حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَمِعَ امْرَأَةً تُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ

حَدِيثٌ رَابِعٌ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ امْرَأَةً تُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ : الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عَرَفْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلُفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكَمَ بِهِ طَاقَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ أَبِي حَكِيمٍ ، وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنًى وَلَفْظًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ ، وَالْحَوْلَاءُ هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِيَ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَهِيَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ . حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ ، وَأَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ جَمِيعًا بِدِمَشْقَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ عُرْوَةُ : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا ، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ ، قَالُوا : إِنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا . وَذَكَرَهُ الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : هَذِهِ فُلَانَةٌ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَهْ ! عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَهُ ، وَبِهِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ آخَرُ لَيْسَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دِيمَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ قَلَّتْ ، قَالَتْ : وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ :

الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ قَدْرَ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . قَالَتْ : وَكَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ قَلَّتْ ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو سَلَمَةَ :

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ الْحَوْلَاءِ هَذَا مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : مَا تَصَوَّرْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَّا سَمِعْتُ صَوْتًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ ، لَا تَنَامُ إِذَا نَامَ النَّاسُ ، قَالَ : عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ إِجَازَةً ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ إِجَازَةً ، عَنِ الْعُقَيْلِيِّ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُوسَى الْمَكِّيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعَطَاءِ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى تَمَلُّوا أَنْتُمْ ، وَلَا يَسْأَمُ مِنْ أَفْضَالِهِ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِسَآمَتِكُمْ عَنِ الْعَمَلِ لَهُ ، وَأَنْتُمْ مَتَى تَكَلَّفْتُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُونَ لَحِقَكُمُ الْمَلَلُ ، وَأَدْرَكَكُمُ الضَّعْفُ وَالسَّآمَةُ ، وَانْقَطَعَ عَمَلُكُمْ ، فَانْقَطَعَ عَنْكُمُ الثَّوَابُ لِانْقِطَاعِ الْعَمَلِ ، يَحُضُّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَلِيلِ الدَّائِمِ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ الْمَلَلَ سَبَبٌ إِلَى قَطْعِ الْعَمَلِ . وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُشَادُّوا الدِّينَ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُغَالِبِ الدِّينَ يَغْلِبْهُ الدِّينُ . وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا يَقْطَعُ أَرْضًا ، وَلَا يُبْقِي ظَهْرًا . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ - : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ نَفِهَتْ نَفْسُكَ ، يَعْنِي أَعْيَتْ وَكَلَّتْ ، يُقَالُ لِلْمُعْيِ مُنْفِهٍ وَنَافِهٍ ، وَجَمْعُ نَافِهٍ نُفْهٍ ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَبِي عَمْرٍو قَالَ : وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْإِيغَالُ السَّيْرُ الشَّدِيدُ ، وَأَمَّا الْوُغولُ فَهُوَ الدُّخُولُ ، وَقَدْ جَعَلَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْغُلُوَّ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ سَيِّئَةً ، وَالتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً ، فَقَالَ : الْحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، فَلَفْظٌ مُخْرَجٌ عَلَى مِثَالِ لَفْظٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ سَوَاءً مَلَّ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَمَلُّوا ، وَلَا يَدْخُلُهُ مَلَالٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ جَلَّ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَضَعُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ لَفْظٍ وَقُبَالَتِهِ جَوَابًا لَهُ وَجَزَاءً ، ذَكَرُوهُ بِمِثْلِ لَفْظِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي مَعْنَاهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا

وَقَوْلُهُ :

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ

وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً ، وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ اعْتِدَاءً لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

وَقَوْلُهُ

إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ

وَقَوْلُهُ :

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا

وَأَكِيدُ كَيْدًا

وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُزُؤٌ ، وَلَا مَكْرٌ ، وَلَا كَيْدٌ ، إِنَّمَا هُوَ جَزَاءٌ لِمَكْرِهِمْ ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ ، وَجَزَاءُ كَيْدِهِمْ ، فَذَكَرَ الْجَزَاءَ بِمِثْلِ لَفْظِ الِابْتِدَاءِ لَمَّا وُضِعَ بِحِذَائِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَيْ إِنَّ مَنْ مَلَّ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ قُطِعَ عَنْهُ جَزَاؤُهُ ، فَأَخْرَجَ لَفْظَ قَطْعِ الْجَزَاءِ بِلَفْظِ الْمَلَالِ إِذْ كَانَ بِحِذَائِهِ وَجَوَابًا لَهُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ عَامِلٍ فَتْرَةٌ ، وَلِكُلِّ فَتْرَةٍ شِرَّةٌ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرها ، وَلِكُلِّ شِره فَتْرَةً ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ ، هَكَذَا قَالَ ، جُعِلَ فِي مَوْضِعِ الْفَتْرَةِ الشِّره فَقُلِبَ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى عَلَى مَا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ خَارِجَ مَعْنَاهُ ، وَالشِّره الْحِرْصُ ، وَالشَّرِهُ وَالشَّرِهَانُ الْحَرِيصُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَطِيسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّجْسَجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَخَفُّهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ أَخَفَّهَا عَلَى الْقُلُوبِ ، وَأَحَبَّهَا إِلَى النُّفُوسِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ عَادَةً وَخُلُقًا . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ أَخَفُّهَا يُرِيدُ عِيَادَةَ الْمَرْضَى ، فَمَنْ رَوَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْعِيَادَةِ التَّخْفِيفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ يَدْعُو الصَّدِيقَ إِلَى الْأُنْسِ بِهِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْعِيَادَةِ وَالْقَوْلُ فِيهَا فِي بَابِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث