الْمُقَدِّمَةُ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِهِ . عَوْنَكَ اللَّهُمَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ الْحَافِظُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ ، الْقَادِرُ الْقَاهِرُ ؛ شُكْرًا عَلَى تَفَضُّلِهِ وَهِدَايَتِهِ ، وَفَزَعًا إِلَى تَوْفِيقِهِ وَكِفَايَتِهِ ، وَوَسِيلَةً إِلَى حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ ، وَرَغْبَةً فِي الْمَزِيدِ مِنْ كَرِيمِ آلَائِهِ ، وَجَمِيلِ بَلَائِهِ ، وَحَمْدًا عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي عَظُمَ خَطَرُهَا عَنِ الْجَزَاءِ ، وَجَلَّ عَدَدُهَا عَنِ الْإِحْصَاءِ .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ قَصَدَ إِلَى تَخْرِيجِ مَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَصَدَ بِزَعْمِهِ إِلَى الْمُسْنَدِ ، وَأَضْرَبَ عَنِ الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرْسَلِ ، وَتَأَمَّلْتُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِمَّا جُمِعَ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ ، وَأُلِّفَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ ; فَلَمْ أَرَ جَامِعِيهِ وَقَفُوا عِنْدَ مَا شَرَطُوهُ ، وَلَا سَلِمَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا أَمَّلُوهُ ، بَلْ أَدْخَلُوا مِنَ الْمُنْقَطِعِ شَيْئًا فِي بَابِ الْمُتَّصِلِ ، وَأَتَوْا بِالْمُرْسَلِ مَعَ الْمُسْنَدِ ، وَكُلُّ مَنْ يَتَفَقَّهُ مِنْهُمْ لِمَالِكٍ وَيَنْتَحِلُهُ ، إِذَا سَأَلْتَ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ عَنْ مَرَاسِيلِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا : صِحَاحٌ ، لَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الطَّعْنُ فِيهَا ; لِثِقَةِ نَاقِلِيهَا ، وَأَمَانَةِ مُرْسِلِيهَا ، وَصَدَقُوا فِيمَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنَّهَا جُمْلَةٌ يَنْقُضُهَا تَفْسِيرُهُمْ بِإِضْرَابِهِمْ عَنِ الْمُرْسَلِ وَالْمَقْطُوعِ . وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ : أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ ، كَمَا يَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءً .