الْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا
حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِدَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . يَشُكُّ دَاوُدُ ، قَالَ : خَمْسَةٌ ، أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ . وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ هَذَا مَدَنِيٌّ اسْمُهُ قُزْمَانُ ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا رَوَى ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ ، وَاسْمُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ عُبَيْدُ بْنُ جَحْشٍ ، وَهُوَ أَخُو زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَإِخْوَتَهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ فِي أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ هَذَا ، قَالُوا : هُوَ مَوْلًى لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَكَانَ لَهُ انْقِطَاعٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِ . رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَكَانَ مُكَاتِبًا ، وَكَانَ يُصَلِّي لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِي رَمَضَانَ ، وَفِيهِمْ قَوْمٌ قَدْ شَهِدُوا بَدْرًا وَالْعَقَبَةَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ . وَأَمَا أَبُو سُفْيَانَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ جَابِرٍ فَاسْمُهُ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْمُوَطَّأِ . وَأَمَّا الْعَرَايَا فَوَاحِدُهَا عَرِيَّةٌ وَالْجَمْعُ عَرَايَا وَمَعْنَاهَا عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرِّقَابِ كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا دَهَمَتْهُمْ سَنَةٌ تَطَوَّعَ أَهْلُ النَّخْلِ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ لَا نَخْلَ لَهُ فَيُعْطُونَهُ مِنْ ثَمَرِ نَخْلِهِمْ ، فَمِنْهُمُ الْمُكْثِرُ ، وَمِنْهُمُ الْمُقِلُّ . وَلَهُمْ عَطَايَا مَنَافِعُ ، لَا يَمْلِكُ بِشَيْءٍ مِنْهَا رَقَبَةَ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ ، مِنْهَا الْإِفْقَارُ وَالْإِخْبَالُ وَالْإِعْرَاءُ ، وَمِنْهَا الْمِنْحَةُ . كَانُوا إِذَا أَعْطَى مِنْهُمْ صَاحِبَهُ نَاقَةً ، أَوْ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ يَشْرَبُ لَبَنَهَا مَرَّةً - قِيلَ : مَنَحَهُ . فَإِنْ أَعْطَاهُ دَابَّةً يَرْتَفِقُ بِظَهْرِهَا وَيُكْرِي ذَلِكَ وَيَنْتَفِعُ بِهِ ، قِيلَ : أَخْبَلَهُ . فَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنَ الْإِبِلِ يَرْكَبُهُ مَرَّةً ، قِيلَ : أَفْقَرَهُ ظَهْرَ جَمَلِهِ ، أَوْ نَاقَتِهِ ، أَوْ دَابَّتِهِ . فَالْعَرَايَا فِي ثَمَرِ النَّخْلِ ، وَتَكُونُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ ، وَالْمِنْحَةُ فِي الْبَانِ النُّوقِ وَالْغَنَمِ ، وَالْإِخْبَالُ فِي الدَّوَابِّ ، وَالْإِفْقَارُ فِي النُّوقِ وَالْإِبِلِ ، وَالْإِطْرَاقُ أَنْ يُعْطِيَهُ فَحْلَ غَنَمِهِ أَوْ إِبِلِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى نِعَاجِهِ أَوْ نُوقِهِ ، وَالْإِسْكَانُ أَنْ يُسْكِنَهُ بَيْتًا لَهُ مُدَّةً . لَا يَمْلِكُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ رَقَبَةَ مَا يُعْطَى ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْعُمْرَى ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْعَرِيَّةُ مِنَ النَّخْلِ الَّتِي تَعْزِلُ عَنِ الْمُسَاوَمَةِ عِنْدَ بَيْعِ النَّخْلِ ، وَالْفِعْلُ الْإِعْرَاءُ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَرَةَ عَامِهَا لِمُحْتَاجٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا قِيلَ لَهَا عَرِيَّةٌ ; لِأَنَّهَا تُعَرَّى مِنْ ثَمَرِهَا قَبْلَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَوَائِطِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْعَرِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَارِيَةِ وَهِيَ عَارِيَةٌ مُضَمَّنَةٌ بِهِبَةٍ ، فَالْأَصْلُ مُعَارٌ وَالثَّمَرَةُ هِبَةٌ ، فَهَذَا مَعْنَى لَفْظِ الْعَرِيَّةِ فِي اللُّغَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يُعْطِي جَارَهُ ، أَوِ الْمِسْكِينَ ، مَنْ كَانَ نَخْلَةً مِنْ حَائِطِهِ ، أَوْ نَخَلَاتٍ يَجْنِي ثَمَرَهَا ، فَيَقُولُ : أَعْرَيْتُ نَخْلَتِي أَوْ نَخْلِي فُلَانًا ، وَكَانُوا يَمْتَدِحُونَ بِذَلِكَ ، قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْأَنْصَارِ :
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةٍ
وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
وَيُرْوَى فِي السِّنِينَ الْمَوَاحِلِ ، وَسَنْهَاءُ مِنَ النَّخْلِ الَّتِي تَحْمِلُ سَنَةً وَتَحُولُ سَنَةً فَلَا تَحْمِلُ ، وَذَلِكَ عَيْبٌ فِي النَّخْلِ فَوَصَفَ نَخْلَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ كُلَّ عَامٍ ، وَالرَّجَبِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَمِيلُ لِضَعْفِهَا فَتُدْعَمُ مِنْ تَحْتِهَا ، كَذَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْفِقْهِ لَهُ ، ثُمَّ وَصَفَ أَنَّهُ يُعْرِيهَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ ، أَيْ : يُطْعِمُ ثَمَرَتَهَا أَهْلَ الْحَاجَةِ فِي سِنِيِّ الْجَدْبِ وَالْمَجَاعَةِ ، وَقَدْ كَانَ الرُّجُلُ مِنْهُمْ يُعْطِي ذَلِكَ أَيْضًا لِأَهْلِهِ وَلِعِيَالِهِ يَأْكُلُونَ ثَمَرَتَهَا فَتُدْعَى أَيْضًا عَرِيَّةً ، فَهَذَا كُلُّهُ أَقَاوِيلُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْعَرِيَّةِ . وَأَمَّا مَعْنَى الْعَرَايَا فِي الشَّرِيعَةِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا أَصِفُهُ لَكَ بِعَوْنِ اللَّهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْعَرِيَّةُ الرَّجُلُ يُعْرِي الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ، أَوِ الرَّجُلُ يُسَمِّي مِنْ مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ لِيَأْكُلَهَا فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ . وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، عَنْ عَبْدَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : الْعَرَايَا أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ النَّخَلَاتِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا فَيَبِيعَهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا فُسِّرَ بِهِ مَعْنَى الْعَرَايَا . فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا وَجَعَلُوا الرُّخْصَةَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا وَقْفًا عَلَى الرِّفْقِ بِالْمُعْرِي يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ ، الْمُعْرَى وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ جَمِيعًا ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ يُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، قَالُوا : فَقَدْ أَطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْمُعْرَى ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ قُصِدَ بِهَا الْمُعْرَى الْمِسْكِينُ لِحَاجَتِهِ ، قَالُوا : وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْمُعْرَى قَدْ مَلَكَ مَا وُهِبَ لَهُ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنَ الْمُعْرِي ، وَمِنْ غَيْرِهِ إِذْ أَرْخَصَتْ لَهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ وَخَصَّتْهُ مِنْ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِي الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ . ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَسَنَذْكُرُ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْعَرَايَا إِلَى أَنْ جَعَلُوا الرُّخْصَةَ الْوَارِدَةَ فِيهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُعْرِي لَا غَيْرَ ، فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، إِلَّا لِمَنْ أَعْرَى نَخْلًا يَأْكُلُ ثَمَرَهَا رُطَبًا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِالتَّمْرِ ، فَإِنَّهُ أُرْخِصَ لِلْمُعْرَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنَ الْمُعْرِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَرْصَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا ، لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي دُخُولِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ حَائِطَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ يَكْفِيهِ فِيهِ مَؤونَةَ السَّقْيِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُعْرِي ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهِ وَرَدَتْ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى بِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَعَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعَهَا ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَي سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ ، يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، إِلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا . وَذَكَرَهُ أَبُو ثَوْرٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ سَهْلٍ مِثْلَهُ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا رُطَبًا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ ، حَدَّثَنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا أَنْ تُشْتَرَى بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ لِي يَحْيَى : مَا أَعْلَمَ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْعَرَايَا ؟ قُلْتُ : أَخْبَرَهُمْ عَطَاءٌ ، وَسَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا إِلَى اسْتِثْنَائِهِ الْعَرَايَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ . كَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يُرِيدُ صَاحِبَهَا الَّذِي أَعْرَاهَا وَأَهْلَهَا الَّذِينَ وَهَبُوا ثَمَرَهَا وَأَعْرَوْهَا فَهُمُ الَّذِينَ أَبَاحَ لَهُمْ شِرَاءَهَا خَاصَّةً . هَذَا تَأْوِيلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْعَرَايَا : أَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ مِنْ حَائِطِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا دُونَهَا ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنَ الْمُعْرِي عِنْدَ طِيبِ التَّمْرِ فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجُذَاذِ ، وَإِنْ عَجَّلَ لَهُ لَمْ يَجُزْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْرِيَ مِنْ حَائِطِهِ مَا شَاءَ ، وَلَكِنَّ الْبَيْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا دُونَ ، هَذَا جُمْلَةُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْبَيْعُ فِي الْعَرَايَا ، إِلَّا لِوَجْهَيْنِ إِمَّا لِدَفْعِ ضَرُورَةِ دُخُولِ الْمُعْرِي عَلَى الْمُعْرَى ، وَإِمَّا لِأَنْ يَرْفُقَ الْمُعْرَى الْمُعْرِيَ فَيَكْفِيَهُ الْمَئُونَةَ فَأَرْخَصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ تَمْرًا إِلَى الْجُذَاذِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ قَبْلَ زَهْوِهَا ، إِلَّا كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْجُذَاذِ وَالْقَطْعِ . وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ ، وَإِنْ أَزْهَتْ بِخَرْصِهَا رُطَبًا ، وَلَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا نَقْدًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ ، وَإِنَّ جَذَّهَا مَكَانَهُ ، وَلَا تُبَاعُ بِنِصْفِ سِوَاهَا مِنَ التَّمْرِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْبَرْنِيِّ فَتُبَاعُ بِالْعَجْوَةِ ، وَلَا يُبَاعُ بِبُسْرٍ ، وَلَا رُطَبٍ ، وَلَا ثَمَرٍ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا تُبَاعُ بِتَمْرٍ يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ إِلَى الْجُذَاذِ بِخَرْصِهَا ، وَمَا عَدَا وَجْهَ الرُّخْصَةِ فِيهَا مُزَابَنَةٌ ، وَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ مِنْهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِعَيْنٍ ، أَوْ عَرَضٍ غَيْرِ الطَّعَامِ ، فَيَجُوزُ نَقْدًا ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ . فَإِنْ كَانَ طَعَامًا رُوعِيَ فِيهِ الْقَبْضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، أَوِ الْجُذَاذُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَمَنْ أَعْرَى جَمِيعَ حَائِطِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ شِرَاءُ جَمِيعِهِ وَبَعْضِهِ بِالْخَرْصِ إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الْبَيْعُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، قَالَ : وَتَوَقَّفَ لِي مَالِكٌ فِي شِرَاءِ جَمِيعِهِ بِالْخَرْصِ ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَدْنَى . وَبَلَغَنِي عَنْهُ إِجَازَتُهُ ، وَالَّذِي سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ شِرَاءَ بَعْضِهِ ، وَجَائِزٌ عِنْدِي شِرَاءُ جَمِيعِهِ . قَالَ : فَإِنْ قِيلَ لَهُ : أَعْرَى جَمِيعَهُ ، فَلَا يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ بِشِرَائِهِ ضَرَرًا قَبْلُ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ إِرْفَاقٌ لِلْمُعْرَى ، وَالْعَرِيَّةُ تُشْتَرَى لِلْإِرْفَاقِ كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا دَارًا حَيَاتَهُ شِرَاءُ جَمِيعِ السُّكْنَى ، أَوْ بَعْضِهَا ، وَلَا يَدْفَعُ بِذَلِكَ ضَرَرًا . قَالَ سَحْنُونٌ : وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أَعْرَى إِلَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : وَالْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَنَةً ، أَوْ سَنَتَيْنِ ، أَوْ مَا شَاءَ ، فَإِذَا كَانَ التَّمْرُ طَابَ ، قَالَ صَاحِبُ النَّخْلِ : أَنَا أَكْفِيكُمْ سُقْيَهَا وَضَمَانَهَا وَلَكُمْ خَرْصُهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجُذَاذِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْجُذَاذِ ، قَالَ : وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُجَاوِزَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، قَالَ : وَتَجُوزُ الْعَرِيَّةُ فِي كُلِّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ نَحْوَ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، وَلَا أَرَى لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا إِلَّا مِمَّنْ فِي الْحَائِطِ إِذَا كَانَ لَهُ تَمْرٌ بِخَرْصِهَا تَمْرًا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ تَمْرَ نَخْلَةٍ لَهُ ، أَوْ نَخَلَاتٍ فَيَمْلِكُهَا الْمُعْرَى ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا الْمُعْرِي مِنَ الْمَعْرَى بِمَا شَاءَ مِنَ التَّمْرِ ، وَلَا يَبْتَاعُهَا مِنْهُ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، إِلَّا الْمُعْرِي ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهِ وَرَدَتْ . فَهَذِهِ جُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ لَهُ نَخْلَتَانِ فِي حَائِطِ رَجُلٍ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ : أَنَا آخُذُهَا بِخَرْصِهَا إِلَى الْجُذَاذِ ، قَالَ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلْمُرْفَقِ يُدْخِلُهُ عَلَيْهِ ، يَعْنِي عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَتَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَرِهَ دُخُولَهُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكْفِيَهُ مَؤونَةَ السَّقْيِ ، فَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ ، وَلَا أُحِبُّهُ . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِ أَصْلِهِ فِي الْعَرِيَّةِ أَنَّهَا هِبَةٌ لِلثَّمَرَةِ ، وَأَنَّ الْوَاهِبَ هُوَ الَّذِي رَخَّصَ لَهُ فِي شِرَائِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُوهَبْ لَهُ ثَمَرُ نَخْلٍ ، بَلْ هُوَ مَالِكُ رِقَابِ نَخْلٍ مِقْدَارُهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، أَوْ دُونَ ، أُبِيحَ لَهُ بَيْعُ ثَمَرِهَا بِالْخَرْصِ إِلَى الْجُذَاذِ بِالتَّمْرِ . وَهِيَ رِوَايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ وَبِالْعِرَاقِ ، إِلَّا أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ رَوَوْهَا عَنْ مَالِكٍ بِخِلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ ذَكَرَهَا عَنِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ ، عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْعَرِيَّةَ النَّخْلَةُ وَالنَّخْلَتَانِ فِي حَائِطٍ لِغَيْرِهِ ، وَالْعَادَةُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ بِأَهْلِهِمْ فِي وَقْتِ الثِّمَارِ إِلَى حَوَائِطِهِمْ ، فَيَكْرَهُ صَاحِبُ النَّخْلِ الْكَثِيرِ دُخُولَ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : أَنَا أُعْطِيكَ خَرْصَ نَخْلَتِكَ تَمْرًا . فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا عَنْ مَالِكٍ تُضَارِعُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَرَايَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ إِجَازَةُ بَيْعِ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّنْ وُهِبَ لَهُ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ ، أَوْ فِيمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ مِنْ حَائِطِهِ لِعِلَّةٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةِ الرُّخْصَةِ عِنْدَهُ ، إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ ، فَخَرَجَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُزَابَنَةِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ ، إِلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا . وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ : يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا ، أَيْ . يَأْكُلُهَا الَّذِينَ يَبْتَاعُونَهَا رُطَبًا ، قَالَ : وَهُمْ أَهْلُهَا . وَرُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ مَا يُوَضِّحُ تَأْوِيلَهُ هَذَا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَإمَّا غَيْرُهُ - قَالَ : مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ قَالَ : فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي ، وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ ، وَعِنْدَهُمْ فَضْلٌ مِنْ قُوتِهِم مِنَ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا . وَرَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَرِيَّةِ إِذَا بِيعَتْ وَهِيَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، قَالَ : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَائِزٌ ، وَالْآخَرُ : أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : يَلْزَمُهُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا زَادَ ; لِأَنَّهَا شَكٌّ ، وَأَصْلُ بَيْعِ الثَّمَرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالثَّمَرِ حَرَامٌ ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهُ إِلَّا مَا اسْتُوفِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ ، وَذَلِكَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ . وَاحْتَجَّ أَبُو الْفَرَجِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ . وَسَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَا عَرِيَّةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الْخَرْصَ فِي ثَمَرَتِهَا وَأَنَّهُ لَا حَائِلَ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِهَا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا تُبَاعُ الْعَرِيَّةُ بِالتَّمْرِ ، إِلَّا بِأَنْ تُخْرَصُ الْعَرِيَّةُ كَمَا تُخْرَصُ لِلْعَشْرِ ، فَيُقَالُ فِيهَا الْآنَ رُطَبًا كَذَا ، وَإِذَا يَبِسَ كَانَ تَمْرًا كَذَا ، فَيُدْفَعُ مِنَ التَّمْرِ مَكِيلَةُ خَرْصِهَا تَمْرًا ، وَيَقْبِضُ النَّخْلَةَ بِتَمْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ، فَإِنِ افْتَرَقَا قَبْلَ دَفْعِهِ فَسَدَ الْبَيْعُ ، قَالَ : وَيَبِيعُ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنْ كُلِّ مَنْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالتَّمْرِ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ حَوَائِطِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي لَا ذَهَبَ عِنْدَهُ ، وَلَا وَرِقَ ، وَلَا عَرَضَ غَيْرَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَبِهِ حَاجَةٌ إِلَى الرُّطَبِ وَإِلَى الْعِنَبِ ، فَافْهَمْ . وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي الْعَرَايَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ ، وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ لِاخْتِيَارِهِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ أَخْبَرَنَا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا كَيْلَا يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا . هَكَذَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا ، فَقَالَ : أَنَا لَا أَقُولُ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَقُولُ : الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الْجَارَ أَوِ الْقَرَابَةَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، فَإِذَا أَعْرَاهُ إِيَّاهَا فَلِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ ، إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَأَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا ، فَرَخَّصَ فِي شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ ، فَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ أَنْ تُبَاعَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ مَنْ كُلِّ أَحَدٍ فَيَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : مَالِكٌ يَقُولُ بِبَيْعِهَا مِنَ الَّذِي أَعْرَاهَا إِيَّاهُ ، وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْحَدِيثِ عِنْدِي وَيَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ لِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : الْعَرِيَّةُ فِيهَا مَعْنَيَانِ لَا يَجُوزَانِ فِي غَيْرِهَا ، فِيهَا أَنَّهَا رُطَبٌ بِتَمْرٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَفِيهَا أَنَّهَا تَمْرٌ بِثَمَرٍ ، يُعْلَمُ كَيْلُ التَّمْرِ ، وَلَا يُعْلَمُ كَيْلُ الثَّمَرِ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْعَرِيَّةِ ، قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِذَا بَاعَ الْمُعْرِي الْعَرِيَّةَ أَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ السَّاعَةَ ، أَوْ عِنْدَ الْجُذَاذِ ؟ قَالَ : بَلْ يَأْخُذُ السَّاعَةَ ، قُلْتُ لَهُ : إِنَّ مَالِكًا يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ السَّاعَةَ حَتَّى يَجُذَّ ، قَالَ : بَلْ يَأْخُذُ السَّاعَةَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ كُلِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحُمَيْدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ . فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا فِي الْعَرَايَا قَوْلًا لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَحِيحِ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ ، وَإِنْكَارُهُمْ لِلْعَرَايَا كَإِنْكَارِهِمْ لِلْمُسَاقَاةِ مَعَ صِحَّتِهَا ، وَدَفْعِهِمْ بِحَدِيثِ التَّغْلِيسِ إِلَى أَشْيَاءَ مِنَ الْأُصُولِ رَدُّوهَا بِتَأْوِيلٍ لَا مَعْنَى لَهُ . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالُوا : الْعَرِيَّةُ هِيَ النَّخْلَةُ ، يَهَبُ صَاحِبُهَا تَمْرَهَا لِرَجُلٍ وَيَأْذَنُ لَهُ فِي أَخْذِهَا ، فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَبْدُوَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَهُ مَنْعُهُ ; لِأَنَّهَا هِبَةٌ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ ; لِأَنَّ الْمُعْرَى لَمْ يَكُنْ مَلَكَهَا فَأُبِيحَ لِلْمُعْرِي أَنْ يُعَوِّضَهُ بِخَرْصِهَا تَمْرًا وَيَمْنَعَهُ ، وَهَذَا عَلَى أُصُولِهِمْ فِي الْهِبَاتِ أَنَّ لِلْوَاهِبِ مَنْعَ مَا وَهَبَ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ : الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِلْمُعْرِي أَنْ يَأْخُذَ بَدَلًا مِنْ رُطَبٍ لَمْ يَمْلِكْهُ تَمْرًا . وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ : الرُّخْصَةُ فِيهِ لِلْمُعْرَى ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَأُخْرِجَ بِهِ مِنْ إِخْلَافِ الْوَعْدِ ، وَلَيْسَ لِلْعَرِيَّةِ عِنْدَهُمْ مَدْخَلٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ عِنْدَهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ الْعَرِيَّةِ غَيْرَ الْمُعْطِي وَحْدَهُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْعَرِيَّةُ عِنْدَهُمْ هِبَةٌ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَ الْخَرْصِ أَنْ لَا يَخْرُصُوا الْعَرَايَا . قَالَ : وَالْعَرَايَا أَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ مِنْ حَائِطِهِ رَجُلًا نَخْلًا ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا الَّذِي مَنَحَهَا إِيَّاهُ مِنَ الْمَمْنُوحِ يَخْرُصُهَا ، قَالُوا : فَالْعَرِيَّةُ مِنْحَةٌ وَعَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ ، فَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا هَذِهِ الرُّخْصَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ الصِّحَاحُ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْعَرَايَا بِيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مُسْتَثْنًى مِنَ الْمَحْظُورِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَصْفِ فِي الْعَرَايَا ، وَمُحَالٌ أَنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يَمْلِكْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ - كَذَا قَالَ - أَوِ الرُّطَبِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهَا . قَالَ : وَالْعَرَايَا الَّتِي تُؤْكَلُ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا قَدْ أَوْضَحَتْ أَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ ، فَلَا مَعْنًى لِمَا خَالَفَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ خَارِجَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، ذَكَرَ بَيْعَهَا بِالرُّطَبِ ، وَهُوَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُهَا بِالرُّطَبِ خَرْصًا كَمَا يَجُوزُ بِالتَّمْرِ خَرْصًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذِكْرُ الرُّطَبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهْمًا ، وَجُعِلَ الْقَوْلُ بِهِ شُذُوذًا ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ يُونُسَ هَذَا ، قَالَ : رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فُقَهَاءُ عُدُولٌ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّطَبَ بِالرُّطَبِ أَجْوَزُ فِي الْبَيْعِ مِنَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالرُّطَبِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ حِينَئِذٍ تَرْتَفِعُ وَتَذْهَبُ وَأَيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَى بَيْعِ رُطَبٍ بِرُطَبٍ لَا يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ ؟ وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا ، وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَيْهَا ؟ وَالَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَهَا بِالرُّطَبِ جَعَلُوا الرُّخْصَةَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْمِقْدَارِ الْمُسْتَثْنَى رُخْصَةً لِمَنْ شَاءَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِذِ الضَّرُورَةُ لَمْ تُنَصَّ فِي الْحَدِيثِ ، قَالُوا : وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ الضَّرُورَةَ لَمْ يُخَالِفِ الْحَدِيثَ ، إِنَّمَا يُخَالِفُ تَأْوِيلَ مُخَالِفِهِ . وَلَهُمْ فِي هَذَا اعْتِرَاضَاتٌ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ، قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْعَرِيَّةَ بِالرُّطَبِ ، إِلَّا بَعْضَ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ هَذَا أَنْ يَأْخُذَ الْمُعْرَى الرُّطَبِ وَيُعْطِيَ خَرْصَهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجُذَاذِ لِلْمُعْرِي ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِ ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ يُونُسَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِالرُّطَبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ الرُّطَبِ أَيْضًا أَنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ . حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحُمَيْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ لَمْ يُرْخِصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَبْدُ الْحُمَيْدِ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ لَيْسَ بِالْحَافِظِ الْمُتْقِنِ ، وَلَا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ فِيهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا لَمْ يَقُلْ بِالرُّطَبِ ، وَلَا بِالتَّمْرِ . وَحَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِالتَّمْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ الْعَرِيَّةِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَقَالَ قَوْمٌ : مِقْدَارُهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مِقْدَارُهَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَلَوْ بِأَقَلِّ مَا تَبَيَّنَ مِنَ النُّقْصَانِ . وَحُجَّةُ الطَّائِفَتَيْنِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَجُوزُ الْعَرِيَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ . وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا فِي الْوَسْقِ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ كَذَلِكَ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَدَقَةَ فِي الْعَرِيَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَمِمَّنْ أَجَازَهَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : نَكْرَهُهُ فِي الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَلَا نَنْسَخُهُ فِيهَا كَمَا نَنْسَخُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا . وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا فِي جَوَازِ الْعَرَايَا فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ إِذَا كَانَتْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ; لِحَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَلَمْ يَعْرِفُوا حَدِيثَ جَابِرٍ فِي الْأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُنَا ، وَهُمْ يُوجِبُونَ الزَّكَاةَ فِي الْحَوَائِطِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَفِيمَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : الْعَرِيَّةُ نَفْسُهَا صَدَقَةٌ ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا صَدَقَةٌ قَلَّتْ ، أَوْ كَثُرَتْ . عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَوْلُ أَصْحَابِهِ أَيْضًا فِي زَكَاةِ الْعَرِيَّةِ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذَاهِبِ أَنَّ زَكَاتَهَا عَلَى الْمُعْرِي إِذَا أَعْرَاهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا مَعَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .