الْحَدِيثُ السَّابِعُ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ
حَدِيثٌ سَابِعٌ لِإِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسٍ مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ . يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ - هَذَا مِنْ فَصِيحِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَلَاغَتِهِ ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ بَيِّنَةٌ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْبَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ بِالصَّاعِ وَالْمُدِّ لَا فِي الظُّرُوفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ وَالظُّرُوفِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ إِذَا اخْتَلَفَ فِي الْبُلْدَانِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَرْجِيحُ الْقَائِلِ بِذَلِكَ قَوْلُهُ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَالَ : الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ وَفِي هَذَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْمَدِينَةِ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ الْخَبَرُ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْكَيْلُ ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مَوْزُونًا عِنْدَهُمْ فَالتَّفَاضُلُ فِي بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْوَزْنُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلٌ بَيِّنٌ لِلْمَدِينَةِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُ مَنْ يُفَضِّلُ مَكَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا ، قَالُوا : وَفِي نَجْدِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا ، فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : دُعَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - لِلشَّامِ يَعْنِي لِأَهْلِهَا ، كَتَوْقِيتِهِ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ، عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّ الشَّامَ سَيَنْتَقِلُ إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَكَذَلِكَ وَقَّتَ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا - يَعْنِي عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ سَتَكُونُ كَذَلِكَ . وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ .