعَ بِهَا وَبَاءً فلم يعرفه ، وَقَالَ : إِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّ الصَّائِفَةَ لَا تَخْرُجُ الْعَامَ ، فَرَجَعَ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ لَا يُنَفِّذُ قَضَاءً وَلَا يَفْصِلُهُ إِلَّا عَنْ مَشُورَةِ مَنْ بِحَضْرَتِهِ وَيَصِلُ إِلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ مَوْضِعِهِ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ذِكْرُ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : عَهِدَ عُمَرُ إِلَى الْقُضَاةِ أَنْ لَا يَصْرِمُوا الْقَضَاءَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ وَعَنْ مِلًا وَتَشَاوُرٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ عِلْمِ عَالِمٍ أَنْ يَجْتَزِئَ بِهِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ غَيْرِهِ ، وَتَمَثَّلَ : خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ أَثِيرًا عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا يُرِيَانِي قَالَ سَيْفٌ : وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُعَلِّمًا لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ، إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَهْلِ كِتَابٍ ، وَإِنَّهُمْ سَائِلُوكَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَلَا تَقْضِيَنَّ إِلَّا بِعِلْمٍ ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَسَلْ وَاسْتَشِرْ ، فَإِنَّ الْمُسْتَشِيرَ مُعَانٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، وَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكَ فَقِفْ حَتَّى تَتَبَيَّنَ أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ ، وَلَا تَصْرِمَنَّ قَضَاءً فِيمَا لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّتِي إِلَّا عَنْ مِلًا وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنَ الْإِنْصَافِ لِلْعِلْمِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَبُولِهِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ أَوْضَحُ وَأَقْوَى مَا نَرَى مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَبِمَحْضَرِهِمْ فِي أَمْرٍ قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَقُلْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْتَ وَاحِدٌ ، وَالْوَاحِدُ لَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، إِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْكَافَّةِ ! مَا أَعْظَمَ ضَلَالَ مَنْ قَالَ بِهَذَا ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وَقُرِئَتْ فَتَثَبَّتُوا ، فَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ إِذَا جَاءَ بِنَبَأ يُتَثَبَّتُ فِي خَبَرِهِ وَلَمْ يُنَفَّذْ لَاسْتَوَى الْفَاسِقُ وَالْعَدْلُ ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَالْقَوْلُ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَمَا التَّوْفِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَدْ مَضَى فِي مَعْنَى الطَّاعُونِ أَخْبَارٌ وَتَفْسِيرٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ لَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهَا هَاهُنَا ، وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الطَّاعُونَ طَعْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَتُسَمِّيهِ أَيْضًا رِمَاحَ الْجِنِّ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ لَمْ أَذْكُرْهَا لِأَنِّي عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَامَ فِي النَّاسِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ بِالشَّامِ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ قَدْ ظَهَرَ ، وَإِنَّمَا هُوَ رِجْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ طَاعُونٌ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَالَ : تَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ . فَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ : لَقَدْ كُنْتَ فِينَا وَلَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِكَ ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُوَ رَحْمَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ مُعَاذًا وَآلَ مُعَاذٍ فِيمَنْ تَذْكُرُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ . قَالَ دُحَيْمٌ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ شُرَحْبِيلَ بْنَ شُفْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ رِجْسٌ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ . فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهَا رَحْمَةُ بِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ . أَظُنُّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَرُوِينَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْفَارِّ ؛ أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمِتُّ - وَكَذَبَا ؛ فَرَّ مَنْ لَمْ يَجِئْ أَجَلُهُ ، وَأَقَامَ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ، مَعْرُوفُ النَّسَبِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَلَا أَعْرِفُهُ إِلَّا بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ بِبَّه مَشْهُورٌ ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَتَرَاضَى بِهِ أَهْلُهَا فِي الْفِتْنَةِ عِنْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَوَلِيَ أَمْرَهُمْ ، وَكَانَتْ فِيهِ غَفْلَةٌ . وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ النَّسَبِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْهُ حَدِيثَ الطَّاعُونِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ : رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ إِخْوَةٌ . وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ شَيْئًا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ثَلَاثَةُ بَنِينَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدٌ ؛ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ فَمَوْضِعُ ذِكْرِهِمَا كِتَابُ الصَّحَابَةِ . 771 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ : لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ ! فَقَالَ سَعْدٌ : بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي ! فَقَالَ الضَّحَّاكُ : فَإِنَّ عُمَرَ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ وَمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يُقِمْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نَهْيَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فِي خَاصَّتِهِ مُحْرِمًا فِي حَجَّتِهِ ، وَذَكَرْنَا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ; مِنْهَا مَا اجْتُمِعَ عَلَى أَنَّهُ تَمَتُّعٌ ، وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ . فَأَمَّا الْوَجْهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَى أَنَّهُ التَّمَتُّعُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَهُوَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَقَدْ قِيلَ : ذُو الْحِجَّةِ كُلُّهُ ، فَإِذَا أَحْرَمَ أَحَدٌ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَ مَسْكَنُهُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَالْحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا خَاصَّةً ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ هُمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ هُمْ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَهَا فَهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَعِنْدَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ . وَعَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الْأَرْبَعَةِ مَذَاهِبُ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَيْسَ لَهُ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا أَبَدًا - أَعْنِي التَّمَتُّعَ الْمُوجِبَ لِلْهَدْيِ - مَا كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ كَذَلِكَ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَخَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِهِ وَقَدِمَ مَكَّةَ محرما بالعمرة فَطَافَ لَهَا وَسَعَى وَحَلَّ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِيقَاتِ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ - فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَعَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ . وَذَلِكَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، يَذْبَحُهُ لِلَّهِ ، وَيُعْطِيهِ الْمَسَاكِينَ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ . وَالثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ فِي الْحَجِّ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَإِنْ صَامَهَا مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِحَجِّهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْحَجِّ ، وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ صِيَامُ يَوْمِ النَّحْرِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ نَقْلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِهِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِذْ هِيَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ ، فَرَخَّصَ لَهُ خَاصَّةً فِي ذَلِكَ قَوْمٌ ، وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُتْعَةِ وَالتَّمَتُّعِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَالْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ تَمَتَّعَ بِحِلِّهِ كُلِّهِ فَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ السَّفَرُ لِحَجِّهِ مِنْ بَلَدِهِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِهِ فِي الْحَجِّ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّمَا ذَلِكَ لِسُقُوطِ السَّفَرِ خَاصَّةً لَا لِتَمَتُّعِهِ بِالْحِلِّ ; لِأَنَّ الْقَارِنَ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِحِلٍّ وَعَلَيْهِ دَمٌ . وَالْوَجْهُ الْعَامُّ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ تَمَتُّعِهِ بِحِلِّهِ وَسُقُوطِ سَفَرِهِ وَسُقُوطِ الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ ، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ وَجَبَ الدَّمُ عَلَيْهِ إِذْ حَصَلَ حَاجًّا ، وَلَمْ يَحْرِمْ بِحَجِّهِ ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهِ ، وَلَا شَخَصَ لِذَلِكَ الْحَجِّ مِنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ مُحْرِمًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَزَمَانِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ عَلَيْهِ الدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَمَنْزِلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا ، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ هَدْيٌ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . قَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَلَا يُهْدُونَ . فَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : فَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ؟ قَالَ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ الْحَسَنُ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . وَهُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْحَسَنِ مَا ذَكَرْنَا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ النَّجَّارِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَهِيَ مُتْعَةٌ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ قَبْلَ هَذَا . رَوَى هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا النَّاسُ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . كَمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ ، فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَبْلَ الْحَجِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَجٌّ ، ولذلك فسره مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ فَقَالَ بِإثَرِ حَدِيثِهِ ذَلِكَ : قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اعْتَمَرَ الرَّجُلُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ فِي التَّمَتُّعِ قَوْلَانِ هُمَا أَشَدُّ شُذُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ ; أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنِ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ - فِيمَا عَلِمْتُ - غَيْرُهُ ، وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ شُهُورَ الْحَجِّ أَحَقُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جَائِزَةٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَالْحَجُّ إِنَّمَا مَوْضِعُهُ شُهُورٌ مَعْلُومَةٌ ، فَإِذَا جَعَلَ أَحَدٌ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ بِحَجٍّ فَقَدْ جَعَلَهَا فِي مَوْضِعٍ كَانَ الْحَجُّ أَوْلَى بِهِ . ثُمَّ رَخَّصَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ لِلْحَجِّ مَعَهَا ، وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْرِدَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْآخَرُ قَالَهُ فِي الْمَكِّيِّ : إِذَا تَمَتَّعَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَهَذَا لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالتَّمَتُّعُ عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَا عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَنْشَأَ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ عَمِلَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ . يُرِيدُ إِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا في غَيْرَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ، وَإِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا قَدِمَ الرَّجُلُ مُعْتَمِرًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ فَلَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى رِيءَ هِلَالُ شَوَّالٍ فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ : هُوَ مُتَمَتِّعٌ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُهَرِيقَ دَمًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ وَأَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي شَوَّالٍ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ طَافَ لَهَا أَرْبَعَةً فِي رَمَضَانَ وَثَلَاثَةً فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَكْمُلُ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى إِكْمَالِهَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا دَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَسَوَاءٌ طَافَ لَهَا فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يَمُوتُ بَعْدَمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بِعَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا : أَتَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا ؟ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُولَئِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا ، وَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ . قِيلَ لَهُ : فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنَ الثُّلُثِ ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِذَلِكَ . ذَكَرَهُ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ ، وَقَالَ عَنْهُ الرَّبِيعُ : إِذَا أَهَلَّ الْمُتَمَتِّعُ بِالْحَجِّ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّوْمُ قَدْ زَالَ وَغُلِبَ عَلَيْهِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا أَحْرَمَ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى آخِرِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَ الْمُتَمَتِّعُ فِي الْعَشْرِ ، وَهُوَ حَلَالٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ : إِذَا صَامَهُنَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَجْزَأَهُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ الْهَدْيَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْهَدْيِ فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ إِكْمَالِ صَوْمِهِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَهْدِيَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجَزْأَهُ الصِّيَامُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْضِي فِي صَوْمِهِ وَهُوَ فَرْضُهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَيْسَرَ الْمُتَمَتِّعُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ صَوْمِهِ بَطَلَ الصوم ووجب عَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَيْسَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ وَلَا يَرْجِعَ إِلَى الْهَدْيِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : إِذَا وَجَدَ مَا يَذْبَحُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَلْيَذْبَحْ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَامَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَذْبَحُ حَتَّى يَحِلَّ فَقَدْ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : إِنْ صَامَ ثُمَّ وَجَدَ مَا يَذْبَحُ فَلْيَذْبَحْ حَلَّ أَمْ لَمْ يَحِلَّ ، مَا كَانَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ؛ فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ أَوْ مَرِضَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَلْيَصُمْ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ : إِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلْيَصُمْ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ ، وَلْيَصُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ سَبْعَةً ، وَإِنْ كَانَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُهْدِ إِنْ قَدَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَلَدِهِ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ بَلَدَهُ وَلَمْ يَصُمْ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ ، وَلَا يَصُومُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنِ انْقَضَى يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ : يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى إِنْ لَمْ يَكُنْ صَامَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ بمصر : لَا يَصُومُهَا - وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ - وَيَصُومُهَا كُلَّهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أُطْعِمَ عَنْهُ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ لَوْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَحَجَّ - أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَكِّيًّا لَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَاهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ - أَنَّهُ مَنْ حَاضَرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِينَ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ ، وَأَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعُوا فِي الْمَكِّيِّ يَجِيءُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يُنْشِئُ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَأَهْلُهُ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَسْكُنْ سِوَاهَا - أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَكَنَ غَيْرَهَا وَسَكَنَهَا وَكَانَ لَهُ أَهْلٌ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ عَنْ مَكَّةَ بِأَهْلِهِ وَسَكَنَ غَيْرَهَا ثُمَّ قَدِمَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ - أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَسَائِرِ أَهْلِ الْآفَاقِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ طَاوُسٍ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ لِعُمْرَتِهِ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَعَلَيْهِ بَعْدُ أَيْضًا طَوَافٌ آخَرُ لِحَجِّهِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَأَمَّا طَوَافُ الْقَارِنِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي يَسُوقُ الْهَدْيَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا حَلَّ إِذَا طَافَ وَسَعَى ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إِلَّا بِمِنًى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا لِلْعُمْرَةِ ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا لِلْعُمْرَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا نَحَرَهُ بِمِنًى . ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا لِلْعُمْرَةِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ لَمْ يُجْزِه ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِلْمُتْعَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا إِذَا أَنْشَأَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ : لَا يَنْحَرُ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيَهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ قَدِمَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ الْعَشْرِ طَافَ وَسَعَى وَنَحَرَ هَدْيَهُ ، وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَنْحَرْ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ . وَقَالَهُ عَطَاءٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ وَسَعَى سَاقَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَسُقْ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَحِلُّ ، وَلَكِنْ لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، وَيَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ . وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي التَّمَتُّعِ وَمَسَائِلِهِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا كُلِّهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، وَلَهُ قَوْلَانِ أَيْضًا فِي صِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا لَمْ يَسُقِ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ صَارَ حَلَالًا ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَيَصِيرُ حَرَامًا ، وَلَوْ كَانَ ساق هَدْيًا لِمُتْعَتِهِ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَحِلَّ مَنْ حَجَّتِهِ ; لِأَنَّهُ ساق الْهَدْيُ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ . وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ إِحْلَالِهِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إِذَا اسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ فَإِنَّمَا هُوَ قَارِنٌ لَا مُتَمَتِّعٌ ، وَالْقِرَآنُ قَدْ أَبَاحَ التَّمَتُّعَ . فَهَذِهِ جُمْلَةُ أُصُولِ أحكام التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمَشْهُورُ فِي التَّمَتُّعِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذَا الْوَجْهَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَرَاهِيَتُهُ ، وَقَالَا - أَوْ أَحَدُهُمَا : يَأْتِي أَحَدُهُمْ مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا . وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ هَذَا ، وَعَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَهُ وَأَذِنَ فِيهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّمَا كَرِهَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَانُوا قَدْ أَصَابَتْهُمْ يَوْمَئِذٍ مَجَاعَةٌ ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْتَدِبَ النَّاسَ إِلَيْهِمْ لِيُنْعَشُوا بِمَا يُجْلَبُ مِنَ الْمِيرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَحَبَّ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ ؛ مَرَّةً للحج ومرة للعمرة ، ورأى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَكَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ ، وَيَنْهَى عَنْ غَيْرِهِ اسْتِحْبَابًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ : افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَلِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَأَلْتُ بِالْحِجَازِ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَطَاوُسًا وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَأَلْتُ بِالْبَصْرَةِ الْحَسَنَ وَجَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَمَعْبَدًا الْجُهَنِيَّ وَأَبَا الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيَّ ؛ كُلُّهُمْ أَمَرَنِي بِمُتْعَةِ الْحَجِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فَيُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا ، يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا . فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا ، أَوْ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَحُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ لِأَنَّ الْقَارِنَ مُتَمَتِّعٌ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى وَتَمَتَّعَ بِجَمْعِهِمَا لَمْ يُحْرِمْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ وَضَمَّ إِلَى الْحَجِّ ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَهَذَا وَجْهٌ مِنَ التَّمَتُّعِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا بِسِيَاقِ الْهَدْيِ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ بدنة لَا يَجُوزُ دُونَهَا . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَخْتَارُونَ الْبَدَنَةَ وَيَسْتَحِبُّونَهَا ، وَتُجْزِي عِنْدَهُمْ عَنِ الْقَارِنِ شَاةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : الْقَارِنُ أَخَفُّ حَالًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْقَارِنُ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ تَمَتُّعٌ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ ، وَتَلَا : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَلَا تَمَتُّعٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ دَمٌ . وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ : إِذَا قَرَنَ الْمَكِّيُّ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الدَّمَ وَالصِّيَامَ فِي التَّمَتُّعِ لَا فِي الْقِرَانِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ لِمَكِّيٍّ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَمَا سَمِعْتُ أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ وَلَا صِيَامٌ ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ التَّمَتُّعِ هُوَ الَّذِي تَوَاعَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ ، وَقَالَ : مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا : مُتْعَةُ النِّسَاءِ ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ فِي جَوَازِ هَذَا الْوَجْهِ هَلُمَّ جَرَّا ، وَذَلِكَ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ حَجَّهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ حَلَّ وَأَقَامَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَلَمْ يَسُقْهُ وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ - أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ الْآثَارِ بِذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَدْفَعُوا شَيْئًا مِنْهَا ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ لِعِلَلٍ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا ; لِأَنَّهَا عِنْدَهُم خُصُوصٌ خَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ لِعِلَّةٍ قَالَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا ، وَيَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرْ ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ - أَوْ قَالُوا : دَخَلَ صَفَرْ - حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرْ ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ . فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْحِلِّ ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ . فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا فَسَخَ الْحَجَّ فِي الْعُمْرَةِ لِيُرِيَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ له ولمن مَعَهُ خَاصَّةً ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِيهِمَا أَمْرًا مُطْلَقًا ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُخَالَفَ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا إِلَى مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ مِنْ كِتَابٍ نَاسِخٍ أَوْ سُنَّةٍ مُبَيِّنَةٍ . وَاحْتَجُّوا مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ؟ فَقَالَ : بَلْ لَنَا خَاصَّةً . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أفَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لمن بعدنا ؟ قَالَ : بَلْ لَنَا خَاصَّةً . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سُئِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ : كَانَتْ لَنَا ، لَيْسَتْ لَكُمْ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ ذَرٍّ قَالَ : إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ بِالْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً . وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : يَعْنِي أَنْ يُجْعَلَ الْحَجُّ عُمْرَةً . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُرَقَّعُ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَفْسَخُهَا بِعُمْرَةٍ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءَ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا أَرُدُّ تِلْكَ الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ الصِّحَاحَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ بِحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ وَبِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ : وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى مَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ ، وَلَوْ أَجْمَعُوا كَانَ حُجَّةً ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبَا ذَرٍّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ خُصُوصًا . وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ وَأَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْتَ مُعْتَمِرٌ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَمْ أُرِدْ عُمْرَةً . فَقَالَ : أَنْتَ مُعْتَمِرٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَضْلَلْتَ النَّاسَ ! قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : تُفْتِي النَّاسَ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلُّوا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ : مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَزَلْ مُحْرِمًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُحَدِّثُونِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ! فَقَالَ عُرْوَةُ : كَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْكَ . وَذَكَرَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ جَوَازَ فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُتْعَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ لِلْأَبَدِ . وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ وُجُوبَ ذَلِكَ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتْعَةِ مُتْعَةُ الْمُحْصَرِ وَمَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ ؛ ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : أَنْبَأَنَا أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كَمَا تَصْنَعُونَ ، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَيَحْبِسَهُ عَدُوٌّ أَوْ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَتَمَتَّعُ بِحِلِّهِ إِلَى الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ يَحُجُّ وَيُهْدِي . وَسَنَذْكُرُ وُجُوهَ ذَلِكَ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ وَجَابِرًا يَقُولَانِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ . وَيَقُولُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ : قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَنَسٌ : سَمِعْتُهُ يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى أَذِنَ فِيهَا وَأَبَاحَهَا ، وَإِذَا أَمَرَ الرَّئِيسُ بِالشَّيْءِ جَازَ أَنْ يُضَافَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزِّنَا ، وَقَطَعَ فِي السَّرِقَةِ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ؛ أَيْ أَمَرَ فَنُودِيَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1449 - حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي ، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ . قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ الْفَتْحُ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ : ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ . فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ! فَتُسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ! قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ! وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ . لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي لَفْظِهِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ وَأَبَا جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيَّ وَالْقَعْنَبِيَّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ رَوَوْهُ مُخْتَصَرًا عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ - لَمْ يَذْكُرُوا قِصَّةَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَعُتْبَةَ . رَوَاهُ هَكَذَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ابْنُ أَخِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيِّ أَيْضًا فِي الْمُوَطَّأِ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ ، وَهُوَ أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي بَعْضِ لَفْظِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ أَتْقَنَهُ وَجَوَّدَهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ هُوَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، فَلَمَّا فَتَحُوا مَكَّةَ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هَذَا أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ! قَالَ : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَقَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَأَمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، فَمَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَمْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ : اخْتَصَمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي ابْنِ أَمَةٍ لِزَمْعَةَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَخِي عُتْبَةَ أَوْصَانِي فَقَالَ : إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَانْظُرِ ابْنَ أَمَةِ زِمْعَةَ فَاقْبِضْهُ ، فَإِنَّهُ ابْنِي . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي ! فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ، فَقَالَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ . قِيلَ لِسُفْيَانَ : فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِيهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ! فَقَالَ سُفْيَانُ : لَكِنَّا لَمْ نَحْفَظْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرْضِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عِنْدَ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، ذَكَرَهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ . وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ والليث بْنِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ . قَالُوا : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوهٌ مِنَ الْفِقْهِ وَأُصُولٌ جِسَامٌ ؛ مِنْهَا الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِهِ وَسُنَنِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الشَّبَهِ ، وَكَذَلِكَ حَكَمَ فِي اللَّعَّانِ بِظَاهِرِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنِ اسْتِلْحَاقِ أَوْلَادِ الزِّنَا ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يُسَافِحُونَ وَيُنَاكِحُونَ ، وَأَكْثَرُ نِكَاحَاتِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَقَدْ أَمْضَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَ الزِّنَى لِتَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ ، وَقَالَ : لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، فَنَفَى أَنْ يَلْحَقَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَدُ الزِّنَى ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ وَلَدٍ يُولَدُ عَلَى فِرَاشٍ لِرَجُلٍ لَاحِقًا بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَى أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ عَلَى حُكْمِ اللِّعَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَجْمَعَتِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُرَّةَ فِرَاشٌ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ وَإِمْكَانِ الْحَمْلِ ، فَإِذَا كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ وَالْحَمْلُ فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ أَبَدًا بِدَعْوَى غَيْرِهِ وَلَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا بِاللِّعَانِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فِي حِينِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَوِ الشُّهُودِ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَقِيبَ الْعَقْدِ ; فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لَهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوَطْءُ فِي الْعِصْمَةِ ، وَهُوَ كَالصَّغِيرِ أَوِ الصَّغِيرَةِ اللَّذَيْنِ لَا يُمْكِنُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ فَرَاشٌ لَهُ ، وَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَمَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا صَارَتْ فِرَاشًا ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا ، وَإِنِ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً حَلَفَ وَبَرِئَ مِنْ وَلَدِهَا يَمِينًا وَاحِدًا . وَاحْتَجَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ : لَا تَأْتِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَأَرْسَلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسَكُوهُنَّ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ حَتَّى يَدَّعِي سَيِّدُهَا وَلَدَهَا ، وَأَمَّا إِنْ نَفَاهُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا أَمْ لَمْ يُقِرَّ ، وَسَوَاءٌ اسْتَبْرَأَ أَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْ . وَأَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا لِعَانَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَسَيِّدِهَا ، وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنْ لَا يَسْتَلْحِقَ أَحَدٌ غَيْرَ الْأَبِ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يُقِرُّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَوْ قُبِلَ اسْتِلْحَاقُ غَيْرِ الْأَبِ كَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ حُقُوقٍ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ وَلَا بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَبَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ . وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِزَمْعَةَ لِأَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لَا أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ بِدَعْوَاهُ عَلَى أَبِيهِ . هَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ فِيهِ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وَلَدٍ عَلَى فِرَاشِهِ . فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ : وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِوَطْءِ زَمْعَةَ لِوَلِيدَتِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرِ الْفِرَاشَ ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى مِنْ أَفْعَالِ الصِّهْرِ عَلَى صِهْرِهِ ، فَلَمَّا لَمَّ يُنْكِرْ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلِمَ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ بِمَسِّهِ إِيَّاهَا فَقَضَى بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُلْحِقِ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ بِدَعْوَى أَخِيهِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ . إِلَّا أَنَّ هَذَا فِي التَّأْوِيلِ مَا يُوجِبُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ ، وَهُوَ مِمَّا يَأْبَاهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَقَدْ أَشْكَلَ مَعْنَاهُ قَدِيمًا عَلَى الْعُلَمَاءِ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَأَنَّ الزِّنَى لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي التَّحْرِيمِ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنَزُّهِ ، فَإِنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا ، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَطْعِ الذَّرِيعَةِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالظَّاهِرِ ، فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمَيْنِ ; حُكْمٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَحُكْمٌ بَاطِنٌ وَهُوَ الِاحْتِجَابُ مِنْ أَجْلِ الشُّبْهَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ يَا سَوْدَةُ إِلَّا فِي حُكْمِ اللَّهِ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، فَاحْتَجِبِي مِنْهُ ، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ لِعُتْبَةَ . قَالَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَضَارَعَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ ، وَأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حُكْمًا بَاطِنًا أَوْجَبَ الْحِجَابَ ، وَالْحُكْمُ الظَّاهِرُ لِحَاقُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بِالْفِرَاشِ ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ مِنْ نِكَاحِ الْأُمِّ وَالِابْنَةِ مَا يُحَرِّمُ النِّكَاحُ خِلَافَ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ قَالَ الْمُزَنِيُّ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سُئِلَ الْمُزَنِيُّ عَنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ حِينَ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ قَائِلُونَ - وَهُمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ أَخِيهَا ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ أَخُوهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَقَهُ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ ، وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ - وَهُمُ الْكُوفِيُّونَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلزِّنَى حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، فَمَنَعَهَا مِنْ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ مَنْ زَنَى فِي الْبَاطِنِ إِذْ كَانَ شَبِيهًا بِعُتْبَةَ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ فَجَعَلُوهُ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَلَا يَرَاهَا لِحُكْمِ الزِّنَى ، وَجَعَلُوهُ أَخَاهَا بِالْفِرَاشِ . وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالْحَرَامُ لَهُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَأَمَّا أَنَا فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْلَمَهُمْ بِالْحُكْمِ أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فَرَاشٍ وَصَاحِبُ زِنَى ، لَا أَنَّهُ قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ وَعَلَى زَمْعَةَ قَوْلَ ابْنِهِ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا الْوَلَدَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ خَرَجَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيُعَرِّفَهُمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي مِثْلِهَا إِذَا نَزَلَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِسَوْدَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَالْمَلَائِكَةِ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ ، وَلَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا تَعْرِفَهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُؤْنِسُنِي عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَوْ كَانَ فَإِنَّهُ عِنْدِي صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّ رُؤْيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُبَاحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِشُبْهَةٍ ، وَأَمَرَ بِالتَّنَزُّهِ اخْتِيَارًا . قَالَ الْمُزَنِيُّ : لَمَّا لَمْ يصِحَّ دَعْوَى سَعْدٍ لِأَخِيهِ وَلَا دَعْوَى عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَا أَقَرَّتْ سَوْدَةُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهَا فَيَكُونُ أَخَاهَا مَنَعَهُ مِنْ رُؤْيَتِهَا وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَ زَوْجَهُ أَنْ لَا تَحْتَجِبَ مِنْ عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَيَأْمُرَ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى تَحْتَجِبُ مِنْ أَخِيهَا لِأَبِيهَا . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ مَا عَلِمَ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَسَكَتَتْ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخٌ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ وَزَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَكَانَ جَوَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السُّؤَالِ لَا عَلَى تَحْقِيقِ زِنى عُتْبَةَ بِقَوْلِ أَخِيهِ وَلَا بِالْوَلَدِ أَنَّهُ لِزَمْعَةَ بِقَوْلِ ابْنِهِ ، بَلْ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عَلَى قَوْلِكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، لَا عَلَى مَا قَالَ سَعْدٌ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِالَّذِي يَكُونُ إِذَا ثَبَتَ مِثْلُ هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَصْنَعِ الْمُزَنِيُّ شَيْئًا ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ أَنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حُكْمٌ صَحِيحٌ نَافِذٌ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا وَفِي كُلِّ مَا يَكُونُ مِثْلَهَا ، وَلَيْسَ قِصَّةُ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمَلَكَيْنِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا أَرَادَا تَعْرِيفَهُ لَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَمْرًا قَدْ نَفَذَ ، فَعَرَفَاهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ اسْتَأْنَفَهُ وَقَضَى بِهِ لِيُمَتثَّلَ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ أَيْ هُوَ لَكَ عَبْدٌ مِلْكًا ; لِأَنَّهُ ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِيكَ ، وَكُلُّ أَمَةٍ تَلِدُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا عَبْدٌ ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقُلْ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافَ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَلَا شَهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَتِ الْأُصُولُ تَدْفَعُ قَبُولَ قَوْلِ ابْنِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبَعٌ لِأُمِّهِ ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ إِلَّا شِقْصًا . وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الطَّبَرَيِّ تَحَكُّمٌ خِلَافَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ إِنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ؟ وَهُوَ يَرَى فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنِ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ لَكَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالْفِرَاشِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى فِي الْإِسْلَامِ لَا يَلْحَقُ بِإِجْمَاعِ مَا يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَإِجْمَاعٌ وَنَصٌّ ، وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ كَالنَّصِّ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : لَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ دَعْوَى سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلا دَّعْوَى بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا ادَّعَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لُحُوقِ وَلَدِ الزِّنى بِمَنِ ادَّعَاهُ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَادَّعَى سَعْدٌ وَصِيَّةَ أَخِيهِ بِمَا كَانَ يَحْكُمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ فَكَانَتْ دَعْوَاهُ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَابَلَهُ بِدَعْوَى تُوجِبُ عِتْقًا لِلْمُدَّعِي ; لِأَنَّ مُدَّعِيَهُ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهُ حِينَ ادَّعَى فِيهِ مَا ادَّعَى وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَبْطَلَ دَعْوَى سَعْدٍ . وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ أُخْتُهُ سَوْدَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لَهُ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أُخْتِهِ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخَاهَا وَأَمَرَهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَمَعْنَاهُ هُوَ لَكَ يَدُكَ عَلَيْهِ لَا أَنَّكَ تَمْلِكُهُ ، وَلَكِنْ تَمْنَعُ بِيَدِكَ عَلَيْهِ كُلَّ مَنْ سِوَاكَ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ فَيَدُكَ عَلَيْهَا تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنًا لِزَمْعَةَ ثُمَّ يَأْمُرُ أُخْتَهُ تَحْتَجِبُ مِنْهُ ، هَذَا مُحَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي نِكَاحِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ مِنْ زِنًى أَوْ أُخْتَهُ بِنْتَ أَبِيهِ مِنْ زِنًى ؛ فَحَرَّمَ ذَلِكَ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى كَرَاهَةٍ ، قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، وَهُوَ لَا يَفْسَخُهُ إِذَا نَزَلَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَحُجَّتُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . فَنَفَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِغَيْرِ فِرَاشٍ ، وَأَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ لِلزَّانِي شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَتُرْضِعُ بِلَبَنِهِ صَبِيَّةً ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ فَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : أَعْطَانِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ صَحِيفَةً فِيهَا مَسَائِلَ أَسْأَلُ عَنْهَا عِكْرِمَةَ ، فَكَأَنِّي تَبَطَّأْتُ ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِي وَقَالَ : هَذَا عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ ! قَالَ : وَكَانَ فِيهَا : رَجُلٌ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ فَرَآهَا تُرْضِعُ جَارِيَةً ، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ قَالَ : لَا . وَقَالَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ نِكَاحَهَا طَائِفَتَانِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ ، إِحْدَاهُمَا تَقُولُ : إِنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَالْأُخْرَى تَقُولُ : إِنَّ الزِّنَى لَا يُؤَثِّرُ تَحْرِيمًا وَلَا حُكْمَ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْوَطْءِ الْحَلَالِ فِي الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ . وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ ظَنَّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ أَمْ لَا ، وَذَلِكَ جَهْلٌ وَغَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ مُفْرِطَةٌ ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِهِ أَنْ يُلِيطَ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي ، وَنَحْنُ نَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا بِالنُّصُوصِ عَنْ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَظُنَّ بِهِ أَحَدٌ أَنَّهُ خَالَفَ بِحُكْمِهِ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ - إِلَّا جَاهِلٌ ، لَا سِيَّمَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا ، فَذَهَبْتُ مَعَ الشَّيْخِ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ : وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا نَكَحَتْ بِغَيْرِ عِدَّةٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا النُّطْفَةُ فَمِنْ فُلَانٍ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَعَلَى فِرَاشِ فُلَانٍ . فَقَالَ عُمْرُ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ . فَلَمَّا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ مَعَ الْفِرَاشِ كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَلْتَفِتَ مَعَهُ إِلَى الدَّعْوَى . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الرَّدَّادِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ النَّحْوِيَّ يَقُولُ : هُوَ زَمْعَةُ بِالْفَتْحِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : نَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَجْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : أَوَّلُ قَضَاءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدُّ دَعْوَةِ زِيَادٍ . يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ إِيجَابُ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي ; لِأَنَّ الْعَاهِرَ الزَّانِي وَالْعَهَرُ الزِّنَى ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَأَهْلُ الْفِقْهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ الْعَاهِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ بِالْحَجَرِ هُوَ الْمُحْصَنُ دُونَ الْبِكْرِ ، وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْبِكْرَ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الرَّجْمِ وَالْإِحْصَانِ وَمَا فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَنَازِعِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ أَيْ أَنَّ الزَّانِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، ادَّعَاهُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ ، وَأَنَّهُ لِصَاحِبِ الْفراش دُونَهُ ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ أَبَدًا إِلَّا بِلِعَانٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ اللِّعَانُ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَيْضًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدٌ مِنْ زِنًى ادَّعَاهُ أَوْ نَفَاهُ . قَالُوا : فَقَوْلُهُ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ كَقَوْلِهِمْ : بِفِيكَ الْحَجَرُ ؛ أَيْ لَا شَيْءَ لَكَ . قَالُوا : وَلَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ الرَّجْمَ ، إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلَيْنِ جَمِيعًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَطَأُ أَمَتَهُ وَقَدْ زَوَّجَهَا عَبْدَهُ فَتَحْمِلُ مِنْهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُعَاقَبُ ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ . وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا السَّيِّدُ فَالْوَلَدُ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْوَلَدَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَيَقُولُ : قَدْ نَكَحْتُهَا وَهِيَ امْرَأَةٌ أَوْ كَانَتِ امْرَأَتِي وَهَذَا وَلَدِي مِنْهَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا عند مَمَاتِهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْوَلَدَ الْمَنْبُوذَ بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ ، فَيَقُولُ : هَذَا ابْنِي ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَلْحَقُ بِهِ . وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْفِرَاشَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
117 - حَدِيثٌ خَامِسَ عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ ، أَتَغْتَسِلُ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، فَلْتَغْتَسِلْ ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : أُفٍّ لَكِ ، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ؟ ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ؟ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ . وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا ابْنَ أَبِي الْوَزِيرِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ أَيْضًا ؛ فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ ، أَتَغْتَسِلُ ؟ فَقَالَ لَهَا : نَعَمْ ، فَلْتَغْتَسِلْ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَ ابْنَ أَبِي الْوَزِيرِ عَلَى إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ حَبَّابُ بْنُ جَبَلَةَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رِشِيدِينَ فِي غَرَائِبِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ عَنْ مَعْنٍ . وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّارَقُطْنِيُّ ابْنَ نَافِعٍ ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْأَعْلَى الشَّامِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَعْمَرٍ كَرِوَايَةِ يَحْيَى وَجُمْهُورِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ لَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، لَمْ يَذْكُرُوا عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُرْوَةَ . وَرَوَاهُ يُونُسُ وَعُقَيْلٌ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَالْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ شِهَابٍ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ فَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا رَوَى مُسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي لَفْظِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ أَشْبَهَهُ وَلَدُهُ . وَهَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ وَ عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ ، إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ فِيمَا يُوجِبُ الشَّبَهَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ الْحَبَشِيَّ يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدَّثَهُ أَنَّ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ . فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : صَدَقْتَ . ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مُرَاعَاةُ سَبْقِ الْمَنِيِّ لَا مُرَاعَاةُ عُلُوِّهِ فِي مَعْنَى الشَّبَهِ لَا الْإِذْكَارِ وَلَا الْإِينَاثِ . ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذَئِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى زَوْجَهَا فِي الْمَنَامِ يَقَعُ عَلَيْهَا غُسْلٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَتْ بَلَلًا . فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَتَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ! فَقَالَ : تَرِبَ جَبِينُكِ ، وَأَنَّى يَكُونُ شَبَهُ الْخُؤُولَةِ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ ؟ ! أَيُّ النُّطْفَتَيْنِ سَبَقَ إِلَى الرَّحِمِ غَلَبَ عَلَى الشَّبَهِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - فَذَكَرَ فِيهِ سَبْقَ النُّطْفَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَغَطَّتْ وَجْهَهَا : أوَتَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ ؟ ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرِبَتْ يَدَاكِ ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْإِسْنَادُ فِي ذِكْرِ سَبْقِ النُّطْفَةِ أَثْبَتُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمعناه مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَهُمَا حَدِيثَانِ عِنْدَنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ فِيهِ : نَعَمْ ، إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ . وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ هَذِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُحْتَلِمَ - رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً - إِذَا لَمْ يُنْزِلْ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا وَلَا أَثَر لِلْإِنْزَالِ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ رَأَى الْوَطْءَ وَالْجِمَاعَ الصَّحِيحَ فِي نَوْمِهِ ، وَأَنَّهُ إِذَا أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ امْرَأَةً كَانَ أَوْ رَجُلًا ، وَأَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ فِي الِاحْتِلَامِ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ - مَا يُغْنِي عَنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ وَتَفْسِيرٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ مَا يُوَافِقُ الْإِجْمَاعَ وَيَرْفَعُ الْإِشْكَالَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا ، قَالَ : يَغْتَسِلُ . وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ ، قَالَ : لَا يَغْتَسِلُ . فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ ، عَلَيْهَا الْغُسْلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنَ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَتْ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ . فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : كَيْفَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ وَعَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نِسَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ ، وَهَذَا يُلْزِمُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ إِذَا جَهِلَ شَيْئًا مِنْ دِينِهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنْ أَمْرِ دِينِهِنَّ . وَأُمُّ سُلَيْمٍ مِنْ فَاضِلَاتِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا . وَكُلُّ امْرَأَةٍ عَلَيْهَا فَرْضًا أَنْ تَسْأَلَ عَنْ حُكْمِ حَيْضَتِهَا وَغُسْلِهَا وَوُضُوئِهَا وَمَا لَا غَنَاءَ بِهَا عَنْهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهَا ، وَهِيَ وَالرَّجُلُ فِيمَا يَلْزَمُهَا مِنْ فَرَائِضِهِمَا سَوَاءٌ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ ، وَلِهَذَا مَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ سُؤَالَ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَقَدْ يُوجَدُ عَدَمُ الِاحْتِلَامِ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَوْجَدُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ إِنْكَارَ عَائِشَةَ لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَكَوْنِهَا مَعَ زَوْجِهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَعْرِفْ الِاحْتِلَامَ ; لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ وَلَا أَكْثَرُ الرِّجَالِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْجِمَاعِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ ، فَإِذَا فَقَدَ النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ رُبَّمَا احْتَلَمْنَ ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ ; لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَدْ فَقَدَتْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ كَبِيرَةً عَالِمَةً بِذَلِكَ ، فَأَنْكَرَتْ مِنْهُ مَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَا مَضَى فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَإِذَا كَانَ فِي الرِّجَالِ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ فَالنِّسَاءُ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ جَوَازُ الْإِنْكَارِ وَالدُّعَاءُ بِالسُّوءِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الشَّبَهَ فِي بَنِي آدَمَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ غَلَبَةِ الْمَاءِ وَسَبْقِهِ وَنُزُولِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ هَاهُنَا قَالُوا : إِذَا غَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ الرَّجُلُ أَخْوَالَهُ وَأُمَّهُ ، وَإِنْ غَلَبَ مَاءُ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَبَاهُ وَأَعْمَامَهُ وَأَجْدَادَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : أُفٍّ لَكِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : تُجَرُّ وَتُرْفَعُ وَتُنْصَبُّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَبُحَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَجُوزُ صَرْفُهَا وَتَرْكُ صَرْفِهَا ، وَمَعْنَاهَا أَنْ تُقَالَ جَوَابًا لِمَا يُسْتَثْقَلُ مِنَ الْكَلَامِ وَيُضْجَرُ مِنْهُ . قَالَ : وَالْأُفُّ وَالْتُفُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأُفُّ وَسَخُ الْأُذُنِ ، وَالْتُّفُّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اسْتَغْنَتْ يَمِينُكِ ، كَأَنَّهُ تَعَرَّضَ لَهَا بِالْجَهْلِ لِمَا أَنْكَرَتْ وَأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَاجُ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِالضِّدِّ تَنْبِيهًا ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ كَفَّ عَنِ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْلَمُ : أَمَّا أَنْتَ فَاسْتَغْنَيْتَ عَنْ أَنْ تَسْأَلَ ; أَيْ لَوْ أَنْصَفْتَ نَفْسَكَ وَنَصَحْتَهَا لَسَأَلْتَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ كَمَا يُقَالُ لِلشَّاعِرِ إِذَا أَجَادَ : قَاتَلَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ ، لَقَدْ أَجَادَ ! وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَيْلُ أُمِّهِ مُسَعِّرُ حَرْبٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ مَدْحَهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِرَارًا مِنَ الدُّعَاءِ عَلَى عَائِشَةَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالْمَعَانِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ لَكَانَتْ أُتْرِبَتْ يَمِينُكِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ رُبَاعِيٌّ ، تَقُولُ : أَتْرَبَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَغْنَى ، وَتَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ . وَقَالُوا : مَعْنَى هَذَا افْتَقَرَتْ يَمِينُكِ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا سَأَلَتْ عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ ، وَنَحْوَ هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَمِنْ دُعَاءِ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، مَعْلُومٌ ، مِثْلُ : قَاتَلَهُ اللَّهُ ، وَهَوَتْ أُمُّهُ ، وَثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، وَعَقْرَى حَلْقَى ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّبَهُ فَفِيهِ لُغَتَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا : كَسْرُ الشِّينِ وَتَسْكِينُ الْبَاءِ ، وَالثَّانِيَةُ : فَتْحُ الشِّينِ وَالْبَاءِ جَمِيعًا ; مِثْلُ : الْمِثْلِ وَالْمَثَلِ ، وَالْقِتْبِ وَالْقَتَبِ .
1755 - حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ . قَالَتْ : فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا . هَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا لِيَحْيَى وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ ، وَتَابَعَهُ قُتَيْبَةُ . وَغَيْرُهُمَا يَقُولُ فِيهِ : وَأَمْسَحُ عَنْهُ . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الرُّقَى وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَفِيهِ الرُّقَى بِالْقُرْآنِ ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ ذِكْرٍ لِلَّهِ جَائِزٌ الرُّقْيَةُ بِهِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ النَّفْثِ فِي الرُّقَى وَالتَّبَرُّكِ بِهِ ، وَالنَّفْثُ شِبْهُ الْبَصْقِ ، وَلَا يُلْقِي النَّافِثُ شَيْئًا مِنَ الْبُصَاقِ ، وَقِيلَ : كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ . وَفِيهِ الْمَسْحُ بِالْيَدِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمَسْحُ بِالْيَدِ عَلَى كُلِّ مَا تُرْجَى بَرَكَتُهُ وَشِفَاؤُهُ وَخَيْرُهُ مِثْلَ الْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ وَشِبْهِهِ ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِإِيمَانِ الصَّالِحِينَ قِيَاسًا عَلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ بِيَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِالْيُمْنَى دُونَ الشِّمَالِ وَتَفْضِيلُهَا عَلَيْهَا ، وَفِي ذَلِكَ مَعْنَى الْفَأْلِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُطْرُبُلِيُّ بِمَكَّةَ ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو الْحَسَنِ الْحَدَّادُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّوِيلُ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَتَفَلَ - أَوْ قَالَ : نَفَثَ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ النَّصِيبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْأَنْمَاطِيُّ بِمَكَّةَ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَلَّانَ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ مُسَدَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فَارِسِ بْنِ طَرْخَانَ وَثَوَّابَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ثَوَّابَةَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّسْتُرِيُّ ؛ قَالَا : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبَلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقِي نَفْسَهُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَنْفُثُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَالِكٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَاتَهُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا كَانَ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِـ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، وَيَمْسَحُ بِيَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ بِهِمَا وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَةِ يَدِهِ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَطِيسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ، فَزَادَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ذِكْرَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ يَحْيَى بِالْمُعَوِّذَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا مَرِضَ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ مَالِكٍ فَاخْتَصَرَهُ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَخْتَصِرُ الْأَحَادِيثَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُثُ فِي الرُّقْيَةِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ يُوسُفَ الْمَيَانَجِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّرَّاجُ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُثُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا بِلَفْظِ وَكِيعٍ سَوَاءً ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُثُ فِي الرُّقْيَةِ . ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عِيسَى عَنْ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَاهُ خَلَفٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَضِرِ عَنْهُ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ بُكَيْرٍ وَالْقَعْنَبِيِّ وَقُتَيْبَةَ وَالتِّنِّيسِيِّ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبِي الْمُصْعَبِ وَسَائِرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَأَلْفَاظُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ لَفْظِ يَحْيَى سَوَاءٌ إِلَى آخِرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ النَّفْثَ عِنْدَ الرُّقَى أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ فِيهِمُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ النَّفْثَ وَلَا يَرَى بِالنَّفْخِ بَأْسًا ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِذَا دَعَوْتَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَلَا تَنْفُثُ . وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُجِبِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّ مَنْ جَهِلَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ وَسَبَقَ إِلَيْهِ مِنَ الْأُصُولِ مَا نَزَعَ بِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ مَعَ السُّنَّةِ إِلَيْهِ ، وَأَظُنُّ الشُّبْهَةَ الَّتِي لَهَا كَرِهَ النَّفْثَ مَنْ كَرِهَهُ ظَاهِرَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَهَذَا نَفْثُ سِحْرٍ ، وَالسِّحْرُ بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ ، وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
693 - حَدِيثٌ رَابِعَ عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَابْنُ كَثِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى - يَعْنِي النَّيْسَابُورِيَّ - وَإِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ وَأَبُو سَلَمَةَ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مِهْرَانَ السَّرَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي وَأَبِي ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّأهِ فَقَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَيُونُسُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ فِي المسجد فدخلت بَيْتِهَا لَمْ تَسْأَلْ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَّا وَهِيَ مَارَّةٌ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . فَأَدْخَلَ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ جَمْعُ عُرْوَةَ وَعَائِشَةَ لِيُونُسَ وَاللَّيْثِ لَا لِمَالِكٍ . وَالْمَحْفُوظُ لِمَالِكٍ عَنْ أَكْثَرِ رُوَاتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شهاب غير مَالِكٍ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، مِنْهُمْ مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بُنْدَارٌ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ . لَمْ تُذْكَرْ عَمْرَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَتَابَعَ ابْنَ مَهْدِيٍّ عَلَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا أَيْضًا وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ الْحِمْصِيُّ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَكِفُ وَتَمُرُّ بِالْمَرِيضِ ، وَتَسْأَلُ بِهِ وَهِيَ تَمْشِي . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَقَلْتُ لمالك : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ ، وَأَعَدْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ ، أَوِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَكِفُ - وَذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ . وَهَذَانِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا فِي تَرْجِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخَرُ فِي مُرُورِ عَائِشَةَ بِالْمَرِيضِ ، وَقَوْلِهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ - اخْتَلَفَ فِيهِمَا أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِينِي وَهُوَ يَعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَّكِئَ عَلَى عَتَبَةِ بَابِ حُجْرَتِي ، فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي وَسَائِرُهُ فِي الْمَسْجِدِ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وَعَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ فِي الْمَسْجِدِ تَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَلَا تَدْخُلُ بَيْتَهَا إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَكَانَتْ تَمُرُّ بِالْمَرِيضِ مِنْ أَهْلِهَا فَتَسْأَلُ عَنْهُ وَهِيَ تَمْشِي لَا تَقِفُ . فَجَعَلَ الْأَوْزَاعِيُّ الْمَعْنَيَيْنِ بِإِسْنَادَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْآخَرُ عُرْوَةُ وَعَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْهَا ، كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ ، وَقَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . أخبرناه محمد ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ لَا تَسْأَلُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَّا وَهِيَ تَمْشِي لَا تَقِفُ . وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ - فَذَكَرَهُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَخَالِدُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَخَالَفَ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ؛ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : مُرُورَ عَائِشَةَ ، وَتَرْجِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا يَعْتَكِفَانِ - عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، مِنْهُمْ يُونُسُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالليث ومَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَالزُّبَيْدِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِ مَالِكٍ فِي تَرْجِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُجَامِعْهُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَأَمَّا يُونُسُ وَاللَّيْثُ فَجَمَعَا عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا مَعْمَرٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَاجْتَمَعُوا عَلَى عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ : وَالْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا حَدِيثُ هَؤُلَاءِ . قَالَ : وَأَمَّا الْقِصَّةُ الْأُخْرَى فِي مُرُورِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَرِيضِ فَاجْتَمَعَ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَهُشَيْمٌ عَلَى عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَالَ يُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ مَرَّةً : عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَرَّةً مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ : عَنْ عُرْوَةَ وَعُمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ : وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّ اللَّيْثَ قَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ ، فَقَالَ مَرَّةً : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَرَّةً : عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَثَبَتَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُمَا جَمِيعًا . وَقَدْ وَاطَأَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فَصَارَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ يُونُسَ أَوْلَى وَأَثْبَتَ . وَأَمَّا شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ يُونُسَ فِي الْقِصَّةِ الْأَخِيرَةِ فَقَالَ : عُرْوَةُ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ : فَقَدْ صَحَّ الْخَبَرُ الْآخَرُ عِنْدَنَا عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِاجْتِمَاعِ يُونُسَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَبِاجْتِمَاعِ مَعْمَرٍ وَمَالِكٍ وَهُشَيْمٍ عَلَى عَمْرَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُجَاوِرُ فَتَمُرُّ بِالْمَرِيضِ مِنْ أَهْلِهَا فَلَا تَعْرِضُ لَهُ . فَالْحَدِيثَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ بِالْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي تَرْجِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فَيَمُرُّ بِالْمَرِيضِ فِي الْبَيْتِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَقِفُ . قَالَ : وَهَذَا مُعْضِلٌ لَا وَجْهَ لَهُ ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ عَائِشَةَ ، لَيْسَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ ، وَهَذَا الْوَهْمُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ ذِكْرَهُ عَمْرَةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، هَذَا مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ لَا غَيْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ تَرْجِيلَ عَائِشَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لَا يُوجَدُ إِلَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ وَحْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَغَيْرُ هَذَا قَدْ جُومِعَ مَالِكٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مُرُورِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَإِسْنَادِهِ . وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ التَّرْجِيلِ هَذَا عَنْ عُرْوَةَ ، تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ . ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَيَعْلَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا حَائِضٌ وَهُوَ عَاكِفٌ . وَقَالَ يَعْلَى فِي حَدِيثِهِ هَذَا : كُنْتُ أَغْسِلُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي فَأَغْسِلُهُ وَأُرَجِّلُهُ بِالْمَاءِ وَأَنَا حَائِضٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ عُرْوَةَ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ : يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ ، وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ : يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : يُدْخِلُ إِلَيَّ رَأْسَهُ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الْمُعْتَكِفِ رَأْسَهُ الْبَيْتَ لِيُغْسَلَ وَيُرَجَّلَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ قَوْلُ الْأَسْوَدِ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ أَيْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَيَّ فِي الْبَيْتِ فَأُرَجِّلُهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ؛ جَمِيعًا عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ - وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ ذِكْرُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ - حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - وَأَنَا حَائِضٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ عَنْ عَائِشَةَ : يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ ، فَالتَّرْجِيلُ أَنَّ يُبَلَّ الشَّعْرُ ثُمَّ يُمَشَّطُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى وَمَا فِيهِ مِنِ اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي تَرْجِيلِ عَائِشَةَ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ ، وَلَوْ كَانَتَا عَوْرَةً مَا بَاشَرَتْهُ بِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهَا تَنْهَى فِي الْإِحْرَامِ عَنْ لِبَاسِ الْقُفَّازَيْنِ وَتُؤْمَرُ بِسَتْرِ مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَتُؤْمَرُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فِي الصَّلَاةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ عَوْرَةٍ مِنْهَا ، وَهُوَ عِنْدَنَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْعَوْرَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ طَاهِرَةٌ غَيْرُ نَجِسَةٍ إِلَّا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْهَا ، وَيُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ ، فَقَالَتْ : إِنِّي حَائِضٌ ! فَقَالَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، فَدَلَّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ الْحَيْضَةُ فَهُوَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْحَيْضَةِ وَأَنَّهَا مُتَعَبِّدَةٌ فِي اجْتِنَابِ مَا أُمِرَتْ بِاجْتِنَابِهِ . وَفِي تَرْجِيلِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِدْمَتِهَا لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ كَرِهَ سُؤْرَ الْحَايِضِ وَالْجُنُبِ ، وَفِي حَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَائِشَةَ : كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَايِضُ وَأُنَاوِلُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فَمِي ، وَآخُذُ الْعَرَقَ فَأَعَضُّهُ فَيَضَعُ فَمَهُ عَلَى مَوْضِعِ فَمِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى الِاعْتِكَافِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ ، هَذَا مَعْنَى الْعُكُوفِ وَالِاعْتِكَافِ فِي اللِّسَانِ . وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَمَعْنَاهُ الْإِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَمَلُ الْبِرِّ عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ مِنْ سُنَنِ الِاعْتِكَافِ . فَمِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِذِكْرِ الْمَسَاجِدِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ؛ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ خَرَجَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا الْعُمُومَ ، فَقَالُوا : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ ; كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ، أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - لَا غَيْرَ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي مَسْجِدِهِ ، فَكَانَ الْمَقْصِدُ وَالْإِشَارَةُ إِلَى نَوْعِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ فِي مَا بَنَاهُ نَبِيٌّ . وَقَالَ الْآخَرُونَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْآيَةِ عِنْدَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنَ الْمَسَاجِدِ . رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ جَائِزٌ ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي قِلَابَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَهَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الْأَحْوَصِ وَالشَّعْبِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ . وَحُجَّتُهُمْ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرَيُّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ . قَالَ : وَاعْتِكَافُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَيَعْتَكِفُ الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ حَيْثُ شَاءُوا ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اعْتِكَافُهُ فِي بَيْتِهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ لُزُومِهِ الْمَسْجِدَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لُزُومَ الْمَسْجِدِ إِنَّمَا هُوَ لِلصَّلَوَاتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ . وَأَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ نَفْسِهِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِهِ ، وَفِي اجْتِنَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ دُخُولُ الْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فَكُلُّ شُغْلٍ يَشْغَلُهُ عَنِ اعْتِكَافِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ ; لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ . وَفِي مَعْنَى دُخُولِ الْبَيْتِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ كُلُّ مَا لَا غِنَى بِالْإِنْسَانِ عَنْهُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَمَصَالِحِهِ وَمَا لَا يَقْضِيهِ عَنْهُ غَيْرُهُ . وَفِي مَعْنَى تَرْجِيلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ بَدَنِهِ مِنَ الْغِذَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الْمُعْتَكِفُ نَاذِرٌ ، جَاعِلٌ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَامَ فِي الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ خَرَجَ لِضَرُورَةٍ وَرَجَعَ فِي فَوْرِ زَوَالِ الضَّرُورَةِ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَمِنَ الضَّرُورَةِ الْمَرَضُ الْبَيِّنُ وَالْحَيْضُ ، وَهَذَا عِنْدِي فِي مَعْنَى خُرُوجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِعُذْرٍ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ; مِثْلُ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ ، أَوْ شِرَاءُ طَعَامٍ يُفْطِرُ عَلَيْهِ ، أَوْ غَسْلُ نَجَاسَةٍ مِنْ ثَوْبِهِ - لَا يَجِدُ مَنْ يَكْفِيهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . فَرُوِيَ عَنْهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ أَوْ مَا كَانَ مِثْلَهُ يَبْتَدِئُ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْنِي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ خُوَازِ بِنْدَادَ وَغَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَى حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِمَا أَنَّهُ يَبْنِي . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِغَالِ الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَعْرِضُ الْمُعْتَكِفُ لِتِجَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ بِصَنْعَتِهِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ وَيَبِيعَ مَالَهُ ، وَيَصْنَعَ كُلَّ مَا لَا يَشْغَلُهُ إِذَا كَانَ خَفِيفًا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُ الْمُعْتَكِفُ . قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ مَا لَمْ يَكُنِ الْوِقَاعُ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَآتِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَقُومُ الْمُعْتَكِفُ إِلَى رَجُلٍ يُعَزِّيهِ بِمُصِيبَةٍ وَلَا يَشْهَدُ نِكَاحًا يُعْقَدُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ إِلَيْهِ ، وَلَكِنْ لَوْ غَشِيَهُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ، وَلَا يَقُومُ لِنَاكِحٍ فَيُهَنِّئُهُ ، وَلَا يَكْتُبُ الْعِلْمَ وَلَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ . قَالَ : وَيَشْتَرِي وَيَبِيعُ إِذَا كَانَ خَفِيفًا ، وَلَا يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ ، وَلَا يَعُودُ الْمَرْضَى ، وَجُمْلَةُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي مَصَالِحِهِ ، مِثْلُ الْكِتَابِ الْخَفِيفِ يَكْتُبُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَخْدِمُهُ ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ مُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا خَفِيفًا . وَمِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا أَتَى كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ ضِدُّ الْعِبَادَةِ كَمَا الْحَدَثُ ضِدُّ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، وَتَرْكُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ أَعْلَى مَنَازِلِ الِاعْتِكَافِ فِي الْعِبَادَةِ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ خُوَازِ بِنْدَادَ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يُضَيِّعَهُ ، لَا يَدْخُلُ سَقْفًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَمَرُّهُ فِيهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، وَلَا يُوصِيهِمْ بِحَاجَتِهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مَاشٍ ، وَلَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي ، وَإِنْ دَخَلَ سَقْفًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ دَخَلَ الْمُعْتَكِفُ بَيْتًا لَيْسَ فِي طَرِيقِهِ أَوْ في غير جَامَعَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ، وَيَحْضُرُ الْجِنَازَةَ ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ ، وَيَخْرُجُ لِلْوُضُوءِ ، وَيَدْخُلُ بَيْتَ الْمَرِيضِ لِلْعِيَادَةِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِجِنَازَةٍ وَلَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، وَلَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ وَيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَشَاغَلَ بِمَا لَا يَأَثَمُ فِيهِ ، وَيُزَوِّجُ وَيَتَزَوَّجُ ، وَيُشْهِدُ فِي النِّكَاحِ وَيَتَطَيَّبُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ، وَلَا يُفَارِقُ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ بَعِيدًا إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ غَيْرُ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ فَعَلَهُ الْمُعْتَكِفُ ، وَلَا يَقْعُدُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَكْلِهِ فِي بَيْتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعَانِي الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَاحِدَةٌ ، وَمَعَانِي مَالِكٍ مُتَقَارِبَةٌ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ لَا تَعُودُ الْمَرِيضَ مِنْ أَهْلِهَا وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ الْإِمَارَةَ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً ، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا ، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ . وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا السُّنَّةُ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فِي صَوْمِ الْمُعْتَكِفِ وَمُبَاشَرَتِهِ وَسَائِرِ الْحَدِيثِ . وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : إِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَلْيَعُدِ الْمَرِيضَ وَلْيَحْضُرِ الْجِنَازَةَ ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَأَجَازَ عَلِيٌّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِلْمُعْتَكِفِ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : اعْتَكَفْتُ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَدْعُونِي وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ آتِهِ ، فَعَادَ ، ثُمَّ عَادَ فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا ؟ قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ مُعْتَكِفًا . قَالَ : وَمَا عَلَيْكَ ! إِنَّ الْمُعْتَكِفَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَمْشِي مَعَ الْجِنَازَةِ ، وَيُجِيبُ الْإِمَامَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يُبَاشِرُ وَلَا يُقَبِّلُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ مَسَائِلِ الِاعْتِكَافِ : لَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ مِنَ الْوَطْءِ إِلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ . وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ قِيَاسًا عَلَى أَصْلِهِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ فَعَلَ فَأَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا ، وَلَا يَسْتَظِلُّ بِسَقْفٍ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ أَوْ يَدْخُلُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، أَوْ مَا كَانَ مِثْلَ تَرْجِيلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَسَائِلُ الِاعْتِكَافِ وَنَوَازِلُهُ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَيَقْصُرُ الْكِتَابُ عَنْ تَقَصِّي أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَالِاعْتِلَالِ لَهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا ، وَذَكَرْنَا الْأُصُولَ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الِاعْتِكَافِ ، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ الِاعْتِكَافِ بِصَوْمٍ وَبِغَيْرِ صَوْمٍ وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا ، مِنْهَا وَاحِدٌ مُرْسَلٌ هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ القرشي الْأَسَدِيُّ ، قَدْ ذَكَرْنَا نَسَبَ أَبِيهِ فِي الصَّحَابَةِ ، أُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ تَابِعِيِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ وَهُمْ : سَعِيدٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانُ ، وَخَارِجَةُ ، وَقَبِيصَةُ . وَكَانَ عُرْوَةُ أَحْفَظَهُمْ كُلِّهِمْ وَأَغْزَرَهُمْ حَدِيثًا ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ حِصَارَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ . وَكَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَوُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ . قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : بُشِّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَخِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مَقْدِمَهُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَاسْتُصْغِرَ حِينَ خَرَجُوا يَوْمَ الْجَمَلِ فَرُدَّ مِنَ الطَّرِيقِ هُوَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَاتَ عُرْوَةُ سَنَةَ أَرْبَعٍ - أَوْ خَمْسٍ - وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَقِيلَ : بَلْ مَاتَ عُرْوَةُ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ . حَكَى هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْوَاقديُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، ذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : اسْتُصْغِرْنَا يَوْمَ الْجَمَلِ ، فَرُدِدْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَجَدْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ : وَجَدْتُ عُرْوَةَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ ! فَقَالَ يَحْيَى : أَمَّا أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَنِ وَأَقْضِيَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُمْ حَدِيثًا فَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : تَزَوَّجَ عُرْوَةُ ، فَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ فَأَبَى ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْخَلُوقِ فَأَبَى ، فَلَمَّا نَامَ خَلَّقُوهُ وَهُوَ نَائِمٌ . قَالَ أَيُّوبُ : وَكَانَ عُرْوَةُ إِذَا دَخَلَ أَرْضَهُ قَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَرُوِّينَا أَنَّ عُرْوَةَ قَدِمَ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الشَّامِ فَأَصَابَتْهُ الْأَكَلَةُ فِي رِجْلِهِ ، فَقَطَعَهَا وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَا نَطَقَ ، وَلَمْ يَشْعُرِ الْوَلِيدُ بِهَا حِينَ قُطِعَتْ حَتَّى كُوِيَتْ فَوَجَدَ رَائِحَةَ الْكَيِّ ، وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ، وَاحْتَفَرَ بِالْمَدِينَةِ بِئْرًا يُقَالُ لَهَا بِئْرُ عُرْوَةَ ، لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ بِئْرٌ أَعْذَبَ مِنْهَا . وَذَكَرَ عَبَّاسٌ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ صُعَيْرٍ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْفِقْهِ - وَكُنْتُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّسَبَ - فَقَالَ : أَلَكَ بِذَا حَاجَةٌ ؟ عَلَيْكَ بِهَذَا الشَّيْخِ ، وَأَشَارَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَجَالَسْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ لَا أَحْسَبُ أَنَّ عَالِمًا غَيْرَهُ ، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ إِلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَفَجَّرْتُ بِهِ بَحْرًا . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ : سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَكَانَ أَفْقَهَ النَّاسِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ ، وَكُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَجِدَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ طَرِيقَةً مِنْ عِلْمٍ لَا تَجِدُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِلَّا وَجَدْتَهَا . وَذَكَرَ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ : مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا أَفْقَهُهُمْ فِقْهًا وَأَعْلَمُهُمْ بِقَضَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَايَا أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَعْلَمُهُمْ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ النَّاسُ فَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَمَّا أَغْزَرُهُمْ حَدِيثًا فَعُرْوَةُ ، وَلَا تَشَاءُ أَنْ تُفَجِّرَ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بَحْرًا إِلَّا فَجَّرْتَهُ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُفَسِّرِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : كُنْتُ إِذَا حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ثُمَّ حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ زَادَ ذَلِكَ عِنْدِي صِدْقًا حَدِيثَ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَمْرَةَ ، فَلَمَّا تَبَحَّرْتُهُمَا إِذَا عُرْوَةُ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُفَسِّرِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُولُ : سَلُونِي إِذَا خَلَوْتُ ، وَكَانَ يَعْجَبُ مِنْ حِفْظِي ، وَاللَّهِ مَا تَعَلَّمْنَا مِنْهُ جُزْءًا مِنْ أَلْفَيْ جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ . قَالَ هشَامٌ : وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَذْكُرُ أَبِي إِلَّا بِخَيْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : خَرَجَ عُرْوَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَتَرَكَ سُكْنَاهَا ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ ، فَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ . قَالَ الواقدي : تُوُفِّيَ فِي أَمْوَالِهِ بِمَجَّاجَ بِنَاحِيَةِ الْفُرْعِ ، وَدُفِنَ هُنَاكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تُوُفِّيَ بِقَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ : تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : فَكَانَ يُقَالُ سَنَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا يَسْرُدُ الصَّوْمَ حَافِظًا حَرِيصًا عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ . 2 - حَدِيثُ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَعْلَمُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ، أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْهُ فِيمَا بَلَغَنِي ، وَظَاهَرُ مَسَاقِهِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ ؛ لِقَوْلِهِ : إَِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ - وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَمَاعًا لِابْنِ شِهَابٍ مِنْ عُرْوَةَ وَلَا سَمَاعًا لِعُرْوَةَ مِنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ - أَعْنِي أنَّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ - مَحْمُولَةٌ عَلَى الِانْقِطَاعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّمَاعُ وَاللِّقَاءُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا وَيَحْمِلُ الْأَمْرَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ مُجَالَسَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُشَاهَدَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَأَخْذِهِمْ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا لَمْ يُسْأَلْ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَكَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ لِوُجُوهٍ ؛ مِنْهَا : أَنَّ مُجَالَسَةَ بَعْضِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ لِبَعْضٍ مَعْلُومَةٌ مَشْهُورَةٌ . وَمِنْهَا : أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ صَحَّ شُهُودُ ابْنِ شِهَابٍ لِمَا جَرَى فِيهَا بَيْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ إِمَارَةِ عُمَرَ عَلَيْهَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لِنُبَيِّنَ لَكَ مَا ذَكَرْنَا ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْآثَارَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ لِيُسْتَدَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَفْتَحُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، ثُمَّ نَقْصِدُ لِلْقَوْلِ فِيمَا يُوجِبُهُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي ، وَبِاللَّهِ الْعَوْنُ لَا شَرِيكَ لَهُ . تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ فِي رَجَبٍ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْهُ بِحِمْصَ ، وَدُفِنَ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ حِمْصَ ، وَهُوَ يَوْمَ مَاتَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ . وَمِمَّنْ ذَكَرَ مُشَاهَدَةَ ابْنِ شِهَابٍ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ . فَأَمَّا رِوَايَةُ اللَّيْثِ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عَلَى مَنَابِرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي إِمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخَّرَ عُمَرُ الْعَصْرَ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ . فَقَالَ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ - يَحْسِبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ فَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كُنَّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَأَخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مَرَّةً ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَرَّةً - يَعْنِي الْعَصْرَ - فَقَالَ لَهُ أَبُو مَسْعُودٍ : أَمَا وَاللَّهِ يَا مُغِيرَةُ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ - حَتَّى عَدَّ خَمْس صلوات ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! أَو إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ يُبَيِّنُ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ . قَالَ : فَمَا زَالَ عُمَرُ يَعْتَلِمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْح قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : مَسَّى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِصلاة الْعَصْرِ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم وَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ - حَتَّى عَدَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! أَو أنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَنَا مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَلَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِيهِ إِسْنَادَانِ غَيْرَ هَذَا مَذْكُورَانِ فِي مَوْضِعِهِمَا ، فَقَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ اتِّصَالُهُ وَسَمَاعُ ابْنُ شِهَابٍ لَهُ مِنْ عُرْوَةَ وَسَمَاعُ عُرْوَةُ مِنْ بَشِيرٍ ، وَبَانَ بِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا عُمَرُ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا الْمُغِيرَةُ هِيَ تِلْكَ أَيْضًا . وَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمْسَ صلوات فِي أَوْقَاتِهِنَّ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتَيْنِ . وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَرَّتَيْنِ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِ مَرَّتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي وَقْتَيْنِ ، وَسَنَذْكُرُ الْآثَارَ وَالرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ لِنُبَيِّنَ مَا ذَكَرْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ فِي ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّاسَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِمَا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الحميدي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخَّرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ - حَتَّى عَدَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اتَّقِ اللَّهَ يَا عُرْوَةُ وَانْظُرْ مَا تَقُولُ ! فَقَالَ عُرْوَةُ : أَخْبَرَنِيهِ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَهَذَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى بِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَأُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلٍ . فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْنِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى ، ثُمَّ صَلَّى ، ثُمَّ صَلَّى ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ صَلَّى ، ثُمَّ صَلَّى ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا أُمِرْتُ ؟ أَخْبَرَنَا بِمُوَطَّأِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِجَازَةً أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرُوسٍ الْإِسْتَجِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أبو الطاهر مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّعِيدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّاءَ ، يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ - فَذَكَرَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَعْلَمْ مَا تَقُولُ ! فَقَالَ عُرْوَةُ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنِي بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ - يَحْسِبُ بِأصْبَعِهِ خَمْس صلوات ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حِينَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا الصُّفْرَةُ ، يَنْصَرِفُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاةِ فَيَأْتِي ذَا الْحُلَيْفَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ ، وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الْأُفُقُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ ، وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ كَانَتْ صلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ ، لَمْ يَعُدْ بَعْدُ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ ، لَمْ يَذْكُرُوا الْوَقْتَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ، لَمْ يُفَسِّرُوهُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَصْحَابِهِ ، إِلَّا أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَذْكُرْ بَشِيرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كَلَامُ أَبِي دَاوُدَ ، وَلَمْ يَسُقْ فِي كِتَابِهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَلَا مَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ رِوَايَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَحْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، ثُمَّ أَرْدَفَهَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِهِ ، وَصَدَقَ فِيمَا حَكَى ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ تَكْرِيرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَرَّتَيْنِ . وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ ظَاهِرُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِمْ فِي كِتَابِنَا هَذَا لِيَقِفَ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى سِيَاقِهِمْ لِلْحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ فِيهِ ، فَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ . وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ سَوَاءً . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا يُقَوِّي رِوَايَةَ أُسَامَةَ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ شَبِيهَةٌ بِرِوَايَةِ أُسَامَةَ أَنَّهُ صَلَّى الْوَقْتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْهُ إِلَّا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ فَقَدْ رَوَى مَعْنَاهُ عَنْهُ مُرْسَلًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الثِّقَاتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ ; فَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَخَّرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فدخلت عَلَيْهِ فَقُلْتُ : إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : كَذَلِكَ سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ تَظْهَرْ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ جِبْرِيلُ : صَلِّ صَلَاةَ كَذَا فِي سَاعَةِ كَذَا حَتَّى عَدَّ الصَّلَوَاتِ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَشْهَدُ أَنَّا كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ نَأْتِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَإِنَّهَا لَمُرْتَفِعَةٌ ، وَهِيَ عَلَى رَأْسِ ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي مَرْزُوقٍ فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ : حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى أَنْصَفَا خَمْسًا . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : انْظُرْ يَا عُرْوَةُ مَا تَقُولُ ! إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ مَوَاقِيتَ الصَّلَوَاتِ ؟ قَالَ : كَذَلِكَ حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ . فَبَحَثَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى وَجَدَ ثَبْتَهُ ، فَمَا زَالَ عُمَرُ عِنْدَهُ عَلَامَاتُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ فِيهَا حَتَّى قُبِضَ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَحْسَنَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ فِي سِيَاقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا سَاقَهُ أَصْحَابُ ابْنُ شِهَابٍ فِي الْخَمْسِ صلوات لِوَقْتٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ ، وَالْحُفَّاظُ يَقُولُونَ : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَبَشِيرٌ هَذَا وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُوهُ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ اسْمُهُ عَقَبَةُ بْنُ عَمْرٍو وَيُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَدْرًا ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَمِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَوَاتَ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ لِوَقْتَيْنِ . وَحَدِيثُهُ أَبْيَنُ فِي ذَلِكَ وَأَوْضَحُ ، وَفِيهِ مَا يُعَارِضُ قَوْلَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَامِعٍ السُّكَّرِيُّ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ وَالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَكَانَ ذَلِكَ زَمَانًا يُؤَخِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، فَحَدَّثَ عُرْوَةُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ أَوْ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : كِلَاهُمَا قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ . قَالَ أَيُّوبُ : فَقُلْتُ : وَمَا دُلُوكُهَا ؟ قَالَ : حِينَ زَالَتْ . قَالَ : فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الظُّهْرَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْعَصْرَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْمَغْرِبَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْعِشَاءَ . قَالَ : فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الصُّبْحَ . قَالَ : فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ الْغَدَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الظُّهْرَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْعَصْرَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْمَغْرِبَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الْعِشَاءَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ أَضَاءَ الْفَجْرَ وَأَسْفَرَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، صَلِّ الصُّبْحَ . قَالَ : فَصَلَّى . قَالَ : ثُمَّ قَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنَ وَقْتٌ - يَعْنِي أَمْسِ وَالْيَوْمَ . قَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : أَجِبْرِيلُ أَتَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ عُرْوَةَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ صَلَاةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِينِ تَعْلِيمِهِ لَهُ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ فَرَضَهَا كَانَتْ فِي يَوْمَيْنِ لِوَقْتَيْنِ وَقْتَيْنِ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَاشَا الْمَغْرِبِ فَلَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى - فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ مِثْلَهُ سَوَاءٌ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ لِوَقْتَيْنِ . وَمَرَاسِيلُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، وَحَدِيثُ هَؤُلَاءِ بِالصَّوَابِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمْ زَادُوا وَأَوْضَحُوا وَفَسَّرُوا مَا أَجْمَلَهُ غَيْرُهُمْ وَأَهْمَلَهُ . وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا جَاءُوا بِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَعَامَّةُ الْأَحَادِيثِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَى ذَلِكَ جَاءَتْ مُفَسِّرَةً لِوَقْتَيْنِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ وَرَدَ ، فَرِوَايَةُ مَنْ زَادَ وَتَمَّ وَفَسَّرَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَجْمَلَ وَقَصَّرَ . وَقَدْ رُوِّيتُ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَى مِثْلِ قَدْرِ الشِّرَاكِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْعِشَاءِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ مِنَ الْغَدِ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَيْ ظِلِّهِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ صَلَّى بِيَ الْفَجْرَ - قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : لَا أَدْرِي مَا قَالَ فِي الْفَجْرِ - ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يُوجَدُ هَذَا اللَّفْظُ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ إِلَّا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حَنِيفٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ أَسْفَرَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ - وَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا بِكَلَامٍ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَهُوَ وَاللَّهِ كُلُّهُمْ مَعْرُوفُو النَّسَبِ مَشْهُورُونَ بِالْعِلْمِ ، وَقَدْ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَالَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ . فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ مَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ مَكَثَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُمْ فَصَلِّ الْعَصْرَ . فَصْلَاهَا ، فَمَكَثَ ، حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ جَاءَ فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْمَغْرِبَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ مَكَثَ ، حَتَّى إِذَا غَابَ الشَّفَقُ جَاءَهُ ، فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْعِشَاءَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ سَطَعَ الْفَجْرُ بِالصُّبْحِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُمْ فَصَلِّ الصُّبْحِ . فَقَامَ فَصَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ حِينَ كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُمْ فَصَلِّ الظُّهْرَ . فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُمْ فَصَلِّ الْعَصْرَ . ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَغِبْ عَنْهُ ، فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْمَغْرِبَ . ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْعِشَاءَ . ثُمَّ جَاءَهُ لِلصُّبْحِ حِينَ ابْيَضَّ جِدًّا ، فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ . فَصَلَّى ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ . وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ فِي حَدِيثِهِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنَ وَقْتٌ كُلُّهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ بُرْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَوَاتِ ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ، وَالنَّاسُ خَلَفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِيهِ ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ; صَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصَيْهِ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَنِمْنَا ثُمَّ قُمْنَا ، ثُمَّ نِمْنَا ثُمَّ قُمْنَا ، فَأَتَاهُ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ امْتَدَّ الْفَجْرُ وَأَصْبَحَ ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتٌ . وَرَوَاهُ أَبُو الرَّدَّادِ عَنْ بُرْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْمَغْرِبِ : ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ - فَذَكَرَهُ . قَالَ : ثُمَّ جَاءَ نَحْوَ ثُلُثِ اللَّيْلِ لِلْعَشَاءِ - فَذَكَرَهُ . قَالَ : ثُمَّ جَاءَ حِينَ أَضَاءَ الصُّبْحُ ، وَلَمْ يَقُلْ : وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ . أَخْبَرَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّحْوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّدَّادِ عَمْرُو بْنُ بِشْرٍ الْحَارِثِيُّ - فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّنِي جِبْرِيلُ فِي الصَّلَاةِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَتِ الشَّمْسُ قَامَةً ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا ثَانِيًا فَصَلَّى الظُّهْرَ وَظِلُّ كُلِّ إِنْسَانٍ مِثْلُهُ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْفَيْءُ قَامَتَانِ ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُلُثَ اللَّيْلِ ، وَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، ثُمَّ قَالَ : الصَّلَاةُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ . فَهَذَا مَا فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ صَحِيحِ الْآثَارِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فِي حِينِ الْإِسْرَاءِ حِينَ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَيْأتِهَا حِينَ فُرِضَتِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ فَأُكْمِلَتْ أَرْبَعًا ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ . وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ - وَكَانَ أَحَدَ عُلَمَاءِ قُرَيْشٍ بِالنَّسَبِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ وَالْفِقْهِ ، وَهُوَ رَاوِيَةُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ : أنَّهَا فُرِضَتْ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ ثَلَاثًا وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ . وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَعَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَمَوَاقِيتَهَا وَهَيْأتَهَا . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ : أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ فَرَكْعَتَانِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَرَكْعَتَانِ فِي آخِرِهِ . وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زَادَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ ، هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَرَكْعَتَيْنِ فِي آخِرِهِ ، وَلَيْسَ يُوجَدُ هَذَا فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ ، بَلْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إِلَى الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَعْرُوفُ فِي الْكَلَامِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِنَّمَا فُرِضَتْ فِي الْإِسْرَاءِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ - وَيَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ - أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ أَوَّلَ مَا فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أُتِمَّتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى . فَهَذَا وَمِثْلُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ ، وَهِيَ الْخَمْسُ الْمُفْتَرَضَةُ فِي الْإِسْرَاءِ لَا صَلَاتَانِ ، وَمِنْ ادعى غير ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ إِلَّا مَا كَانَ أَمَرَ بِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى نَحْوِ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَلَا تَحْدِيدٍ لَا لِرَكَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ وَلَا لِوَقْتٍ مَحْصُورٍ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ ، وَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ نَحْوًا مِنْ حَوْلٍ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ وَالتَّخْفِيفَ فِي ذَلِكَ ، وَنَسَخَهُ وَحَطَّهُ بِقَوْلِهِ : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَسَخَ آخِرُ السُّورَةِ أَوَّلَهَا فَضْلًا منه ورحمة ، فَلَمْ تَبْقَ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ إِلَّا الِخَمْسٍ ، أَلَا تَرَوْا إِلَى حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي الْأَعْرَابِيِّ النَّجْدِيِّ إِذْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ . فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا . وَذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا أُنْزِلَتْ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، حَتَّى نَزَلَتْ آخِرُهَا ، وَكَانَ بَيْنَ آخِرِهَا وَأَوَّلِهَا حَوْلٌ . وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَقَالَتْ : فَجُعِلَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ . وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ قَالَ : أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدَ حَوْلٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْوَاحِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا . قَالَ : وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا : الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَخَوَاتِمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . وَأَمَّا حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السكن قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ؛ قَالُوا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهِشَامٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ . وَقَالَ بَقِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - وَالْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ - أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ ، قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ : فِي الْحِجْرِ - عِنْدَ الْبَيْتِ مُضْطَجِعًا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ إِذْ أَتَى آتٍ ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، فَأَخَذَنِي فَشَقَّ مِنْ نَحْرِي إِلَى مَرَاقِّ بَطْنِي وَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبَ مَمْلُوءَةٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَغَسَلَ قَلْبِي ، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ وَهُوَ الْبُرَاقُ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَيْتُ سَمَاءَ الدُّنْيَا ، فَاسْتَفْتَحَ - وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ خَمْسُونَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، فَأَقْبَلْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتُ ؟ قُلْتُ : أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ أُخْبِرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ . فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا عَشْرًا ، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا ، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتُ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا خَمْسًا ، فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَقُلْتُ : سَلِمْتَ . وَسَاقَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَلْفَاظَ بِتَمَامِهَا وَتَرْدَادِ الْمَسْأَلَةِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُلْ : ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ مِثْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ هَاهُنَا : قَدْ سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ - وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فَنُودِيَ ، ثم اتفقا - أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَقَتَادَةُ أَحْسَنُ سِيَاقَةً لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَرَوَاهُ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أُبَيٍّ - وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أُبَيٍّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا لَا مَرَّتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : فَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ، فَفَزِعَ النَّاسُ فَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ، وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ ؛ يَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ لَا يُسْمِعُهُمْ فِيهِنَّ قِرَاءَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ . فَلَمَّا سَقَطَتِ الشَّمْسُ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ، فَفَزِعَ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ ، فَصَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا يُسْمِعُهُمْ فِيهِنَّ قِرَاءَةً ، وَهِيَ أَخَفُّ ، يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ، وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ ؛ يَقْتَدِي مُحَمَّدٌ بِجِبْرِيلَ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ . فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ نُودِيَ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَفَزِعَ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ ، فَصَلَّى بِهِمْ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَسْمَعَهُمُ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَسَبَّحَ فِي الثَّالِثَةِ ؛ يَعْنِي بِهِ قَامَ وَلَمْ يُظْهِرِ الْقِرَاءَةَ ، يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ، وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ ، وَيَقْتَدِي مُحَمَّدٌ بِجِبْرِيلَ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ . فَلَمَّا بَدَتِ النُّجُومُ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ، فَفَزِعَ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَسْمَعَهُمُ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَسَبَّحَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ ، يَقْتَدِي مُحَمَّدٌ بِجِبْرِيلَ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ رَقَدُوا وَلَا يَدْرُونَ أَيُزَادُونَ أَمْ لَا ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ ، فَفَزِعَ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا إِلَى نَبِيِّهِمْ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أَسْمَعُهُمْ فِيهَما الْقِرَاءَةَ ، يَؤُمُّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا وَيَؤُمُّ مُحَمَّدٌ النَّاسَ ، يَقْتَدِي مُحَمَّدٌ بِجِبْرِيلَ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِمُحَمَّدٍ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى النَّاسِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ مُهَذَّبٌ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ مَوْلَى تَيْمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ - قَالَ : وَكَانَ نَافِعٌ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ وَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : لَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ فِيهَا لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا جِبْرِيلُ يَنْزِلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْأَوْلَى ، فَأَمَرَ فَصِيحَ بِأَصْحَابِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا ، فَصَلَّى جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ، طَوَّلَ الركعتين الأوليين ثُمَّ قَصَرَ الْبَاقِيَتَيْنِ ، سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ نَزَلَ فِي الْعَصْرِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلُوا فِي الظُّهْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَصِيحَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَصَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّاسِ ، طَوَّلَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَصَرَ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ لَمَّا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ فَصِيحَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا ، فَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ، فَقَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَطَوَّلَ وَجَهَرَ ، وَقَصَرَ فِي الثَّانِيَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ . فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ صِيحَ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ، فَقَرَأَ فِيهِمَا فَجَهَرَ وَطَوَّلَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ ، وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَسَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَذَانٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍّ أَوْ نَحْوِهِ حِينَ أُرِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي النَّوْمِ ، فَقَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ : حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ هَذَا مِثْلُ حَدِيثِ الْحَسَنِ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يُصَلِّ فِي وَقْتِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذَكَرْنَا لَهُ مِنَ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمُتَّصِلَةِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ لِوَقْتَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : مَا بَيْنَ هَذَيْنَ وَقْتٌ ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا لِنَقْلِ الْعُدُولِ لَهَا ، وَلَيْسَ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْ حِفْظِ ذَلِكَ وَإِتْقَانِهِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ بِحُجَّةٍ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ لَا فِي قَوْلِ مَنْ قَصَّرَ عَنْ حِفْظِ ذَلِكَ وَأَجْمَلَ وَاخْتَصَرَ ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ مُنْقَطِعَةٌ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِمَا وَصَفْنَا ، وَلِأَنَّ فِيهَا أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا لَا رَكْعَتَيْنِ عَلَى خِلَافِ مَا زَعَمَتْ عَائِشَةُ ، وَقَالَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ ، وَرَدُّوا حَدِيثَ عَائِشَةَ - وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا - بِضُرُوبٍ مِنَ الِاعْتِلَالِ ، سَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ فِي بَابِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَعَنْهُ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ أَرْبَعًا فِي الْحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَزِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا نَقَصَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ يُتِمُّونَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رَكْعَةً تُجْزِئُ فِي الْخَوْفِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ اخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدِ اسْتُقِرَّ عَلَيْهِ فِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَقَةً . قَالُوا : وَلَمْ يَقْصُرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِنًا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَكَانَ نُزُولُهَا بِالْمَدِينَةِ وَفُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ . وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ سَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ ابْنِ أُسَيْدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَوْضِعُهَا . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ الْبَغْدَادِيُّ بمصر قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهِيبُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : رَجُلٌ مِنْهُمْ أَتَى الْمَدِينَةَ ، وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَغَدَّى ، فَقَالَ : هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ . فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي صَائِمٌ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ . قَالُوا : وَوَضَعَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَرْضٍ مُتَقَدِّمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ وَأَبُو قِلَابَةَ وَأَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ مِثْلَهُ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي هِلَالٍ اضْطِرَابٌ كَثِيرٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَابْنِ إِسْحَاقَ الصَّلَاةُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ زَادَ مَعَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّعْبِيِّ هَذَا أَصْلُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَنِ الْأَسْوَدِ أَوْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، فَأَكْثَرُ مَا عِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ هُوَ عَنْهُمَا ، وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ : سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُولُ : كَانَ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مُثَنَّى ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا فَصَارَتْ سُنَّةً ، وَأُقِرَّتِ الرَّكْعَتَانِ لِلْمُسَافِرِ ، وَهِيَ تَمَامٌ . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ . وَقَوْلُهُ: فَصَارَتْ سُنَّةً قَوْلٌ مُنْكَرٌ ، وَكَذَلِكَ اسْتِثْنَاءُ الشَّعْبِيِّ الْمَغْرِبَ وَحْدَهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الصُّبْحَ قَوْلٌ لَا مَعْنًى لَهُ ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ أُتِمَّتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِشَهْرٍ وَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعٌ إِلَّا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ ، وَلَا يعرفون غير ذَلِكَ عَمَلًا وَنَقْلًا مُسْتَفِيضًا ، وَلَا يَضُرُّهُمُ الِاخْتِلَافُ فِيمَا كَانَ أَصْلُ فَرْضِهَا ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ قَوْلِ عَائِشَةَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِنْ صَحَّ قَوْلُهَا إِيجَابُ فَرْضِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ ، وَسَنُبَيِّنُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا كَانَ فِي حِينِ الْإِسْرَاءِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَارِيخِ الْإِسْرَاءِ ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الذَّهَبِيُّ فِي تَارِيخِهِ : ثُمَّ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَعُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ مَا حَكَاهُ الذَّهَبِيُّ ، وَلَمْ يُسْنِدْ قَوْلَهُ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ مِنْهُمْ ، وَلَا رَفَعَهُ إِلَى مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ : فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُرِضَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ صَلَاةً ، ثُمَّ نَقَصَتْ إِلَى خَمْسٍ صلوات ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَمَّهُ عِنْدَ الْبَيْتِ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ، وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ، وَالْعِشَاءَ أَرْبَعًا ، وَالْفَجْرَ رَكْعَتَيْنِ - كُلُّ ذَلِكَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَلَمَّا كَانَ الْمَوْسِمُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ لَقِيَهُ الْأَنْصَارُ فَبَايَعُوهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا ، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَصِلَاتَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَحْدَهُ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُونَ النَّاسِ ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْأَثَرِ ، وَهَكَذَا قَالَ : إِنَّ صَلَاةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ فِي صَلَاتِهِ بِمَكَّةَ اخْتِلَافًا ; قِيلَ : كَانَتْ صِلَاتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَقِيلَ : إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَرَوَى هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَهَكَذَا قَالَ فِي الْإِسْرَاءِ : إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ؛ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ ، وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَزَعَمَ نَاسٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ الْكَعْبَةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَقْبِل الْكَعْبَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . قَالَ : فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاخْتِلَافُ - كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - فِي صَلَاتِهِ بِمَكَّةَ ؛ هَلْ كَانَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ; أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِسَبْعِ سِنِينَ أَوْ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَقَامِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ رَبِيعَةَ . وَرَوَى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعَةِ أَعْوَامٍ . وَخَالَفَهُ الْوَقَّاصِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : أُسْرِيَ بِهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسِ سِنِينَ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ ، وَفُرِضَ الصِّيَامُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ بِالْمَدِينَةِ ، وَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ بَعْدَ أُحُدٍ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى - وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ - وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ وَفِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا . قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ - يَعْنِي فِي الْإِسْرَاءِ - فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي الْوَادِي ، فَانْفَجَرَتْ عَيْنُ مَاءِ مُزْنٍ ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ يَنْظُرُ ، فَوَضَّأَ وَجْهَهُ وَاسْتَنْشَقَ وَمَضْمَضَ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ ، وَجَاءَهُ مَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَخَذَ بِيَدِ خَدِيجَةَ ثُمَّ أَتَى بِهَا الْعَيْنَ فَتَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأَ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجْدَاتِ هُوَ وَخَدِيجَةُ ، ثُمَّ كَانَ هُوَ وَخَدِيجَةُ يُصَلِّيَانِ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَعْوَامٍ ; لِأَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ ، وَقَدْ قِيلَ : بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، وَقِيلَ : بِأَرْبَعِ سِنِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ فِي بَابِ خَدِيجَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ . وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْإِسْرَاءِ ، عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُقْبَةَ وَرِوَايَةِ يُونُسَ وَرِوَايَةِ الْوَقَّاصِيِّ ، وَهِيَ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَاتٌ عَلَى مَا نَرَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَتَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَتُوُفِّى خَدِيجَةُ ، وَبَعْدَ تَحْوِيلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِهِ - رَوَاهُ عَنْهُ حَجَّاجٌ وَغَيْرُهُ . وَذَكَرَهُ سُنَيْدٍ عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ صَرَفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَصَلَّتِ الْأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِثَلَاثِ حِجَجٍ ، وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ . هَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ وَجِيهُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ أَبُو بَكْرَةَ الْقَاضِي سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ . وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْيَهُودَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكَعْبَةِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ قَبْلَ الْقِبْلَةِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ ، وَسَنَذْكُرُ الْآثَارَ فِي صِلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَحْوِيلِهِ بَعْدُ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ : ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَصَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَمَامَ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَصَلَّى مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ فِي رَجَبٍ . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : إِنَّ الْقِبْلَةَ صُرِفَتْ فِي جُمَادَى . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : إِنَّمَا صُرِفَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَلَّى حِينَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فَأَظُنُّهُ أَخَذَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ حِينَئِذٍ وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِالْوُضُوءِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَقِيلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ الْمَرْغُوبُ فِيهِ ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَقَوْلُهُ : أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا الْأَغْلَبُ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا مَا قِيلَ يَوْمًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُلُوكُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ قَدِيمًا مِنْ زَمَنِ عُثْمَانَ ، وَقَدْ كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ يُؤَخِّرُهَا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَمِنْ أَجْلِهِ حَدَّثَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَتْ وَفَاةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ الْهَرَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، قَالَ زِرٌّ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّكُمْ تُدْرِكُونَ أَقْوَامًا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمُ الْوَقْتَ الَّذِي تَعْرِفُونَ ، وَصَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ - يَعْنِي ابْنَ مُعَتِّبٍ - قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ الْحَجَّاجِ الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ فَنُبَادِرُ مَسْجِدَ سِمَاكٍ نُصَلِّي الْمَغْرِبَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : أَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ الصَّلَاةَ مَرَّةً ، فَأَمَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْمُؤَذِّنَ فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ : مَا صَنَعْتَ ؟ أَجَاءَكَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدَثٌ أَمِ ابْتَدَعْتَ ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنْ أَبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنْ نَنْتَظِرَكَ بِصَلَاتِنَا وَأَنْتَ فِي حَاجَتِكَ . وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُطْفُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا ؟ قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَسْأَلُنِي ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ ! لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ كُلُّهُ ، وَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا اسْمَ الْعِصْيَانِ لِلَّهِ ، قِيلَ لَهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ خَرَجَ عَلَى جُمْلَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَعِصْيَانِهِ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى مَنْ كَانَ شَأْنُهُ تَأْخِيرَهَا أَبَدًا أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ . وَأَمَّا الْآثَارُ عَنْهُمْ فَتَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا : إِنِّي لَا آلُوكُمْ عَنِ الْوَقْتِ ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ ، حَسِبْتُهُ قَالَ : حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْهِمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكَتْكُمْ مَعَهُمْ فَصَلُّوا . وَمَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ قَلِيلٌ خُطَبَاؤُهُ كَثِيرٌ عُلَمَاؤُهُ ، يُطِيلُونَ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُونَ الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ قَلِيلٌ عُلَمَاؤُهُ ، يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، حَتَّى يُقَالَ : هَذَا شَرْقُ الْمَوْتَى . قَالَ لَهُ : مَا شَرْقُ الْمَوْتَى ؟ قَالَ : إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ جِدًّا ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنِ احْتَبَسَ فَلْيُصَلِّ مَعَهُمْ ، وَلِيَجْعَلْ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ الْفَرِيضَةَ وَصَلَاتَهُ مَعَهُمْ تَطَوُّعًا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمْ وَيَأْمُرُونَ بِذَلِكَ ، رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَسَنِ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ أَخَّرُوا ، وَمَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : خَطَبَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ ، فَجَعَلَ إِنْسَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَثِبَ إِلَيْهِ وَيَحْبِسَهُ النَّاسُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْتَ إِمَامًا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مُفَرِّطًا فِيهَا ! فَقَالَ : صَلِّ مَعَهم ، الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ . قُلْتُ لَهُ : فَمَا لَكَ لَا تَنْتَهِي إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مَا لَمْ تُفْتِ . قُلْتُ : وَإِنِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ وَلَحِقَتْ بِرُؤوسِ الْجِبَالِ ؟ ! قَالَ : نَعَمْ ، مَا لَمْ تُفْتِ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ النَّخَعِيِّ وَخَيْثَمَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مَعَ الْحَجَّاجِ ، وَكَانَ يُمْسِي . وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَخَّرَ الْوَلِيدُ مَرَّةً الْجُمُعَةَ حَتَّى أَمْسَى . قَالَ : فَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ أَجْلِسَ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ الْعَصْرَ وَأَنَا جَالِسٌ وَهُوَ يَخْطُبُ . قَالَ : أَضَعُ يَدِي عَلَى رُكْبَتِي وَأُومِئُ بِرَأْسِي . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَأَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّلَاةَ ، فَرَأَيْتُهُمَا يُومِئَانِ إِيمَاءً وَهُمَا قَاعِدَانِ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ الظُّهْرَ إِذَا حَانَتِ الظُّهْرِ ، وَإِذَا حَانَتِ الْعَصْرِ صَلَّيَا الْعَصْرَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانَهُمَا ، وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ . وَعَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِي بُيُوتِنَا ثُمَّ نَأْتِي الْمَسْجِدَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى قَالَ : رَأَيْتُ مَسْرُوقًا وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ وَأَخَّرَ الْوَقْتَ ، فَأَوْمَيَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَلَسَا حَتَّى صَلَّيَا مَعَهُ تِلْكَ الصَّلَاةَ . قَالَ : فَرَأَيْتُهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِرَارًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ قَالَ : رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَأَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ، فَرَأَيْتُهُمَا يُومِئَانِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَلَسَا حَتَّى صَلَّيَا مَعَهُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ إِيَاسٍ قَالَ : تَذَاكَرْنَا الْجُمُعَةَ ، وَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يَدَعُوا الصَّلَاةَ مَعَ الْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى تَكَادَ تَغِيبُ الشَّمْسُ ، فَتَذَاكَرُوا ذَلِكَ وَهَمُّوا أَنْ يَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ شَابٌّ مِنْهُمْ : مَا أَرَى مَا تَفْعَلُونَ شَيْئًا ، مَا لِلْحَجَّاجِ تُصَلُّونَ ! إِنَّمَا تُصَلُّونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُصَلُّوا مَعَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا صَلَّى مَنْ صَلَّى إِيمَاءً وَقَاعِدًا لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ وَالضَّرْبَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَنْ كَانَ شَأْنُهُ التَّأْخِيرَ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ فَوَاتُ الْوَقْتِ وَخُرُوجُهُ ، عَصَمَنَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَيَسْتَحْلِفُونَ النَّاسَ أَنَّهُمَ مَا صَلَّوْا ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ فَاسْتَحْلَفَ أَنَّهُ مَا صَلَّى ، فَحَلَفَ أَنَّهُ مَا صَلَّى ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى ، وَأَتَى مكحول فَقَالَ : فَلِمَ جِئْنَا إِذًن ؟ فَتُرِكَ . وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَبَا ذَرٍّ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ إِلَّا عَلَى إِنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ ، وَلَا يَصِحُّ عندي إخراجه مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ : أَخَّرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ ، فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ فَضَرَبَ فَخِذِي ، ثُمَّ قَالَ : سَأَلْتُ خَلِيلِي أَبَا ذَرٍّ فَضَرَبَ فَخِذِي ، ثُمَّ قَالَ : سَأَلْتُ خَلِيلِي - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبَ فَخِذِي ، ثُمَّ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ فَصَلِّ مَعَهُمْ ، وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهِيبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ : أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ عَلَى عَهْدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ ، فَمَرَّ بِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ . وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُوَيْنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمْسُونَ الصَّلَاةَ - أَوْ قَالَ : يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِذَا أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّهَا فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَقَبِيصَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَهِيَ أَيْضًا آثَارٌ صِحَاحٌ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الْعُلَمَاءُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الصَّلَاةِ مَعَهُمْ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَحَضُّهُ عَلَى لُزُومِ الْجَمَاعَةِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَيُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ ، فَإِنْ صَلَّوْهَا لِوَقْتِهَا وَصَلَّيْتُمُوهَا مَعَهُمْ فَلَكُمْ وَلَهُمْ ، فَإِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوهَا مَعَهُمْ فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ، مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ نَكَثَ الْعَهْدَ وَمَاتَ نَاكِثًا لِلْعَهْدِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الزَّعْفَرَانِيُّ عَمَّارُ بْنُ عِمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَهِيَ لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ، فَصَلُّوهَا مَعَهُمْ مَا صَلَّوْا بِكُمُ الْقِبْلَةَ . وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ : كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ ؟ وَقَوْلُهُ لِكِبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ : يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا قَدْ كَانَ قَبْلَ زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ; لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بِالرَّبَذَةِ وَدُفِنَ بِهَا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ بِالْمَدِينَةِ . وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ : سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ خُلَفَاءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِهِ مسلم يعرفه وَيَعْرِفُ اللَّهَ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ مِنَ الْخُلَفَاءِ لَا مِنَ الْأُمَرَاءِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، فَسَمَّاهُمْ خُلَفَاءَ ، وَقَالَ : الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ إِمْرَةً وَمُلْكًا وَجَبَرُوتًا ، فَتَضَمَّنَتْ مُدَّةُ الْخِلَافَةِ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَلَعَلَّ جَاهِلًا بِأَخْبَارِ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ مِنَ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ بِحَيْثُ لَا يَظُنُّ بِهِ أَحَدٌ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَفْضَلِ وَقْتِهَا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَنُو عَمِّهِ ، فَإِنْ قِيلَ ذَلِكَ فَإِنَّ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ كَمَا ذَكَرْنَا وَفَوْقَ مَا ذَكَرْنَا إِذْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ ، وَأَمَّا وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدِ فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَهَذَا أَشْهَرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى إِكْثَارٍ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَنْكَرْتُ حَالَهُ فِي الْعَصْرِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ صُحْبَةٍ لِلْأُمَرَاءِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ، وَإِذَا كَانَ الْأَمِيرُ أَوِ الْخَلِيفَةُ يَسْتَدِيمُ صُحْبَةَ الْعُلَمَاءِ فَأَجْدَرُ بِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا ، وَكَانَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَصْحَبُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ شِهَابٍ وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَصْحَبُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ وَطَبَقَتَهُمَا . ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَعَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَسَنِ كَمَا يَسْأَلُ الرَّجُلُ عَنْ وَلَدِهِ ، فَقَالَ : كَيْفَ طُعْمُهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَدْخُلُ عَلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ ؟ وَأَيْنَ مَجْلِسُهُ مِنْهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَطْعَمُ عند عَدِيٍّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، وَلَيْسَ بِنَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ وَلَهُ صُحْبَةٌ ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ لَا يُنْكَرُ عَلَى أَحَدٍ جَهِلَ بَعْضَهَا ، وَالْإِحَاطَةُ بِهَا مُمْتَنِعَةٌ ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ مَعَ بَحْثِهِمْ وَجَمْعِهِمْ إِلَّا وَقَدْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ ، وَحَسْبُكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَدْ فَاتَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ أَحَادِيثُ فِيهَا سُنَنٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَمِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَيْضًا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَارٍّ لَهُ وَلَا نَاقِصٍ مِنْ مَنْزِلَتِهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ لَا يَقْدَحُ فِي أَمَانَتِهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ إِحْصَاءِ السُّنَنِ إِذْ ذَاكَ يَسِيرٌ فِي جَنْبِ كَثِيرٍ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِلْعَالَمِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ حَتَّى يُحِيطَ بِجَمِيعِ السُّنَنِ مَا جَازَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ أَبَدًا ، وَإِذَا عَلِمَ الْعَالِمُ أَعْظَمَ السُّنَنِ وَكَانَ ذَا فَهْمٍ وَمَعْرِفَةٍ بِالْقُرْآنِ وَاخْتِلَافِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ جَازَ لَهُ الْقَوْلُ بِالْفَتْوَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ جَهْلَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ لَا يَسَعُ أَحَدًا ، فَكَيْفَ جَازَ عَلَى عُمَرَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ فِي جَهْلِهِ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعِلْمِ الْمَوَاقِيتِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِالْمَوَاقِيتِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَمَلًا وَاتِّفَاقًا وَأَخْذًا عَنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ أَصْلُ ذَلِكَ ; كَيْفَ كَانَ النُّزُولُ مِنْ جِبْرِيلَ بِهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَمْ بِمَا سَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ كَمَا سَنَّ غَيْرَ مَا شَيْءٍ وَفَرَضَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ فَرَائِضِهَا وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى خِلَافُهُ مِمَّا وَافَقَ الْجَمَاعَةَ فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحًا . وَهَذَا حِينَ آلَ بِنَا الْقَوْلُ إِلَى ذِكْرِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهُوَ أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَفِي كُلِّ مِصْرٍ بَلَغَنَا عَنْهُمْ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَوَسَطِ الْفَلَكِ إِذَا اسْتُوقِنَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ بِالتَّفَقُّدِ وَالتَّأَمُّلِ ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ زِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ جَمِيعًا ، وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ مُخَالِفًا فِي الصَّيْفِ لَهُ فِي الشِّتَاءِ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ زَوَالُ الشَّمْسِ بِمَا ذَكَرْنَا أَوْ بِغَيْرِهِ فَقَدْ حَلَّ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ مَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَدُلُوكُهَا مَيْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : دُلُوكُهَا غُرُوبُهَا ، وَاللُّغَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ . وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عُمَّالِهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ ؛ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ لَا تُجِبْ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَتُصَلَّى إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ صَلَّى مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ثُمَّ غَرَبَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى بَعْدَ الْمَغِيبِ جُمُعَةً . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، فَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الظُّهْرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَمْ تُصَلَّ الْجُمُعَةُ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْجُمُعَةِ سَجْدَةٌ أَوْ قَعْدَةٌ فَسَدَتِ الْجُمُعَةُ وَيَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَلَا يُخْطَبُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى ، وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ أَعِبْهُ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا تَرَى فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ ؟ فَقَالَ : فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ عَلِمْتَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُقِيلُ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ شَامِيٌّ أَوْ جُزُرِيٌّ ، رَوَى عَنْهُ ثَابِتُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا إِنَّمَا يَرْوِيهِ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ أَيْضًا حَدِيثَ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَهَا ، وَحَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَغَدَّى وَنَقِيلُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ ضُحًى ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا عَجَّلْتُ بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : إِنَّمَا هِيَ صَلَاةُ عِيدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِدَلِيلِ غَشَيَانِ الظِّلِّ طِنْفِسَةَ عَقِيلٍ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَمْنَعُ مِنَ الظُّهْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ دَلَّ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَصَلَاةِ الْعِيدِ ; لِأَنَّ الْعِيدَ لَا يُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ بِلَا فَصْلٍ ، وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ ، وَيَسْتَحِبُّ مَالِكٌ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعَصْرَ بَعْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ قَلِيلًا مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ وأَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ بِلَا فَصْلٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ الْعَصْرِ فَاصِلَةٌ ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةٍ عَلَى الْمِثْلِ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ أَنَّهَا تَفُوتُ وَيَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَقَرَأْتُهُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، وَلَكِنَّ التَّفْرِيطَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى تَجِيءَ الصَّلَاةُ الْأُخْرَى . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسَرَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ ؛ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً إِلَى وَقْتِ أُخْرَى . وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي مَوْضِعِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ - لَمْ يَذْكُرُوا فَاصِلَةً ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ: ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ يَدُلُّ عَلَى فَاصِلَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَ الْآثَارَ وَالنَّاسَ لِقَوْلِهِ بِالْمِثْلَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ زَعَمَ أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ - عَلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُفْرَدًا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا . وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَا وَصَفْنَا ، وَمِنْ قَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا مِنْ مُرَاعَاةِ الْمِثْلِ مَا قَدْ بَيَّنَا ، وَهُوَ كُلُّهُ أَمْرٌ مُتَقَارِبٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْآثَارِ وَخِلَافُ الْجُمْهُورِ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، يعْدَ الْمِثْلِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ، وَمَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ فَهُوَ وَقْتٌ مُخْتَارٌ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، فَنَذْكُرُ هَاهُنَا أَقَاوِيلَهُمْ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ . فَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلَّاهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلِهِ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمِنْ آخِرِ الْعَصْرِ حَتَّى يُجَاوِزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ أَوْ قَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا ، كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ . قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ، وَحَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَنَسٍ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْآثَارِ ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ نَحْوُ هَذَا ، وَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الشَّافِعِيُّ أَنْ لَا يُشْرِكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْوَقْتِ لِأَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ بِكَمَالِ الْمِثْلِ ، وَلَكِنَّ وَقْتَ الْحَضَرِ عِنْدَهُ وَقْتُ رَفَاهِيَةٍ وَمُقَامٍ لَا يُتَعَدَّى مَا جَاءَ فِيهِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الضَّرُورَاتِ فَأَوْقَاتُهُمْ كَأَوْقَاتِ الْمُسَافِرِ لِعُذْرِ السَّفَرِ وَضَرُورَتِهِ ، وَالسَّفَرُ عِنْدَهُ تَشْتَرِكُ فِيهِ صَلَاتَا النَّهَارِ وَصَلَاتَا اللَّيْلِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِ أَبِي الزُّبَيْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَصْحَابُ الضَّرُورَاتِ : الْحَائِضُ تَطْهُرُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، وَالْكَافِرُ يُسْلِمُ ، وَالْغُلَامُ يَحْتَلِمُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَهُمْ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنْ المذاهب فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ آخِرُ وَقْتِهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ مُطْلَقًا ، وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لِذَلِكَ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ أَشْبَهَه عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : وَقْتُ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَامَتَهُ ، فَيَزِيدُ عَلَى الْقَامَةِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَزَادَ عَلَى الظِّلِّ زِيَادَةً تَبِينُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ عَنْهُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يُدْرِكَ الْمُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِكُلِّ النَّاسِ مَعْذُورٍ وَغَيْرِ مَعْذُورٍ ، صَاحِبِ ضَرُورَةٍ وَصَاحِبِ رَفَاهِيَةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ إِسْحَاقَ أَيْضًا أَوَّلُ الْوَقْتِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ رَكَعَ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِهَا وَرَكْعَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ، وَبِهَذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ : فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَجَعَلَ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مَا حَدَّثَنَا به عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ بِالْفَجْرِ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَالْقَائِلُ يَقُولُ: انْتَصَفَ النَّهَارُ أَوْ لَمْ ، فَكَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَمَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ سُقُوطُ الشَّفَقِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا بِالسَّائِلِ فَقَالَ : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنَ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : أقم معنا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ . فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ عِنْدَ الْفَجْرِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى سَوَاءً فِي الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا وَقْتَيْنِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ، قَالُوا : وَهَذِهِ الْآثَارُ أَوْلَى مِنْ أَخْبَارِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَا قَبِلَهُ . قَالُوا : وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى وَبُرَيْدَةَ ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا صَحِبَهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا رَوَوْهُ أَوْلَى مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى أَحَادِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ; لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ بِمَكَّةَ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنِي بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَرْفَعْهُ ، وَمَرَّةً رَفَعَهُ - قَالَ : وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ . وَبِقَوْلِهِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ ؛ يَعْنِي الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَبِالصَّافَّاتِ ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْأَعْرَافِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يدَلَّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ لَهُ سَعَةٌ وَأَوَّلُ وَآخِرُ ، كُلُّ هَذَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَابْدَأوا بِالْعَشَاءِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ . وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ - فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ ، قَالَ : لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يطلع الشَّاهِدِ ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ ، وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ : أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، لَا وَقْتَ لَهَا إِلَّا حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ ، قَالَ : وَذَلِكَ بُيِّنَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ . قَالَ : وَلَوْ جَازَ أَنْ تُقَاسَ الْمَوَاقِيتُ قِيلَ : لَا تَفُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا قِيلَ فِي الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّ الْمَوَاقِيتَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَإِنْ حَبَسَكَ عُذْرٌ فَأَخَّرْتَهَا إِلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ تَأْخِيرَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَى تَوَاتُرِهَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَكُلُّهُمْ صَحِبَهُ بِالْمَدِينَةِ وَحَكَى عَنْهُ صَلَاتَهُ بِهَا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤْخَذُ عَمَلًا لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ جَهْلُهُ وَلَا نِسْيَانُهُ ، وَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خُوَازِ بنْدَادَ الْبَصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ أَنَّ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا بِأَسْرِهَا لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا فِي حِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَأَخَّرَ بِإِقَامَةِ الْمَغْرِبِ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ عَنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَفِي هَذَا مَا يَكْفِي مَعَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ فِي تَعْجِيلِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ وَقْتُهَا وَاسِعًا لَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا كَعَمَلِهِمْ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَذَانِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ وَاحِدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاتِّسَاعِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي هَذَا كلَهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهَا وَقْتًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ لَتَوَسَّعُوا ; لِأَنَّ شَأْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْذُ بِالتَّوْسِعَةِ إِلَا أَنَّ ضِيقَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ لَيْسَ كَالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ عُرْفِ النَّاسِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْمَشْيِ إِلَى مَا لَا يَبْعُدُ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعْلِّمُكُمْ دِينَكُمْ . فَصَلَّى لَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْمَغْرِبَ حِينَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعَشَاءِ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ النَّهَارِ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ مِنَ الْغَدِ ؛ فَصَلَّى لَهُ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلًا ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْمَغْرِبَ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ : الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ وَصِلَاتِكَ الْيَوْمَ . فَهَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا صَحِبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ عَامِ خَيْبَرَ بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرًا ، وَفِيهِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا نَرَى مِنْ تَعْجِيلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْأَعْمَشَ رَوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ ، وَفِيهِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَآخِرَهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ - قِيلَ لَهُ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ وَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ : هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَوَاقِيتِ خَطَأٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ، وَقَالَ عَبَّاسٌ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، رَوَاهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلٌ . وَأَمَّا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَبُرْدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ ، مِنْهُمْ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ وَبَشِيرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَغَيْرُهُمْ ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ وَعَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَغْرِبِ إِلَّا وَقْتًا وَاحِدًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ، فَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَالْعِشَاءَ إِنْ رَأَى فِي النَّاسِ قِلَّةً أَخَّرَ وَإِنْ رَأَى فِيهِمْ كَثْرَةً عَجَّلَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ قَالَ : سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَالْعِشَاءَ إِنْ رَأَى فِي النَّاسِ قِلَّةً أَخَّرَ وَإِنْ رَأَى فِي النَّاسِ كَثْرَةً عَجَّلَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ قَالَ : سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ ، وَفِي لَفْظِ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - ثُمَّ ذَكَرَهُ سَوَاءً . وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ - أَوْ كَانُوا - يُصَلُّونَ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ - فَذَكَرَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَهُ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ فِي الْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَرْمِي فَيَرَى أَحَدُنَا مَوَاقِعَ نَبْلِهِ . وَهَذَا عَلَى الْمُدَاوَمَةِ وَالتَّكْرَارِ . وَمِثْلُهُ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَنِي سَلَمَةَ فَنُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِنَا . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ فِي آخِرِهِ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : وَكَمْ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : عَلَى ثُلُثَيْ مَيْلٍ ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ؛ قَالُوا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إِذَا سَقَطَ حَاجِبُهَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ ، فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ ؟ فَقَالَ : شُغِلْنَا ! فَقَالَ : أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ - أَوْ قَالَ : عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ ؟ وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ ، قَالَ : لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْقِرَاءَةِ بِالْأَعْرَافِ وَشِبْهِهَا فِي الْمَغْرِبِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِي سَعَةِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّ الْمُرَاعَاةَ فِي ذَلِكَ وَقْتَ الدُّخُولِ فِيهَا ، فَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى مَا أُمِرَ فَلَهُ أَنْ يَمْتَدَّ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَ صَلَاةٍ أُخْرَى ، كَمَا أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَدَّ فِي الثَّانِيَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَكَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَكَانَ يُغَلِّسُ ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قِيلَ لَهُ : كَادَتِ الشَّمْسُ أن تَطْلُعَ ! فَقَالَ : لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ . يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَمَدَّ قِرَاءَتَهَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِلْمُقِيمِ مَغِيبُ الشَّفَقِ ، وَالشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَغْرِبِ تَبْقَى فِي الْأُفُقِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ وَعُبَادَةُ وَابْنُ عُمَرَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : الشفق البياض . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَمَّا فِي الْحَضَرِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا تُصَلَّى حَتَّى يذهب البياض احْتِيَاطًا ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيَجْزِيهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ؛ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ أَلَّا يُعَجِّلُوا بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ذلك غير مُضِر بِالنَّاسِ ، وَتَأْخِيرُهَا قَلِيلًا أَفْضَلُ عِنْدَهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَغِيبُ الشَّفَقُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَالنِّصْفُ بَعْدَهُ آخِرَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُسْتَحَبُّ فِي وَقْتِهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا إِلَى أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إِلَّا فَائِتَةً . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي أَحَادِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نِصْفُ اللَّيْلِ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَحَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا سَقَمُ السَّقِيمِ وَضَعْفُ الضَّعِيفِ ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُهَا إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ لِوَقْتِهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ بْنُ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ؛ كَانَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ - حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى ، وَقِيَاسٌ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ حَاشَا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ بِوَقْتِهَا ، وَمَنْ أَشْرَكَ بَيْنَ وَقْتَيْ صَلَاتَيِ النَّهَارِ وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَتْ بِهِ ضَرُورَةُ حَيْضٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلُوا وَقْتَ الضَّرُورَةِ قِيَاسًا عَلَى السَّفَرِ ، فَإِنَّ الْوَقْتَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي السَّفَرِ لَهُ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْحَضَرِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إِشْرَاكُ الْوَقْتِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ أَلْبَتَّةَ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَانْصِدَاعُهُ وهو البياض الْمُعْتَرِضُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي الَّذِي يَنْتَشِرُ وَيَطِيرُ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الْإِسْفَارُ ، وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الْإِسْفَارُ الْأَعْلَى ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ . وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالنَّاسِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَفُوتُ صَلَاةُ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسُجُودِهَا ، فَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَالطَّبَرَيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ يُصَلِّيهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ وَحُجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَأَمَّا اخْتِيَارُهُمْ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّ مَالِكًا وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانُوا يَقُولُونَ بِالتَّغْلِيسِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ أَنْ تُصَلَّى وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ بِالْإِسْفَارِ فِي الْفَجْرِ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ ؛ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ فِي الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ هَذَا مَعْنَاهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ الَّذِي لَا جَمَاعَةَ مَعَهُ يَنْتَظِرُهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ : يُصَلِّيهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُنْتَابُ مِنْ بَعِيدٍ فَإِنَّهَا يُبْرَدُ فِيهَا بِالظُّهْرِ وَالصَّلَوَاتِ كُلِّهَا . عِنْدَ اللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ أَوَائِلُ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِلَّا الْإِبْرَادَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقْصَدُ مِنَ الْمَوَاضِعِ النَّائِيَةِ ، وَزَعَمَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا أَوَائِلَ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِنَّهَا تُؤَخَّرُ قَلِيلًا فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : تُعَجَّلُ الظُّهْرُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَتُؤَخَّرُ فِي الْحَرِّ حَتَّى يَبْرُدَ . وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : أَوَّلُ الْأَوْقَاتِ أَعْجَبُ إِلَيَّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا إِلَّا فِي صَلَاتَيْنِ ؛ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ يُبْرَدُ بِهَا ، وَتُؤَخَّرُ حَتَّى يُبْرَدَ ، وَأَمَّا فِي الشِّتَاءِ فَيُعَجَّلُ بِهَا . قَالَ : وَتُؤَخَّرُ الْعِشَاءُ أَبَدًا مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ . وَهَذَا كُلُّهُ حِكَايَةُ مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْهُ ، وَكُلُّهُمْ قَالَ : يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، إِلَّا مَا قَالَ جَرِيرٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَكُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّ تَعْجِيلَ الْمَغْرِبِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَا بَأْسَ لِلْمُسَافِرِ يَمُدُّ الْمَيْلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُصَلِّي ، وَاسْتَحَبَّ الْعِرَاقِيُّونَ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ : أَوَّلُ وَقْتِهَا أَفْضَلُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ مَا مِنْهُ قَالَ كُلُّ فَرِيقٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ، وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ تَدْخُلُ . حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ هَذَا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُ عُرْوَةُ عنُ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَزَلْ يَرْتَقِبُ الْأَوْقَاتَ ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَامَاتُ السَّاعَاتِ ، وَحَسْبُكَ بِهِ اجْتِهَادًا فِي خِلَافَتِهِ ، وَعَنْ حَالِهِ تِلْكَ حَكَى رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَظِيمٌ وَأَصْلٌ كَبِيرٌ ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ فِيهِ مُسْتَغْلَقٌ جِدًّا ، فَبَسَطْنَاهُ وَمَهَّدْنَاهُ بِالْآثَارِ وَأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ لِيَكُونَ كِتَابُنَا مُغْنِيًا عَمَّا سِوَاهُ كَافِيًا شَافِيًا فِيمَا قَصَدْنَاهُ . وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ فَمَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الظِّلُّ عَلَى الْجِدَارِ ، يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ ظِلُّ حُجْرَتِهَا عَلَى جُدُرِهَا ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا شَيْئًا فَقَدْ ظَهَرَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ؛ أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَخْرُجَ الظِّلُّ مِنْ قَاعَةِ حُجْرَتِهَا ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ فَقَدْ ظَهَرَ ، وَالْحُجْرَةُ الدَّارُ ، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ به حائط فَهُوَ حُجْرَةٌ ، وَأَصْلُ الْحُجْرَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْجِيرِ ، تَقُولُ حَجَرْتُ عَلَى نَفْسِي إِذَا أَحَطْتَ عَلَيْهَا بِحَائِطٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَاخْتِصَارِهِمْ فِيهِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ عُرْوَةُ لِيَعْلَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَّرَهَا إِلَيْهِ عُمَرُ . ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ وَأَنَالُ سَقْفَهَا بِيَدِي ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ فِي حُجْرَتِي ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ إِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الْعَصْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَغَيْرِهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَفَهِمَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ قَوْلَ عُرْوَةَ وَحْدَهُ فِيمَا جَهِلَهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ ، وَهَذَا مِنَّا عَلَى التَّنْبِيهِ بِأَنَّ قَبُولَ خَبْرِ الْوَاحِدِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَعْمَلٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحُجَّةِ ; لِأَنَّا لَا نَقُولُ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ .
472 - حَدِيثٌ ثَالِثَ عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَنِيهَا ، فَكِدْتُ أن أَعْجَلُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأَتَنِيهَا ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَأْ . فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ . ثُمَّ قَالَ لي : اقْرَأْ . فَقَرَأْتُ ، فَقَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَؤوا مَا يَتَيَسَّرُ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِيُّ قِيلَ : إِنَّهُ مَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَالْقَارَّةُ فَخِذٌ مِنْ كِنَانَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بن مخرمة وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، جَمِيعًا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : مَرَرْتُ بِهِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ ! فَنَظَرْتُ حَتَّى سَلَّمَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي أَسْمَعُكَ تَقْرَؤُهَا ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : قُلْتُ لَهُ : كَذَبْتَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا ، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ . فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ . ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ . فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَأوا مَا يتَيَسَّرَ مِنْهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ يُونُسُ وَعُقَيْلٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، جَمِيعًا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْحَدِيثَ . فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ تَفْسِيرٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ السُّورَةُ كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا ، فَبَانَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَوْلِهِ : يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا ، وَهَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَجُوزُ فِي حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَآيَاتِهِ كُلِّهَا أَنْ يُقْرَأَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا ، بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تَحْتَمِلُ أَنْ تُقْرَأَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ إِلَّا قَلِيلًا ، مِثْلُ : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ و تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ يَسِيرٌ جِدًّا ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ فِيهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَبِيرًا ؛ فَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : سَبْعَةَ أَحْرُفٍ سَبْعَ قِرَاءَاتٍ ، وَالْحَرْفُ هَاهُنَا الْقِرَاءَةُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ سَبْعَةُ أَنْحَاءٍ ، كُلُّ نَحْوٍ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ ، خِلَافٌ لِلْأَنْحَاءِ غَيْرِهِ . وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا هُوَ صِنْفٌ مِنَ الْأَصْنَافِ ، نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ الْآيَةَ ، وَكَانَ مَعْنَى الْحَرْفِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهِ هُوَ صِنْفٌ مِنَ الْأَصْنَافِ وَنَوْعٌ مِنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يُعْبَدُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَمِنْهَا مَا هُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَذَهَبَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ إِلَى أَنَّهَا سَبْعَةُ أَنْحَاءٍ وَأَصْنَافٍ ، فَمِنْهَا زَاجِرٌ وَمِنْهَا آمِرٌ ، وَمِنْهَا حَلَالٌ وَمِنْهَا حَرَامٌ ، وَمِنْهَا مُحْكَمٌ وَمِنْهَا مُتَشَابِهٌ وَمِنْهَا أَمْثَالٌ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ سَلَمَةُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْمِصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ : زَاجِرٌ ، وَآمِرٌ ، وَحَلَالٌ ، وَحَرَامٌ ، وَمُحْكَمٌ ، وَمُتَشَابِهٌ ، وَأَمْثَالٌ . فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ ، وَآمِنُوا بِتَشَابُهِهِ ، وَقُولُوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . وَهَذَا حَدِيثٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ حَيْوَةُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ سَلَمَةَ هَكَذَا ، وَيَرْوِيهِ اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، وَأَبُو سَلَمَةَ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَابْنُهُ سَلَمَةُ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ ، وَقَدْ رَدَّهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ : مَنْ قَالَ فِي تَأْوِيلِ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ هَذَا الْقَوْلَ فَتَأْوِيلُهُ فَاسِدٌ ، مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ مِنْهَا حَرَامًا لَا مَا سِوَاهُ أَوْ يَكُونَ حَلَالًا لَا مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ يُقْرَأُ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ كُلُّهُ أَوْ حَرَامٌ كُلُّهُ أَوْ أَمْثَالٌ كُلُّهُ . ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، سَمِعَهُ مِنْهُ وَقَالَ : هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ . قَالَ : وَاحْتَجَّ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . فَاسْتَزَادَهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ الْحَدِيثَ . وَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ سَبْعُ لُغَاتٍ فِي الْقُرْآنِ مُفْتَرِقَاتٍ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِ كُلِّهَا يَمَنِهَا وَنِزَارِهَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْهَلْ شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، هَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ مُفْتَرِقَةٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ ، فَيَكُونُ الْحَرْفُ مِنْهَا بِلُغَةِ قَبِيلَةٍ وَالثَّانِي بِلُغَةِ قَبِيلَةٍ أُخْرَى سِوَى الْأُولَى ، وَالثَّالِثُ بِلُغَةِ أُخْرَى سِوَاهُمَا ، كَذَلِكَ إِلَى السَّبْعَةِ . قَالَ : وَبَعْضُ الْأَحْيَاءِ أَسْعَدُ بِهَا وَأَكْثَرُ حَظًّا فِيهَا مِنْ بَعْضٍ . وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا الْمَصَاحِفَ : مَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدٌ فِيهِ فَاكْتُبُوا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ . وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْكَعْبِيِّينَ : كَعْبِ قُرَيْشٍ ، وَكَعْبِ خُزَاعَةَ . قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ الدَّارَ وَاحِدَةٌ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَعْنِي أَنَّ خُزَاعَةَ جِيرَانُ قُرَيْشٍ فَأَخَذُوا بِلُغَتِهِمْ . وَذَكَرَ أَخْبَارًا قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ اللُّغَاتُ كُلُّهَا السَّبْعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي مُضَرَ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُثْمَانَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ مُضَرَ . وَقَالُوا : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا لِقُرَيْشٍ ، وَمِنْهَا لِكِنَانَةَ ، وَمِنْهَا لِأَسَدٍ ، وَمِنْهَا لُهَذَيْلٍ ، وَمِنْهَا لِتَمِيمٍ ، وَمِنْهَا لِضَبَّةَ ، وَمِنْهَا لِقَيْسٍ ، فَهَذِهِ قَبَائِلُ مُضَرَ تَسْتَوْعِبُ سَبْعَ لُغَاتٍ عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْمَصَاحِفَ مِنْ مُضَرَ ، وَأَنْكَرَ آخَرُونَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا فِي مُضَرَ ، وَقَالُوا : فِي مُضَرَ شَوَاذٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا ، مِثْلُ كَشْكَشَةِ قَيْسٍ وَعَنْعَنَةِ تَمِيمٍ ، فَأَمَّا كَشْكَشَةُ قَيْسٍ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ كَافَ الْمُؤَنَّثِ شِينًا فَيَقُولُونَ فِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا جَعَلَ رَبُّشِ تَحْتَشِ سَرِيًّا . وَأَمَّا عَنْعَنَةُ تَمِيمٍ فَيَقُولُونَ فِي أَنْ : عَنْ ، فَيَقُولُونَ : عَسَى اللَّهُ عَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ، وَبَعْضُهُمْ يُبْدِلُ السِّينَ تَاءً فَيَقُولُ فِي النَّاسِ : النَّاتِ ، وَفِي أَكْيَاسٍ : أَكْيَاتٍ ، وَهَذِهِ لُغَاتٌ يُرْغَبُ بِالْقُرْآنِ عَنْهَا وَلَا يُحْفَظُ عَنِ السَّلَفِ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَّا بَدَلُ الْهَمْزَةِ عَيْنًا وَبَدَلُ حُرُوفِ الْحَلْقِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ فَمَشْهُورٌ عَنِ الْفُصَحَاءِ ، وَقَدْ قَرَأَ بِهِ الْجُلَّةُ ، وَقَدِ احْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيَسْجُنَّهُ عَتَّى حِينٍ ، وَبِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ : فَعَيْنَاكِ عَيْنَاهَا وَجِيدُكِ جِيدُهَا وَلَوْنُكِ إِلَّا عَنَّهَا غَيْرُ عَاطِلِ يُرِيدُ : إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَرَأَ رَجُلٌ : مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنَّهُ عَتَّى حِينٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَقْرَأَكَهَا ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِيهَا ابْنُ مَسْعُودٍ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : حَتَّى حِينٍ وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَلَا تُقْرِئْهُمْ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ ، وَالسَّلَامُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ عُمَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ لَا أَنَّ مَا قَرَأَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا أُبِيحَ لَنَا قِرَاءَتُهُ عَلَى كُلِّ مَا أُنْزِلَ فَجَائِزٌ الِاخْتِيَارُ فِيمَا أُنْزِلَ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا ؛ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَهَذَا أَثْبَتُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُرْآنِ ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ! فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيَّ بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْكِ ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَيْهِ ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنِ اكْتُبُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ ، وَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ . فَفَعَلُوا ، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ مُصْحَفًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ مَعْنَاهُ عِنْدِي فِي الْأَغْلَبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ غَيْرَ لُغَةِ قُرَيْشٍ مَوْجُودَةٌ فِي صَحِيحِ الْقِرَاءَاتِ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمَزَاتِ وَنَحْوِهَا ، وَقُرَيْشٌ لَا تَهْمِزُ . وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، صَارَ فِي عَجُزِ هَوَازِنَ مِنْهَا خَمْسَةٌ . عَجُزُ هَوَازِنَ : ثَقِيفٌ ، وَبَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَبَنُو جُشَمَ ، وَبَنُو نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : خَصَّ هَؤُلَاءِ دُونَ رَبِيعَةَ وَسَائِرِ الْعَرَبِ لِقُرْبِ جِوَارِهِمْ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْزِلِ الْوَحْيِ ، وَإِنَّمَا رَبِيعَةُ وَمُضَرُ إِخْوَانٌ ، قَالُوا : وَأَحَبُّ الْأَلْفَاظِ وَاللُّغَاتِ إِلَيْنَا أَنْ يُقْرَأَ بِهَا لُغَاتُ قُرَيْشٍ ثُمَّ أَدْنَاهُمْ مِنْ بُطُونِ مُضَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَةِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ وَلَدِ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ . وَإِسْنَادُ حَدِيثِ سَعِيدٍ هَذَا أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ فِي قَوْلِهِ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، قَالَ : خَمْسَةٌ مِنْهَا لِهَوَازِنَ ، وَحَرْفَانِ لِسَائِرِ النَّاسِ . وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ سَبْعَ لُغَاتٍ ، وَقَالُوا : هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرِ الْقَوْمُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، لِأَنَّهُ مَنْ كَانَتْ لُغَتُهُ شَيْئًا قَدْ جُبِلَ وَطُبِعَ عَلَيْهِ وَفُطِرَ بِهِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ سَبْعُ لُغَاتٍ ; لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ ، وَهِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قُرَشِيٌّ أَسَدِيٌّ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ عُمَرُ لُغَتَهُ كَمَا مُحَالٌ أَنْ يُقْرِئَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ لُغَتِهِ . وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الْمَرْفُوعَةُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى نَحْوِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا . وَقَالُوا : إِنَّمَا مَعْنَى السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ سَبْعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ الْمُتَقَارِبَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، نَحْوُ : أَقْبِلْ ، وَتَعَالَ ، وَهَلُمَّ ، وَعَلَى هَذَا الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فَمِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ تَمِيمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا جُهَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا فَقَالَ : إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَلَا تَمَارَوْا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ . وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ، وَلِكُلٍّ حَدٌّ وَمَطْلَعٌ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَرَوَى هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَرَأَ أُبَيٌّ آيَةً وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ آيَةً خِلَافَهَا ، وَقَرَأَ رَجُلٌ آخَرُ خِلَافَهُمَا ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : أَلَمْ تَقْرَأْ آيَةَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَلَمْ تَقْرَأَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّكُمْ مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ . قَالَ : قُلْتُ : مَا كُلُّنَا أَحْسَنَ وَلَا أَجْمَلَ ! قَالَ : فَضَرَبَ صَدْرِي وَقَالَ : يَا أُبَيُّ ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ ، فَقُلْتُ : عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ ؟ فَقَالَ لِي الْمَلَكُ الَّذِي عِنْدِي : عَلَى حَرْفَيْنِ . فَقُلْتُ : عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي : عَلَى ثَلَاثَةٍ . فَقُلْتُ : عَلَى ثَلَاثَةٍ هَكَذَا حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ ، قُلْتَ : غَفُورًا رَحِيمًا ، أَوْ قُلْتَ : سَمِيعًا حَكِيمًا ، أَوْ قُلْتَ : عَلِيمًا حَكِيمًا ، أَوْ : عَزِيزًا حَكِيمًا ؛ أَيُّ ذَلِكَ قُلْتَ فَإِنَّهُ كَمَا قُلْتَ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَا لَمْ تَخْتِمْ عَذَابًا بِرَحْمَةٍ أَوْ رَحْمَةً بِعَذَابٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قُلْتَ : سَمِيعًا عَلِيمًا ، وَغَفُورًا رَحِيمًا ، وَعَلِيمًا حَكِيمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِلْحُرُوفِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَعَانٍ مُتَّفِقٌ مَفْهُومُهَا مُخْتَلِفٌ مَسْمُوعُهَا ، لَا تَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَعْنَى وَضِدُّهُ ، وَلَا وَجْهٌ يُخَالِفُ وَجْهًا خِلَافًا يَنْفِيهِ أَوْ يُضَادُّهُ ، كَالرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْعَذَابِ وَضِدُّهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَهَذَا كُلُّهُ يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ سَبْعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَّفِقِ مَعْنَاهُ الْمُخْتَلِفِ لَفْظُهُ ، نَحْوُ : هَلُمَّ ، وَتَعَالَ ، وَعَجِّلْ ، وَأَسْرِعْ ، وَأَنْظِرْ ، وَأَخِّرْ - وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَسَنُورِدُ مِنَ الْآثَارِ وَأَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَتَبَيَّنُ لَكَ بِهِ أَنَّ مَا اخْتَرْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ فَإِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : سَبْعُ لُغَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، لِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَلِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ كَثْرَةِ اللُّغَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ فِيهِ حَتَّى لَوْ تُقُصِّيَتْ لَكَثُرَ عَدَدُهَا ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي لُغَاتِ الْقُرْآنِ مُؤَلَّفَاتٌ تَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ؛ غَفُورًا رَحِيمًا ، عَزِيزًا حَكِيمًا ، عَلِيمًا حَكِيمًا - وَرُبَّمَا قَالَ : سَمِيعًا بَصِيرًا . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ شُقَيْرٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ ؟ فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : انْطَلِقْ إِلَيْهِ . فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : اسْتَقْرِئْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : اقْرَأْ . فَقَرَأَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسَنْتَ . فَقُلْتُ : أَوَ لَمْ تُقْرِئْنِي كَذَا وَكَذَا ؟ ! قَالَ : بَلَى ، وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ . فَقُلْتُ بِيَدِي : قَدْ أَحْسَنْتَ ؟ ! قَدْ أَحْسَنْتَ ؟ ! قَالَ : فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ . قَالَ : فَفَضَضْتُ عَرَقًا ، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا . قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أُبَيُّ ، إِنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى سِتَّةِ أَحْرُفٍ . قَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَالْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَا الطاهر مُحَمَّدِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ الْقَاضِيَ بمصر أَمْلَى عَلَيْهِمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَابِيُّ الْقَاضِي قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةً ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأهَا بِخِلَافِ قِرَاءَتِي ، فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ ؟ فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَتَيْنَاهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا قَدْ خَالَفَ قِرَاءَتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي عَلَّمْتَنِي ، قَالَ : اقْرَأْ يَا أُبَيُّ . فَقَرَأْتُ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . فَقَالَ لِلْآخَرِ : اقْرَأْ . فَقَرَأَ بِخِلَافِ قِرَاءَتِي . فَقَالَ لَهُ : أَحْسَنْتَ . ثُمَّ قَالَ : يَا أُبَيُّ ، إِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ . قَالَ : فَمَا اخْتَلَجَ فِي صَدْرِي شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَهُوَ بِأَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . قَالَ : فَقَالَ : اسْأَلِ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أَوْ قَالَ : مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - سَلْ لَهُمُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ . فَانْطَلَقَ حَتَّى رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ . قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهَ وَمُعَافَاتَهَ - أَوْ قَالَ : مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، فَاسْأَلْ لَهُمُ التَّخْفِيفَ . فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . قَالَ : اسْأَلِ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أَوْ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، فَسَلْ لَهُمُ التَّخْفِيفَ . فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهَا حَرْفًا فَهُوَ كَمَا قَرَأَ . وَرُوِيَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ . وَالسُّورَةُ الَّتِي أَنْكَرَ فِيهَا أُبَيٌّ الْقِرَاءَةَ سُورَةُ النَّحْلِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ أُبَيٍّ فَاخْتُلِفَ عَلَى عَاصِمٍ فِيهِ ، فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هَذَا الْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَأوا وَلَا حَرَجَ ، وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا ذِكْرَ آيَةِ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ سَبْعَ لُغَاتٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْجُهٌ تَتَّفِقُ مَعَانِيهَا وَتَتَّسِعُ ضُرُوبُ الْأَلْفَاظِ فِيهَا ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا مَا يُحِيلُ مَعْنًى إِلَى ضِدِّهِ كَالرَّحْمَةِ بِالْعَذَابِ وَشِبْهِهِ . وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ فَجَلَسْتُ إِلَى نَاسٍ وَجَلَسُوا إِلَيَّ ، فَاسْتَقْرَأْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ سُورَةً مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَةً ، وَهِيَ حم الْأَحْقَافِ ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا لَا أَقْرَأهَا ! فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَاسْتَقْرَأْتُ آخَرَ ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ حُرُوفًا لَا أَقْرَأهَا أَنَا وَلَا صَاحِبُهُ ! فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : وَأَنَا أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَمَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمَا حَتَّى أَذْهَبَ بِكُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ عَلَيٌّ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي قِرَاءَتِنَا ! فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ حِينَ ذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ وَقَالَ : إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الِاخْتِلَافُ . وَقَالَ عَلَيٌّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَمَا عَلِمَ ، فَلَا أَدْرِي أَسَرَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ مَا لَمْ نَسْمَعْ أَوْ عَلِمَ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ فَتَكَلَّمَ بِهِ ! وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَإِسْرَائِيلُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانٌ الْعَطَّارُ عَنْ عَاصِمٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصْرِيَّانِ حَمَّادٌ وَأَبَانٌ عَلِيًّا وقالا : رجل . وَقَالَ الْأَعْمَشُ فِي حَدِيثِهِ : ثُمَّ أَسَرَّ إِلَى عَلِيٍّ ، فَقَالَ لَنَا عَلِيٌّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَقْرَأوا كَمَا عَلِمْتُمْ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَهِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى صَاحِبِهِ أَلْفَاظًا قَرَأَ بِهَا الْآخَرُ ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَا زَجْرٌ وَلَا أَمْرٌ . وَعِلْمَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ أَنَّ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا لَا تَخْتَلِفُ فِي أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ ، وَإِنَّمَا هي كمثل قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : أَقْبِلْ ، وَتَعَالَ ، وَهَلُمَّ ، وَادْنُ - وَنَحْوَهَا . وَذَكَرَ أَكْثَرَ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ حُجَّةً لِهَذَا الْمَذْهَبِ ، وَأَبْيَنُ مَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - فقال : اقرأ عَلَى حَرْفٍ . قَالَ : فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ . فقال : اقرأ عَلَى حَرْفَيْنِ . فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ - حَتَّى بَلَغَ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَقَالَ : اقْرَأْهُ ، فَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ ، إِلَّا أَنْ تَخْلِطَ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ أَوْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ ، عَلَى نَحْوِ : هَلُمَّ ، وَتَعَالَ ، وَأَقْبِلْ ، وَاذْهَبْ ، وَأَسْرِعْ ، وَعَجِّلْ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنَّمَا هَذِهِ الْأَحْرُفُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ ، لَيْسَ تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ وَيُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ : هِيَ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ الْقَرَأَةَ فَرَأَيْتُهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ ، فَاقْرَأوا كَمَا عَلِمْتُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ وَالِاخْتِلَافَ ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ : هَلُمَّ ، وَتَعَالَ . وَرَوَى وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَمْهِلُونَا ، لِلَّذِينَ آمَنُوا أَخِّرُونَا ، لِلَّذِينَ آمَنُوا ارْقُبُونَا . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ مَرُّوا فِيهِ ، سَعَوْا فِيهِ ، كُلُّ هَذِهِ الْأَحْرُفِ كَانَ يَقْرَؤُهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، فَهَذَا مَعْنَى الْحُرُوفِ الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِلَّا أَنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ الْيَوْمَ هُوَ مِنْهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ ، فَاعْلَمْ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ مِنْ جَامِعِهِ قَالَ : قِيلَ لمالك : أَتَرَى أَنْ يُقْرَأَ بِمِثْلِ مَا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَأوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ وَمِثْلَ مَا تَعْلَمُونَ وَيَعْلَمُونَ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى بِاخْتِلَافِهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا بَأْسًا . قَالَ : وَقَدْ كَانَ النَّاسُ وَلَهُمْ مَصَاحِفُ ، وَالسِّتَّةُ الَّذِينَ أَوْصَى إِلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَتْ لَهُمْ مَصَاحِفُ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، قَالَ لِي : ذَهَبَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ : أَقْرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا : إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ : طَعَامُ الْفَاجِرِ . فَقُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَرَى أَنْ يُقْرَأَ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يُقْرَأَ بِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْقِرَاءَةُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَا عَدَا مُصْحَفَ عُثْمَانَ فَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى السُّنَنِ الَّتِي نَقَلَهَا الْآحَادُ ، لَكِنْ لَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي رَدِّهِ . وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَصَاحِفِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَرَى أَنْ يَمْنَعَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْعِهِ وَيَضْرِبَ مَنْ قَرَأَ بِهِ وَيَمْنَعَ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ لَمْ يُصَلَّ وَرَاءَهُ ، وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا قَوْمًا شَذُّوا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِمْ ، مِنْهُمُ الْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ الَّتِي أُشِيرُ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْهَا إِلَّا حَرْفُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْمُصْحَفَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ وَخَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ ، قَالَا : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبِهَانِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَافِي الصَّفَّارُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ : سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ اخْتِلَافِ قِرَاءَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ هَلْ تَدَخَّلَ فِي السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَإِنَّمَا السَّبْعَةُ الْأَحْرُفُ كَقَوْلِهِمْ : هَلُمَّ ، أَقْبِلْ ، تَعَالَ ؛ أَيُّ ذَلِكَ قُلْتَ أَجْزَأَكَ . قَالَ أبو الطاهر : وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُقْرِئُ : وَمَعْنَى قَوْلِ سُفْيَانَ هَذَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ رَاجِعٌ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : كَانَتْ هَذِهِ السَّبْعَةُ لِلنَّاسِ فِي الْحُرُوفِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ أَخْذِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ ، فكان يشق عَلَى كُلِّ ذِي لُغَةٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ ، وَلَوْ رَامَ ذَلِكَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ، فَوُسِّعَ لَهُمْ فِي اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى مُتَّفَقًا ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى كَثُرَ مَنْ يَكْتُبُ مِنْهُمْ وَحَتَّى عَادَتْ لُغَاتُهُمْ إِلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَؤوا بِذَلِكَ عَلَى تَحَفُّظِ أَلْفَاظِهِ ، فَلَمْ يَسَعْهُمْ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْرَأوا بِخِلَافِهَا . وَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ لِضَرُورَةٍ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ فَارْتَفَعَ حُكْمُ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ ، وَعَادَ مَا يُقْرَأُ بِهِ الْقُرْآنُ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ ، قَوْلُهُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فِي الْحَرْفِ وَالْحَرْفَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ ، حَتَّى بَلَغَ السَّبْعَةَ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَاحْتَجَّ بِجَمْعِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلْقُرْآنِ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ كِتَابِ عُثْمَانَ كَذَلِكَ ، وَكِلَاهُمَا عَوَّلَ فِيهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ ؛ فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَأَمَرَ زيدا بالنظر فِيمَا جَمَعَ مِنْهُ ، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَأَمَرَهُ بِإِمْلَائِهِ مِنْ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ وَكَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ : تَدَبَّرْتُ وُجُوهَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَةِ فَوَجَدْتُهَا سَبْعَةً ، مِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ حَرَكَتُهُ وَلَا يَزُولُ مَعْنَاهُ وَلَا صُورَتُهُ مِثْلُ : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وَأَطْهَرَ لَكُمْ ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَيَضِيقَ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَمِنْهَا مَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ وَيَزُولُ بِالْإِعْرَابِ وَلَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَبَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا . وَمِنْهَا مَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ بِالْحُرُوفِ وَاخْتِلَافِهَا بِالْإِعْرَابِ وَلَا تَغَيَّرُ صُورَتُهُ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا وَنَنْشُرُهَا . وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ ، كَقَوْلِهِ : كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ . وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَمَعْنَاهُ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَمِنْهَا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، مِثْلُ : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ . وَمِنْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ ، مِثْلُ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةَ الْعَصْرِ . وَمِنْهَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ مِنْ وُجُوهِ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَفِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا حُرُوفٌ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى عَدَدًا . فَمِثْلُ قَوْلِهِ : كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ . قِرَاءَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَهُوَ كَثِيرٌ . وَمِثْلُ قَوْلِهِ : نَعْجَةً أُنْثَى قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا . وَقِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ، وَمَا أَهْلَكْنَاهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا ، وَهَذَا كَثِيرٌ أَيْضًا . وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَيْسَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ صُورَةُ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ مَا يُوَافِقُ صُورَتَهُ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَاخْتِلَافُ النُّقَطِ مِنْ سَائِرِ الْحُرُوفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ ، فَقِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى ، مِنْهَا : مَا رَوَاهُ بُنْدَارٌ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقْرَأُ : كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ . وَذَكَرَ ابْنُ مُجَاهِدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ : أَدْرَكْتُ السَّلَفَ وَهُمْ يَقْرَءُونَ فِي هَذَا الْحَرْفِ فِي الْقَارِعَةِ : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ . وَأَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدَانَ الْمُقْرِئُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْخُرْقِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْقِيرَاطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقْرَؤُهَا كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ فَقَرَأَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَأَمَّا وَطَلْعٌ مَنْضُودٌ فَقَرَأَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مُتَوَاتِرَةٍ ; مِنْهَا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مَجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ عَمُّ الشَّعْبِيِّ - عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عَلَيْهِ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فَقَالَ عَلِيٌّ : إِنَّمَا هُوَ : وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ . قَالَ : فَقَالَ الرَّجُلُ : أَفَلَا تُغَيِّرُهَا ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا يَنْبَغِي لِلْقُرْآنِ أَنْ يُهَاجَ . وَهَذَا عِنْدِي مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْدَلَ ، وَهُوَ جَائِزٌ مِمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيٌّ كَانَ يَسْتَحِبُّ غَيْرَهُ مِمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ أَيْضًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَعْجَةً أُنْثَى ، فَقَرَأَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النَّجَّادُ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ - يَقْرَأُ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : وَكَانَ الْحَجَّاجُ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا . قَالَ : وَقَالَ الْحَجَّاجُ : ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنَّ النَّعْجَةَ يَكُونُ ذَكَرًا . وَكَسَرَ الْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ النُّونَ مِنْ نَعْجَةٍ ، وَفَتَحَهَا سَائِرُ النَّاسِ . وَفَتَحَ الْحَسَنُ وَحْدَهُ التَّاءَ مِنْ تِسْعٍ وَتِسْعُونَ ، وَكَسَرَهَا سَائِرُ النَّاسِ . وَأَمَّا فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَقَرَأَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَمَسْرُوقٌ وَطَاوُسٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ . وَمِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَعْجَةً أُنْثَى فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ، وَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ مِنْ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى . وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ يَقْرَؤُهَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ مِنْ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا . قَالَ سُفْيَانُ : وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ، وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ الْقِرَاءَةَ بِهَذَا وَمِثْلِهِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْيَوْمَ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَرْفُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ فِي مَصَاحِفِهِمُ الْيَوْمَ وَقِرَاءَتِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُرُوفِ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ جَمَعَ الْمَصَاحِفَ عَلَيْهِ بِمَحْضَرِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ أَتَمُّ مَا رُوِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ لِلْقُرْآنِ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانُ بِكِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ بِإِمْلَاءِ زَيْدٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُثْمَانَ عَوَّلَا عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ عَادَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ الْقُرْآنَ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ بِمَا لَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَخَارِجَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي قَرَاطِيسَ ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ ، حَتَّى اسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَفَعَلَ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَ ، ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تُوُفِّيَ ، ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عُثْمَانُ فَأَبَتْ أَنْ تَدْفَعَهَا إِلَيْهِ حَتَّى عَاهَدَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا ، فَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ فَنَسَخَهَا عُثْمَانُ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَيْهَا ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَرْسَلَ مَرْوَانُ فَأَخَذَهَا فَحَرَقَهَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ وَخَارِجَةَ - فَذَكَرَهُ سَوَاءً . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ رِشْدِينَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَبْطَأَ عَلِيٌّ عَنْ بَيْعَتِهِ فجلس فِي بَيْتِهِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ : مَا بَطَّأَكَ عَنِّي ؟ أَكَرِهْتَ إِمْرَتِي ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : مَا كَرِهْتُ إِمَارَتَكَ ، وَلَكِنِّي آلَيْتُ أَنْ لَا أَرْتَدِيَ رِدَائِي إِلَّا إِلَى صَلَاةٍ حَتَّى أَجْمَعَ الْمُصْحَفَ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَتَبَهُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ، وَلَوْ أُصِيبَ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَوُجِدَ فِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَصَحُّ التَّابِعِينَ مَرَاسِلَ وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَرْوِي وَلَا يَأْخُذُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، وَأَنَّ مَرَاسِلَهُ صِحَاحٌ كُلُّهَا لَيْسَ كَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِجَمْعِ الْمَصَاحِفِ مَوْضِعٌ مِنَ الْقَوْلِ غَيْرُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ جَمِيعَ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ لِمَا فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ غَيْرَ مَا أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَرَأَيْتُ ذِكْرَ حُرُوفِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ لِيَقِفَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِي هَذَا عَلَى مَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلِيَكُونَ أَتَمَّ وَأَوْعَبَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَكْمَلَ فَائِدَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِهِ الْعَوْنُ لَا شَرِيكَ لَهُ . ذِكْرُ مَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ عَلَى اسْتِيعَابِ الْحُرُوفِ وَحَذْفِ الْأَسَانِيدِ : فَأَوَّلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ؛ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عِبَادِهِ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ عَبْدِهِ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : اكْتَتَبَهَا ؛ قَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ اكْتُتِبَهَا ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ اكْتَتَبَهَا وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَأْكُلُ مِنْهَا قِرَاءَتَانِ ؛ الْيَاءُ ، وَالنُّونُ ، فَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَشَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عَمْرٍو وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ يَأْكُلُ بِالْيَاءِ ، وَقَرَأَ نَأْكُلُ بِالنُّونِ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى . وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ : الرَّفْعُ ، وَالنَّصْبُ ، وَالْجَزْمُ ؛ فَقَرَأَ بِالرَّفْعِ وَيَجْعَلُ لَكِ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْأَعْمَشُ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَاصِمٍ فَرَوَى عَنْهُ الرَّفْعَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَشَيْبَانُ . وَقَرَأَ : وَيَجْعَلْ لَكَ مَجْزُومًا أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَالْأَعْمَشُ أَيْضًا وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَنُعَيْمٌ وَمَيْسَرَةُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَقَرَأَ : وَيَجْعَلَ لَكَ بالنصب عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ . وَفِي قَوْلِهِ : مَكَانًا ضَيِّقًا قِرَاءَتَانِ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ؛ فَقَرَأَ بِتَخْفِيفِهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ وَمُسْلِمُ بْنُ مُحَارِبٍ وَالْأَعْمَشُ . وَقَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ ضَيِّقًا الْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَسَالِمٌ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو شَيْبَةَ الْمَهْرِيُّ . وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ : الْيَاءَيْنِ فِيهِمَا جَمِيعًا ، وَالنُّونِ فِيهَا جَمِيعًا ، وَالنُّونِ فِي نَحْشُرُهُمْ وَالْيَاءِ فِي فَيَقُولُ ؛ فَقَرَأَ : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ فَيَقُولُ جَمِيعًا بِالْيَاءِ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْحَسَنُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا . وَقَرَأَ : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ فَنَقُولُ جَمِيعًا بِالنُّونِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَقَتَادَةُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَعِيسَى وَالْحَسَنُ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ . وَقَرَأَ : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ بِالنُّونِ فَيَقُولُ بِالْيَاءِ عَلْقَمَةُ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا وَيَعْقُوبُ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَقَرَأَ نَحْشِرُهُمْ بِكَسْرِ الشِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ . وَفِي قَوْلِهِ : أَنْ نَتَّخِذَ قِرَاءَتَانِ : ضَمُّ النُّونِ وَفَتْحُ الْخَاءِ ، وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُ الْخَاءِ ؛ فَقَرَأَ نُتَّخَذَ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَمُجَاهِدٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَنَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَمَكْحُولٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو رَجَاءٍ وَالْحَسَنُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ وَحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ . وَقَرَأَ نَتَّخِذَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَالْأَعْرَجُ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرَيُّ وَحَكِيمُ بْنُ عِقَالٍ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَقَتَادَةُ وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي رَجَاءٍ وَمَكْحُولٍ فَرُوِيَ عَنْهُمُ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا . وَفِي قَوْلِهِ : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا يسْتَطِيعُونَ صَرْفًا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : جَمِيعًا بِالتَّاءِ ، وَالثَّانِي : جَمِيعًا بِالْيَاءِ ، وَالثَّالِثُ : يَقُولُونَ بِالْيَاءِ وَ تَسْتَطِيعُونَ بِالتَّاءِ ، وَالرَّابِعُ : تَقُولُونَ بِالتَّاءِ وَ يَسْتَطِيعُونَ بِالْيَاءِ . فَقَرَأَهُمَا جَمِيعًا بِالتَّاءِ وَالثَّانِي جَمِيعًا بِالتَّاءِ تَقُولُونَ ، وَتَسْتَطِيعُونَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ . وَقَرَأَهُمَا بِالْيَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَرَأَهُمَا بِمَا تَقُولُونَ بِالتَّاءِ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ بِالْيَاءِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ جَمِيعًا : الْأَعْرَجُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَنَافِعٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ . وَأَهْلُ مَكَّةَ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ : طَلْحَةُ ، وَعِيسَى الْكُوفِيُّ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَخَلَفٌ ، وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَاصِمٌ ، وَالْأَعْمَشُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا . وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ : الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعِيسَى ، وَسَلَّامٌ ، وَيَعْقُوبُ ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَقَرَأَ بِمَا يَقُولُونَ بِالْيَاءِ وَ تَسْتَطِيعُونَ بِالتَّاءِ أَبُو حَيْوَةَ وَفِي قَوْلِهِ : وَيَمْشُونَ قِرَاءَتَانِ : تَخْفِيفُ الشِّينِ وَتَشْدِيدُهَا ، فَمَنْ خَفَّفَ فَتَحَ الْيَاءَ وَسَكَّنَ الْمِيمَ ، وَمَنْ شَدَّدَ ضَمَّ الْيَاءَ وَفَتَحَ الْمِيمَ ، وَقَرَأَ يُمَشُّونَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ يَمْشُونَ . وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : حِجْرًا مَحْجُورًا قِرَاءَتَانِ : ضَمُّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ؛ فَقَرَأَ بِضَمِّهَا حُجْرًا مَحْجُورًا الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَقَتَادَةُ وَالْأَعْمَشُ ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ بِكَسْرِهَا ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ : حَرَامًا مُحَرَّمًا . فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : تَشَقَّقُ السَّمَاءُ قِرَاءَتَانِ : بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِهَا ؛ فَقَرَأَ بِتَشْدِيدِهَا الْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُو عُمَرَو عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَقَرَأَ تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ الزُّهْرِيُّ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَخَلَفٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَفِي قَوْلِهِ : وَنُـزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْـزِيلا أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ : وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ ، ونَزَّلَ الْمَلَائِكَةَ ، ونُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ ، وأَنْزَلَ الْمَلَائِكَةَ ؛ قَرَأَ بِالْأُولَى الْأَعْرَجُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَعِيسَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرَيُّ وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ عَامِرٍ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَقَرَأَ بِالثَّانِيَةِ وَنَزَّلَ الْمَلَائِكَةَ أَبُو رَجَاءٍ ، وَقَرَأَ بِالثَّالِثَةِ نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَقَرَأَ بِالرَّابِعَةِ وَأَنْزَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ . وَفِي قَوْلِهِ : يَا وَيْلَتَا قِرَاءَتَانِ : كَسْرُ التَّاءِ عَلَى الْإِضَافَةِ ، وَفَتْحُهَا عَلَى النُّدْبَةِ ؛ قَرَأَ بِكَسْرِهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ فِيمَا عَلِمْتُ بِفَتْحِهَا . وَفِي قَوْلِهِ : إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا قِرَاءَتَانِ : تَسْكِينُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، وَفَتْحُهَا ؛ قَرَأَ بِكِلَا الْوَجْهَيْنِ جَمَاعَةٌ . وَفِي قَوْلِهِ : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ قِرَاءَتَانِ : بِالْيَاءِ وَالنُّونِ ؛ قَرَأَ بِالْيَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ بِالنُّونِ . وَفِي قَوْلِهِ : فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا قِرَاءَتَانِ : فَدَمَّرْنَاهُمْ ، فَدَمِّرَانِّهِمْ ؛ قَرَأَ فَدَمِّرَانِّهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ فَدَمَّرْنَاهُمْ . وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ بِصَرْفِ ثَمُودَ ، وَجَمَاعَةٌ بِتَرْكِ صَرْفِهَا . وَفِي قَوْلِهِ : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ قِرَاءَتَانِ : إِلَهَهُ ، وَإِلَهَه ؛ فَقَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَه هَوَاهُ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ إِلَهَهُ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عَمْرٍو فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُدْغِمُ الْهَاءَ فِي الْهَاءِ بَعْدَ تَسْكِينِ الْمَفْتُوحَةِ مِنْهُمَا . وَفِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نشْرًا قِرَاءَتَانِ : فِي الرِّيحِ الْجَمْعُ وَالتَّوْحِيدُ ، وَفِي نشْرًا سِتُّ قِرَاءَاتٍ : نُشرًا بِالنُّونِ مُثْقَلٌ وَمُخَفَّفٌ ، و بُشرًا بِالْبَاءِ مُثْقَلٌ وَمُخَفَّفٌ ، وَالْخَامِسَةُ : نَشْرًا بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَالسَّادِسَةُ : بُشْرَى مِثْلَ حُبْلَى . فَقَرَأَ الرِّيَاحَ جَمْعًا نُشُرًا بِالنُّونِ وَبِضَمَّتَيْنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَيَعْقُوبُ وَسَلَّامٌ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ . وَقَرَأَ الرِّيَاحَ جَمْعًا أَيْضًا وَنُشْرًا بِالنُّونِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الشِّينَ ابْنُ عَامِرٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَسَهْلٌ وَشُعَيْبٌ . وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو رَوَاهَا هَارُونُ الْأَعْوَرُ وَخَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو ، وَقَرَأَ الرِّيحَ وَاحِدَةً نُشُرًا بِالنُّونِ وَضَمَّتَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْحَسَنُ ، وَقَرَأَ الرِّيَاحَ جَمَاعَةً بُشْرًا بِالْبَاءِ خَفِيفَةَ الشِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَاصِمٌ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : كَأَنَّهُ بَشِيرٌ وَبِشْرٌ . وَقَرَأَ الرِّيَاحَ جَمَاعَةً نَشْرًا بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَمَسْرُوقٌ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعِيسَى الْكُوفِيُّ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْعَلَاءُ بْنُ سيابَةَ . وَقَرَأَ الرِّيحَ وَاحِدَةً نَشْرًا بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى الْهَمْدَانِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ . وَقَرَأَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ مِثْلَ حُبْلَى مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ الْيَمَنِيُّ - مِنَ الْبِشَارَةِ . وَفِي قَوْلِهِ : وَنُسْقِيَهُ قِرَاءَتَانِ : ضَمُّ النُّونِ ، وَفَتْحُهَا ؛ فَقَرَأَ بِضَمِّ النُّونِ مِنْ أَسْقَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَعْرَجُ . وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَعِيسَى الْهَمْدَانِيُّ ، وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْحَسَنُ وَأَبُو عَمْرٍو وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ ابْنُ عَامِرٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَقَرَأَ نَسْقِيَهُ بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ سَقَىَ عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا . وَفِي لِيَذَّكَّرُوا قِرَاءَتَانِ : التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ ؛ فَقَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ ، وَقَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ قَبْلُ . وَفِي قَوْلِهِ : مِلْحٌ قِرَاءَتَانِ : فَتْحُ الْمِيمِ وكسرها ؛ فَقَرَأَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَلْحٌ أُجَاجٌ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ بِكَسْرِ الْمِيمِ . وَفِي قَوْلِهِ : أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا قِرَاءَتَانِ : الْيَاءُ وَالتَّاءُ ؛ فَقَرَأَ بِالتَّاءِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْحَسَنُ وَعِيسَى وَأَبُو عَمْرٍو وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ . وَقَرَأَ بِالْيَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى الْكُوفِيُّ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ . وَفِي قَوْلِهِ : سِرَاجًا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ : سِرَاجًا ، وَسُرُجًا ، وَسُرْجًا ; فَقَرَأَ سِرَاجًا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ جَمِيعًا : ابْنُ هُرْمُزَ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَأَهْلُ مَكَّةَ : مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ . وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ : الْحَسَنُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَأَبُو رَجَاءٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعِيسَى ، وَسَلَّامٌ ، وَيَعْقُوبُ . وَأَهْلُ الشَّامِ : ابْنُ عَامِرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ . وَقَرَأَهَا أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ . وَقَرَأَ سُرُجًا بِضَمَّتَيْنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَحْيَى وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ وَمَنْصُورٌ بن المعتمر وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَخَلَفٌ وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ . وَعَنْ بَعْضِهِمْ رُوِيَ سُرْجًا مُخَفَّفٌ ، وَهُوَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ قِرَاءَتَانِ : التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ ؛ فَقَرَأَ يَذَّكَّرَ مُثَقَّلَةً مُشَدَّدَةً مَفْتُوحَةَ الْكَافِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ . وَأَهْلُ مَكَّةَ : ابْنُ كَثِيرٍ وَأَصْحَابُهُ . وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ : الْحَسَنُ ، وَأَبُو رَجَاءٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعِيسَى ، وَسَلَّامٌ ، وَيَعْقُوبُ . وَأَهْلُ الشَّامِ : ابْنُ عَامِرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَاصِمٌ ، وَالْكِسَائِيُّ مِنَ الْكُوفِيِّينَ . وَقَرَأَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَقَرَأَ يَذْكُرَ مُخَفَّفَةً عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْهُ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى رَوَاهَا الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ وَنَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْهُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَحْيَى وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ . وَفِي قَوْلِهِ : لَمْ يَقْتُرُوا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ ؛ مِنْهَا فِي الثُّلَاثِيِّ قِرَاءَتَانِ : مِنْ قَتَرَ يَقْتِرُ وَيَقْتُرُ ، فَقَرَأَ يَقْتِرُوا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ مِنْ قَتَرَ يَقْتِرُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَعِيسَى وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَعَبَدُ اللَّهَ بْنُ يَزِيدَ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ . وَقَرَأَ يَقْتُرُوا بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ قَتَرَ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي رِوَايَةِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ وَنَاجِيَةُ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَخَلَفٌ وَأَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . وَقَرَأَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ يُقْتِرُوا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ مِنْ أَقْتَرَ يُقْتِرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي رَجَاءٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَنُعَيْمِ بْنِ مَيْسَرَةَ . وَفِي قَوْلِهِ : وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا قِرَاءَتَانِ : كَسْرُ الْقَافِ وَفَتْحُهَا ; قَرَأَ بِكَسْرِهَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ عَائِشَةَ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ قَتَادَةُ كَانَ يَقْرَأُ قِوَامًا وَيُنْكِرُ قَوَامًا وَيَقُولُ : الْقَوَامُ قَوَامُ الدَّابَّةِ ، وَالْقِوَامُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَعَلَى الْفَرَسِ وَالْجَارِيَةِ . وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ قَوَامًا بِفَتْحِ الْقَافِ . وَفِي قَوْلِهِ : يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ قِرَاءَاتٌ فِي إِعْرَابِهِمَا وَفِي تَشْدِيدِ الْعَيْنِ ، فَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَالْجَزْمُ فِي الْفَاءِ وَالدَّالِ مِنْ يُضَاعِفْ وَيَخْلُدْ وَالرَّفْعُ فِيهِمَا ؛ فَقَرَأَ يُضَاعَفُ ، وَيَخْلُدُ فِيهِ مَرْفُوعَيْنِ عَاصِمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ كَثِيرٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . وقَرَأَ يُضَاعَفْ ، وَيَخْلُدْ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ ؛ مَدَنِيُّونَ ، وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ ؛ كُوفِيُّونَ ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرَيُّ وَأَبُو عَمْرٍو وَسَلَّامٌ ؛ بَصْرِيُّونَ ، وَنَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ . وَقَرَأَ يُضَعَّفُ وَيُخَلَّدُ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ مِنْ يُضَعَّفُ وَالرَّفْعِ فِيهِمَا ابْنُ عَامِرٍ وَالْأَعْمَشُ ، وَقَرَأَ يُضَعَّفْ وَيُخَلَّدْ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا وَتَشْدِيدِ يُضَعَّفْ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَيَعْقُوبُ وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ مَكَّةَ ، وَقَرَأَ نَضْعُفَ بِالنُّونِ لَهُ الْعَذَابَ نَصْبًا ، وَيَخْلُدْ فِيهِ بِالْيَاءِ جَزْمًا طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ . وَفِي قَوْلِهِ : ذُرِّيَّاتِنَا قِرَاءَتَانِ : الْجَمْعُ وَالتَّوْحِيدُ ؛ فَقَرَأَ ذُرِّيَّتَنَا وَاحِدَةً مُجَاهِدٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى . وَقَرَأَ وَذُرِّيَّاتِنَا جَمَاعَةٌ : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَعَاصِمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَلَّامٌ ، وَيَعْقُوبُ ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ . وَفِي قَوْلِهِ : وَيُلَقَّوْنَ قِرَاءَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا : ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ اللَّامِ وَتَشْدِيدُ الْقَافِ ، وَالثَّانِيَةُ : فَتْحُ الْيَاءِ وَتَسْكِينُ اللَّامِ وَتَخْفِيفُ الْقَافِ ؛ فَقَرَأَ بِالتَّرْجَمَةِ الْأُولَى ابْنُ هُرْمُزَ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو عَمْرٍو وَعِيسَى وَسَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ عَاصِمٍ وَالْأَعْمَشِ . وَقَرَأَ بِالتَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى الْكُوفِيُّ وَحَمْزَةُ والْكِسَائِيُّ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَخَلَفٌ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ الْيَمَانِيُّ وَعَاصِمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ، وَكَذَلِكَ فِيِ حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَرَأَ سَائِرُ النَّاسِ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا فَهَذَا مَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَا أَنْكَرَ مِنْهَا عُمَرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَمَا قَرَأَ بِهِ عُمَرُ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حُرُوفٌ لَمْ تَصِلْ إِلَيْنَا ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ بِحَرْفٍ نُقِلَ عَنْهُ وَذُكِرَ ، وَلَكِنْ إِنْ فَاتَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَهُوَ الْيَسِيرُ النَّزْرُ ، وَأَمَّا عِظَمُ الشَّيْءِ وَمِنَّتُهُ وَجُمْلَتُهُ فَمَنْقُولٌ مَحْكِيٌّ عَنْهُمْ فَجَزَاهُمُ اللَّهُ عَنْ حِفْظِهِمْ عَلَيْنَا الْحُرُوفَ وَالسُّنَنَ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ وَأَكْرَمَهُ عِنْدَهُ بِرَحْمَتِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ وَطَبْعِهِ أَنْ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ ضِدَّهُ وَخِلَافَهَ وَجَهِلَهُ ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لِمَنْ عَلِمَ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ مِنَ الْغَضَبِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرَ التَّفْضِيلِ لِهِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَلَكِنْ إِذْ سَمِعَ مِنْهُ مَا أَنْكَرَهُ لَمْ يُسَامِحْهُ حَتَّى عَرَفَ مَوْقِعَ الصَّوَابِ فِيهِ ، وَهَذَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي رِفْقٍ وَسُكُونٍ ، وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى مَوْضِعِ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ عِنْدَ عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا خَشِيَ وُقُوعَ أَمْرٍ قَالَ : أَمَّا مَا بَقِيتُ أَنَا وَهِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَلَا .
264 - حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ . إِلَى هَاهُنَا انْتَهَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فَرَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فَجَعَلُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَا بَعْدَ الْوِتْرِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرَ اضْطِجَاعَهُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ دُونَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يُدْفَعُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَثُبُوتِهِ فِي ابْنِ شِهَابٍ وَعِلْمِهِ بِحَدِيثِهِ ، وقد وجدنا مَعْنَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِهِ عَنِ مخرمة بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ خَالَتَهُ ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثم رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، قَالَ : ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى مَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَإِذَا انْفَجَرَ الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ . قَالَ : هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَعَقِيلٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، لَمْ يَقُولُوا فِي حَدِيثِهِمْ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا ذَكَرُوا يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ . قَالَ : وَذَكَرَ فِيهِ يُونُسُ الْأَيْلِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ . وَذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ : يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفرغ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ اثْنَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ ، وَيَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَوَّلِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفرغ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ بِاللَّيْلِ سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَيَسْجُدُ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَوَّلِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مَحْفُوظٌ يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : أَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ! وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ ، وَهُوَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ ; لِأَنَّهُ بِهَا سُمِّيَ وِتْرًا ، وَإِنَّمَا هُوَ وِتْرٌ لَهَا ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ فَرْضًا ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْخَمْسِ إِلَّا أَنْ يَطَّوَعَ مَا يَرُدُّ قَوْلَهُ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بِحُجَّتِهِ فِي مَوْضِعٍه مِنْ كِتَابِنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَوْجَبَ بَعْضُ التَّابِعِينَ قِيَامَ اللَّيْلِ فَرْضًا وَلَوْ كَقَدْرِ حَلْبِ شَاةٍ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ مَنْسُوخٌ عَنِ النَّاسِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ وَتَحْصِيلٍ ، وَلِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَأَمَّا الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمَحْمَلُهَا عِنْدَنَا أَنَّهَا كَانَتْ مَثْنَى مَثْنَى حَاشَا رَكْعَةِ الْوِتْرِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ مَا قَالُوهُ فِيهِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَيَأْتِي مِنْهُ ذِكْرٌ فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ الِاضْطِجَاعَ سُنَّةً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، هَكَذَا قَالَ كُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ الِاضْطِجَاعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ الْوِتْرِ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ الْحَدِيثَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ - فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً ، وَأَبَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : لَيْسَ الِاضْطِجَاعُ بِسُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رَاحَةً لِطُولِ قِيَامِهِ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ ، وَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي . وَفِي لَفْظِ بَعْضِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ : إِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي ، وَإِلَّا اضْطَجَعَ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالضَّجْعَةِ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : مَا أَفْعَلُهُ أَنَا ، فَإِنْ فَعَلَهُ رَجُلٌ ثُمَّ سَكَتَ ، كَأَنَّهُ لَمْ يَعِبْهُ إِنْ فَعَلَهُ . قِيلَ لَهُ : لِمَ لَمْ تَأْخُذْ بِهِ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ . قُلْتُ لَهُ : حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِنَّهَا بِدْعَةٌ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ في غير رِوَايَةُ مَالِكٍ مِمَّا رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ لِلْأَذَانِ . وَفِيهِ إِشْعَارُ الْمُؤَذِّنِ لِلْإِمَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَإِعْلَامُهُ بِذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُؤَذِّنِينَ ارْتِقَابُ الْأَوْقَاتِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَا يُجِيزُ الْأَذَانَ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ فِيهِ : فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، قَالُوا : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فِي حِينِ يَجُوزُ فِيهِ رُكُوعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ: الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ قَدْ عَارَضَهُ نَصُّ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ خَفِيفَتَانِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتْرُكُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا يُوَاظِبُ عَلَى الْوِتْرِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَوْكَدِ مِنْهُمَا ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْوِتْرُ أَوْكَدُ ، وَكِلَاهُمَا سُنَّةٌ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ ، وَهُمَا مِنَ الرَّغَائِبِ ، وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ كَالْوِتْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا أَوْكَدُ مِنَ الْوِتْرِ ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْقُرْآنِ . وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ سَنَذْكُرُهَا فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَفَاتَتَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْكَدُ مِنَ الْوِتْرِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَاهُمَا حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ كَمَا قَضَى الْفَرِيضَةَ وَأَنَّ الْوِتْرَ لَا يُقْضَى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَأَنَّهُ لَا يقْضَى شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ غَيْرَهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
1870 - حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ؟ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمْ يَجْعَلْهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوْهُ عَنْهُ كَذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَوْرِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ فَجَعَلَهُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ قَالَتْ : أَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَرُدُّهُنَّ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَلْتُ لَهُنَّ : أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ ؟ أَلَمْ تَسْمَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ . هَذَا لَفْظُ يُونُسَ ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَرْسَلَ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَقِيلٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ لِأَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحٌ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أُسَامَةُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكَنَا صَدَقَةٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَخُمْسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ هَذِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَيُونُسَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلْنَ ذَلِكَ ، وَالْقَلْبُ إِلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ أَمِيلُ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتُ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ تَابَعَهُ يُونُسُ ، وَإِنْ كَانَ عَقِيلٌ قَدْ جَوَّدَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَسُؤَالُ فَاطِمَةَ أَبَا بَكْرٍ ذَلِكَ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَسْأَلْنَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُنَّ عِلْمٌ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُنَّ أَبُو بَكْرٍ سَكَتْنَ وَسَلَّمْنَ ، وَهَذَا مِمَّا أَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ لَا يُنْكَرُ جَهْلُ مِثْلِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى أَحَدٍ ، أَلَا تَرى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ جَهِلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا عَلِمَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ - رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ هُذَيْلٍ - فِي دِيَةٍ الجنين ؟ وَجَهِلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا عَلِمَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ فِي مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، وَجَهِلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا عَلِمَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِي الِاسْتِئْذَانِ ، وَمَوْضِعُ عُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَنَّ عِلْمَ أَهْلِ الْأَرْضِ جُعِلَ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ عِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ . وَإِذَا جَازَ مِثْلُ هَذَا عَلَى عُمَرَ فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَجْهَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا عَلِمَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَقَدْ عَلِمَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ . وَسَيُذْكَرُ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ جَهِلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَا عَلِمَ الْمُغِيرَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنْ تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ ، وَجَهِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا عَلِمَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ مِنْ صَدَاقِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُسَمَّ لَهَا ، وَقَدْ جَهِلَ الْأَنْصَارُ وَأَبُو مُوسَى حَدِيثَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَعَلِمَتْهُ عَائِشَةُ ، وَجَهِلَ ابْنُ عُمَرَ حَدِيثَ الْقُنُوتِ وَعَلِمَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنِ الصَّحَابَةِ يَطُولُ ذِكْرُهُ ، فَمِثْلُهُ حَدِيثُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَجْهَلْنَهُ وَيَجْهَلَهُ أَيْضًا عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ حَتَّى عَلِمُوهُ عَلَى لِسَانِ مَنْ حَفِظَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَوْلَهُ ، وَلَا رَدَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ قَوْلَهَا ذَلِكَ وَحِكَايَتُهَا لَهُنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ قَبِلُوا ذَلِكَ وَسَلَّمُوهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ - أَيْضًا - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ الْقَطْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوَفِّيَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ ! وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْمُرَ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ غَزْوَانَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَجَعَلَ الْحَدِيثَ لِعُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ثِقَةٌ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ النَّحْوِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو خَالِدٍ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ بْنِ حَيَّوَيْهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . قَالَ ابْنُ أَعْيَنَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ كَتَبْتُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَوَهْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَالِكَ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ حَدَّثَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعْمَرٌ قَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَجَعَلَهُ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ عِنْدِي عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ هُوَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّوَاسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اخْتَصَمَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مِيرَاثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كُنْتُ لِأُحَوِّلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ ، وَتَمَامُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ خَاصَمَ الْعَبَّاسُ عَلِيًّا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي أَشْيَاءَ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : شَيْءٌ تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّكْهُ لَا أُحَرِّكُهُ . فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : شَيْءٌ تَرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أُحَرِّكَهُ . فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ ، قَالَ : فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَخَشِيتُ أَنْ يَأْخُذَهُ ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى مَنْكِبَيِ الْعَبَّاسِ وَقُلْتُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا سَلَّمْتَ لِعَلِيٍّ ! قَالَ : فَسَلَّمَهُ لِعَلِيٍّ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَوْ سَلَّمَتْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ ذَلِكَ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مَا أَتَى عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ فِي ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ يَسْأَلَانَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُمَا أَتَيَا عُمَرَ يَسْأَلَانِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيَا عُثْمَانَ بَعْدُ ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ - قِيلَ لَهُ : أَمَّا تَشَاجُرُ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ وَإِقْبَالُهُمَا إِلَى عُمَرَ فَمَشْهُورٌ ، لَكِنَّهُمَا لَمْ يَسْأَلَا ذَلِكَ مِيرَاثًا ، وَإِنَّمَا سَأَلَا ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ لِيَكُونَ بِأَيْدِيهِمَا مِنْهُ مَا كَانَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ حَيَاتِهِ لِيَعْمَلَا فِي ذَلِكَ بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهُ قُوتَ عَامِهِ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا فَضَلَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَرَادَا عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ ، وَأَمَّا الْمِيرَاثُ وَالتَّمْلِيكُ فَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ إِلَّا الرَّوَافِضُ ، وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورَثُ ، وَمَا تَرَكَهُ صَدَقَةٌ . وَالْآخَرُ : أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُورَثْ ; لِأَنَّهُ خَصَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً زِيَادَةً فِي فَضِيلَتِهِ كَمَا خَصَّهُ فِي النِّكَاحِ بِأَشْيَاءَ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَأَبَاحَهَا لِغَيْرِهِ ، وَأَشْيَاءَ أَبَاحَهَا لَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ . وَأَمَّا الرَّوَافِضُ فَلَيْسَ قَوْلُهُمْ مِمَّا يُشْتَغَلُ بِهِ وَلَا يُحْكَى مِثْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى السَّلَفِ وَالْمُخَالَفَةِ لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِصَّةِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فِي ذَلِكَ مَعَ عُمَرَ فَمَحْفُوظٌ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ الثِّقَاتِ ، مِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ - فَعَدَّ سِتَّةً أَبُو سَبْعَةٍ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - أَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمًا ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا يَكَادُ أَنْ يَتَلَاحَيَانِ ، فَقَالَ : مَهْ ! مَهْ ! لَا تَفْعَلَا ، قَدْ عَلِمْتُ مَا تَقُولُ يَا عَبَّاسُ ؛ تَقُولُ : ابْنُ أَخِي وَلِي شَطْرُ الْمَالِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ ؛ تَقُولُ : ابْنَتُهُ امْرَأَتِي وَلَهَا شَطْرُ الْمَالِ ، وَهَذَا مَا كَانَ فِي يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَيْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ . وَقَالَ عُمَرُ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَأَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ - أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ . وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَأَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ - أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ ، إِنَّمَا مِيرَاثُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ . هَذَا مَا كَانَ فِي يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ، فَوَلِيَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَلِيتُهُ بَعْدَهُ ، وَأَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَهَدْتُ أَنْ أَعْمَلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ شِئْتُمَا وَطَابَتْ نَفْسُ أَحَدِكُمَا لِلْآخَرِ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي لِيَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فخلوا أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِ الْعَبَّاسِ فَخَلَا بِهِ ، فَجَاءَ عَبَّاسٌ فَقَالَ : قَدْ طَابَتْ نَفْسِي لِابْنِ أَخِي ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْحَوْلُ جَاءَا عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا الْأُخْرَى مُرْتَفِعَةٌ أَصْوَاتُهُمَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّكُمَا أَتَيْتُمَانِي عَامَ أَوَّلَ فَقُلْتُمَا كَذَا وَكَذَا - وَعَدَّدَ عَلَيْهِمَا كُلَّ شَيْءٍ قَالَهُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ - فَأَمَرْتُكُمَا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُ أَحَدِكُمَا لِلْآخَرِ فَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ ، فَخَلَوْتُمَا ، فَأَتَيْتَنِي يَا عَبَّاسُ قَدْ طَابَتْ نَفْسُكَ لِعَلِيٍّ ، فَجِئْتُمَا إِلَيَّ الْآنَ وَأَدْرَكَك مَا أَدْرَكَ النَّاسُ فَجِئْتُمَا إِلَيَّ لِتَرُدَّاهُ إِلَيَّ ! فَلَا وَاللَّهِ أَجْعَلُهُ فِي عُنُقِي حَتَّى أَجْتَمِعَ أَنَا وَأَنْتُمَا عِنْدَ اللَّهِ . وَهَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ أَنَّهَا وِلَايَةُ ذَلِكَ الْمَالِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَا مِيرَاثَ وَلَا مِلْكَ ، وَالْآثَارُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَوَهْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بَعْدَمَا تَعَالَى النَّهَارُ . قَالَ : فَذَهَبْتُ ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى سَرِيرٍ مُفْضٍ إِلَى رِمَالِهِ . قَالَ : فَقَالَ لِي حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ : يَا مَالِ ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ قَوْمِكَ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخِ فَخْذِهِ فَاقْسِمْهُ فِيهِمْ . قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ ! قَالَ : فَقَالَ : خُذْهُ . فَجَاءَ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ وَالزُّبَيْرِ ؟ قَالَ : نَعَمِ ، ايذَنْ لَهُمْ . قَالَ : فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَاءَ يَرْفَأُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا - يَعْنِي عَلِّيًا . قَالَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاقْضِ بَيْنَهُمَا وَارْحَمْهُمَا . قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ : يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمَا قَدَّمَا أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : إِيهٍ ! قَالَ : فَأَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ قَالَا : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَصَّ رَسُولَهُ بِخَاصِّيَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ ، فَقَالَ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ الْآيَةَ ، وَكَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ بَنُو النَّضِيرِ ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَتَهُ سَنَةً أَوْ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ . فَقَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ . قَالَ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ . فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ ، فَوَلِيتُهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا جَمِيعًا وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَسَأَلْتُمَانِيهَا ، فَقُلْتُ : إِنْ شِئْتُمَا أَدْفَعُهَا لَكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَلِيَاهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلِيهَا بِهِ ، فَأَخَذْتُمَاهَا مِنِّي عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ . وَرَوَاهُ بِشْرُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ - مِثْلَهُ بِتَمَامِهِ إِلَى آخِرِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ : وَتَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَ امْرَأَتِكَ مِنْ أَبِيهَا : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَرَأَيْتُمَاهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ ، فَرَأَيْتُمَانِي وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، فَوَلِيتُهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا - وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ، ذَكَرُهُ ابْنُ الْجَارُورِدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَأَبِي أُمَيَّةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ . وَحَدَّثَنَا وَهْبٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : قَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخِ فَخْذِهِ وَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ . وَقَالَ فِيهِ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ - ثُمَّ ذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ إِلَى آخِرِهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : الَّذِي تَنَازَعَا فِيهِ عِنْدَ عُمَرَ لَيْسَ هُوَ الْمِيرَاثُ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورَثُ ، وَإِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَةِ وَتَصْرِيفِهَا ; لِأَنَّ الْمِيرَاثَ قَدْ كَانَ انْقَطَعَ الْعِلْمُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ . وَأَمَّا تَسْلِيمُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ : مَالَكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! أَنْتَ وَرِثْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ أَهْلُهُ ؟ ! قَالَ : لَا ، بَلْ أَهْلُهُ . قَالَتْ : فَمَا بَالُ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إُنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ بَعْدَهُ ، أَنَا أَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . فَقَالَتْ : أَنْتَ ، وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَوَجَدْتُ فِي أَصِلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عن الكلبي ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ : مَنْ يَرِثُكَ إِذَا مِتَّ ؟ قَالَ : وَلَدِي وَأَهْلِي . فَقَالَتْ : مَالَكَ تَرِثُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَنَا ؟ فَقَالَ : يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا وَرِثْتُ أَبَاكِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً . فَقَالَتْ : بَلَى ، سَهْمُ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ لَنَا وَصَفَايَا النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَدَكَ وَغَيْرُهَا - بِيَدِكَ ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمْنِيهَا اللَّهُ ، فَإِذَا مِتُّ كَانَتْ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ قِيلَ : مَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِفَاطِمَةَ بَلْ وَرِثَهُ أَهْلُهُ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ قِيلَ لَهُ : مَعْنَاهُ عَلَى تَصْحِيحِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَوْ تخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا يُورَثُ لَوَرِثَهُ أَهْلُهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : بَلْ وَرِثَهُ أَهْلُهُ إِنَّ كَانَ خَلَّفَ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْئًا يُورَثُ لِأَنَّ مَا تَخَلَّفَهُ صَدَقَةٌ رَاجِعَةٌ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِهَا فَأَيُّ شَيْءٍ يَرِثُ عَنْهُ أَهْلُهُ وَهُوَ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ بَعْدَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : اللَّامُ فِي قَوْلِهِ : لِلَّذِي لَيْسَتْ لَامَ الْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى إِلَى ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا أَيْ هَدَانَا إِلَى هَذَا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا مَعْنَاهُ أَوْحَى إِلَيْهَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلَهُ إِلَى الَّذِي بَعْدَهُ يَقُومُ فِيهِ بِمَا يَجِبُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ وَلِسَانُ الْعَرَبِ كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَعْمَرٍ ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً ، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ : لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةَ فَدَكٍ ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيُنْفِقُ مِنْهَا ، وَيَعُودُ عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ ، ثُمَّ وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَتْ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا كَمَا عَمِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ حَتَّى قُبِضَ لِسَبِيلِهِ ، ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ فَعَمِلَ فِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ فَأَقْطَعَهَا مَرْوَانَ فَجَعَلَ مَرْوَانُ ثُلُثَيْهَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَثُلُثَهَا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ ثُلُثَيْهِ ثُلُثًا لِلْوَلِيدِ وَثُلُثًا لِسُلَيْمَانَ ، وَجَعَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ ثُلُثَهُ لِي ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ جَعَلَ ثُلُثَهُ لِي ، فَلَمْ يَكُنْ لِي مَالٌ أَعْوَدَ عَلَيَّ مِنْهُ وَلَا أَسَدَّ لِحَاجَتِي ، ثُمَّ وَلِيتُ أَنَا فَرَأَيْتُ أَنَّ أَمْرًا مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ لَهُ خَاصَّةً مِنْ صَفَايَاهُ ، وَمَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ ؛ فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَمَذْهَبُهَما فِي ذَلِكَ مَا قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ ، وَذَلِكَ الْأَخْذُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُسْبَلُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْبِلُهُ فِي حَيَاتِهِ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ وَعَامِلِهِ سَنَةً ثُمَّ يَجْعَلُ بَاقِيَهِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ . وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَكَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لِلْقَائِمِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ فِيمَا رَأَى مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِذَلِكَ أَقْطَعَهُ مَرْوَانَ ، وَفَعَلَ عُثْمَانُ هَذَا وَمَذْهَبُهُ هُوَ قَوْلِ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ ؛ كَانَا يَقُولَانِ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى وَسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَايَاهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ طُعْمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ حَيًّا ، فَلَمَّا تُوَفِّي صَارَ لِأُولِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ ، وَمِثْلُهُ : إِذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً فَقُبِضَ فَهِيَ لِلَّذِي يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَذْهَبَ رَاوِيهِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَيْفَ يَسُوغُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْعَ فَاطِمَةَ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِنَقْلِ الْكَافَّةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُعْطِي الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ حُقُوقَهُمْ وَلَمْ يَسْتَأْثِرْ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ وَلَا لِبَنِيهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا أَجْرَاهُ مَجْرَى الصَّدَقَةِ ، أَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ فِي الْعُقُولِ أَنْ يَمْنَعَ فَاطِمَةَ وَيَرُدَّهُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ؟ وَقَدْ أَمَرَ بَنِيهِ أَنْ يَرُدُّوا مَا زَادَ فِي مَالِهِ مُنْذُ وَلِيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ! وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَكَلْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبِسْنَا عَلَى ظُهُورِنَا مِنْ ثِيَابِهِمْ . وَرَوَى أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِعَائِشَةَ : لَيْسَ عِنْدَ آلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ اللُّقْمَةَ وَالْغُلَامُ الصَّيْقَلُ كَانَ يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدِمُنَا ، فَإِذَا مِتُّ فَادْفَعِيهِ إِلَى عُمَرَ . فَلَمَّا مَاتَ دَفَعْتُهُ إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ ! فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ سَكَنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي مَسَاكِنِهِنَّ اللَّاتِي تَرَكْهنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا إِنْ كُنَّ لَمْ يَرِثْنَهُ ؟ وَكَيْفَ لَمْ يَخْرُجْنَ عَنْهَا ؟ قِيلَ : إِنَّمَا تُرِكْنَ فِي الْمَسَاكِنِ الَّتِي كُنَّ يَسْكُنَّهَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ مُؤْنَتِهِنَّ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَاهَا لَهُنَّ ، كَمَا اسْتَثْنَى لَهُنَّ نَفَقَتَهُنَّ حِينَ قَالَ : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا نُورَثُ ، وَلَكِنِّي أَعْوُلُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُولُ ، وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَمَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : فَمَسَاكِنُهُنَّ كَانَتْ فِي مَعْنَى نَفَقَاتِهِنَّ فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِمَّا كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ . قَالُوا : وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ مَسَاكِنَهُنَّ لَمْ يَرِثْهَا عَنْهُنَّ وَرَثَتُهُنَّ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُنَّ كَانَ لَا شَكَّ قَدْ وَرِثَهُ عَنْهُنَّ وَرَثَتُهُنَّ . قَالُوا : وَفِي تَرْكِ وَرَثَتِهِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُنَّ مِلْكًا ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُن سُكْنَاهَا حَيَاتَهُنَّ ، فَلَمَّا تُوُفِّينَ جُعِلَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ نَفْعُهُ كَمَا فُعِلَ ذَلِكَ فِي الَّذِي كَانَ لَهُنَّ مِنَ النَّفَقَاتِ فِي تِرْكَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَضَيْنَ لِسَبِيلِهِنَّ زِيدَ إِلَى أَصْلِ الْمَالِ ، فَصُرِفَ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَعُمُّ جَمِيعَهُمْ نَفْعُهُ . وَفِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْفِقْهِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَعِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَتَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَرِثْ مِنْ دَاوُدَ مَالًا خَلَّفَهُ دَاوُدُ بَعْدَهُ ، وَإِنَّمَا وَرِثَ مِنْهُ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ ، وَكَذَلِكَ وَرِثَ يَحْيَى مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وَهَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يَعْنِي عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْفِقْهَ فِي الدِّينِ وَفَصْلَ الْقَضَاءِ وَعِلْمَ كَلَامِ الطَّيْرِ والدواب . وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَوَرِثَ سُلَيْمَانُ مِنْ دَاوُدَ النُّبُوَّةَ وَالْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْقَضَاءِ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الرَّوَافِضَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ؛ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يَرِثُنِي مَالِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ وَالْحِكْمَةَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَأْوِيلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ قَوْلٍ يُخَالِفُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْفَعُهُ فَهُوَ مَدْفُوعٌ مَهْجُورٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ النحاس قَالَ : قُرِئَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي . وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ النُّبُوَّةَ وَالْعِلْمَ وَالسِّيَاسَةَ وَلَمْ يُرِدِ الْمَالَ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَمْ يَقْتَضِ الْخَبَرُ عَنْ ذَلِكَ فَائِدَةً ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْأَبْنَاءَ يَرِثُونَ الْآبَاءَ أَمْوَالَهُمْ ، وَلَيْسَ مَعْلُومًا أَنَّ كُلَّ ابْنٍ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْمُلْكِ وَالْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ تَجْوِيزِ الْأَوْقَافِ فِي الصَّدَقَاتِ الْمُحَبَّسَاتِ ، وَأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْبِسَ مَالَهُ وَيُوقِفَهُ عَلَى سَبِيلٍ مِنْ سُبِلِ الْخَيْرِ يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الصَّدَقَةِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَقِفُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى مَبْلَغِهِ ; لِأَنَّ تَرْكَتهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَبْلَغِ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ ، وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْأَمْوَالِ وَاكْتِسَابِ الضِّيَاعِ وَمَا يَسَعُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَعُمَّالِهِ وَأَهْلِيهِمْ وَنَوَائِبِهِمْ ، وَمَا يَفْضَلُ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ فِي قَطْعِ الِاكْتِسَابِ المباح ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْمٌ فِي أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ كَمَا قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ ، وَهَذَا عِنْدِي مَحْمَلُهُ إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ حَوْلَ الْقَاضِي وَالْحَاكِمِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ مَنْ إِنِ احْتِيجَ إِلَى شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ كَانَ فِي شَهَادَتِهِ بَرَاءَةٌ وَثُبُوتُ حُجَّةٍ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْحَدِيثِ ، بَلْ سَمِعَهُ مَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُ ، وَلَوِ انْفَرَدَ بِهِ مَا كَانَ ذَلِكَ بِضَائِرٍ لَهُ وَلَا قَادِحٍ فِي مَعْنَى مَا جَاءَ بِهِ ; لِأَنَّهُ عِلْمٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ الْقَاضِي إِلَى شَهَادَةٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَيْسَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى شَاهِدٍ وَلَا بَيِّنَةٍ أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِنَا أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلَالَةً عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ .
1288 - حَدِيثُ ثَانِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا - كَانَ تَبَنَّى سَالِمًا الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ ، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ . فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ ، فَقَالَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ رُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوُهُ رُدَّ إِلَى مَوَالِيهِ . فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ - وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ مِنْ لُؤَيٍّ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فُضُلٌ ، وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ، فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا : أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا ، وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أختها أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ . وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَقُلْنَ : لَا وَاللَّهِ ، مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ ، لَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ . فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ . هَذَا حَدِيثٌ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ لِلِقَاءِ عُرْوَةَ عَائِشَةَ وَسَائِرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلِقَائِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ مُخْتَصَرَ اللَّفْظِ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْبَيْنَ ذَلِكَ ، وَيَقُلْنَ : إِنَّمَا كَانَتِ الرُّخْصَةُ فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيثَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَوْحٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، وَقِيلَ : عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرُوا فِي إِسْنَادِهِ عَائِشَةَ أَيْضًا ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثْنَاهُ أَبُو طَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ طَالِبٍ الْحَافِظُ مِنْ كِتَابِهِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ بِصَنْعَاءَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا - وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا وَمَعْنَاهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثله بمعناه سَوَاءً . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ قَدْ تَبَنَّى سَالِمًا - وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ : قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَنَّى سَالِمًا ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ سَالِمًا بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ . فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ رُدَّ كُلُّ أَحَدٍ يَنْتَمِي مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوَالِيهِ ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، فَقَالَتْ لَهُ فِيمَا بَلَغَنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلِيَّ وَأَنَا فُضُلٌ لَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لَهَا فِيمَا بَلَغَنَا : أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ فَتَحْرُمُ بِلَبَنِهَا . فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ . فَأَخَذَتِ بتلك الرَّضَاعَةَ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَبَنَاتَ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ لَهَا مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ، وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنْتَ سُهَيْلٍ مِنْ رَضَاعَةِ سَالِمٍ إِلَّا رُخْصَةً فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ النَّاسِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ . فَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ . وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ . وَقَالَ اللَّيْثُ : عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا عِنْدَنَا مَحْفُوظَةٌ ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْرِفُ مَنِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنُ عَايذِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَأَظُنُّهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ حَدِيثَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَاطِمَةَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَأَبَاهَا ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا هُنَاكَ فِي أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَشْرَ رَضَعَاتٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ - وَسَاقَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى قَوْلِ سَهْلَةَ : فَمَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ وَوَصَلَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، مِنْهُمْ مَعْمَرٌ وَعُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا . وَقَدْ رَوَى مَعْنَاهُ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ الْقَاسِمُ وَعَمْرَةُ عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ مُخْتَصَرًا ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارْثِ بْنِ مَالِكٍ . هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ فِي اسْمِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ : قَيْسُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فُضُلٌ فَإِنَّ الْخَلِيلَ ذَكَرَ قَالَ : رَجُلٌ مُتَفَضِّلٌ وَفُضُلٌ إِذَا تَوَشَّحَ بِثَوْبٍ فَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ . قَالَ : وَيُقَالُ : امْرَأَةٌ فُضُلٌ وَثَوْبٌ فُضُلٌ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ مُتَكَشِّفَةٌ بَعْضُهَا مِثْلُ الشَّعْرِ وَالْيَدِ وَالْوَجْهِ ، يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ كَيْفَ أَمْكَنَهَا ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : فُضُلٌ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ . وَقِيلَ : الْفُضُلُ الَّذِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَلَا إِزَارَ تَحْتَهُ . وَهَذَا أَصَحُّ ; لِأَنَّ انْكِشَافَ الصَّدْرِ مِنَ الْحُرَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى أَهْلِ الدِّينِ عِنْدَ ذِي مَحْرَمٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ ، لِأَنَّ الْحُرَّةَ عَوْرَةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا . وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا لِذِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَرَاهُ مِنْ نِسَائِهِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ فِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَقُولُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا لَدَى السِّتْرِ إِلَّا لُبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ هَكَذَا أَنْشَدَهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ نَضَتْ بِتَخْفِيفِ الضَّادِ ، وَيُقَالُ : نَضَوْتُ الثَّوْبَ أنْضُوهُ إِذَا نَزَعَتْهُ ، وَلَا يُقَالُ : أنْضَيْتُهُ . وَالَّذِي عَلَيْهِ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ رَضَاعَةُ الْكَبِيرِ وَالتَّحْرِيمُ بِهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ مِنْ بَيْنِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَلَتْ عَائِشَةَ حَدِيثَهَا هَذَا فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أختها أُمَّ كُلْثُومٍ وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا . وَصَنَعَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ بِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَمَرَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ فَأَرْضَعَتْهُ فَلَمْ تُتِمَّ رَضَاعَهُ ، فَلَمْ يُدْخِلْ عليها . ورأى غَيْرُهَا هَذَا الْحَدِيثَ خُصُوصًا فِي سَالِمٍ وَسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تُحَرِّمُ كَمَا تُحَرِّمُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ . وَكَانَ أَبُو مُوسَى يُفْتِي بِهِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يُسْأَلُ ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ : سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ مَا كُنْتُ رَجُلًا كَبِيرًا ، أَفَأَنْكِحُهَا ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : وَذَلِكَ رَأْيُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ عَطَاءٌ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِهِ بَنَاتِ أَخِيهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا إِرْضَاعُ الْكَبِيرِ كَمَا ذَكَرَ : يُحْلَبُ لَهُ اللَّبَنُ وَيُسْقَاهُ ، وَأَمَّا أَنْ تُلْقِمَهُ الْمَرْأَةُ ثَدْيَهَا كَمَا تَصْنَعُ بِالطِّفْلِ فَلَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِمَا يَشْرَبُهُ الْغُلَامُ الرَّضِيعُ مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ وَإِنْ لَمْ يَمُصَّهُ مِنْ ثَدْيِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي السَّعُوطِ بِهِ وَفِي الْحُقْنَةِ وَالْوُجُورِ ، وَفِي حِينِ يَصْنَعُ لَهُ مِنْهُ بِمَا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَكْرَهُ رَضَاعَ الْكَبِيرِ أَنْ أُحِلَّ مِنْهُ شَيْئًا . وَرَوَى عَنْهُ كَاتِبُهُ أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ فَقَالَتْ : إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَلَيْسَ لِي مَحْرَمٌ ! فَقَالَ : اذْهَبِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ تُرْضِعُكِ فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبًا لَكِ فَتَحُجِّينَ مَعَهُ . وَقَالَ بِقَوْلِ اللَّيْثِ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُلَيَّةَ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ وَسَهْلَةَ وَفَتْوَاهَا بِذَلِكَ وَعَمَلُهَا بِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ كَرَاهِيَةً ! قَالَ : فَأَرْضِعِيهِ . قَالَتْ : وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَلَسْتُ فَأَعْلَمُ أَنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ؟ ! فَأَرْضِعِيهِ . ثُمَّ أَتَتْهُ بَعْدُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا رَأَيْتُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ شَيْئًا أَكْرَهُهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَهْلَةَ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ ذُو اللِّحْيَةِ ! فَقَالَ لَهَا : أَرْضِعِيهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَدُخُولَهُ عَلَيْهَا ، فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ فَأَرْضَعَتْهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ بَعْدُ مَا شَهِدَ بَدْرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَنْ عَائِشَةَ لَا عَنْ سَهْلَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَا كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ سَالِمًا - لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ - مَعَنَا فِي الْبَيْتِ ، وَقَدْ بَلَغَ مَا بَلَغَ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ رَهْبَةً لَهُ ، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ فَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ ! قَالَ : مَا هُوَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : حَدِّثْ بِهِ عَنِّي أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ تُرِكَ قَدِيمًا وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، وَلَمْ يَتَلَقَّهُ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ عَلَى عُمُومِهِ ، بَلْ تَلَقَّوْهُ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّنْ قَالَ : رَضَاعُ الْكَبِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِمَّنْ رَوَيْنَاهُ لَكَ عَنْهُ وَصَحَّ لَدَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَائِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ؛ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ ، وَلَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا أشعث ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ أَخِي مَنِ الرَّضَاعَةِ ! فَقَالَ : انْظُرْنَ إِخْوَانَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ . وَرَوَاهُ عَنْ أَشْعَثَ هَذَا - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ بِمِثْلِ رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ سَوَاءً ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ مُسْنَدًا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ خِلَافُ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِالْأَمْصَارِ عَلَى هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْهِلَالِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ - أَوْ قَالَ : مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ . وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الرَّضَاعَةَ الْوَاحِدَةَ وَالْمَصَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُحَرِّمُ ; لِأَنَّهَا لَا تَشُدُّ عَظْمًا وَلَا تُنْبِتُ لَحْمًا فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا . وَحَدِيثُ وَكِيعٍ هَذَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُومِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ - فَذَكَرَهُ ، وَمِنْ أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَنْ يُوقِفُهُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَوَكِيعٌ حَافِظٌ حُجَّةٌ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُدَّةِ الْفِطَامِ ؛ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ . وَهَذَا لَفْظُهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَهُمُ الْفِطَامُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : الرَّضَاعُ حَوْلَانِ وَشَهْرٌ ، أَوْ شَهْرَانِ ، لَا يُنْظَرُ إِلَى رَضَاعِ أُمِّهِ إِيَّاهُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى الْحَوْلَيْنِ وَشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَإِنْ لَمْ تَفْصِلْهُ أُمُّهُ وَأَرْضَعَتْهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَأَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَالْأُمُّ تُرْضِعُهُ لَمْ تَفْطِمْهُ - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَكُونُ هَذَا رَضَاعًا ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إِلَى رَضَاعِ أُمِّهِ ، إِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إِلَى الْحَوْلَيْنِ وَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ فَصَلَتْهُ أُمُّهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ مِثْلُ أَنْ تُرْضِعَهُ لِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَتَفْطِمُهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ رَضَاعُهُ وَيَسْتَغْنِي عَنِ الرَّضَاعِ فَتُرْضِعُهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ رَضَاعًا إِذَا فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعِ . وَالْحُجَّةُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَوْلَيْنِ : لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ مَعَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَوْلَيْنِ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَهُمَا ، سَوَاءٌ فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ . وَقَالَ زُفَرُ : مَا دَامَ يَجْتَزِي بِاللَّبَنِ وَلَمْ يَطْعَمْ فَهُوَ رَضَاعٌ ، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثُ سِنِينَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا فُطِمَ لِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا رَضَعَ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ رَضَاعًا ، وَلَوْ أُرْضِعَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يُفْطَمْ كَانَ رَضَاعًا ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ : لَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ رَضَاعٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ : لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَلَوْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فِي حُكْمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِمَا إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ تَوْقِيفٍ مِمَّنْ يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ لِسَهْلَةَ فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ : أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ بِلَبَنِهَا ، هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : خَمْسَ رَضَعَاتٍ . فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَرْضِعِي سَالِمًا تَحْرُمِي عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ : فَأَرْضِعِيهِ ، لَمْ يَقُلْ خَمْسًا وَلَا عَشْرًا ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ : أَرْضِعِيهِ ، لَمْ يَقُلْ خَمْسًا وَلَا عَشْرًا ، وَلَيْسَ مَنْ أَجْمَلَ كَمَنْ أَوْضَحَ وَفَصَّلَ مَعَ حِفْظِ مَالِكٍ وَيُونُسَ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَفْتَتْ بِذَلِكَ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ : عَشْرَ رَضَعَاتٍ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ : خَمْسُ رَضَعَاتٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِ رَضَعَاتٍ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا يُصَحِّحُونَ عَنْ عَائِشَةَ فِي مَذْهَبِهَا الْعَشْرَ رَضَعَاتٍ ; لِأَنَّهُ تُرِكَ لِحَدِيثِهَا الْمَرْفُوعِ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضَعُ إلى أختها أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَتْ : أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ . قَالَ سَالِمٌ : فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ مَرِضَتْ ، فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ . فَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَصْحَابُنَا : إِنَّهَا تَرَكَتْ حَدِيثَهَا حَيْثُ قَالَتْ : نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ ، وَفِعْلُهَا هَذَا يَدُلُّ عَلَى وَهْيِ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَدَعَ النَّاسِخَ وَتَأْخُذَ بِالْمَنْسُوخِ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَذَهَبَ إِلَى أَنْ لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا دُونَهَا . وَالرَّضْعَةُ عِنْدَهُ مَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَهِيَ رَضْعَةٌ إِذَا قَطَّعَ ، فَإِنْ لَمْ يُقَطِّعْ وَلَمْ يُخْرِجِ الثَّدْيَ مِنْ فَمِهِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ . قَالَ : وَإِنِ الْتَقَمَ الثَّدْيَ قَلِيلًا قَلِيلًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً ، كَمَا لَوْ حَلَفَ الرَّجُلُ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا مَرَّةً فَأَكْلَ وَتَنَفَّسَ بَعْدَ الِازْدِرَادِ وَيَعُودُ فَيَأْكُلُ ، ذَلِكَ أَكْلُ مَرَّةٍ ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا بَعْدَ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ثُمَّ أَكَلَ كَانَتْ أَكْلَتَيْنِ . قَالَ : وَلَوِ أَنْفَدَ مَا فِي أَحَدِ الثَّدْيَيْنِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْآخَرِ فَأَنْفَدَ مَا فِيهِ كَانَتْ رَضْعَةً وَاحِدَةً . وَحُجَّتُهُ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ حَدِيثُ مَالِكٍ وَيُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوِفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ فِي الْقُرْآنِ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ مَذْهَبُهَا ، وَبِهِ كَانَتْ تُفْتِي وَتَعْمَلُ فِيمَنْ أَرَادَتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا عَشْرٌ وَسَبْعٌ ، وَلَا يَصِحُّ . وَرُدَّ حَدِيثُ نَافِعٍ بِأَنَّ أَصْحَابَ عَائِشَةَ - وَهُمْ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَعَمْرَةُ - يَرْوُونَ عَنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، لَا يَقُولُونَ عَشْرَ رَضَعَاتٍ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ ، وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ . وَجَعَلَهُ كَلَامًا خَرَجَ عَلَى جَوَابِ سَائِلٍ عَنِ الرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ ، فَأَجَابَهُ لَا يُحَرِّمَانِ ، كَمَا لَوْ سَأَلَ : هَلْ يُقْطَعُ فِي دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ ؟ كَانَ الْجَوَابُ : لَا قَطْعَ فِي دِرْهَمٍ وَلَا دِرْهَمَيْنِ . وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّ زِيَادَةٍ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ يُقْطَعُ فِيهَا لِمَا جَاءَ مِنْ تَحْدِيدِ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، فَكَذَلِكَ تَحْدِيدُ الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعَ ذِكْرِ الرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنْ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ ، وَتَوْقِيفُهُ أَصَحُّ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا كُلِّهِ ، وَجَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ مُفَسِّرًا لَهُ ، وَيُحَمِّلُهُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَاعْتِبَارًا بِقَطْعِ السِّرَاقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، قَالَ : فَبَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْضُ الْمُرْضِعَيْنِ دُونَ بَعْضٍ لَا مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ رَضَاعٍ كَمَا كَانَ الْمُرَادُ بَعْضَ السَّارِقِينَ دُونَ بَعْضٍ وَبَعْضَ الزُّنَاةِ دُونَ بَعْضٍ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ ثُمَّ صَارَ إِلَى خَمْسٍ ، فَلَيْسَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ . فَهَذَا مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ فِي الْعَشْرِ رَضَعَاتٍ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ ; لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ أَعْلَمُ مِنْ نَافِعٍ وَأَحْفَظُ لِمَا سْمَعُ وَوَعَى مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُدُ : لَا يُحَرِّمُ إِلَّا ثَلَاثُ رَضَعَاتٍ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ . وَحَدِيثُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُحَرِّمُ الْأمْلَاجَةُ وَلَا الْأمْلَاجَتَانِ ، قِيلَ : الْأمْلَاجَةُ الرَّضْعَةُ ، وَقِيلَ : الْمَصَّةُ . وَقَدْ رُوِيَ : لَا تُحَرِّمِ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ . قَالُوا : فَأَقَلُّ زِيَادَةٍ عَلَى الرَّضْعَتَيْنِ تُحَرِّمُ ، وَهِيَ الثَّلَاثُ . وَقَالَتْ حَفْصَةُ : لَا يُحَرِّمَ دُونَ عَشْرِ رَضَعَاتٍ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أُخْتِهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ فَفَعَلَتْ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرِيُّ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ : قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ فِي وَقْتِ الرَّضَاعِ . وَقَالَ اللَّيْثُ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِيمَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ فَرَدَّهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَنَا وَدَفَعُوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا ، وَهِيَ قَدْ أَضَافَتْهُ إِلَى الْقُرْآنِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِي الْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ ، وَرَدُّوا حَدِيثَ الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ بِأَنَّهُ مَرَّةٌ يَرْوِيهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَرَّةً عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَرَّةً عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ يُسْقِطُهُ عِنْدَهُمْ . وَحَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ وَأُمِّ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ أَضْعَفُ ، وَرَدُّوا حَدِيثَ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ أَيْضًا بِأَنَّ عُرْوَةَ كان يفتي بِخِلَافِهِ ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ مَا خَالَفَهُ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الرَّضَاعَةِ فَقَالَ : مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهِيَ تُحَرِّمُ . قَالَ : ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ : أَتَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ صَبِيٍّ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ لَبَنِ امْرَأَةٍ ، فَقَالَ لِي عُرْوَةُ : كَانَتْ عَائِشَةُ لَا تُحَرِّمُ بِدُونِ سَبْعِ رَضَعَاتٍ أَوْ خَمْسٍ . قَالَ : فَأَتَيْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : أَقُولُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ، وَلَكِنْ لَوْ دَخَلَتْ بَطْنَهُ قَطْرَةٌ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا دَخَلَتْ بَطْنَهُ حُرِّمَ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَيْنِ فَقَالَ : لَا يَصْلُحُ . فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَا يَرَى بِهِمَا بَأْسًا ! فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، يَقُولُ اللَّهُ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَرَوَى حَمَّادٌ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : أَمَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : لَا يَصْلُحُ . فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ - فَذَكَرَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّبَنِّي ، وَأَنَّ مَنْ تَبَنَّى صَبِيًّا كَانَ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ ، حَتَّى نَزَلَتِ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ فَنُسِخَ ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الِابْنِ الصَّحِيحِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى : أَنَا ابْنُ فُلَانٍ ، أَوْ يَكْتُبَ بِهَا شَهَادَتَهُ ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ : مَوْلَى فُلَانٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ
1279 - حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا - وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ ، قَالَتْ : فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ احْتِجَابَ النِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ النِّسَاءَ ، وَلَا يَسْتَتِرُ نِسَاؤُهُمْ عَنْ رِجَالِهِمْ إِلَّا بِمِثْلِ مَا كَانَ يَسْتَتِرُ رِجَالُهُمْ عَنْ رِجَالِهِمْ ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَاتُ الْحِجَابِ . وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ وَالسِّيَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ فِي هِدَاءِ زَيْنَبَ ، وَذَلِكَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَلَمَّا أَكَلُوا أَطَالُوا الْحَدِيثَ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَسْتَحِي مِنْهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ؛ يَقُولُ : غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ وَمُتَحَيِّنِينَ وَقْتَهَ ، يَعْنِي وَقْتَ الطَّعَامِ ، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَقُرِئَتْ : حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا . ثُمَّ نَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ فَأُمِرَ النِّسَاءُ بِالْحِجَابِ ، ثُمَّ أُمِرْنَ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ وَهُوَ الْقِنَاعُ ، وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ ذَوِي الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ لَا يُحْتَجَبُ مِنْهُمْ وَلَا يُسْتَتَرُ عَنْهُمْ إِلَّا الْعَوْرَاتُ ، وَالْمَرْأَةُ فِي مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا عَوْرَةٌ ; بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَقُبُلُ الرَّجُلِ وَدُبُرُهُ عَوْرَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الْفَخِذِ مِنَ الرَّجُلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبَيَّنَّا مَعَانِيَ الْعَوْرَةِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَفِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَنْ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الِاسْتِتَارُ عَنْهُ ، وَزِدْنَا ذَلِكَ بَيَانًا فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . وَجَرَى مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ذِكْرٌ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا لِابْنِ شِهَابٍ . وَأَوْضَحْنَا فِي بَابِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْمَعْنَى فِي الِاحْتِجَابِ وَالِاسْتِئْذَانِ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ جُمْلَةً وَمَا يَحِلُّ لِذِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَاتِ مَحَارِمِهِ وَمَا يَحِلُّ مِنْ ذَلِكَ لِلْعَبِيدِ الذُّكُورِ وَالْإِمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ بِأُمِّ سَلَمَةَ بَعِيرَهَا ، فَسَأَلَتْهُ : كَمْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ ؟ فَقَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ . قَالَتْ : فَهِيَ عِنْدَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : فَأَعْطِهَا فُلَانًا - قَالَ عَلَيٌّ : قَدْ سَمَّاهُ سُفْيَانُ فَذَهَبَ مِنْ كِتَابِي - وَأَلْقَتِ الْحِجَابَ وَقَالَتْ : عَلَيْكَ السَّلَامُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مَكَاتِبُ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ . وَفِيهِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعْنَى لَبَنِ الْفَحْلِ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ . مِثَالُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ الطفل فَيَكُونُ ابْنُهَا ابْنَ رَضَاعَةٍ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَيَكُونُ كُلُّ وَلَدٍ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ إِخْوَتَهُ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَقَالَ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ رَضَاعُهُمْ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ مِنَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، هُمْ كُلُّهُمْ إِخْوَةُ رَضَاعٍ بِإِجْمَاعٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي زَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ هَلْ يَكُونُ أَبًا لِلطِّفْلِ ؟ بِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ اللَّبَنِ الَّذِي بِهِ أُرْضِعَ ، وَهَلْ يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إِخْوَةَ الرَّضِيعِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ زَوْجَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَبٌ لِذَلِكَ الطفل ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ وَبِسَبَبِهِ وَمِنْهُ ، وَكُلُّ وَلَدٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا فَهُمْ إِخْوَةُ الصَّبِيِّ الْمُرْضَعِ ، وَهَذَا مَوْضِعُ التَّنَازُعِ . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بَيَانُ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ ; لِأَنَّ أَفْلَحَ الْمُسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضَاعٌ ، وَلَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ رَضَعَ مَعَ أَفْلَحَ هَذَا امْرَأَةً وَاحِدَةً لَمْ تَحْجُبْهُ عَائِشَةُ . وَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ وَلَا مِثْلُهَا مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا ، وَلَكِنْ لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لِأَبِيهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَجَبَتْهُ . وَكَانَتِ امْرَأَةُ أَخِيهِ أَبِي الْقُعَيْسِ قَدْ أَرْضَعَتْهَا فَصَارَتْ أُمَّهَا مِنَ الرَّضَاعِ ، وَزَوْجُهَا أَبُو الْقُعَيْسِ أَبًا لَهَا . فَلِهَذَا مَا صَارَ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ عَمَّهَا وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الرِّجَالَ يَكُونُ الرَّضَاعُ وَاللَّبَنُ مِنْ قِبَلِهِمْ أَيْضًا ، فَحَجَبَتْهُ حَتَّى أَعْلَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَلَا تَرَى مُرَاجَعَتَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا إِذْ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ! تَقُولُ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ أَخًا لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْنِي ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخُو زَوْجِهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ عَمُّكِ ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ كَانَ رَضِيعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَدْ كَابَرَ وَدَفَعَ الْآثَارَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ . قَالَ عُرْوَةُ : فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَنَرَى ذَلِكَ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ . قَالَ : فَلْيَلِجْ . فَقُلْتُ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ عَمُّكِ ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . وَكَانَتْ تَقُولُ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الحميدي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ ، فَأْذَنِي لَهُ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِيهِ أَنَّهَا قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ، لَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، هُوَ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ . وَقَدْ ذَكَرَ مَعْمَرٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : إِنِّي عَمُّكِ . فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَفَلَا أَذِنْتِ لِعَمِّكِ ؟ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ! قَالَ : فَأْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، قَالَ : وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَخَا زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ فَأَوْضَحَ الْمَعْنَى فِيهِ وَبَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ أَيْضًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حُبَابَةَ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ ابْنُ أَبِي قُعَيْسٍ فَلَمْ آذَنْ لَهُ ، فَقَالَ لِي : إِنِّي عَمُّكِ ، أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي ! قَالَتْ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : صَدَقَ ، هُوَ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ . وَمِمَّنْ قَالَ لَبَنُ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ ، وَالرَّضَاعُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ كَهُوَ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ شِهَابٍ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَأَرْضَعَتِ الْأُخْرَى غُلَامًا ، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ؟ فَقَالَ : لَا ؛ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّمُ لَبَنَ الْفَحْلِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَحُجَّتُهُمْ مَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهَا . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَمْرِ الرَّضَاعَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَنَزَلَ بِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَزْوَاجِهِمْ - مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ - فَاسْتُفْتُوا فِي ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ ؛ فَأَمَّا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ فَفَارَقُوا نِسَاءَهُمْ . وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَثْلَهُ ، وَزَادَ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا شَدِيدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِمَّنْ قَالَ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَخُوهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَمَكْحُولٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ - وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ - وَأَبُو قِلَابَةَ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَقَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الرَّضَاعَةِ فِي شَيْءٍ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَلَا تَكُونُ الرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ بِحَالٍ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُفْتِي بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي الْقُعَيْسِ ، رَوَى ذَلِكَ عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْذَنُ لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا وَلَا تَأْذَنُ لِمَنْ أُرْضِعُهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا وَنِسَاءُ بَنِي أَخِيهَا . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا ، وَلَا تُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ قَالَ : قَدِمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدِينَةَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ هِشَامٍ ، فَذَكَرَ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ وَقَدْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَخِيهِ ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ ، فَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : فَهَلَّا أَذِنْتِ لَهُ ؟ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . فَفَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِذَلِكَ ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَكَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَأْذَنُ لِمَنْ أَرْضَعَ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ أَخِيهَا عَلَيْهَا وَلَا تَأْذَنُ لِمَنْ أَرْضَعَ نِسَاءَ أَخِيهَا وَبَنِي أَخِيهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ - مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَبَنِ الْفَحْلِ فَقَالَ : يَكْرَهُهُ نَاسٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَلَا يَكْرَهُهُ آخَرُونَ ، وَكَانَ مَنْ كَرِهَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّنْ لَمْ يَكْرَهْهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مَاهَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لَبَنَ الْفَحْلِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا لَبَنَ الْفَحْلِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لَبَنَ الْفَحْلِ . وَوَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَعَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ لَبَنِ الْفَحْلِ ، فَقَالُوا : مَا كَانَ مِنَ الرَّضَاعِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ قَالَ : أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَجَعَلَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : وَمَا بَأْسُ هَذَا ؟ ! وَمَنْ يَكْرَهُ هَذَا ؟ قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ ، وَمَنْ كَرِهَهُ فِي أَنْفُسِنَا أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكْرَهْهُ . وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ فَقَالَ : مَنْ كَرِهَهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ لَمْ يَكْرَهْهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَخٌ مِنْ مُزَيْنَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَأَرْضَعَتِ امْرَأَةُ الْمُزَنِيِّ ابْنَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَتَزَوَّجَهَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِذْ ذَاكَ حَيَّانِ لَا يُنْكِرَانِ . قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِلَبَنِ الْفَحْلِ بَأْسًا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : لَا بَأْسَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : حَدِيثُ أَبِي الْقُعَيْسِ مُضْطَرِبٌ ، يَقُولُ فِيهِ الزُّهْرِيُّ : أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَهُوَ الْمُسْتَأْذِنُ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو : إِنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ كَانَ ذَلِكَ . وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَهَذَا اضْطِرَابٌ - قِيلَ لَهُ : هَذَا اضْطِرَابٌ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِالْحَدِيثِ وَالْمُرَادَ مِنْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْأَثَرِ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ مَنْ كَانَ مِنْهُمَا ، فَزَوْجَةُ أَخِيهِ هي الْمُرْضِعَةُ لِعَائِشَةَ وَصَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ عَمًّا لَهَا . وَسَوَاءٌ سُمِّيَ أَوْ لَمْ يُسَمَّ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَفْلَحُ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ وَابْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ; لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْقُعَيْسِ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ مَا يَتَدَافَعُ . وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو إنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ فَأَظُنُّهُ وَهْمًا ، وَابْنُ شِهَابٍ فِيمَا نَقَلَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا نَزَعَ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ . وَكَذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ; لِأَنَّ لَهَا أَنَّ تَأْذَنَ لِمَنْ شَاءَتْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا وَتَحْجُبُ مَنْ شَاءَتْ ، وَلَوْ صَحَّ عَنْهَا هَذَا وَذَاكَ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَى السُّنَّةِ أَوْلَى ، لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا وَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا أَوْلَى . كَمَا صَارَ مَنْ خَالَفَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى مَا رَوَتْهُ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَقَصْرِهَا ، وَلَمْ يَصِرْ إِلَى إِتْمَامِهَا هِيَ فِي السَّفَرِ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ حَجَبَتْ مَنْ حَجَبَتْ مِمَّنْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ إِلَّا بِخَبَرِ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ . وَبِمِثْلِ ذَلِكَ عَلِمْنَا حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ أَبِي الْقُعَيْسِ ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِالسُّنَّةِ إِذَا نَقَلَهَا الْعُدُولُ وَلَمْ يَجُزْ لَنَا تَرْكُهَا بِغَيْرِ سُنَّةٍ ، فَافْهَمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : كُلُّ مَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِشُبْهَةٍ فِي وَطْءٍ أَوْ نِكَاحٍ صَحِيحٌ فَاللَّبَنُ لَهُ يُحَرَّمُ مِنْ قِبَلِهِ ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ وَلَمْ يَقَعْ لَهُ دَرْؤُهُ بِشُبْهَةٍ فَلَيْسَ بِأَبٍ وَلَا فَحْلٍ مُرَاعًى لَبَنُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى لَهُ نَسَبٌ ، فَكَيْفَ رَضَاعٌ ؟ ! قَالَ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقُولُ ذَلِكَ ، يَعْنِي ابْنَ الْمَاجِشُونِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً مَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، فَقَطَعَ النَّسَبَ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ لَبَنِ الَّذِي يَطَأُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ فِي بَابِ أَبِي الْأَسْوَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
1671 - حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةٌ لِلَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا . فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ مَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَرْكُ الْإِلْحَاحِ فِيهِ إِذَا لَمْ يَضْطَرَّ إِلَيْهِ ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْيُسْرِ أَبَدًا ، فَإِنَّ الْيُسْرَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، قَالَ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَفِي مَعْنَى هَذَا الْأَخْذُ بِرُخَصِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُخَصِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأَخْذُ بِرُخَصِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ خَطَأً بَيِّنًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَفِي بَابِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . رَوَيْنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالسَّعَةِ مَا لَمْ يَخَفِ الْمَأْثَمَ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : إِنَّمَا الْعِلْمُ أَنْ تَسْمَعَ بِالرُّخْصَةِ مِنْ ثِقَةٍ ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحَسِّنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ الِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ وَيَعْفُوَ ، وَيَأْخُذَ بِالْفَضْلِ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَأَسَّى بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يُطِقْ كُلًّا فَبَعْضًا ، وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ ، قَالَ اللَّهُ عِزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ خُلُقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . وَعَلَى الْعَالَمِ أَنْ يَغْضَبَ عِنْدَ الْمُنْكَرِ وَيُغَيِّرَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ ، وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَحْكُمَ لَهَا وَلَا لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا رَوَاهُ مَنْصُورٌ بن المعتمر عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِرًا مِنْ ظُلَامَةٍ ظَلَمَهَا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ قَطُّ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا ، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَصِرُ ، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُصَابُ بِهِ إِلَّا أَنْ تُصَابَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا .
250 - حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ الِاجْتِمَاعُ فِي النَّافِلَةِ وَأَنَّ النَّوَافِلَ إِذَا اجْتُمِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى سُنَّتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأَذَانَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لِذُكِرَ وَنُقِلَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ فِي النَّافِلَةِ فَأَغْنَى عَنِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مَرْغُوبٌ فِيهَا ، وَلَمْ يَسُنَّ مِنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذْ أَحْيَاهَا إِلَّا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقَامَهَا لِلنَّاسِ وَأَحْيَاهَا وَأَمَرَ بِهَا ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ شَيْءٌ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لَهُ وَفَضَّلَهُ بِهِ ، وَلَمْ يُلْهِمْ إِلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ وَأَشَدَّ سَبْقًا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ بِالْجُمْلَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا لَيْسَتْ لِصَاحِبِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ، وَأَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَقْرَأهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَصْلَةً أَفْرَدَهُ بِهَا لَمْ يَلْحَقْهُ فِيهَا صَاحِبُهُ ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْتَحْسِنُ مَا فَعَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ وَيُفَضِّلُهُ ، وَيَقُولُ : نُورُ شَهْرِ الصَّوْمِ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ وَعَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو وَأَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِي ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِثْلَهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ ، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَذْكُرْهُ إِلَّا أَبُو قِلَابَةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَيْرُ مَحْفُوظٍ لمالك عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو قِلَابَةَ ثِقَةٌ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ثِقَةٌ ، وَالْحَدِيثُ غَرِيبٌ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ : هَؤُلَاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِهِمْ ، وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَابُوا ، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا . فَقَدْ أَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَا أَقَرَّ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَهُ ، وَذَلِكَ سُنَّةٌ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ عَائِشَةَ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : صُمْنَا - يَعْنِي رَمَضَانَ - فَلَمْ يَقُمْ بِنَا - يَعْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ . قَالَ : فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ . فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ ابْنُ حُبَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ يَقُولُ : قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السُّحُورَ . فَهَذِهِ الْآثَارُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهَا تَفْسِيرٌ لَهُ وَعِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ وَاللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عَدَدِ قِيَامِ رَمَضَانَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : تِسْعُ وَثَلَاثُونَ بِالْوِتْرِ ; سِتٌّ وَثَلَاثُونَ ، وَالْوِتْرُ ثَلَاثٌ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ : عِشْرُونَ رَكْعَةً سِوَى الْوِتْرِ ، لَا يُقَامُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا اسْتِحْبَابًا ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةً ، يَقْرَءُونَ بِالْمِئِينَ وَيَنْصَرِفُونَ فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ . رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . قَالَ : وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . وَغَيْرُهُ يَقُولُ فِيهِ : إِحْدَى وَعِشْرِينَ . وَقَدْ رَوَى الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ دَنَا فَرُوعُ الْفَجْرِ ، وَكَانَ الْقِيَامُ عَلَى عَهْدِهِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ لِلْوِتْرِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ أَخْبَرَهُمْ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ قَالَ : جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، فَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُوتِرُ بثلاث رَكَعَاتٍ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُوتِرُ بثلاث لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ مِثْلَ الْمَغْرِبِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الْوِتْرِ فِي بَابِ نَافِعٍ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنْ المذاهب مُمَهَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ ، إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى أَبِي شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ جَدِّ بَنِي أَبِي شَيْبَةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ . وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَهَذَا أَيْضًا سِوَى الْوِتْرِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْقِيَامِ مَعَ النَّاسِ أَوِ الِانْفِرَادِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَانَ رَبِيعَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي بَيْتِهِ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَى مَا كَانَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْفَضْلِ . وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي النَّضِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ وَإِبْرَاهِيمَ وَنَافِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ قَامُوا فِي رَمَضَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِيهِمْ كُلِّهِمْ حَتَّى يُتْرَكَ الْمَسْجِدُ لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَقُومُوا فِيهِ ; لِأَنَّ قِيَامَ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ ، وَهُوَ مِمَّا بَيَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهِ . قَالَ اللَّيْثُ : فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِي بَيْتِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ اللَّيْثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; فَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَبَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ - كُلُّهُمْ قَالُوا : الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَأَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ التَّرَاوِيحَ كُلَّهَا - يَعْنِي الْأَشْفَاعَ إِلَى آخِرِهَا - وَيُوتِرُ مَعَهُمْ ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كَانَ جَابِرٌ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي جَمَاعَةٍ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : لَأَنْ أُصَلِّيَ مَعَ إِمَامٍ يَقْرَأُ بِـ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ مِائَةَ آيَةٍ فِي صَلَاتِي وَحْدِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ فَكَرِهَهَا ، فَذَكَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ : هَذَا بَاطِلٌ ، وَإِنَّمَا فِيهِ رُخْصَةٌ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ . قَالَ أَحْمَدُ : وَفِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَرَاهِيَتُهُ ؛ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ أَتُصَلِّي وَإِمَامُكَ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا ! وَقَالَ : مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَرَى أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ - فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَذَكَرَ سَائِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَكُلُّ مَا فِي كِتَابِي هَذَا عَنِ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَبِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : مَرَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهَا الْقَنَادِيلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : قِيَامُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاسِ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ ، فَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنِ انْفَرَدَ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْكِفَايَةِ . قَالَ : وَكُلُّ مَنِ اخْتَارَ التَّفَرُّدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يُقْطَعَ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَأَمَّا التَّفَرُّدُ الَّذِي يُقْطَعُ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَامُ فِي رَمَضَانَ تَطَوُّعٌ ، وَكَذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ ، وَقَدْ خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ ، فَمَنْ أَوْجَبَهُ فَرْضًا أَوْقَعَ مَا خَشِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَافَهُ وَكَرِهَهُ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فَقَدْ عَلِمْنَا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ ، إِلَّا أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُقَامَ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ وَاسْتِدْلَالًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا قَامَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ فَالْأَفْضَلُ عِنْدِي حِينَئِذٍ حَيْثُ تُصْلِحُ لِلْمُصَلِّي نِيَّتَهُ وَخُشُوعَهُ وَإِخْبَاتَهُ وَتَدَبُّرَ مَا يَتْلُوهُ فِي صِلَاتِهِ ، فَحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ سُنَّةِ عُمَرَ فَهُوَ أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
101 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنَ الْجَنَابَةِ . هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، إِلَّا أَنَّهُمَا زَادَا فِيهِ : وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ بِمِثْلِ إِسْنَادِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ الْفَرَقُ ، فَأَتَيَا بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَذَكَرَا فِيهِ الْفَرَقَ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ذِكْرُ الْفَرَقِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ وَهُوَ الْفَرَقُ ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، فَأَتَى بِحَدِيثَيْ مَالِكٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَهِشَامٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ وَهُوَ الْفَرَقُ ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ قَدْرُ الْفَرَقِ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَخَالَفَ جَمِيعَهُمْ فِي إِسْنَادِهِ وَجَعَلَهُ عَنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ عَنْ عُرْوَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ مَعَهُ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَظُنُّ الْفَرَقَ يَوْمَئِذٍ خَمْسَةَ أَقْسَاطٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَدْرِي مَا أَرَادَ ابْنُ شِهَابٍ بِالْقِسْطِ وَلَا مَا كَانَ مِقْدَارُهُ عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَالْقِسْطُ عِنْدَهَا الْحِصَّةُ وَالْمِقْدَارُ ، كَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْفَرَقُ مِكْيَالٌ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : الْفَرَقُ مِكْيَالٌ مِنْ خَشَبٍ ، كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ : إِنَّهُ يَسَعُ خَمْسَةَ أَقْسَاطٍ بِأَقْسَاطِ بَنِي أُمَيَّةَ . وَفَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى عَنِ ابْنِ كِنَانَةَ الْفَرَقَ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ ، قَالَ الْأَعْشَى : وَالثَّلَاثَةُ أَصْوُعٍ خَمْسَةُ أَقْسَاطٍ ، وَفِي الْخَمْسَةِ أَقْسَاطٍ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : قَالَ لِي عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : قَالَ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي الْفَرَقِ أنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا . وَقَالَ مُوسَى الْجُهَنِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ أَتَى بِقَدَحٍ - حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ - فَقَالَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنِ الْفَرَقِ كَمْ هُوَ ؟ قَالَ : ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَعْشَى قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ فِي مِقْدَارِ الْفَرَقِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَبَعِيدٌ ، وَقَوْلُ أُولَئِكَ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى فِي الْمُوَطَّأِ الْفَرَقَ وَالْفَرْقَ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَحَرَكَتِهَا ، وَرِوَايَةُ يَحْيَى بِالْإِسْكَانِ وَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ تَرْكُ التَّحْدِيدِ فِيمَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ ، وَأَنَّ فَضْلَ الْمَرْأَةِ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ ، وَسَنَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَوَجْهَ الصَّوَابِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : إِنْ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لَيَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ الِاثْنَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ وَلَا تَوْقِيفَ فِيمَا يَكْفِي الْمُغْتَسِلَ وَالْمُتَوَضِّئَ مِنَ الْمَاءِ ، وَحَسْبُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَاءِ عَلَى مَا يَغْسِلُ مِنَ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا وَعَلَى مَا يَمْسَحُ مَسْحًا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ ، وَأَنَّ الْإِسْرَافَ فِيهِ مَذْمُومٌ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الْمَاءِ ، وَهَذَا مَا سِيقَ هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْكَارًا عَلَى أُولَئِكَ الطَّائِفَةِ ; لِأَنَّهُ مَذْهَبٌ ظَهَرَ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ وَسُئِلَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ ، وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا تَرَى . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : الصَّاعُ طَاسٌ يُشْرَبُ بِهِ ، وَالْمَكُّوكُ مِكْيَالٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ : تَمَارَيْنَا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ جَابِرٍ ، فَقَالَ جَابِرٌ : يَكْفِي لِلْغُسْلِ صَاعٌ مِنْ مَاءٍ . قُلْنَا : مَا يَكْفِي صَاعٌ ، وَلَا صَاعَانِ . فَقَالَ جَابِرٌ : قَدْ كَانَ يَكْفِي مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكُمْ وَأَكْثَرَ شَعْرًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ، وَهِيَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَلَيْسَتْ أَسَانِيدُهَا مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَالَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ مَا يَكْفِي الْجُنُبَ مِنَ الْمَاءِ حَدِيثُ الْفَرَقِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا إِنَّمَا رُوِيَتْ إِنْكَارًا عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ ، وَجُمْلَتُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِيمَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ لَا يُكَالُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ ؛ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ ، وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْفَرَقِ ، لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُكَالُ الْمَاءُ لِوُضُوءٍ وَلَا لِغُسْلٍ ، لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَلَوْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يُتَجَاوَزُ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا ، مَا كَرِهُوا الْكَيْلَ ، بَلْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَكْرَهُونَهُ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يَقُولُ : صَاعٌ لِلْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَالَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : كَمْ بَلَغَكَ أَنَّهُ يَكْفِي الْجُنُبَ ؟ قَالَ : صَاعٌ مِنْ مَاءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَالَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَرَجُلا مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَكْفِي الْإِنْسَانَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : إِنَّ لِي تَوْرًا يَسَعُ مُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ أَوْ نَحْوَهُمَا وَأَغْتَسِلُ بِهِ فَيَكْفِينِي وَيَفْضَلُ مِنْهُ فَضْلٌ . فَقَالَ الرَّجُلُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَنْثِرُ بِمُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ . فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَلْعَبُ بِكَ ! فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : وَإِنْ لَمْ يَكْفِنِي ؟ فَإِنِّي رَجُلٌ - كَمَا تَرَى - عَظِيمٌ ! فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ . فَقَالَ : إِنَّ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ قَلِيلٌ ! فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : فَصَاعٌ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : وَقَالَ لِي سَعِيدٌ : إِنَّ لِي لَرَكْوَةً أَوْ قَدَحًا مَا يَسَعُ إِلَّا نِصْفَ الْمُدِّ وَنَحْوَهُ ، وَإِنِّي لَأَتَوَضَّأُ مِنْهُ ، وَرُبَّمَا فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : وَأَنَا يَكْفِينِي مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هَكَذَا سَمِعْنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأُتِيَ بِقَدْرِ نِصْفِ مُدٍّ وَزِيَادَةِ قَلِيلٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ . قَالَ : وَسَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - أَيُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ مُدٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا أَحْسَنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ . قُلْتُ : فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْأَسْفَارِ رُبَّمَا ضَاقَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ ، أَفَيُجْزِئُ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَقَلَّ مِنَ الْمُدِّ ؟ قَالَ : إِذَا أَحْسَنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهُ . ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا يَمْسَحُ ، إِنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ لَيْسَ هُوَ الْمَسْحُ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ غَسْلًا فَإِنَّ مُدًّا أَوْ أَقَلَّ أَجْزَأَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا إِلَّا مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
940 - حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا . قَالَتْ : فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ . قُلْتُ : فَفَعَلْتُ ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ ، فَقَالَ : هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ . فَطَافَ الَّذِينَ أهلوا بالعمرة بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مَنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَّلُوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - هَكَذَا - قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، حَرْفًا بِحَرْفٍ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي إِسْنَادِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ : بِمِثْلِ ذَلِكَ عَطْفًا عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا ذَكَرْنَا لَفْظَهُ وَسِيَاقَتَهُ هُنَا ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُتَابِعْ يَحْيَى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ - فِيمَا عَلِمْتُ - وَلَا غَيْرِهِمْ عَنْ مَالِكٍ ، أَعْنِي إِسْنَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْمَتْنِ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ - كَمَا ذَكَرْنَا - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَّلُوا بِالْحَجِّ - فَلَمْ يَذْكُرُوهُ ، وَقَالُوا : وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ . وَرَوَوْا كُلُّهُمْ - وَيَحْيَى مَعَهُمْ - عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ . وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَنَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَحَصَلَ لِيَحْيَى حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادَيْنِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ وَسَائِرِ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ . وَمِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ طَائِفَةٌ اخْتَصَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَجَاءَتْ بِبَعْضِهِ وَقَصَّرَتْ عَنْ تَمَامِهِ وَلَمْ تَقُمْ بِسِيَاقَتِهِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمُوسَى بْنُ دَاوُدَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ أَبُو الْمُطَرِّفِ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَلْفَاظُهُمْ أَيْضًا مَعَ اخْتِصَارِهِمْ لِلْحَدِيثِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ أهلوا بالعمرة طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ ، وَالَّذِينَ قَرَنُوا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا . وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ لَبُّوا مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُوفُوا حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنًى . وَلَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ لَمْ يَطُوفُوا حَتَّى رَمَوُا الْجَمْرَةَ . وَلَفْظُ ابْنِ وَهْبٍ حِينَ اخْتَصَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَاعْتَمَرْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ . فَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ الْمُخْتَصَرَةُ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ بِتَمَامِهِ كَمَا رَوَاهُ سَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ . وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِتَمَامِهِ أَوْ مُخْتَصَرًا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، إِلَّا يَحْيَى صَاحِبَنَا فَإِنَّهُ رَوَاهُ بِإِسْنَادَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - فَأُعْضِلَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ هَذَا عَنْ القعنبي عن مَالِكٍ ، وَذَكَرَه الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ القعنبي عن مَالِكٍ ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التِّنِّيسِيِّ عَنْ مَالِكٍ . وَرِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ أَتَمُّ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى أَيْضًا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ، وَإِنَّمَا فِي رِوَايَتِهِمْ كُلِّهِمْ : وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ ، وَذَكَرَهُ يَحْيَى بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا وَصَفْنَا . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإثَرِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرَا طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ، وَذَكَرَا طَوَافَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَةٍ ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا . فَحِضْتُ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ : إِنِّي كُنْتُ قَدْ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي ؟ فَقَالَ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ . فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنْهَا . هَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَا طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ . وَأَمَّا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ فَحَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ : أَخْبَرْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعُمْرَةٍ ، وَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ ، فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَلَمْ أَطْهُرْ بَعْدُ ، وَكُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِالْعُمْرَةِ ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ . قَالَتْ : فَفَعَلْتُ ، حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي وَنَفَرَ النَّاسُ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنْهَا . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَاخْتَصَرَهُ ، وَلَكِنَّهُ جَوَّدَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، أَخْبَرَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يُفَسِّرُ رِوَايَةَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ - أَنَّهَا إِنَّمَا أَرَادَتْ نَفْسَهَا لَا رَسُولَ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَالِكٌ أَحْسَنُ النَّاسِ سِيَاقَةً لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِي حَدِيثِهِ مَعَانٍ قَصُرَ عَنْهَا غَيْرُهُ ، وَكَانَ أَثْبَتَ النَّاسِ فِي ابْنِ شِهَابٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَفِي حَدِيثِهِ هَذَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ التَّمَتُّعَ جَائِزٌ وَأَنَّ الْإِفْرَادَ جَائِزٌ وَأَنَّ الْقِرَانَ جَائِزٌ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ كُلًّا ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ فِي حَجَّتِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، بَلْ أَجَازَهُ لَهُمْ وَرَضِيَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ مُحْرِمًا يَوْمَئِذٍ ، وَفِي الْأَفْضَلِ مِنَ الثَّلَاثَةِ لْا وْجُهِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ - مِنْهُمْ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ مُفْرِدًا ، وَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ . قَالَ : وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ - قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ سَوَاءً ، وَقَالُوا فِيهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَمَّا أَنَا فَأَهِلُّ بِالْحَجِّ . وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ ، وَهُوَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالْإِفْرَادِ وَفَضَّلَهُ . وَقَدْ رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ بِالْحَجِّ . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ بِحَجٍّ مُفْرَدًا . وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ كَذَلِكَ . وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ مُفْرِدًا . وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَمَلَا بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَا الْآخَرَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا عَمِلَا بِهِ . وَاسْتَحَبَّ أَبُو ثَوْرٍ الْإِفْرَادَ أَيْضًا وَفَضَّلَهُ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ وَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْهِ عَنْهُ ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ . وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَقَالُوا : ذَلِكَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : الْإِفْرَادُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّمَتُّعِ ثُمَّ الْقِرَانُ . وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ : التَّمَتُّعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْإِفْرَادِ وَمِنَ الْقِرَانِ . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَفْضِيلِ التَّمَتُّعِ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ ؟ تُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَلْ أُمَّكَ يَا عُرَيَّةُ . فَقَالَ عُرْوَةُ : أَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ يَفْعَلَا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذِّبَكُمُ اللَّهُ ، نُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ! وَبِحَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ . وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ . قَالَ عُقَيْلٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ خَبَرِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي تَمَتُّعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمُتْعَةِ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ . وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتْعَةَ الْحَجِّ . وَبِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ ، رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدٍ ، وَرَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدٍ . وَبِحَدِيثِ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ . وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَسَأَلَهُ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : حَسَنٌ جَمِيلٌ . قَالَ : فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا ! فَقَالَ : وَيْلُكَ ! فَإِنْ كَانَ أَبِي يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِهِ ! أَفَبِقَوْلِ أَبِي آخُذُ أَمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُمْ عَنِّي . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ : تَمَتَّعْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالُوا : لَسُنَّةُ نَبِيِّكَ . وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ : تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي عَنْهَا أُنَاسٌ ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ يَعْنِي التَّمَتُّعَ . وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، مِنْهَا حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ ، وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ ، وَعُمَرُ حَتَّى مَاتَ ، وَعُثْمَانُ حَتَّى مَاتَ ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ لَيْثٍ هَذَا مُنْكَرٌ ، وَهُوَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ؛ ضَعِيفٌ . وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ وَضَرَبَ عَلَيْهَا فَسْخُ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ ، فَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَلَا . وَزَعَمَ مَنْ صَحَّحَ نَهْيَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِيُنْتَجَعَ الْبَيْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي الْعَامِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا عُمَرُ لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ مَالُوا إِلَى التَّمَتُّعِ لِيَسَارَتِهِ وَخِفَّتِهِ ، فَخَشِيَ أَنْ يَضِيعَ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ لَتُخَالِفُ أَبَاكَ ! فَقَالَ : إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلِ الَّذِي تَقُولُونَ ، إِنَّمَا قَالَ عُمَرُ : أَفْرِدُوا الْحَجَّ مِنَ الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِلْعُمْرَةِ ؛ أَيْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي شُهُورِ الْحَجِّ إِلَّا بِهَدْيٍ . وَأَرَادَ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ شُهُورِ الْحَجِّ فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا وَعَاقَبْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ وَعَمِلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ : كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ عُمَرُ ؟ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي اخْتِيَارِ التَّمَتُّعِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً ، وَالْأَحَادِيثُ فِي التَّمَتُّعِ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَقَالَ آخَرُونَ : الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : لِأَنَّهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضَيْنِ جَمِيعًا . وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، قَالَ إِسْحَاقُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَارِنًا ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقِرَانُ أَفْضَلُ ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ ، ثُمَّ الْإِفْرَادُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ سَوَاءٌ ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ . وَاحْتَجَّ مَنِ اسْتَحَبَّ الْقِرَانَ وَفَضَّلَهُ بِآثَارٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ : صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ : عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ . رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، سَمِعَ عُمَرَ ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ . وَحَدَّثَنَا الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ الصُّبَيُّ : أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ حَدِيثٌ كُوفِيٌّ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، وَرَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ عُمَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عُمَرَ . رَوَاهُ هَكَذَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عُمَرَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ وَسَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ ، وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ عُمَرَ ، وَهَؤُلَاءِ جَوَّدُوهُ وَهُمْ أَحْفَظُ ، وَرَوَاهُ عَنِ الصُّبَيِّ مَسْرُوقٌ وَأَبُو وَائِلٍ . وَمِنْهَا حَدِيثُ حَفْصَةَ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا . وَرَوَاهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا . قَالَ بَكْرٌ : فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ لِي : بِالْحَجِّ وَحْدَهُ . فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ : مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا ، أَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ ، وَفِيهِمَا نَظَرٌ ، وَيَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّمَتُّعِ أَنَّهُ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنْ مَكَّةَ . وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : إِنِّي أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُكَ بِهِ ; اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِمَا كِتَابٌ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ فِيهِمَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ . وَهَذَا قَدْ تَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى التَّمَتُّعِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ; أَيْ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ مَا يُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، رَوَى الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَجُلٌ بَعْدُ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ . وَمِنْهَا رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَعُثْمَانُ يَنْهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ . قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلَيٌّ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ : لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا . فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : تَرَانِي أَنْهَى عَنْهُا وَتَفْعَلُهَا ! فَقَالَ عَلِيٌّ : لَمْ أَكُنْ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ ذَلِكَ فَصَارَ سُنَّةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَالْإِفْرَادُ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى نَهْيِ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِمَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَنْ فَهِمَ . وَلَمْ يَكُنْ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ فِي شَيْءٍ مِنْ حَجِّ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى الْإِفْرَادِ ، وَكَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسِّيَرِ فِي ذَلِكَ . وَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُفْرِدًا ، فَلِذَلِكَ قُلْتُ : إِنَّهُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ آثَارَهُ أَصَحُّ عَنْهُ فِي إِفْرَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَكْثَرُ عَمَلًا ثُمَّ الْعُمْرَةَ عَمَلٌ آخَرٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ طَاعَةٌ ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهَا أَفْضَلُ . وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا فِي هَذَا الْبَابِ ؛ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا قَالَتْ : فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ . وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ يُجِيزُونَ لغير الطاهر الطَّوَافَ وَيَرَوْنَ عَلَى مَنْ طَافَ غَيْرَ طَاهِرٍ مِنْ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ دَمًا وَيَجْزِيهِ طَوَافُهُ . وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا يُجْزِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَتِهِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ : اصْنَعِي كُلَّ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ . وَأَنَّهُ قَالَ فِي صَفِيَّةَ : أَحَابِسَتَنَا هِيَ ؟ قِيلَ : إِنَّهَا قَدْ طَافَتْ . قَالَ : فَلَا إِذَنْ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّ فِيهَا النُّطْقَ ، وَقَالَ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ . وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ يَجُوزُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ ، فَكَذَلِكَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَدَعِي عَمَلَ الْعُمْرَةِ ؛ يَعْنِي الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى وَاسْكُتِي عَنِ الْعُمْرَةِ ، وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ ؛ أَيِ أمْسِكِي عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ ، لَا أَنَّهُ أَمْرٌ بِرَفْضِهَا وَابْتِدَاءِ الْحَجِّ وَإِنْشَائِهِ كَمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي يَدْفَعُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ مَا ذَكَرْنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أن المعتمر لَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ . وَأَمَّا الْمُعْتَمِرَةُ يَأْتِيهَا حَيْضُهَا قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيُدْرِكَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ تَطُفْ ، أوَ الْمُعْتَمِرُ يَقْدَمُ مَكَّةَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ فَيَخَافُ فَوَاتَ عَرَفَةَ إِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْحَائِضِ الْمُعْتَمِرَةِ تَخْشَى فَوَاتَ عَرَفَةَ أَنَّهَا تُهِلُّ بِالْحَجِّ ، وَتَكُونُ كَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ابْتِدَاءً وَعَلَيْهَا هَدْيٌ ، وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ رَفْضَ الْحَجِّ وَلَا رَفْضَ الْعُمْرَةِ لِمَنْ أَحْرَمَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَوْلُهُ : إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْإِحْرَامَ فَلَا يَحِلُّ مِنْهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ وَيُتِمَّهُ ، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ فِي الْحَائِضِ وَفِي الْمُعْتَمِرِ يَخَافُ فَوَاتَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ ، قَالُوا : وَلَا يَكُونُ إِحْلَالُهُ بِالْحَجِّ نَقْضًا لِلْعُمْرَةِ ، وَيَكُونُ قَارِنًا . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَدَفَعُوا حَدِيثَ عُرْوَةَ هَذَا ، وَقَالُوا : هُوَ غَلَطٌ وَوَهْمٌ ، لَمْ يُتَابِعْ عُرْوَةَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَائِشَةَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا كَانَتْ عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ مُهِلَّةً بِالْحَجِّ ، وَلَمْ تَكُنْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ كَمَا قَالَ عُرْوَةُ . قَالُوا : وَإِذَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِالْحَجِّ سَقَطَ القول عنا فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُهِلَّةً بالعمرة . قَالُوا : وَقَدْ رَوَتْ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كانت محرمة بِحَجَّةٍ لَا بِعُمْرَةِ . وَذَكَرُوا حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ ، أَوْ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ ؛ هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَكَذَلِكَ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ يَا عَائِشَةُ ؟ فَقُلْتُ : حِضْتُ ، لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ حَجَجْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، انْسُكِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ . فَلَمَّا دَخَلْنَا مَكَّةَ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - فَذَكَرَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ : لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا حِينَ شَكَتْ إِلَيْهِ حَيْضَتَهَا : انْسُكِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ أَنَّهَا كَانَتْ حَاجَةً مُهِلَّةً بِالْحَجِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو ثَابِتٍ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ . وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ - أَيْضًا - قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ - وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ حَاتِمٍ ، وَهُوَ أَتَمُّ مَعْنًى ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمَا دَخَلَ فِي بَعْضٍ - أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَيَّامِ الْحَجِّ حَتَّى قَدِمْنَا سَرِفَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ سَاقَ هَدْيًا فَأَحَبَّ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَالْآخِذُ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّارِكُ . وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ : وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْهَدْيُ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةٌ - ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ حَاتِمٍ ، قال : - فَلَمْ يَحِلُّوا . قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي ، وَقَدْ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقُلْتُ : حُرِمْتُ الْعُمْرَةَ ، لَسْتُ أُصَلِّي ! قَالَ : إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ ، فَكُونِي عَلَى حَجِّكِ ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَقَدْ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ ؟ وَقَوْلِهِ : فَكُونِي عَلَى حَجِّكِ ؟ وَقَوْلِهَا فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ؟ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ أَيْضًا : خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَمِرَةً وَلَا مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ كَمَا زَعَمَ عُرْوَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَفْضِ عُمْرَةٍ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ بِحَجَّةٍ لَا بِعُمْرَةٍ ؟ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَدِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْقَاسِمَ وَعَمْرَةَ وَالْأَسْوَدَ - عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عُرْوَةَ غَلَطٌ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ إِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّهَا لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَأَنْ تَحِلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ . فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَتْرُكَ الطَّوَافَ وَتَمْضِيَ عَلَى الْحَجِّ ، فَتَوَهَّمُوا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَمِرَةً وَأَنَّهَا تَرَكَتْ عُمْرَتَهَا وَابْتَدَأَتِ الْحَجَّ . قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَتْرُكَ عُمْرَتَهُ أَوْ حَجَّهُ ، وَاللَّهُ يَقُولُ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ؟ فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَإِذَا حَاضَتِ الْمُعْتَمِرَةُ وَحَضَرَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَصَارَتْ قَارِنَةً . وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إِذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ خَافَ فَوَاتَ عَرَفَةَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَصَارَ قَارِنًا ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ لَا يَخَافُ فَوَاتَ عَرَفَةَ سَوَاءً ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِلْقِرَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ أَيْضًا بَعْضُ مَنْ يَأْبَى رَفْضَ الْعُمْرَةِ لِلْحَائِضِ مُحْتَجًّا لِمَذْهَبِهِ : قَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ يَوْمَئِذٍ : كُنْتُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ . وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظٌ لَا يُدْفَعُ حِفْظُهُمْ وَاتِّقَاؤُهُمْ ، وَقَدْ صَرَّحُوا عَنْهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ . وَوَافَقَهُمْ جَابِرٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنْهُ ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ ، فَتَكُونَ قَارِنَةً مُدْخِلَةً لِلْحَجِّ عَلَى عُمْرَتِهَا إِذْ لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ لِحَيْضِهَا وَخَشِيَتْ فَوَاتَ عَرَفَةَ . قَالُوا : وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ كُنَّا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ وَخَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ بَيَانٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ هِيَ مُهِلَّةً بِالْحَجِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْلَالٌ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا : خَرَجْنَا تَعْنِي خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ، تُرِيدُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَوْ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ الْمُحْتَمِلُ لِلتَّأْوِيلِ كَالصَّرِيحِ ، وَقَدْ صَرَّحَ جَابِرٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً يَوْمَئِذَ بِعُمْرَةٍ كَمَا قَالَ عُرْوَةُ عَنْهَا ، قَالُوا : وَالْوَهْمُ الَّذِي دَخَلَ عَلَى عُرْوَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ . قَالَتْ عَائِشَةُ : وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ . قَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ غَلَبَنِي الْحَدِيثُ فَهَذَا الَّذِي حَفِظْتُ مِنْهُ ، فَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَقَالَ لَنَا : مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ . قَالَتْ : فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ارْفُضِي عُمْرَتِكِ ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ . فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجِّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَهَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِعُمْرَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِحَجَّةٍ ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ . قَالَتْ : فَأَدْرَكَتْنِي عَرَفَةُ وَأَنَا حَائِضٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعُمْرَةٍ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ عَرَكَتْ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَهَا تَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ : حِضْتُ ، وَلَمْ أَحْلِلْ ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ الْآنَ إِلَى الْحَجِّ ! قَالَ : فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ . فَفَعَلْتُ وَوَقَفْتُ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا ، حَتَّى إِذَا طَهُرْتُ طُفْتُ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . ثُمَّ قَالَ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ هَكَذَا . قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ ! فَقَالَ : اذْهَبْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ - وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ . هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِحَجٍّ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَلَا انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي . قَالُوا : فَالْوَجْهُ عِنْدَنَا فِي حَدِيثِهَا أَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ ، فَلَمَّا حَاضَتْ وَخَافَتْ فَوْتَ عَرَفَةَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ مُدْخِلَةً لَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ . وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ قَارِنَةً وَيَكُونُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ دَمٌ لِقِرَانِهَا ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ . فَالْوَهْمُ الدَّاخِلُ عَلَى عُرْوَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ ، فَبَيَّنَ مَوْضِعَ الْوَهْمِ فِيهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَافِينَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ . فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِسَرِفَ حِضْتُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ فَقُلْتُ : وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَخْرُجِ الْعَامَ ! وَذَكَرَتْ لَهُ مَحِيضَهَا . قَالَ عُرْوَةُ : فَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : دَعِي عُمْرَتَكِ ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ الْمُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِمْ . قَالَتْ : فَأَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الصَّدْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَخْرَجَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ ، فَأَهَلَّتْ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ . فَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِلَّةُ اللَّفْظِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْمُخَالِفِ فِي النُّكْتَةِ الَّتِي بِهَا يَسْتَجِيزُ رَفْضَ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَإِنْ كَانَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَدِ انْفَرَدَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ فِيمَا نَقَلَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاضْطِرَابُ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا هَذَا فِي الْحَجِّ عَظِيمٌ ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءَ فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْجَمْعَ بَيْنَهَا . وَرَامَ قَوْمٌ الْجَمْعَ بَيْنَهَا فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُهَا فِي الرَّضَاعِ مُضْطَرِبَةٌ أَيْضًا ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَحَادِيثِهَا فِي الْحَجِّ وَالرَّضَاعِ إِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الرُّوَاةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : أَلَا تَعْجَبُ مِنَ اخْتِلَافِ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ ؟ ! قَالَ الْقَاسِمُ : أَهَلَّتْ عَائِشَةُ بِالْحَجِّ ، وَقَالَ عُرْوَةُ : أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ . وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا . وَلَا نَدْرِي أَذَلِكَ كَانَ مِمَّنْ حَدَّثَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؟ غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَفْتَى بِهَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَيَتَمَتَّعَ بِهَا . وَمِنْهَا : أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُعْتَمِرَةُ الْحَائِضُ إِذَا خَافَتْ فَوْتَ عَرَفَةَ رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا وَأَلْغَتْهَا وَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ ، وَعَلَيْهَا لِرَفْضِ عُمْرَتِهَا دَمٌ ثُمَّ تَقْضِي عُمْرَةً بَعْدُ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا فِي حَدِيثِهَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ : دَعِي عُمْرَتَكِ ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ . قَالُوا : وَلَا يُقَاسُ بِالزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ أَحَدٌ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ . فَقَالُوا : وَكَذَلِكَ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَزِيَادَةُ مِثْلِ الزُّهْرِيِّ وَهَؤُلَاءِ مَقْبُولَةٌ ، وَقَدْ زَادُوا وَذَكَرُوا مَا قَصُرَ عَنْهُ غَيْرُهُمْ وَحَذَفَهُ ، وَلَيْسَ مَنْ قَصُرَ عَنْ ذِكْرِ شَيْءٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : ذَكَرْتُ لِلثَّوْرِيِّ مَا حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا خَشِيَ الْمُتَمَتِّعُ فَوْتًا أَهَلَّ بِحَجٍّ فِي عُمْرَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ الْمُعْتَمِرَةُ تُهِلُّ بِحَجٍّ فِي عُمْرَتِهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ - مِثْلَهُ ، وَعَنْ طَاوُسٍ مِثْلَهُ ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا نَقُولُ بِهَذَا وَلَا نَأْخُذُ بِهِ ، وَنَأْخُذُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَنَقُولُ : عَلَيْهَا لِرَفْضِ عُمْرَتِهَا دَمٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ الثَّوْرِيُّ - ذِكْرُ دَمٍ ، لَا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَلَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، بَلْ قَالَ فِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَمٌ . ذَكَرَ ذَلِكَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا . وَمِنْ حُجَّةِ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ قَوْلُ عَائِشَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَرْجِعُ صَوَاحِبِي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِالْحَجِّ ؟ وَلَوْ كَانَتْ قَارِنَةً قَدْ أَدْخَلَتْ عَلَى عُمْرَتِهَا حَجًّا ، لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِذَلِكَ أَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يَخْرُجَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَتَعْتَمِرَ مِنْهُ مَكَانَ الْعُمْرَةِ الَّتِي رَفَضَتْهَا ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ دَفَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ . رَوَاهُ أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ عَنْهُ ، وَالْقَاسِمُ يَقُولُ عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِحَجٍّ لَا بِعُمْرَةٍ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ رَفْضُ عُمْرَةٍ ، وَقَدْ يُوجَدُ مَعْنَى حَدِيثِ الْقَاسِمِ هَذَا عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ صَحَّحَ هَذَا أَنْ يُصَحِّحَ أَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِحَجٍّ مُفْرَدٍ فَيُبْطِلُ عَلَيْهِ أَصْلَهُ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ عُمْرَتِي أَنْ لَمْ أَكُنْ طُفْتُ ! قَالَ : فَاذْهَبْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى عُمْرَتِهَا وَلَمْ تَطُفْ لِذَلِكَ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا ، فَأَحَبَّتْ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَيْنِ كَمَا طَافَ مِنْ صَوَاحِبِهَا مَنْ تَمَتَّعَ وَسَلِمَ مِنَ الْحَيْضِ حَتَّى طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمِنْ دَفْعِ رَفْضِ الْعُمْرَةِ إِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، وَهُوَ شَيْءٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَطُفِ الْمُعْتَمِرُ بِالْبَيْتِ أَوْ يَأْخُذْ فِي الطَّوَافِ . وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يُضَافُ الْحَجُّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَلَا تُضَافُ الْعُمْرَةُ إِلَى الْحَجِّ . قَالَ : فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتِ الْعُمْرَةُ بِشَيْءٍ وَلَا يَلْزَمُهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ ، وَهُوَ حَاجٌّ مُفْرِدٌ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَأَدْخَلَ عَلَيْهَا حَجَّةً أُخْرَى أَوْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ لَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ . وَقَالَ بِبَغْدَادَ : إِذَا بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَيْهِ ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا جَازَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : مَنْ أَضَافَ إِلَى حَجٍّ عُمْرَتَهُ لَزِمَتْهُ وَصَارَ قَارِنًا ، وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا فَعَلَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ لَزِمَتَاهُ وَصَارَ رَافِضًا لِإِحْدَاهُمَا حِينَ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَكَّةَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَلْزَمُهُ الْحَجَّتَانِ ، وَيَصِيرُ رَافِضًا لِإِحْدَاهُمَا سَاعَتَئِذٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ; تَلْزَمُهُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهَا عُمْرَةً وَلَا يُدْخِلَ إِحْرَامًا عَلَى إِحْرَامٍ كَمَا لَا يُدْخِلُ صَلَاةً عَلَى صَلَاةٍ . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْقَارِنَ يُجْزِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَقَوْلِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُوسٍ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ قَالَتْ : إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ! قِيلَ لَهُ : إِنَّ تَقْصِيرَ مَنْ قَصُرَ عَنْهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ ، وَمَالِكٌ أَثْبَتُ النَّاسِ عِنْدَ النَّاسِ فِي ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَحَسْبُكَ بِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ . فَإِنْ قِيلَ : الدَّرَاوَرْدِيُّ غَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَفَعَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا - قِيلَ لَهُمْ : قَدْ رَوَى أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا مَخَافَةَ حَصْرٍ قَالَ : مَا شَأْنُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ إِلَى عُمْرَتِي حَجَّةً ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا ، وَقَالَ : هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الطُّرُقَ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : إِذًا رجعت إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّ طَوَافَكِ يُجْزِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، رَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ : طُوفِي بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ . وَرَوَى رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزِيدُوا عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ . وَرَوَى مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الْمَالِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا وَاحِدًا لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ ، إِلَّا أَنَّهُ يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّمَتُّعِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ ؛ قَالَا فِي الْقَارِنِ : يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ . وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ فَأَدْرَكْتُ عَلِيًّا ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ عُمْرَةً ؟ قَالَ : لَا ، لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَرَدْتَ أَنْ تُضِيفَ إِلَيْهَا حَجًّا ضَمَمْتَهُ . قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ إِذَا أَرَدْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَصُبُّ عَلَيْكَ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُحْرِمُ بِهِمَا جَمِيعًا ، وَتَطُوفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَوَافًا . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ ، وَرَوَى الْأَعْمَشُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا - فَذَكَرَهُ . وَرَدُّوا حَدِيثَ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوَافُكِ يُجْزِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ بِأَنَّ عُرْوَةَ رَوَى عَنْهَا انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ ، قَالُوا : فَكَيْفَ يَكُونُ طَوَافُهَا فِي حَجَّتِهَا الَّتِي أَحْرَمَتْ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهَا مِنْ حَجَّتِهَا تِلْكَ وَمِنْ عُمْرَتِهَا الَّتِي رَفَضَتْهَا وَتَرَكَتْهَا ؟ ! هَذَا مُحَالٌ . وَزَعَمُوا أَنَّ حَدِيثَ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، وَأَنَّ حَدِيثَ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَجَعَلَهُ فِي السَّعْيِ ، قَالَ : لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا . وَسَنَزِيدُ الْقَوْلَ فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَفِي طَوَافِ الْقَارِنِ بَيَانًا فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَّ يُجْزِيهِ فِي حَجِّهِ إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَيَقْضِي بِذَلِكَ فَرْضَهُ ، فَإِنْ جَعَلَ الطَّوَافَ يَوْمَ النَّحْرِ وَوَصَلَهُ بِالسَّعْيِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي تَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ غَيْرَ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِهِ لَمْ يَأْثَمْ . وَالطَّوَافُ الْمَوْصُولُ بِالسَّعْيِ فِي حِينِ دُخُولِ مَكَّةَ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي نِيَابَتِهِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ مَذْهَبٌ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ نَافِعٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
360 - حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ . أَمَّا قَوْلُهَا : مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى فَمَعْنَاهُ مَا صَلَّى صَلَاةَ الضُّحَى ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : مِنَ الْمُصَلِّينَ . إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يُوقِعُونَ اسْمَ سُبْحَةٍ إِلَّا عَلَى النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً ؛ أَيْ نَافِلَةً . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ رَأْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَرَحِمَتِهُ بِهِمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ فَهُوَ مِمَّا قُلْتُ لَكَ إِنَّ مِنْ عِلْمِ السُّنَنِ عِلْمًا خَاصًّا يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَقَدْ فَاتَهُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا أَحْصَاهُ غَيْرُهُ ، وَالْإِحَاطَةُ مُمْتَنِعَةٌ ، وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِالْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى عِلْمِ ذَلِكَ مُذْ صَارَ الْعِلْمُ فِي الْكُتُبِ لَكِنَّهُمْ بِذَلِكَ دَخَلَتْ حِفْظَهُمْ دَاخِلَةٌ فَلَيْسُوا فِي الْحِفْظِ كَالْمُتَقَدِّمِينَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ فِي كُتُبِ الْمُقِلِّ مِنْهُمْ عِلْمُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَاللَّهِ يُنَوِّرُ بِالْعِلْمِ قَلْبَ مَنْ يَشَاءُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ حِسَانٌ فِي صَلَاةِ الضُّحَى مِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ وَغَيْرِهَا ، فَحَدِيثُ أَمِّ هَانِئٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَمَّا غَيْرُ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَغَيْرِ إِسْنَادِهِ فَقَرَأَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا قَالَتْ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - فَنَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : صَلَاةُ الضُّحَى . فَحَفِظَتْ أُمُّ هَانِئٍ مَا جَهِلَتْ عَائِشَةُ ، وَأَيْنَ أُمُّ هَانِئٍ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ مَنْ عَائِشَةَ ؟ فَبِالْأَغْلَبِ مِنَ الْأُمُورِ يُقْضَى ، وَعَلَيْهِ الْمَدَارُ وَهُوَ الْأَصْلُ . وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ صَلَّاهُنَّ بَعْدَ . هَذِهِ أُمُّ هَانِئٍ لَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُنَّ بَعْدُ ، وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : مَا خَبَّرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ صَلَّاهُنَّ بَعْدُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَأَلْتُ وَحَرِصْتُ عَلَى أَحَدٍ يُحَدِّثُنِي أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَمَرَ بِمَاءٍ فَوُضِعَ لَهُ ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ صَلَّى فِي بَيْتِهَا ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ . تَقُولُ أُمُّ هَانِئٍ : لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ أَطْوَلُ أَمْ رُكُوعُهُ ! وَلَا أَدْرِي أَرُكُوعُهُ أَطْوَلُ أَمْ سُجُودُهُ ! غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ مُقَارِبٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : سَأَلْتُ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا أَثْبَتَ لِي صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضُّحَى إِلَّا أُمَّ هَانِئٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ : حَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَمُرُّ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ، فَهَذِهِ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ . قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ هُوَ الصَّوَابُ لَا مَا قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا حُجَّةٌ لِعَائِشَةَ فِي قَوْلِهَا : مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ شَرِكَهَا فِي جَهْلِ ذَلِكَ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : أَكُنْتُ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَثِيرًا ، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ . وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ . وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُصْبِحُ ابْنُ آدَمَ وَعَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْهُ صَدَقَةٌ ؛ فِإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَتَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَمُجَامَعَتُهُ أَهْلَهُ صَدَقَةٌ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَحَدُنَا يَضَعُ شَهْوَتَهُ فَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةً ؟ ! قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِلٍّ أَلَمْ يَكُنْ يَأْثَمُ ؟ ثُمَّ قَالَ : وَرَكَعَتَا الضُّحَى يُجْزِيَانِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ، كُلُّ ذَلِكَ صَدَقَةٌ . وَقَالَ : فَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، ثُمَّ قَالَ : يُجْزِئُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ؛ قَالَا : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : أَوْصَانِي حِبِّي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَبَدًا ؛ أَوْصَانِي بِصَلَاةِ الضُّحَى ، وَبِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ ، وَبِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَدَّادِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عُوَيْمِرُ ، لَا تَبِتْ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ ، وَصَلِّ رَكْعَتَيِ الضُّحَى مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَسْتَكْمِلِ الزَّمَانَ كُلَّهُ - أَوْ قَالَ : الدَّهْرَ كُلَّهُ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَأَنْ لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ ، وَبِرَكْعَتَيِ الضُّحَى . وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وُجُوهٍ . فَهَذَا أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوْصَاهُمْ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى ، أَوْ صَلَاةِ الضُّحَى . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ثَلَاثٌ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَنْ أَبِيتَ عَلَى وِتْرٍ ، وَأَنْ أَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَصَلَاةُ الضُّحَى . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعًا وَسِتًّا وَثَمَانِيًا . وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ يُصَلِّيَانِ الضُّحَى وَيَرْغَبَانِ فِيهَا . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ زَبَّانَ ابْنِ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ عِنْدَهُمْ لَيِّنٌ ضَعِيفٌ ، إِلَّا أَنَّ الْفَضَائِلَ يَرْوُونَهَا عَنْ كُلِّ مَنْ رَوَاهَا وَلَا يَرُدُّونَهَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، لَا تُعْجِزْنِي عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ . فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قَدْ عَرَفُوا مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى مَا جَهِلَهُ غَيْرُهُمْ . وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ وَسَعِيدُ ابْنُ حِمْيَرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلُّوا . وَهَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ أَوْ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى الْمَعْنَى بِتَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى مَا مَضَى فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ صَلَاةِ الضُّحَى إِنْكَارُ ابْنِ شِهَابٍ لِصَلَاةِ الضُّحَى ، فَقَدْ كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَيَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى قَطُّ . قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَهَا بِالْهَوَاجِرِ - أَوْ قَالَ : بِالْهَجِيرِ - وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلُّونَ الضُّحَى وَلَا يَعْرِفُونَهَا . وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ . وَرَوَى مَطَرٌ الْأَعْنَقُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : يَا أَنَسُ ، وَصَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ . وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ ، رَوَاهُ مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ . وَقَالَ طَاوُسٌ : أَوَّلُ مَنْ صَلَّاهَا الْأَعْرَابُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : مَا صَلَّيْتُ الضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْتُ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ وَمَا أَحَدٌ يُسَبِّحُهَا ، وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا . وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ عَائِشَةَ : إِنِّي لَأُسَبِّحُهَا . وَقَوْلُهَا : لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهَا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنِ ابْنِ رُمَيْثَةَ ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَصَلَّتْ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مِنَ الضُّحَى ، فَسَأَلَتْهَا أُمِّي : أَخْبِرِينِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ . قَالَتْ : مَا أَنَا بِمُخْبِرَتِكِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِيهَا بِشَيْءٍ ، وَلَكِنْ لَوْ نُشِرَ لِي أَبِي عَلَى أَدَعَهُنَّ مَا تَرَكَتْهُنَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ؛ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ . وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ هَاهُنَا ، وَعِيسَى ابْنُ طَلْحَةَ هَذَا مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَأُمُّهُ سُعْدَى ابْنَةُ ابْنِ خَارِجَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي خَارِجَةَ ، وَهُوَ شَقِيقُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ . وَتُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ سَنَةَ مِائَةٍ . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : كَانَ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ صَدِيقًا لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَذَكَرَ خَبَرَهُ فِي تَعْزِيَتِهِ لَهُ فِي رِجْلِهِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : قِيلَ لِعِيسَى بْنِ طَلْحَةَ : مَا الْحِلْمُ ؟ قَالَ : الذُّلُّ . لِمَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا - حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُسْنَدٌ فِي الْمُوَطَّأِ . 959 مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ فَقَالَ : " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " قَالَ : فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : " افْعَلْ وَلَا حَرَجَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ مَالِكٍ اخْتِلَافًا فِي أَلْفَاظِهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ . ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْأَحَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ لِلنَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " قَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " قَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ قَالَ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " قَالَ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَزَادَ فِيهِ صَالِحَ بْنَ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ ، وَلِهَذَا مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَرْمِيَ الرَّجُلُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا ، وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ . قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا ، وَفِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ ، مِنْهَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ أَنَّ وَاجِبًا عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا ، مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي وَقْتِ رَمْيِهَا ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى حَلْقِ شَعْرِهِ لِضَرُورَةٍ لَازِمَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا نَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّتِهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ نَحَرَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي عَنِ الْحَلْقِ لِمَنْ لَمْ يُلَبِّدْ ، وَلَمْ يَعْقِصْ وَلَمْ يُضَفِّرْ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحِلَاقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَأَنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ ، وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَنَحَرَ بَدَنَةً أَوْ أَمَرَ بِهَا فَنُحِرَتْ ، وَقَالَ لِلْحَلَّاقِ : دُونَكَ ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ ، وَنَاوَلَ شَعْرَ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ أَبَا طَلْحَةَ ، وَقَسَمَ الْآخَرَ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ قَسْمِ الشَّعْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً تَبَرُّكًا بِهِ . وَجَعَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَوْضِعَ أَبِي طَلْحَةَ أُمُّ سُلَيْمٍ زَوْجَتَهُ ، وَسَائِرُ مَنْ رَوَاهُ يَقُولُونَ : إِنَّهُ حَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ، وَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الَّذِي حَلَقَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سُنَّةَ الْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ثُمَّ يَحْلِقَ رَأْسَهُ ، فَمَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحَوْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَوَقْتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الْغُرُوبِ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَأَجْمَعُوا أيضا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْمِ مِنَ الْجَمَرَاتِ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَهَا وَوَقْتَهَا الْمُخْتَارَ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَّرَ رَمْيَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يَقُولُ مَرَّةً : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً لَا يَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا . قَالَ : وَقَدْ تَأَخَّرَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا حَتَّى أَتَتْ مِنًى بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَرَمَتْ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ . ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مَنْ أَخَّرَهَا عَامِدًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ : يَرْمِيهَا مِنَ الْغَدِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ تَرَكَهَا عَامِدًا ، وَالنَّاسِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قِيلَ : عَلَى الْعَامِدِ لِذَلِكَ دَمٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ ، فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَهُ الْإِعَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ الْجَمْرَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، قَالَ : فَإِنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِأَحَدٍ بِرَمْيٍ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْحَلْقُ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَجَمَاعَةُ الْمَكِّيِّينَ ، فِي الَّذِي يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ الرَّمْيُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَذَلِكَ إِنْ نَحَرَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهَا كَانَتْ تَرْمِي الْجِمَارَ بِاللَّيْلِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَالَ : أَنْبَأَ دَاوُدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَتُوَافِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ يَوْمَهَا وَأُحِبُّ أَنْ تُوَافِيَهِ ، قَالَ : وَأَنْبَأَ الثِّقَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا وَقَدْ رَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْفَعُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا وَيُضَعَفهُ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ أَجَازَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ، وقال أبو ثور : إن اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس ، لم تجز مَنْ رَمَاهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَإِنْ أَجْمَعُوا سَلَّمْنَا لِلْإِجْمَاعِ ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ ، وَلَزِمَهُ إِعَادَتُهَا فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا وَقْتًا فَمَنْ تَقَدَّمَهُ لَمْ يُجْزِهِ ، وَزَعَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : أَنَّهُ يُجْزِيهِ ، قَالَ : وَلَوْ عَلِمْتُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَأَوْجَبْتُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ الْإِعَادَةَ ، وَلَمْ يَعْرِفْ قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ خُوَازْ مَنْدَادَ أَيْضًا فَهَذَا حُكْمُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّتِي تُرْمَى يَوْمَ النَّحْرِ ، وَلَا يُرْمَى مِنَ الْجِمَارِ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرُهَا ، وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَوْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ قَبْلَ رَمْيِهَا لَفَسَدَ حَجُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهِ عِنْدَهُمْ : أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَهْدِيَ ، وَإِنَّمَا أَمَرُوهُ بِالْعُمْرَةِ لِيَكُونَ طَوَافُهُ لِلْإِفَاضَةِ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَنْ قَالَ : مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهِ هَدْيُ بَدَنَةٍ لَا غَيْرُ ، وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَبَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ اعْتَمَرَ وَأَهْدَى ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ . هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ لَا يَعْرِفُونَهَا ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يَطَأُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ أَنَّهُ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَيُجْزِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي ، وَرِوَايَةُ ثَوْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا ضعيفة ؛ لِأَنَّ أَيُّوبَ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَفْتَيْتُ بِرَأْيٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : إِحْدَاهُنَّ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي ، وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ فِي الَّذِي يَطَأُ أَهْلَهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ : إنَّهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ، وَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ ، لَيْسَ عليه غير ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ حَجُّهُ عِنْدَهُمْ إِذَا وَطِئَهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ ، وَأَمَّا إِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ وَسَوَاءً وَطِئَهَا قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بَعْدُ إِذَا كَانَ قَدْ وَقَفَ لَيْلًا بِعَرَفَةَ ، وَكَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فَهَذِهِ أَحْكَامُ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ فِيمَنْ وَطِئَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنَ الْجِمَارِ حُكْمُهَا ، وَأَمَّا الْجِمَارُ الَّتِي تُرْمَى فِي أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ في غير يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ في غير يَوْمَ النَّحْرِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ فَعَلَهُ أَحَدٌ قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّ طَاوُسًا قَالَ : إِنْ شَاءَ رَمَى مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَنَفَرَ ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ : إِنْ رَمَى أَوَّلَ النَّهَارِ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةِ التَّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَكَانَ يَرْمِيهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيَقُولُ لَنَا : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَلَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ " وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شِعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ، وَلَا يُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى الْحِلَاقَ فِي الْحَجِّ بِمِنًى أَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : ذَلِكَ وَاسِعٌ ، وَالْحِلَاقُ بِمِنًى أَحَبُّ إِلَيَّ . قَالَ أَبُو ثَابِتٍ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ؟ فَقَالَ : قَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُجْزِئُهُ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ؟ قَالَ : يُجْزِئُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُهُ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ ، وَيَمُرُّ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَرْمِي ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُعِيدُ الطَّوَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَالَ : وَمَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْحِلَاقِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَإِنْ لَمْ يُعِدِ الطَّوَافَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ثُمَّ يَحْلِقَ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَمَّا بَدَأَ بِالْحِلَاقِ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الرَّمْيَ يَحِلُّ بِهِ الْحَلْقُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ثُمَّ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، حَلَّ لَهُ الْحَلْقُ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ فَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ شَيْءٌ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِذَا نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مُعْتَمِرًا لَوْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَنَحَرَهُ حِينَ بَلَغَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِبْدَالُ الْهَدْيِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْحَرَ الْهَدْيَ حَتَّى يفرغ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَيَنْحَرَ الْهَدْيَ ثُمَّ يَحْلِقَ فَلَمَّا أَخْطَأَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْإِبْدَالُ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ انْتِقَاصٌ لِعُمْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَعْتَمِرُ وَلَا يَسُوقُ هَدْيًا فَتَكُونُ عُمْرَتُهُ تَامَّةً ، وَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ عليه غير إِبْدَالُ الْهَدْيِ خَاصَّةً ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ انْتِقَاصٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَهَاتَانِ الْخَلَّتَانِ هُمَا الْمُبْتَغَتَانِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَالَّذِي رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى ، وَالَّذِي رَوَاهُ وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ مجمل ، غير أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُ فِيهِ خِلَافَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَالَّذِي رَوَاهُ خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ رَمَى بَعْدَمَا أَمْسَى ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ انْتِقَاصٌ لِلْحَجِّ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَلَمَّا أَخْطَأَ وَأَخَّرَهَا إِلَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إِلَى اللَّيْلِ فَإِنَّ أَبَا ثَابِتٍ حَكَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ : كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً لَا يَرَاهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ تَأَخَّرَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنَةِ أَخِيهَا حَتَّى أَتَتْ مِنًى بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَتْ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى سَحْنُونُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَأْخُذْ بِرُخْصَةِ ابْنِ عُمَرَ لِصَفِيَّةَ فِي ذلك ، ورأى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى اللَّيْلِ ، وَرَمَاهَا بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ دَمٌ ، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَمٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ رَمَى بِالْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ يَوْمَئِذٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَانَتْ فِي الْيَوْمِ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ يَدُلُّ عَلَى الْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي كَلَامِ النَّاسِ ، فَهَذَا هُوَ النَّصُّ الْقَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا مَا يُزَادُ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فَهُوَ شَيْءٌ لَا يُدْرَى كَيْفَ صِحَّتُهُ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّفْظُ الَّذِي أَنْكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ وَزَادَهُ وَأَتَى بِهِ هُوَ قَوْلُهُ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي الْأَحَادِيثِ ثُمَّ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ فَيَقُولُ : " لَا حَرَجَ " فَسَأَلُهُ رَجُلٌ فَقَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ : " لَا حَرَجَ " فَقَالَ : رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ قَالَ : لَا حَرَجَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَهُوَ بِمِنًى ، فِي الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَقَالَ : لَا حَرَجَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ : رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَأَكْثَرُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا النَّحْوِ إِلَّا قَالَ : " لَا حَرَجَ " . وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ ذَبِيحَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ ذَبِيحَتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الذَّبْحَ بِاللَّيْلِ لَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا ، وَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ مَنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِئُهُ رَمْيُهُ ، إنَّ النَّحْرَ قَدْ حَلَّ لَهُ ، وَقَوْلِهِ : إِنَّ مَنْ قَدَّمَ نَحْرَهُ قَبْلَ رَمْيِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُنْتَقَصُ مِنْ حَجِّهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ هَدْيَهُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، فَإِذَا لَمْ يُفْسِدْ عَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ نَحْرِهِ قَبْلَ رَمْيِهِ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ ، وَلَا أَوجَبَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ مَا نَحَرَهُ مِنْ هَدْيِهِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِيَ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ : اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ أَوْ أَخَّرَهُ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً مِثْلُ تَقْدِيمِ النَّحْرِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، أَوِ الْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ ، أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَدَّمَ مِنْ حَجِّهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَلَا عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ سَاهِيًا مِمَّا يُفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَرَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ : مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وقَتَادَةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ : أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ حَفِظَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي كُتُبِهِ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ كُلِّهَا شَيْئًا إِذَا كَانَ سَاهِيًا ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَهْرَاقَ دَمًا ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ دَمٌ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ : دَمٌ لِلْقِرَانِ ، وَدَمٌ لِلْحَلْقِ ، وَقَالَ زُفَرُ : عَلَى الْقَارِنِ إِذَا حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمٌ لِلْقِرَانِ وَدَمَانِ لِلْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ مَعَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ " لَا حَرَجَ " . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَخَّرَهُ سَاهِيًا - الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي بَعْضِهَا : مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ لَا حَرَجَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّ الْقَائِلَ قَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، وَذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ قَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ، وَقَالَ آخَرُ : ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَهُ رَجُلٌ قَبْلَ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ : " افْعَلْ وَلَا حَرَجَ " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ، مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، بِهِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجًّا ، فَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ ، فَمَنْ قَالَ : سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا ، فَكَانَ يَقُولُ : " لَا حَرَجَ " . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْدَ الرَّمْيِ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : يَرْجِعُ فَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : تُجْزِئُهُ الْإِفَاضَةُ ، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ : " لَا حَرَجَ ، لَا حَرَجَ " ، وَرَوَاهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : وَقَالَ آخَرُ : طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ قَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ، وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ ، هَكَذَا كَمَا ذَكَرْنَا . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فِي النَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ؟ فَقَالَ : " لَا حَرَجَ " .
ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا سِتَّةٌ مُسْنَدَةٌ ، شَرَكَهُ فِي أَحَدِهَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَاحِدٌ مُرْسَلٌ ، وَآخَرُ مَوْقُوفٌ لَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مُسْنَدٌ مِنْ وُجُوهٍ ، وَأُمُّ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَهُوَ شَقِيقُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَلَيْسَ أَبُو سَلَمَةَ شَقِيقًا لَهُمَا ، وَحُمَيْدٌ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ، حُجَّةٌ فِيمَا نُقِلَ ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ وَلَدِهِ أَنَّ كُنْيَتَهُ : أَبُو إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تُوُفِّيَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَعَنْ أَبِيهِ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَمُعَاوِيَةَ ، وَيُخْتَلَفُ فِي سَمَاعِهِ مِنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَمِنْ أَبِيهِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ : أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ ، قَالَ : وَهَذَا غَلَطٌ ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، لَا فِي سِنِّهِ ، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ . قَالَ : وَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ ، يَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ . 660 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، فَقَالَ : لَا أَجِدُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ ، قَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنِّي . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ : كُلْهُ . هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَالِكٍ ، لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ فِيهِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ فِي الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفِطْرَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، هَلْ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ بِأَكْلٍ ؟ بَلْ أَبْهَمَ ذَلِكَ ، وَتَابَعَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ والليث جَمِيعًا ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ عَنِ اللَّيْثِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، فَذَكَرُوهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَرْتِيبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ : لَا . ثُمَّ ذَكَرُوا الْإِطْعَامَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ ذَكَرَهُ صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ : رَجُلٌ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا ؟ قَالَ : يُؤْمَرُ بِالْكَفَّارَةِ بِمَا أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، قَالَ : لَا أَجِدُ قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ : لَا أَجِدُ . قَالَ الْوَلِيدُ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ . هَكَذَا قَالَ الْوَلِيدُ ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ عَلَى مَالِكٍ ، وَالصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يُطْعِمَ فَذَهَبَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ الْمُفْطِرَ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ بِأَكْلٍ أَوْ بِشُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ فِطْرٌ مَخْصُوصٌ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ فَطَرَ مُتَعَمِّدًا فَالْكَفَّارَةُ لَازِمَةٌ لِفَاعِلِهِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْمُفْطِرِ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مَعَ قَضَاءِ الْيَوْمِ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَخْتَارُ الْإِطْعَامَ ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ الْبَدَلِ مِنَ الصِّيَامِ ، أَلَا تَرَى إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ ، وَالْمُفَرِّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ لَا يُؤْمَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ ، وَلَا صِيَامٍ مَعَ الْقَضَاءِ ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْإِطْعَامِ ، فَصَارَ الْإِطْعَامُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ ، وَنَظَائِرِهِ مِنَ الْأُصُولِ فَهَذَا مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : الْإِطْعَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : إنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْإِطْعَامَ ، وَلَا يَأْخُذُ بِالْعِتْقِ ، وَلَا بِالصِّيَامِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ قِصَّةَ الْوَاقِعِ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا الْإِطْعَامَ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : احْتَرَقْتُ ، ثُمَّ قَالَ : وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَارًا . قَالَ : تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ فَقَالَ : مَا عِنْدِي شَيْءٌ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْكُثَ فَجَاءَهُ عَرَقُ تَمْرٍ فِيهِ طَعَامٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَغَيْرُهُ كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ : إِنَّهُ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ : أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَذْكُرِ الْوَطْءَ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ : أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ احْتَرَقْتُ ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا شَأْنُهُ ؟ قَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي . قَالَ : تَصَدَّقْ . قَالَ : وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ . قَالَ : اجْلِسْ ، فَجَلَسَ فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ ؛ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : تَصَدَّقْ بِهَذَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعَلَى غَيْرِنَا ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ ، قَالَ : كُلُوهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اخْتِيَارِهِ الْإِطْعَامَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ يَقُولَانِ : إِنَّ مَالِكًا تَرَكَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَاهُ إِلَى رَأْيِهِ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّا ، وَالْأَغْلَبُ أَنَّ مَالِكًا سَمِعَ الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ مَدَنِيٌّ ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ الْإِطْعَامَ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُهُودِ الْأُصُولِ لَهُ بِدُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي الْبَدَلِ مِنَ الصِّيَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ فِي الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ ، قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَطْعَمَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قَالَ : لَا سَبِيلَ إِلَى الْإِطْعَامِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، فِي الْمُجَامِعِ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَلَا سَبِيلَ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْعِتْقِ ، وَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ عِنْدَهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِطْعَامِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الصِّيَامِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الرُّتْبَةِ سَوَاءٌ ، وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي اسْتَفْتَاهُ حِينَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : مُتَتَابِعَيْنِ - قَالَ : لَا ، قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، فِي رَجُلٍ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ، وَذَكَرَ التَّتَابُعَ فِي الشَّهْرَيْنِ ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ : الشَّهْرَانِ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ مُتَتَابِعَانِ ، إِلَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الشَّهْرَانِ فِي ذَلِكَ مُتَتَابِعَانِ ، وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ مَنْ حَفِظَ الشَّيْءَ ، وَشَهِدَ بِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَمْعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لَا أَجِدُ . فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْرًا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ، قَالَ : فَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجَتَهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ هُوَ . رَوَاهُ أَبُو الْأَسْوَدِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . ذَكَرُهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْهُمَا ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَجُلٍ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ ، قَالَ : أَتَجِدُ عِتْقَ رَقَبَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَتَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَفَتَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَأُتِيَ بِعَرَقِ تَمْرٍ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ . قَالَ : عَلَى أَفْقَرِ مِنَّا ؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَحَدٌ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا . قَالَ : أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ . وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ بِمَعْنَاهُ ، وَزَادَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ الْكَفَّارَةِ . فَقَالَ مَالِكٌ : الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَصِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، قَالَ : وَلَيْسَ الْعِتْقُ وَالصَّوْمُ مِنْ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالطَّعَامِ صَامَ يَوْمًا مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ ، وَإِنْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ دَخَلَ فِيهِمَا قَضَاءُ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَقْضِي الْيَوْمَ ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْتَمِلُ إِنْ كَفَّرَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ بَدَلًا مِنَ الصِّيَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ مَعَ الْكَفَّارَةِ ، ولكل وَجْهٌ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَيَصُومَ مَعَ الْكَفَّارَةِ . هَذِهِ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنْهُ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ : مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَيُكَفِّرُ ، مِثْلَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الَّذِي يُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ فَكَفَّرَ أَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ ؟ قَالَ : وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يَرَ مَعَ الْكَفَّارَةِ قَضَاءً ؛ أَنَّهُ لَيْسَ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا خَبَرِ عَائِشَةَ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا عِلَّةَ فِيهَا ذِكْرُ الْقَضَاءِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ مَعَ الْكَفَّارَةِ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ رَأَى الْقَضَاءَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ : وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَذَكَرَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَقَالَ فِيهِ : كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ ، وَصُمْ يَوْمًا ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ . وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ لَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عُقُوبَةُ الذَّنْبِ الَّذِي رَكِبَهُ ، وَالْقَضَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ ، وَكَمَا لَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ إِذَا أَهْدَى - الْقَضَاءُ لِلْبَدَلِ بِالْهَدْيِ ، فَكَذَلِكَ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِأَكْلٍ أَوْ بِشُرْبٍ مُتَعَمِّدًا ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ ، وَرَوَى مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ الْعُقُوبَة لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَةَ الشَّهْرِ ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ التَّابِعِينَ قَالَ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَيَتُوبُ إِلَيْهِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَيَصْنَعُ مَعْرُوفًا ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُمْ عُقُوبَةٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا أَقُولُ بِالْكَفَّارَةِ إِلَّا فِي الْغَشَيَانِ . ذَكَرَهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى : رَجُلٌ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ : هَذَا الَّذِي أَتَهَيَّبُهُ أَنْ أُفْتِيَ بِكَفَّارَةٍ ، أَقُولُ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَإِنْ كَفَّرَ لَمْ يَضُرَّهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا : أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، كَانَ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ إِطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ : قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ أَنَّ أَيْفَعَ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ إِطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا قَالَ : قُلْتُ : وَمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ سَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَجْمَعْ ، وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ ، قَالَ : كَذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، وَعَنْهُ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ : أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا . وَكَانَ رَبِيعَةُ يَحْتَجُّ لِقَوْلِهِ هَذَا بِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فُضِّلَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، فَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْجَبُ مِنْ هَذَا وَيَتَنَقَّصُ فِيهِ رَبِيعَةَ وَيَهْجُنُهُ ، وَكَانَ لَا يَرْضَى عَنْهُ ، وَلِرَبِيعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ شُذُوذٌ كَثِيرٌ ، مِنْهَا : فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ جَرَادَةً قَالَ : عَلَيْهِ صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ قَالَ : لِأَنَّهُ أَدْنَى الصَّيْدِ ، وَمِنْهَا : فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ وَجَهِلَهَا بِعَيْنِهَا : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِنَّ شَيْءٌ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهِنَّ إِلَى أَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى الْإِتْيَانِ بِهَا ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا قَالَ : عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ : يَوْمَيْنِ ، قَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ ، قَالَ : فَعَدَدْتُ أَيَّامًا ، فَقَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ ، هَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ ، وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إِلَى التَّتَابُعِ فِي الشَّهْرِ ، لَا يَخْلِطُهُ بِفِطْرٍ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : مَنْ أَفْسَدَهُ بِفِطْرِ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ قَضَاهُ كُلَّهُ نَسَقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الرَّجُلِ يُفْطِرُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، قَالَ : يَصُومُ شَهْرًا ، وَلَمْ يَزِدْ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الَّذِي يُفْطِرُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، قَالَ : يَصُومُ شَهْرًا . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : أَرْسَلَ أَبُو قِلَابَةَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، فَقَالَ سَعِيدٌ : يَصُومُ عَنْ مَكَانِ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ شَهْرًا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدِي وَهْمٌ عَنْ سَعِيدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ . وَذَكَرَ مَعْمَرٌ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : يَقْضِي يَوْمًا وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، رَوَى بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ : حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا يَعُدْ ، وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ آلَافِ يَوْمٍ ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا خَرَجَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالْغَضَبِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٍّ : مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا لَمْ يُكَفِّرْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ وَغَيْرِهِ مَا يُوَضِّحُ لَكَ هَذَا عَلَى أَنَّ أَقَاوِيلَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَرَى لَا وَجْهَ لَهَا عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْأَثَرِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا لِمُخَالَفَتِهَا لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْآكِلَ وَالشَّارِبَ فِي الْقِيَاسِ كَالْمُجَامِعِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَسَبِيلُ نَظِيرِهِ فِي الْحُكْمِ سَبِيلُهُ ، وَالنُّكْتَةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا : انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عَمْدًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ يَجْمَعُ كُلَّ فِطْرٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ : أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُجَامِعِ أَهْلَهُ ، وَلَيْسَ الْآكِلُ مِثْلَهُ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَقِيءَ عَمْدًا إِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَهُوَ مُفْطِرٌ عَمْدًا ، وَكَذَلِكَ مُزْدَرِدُ الْحَصَاةِ عَمْدًا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَهُوَ مُفْطِرٌ مُتَعَمِّدًا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ بَرِيئَةٌ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْآكِلُ عَمْدًا لَا يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ ، فَلَيْسَ كَالْمُجَامِعِ ، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَطُولُ ، وَفِيمَا لَوَّحْنَا بِهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْمُطَوِّسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَوْ صَحَّ عَلَى التَّغْلِيظِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ ، وَقَدْ جَاءَتِ الْكَفَّارَةُ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ ، وَالْكَفَّارَةُ تَغْطِيَةُ الذَّنْبِ وَغُفْرَانُهُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيمَا يُجْزِي مِنَ الْإِطْعَامِ عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ عَنْ فَسَادِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُطْعِمُ سِتِّينَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسِتِّينَ مِسْكِينًا ، مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ . وَالْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ : مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ هَلَكْتُ . قَالَ : وَيَحَكَ وَمَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي . قَالَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً . قَالَ : مَا أَجِدُهَا . قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ . قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . قَالَ : مَا أَجِدُ . فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَفِي حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ : بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ : هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، وَقَالَ : خُذْهُ وَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ ، وَإِذَا أَطْعَمَ خَمْسَةَ عَشَرَ سِتِّينَ أَصَابَ كُلُّ مِسْكِينٍ مِنْهُمْ رُبُعَ صَاعٍ ، وَذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا قَاطِعٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ تَتِمَّةُ ثَلَاثِينَ صَاعًا قِيَاسًا مِنْهُمْ عَلَى إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُجْزِي أَقَلُّ مِنْهُ فِي فِدْيَةِ الْأَدَاءِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ لَا قِيَاسٌ ، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَيِّنٌ ضَعِيفٌ ، سِيَّمَا فِي ابْنِ شِهَابٍ . وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأُوَيْسِيُّ ضَعِيفَانِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِتَقِفَ عَلَيْهِ وَتَعْرِفَهُ ، وَتَعْرِفَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ لِابْنِ شِهَابٍ إِلَّا عَنْ حُمَيْدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ، قَالَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً . قَالَ : لَا أَجِدُهَا . قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ . قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . قَالَ : لَا أَجِدُ . قَالَ : فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا . قَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ . قَالَ : مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِي . قَالَ : كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ ، وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْوَاطِئِ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ ، وَكَانَ فِي حُكْمِ الرَّجُلِ الَّذِي وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ؛ فَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَنْصُوصًا ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ : إِنَّهَا عَلَى الْمُعْسِرِ وَاجِبَةٌ ؛ فَإِذَا أَيْسَرَ أَدَّاهَا ، وَقَدْ يُخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ إِبَاحَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَكْلَ الْكَفَّارَةِ رُخْصَةً لَهُ وَخُصُوصًا . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ؛ فَلَمْ يَجِدْ كَفَّارَةَ الْمُفْطِرِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصِّيَامِ ، أَيُسْأَلُ فِي الْكَفَّارَةِ ؟ فَقَالَ : رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّارَةَ الْمُفْطِرِ عَلَى أَهْلِهِ . فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، وَلَا يَعُدْ ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ مُعْسِرًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ، يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ ، مِنْهَا : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ أَهْلَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ تَطَوَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ قَالَ لَهُ فِي شَيْءٍ أُتِيَ بِهِ : كَفِّرْ بِهِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْحَاجَةَ وَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ قَبَضَهُ ، قَالَ لَهُ : كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ، وَجَعَلَ التَّمْلِيكَ لَهُ حِينَئِذٍ مَعَ الْقَبْضِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا مَلَكَهُ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ ، وَكَانَ إِنَّمَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ هُوَ وَأَهْلُهُ لِحَاجَتِهِ ، وَيَحْتَمِلَ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ ؛ مَتَى أَطَاقَهَا أَدَّاهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ ، وَكَانَ هَذَا أَحَبَّ إِلَيْنَا ، وَأَقْرَبَ مِنَ الِاحْتِيَاطِ . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ إِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ ؛ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ بتلك الْكَفَّارَةَ ، وَتُجْزِي عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ فِي حَالِهِ تِلْكَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ سَاقِطَةً عَنْهُ إِذَا كَانَ مَغْلُوبًا كَمَا سَقَطَتِ الصَّلَاةُ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَغْلُوبًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَطْعِمْ عِيَالَكَ " أَتَقُولُ بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ إِلَّا فِي هَذَا بِعَيْنِهِ فِي الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ ، لَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا إِلَّا فِي الْجِمَاعِ وَحْدَهُ . قِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَوَقَعَ عَلَيْهَا نَحْوُ هَذَا ؟ فَقَالَ : وَلِمَنْ تَقُولُ هَذَا ؟ إِنَّمَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ : تَصَدَّقْ بِكَذَا ، وَاسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَى أَهْلِكَ ؛ فَإِنَّمَا أَمَرَ لَهُ بِمَا يَبْقَى . قُلْتُ لَهُ : فَإِنْ كَانَ الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ مُحْتَاجًا فَأَطْعَمَهُ عِيَالَهُ ، فَقَدَ أَجْزَأَ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَجْزَأَ عَنْهُ . قُلْتُ : وَلَا يُكَفِّرُ مَرَّةً أُخْرَى إِذَا وَجَدَ ؟ قَالَ : لَا ، قَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ خَاصٌّ فِي الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ وَحْدَهُ . وَزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ : أَنَّ الْكَفَّارَةَ دَيْنٌ عَلَيْهِ ، لَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ إِعْسَارُهُ بِهَا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ لَزِمَتْ إِنْسَانًا فَسَبِيلُهَا عِنْدَهُمُ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ ، يُؤَدِّيهَا إِذَا أَيْسَرَ ، فَكَذَلِكَ سَبِيلُ كَفَّارَةِ الْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي إِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْمُعْسِرِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَالَ لَهُ : كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ ، لَمْ يَقُلْ لَهُ : وَتُؤَدِّيهَا إِذَا أَيْسَرْتَ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يَسْكُتْ عَنْهُ حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ لَهُ ، قِيلَ لَهُ : وَلَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهَا سَاقِطَةٌ عَنْكَ لِعُسْرَتِكَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ فِي الْيَسَارِ لَزِمَ الذِّمَّةَ إِلَى الْمَيْسَرَةِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا وَطِئَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ طَائِعَةٌ فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا طَاوَعَتْهُ زَوْجَتُهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ كَفَّرَ كَفَّارَتَيْنِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : سَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ أَوْ أَكْرَهَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، إِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ ، فَإِنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ سَوَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِمَا إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَسَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ أَوْ أَكْرَهَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَجَابَ السَّائِلَ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَطَاوَعَتْهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أَكْرَهَهَا ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفًا لَمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبْيِينَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ وَطِئَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لا غير ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ رَأَى الْكَفَّارَةَ لَازِمَةً عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْهُ - الْقِيَاسُ عَلَى قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَلَمَّا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ؛ وَجَبَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ عَنْهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لَا قَضَاءَ ، وَلَا كَفَّارَةَ ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُعَافَى : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَا كَفَّارَةَ . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ مَعَ الْقَضَاءِ ، وَقَالَ : مِثْلُ هَذَا لَا يُنْسَى . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ نَاسِيًا لَا يَجْعَلُ لَهُ عُذْرًا ، وَيَقُولُ : لَا يَنْسَى هَذَا وَلَا يَجْهَلُهُ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : سَوَاءً وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَدَاوُدُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَيُتِمُّ صَوْمَهُ . وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَمَّنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : مَالِكٌ زَعَمُوا أَنَّهُ يَقُولُ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَضَحِكَ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ أَحْسَنُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ : وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ وَحَبِيبٍ وَهِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ صَائِمًا ؛ فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ ، أَتِمَّ صَوْمَكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلْيَمْضِ فِي صَوْمِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ . وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ فِي الْمُفْطِرِ نَاسِيًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . مِنْهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : رَجُلٌ نَسِيَ فَجَامَعَ فَقَالَ : لَيْسَ الْجِمَاعُ مِثْلُ الْأَكْلِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا ؛ لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَسِيتَ أَمْ تَعَمَّدْتَ ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَظَاهِرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي النِّسْيَانُ وَالْجَهَالَةُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَنَسِيتَ أَمْ تَعَمَّدْتَ ؟ وَأَفْتَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْفِعْلِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُجَامِعَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ عَامِدًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَاشَا قَتَادَةَ وَحْدَهُ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُفْطِرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لَا يَقْضِيهِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ لا غير إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفْطَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا فِي أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ والليث وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ ، وَسَوَاءٌ وَطِئَ الْمَرَّةَ الْأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا جَامَعَ أَيَّامًا فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ ثُمَّ يَعُودُ ، وَكَذَلِكَ الْآكِلُ وَالشَّارِبُ عِنْدَهُمْ ؛ فَإِنْ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى قَالُوا : وَإِنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ ، وَرَوَى آخَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا أَفْطَرَ وَكَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِإِفْطَارِهِ الثَّانِي إِذَا كَانَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ ، وَاخْتَلَفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ ، وَرُوِيَ عنه غير ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فَأُتِيَ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَأَكْثَرُهُمْ يَرْوِيهِ بِسُكُونِ الرَّاءِ ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِتْقَانِ فِيهِ فَتْحُ الرَّاءِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا رَوَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ ، وَبِالْفَتْحِ قَالَ : وَالْعَرَقُ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ هُوَ الْعَظْمُ ، قَالَ : وَتَأْوِيلُ الْعَرَقِ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمِكْتَلُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَسَعُ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَهُوَ سِتُّونَ مُدًّا ، كَذَلِكَ سَمِعْتُ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ : قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَرَقَ لِضَفْرِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَضْفُورٍ فَهُوَ عَرَقٌ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ بِالْخُوصِ ، قَالَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ : نَغْزُو فَنَتْرُكُ فِي الْمَزَاحِفِ مَنْ ثَوَى وَنُمِرُّ فِي الْعَرَقَاتِ مَنْ لَمْ نَقْتُلِ يَقُولُ : نَأْسِرُهُمْ فَنَشُدُّهُمْ فِي الْعَرَقَاتِ يَعْنِي النُّسُوعَ لِأَنَّهَا مَضْفُورَةٌ ، قَالَ : وَكُلُّ شَيْءٍ مُصْطَفٍّ مِثْلُ الطَّيْرِ إِذَا صَفَّتْ فِي السَّمَاءِ فَهِيَ عَرَقَةٌ لِأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ الْمَضْفُورِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْفَشُ : الْمِكْتَلُ الْعَظِيمُ فَإِنَّمَا سُمَّيَ عَرَقًا ؛ لِأَنَّهُ يُعْمَلُ عَرَقَةً عَرَقَةً ثُمَّ يُضَمُّ ، وَالْعَرَقُ الطَّرِيقَةُ الْعَرِيضَةُ ؛ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ طُرَّةُ الْكِتَابِ عَرَقَةً لِعِرَضِهَا وَاصْطِفَافِهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَرَّتِ الطَّيْرُ مُصْطَفَّةً ، يُقَالُ : مَرَّتْ بِنَا عَرَقَةٌ مِنْ طَيْرٍ ، وَكَذَلِكَ إِذَا جَاءَتِ الْخَيْلُ صَفًّا قِيلَ : قَدْ جَاءَتِ الْخَيْلُ عَلَى عَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وقال غير الْأَخْفَشُ : يُقَالُ عَرَقَةٌ وَعَرَقٌ ، كَمَا يُقَالُ عَلَقَةٌ وَعَلَقٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَسَائِلِ وَالتَّوْجِيهَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ مَوْجُودَةُ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهَا ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا ، لِتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ وَيُبَيَّنُ الْحَقُّ عَلَى شَرْطِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
1680 حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ ، وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ ؛ فَأَنْسَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَغْضَبْ " . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَبْرَةَ الْمَدَنِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ بَشِيرٍ الْكَاهِلِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلٌ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ فَوَصَلَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّهُ أَرَادَ : عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ لِئَلَّا أَنْسَى إِنْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ ، فَأَجَابَهُ بِلَفْظٍ يَسِيرٍ جَامِعٍ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ خَطِيرَةٍ ، وَلَوْ أَرَادَ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ مِنَ الذِّكْرِ مَا أَجَابَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْجَوَابِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَلِّمْنِي بِكَلِمَاتٍ يَسِيرَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا مَا حَدَّثَنِي بِهِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ شُعْبَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْفِهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا كُلُّهَا يُرْجِعُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَغْضَبْ " . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً ، وَرَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَمِّهِ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ لِي ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَا تَغْضَبْ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا تَغْضَبْ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ قُدَامَةَ مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ حَرْفًا بِحَرْفٍ ، وَرَوَاهُ وَهْبٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ قَالَ : قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ ابْنَ عَمٍّ لَهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ سواء بمعناه . هَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ ، وَالْمُفَضَّلُ عَنِ ابْنِ عَمٍّ ، وَقَالَ : مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَحْنَفِ عَنْ عَمِّهِ ، وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهُ كَمَا تَرَاهُ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، وَهُوَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ تَمِيمِيٌّ سَعْدِيٌّ ، لَهُ صُحْبَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَرِوَايَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ قِيلَ : اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقِيلَ : صَخْرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدٍ تَمِيمِيٌّ سَعْدِيٌّ أَيْضًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمِّهِ فِي نَسَبِهِ ، وَعَمُّهُ أَخُو أَبِيهِ لِأُمِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ : حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمَقْدِسِيُّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصِنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ قَالَ : لَا تَغْضَبْ . وَحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَخُو حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ ، وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَحْفَظُهُ ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ . قَالَ مُضَرُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ عِنْدَ غَيْرِ ابْنِ مَعِينٍ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَافِعٍ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : دُلَّنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنَ الْكَلَامِ الْقَلِيلِ الْأَلْفَاظِ الْجَامِعِ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ ، وَالْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ ، وَرَدَّ غَضَبَهُ ، أَخْزَى شَيْطَانَهُ ، وَسَلِمَتْ مُرُوءَتُهُ وَدِينُهُ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : لَا يُعْرَفُ الْحِلْمُ إِلَّا سَاعَةَ الْغَضَبِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ : الْعَقْلُ آفَتُهُ الْإِعْجَابُ وَالْغَضَبُ وَالْمَالُ آفَتُهُ التَّبْذِيرُ وَالنَّهْبُ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : وَلَمْ أَرَ فِي الْأَعْدَاءِ حِينَ خَبَرْتُهُمْ عَدُوًّا لِعَقْلِ الْمَرْءِ أَعْدَى مِنَ الْغَضَبِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا حَاوَلُوا وَدَنْدَنُوا حَوْلَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُبْعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا تَغْضَبْ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُذَيْلِ قَالَ : لَمَّا رَأَى يَحْيَى أَنَّ عِيسَى مُفَارِقُهُ ، قَالَ لَهُ : أَوْصِنِي ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، قَالَ : لَا تَقْنِي مَالًا ، قَالَ : عَسَى .
1765 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجٍّ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَنَاوَلَ قَصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ صُعُودُ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ ، وَتَنَاوُلُهُ فِي الْخُطْبَةِ الشَّيْءَ يَرَاهُ ، إِذَا كَانَ فِي تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ لِيُعَلِّمَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، وَفِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخُطْبَةِ ، وَتَعْلِيمُ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فِي الْخُطْبَةِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ وَالتَّنْظِيرِ وَالْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ ، أَلَا تَرَاهُ خَافَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْهَلَاكَ إِنْ ظَهَرَ فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ ظَاهِرًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ أُهْلِكُوا ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَهْلَكَ قَوْمَا بِعَمَلٍ ؛ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، دَلِيلُ ذَلِكَ : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمُ اسْتَحَقَّ أَنْ يَنَالَهُ مَا نَالَهُمْ أَوْ يَعْفُوَ اللَّهُ كَذَلِكَ . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ، أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَفْشُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِي نِسَائِهِمْ إِلَّا فِي حِينِ ارْتِكَابِهِمُ الْكَبَائِرَ ، وَإِعْلَانِهِمُ الْمَنَاكِرَ ، فَكَأَنَّهَا عَلَامَةٌ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا فِي أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْمَعَاصِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَا أَنَّهَا فِعْلَةٌ يَسْتَحِقُّ مَنْ فَعَلَهَا الْهَلَاكَ عَلَيْهَا دُونَ أَنْ يُجَامِعَهَا غَيْرُهَا ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَنُو إِسْرَائِيلَ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ نَهْيًا مُحَرِّمًا ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا ، فاستحقوا العقوبة ، وَالَّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ اتِّخَاذِ النِّسَاءِ الشُّعُورَ الْمُسْتَعَارَةَ ، وَوَصْلِهِنَّ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ ، وَفِيهِ وُرُودُ الْحَدِيثِ بَلَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ ، وَالْوَاصِلَةُ هِيَ الْفَاعِلَةُ لِذَلِكَ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ الطَّالِبَةُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تَزَوَّجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَمَرِضَتْ ، وَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوا فِيهِ ؛ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا : أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَقَالَ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَتْ : إِنِّي لَأَقْرَأُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا أَجِدُهُ ، قَالَ : إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِهِ لَقَدْ وَجَدْتِهِ ، أَمَا قَرَأْتِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : إِنِّي لِأَظُنُّ أَهْلَكَ يَفْعَلُونَ بَعْضَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَاذْهَبِي فَانْظُرِي ، قَالَ : فَدَخَلَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تُجَامِعْنَا ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ ، فَقَالَ : إِنْ أُمِّي كَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ أَتُرَى لِي أَنْ آكُلَ مِنْ مَالِهَا وَأَرِثَهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : إِنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ فَلَا بَأْسَ ، هَذَا مِنْ وَرَعِ ابْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَعْرَ بَنِي آدَمَ طَاهِرٌ ، أَلَا تَرَى إِلَى تَنَاوُلِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ فِي الْخُطْبَةِ قَصَّةَ الشَّعْرِ ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إِنَّ شَعْرَ بَنِي آدَمَ نَجِسٌ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الصُّوفِ مِنَ الْحَيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَأَمَّا الصُّوفُ مِنَ الْمَيْتَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْخُطْبَةِ بِالْمَوَاعِظِ وَالسُّنَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ ، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ نَحْوَ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَرَدِّ السَّلَامِ ، وَلِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ مِنْ كتابنا غير هَذَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ يُرِيدُ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ عَنْ تَغْيِيرِ مِثْلِ هَذَا وَالْحِفْظِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِهِ وَنَشْرِهِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْمَدِينَةَ قَدْ يَظْهَرُ فِيهَا ، وَيَعْمَلُ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهَا بِمَا لَيْسَ سُنَّةً ، وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ حَكَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَصْنَعُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَمَكَّةَ مِنْ إِخْرَاجِ إِمَائِهِمْ عُرَاةً مُتَّزِرَاتٍ ، وَأَبْدَانُهُنَّ ظَاهِرَةٌ ، وَصُدُورُهُنَّ ، وَعَمَّا يَصْنَعُ تُجَّارُهُمْ مِنْ عَرْضِ جَوَارِيهِمْ لِلْبَيْعِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً ، وَنَهَى عَنْهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ ، وَلَا أَمْرِ مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ مَنْ لَا وَرَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يَقُولُ : لَمَّا اتَّخَذَ عُرْوَةُ قَصْرَهُ بِالْعَقِيقِ عُوتِبَ فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ لَهُ : جَفَوْتَ عَنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ مَسَاجِدَكُمْ لَاهِيَةً وَأَسْوَاقَكُمْ لَاغِيَةً وَالْفَاحِشَةَ فِي فِجَاجِكُمْ عَالِيَةً ، فَكَانَ فِيمَا هُنَالِكَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ عَافِيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ بَقِيَ إِنَّمَا بَقِيَ شَامِتٌ بِنَكْبَةٍ أَوْ حَاسِدٌ عَلَى نِعْمَةٍ ، قَالُوا : فَهَذَا عُرْوَةُ يُخْبِرُ عَنِ الْمَدِينَةِ بِمَا ذَكَرْنَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِهَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا يَحْتَجُّ فِي مُوَطَّئِهِ وَغَيْرِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ عَمَلَ الْعُلَمَاءِ وَالْخِيَارِ وَالْفُضَلَاءِ لَا عَمَلَ الْعَامَّةِ السَّوْدَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ ، وَمِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا كِتَابِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِهِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . لَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ .
666 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ مُسْنَدٌ : مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَيْسَ بِفَرْضٍ صِيَامُهُ ، وَلَا فَرْضَ إِلَّا صَوْمُ رَمَضَانَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا صَائِمٌ إِلَّا لِفَضْلٍ فِيهِ ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : ثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ يَوْمًا يَتَحَرَّى فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ : يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ إِبَاحَةٌ وَرَدَتْ بَعْدَ وُجُوبٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا : إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَانَ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَ بِشَهْرِ رَمَضَانَ ؛ فَلِهَذَا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ صِيَامُ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ . الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَجَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي بَابِ حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ فِي الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ فَرَضَ الصِّيَامَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ بَدْرٍ ، يَعْنِي : صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ ؛ فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ فِيهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَيَأْمُرُ بِصِيَامِهِ ، وَقَدْ رَوَى شَيْخٌ يُسَمَّى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُوهِيٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ ، وَيَأْمُرُ بِصِيَامِهِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ . وهو مَحْفُوظٌ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَمَحْفُوظٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا إِسْنَادُ الْمُوَطَّأِ ، وَسَائِرُ ذَلِكَ عَنْهُ خَطَأٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ : ابْنِ شِهَابٍ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ صَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ وَالتَّبَرُّرِ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَ بِفَضْلِ صَوْمِهِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُ أَصْحَابُهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ : إنَّ غَدًا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَصُمْ ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُومُوا . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ مِثْلَ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ، رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ قَالَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ : صَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِهِ هَذَا ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صِيَامِهِ ، وَصَوْمِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ؛ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَى صَوْمِهِ . يَعْنِي : يَوْمَ عَاشُورَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ طَاوُسٌ لَا يَصُومُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ ، وَلَيْسَ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ عَلَى مَا عَلِمَهُ غَيْرُهُ حُجَّةٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ لَا تَدْفَعُ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ فَضْلَ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَمَلِهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ تَخْيِيرَهُ إِنَّمَا كَانَ لِسُقُوطِ وُجُوبِ صِيَامِهِ ، لَا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِصَوْمِهِ ، وَلَمَّا سَقَطَ وُجُوبُهُ صِيمَ عَلَى جِهَةِ الْفَضْلِ ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا عِنْدِي مِثْلَ قِيَامِ اللَّيْلِ ، كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً حَوْلًا كَامِلًا ؛ فَلَمَّا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ الْخَمْسُ صَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَضِيلَةً بَعْدَ فَرِيضَةٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَا : أَنْبَأَ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَ أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصُمْهُ أَيْضًا إِلَّا تَعْظِيمًا لَهُ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ لِأَهْلِ يَثْرِبَ يَلْبَسُ فِيهِ النِّسَاءُ شَارَتَهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَالِفُوهُمْ فَصُومُوهُ . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالُوا : كُنَّا نُؤْمَرُ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ ؛ لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ، وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ ، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ . وَقَالَ عَلْقَمَةُ : أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فِيمَا بَيْنَ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ ، مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ ، فَمَا رَأَيْتُهُ فِي يَوْمٍ صَائِمًا إِلَّا يَوْمَ عَاشُورَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَفْرِضِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ . الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ فَضْلًا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَقَدْ جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : وَأَنَا صَائِمٌ ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحُفَّاظِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، ثُمَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ التَّابِعِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى ، مَعَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً . رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شَابُورَ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ هَذِهِ السَّنَةَ ، وَالَّتِي تَلِيهَا ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَسَعِيدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ الْمِعْوَلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمعناه . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ ، وَالتَّرْغِيبِ فِي صِيَامِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ أَمَرَ قَوْمًا قَدْ طَعِمُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الطَّعَامِ ، وَيَصُومُوا بَاقِيَ يَوْمِهِمْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ : مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ ، وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْهُ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ : اعْدُدْ فَإِذَا أَصْبَحْتَ يَوْمَ التَّاسِعِ فَأَصْبِحْ صَائِمًا قُلْتُ : كَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ قَالَ : نَعَمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَنْ أَحَبَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ صَامَ يَوْمَيْنِ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ احْتِيَاطًا مِنْهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَأَبُو رَافِعٍ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . وَرَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي السَّفَرِ ، وَيُوَالِي بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ ، وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَصُومُ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ؛ فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَصُومُ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : خَالِفُوا الْيَهُودَ ، وَصُومُوا التَّاسِعَ ، وَفِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ واهْتِبَالِهِمْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سَالِمٍ الطَّوِيلُ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا : يَوْمُ عَاشُورَاءَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ ، وَلَكِنَّ اسْمَهُ الْعَاشُورَاءُ . وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ وَكِيعٍ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ والنصارى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا التَّاسِعَ . فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيِّ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ إِلَى أَنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَزَلْ يَصُومُهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي مُوَاظَبَتِهِ عَلَى صِيَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْآثَارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَوَكِيعٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ ، وَمِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَمَنْ صَامَ يَوْمَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِيَامِ عَاشُورَاءَ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : عَاشُورَاءُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ ، قَالَ : وَيُقَالُ : التَّاسِعُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مِقْلَاصٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ ابْنِ شِهَابٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي سَفَرٍ ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِفِطْرِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : فرأيته صائما فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي السَّفَرِ ، وَأَنْتَ تُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَمَضَانَ لَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَعَاشُورَاءُ يَفُوتُ .
148 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ يُسْنَدُ مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ لَأَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ . هَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ ؛ لِاتِّصَالِهِ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ ، وَلِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى أَبُو الْمُصْعَبِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَرَوَاهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَأَيُّوبُ بْنُ صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَحَوْثَرَةُ وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيُّ الْأَصَمُّ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَسَحْنُونُ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ . وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ مَا ذَكَرْنَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَقَرَأْتُهُ عَلَى ابْنِ نَافِعٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَلَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَلَا ابْنُ نَافِعٍ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمَقَّرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السِّوَاكِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ ؛ لِقَوْلِهِ : مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَمَعَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَالصَّلَاةُ قَدْ تَجِبُ فِي أَكْثَرِ السَّاعَاتِ بِالْعَشِيِّ وَالْهَجِيرِ وَالْغَدْوَاتِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى السِّوَاكُ الرَّطْبُ لِلصَّائِمِ ، وَأَجَازُوا الْيَابِسَ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ لِلصَّائِمِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ والليث : لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ لِلصَّائِمِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهَهُ بِالْعَشِيِّ لِلْخَلُوفِ ، وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : السِّوَاكُ سُنَّةٌ لِلصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ ، وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ . حَدَّثَنَا خَلَفٌ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ حَيُّوَيْهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَلُّ الدَّلَائِلِ عَلَى فَضْلِ السِّوَاكِ ، وَالرَّغْبَةِ فِيهِ ، وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ التَّيْسِيرِ فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ ، وَأَنَّ مَا يَشُقُّ مِنْهَا مَكْرُوهٌ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَفَضْلُ السِّوَاكِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ بَعْدَ السِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يُحَافِظُونَ عَلَى السِّوَاكِ مَعَ وُضُوءِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَكَانُوا أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ عِنْدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : السِّوَاكُ شَطْرُ الْوُضُوءِ ، وَقَالَ : وَرَكْعَةٌ عَلَى أَثَرِ سِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَا يَصِحُّ حَدِيثُ : الصَّلَاةُ بِأَثَرِ السِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ ، وَهُوَ بَاطِلٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ السِّوَاكَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ تَغَيَّرَ فِيهَا الْفَمُ نَحْوَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ ، وَالْأَزْمِ وَكُلِّ مَا يُغَيِّرُ الْفَمَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ ، وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ . وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ السِّوَاكَ الَّذِي يُغَيِّرُ الْفَمَ ، وَيَصْبُغُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِزِينَةِ النِّسَاءِ ، وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ الْأَرَاكُ وَالْبَشَامُ وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبْغٌ وَلَوْنٌ ؛ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا خَلَا الرَّيْحَانَ وَالْقَصَبَ ؛ فَإِنَّهُمَا يُكْرَهَانِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ - أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ ، وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1473 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، شَرَكَهُ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ . قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ : النَّحْلُ وَالنِّحْلَةُ الْعَطَاءُ بِلَا اسْتِعَاضَةٍ ، وَنَحَلَ الْمَرْأَةَ مَهْرَهَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : صَدَقَاتُهُنَّ مُهُورُهُنَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : نِحْلَةٌ أَيْ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُهُورَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ ، وَفَرِيضَةٌ عَلَيْكُمْ وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى ، كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ : إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : فَارْجِعْهُ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : فَارْدُدْهُ ، وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا قَوْلُهُ فَارْجِعْهُ ، قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ ابْنِ بَشِيرٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ هِشَامٍ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُوجِبُ أَحْكَامًا ، سَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَامًا ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا هَذَا الْغُلَامُ ؟ قَالَ : غُلَامٌ أَعْطَانِيهِ أَبِي ، قَالَ : أَفَكُلَّ إِخْوَتِكَ أَعْطَاهُمْ كَمَا أَعْطَاكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْدُدْهُ ، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ خَاطَبَ بِهَذَا الْقَوْلِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَبَاهُ بَشِيرًا الْمُعْطَى ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدٌ أَنَّ ابْنَ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلًا ، فَقَالَتْ أُمُّهُ : أَشْهِدْ عَلَيْهِ لِابْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ، وَرَوَاهُ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، فَخَالَفَهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نِحْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ فَقَالَ : أَكُلَّ بَنِيكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ الْعَطِيَّةِ مِنَ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ ( وَهَذَا فِي صِحَّةِ الْآبَاءِ ) لِأَنَّ فِعْلَ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ وَصِيَّةٌ ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، يُسْتَغْنَى عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ . وَفِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطَاءِ لِقَوْلِهِ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَه مِثْلَ هَذَا ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى : هَلْ هُوَ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ ؟ فَأَمَّا مَالِكٌ والليث وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَأَجَازُوا أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ بِالنِّحْلَةِ وَالْعَطِيَّةِ عَلَى كَرَاهِيَةٍ مِنْ بَعْضِهِمْ ، عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالتَّسْوِيَةُ أَحَبُّ إِلَى جَمِيعِهِمْ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ فِيمَنْ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ ، قَالَ : وَقَدْ نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ . حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَرْكُ التَّفْضِيلِ فِي عَطِيَّةِ الْأَبْنَاءِ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ . قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ . وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ بِنَحْوِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ عَطِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ ، وَبِمَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا ، وَانْطَلَقَ بِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً ؟! قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِرَدِّهَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِتَأْكِيدِهَا بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهَا لِتَقْصِيرِهِ عَنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِهِ وَتَرْكِهِ الْأَفْضَلَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ بِمَا شَاءَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا لَمْ يَرِدِ الْإِضْرَارُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمُ ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ ، وَقَدْ روي عَنِ الثَّوْرِيِّ : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطِيَّةِ ، وَكَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَايَا ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ نَفَذَ وَلَمْ يُرَدَّ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ قَالَ : وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ أُمِرَ بِرَدِّهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ فَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ ، وَقَالَ طَاوُسٌ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُنَفَّذْ وَفُسِخَ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِثْلُهُ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : " فَارْجِعْهُ " حَمَلُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَأَبْطَلُوا عَطِيَّةَ الْأَبِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَارْجِعْهُ ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : هَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، قَالُوا : وَمَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النُّعْمَانِ : هَذَا جَوْرٌ ، وَلَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُبَابٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا بَشِيرُ أَلَكَ ابن غير هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَوَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ الَّذِي وَهَبْتَ لِهَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ . قَالَ أَحْمَدُ : وَثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ ابْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ . حَمَلُوا هَذَا عَلَى الْوُجُوبِ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : كَانَ إِذَا سَأَلُوهُ عَنِ الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ وَلَدِهِ يَقْرَأُ : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قَالَ سُفْيَانُ : وَنَقَلْتُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ وَلَدِهِ ، وَلَوْ كَانَ رَغِيفًا مُحْتَرِقًا ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْكُوفِيِّ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبْلَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْفَضْلِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَرْضًا أَنْ لَا يُعْطِيَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ( كَذَلِكَ ) عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ مَالَهُ لِغَيْرِ وَلَدِهِ ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ ( جَمِيعَ وَلَدِهِ عَنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ ) عَنْ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ ، وَأَمَّا قِصَّةُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ هَذِهِ فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِهِ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ ، أَكْثَرُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَرِوَايَةُ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوُ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ رَوَاحَةَ أَعْطَيْتُهُ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ، قَالَ : فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ رَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ وَمُغِيرَةُ وَدَاوُدُ وَمُجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ : مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ نِحْلَةً غُلَامًا لَهُ - قَالَ : فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشْهِدْهُ ، قَالَ : فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي النُّعْمَانَ نُحْلًا ، وَإِنَّ عَمْرَةَ سَأَلَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ النُّعْمَانَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا ، قَالَ هُشَيْمٌ : قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ : هَذَا جَوْرٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ تَلْجِئَةٌ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي حَدِيثِهِ : أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، وَذَكَرَ مُجَالِدٌ فِي حَدِيثِهِ : إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُجَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ : سَمَّعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ . فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مَعَ قَوْلِهِ : أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى جَوَازِ الْعَطِيَّةِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ هَذِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ ؛ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْحَقَّ الَّذِي لَا تَقْصِيرَ فِيهِ عَنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْحَقِّ ، وَإِنْ كَانَ مَا دُونَهُ حَقًّا . فَصَحَّ بِهَذَا كُلِّهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي اسْتِحْبَابِ تَرْكِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ وَإِمْضَائِهِ إِذَا وَقَعَ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْأَفْضَلِ كَمَا لَوْ أَعْطَى لِغَيْرِ رَحِمِهِ ، وَتَرَكَ رَحِمَهُ كَانَ مُقَصِّرًا عَنِ الْحَقِّ ، وَتَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَنَفَذَ مَعَ ذَلِكَ فِعْلُهُ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُشَاوَرَةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ الْهِبَةِ ، فَدَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَوْكَدِ عَلَيْهِ ، وَمَا فِيهِ الْفَضْلُ لَهُ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا حَدَّثَنِيهِ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ : انْحَلِ ابْنَكَ غُلَامًا ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامًا ، وَقَالَتْ : أَشْهِدْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلَهُ إِخْوَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : لَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا الْخَبَرَ ثُمَّ قَالَ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا أَحْفَظُ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَأَضْبَطُ لَهُ ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ كَانَ صَغِيرًا قَالَ : وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَهَبَ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَجْمَلِ الْأُمُورِ وَأَوْلَاهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ " أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا " فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ ، وَمَعَ إِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ اسْتِحْبَابِهِمْ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ فِي الْعَطِيَّةِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ مِثْلَ مَا يُعْطِي الْأُنْثَى ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : أَلَا تَرَى الْحَدِيثَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أَحَدًا آثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : التَّسْوِيَةُ أَنْ يُعْطَى الذَّكَرُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قِيَاسًا عَلَى قَسْمِ اللَّهِ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ ، فَإِذَا قَسَّمَ فِي الْحَيَاةِ قَسَّمَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ : عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَلَا أَحْفَظُ لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فَارْجِعْهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ ، وَمَعْنَى الِاعْتِصَارِ عِنْدَهُمُ : الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبِ عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْأَبِ وَحْدَهُ ، وَلِلْأُمِّ أَيْضًا إِنْ وَهَبَتْ لِابْنِهَا شَيْئًا وَأَبُوهُ حَيٌّ أَنْ تَرْجِعَ ، فَإِنْ كَانَ يَتِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَتْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْيَتِيمِ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي لَا رُجُوعَ فِيهَا لِأَحَدٍ ، فَإِنْ وَهَبَتْ لِابْنِهَا وَأَبُوهُ حَيٌّ ثُمَّ مَاتَ ، وَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ فِي هِبَتِهَا تِلْكَ ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ : أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَبَدًا فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ ، هَذَا إِذَا كَانَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْهِبَةِ ، أَوْ يَنْكِحْ ، فَإِذَا تَدَايَنَ أَوْ نَكَحَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لَهُ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْهِبَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا رُجُوعٌ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدٍ فِيهَا ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ : إنَّ الْوَاهِبَ عَلَى هِبَتِهِ إِذَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ حَتَّى يُثَابَ مِنْهَا ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ تَهْلَكَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وطلب الواهب الثَّوَابُ فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ " فَارْجِعْهُ " - أَمْرُ إِيجَابٍ لَا نَدْبٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ نَحَلَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ بَنِيهِ مَالَهُ كُلَّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، حَكَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ أَشْهَبُ : فَقِيلَ لِمَالِكٍ : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاحِلِ مَالٌ غَيْرُهُ ، أَيَرْتَجِعُهُ بَعْدَ النِّحْلَةِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيُقَالَ ، وَقَدْ قُضِيَ بِهِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ غَيْرُ مَالِكٍ : لَا يُعْرَفُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ بَشِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَبْدِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَدِّ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ مِنْ أَجْلِ مَا يُوَلِّدُ ذَلِكَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْبَنِينَ ، وَرُبَّمَا أَبْغَضُوا أَبَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مِنْ جِهَةِ التَّحْرِيمِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا مَا نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ وَلَدِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ ، وَلَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا وَالصَّدَقَةَ سَوَاءٌ إِذَا أَرَادَ بِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي مُرَاعَاةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَصَرُ وَلَا يَرْجِعُ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ ، وَإِنَّهَا كَالصَّدَقَةِ لِلَّهِ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَجُمْلَةُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ هِبَةً مَقْسُومَةً مَعْلُومَةً ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً فَالْهِبَةُ لَهُ جَائِزَةٌ ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَعْتَصِرَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا لَمْ تَجُزِ الْهِبَةُ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْوَلَدُ ، فَإِذَا قَبَضَهَا فَهِيَ لَهُ جَائِزَةٌ ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ، وَلَا يَعْتَصِرَهَا ، قَالُوا : وَكَذَلِكَ النَّحْلُ وَالصَّدَقَةُ ، وَالزَّوْجَانِ عِنْدَهُمْ فِيمَا يَهَبُ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ كَذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَى صَاحِبَهُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا ، وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَرْوَانَ هَذَا ، فِيمَنْ وَهَبَ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ قَرَابَةٍ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ذِكْرُ الزَّوْجَيْنِ ، وَقَوْلُهُمْ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ : إنَّهَا جَائِزَةٌ ، عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، إِلَّا أَنَّهَا إِنْ زَادَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ هَلَكَتْ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ عِنْدَهُمْ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَبْضِ الْمَشَاعِ فِيمَا زَعَمُوا ، وَلَوْ قَبَضَ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا الْقَبْضُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقْبَضَ مَفْرُوزًا مَقْسُومًا ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَلَمْ يُقَسَّمْ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ قَبْضٌ فَهِيَ عِنْدُهُمْ عِدَةٌ لَا تَلْزَمُ الْوَاهِبَ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ يُجِيزُ هِبَةَ الْمَشَاعِ إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ جَمِيعَ الشَّيْءِ الْمَشَاعِ ، وَبَانَ بِهِ ، وَتَصِحُّ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بالقول ، وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْوَاهِبَ بِهَا ، وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ بَعْدَهُ ، فَإِنْ مات الواهب قَبِلَ قَبْضَ الْهِبَةِ ؛ فَهِيَ بَاطِلَةٌ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا حِينَ وَهَبَ وَلَمْ يُسَلِّمْ مَا وَهَبَ حَتَّى مَاتَ ، عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الْبَاطِنِ صَحِيحَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ تَكَلَّمَ بِهِ الْوَاهِبُ لِتَكُونَ الْهِبَةُ بِيَدِهِ كَمَا كَانَتْ حَتَّى إِذَا مَاتَ خَرَجَتْ عَنْ وَرَثَتِهِ فَالْهِبَةُ عَلَى هَذَا بَاطِلٌ ، وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَهُمُ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ : مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ : هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أُعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ ، مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَهَا حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ ، فَهِيَ بَاطِلٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا وَهَبَ لِبَنِيهِ ، وَلَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ رُجُوعٌ ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ ، وَالْقَبْضُ فِيهَا كَالْقَبْضِ فِي الْبُيُوعِ ، وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ ، وَذَلِكَ بَيْعٌ لَا يَجُوزُ ، وَلَا مَعْنَى عِنْدَهُ لِلْهِبَةِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ . وَحُجَّتُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَلَدِ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ حَدِيثُ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَمِنْ مَرَاسِيلِ طَاوُسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِكُلِّ أَجْنَبِيٍّ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ بَالِغٍ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ سَوَاءٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ : وَقَدِ اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا مَقْبُوضَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلِلْأَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِبَنِيهِ ، وَسَوَاءٌ اسْتَحْدَثَ الِابْنُ دَيْنًا أَوْ نَكَحَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِشْهَادُ أَبِيهِ وَإِعْلَانُهُ بِمَا يُعْطِيهِ حِيَازَةً لَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ وَرَثَةِ أَبِيهِ إِنْ مَاتَ ، وَهِيَ لِلصَّغِيرِ أَبَدًا ، وَإِنْ كَبُرَ وَبَلَغَ رَشِيدًا ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى قَبْضٍ آخَرَ ، وَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا أَبُوهُ بِإِشْهَادٍ يُبَيِّنُ بِهِ رجوعه فِي تِلْكَ الْهِبَةِ فَهِيَ لِلِابْنِ وَعَلَى مِلْكِهِ فَإِنْ رَجَعَ فِيهَا الْأَبُ بِالْقَوْلِ وَالْإِعْلَانِ وَعُرِفَ ذَلِكَ ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلِابْنِ وَعَلَى مِلْكِهِ ، عَلَى أَصْلِ إِشْهَادِهِ بِالْهِبَةِ لَهُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَلَا يَضُرُّهُ مَوْتُهُ ، وَهِيَ بِيَدِهِ لِأَنَّهَا قَدْ نَفَذَتْ لَهُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا الْأَبُ بِالْقَوْلِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : تَصِحُّ الْهِبَةُ ، وَالصَّدَقَةُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْهِبَةُ مَشَاعًا أَوْ غَيْرَ مَشَاعٍ وَالْقَبْضُ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ وَتَصِحُّ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ لَا نَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ . وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ بِالْقَوْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا قَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَالْمَشَاعُ وَغَيْرُ الْمَشَاعِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَالْبَيْعِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : كُلُّ مَنْ عَدَا الْأَبَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ سَوَاءً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ أَوْ لَمْ يُرِدْ ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ كَحُجَّةِ الشَّافِعِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : " لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ " وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ ، وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ : لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَلَا لِمُهْدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَدِيَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، قَالَ قَتَادَةُ : لَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا ، وَالْجَدُّ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ كَالْأَبِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَرْجِعُ الْوَالِدَانِ وَالْجَدُّ فِيمَا وَهَبُوا وَلَا يَرْجِعُ غَيْرُهُمْ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ، وَمَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَيَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِحَدِيثِ مَرْوَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : إِنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً ، وَأَجَازَ إِسْحَاقُ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ : أَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى قَبْضٍ ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهَا يُغْنِي عَنِ الْقَبْضِ ، وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ لِخُصُوصِهِ بِذَلِكَ مَا دَامَ صغيرا ، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي هِبَةِ الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّ الْإِشْهَادَ يُغْنِي فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يَعْزِلَهَا وَيُعَيِّنَهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مِنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا ثُمَّ هَلَكَ ، وَهُوَ يَلِيَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ : اشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ فِي هِبَةِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ، وَذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الشَّيْءِ يُعَيِّنُهُ شُهُودًا يَقِفُونَ عَلَيْهِ وَيُعَيِّنُونَهُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُطْبَعُ عَلَيْهِ طَبَعَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الْأَبِ ، وَمَا لَمْ يَقِفِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فِي حِينِ الْإِشْهَادِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صغيرا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نُحْلَهُ فَأَعْلَنَ ذَلِكَ ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ سَائِرِ الْعُرُوضِ أَنَّ إِعْلَانَ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ يُدْخِلُهُ فِي مِلْكِ الِابْنِ الصَّغِيرِ ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ الْأَبِ ، وَتَصِحُّ بِذَلِكَ الْعَطِيَّةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُحْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ بِبُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ فَلَا يَقْبِضُ تِلْكَ الْهِبَةَ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَهَا ، وَتَتَمَادَى فِي يَدِ الْأَبِ كَمَا كَانَتْ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَتْ حِينَئِذٍ الْهِبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ بَلَغَ الِابْنُ رُشْدًا ، وَمَنَعَهُ الْأَبُ مِنْهَا كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْبِضَهَا ، وَيَحُوزَهَا لِنَفْسِهِ ، فَإِنِ ادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ رَجَعَ فِيهَا ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الِابْنِ دَيْنٌ يَمْنَعُ مِنْ رُجُوعِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ إِذَا لَمْ يَقُلْ فِيهَا : إِنَّهَا لِلَّهِ ، فَإِنْ قَالَ : إِنَّهَا لِلَّهِ ، كَانَتْ كَالصَّدَقَةِ ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا ، وَأُجْبِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى ابْنِهِ إِذَا بَلَغَ رُشْدًا . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ مَضَى قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِيمَ فَأَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَعَيَّنَهَا وَجَعَلَهَا لِابْنِهِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ، فَهِيَ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ إِذَا مَاتَ الْأَبُ ، وَفِي حَيَاتِهِ بِحِيَازَةِ الْقَابِضِ لَهَا لِلِابْنِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَجَعَلَهَا فِي ظَرْفٍ مَعْلُومٍ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا ، وَتُوجَدُ عِنْدَهُ مَخْتُومًا عَلَيْهَا ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ يَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ طَبَعَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَطْبَعْ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُخْرِجَهَا إِلَى غَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٌ : هِيَ عَطِيَّةٌ جَائِزَةٌ إِذَا وُجِدَتْ بِعَيْنِهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ بَدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ اقْتَضَاهُ : أَنَّهُ لِلِابْنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ ثُمَّ يَبِيعُهُ فَالثَّمَنُ لِلِابْنِ ، وَأَجْمَعُوا أَنْ الوالد لَا يَعْتَصِرَ الْفَرْجَ إِذَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ فَوَطِئَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : إِنَّ الْوَلَدَ يَعْتَصِرُ أَيْضًا مَا وَهَبَ لِوَالِدِهِ إِلَّا رَبِيعَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، فَهَذَا مَا يَقُومُ مِنْ مَعَانِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يُجِزِ الْهِبَةَ إِلَّا مَقْبُوضَةً : حَدِيثُ أُمِّ كُلْثُومٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى لِلنَّجَاشِيِّ مِسْكًا ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ : أَحْسَبُهُ مَاتَ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَيَّ أَعْطَيْتُكُمْ مِنْهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَوُجِدَ قَدْ مَاتَ ، فَرَجَعَ الْمِسْكُ إِلَيْهِ ، فَأَعْطَاهُنَّ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ تُحْتَازُ بِالْكَلَامِ لَمَا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هِبَتِهِ وَلَا هَدِيَّتِهِ ، وَكَيْفَ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " وَجَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَعَائِشَةَ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَاتِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِ الْوَاهِبِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي زَوَالِهِ مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِ الْوَاهِبِ حَتَّى يُجْمِعُوا ، وَلَمْ يُجْمِعُوا إِلَّا مَعَ الْقَبْضِ ، وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ : لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلَّا مَعْلُومَةً ، وَإِنْ كَانَتْ مُشَاعَةً ، فَيَكُونُ الْجُزْءُ مَعْلُومًا ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا بَطَلَتْ عَطِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَائِشَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً ، وَلَا سَهْمًا مِنْ سِهَامٍ مَعْلُومَةٍ ، قَالَ : وَكُلُّ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى هَذَا فَغَيْرُ جَائِزَةٍ . فَهَذَا كُلُّهُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَالنَّاسُ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَرَضُ الطَّارِئُ ، وَلِلْقَوْلِ فِي هِبَاتِ الْمَرِيضِ موضع غير هَذَا مِنْ كِتَابِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
485 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَأْيًا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا . أَدْخَلْنَا هَذَا فِي كِتَابِنَا ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُدْرَكُ بِنَظَرٍ ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّسْلِيمُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ ، وَمِنْ شَرْطِنَا أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا وَتَوْفِيقُنَا لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْنَدَهُ وَوَصَلَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ؟ فَقَالَ : ثُلُثُ الْقُرْآنِ أَوْ تَعْدِلُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمُّ حُمَيْدٍ هَذِهِ هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ وَمِنْ جِلَّةِ الصَّحَابِيَّاتِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَذَكَرْنَا خَبَرَهَا وَنَسَبَهَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُمَحِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ؟ فَقَالَ : ثُلُثُ الْقُرْآنِ أَوْ تَعْدِلُهُ . وَمِنْ أَصَحِّ الْمُسْنَدَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ : حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَحَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالصَّوَابُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ : وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ . أَخْبَرَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالُوا : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يَغْلِبُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ؟ قَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ هُنَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْهُ أَيْضًا ، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي قَيْسٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا مِثْلَهُ . وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِيهِ : حَدِيثُ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ جَمِيعًا عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : أَتَاهَا فَقَالَ : أَلَا تَرَيْنَ مَا أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : رُبَّ خَيْرٍ أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قَالَ لَنَا : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ ؟ قَالَ : فَأَشْفَقْنَا أَنْ يُرِيدَنَا عَلَى أَمْرٍ نَعْجِزُ عَنْهُ ، فَلَمْ نَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ؟ وَرَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : أَنْبَأَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ ؟ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ قَالُوا : نَحْنُ أَعْجَزُ مِنْ ذَلِكَ وَأَضْعَفُ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ . وَوَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ قَاسِمِ بْنِ هِلَالٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُوسَى الصَّغِيرِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . قَالَ الْبَزَّارُ : مُوسَى النَّخَعِيُّ رَجُلٌ كُوفِيٌّ حَدَّثَ عَنْهُ النَّاسُ ، قَالَ : وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ابْنُ أَخِي عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قَالَ : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : نِعْمَ السُّورَتَانِ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو تُمَيْلَةَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَأَنَا أَجْمَعُهُمَا جَمِيعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا الْإِسْنَادُ بِالْقَوِيِّ ، وَأَخْبَرَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ التَّمْتَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتِ فَنِصْفُ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ قَرَأَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فَرُبُعُ الْقُرْآنِ ، وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي سَفَرٍ ، فَقَرَأَ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ : قَدْ قَرَأْتُ لَكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَرُبُعَهُ . وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَطِيَّةَ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَرَأَ بَعْدَ الصُّبْحِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اثْنَا عَشَرَ مَرَّةً ، فَكَأَنَّمَا خَتَمَ الْقُرْآنَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِذَا اتَّقَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ لَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَحَادِيثُ عِدَّةٌ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ ، لَا نَقْطَعُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُنَاظِرُ فِيهَا ، وَالْقُرْآنُ عِنْدَنَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ ، فَسُبْحَانَ الْمُحِيطِ عِلْمًا بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ هَذَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّبَّاحِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بْنُ الْهَيْثَمِ : حَدَّثَنَا سَدُوسُ بْنُ عَلْقَمَةَ : حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا فَتُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ ، قَالَ : وَهِيَ : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-41
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة