حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّانِي نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا

حَدِيثٌ ثَانٍ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا ، وَهُوَ يَقُولُ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ الْحَاجَّ أَوِ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا مَكَّةَ أَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَاجُّ مُرَاهَقًا يَخْشَى فَوْتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، يَبْدَأُ بِالْحَجَرِ فَيَسْتَلِمُهُ ، ثُمَّ يَطُوفُ مِنْهُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ، فَإِذَا طَافَ بِهِ سَبْعًا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمَقَامِ ، أَوْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ رَكْعَتَيْنِ بِأَثَرِ أُسْبُوعِهِ ، يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا إِنْ شَاءَ إِلَى الصَّفَا ، فَيَرْقَى عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ السَّعْيَ مِنْهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَنْصُوصٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُ النَّاسِ أَحْسَنُ سِيَاقَةً لَهُ مِنْ بَعْضٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ الْحَلَبِيُّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْمُسْتَهِلِّ بْنِ أَبِي جَامِعٍ الْبَصْرِيُّ - يُعْرَفُ بَدْرَانَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ طَافَ بِالْبَيْتِ فَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعَةً ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَقَالَ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا ، فَرَقِيَ عليه فكبر ثَلَاثًا ، وَأَهَلَّ وَاحِدَةً ، ثُمَّ هَبَطَ ، فَلَمَّا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ سَعَى حَتَّى ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَسِيلِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّسَقَ بِالْوَاوِ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : قَبْلُ وَبَعْدُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ بَدَأَ بِذِكْرِ الصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ ، وَعَطْفُ الْمَرْوَةِ عَلَيْهَا ، إِنَّمَا كَانَ بِالْوَاوِ ، وَإِذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ سُنَّةً مَسْنُونَةً وَعَمَلًا وَاجِبًا ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مَا رَتَّبَهُ اللَّهُ وَنَسَّقَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ فِي كِتَابِهِ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ . وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَأَشْهَرِهَا أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّعْقِيبَ ، وَلَا تُعْطِي رُتْبَةً ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ قَالُوا فِيمَنْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ، أَوْ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، أَوْ قَدَّمَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، أَوْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ - أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لِمَنْ نَكَّسَ وُضُوءَهُ وَلَمْ يُصَلِّ - أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ صَلَاتَهُ ، فَإِنْ صَلَّى لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ عَلَى النَّسَقِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، هَذَا هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : مَنْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ، ثُمَّ وَجْهَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَكَانَهُ أَعَادَ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ، قَالَ عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَيُعِيدُ الْوُضُوءَ لِمَا يَسْتَقْبِلُ ، وَذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِمَا صَلَّى بِذَلِكَ الْوُضُوءِ . وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعَ مَالِكٍ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ نَسَقًا ، وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَسَائِرَ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ، قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ : أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا دِينَارًا : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَطَاءِ وَلَا يُوجِبُ تَقْدِمَةَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

إِنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْغُسْلِ ، وَلَا يُوجِبُ النَّسَقَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

فَبَدَأَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ :

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ

جَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَالِهِ فِي حِينِ وَقْتِ صَلَاةٍ أَنْ يَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ

لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ إِخْرَاجُ الدِّيَةِ وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَيُسَلِّمُهَا قَبْلَ أَنْ يُحَرِّرَ الرَّقَبَةَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَنْسُوقٌ بِالْوَاوِ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ رُتْبَةً . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ فِي الْوُضُوءِ إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي . وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الْآيَةِ ، إِلَّا مَعْنَى الْجَمْعِ ، لَا مَعْنَى التَّرْتِيبِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَأْمُورٌ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلَا تَرْتِيبَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَكَذَلِكَ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الْغَسْلُ ، لَا التَّبْدِيَةُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ

وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَمْعَ ، لَا الرُّتْبَةَ . هَذَا جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنِ احْتَجَّ لِلْقَائِلِينَ بِمَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى إِبْطَالِ وُضُوءِ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْوُضُوءِ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ ، وَإِبْطَالِ صَلَاتِهِ إِنْ صَلَّى بِذَلِكَ الْوُضُوءِ الْمَنْكُوسِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ ، إِلَّا الْمُزَنِيَّ . وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ راهويه ، وأبو ثَوْرٍ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُصْعَبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ مَعَهُمْ ، فَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ وَالْجَمْعَ جَمِيعًا ، وَحَكَى ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ لَهُ ، عَنْ نَحْوِيِّ الْكُوفَةِ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَهِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي وَاوِ الْعَطْفِ : إِنَّهَا تُوجِبُ الْجَمْعَ وَتَدُلُّ عَلَى تَقْدِمَةِ الْمُقَدَّمِ فِي قَوْلِهِمْ : أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا ، قَالُوا : وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي فَائِدَةِ الْخِطَابِ مَعَ الْجَمْعِ ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ أَحْيَانًا ، وَلَا تُوجِبُهَا أَحْيَانًا ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ بَيَانِ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا زَعَمَ مُخَالِفُونَا لَكَانَ فِي بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ بِفِعْلِهِ مَا يُوجِبُهُ ; لِأَنَّهُ مُذْ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ مَاتَ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا عَلَى التَّرْتِيبِ ، فَصَارَ ذَلِكَ فَرْضًا ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا احْتَمَلَ التَّأْوِيلُ مِنَ الْوُضُوءِ كَتَبْيِينِهِ عَدَدَ الصَّلَوَاتِ وَمِقْدَارَ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ بَيَانِهِ لِلْفَرَائِضِ الْمُجْمَلَاتِ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهَا مَفْرُوضَاتٌ ، فَمَنْ تَوَضَّأَ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُجِزْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ . وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ تَوَضَّأَ عَلَى التَّرْتِيبِ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِهِ . قَالُوا : وَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ حَدِيثَ عَلَيٍّ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو ابْنِ هِنْدٍ الْجَمَلِيُّ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ . وَالْمُنْقَطِعُ مِنَ الْحَدِيثِ لَا تَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَشَدُّ انْقِطَاعًا ; لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا رَآهُ ، وَلَا أَدْرَكَهُ ، وَهُوَ أَيْضًا حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ; لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيَّ رَوَيَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا أُبَالِي بِأَيِّهِمَا بَدَأْتُ بِالْيُمْنَى ، أَوْ بِالْيُسْرَى . وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِيَدَيْكَ قَبْلَ رِجْلَيْكَ ، قَالُوا : وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ فِي ابْنِ جُرَيْجٍ مِنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ . وَقَدْ تَابَعَهُ الْبُرْسَانِيُّ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا مَا يُوجِبُ تَقْدِيمًا ، وَلَا تَأْخِيرًا ; لِأَنَّ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لَا تَنَازُعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَقْدِيمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا نَسَقٌ بِوَاوٍ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ :

وَأَيْدِيَكُمْ

وَهَذَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ ثَابِتٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالُوا : فَهَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَوْجَبَتْ عِنْدَهُ أَوِ الَّتِي هِيَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ - الْقَبْلَ وَالْبَعْدَ ، فَالْوَاوُ عِنْدَهُ أَحْرَى بِهَذَا وَأَوْلَى ، لَا مَحَالَةَ ; لِأَنَّ الْوَاوَ أَقْوَى عَمَلًا فِي الْعَطْفِ مِنْ أَوْ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَيْضًا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ عَلِمْتُ بِهِ مَا نَدِمْتُ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنْ لَا أَكُونَ مَشَيْتُ ; لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، يَقُولُ حِينَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، قَالَ : يَأْتُوكَ رِجَالًا ، فَبَدَأَ بِالرِّجَالِ قَبْلَ الرُّكْبَانِ ، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ عِنْدَهُ الْقَبْلَ وَالْبَعْدَ وَالتَّرْتِيبَ . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ ابْنِ مُدْرَكٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ، قَالَ : ضَجَّ وَاللَّهِ الْقَوْمُ مِنَ الصِّغَارِ قَبْلَ الْكِبَارِ ، فَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَوَاءٌ ، قَالُوا : وَلَيْسَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ فِي التَّقْدِمَةِ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ مُخْتَلِفَانِ : أَحَدُهُمَا فِي مَالٍ ، وَالثَّانِي فِي بَدَنٍ ، وَقَدْ يَجِبُ الْوَاحِدُ عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْآخَرُ ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالرَّقَبَةُ شَيْئَانِ ، لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إِلَى الرُّتْبَةِ . وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَفَرْضٌ وَاحِدٌ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَكَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اللَّذَيْنِ أُمِرْنَا بِالتَّرْتِيبِ فِيهِمَا ، قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي الْعَطَاءِ وَبَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ عَمْرٍو وَزَيْدٍ مَعًا فِي عَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَمَكَّنٍ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، إِلَّا عَلَى الرُّتْبَةِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُنْذُ افْتِرَاضِ اللَّهِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا خُيِّرَ فِي أَمْرَيْنِ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الرُّتْبَةَ فِي الْوُضُوءِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ السُّجُودُ عَلَى الرُّكُوعِ بِإِجْمَاعٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَاوَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ فِي الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ :

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

الْآيَةَ ، قَالُوا : وَمَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْفَاءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَاءِ ، بِوَاوٍ كَانَ مَعْطُوفًا ، أَوْ بِغَيْرِ وَاوٍ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ الْعَطْفُ عَلَى الْفَاءِ ، وَحُكْمُهَا إِيجَابُ الرُّتْبَةِ وَالْعَجَلَةِ ، قَالُوا : وَحُرُوفُ الْعَطْفِ كُلُّهَا قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهَا تُوجِبُ الرُّتْبَةَ ، إِلَّا الْوَاوَ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمُ أَخَوَاتِهَا مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ فِي إِيجَابِ التَّرْتِيبِ . وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي

فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِبَادَتُهَا فِي شَرِيعَتِهَا الرُّكُوعَ بَعْدَ السُّجُودِ ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَهَا أَوَّلًا بِالْقُنُوتِ ، وَهُوَ الطَّاعَةُ ، ثُمَّ السُّجُودِ وَهِيَ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا كَمَا قَالَ : وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ؛ أَيْ أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ ، وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ، أَيِ : اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى :

وَخَرَّ رَاكِعًا

أَيْ : سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا

مَعَ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ ، قَالُوا : فَهَذِهِ الْوَاوُ قَدْ أَوْجَبَتِ الرُّتْبَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، وَرَجَّحُوا قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الصَّلَوَاتِ وَاجِبٌ ، وَهُوَ مَا قَالُوهُ ; لِأَنَّ مَنْ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ عَلَى النَّسَقِ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً بِإِجْمَاعٍ ، قَالُوا : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ دُخُولُ الْمَسْحِ بَيْنَ الْغَسْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجْلَيْنِ وَأَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ لَمَا فُهِمَ الْمُرَادُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَسْحِ ، فَأَدْخَلَ الْمَسْحَ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِيَثْبُتَ تَرْتِيبَ الرَّأْسِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَامْسَحُوا بَرُءُوسِكُمْ ، وَلَمَا احْتَاجَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُلْتَبِسٍ مُحْتَمِلٍ لِلتَّأْوِيلِ لَوْلَا فَائِدَةُ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ عَلَى مَنْ جَعَلَ الرِّجْلَيْنِ مَمْسُوحَتَيْنِ فَلِفَائِدَةِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَرَدَتِ الْآيَةُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، هَذَا جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَا ادَّعَوْهُ عَنِ الْعَرَبِ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْفَرَّاءِ وَالْكِسَائِيِّ وَهِشَامٍ فَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُمْ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْوَاوَ إِنَّمَا تُوجِبُ التَّسْوِيَةَ . وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ آيَةِ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالَ إِذَا كَانَ مَأْمُونًا وَبَذَّرَ الْوَرَثَةُ فَنَفَّذُوا الْوَصِيَّةَ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ ، ثُمَّ أَدَّوُا الدَّيْنَ بَعْدُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ - لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ الْوَصِيَّةِ ، وَلَوْ نَفَّذُوا الْوَصِيَّةَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ مَا يُؤَدَّى مِنْهُ الدَّيْنُ ، وَكَانُوا قَدْ عَلِمُوا بِهِ ضَمِنُوا ; لِأَنَّهُمْ قَدْ تَعَدَّوْا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ :

ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا

وَلَسْنَا نُنْكِرُ - إِذَا صَحِبَ الْوَاوَ بَيَانٌ يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِمَةِ - أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِمَوْضِعِ الْبَيَانِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ حَقَّ الْوَاوِ فِي اللُّغَةِ التَّسْوِيَةُ لَا غَيْرَ حَتَّى يَأْتِيَ إِجْمَاعٌ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَيُبَيِّنَ الْمُرَادَ فِيهِ ، وَالْإِجْمَاعُ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مَعْدُومٌ ، بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ . وَأَمَّا مَا ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ بَيَانٌ كَبَيَانِهِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ فَخَطَأٌ ; لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ فَرْضُهَا مُجْمَلٌ ، لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُصُولِ لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْهَا إِلَّا بِالْبَيَانِ ، فَصَارَ الْبَيَانُ فِيهَا فَرْضًا بِإِجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ آيَةُ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّا لَوْ تُرِكْنَا وَظَاهِرُهَا كَانَ الظَّاهِرُ يُغْنِينَا عَنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ بَيَانٍ . فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَعَلَى الْأَفْضَلِ كَمَا كَانَ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ قَبْلَ يَسَارِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَرْضٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّا كَذَلِكَ نَقُولُ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، هَذَا الَّذِي هُوَ أَوْلَى ، وَلَسْنَا نَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِيمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، هَلْ يَفْسُدُ عَمَلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ أَرَيْنَاهُمْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ; لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، إِلَّا أَنْ يَصْحَبَهُ دَلِيلٌ يُدْخِلُهُ فِي حَيِّزِ الْفُرُوضِ ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَقَالَ : ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ ، يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ . وَلَفْظُ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْإِدْخَالُ وَالِاحْتِجَاجُ على غير مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ ; لِأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ أَفْعَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى الْوُجُوبِ أَبَدًا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا أُرِيدُ بِهَا النَّدْبُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَارِجَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ عَنْ أَصْلِهِمْ . هَذَا ، وَقَدْ يَنْفَصِلُ مِنْ هَذَا بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ لَمْ يَحْتَجْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ مَفْهُومًا فِي فَحْوَى الْخِطَابِ أَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ الْقَبْلَ وَالْبَعْدَ مَا احْتَاجَ رَسُولُ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ كَانَ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِالصَّفَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيِّنًا فِي الْخِطَابِ ، فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ نَكَّسَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَبَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا يُجْزِئُهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُلْغِيَ ابْتِدَاءَهُ بِالْمَرْوَةِ ، وَيَبْنِي عَلَى سَعْيِهِ مِنَ الصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ . وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ : يُجْزِئُهُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الِابْتِدَاءُ عِنْدَهُمْ بِالصَّفَا اسْتِحْبَابٌ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْغِي الشَّوْطَ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ عَنْهُ ، وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَأَمَّا تَرْجِيحُهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الصَّلَاةِ فَأَصْلٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَرَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْمَأْمُور وَالْإِمَامِ ، وَفِي الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْعَبْدِ ، وَفِي الْوُضُوءِ بِمَا حَلَّ فِيهِ النَّجَاسَةُ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَهَذَا كُلُّهُ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ غَيْرُ قَوْلِهِ ، وَلَمْ يَرَ لِلِاحْتِيَاطِ مَعْنًى إِذْ قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاحْتِيَاطِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْمَشْهُورِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : مَنْ فَعَلَ فِعْلَنَا كَانَ مُصَلِّيًا بِإِجْمَاعٍ ، فَهَذَا أَيْضًا أَصْلٌ لَا يُرَاعِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ذُهِبَ إِلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ أَوْجَبَ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ فَظَنٌّ ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، مُتَكَرِّرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَلْزَمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَادُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ الْجَمَلِيُّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي ، قَالَ : عَوْفٌ : وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ : الْمَضْمَضَةِ ، ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقِ ، ثُمَّ الْوَجْهِ ، ثُمَّ الْيَدَيْنِ ، ثُمَّ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ ، ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ ، قَالَ : فَإِنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ ، فَلَا حَرَجَ ، وَهُوَ يَكْرَهُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ فِي مِثْلِ قَوْلِ عَطَاءٍ سَوَاءٌ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ بِتَنْكِيسِ السَّعْيِ وَتَنْكِيسِ الطَّوَافِ بَأْسًا فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالصَّفَا وَخَتَمَ بِالْمَرْوَةِ فِي السَّعْيِ ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى رُتْبَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ . وَالْحَجُّ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلٌ ، وَبَيَانُهُ لَهُ كَبَيَانِهِ لِسَائِرِ الْمُجْمَلَاتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، إِلَّا أَنْ يُجْمَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُخْرَجَ بِدَلِيلِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ السِّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ ، وَأَنْ يُوضَعُوا فِي وَادِي مُحَسِّرٍ ، وَأَمَرَهُمْ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ . وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث