الْحَدِيثُ الرَّابِعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ مُرْسَلٌ شَرِكَهُ فِيهِ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَاحِبِهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ : مَا بَالُ هَذَا ؟ ، قَالُوا : نَذَرَ أَلَّا يَتَكَلَّمَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ طَاوُسَ عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَظُنُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هُوَ هَذَا ; لِأَنَّ مُجَاهِدًا رَوَاهُ ، عَنْ جَابِرٍ وَحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ صَاحِبِ مُجَاهِدٍ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُبَاحِ ، أَوْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلشَّمْسِ ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَا طَاعَةَ فِيهِ بِنَصِّ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ، وَكَذَلِكَ الْحَفَا وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ تَرِدِ الشَّرِيعَةُ بِعَمَلِهِ ، لَا طَاعَةَ لِلَّهِ فِيهِ ، وَلَا قُرْبَةً ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ بِالتَّقَرُّبِ بِعَمَلِهِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ . وَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا فِي مُوَطَّئِهِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، قَالَ : إِنْ نَوَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلْيَمْشِ عَلَى رِجْلَيْهِ وَلْيُهْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَحُجَّ وَلْيَرْكَبْ وَلْيَحُجَّ بِهِ مَعَهُ إِنْ أَطَاعَهُ ، وَإِنْ أَبَى ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ عَلَى مَالِكٍ إِيجَابَ الْهَدْيِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الَّذِي نَوَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، وَقَالُوا : لَيْسَ هَذَا أَصْلَهُ فِيمَنْ تَرَكَ الْوَفَاءَ بِمَا لَا طَاعَةَ فِيهِ مِنْ نَذْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِهَدْيٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ ، وَهُوَ يُشْبِهُ نَذْرَ الَّذِي نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ .
وَقَدْ سُئِلَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : لَوْ قَدَرَ أَنْ يَحْمِلَهُ لَكَانَ طَاعَةً ، قَالَ : وَمِنْ هُنَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَالْمُسْتَظِلِّ وَالْمُتَكَلِّمِ بَعْدَ نَذْرِهِ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْلُ مَالِكٍ الَّذِي لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا فِيهِ لِلَّهِ طَاعَةٌ بِمَا لَا طَاعَةَ فِيهِ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِمَا فِيهِ طَاعَةٌ وَتَرْكُ مَا سِوَاهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ ، وَذَاكَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ مَاشِيًا ; إِذِ الْمَشْيُ لَا طَاعَةَ فِيهِ ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَقْضِي عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَيَقْضِي عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ حَافِيًا أَنَّهُ يَنْتَعِلُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ كَانَ يَسْتَحْسِنُ الْهَدْيَ أَيْضًا ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَفَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ أَبُو إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ فَنَذَرَ لَيَقُومَنَّ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يُصَلِّيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْجُمُعَةَ وَلَيَصُومَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَرَآهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُهُ ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَسْتَظِلَّ وَيَصُومَ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْصِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ ، وَلَا الْكَفَّارَةُ عَنْهُ ، فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ إِيجَابَ الْكَفَّارَةِ بِالْهَدْيِ ، أَوْ غَيْرِهِ احْتِيَاطٌ ، قِيلَ لَهُ : لَا مَدْخَلَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي إِيجَابِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ فِي ذِمَّةٍ بَرِيئَةٍ ، بَلِ الِاحْتِيَاطُ الْكَفُّ عَنْ إِيجَابِ مَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِإِيجَابِهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً كَانَ عَلَيْهِ مَعَ تَرْكِهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، قِيلَ لَهُ : هَذَانِ حَدِيثَانِ مُضْطَرِبَانِ ، لَا أَصِلَ لَهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا يَدُورُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُورُ عَلَى زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ زُهَيْرٍ وَزُهَيْرٌ أَيْضًا عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ ، وَقَدْ بَيَّنَا الْعِلَّةَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ ، وَلَا غَيْرِهَا ، وَقَدْ قَالَهُ مَالِكٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ أَعْظَمُ مِنْ إِرَاقَةِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ عَلَى مَنْ نَذَرَ ذَلِكَ ، وَلَا لِلِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ; لِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ بِنَذْرٍ وَالْمُنْذِرُ فِي الْمَعْصِيَةِ قَدْ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلًا وَعَمَلًا ، فَأَمَّا الْعَمَلُ فَهُوَ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ ، فَلَا يَعْصِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي بَابِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ ، وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَيَأْتِي فِي بَابِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا يَنْضَافُ إِلَى هَذَا الْبَابِ وَيَلِيقُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .