حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ

حَدِيثٌ رَابِعٌ لِرَبِيعَةَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ، قَالَ : فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ : فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ، قَالَ مَا لَكَ ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . وَالْعِفَاصُ هُنَا : الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ ، وَأَصْلُ الْعِفَاصِ : مَا سُدَّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ ، وَكُلُّ مَا سُدَّ بِهِ فَمُ الْآنِيَةِ فَهُوَ عِفَاصٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : عَفَصْتُ الْقَارُورَةَ ، وَأَعْفَصْتُهَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ جِلْدٌ تُلْبِسُهُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ . وَالْوِكَاءُ : الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَوْكَيْتُهَا إِيكَاءً .

وَأَمَّا الصِّمَامُ فَهُوَ مَا يُدْخَلُ فِي فَمِ الْقَارُورَةِ ، فَيَكُونُ سِدَادًا لَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَانٍ اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا ، وَمَعَانٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا . فَمِمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ عِفَاصَ اللُّقَطَةِ ، وَوِكَاءَهَا مِنْ إِحْدَى عَلَامَاتِهَا ، وَأَدُلُّهَا عَلَيْهَا .

وَأَجْمَعُوا أَنَّ اللُّقَطَةَ مَا لَمْ تَكُنْ تَافِهًا يَسِيرًا ، أَوْ شَيْئًا لَا بَقَاءَ لَهُ ، فَإِنَّهَا تُعَرَّفُ حَوْلًا كَامِلًا . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا إِذَا جَاءَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ مُلْتَقِطِهَا إِذَا ثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ صَاحِبُهَا . وَأَجْمَعُوا أَنَّ مُلْتَقِطَهَا إِنْ أَكَلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَأَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا فَصَاحِبُهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّضْمِينِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَجْرِهَا ، فَأَيَّ ذَلِكَ تَخَيَّرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَلَا تَنْطَلِقُ يَدُ مُلْتَقِطَهَا عَلَيْهَا بِصَدَقَةٍ وَلَا تَصَرُّفٍ قَبْلَ الْحَوْلِ .

وَأَجْمَعُوا أَنَّ آخِذَ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا ، لَهُ أَكْلُهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى إِبَاحَةِ الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ ، وَأَخْذِ الضَّالَّةِ مَا لَمْ تَكُنْ إِبِلًا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَجَابَ السَّائِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ بِأَنْ قَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، كَأَنَّهُ قَالَ : احْفَظْهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَاعْرِفْ مِنَ الْعَلَامَاتِ مَا تُسْتَحَقُّ بِهِ إِذَا طُلِبَتْ ، وَقَالَ فِي الشَّاةِ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، يَقُولُ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا ، كَأَنَّهُ يَحُضُّهُ عَلَى أَخْذِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : دَعُوهُ حَتَّى يَضِيعَ أَوْ يَأْتِيَهُ رَبُّهُ ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اللُّقَطَةِ أَفْضَلَ لَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا كَمَا قَالَ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْأَمَانَاتِ لَوِ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ اللُّقَطَةِ لَمْ تَرْجِعْ لُقَطَةٌ ، وَلَا ضَالَّةٌ إِلَى صَاحِبِهَا أَبَدًا ، لِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْأَمَانَاتِ لَا يَعْرِفُونَهَا بَلْ يَسْتَحِلُّونَهَا ، وَيَأْكُلُونَهَا .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ أَخْذِ اللُّقَطَةِ أَوْ تَرْكِهَا ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ ، أَيَأْخُذُهَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ بَالٌ ، فَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : إِنِّي رَأَيْتُ شَنْفًا أَوْ قُرْطًا مَطْرُوحًا فِي الْمَسْجِدِ فَتَرَكْتُهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَوْ أَخَذْتَهُ ، فَأَعْطَيْتَهُ بَعْضَ نِسَاءِ الْمَسْجِدِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الَّذِي يَجِدُ الشَّيْءَ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْوَى عَلَى تَعْرِيفِهِ ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ يُعْطِيهِ فَيُعَرِّفُهُ ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ لَهُ بَالٌ فَأَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ جَمِيعًا ، قَالَ : فَإِنْ أَخَذَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَبَقَ الْآبِقُ ، أَوْ ضَاعَتِ اللُّقَطَةُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَلَمْ يُضَيِّعْ لَمْ يَضْمَنْ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَجَدَ آبِقًا : إِنْ كَانَ لِجَارٍ أَوْ لِأَخٍ رَأَيْتُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ فَلَا يَقْرَبْهُ ، وَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِ مَالٍ لِجَارِهِ ، أَوْ لِأَخِيهِ .

وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ فِي سَعَةٍ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا ، هَذَا قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَهُ مَالِكٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْذِ الْآبِقِ وَالْحَيَوَانِ الضَّوَالِّ مِنَ الْمُؤَنِ ، وَلَمْ يُكَلِّفِ اللَّهُ عِبَادَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَهُ فَاعِلٌ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَلَيْسَتِ اللُّقَطَةُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَؤُونَةَ فِيهَا خَفِيفَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى غِذَاءٍ ، وَلَا اهْتِبَالِ حِرْزٍ ، وَلَا يُخْشَى غَائِلَتُهَا فَيُحْتَفَظُ مِنْهَا كَمَا يُصْنَعُ بِالْآبِقِ . وَقَالَ اللَّيْثُ فِي اللُّقَطَةِ : إِنْ كَانَ شَيْءٌ لَهُ بَالٌ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ ، وَيُعَرِّفَهُ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا فَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ ، وَأَمَّا ضَالَّةُ الْغَنَمِ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَقْرَبَهَا إِلَّا أَنْ يَحُوزَهَا لِصَاحِبِهَا .

قَالَ : ابْنُ وَهْبٍ : وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ ، وَمَالِكًا يَقُولَانِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ فِي الْقُرَى : مَنْ وَجَدَهَا يُعَرِّفْهَا ، وَإِنْ وَجَدَهَا فِي الصَّحَارِي فَلَا يَقْرَبْهَا . وَأَصْحَابُ مَالِكٍ يَقُولُونَ فِي الَّذِي يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى مَكَانِهَا فِي فَوْرِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ : إِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ تَبَاعَدَ ، ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ .

وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَضْمَنُ ، وَإِنْ تَبَاعَدَ ، وَلَا وَجْهَ عِنْدِي لِقَوْلِ أَشْهَبَ ; لِأَنَّهُ رَجُلٌ قَدْ حَصَلَ بِيَدِهِ مَالُ غَيْرِهِ ، ثُمَّ عَرَّضَهُ لِلضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكُ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَالَ : وَسَوَاءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ ، وَكَثِيرُهَا ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، يَقُولُ : إِنْ لَمْ تَحْفَظْهَا بِنَفْسِكَ عَلَى أَخِيكَ أَكَلَهَا الذِّئْبُ ، فَاحْفَظْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ الضَّائِعَةَ . وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، وَخَلَفُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا ذُؤَيْبُ بْنُ عِمَامَةَ السَّهْمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ ، وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا ، وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ، وَسُئِلَ عَنْ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ فَقَالَ : فِيهَا جَلَدَاتُ نَكَالٍ ، وَغَرَامَةُ مِثْلِهَا ، فَإِذَا أَوَاهُ الْمُرَاحُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ .

فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ ، يَعْنِي ضَالَّةَ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا ، دَلِيلٌ عَلَى الْحَضِّ عَلَى أَخْذِهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ إِلَّا بَعْدَ أَخْذِهَا ، وَحُكْمُ اللُّقَطَةِ فِي خَوْفِ التَّلَفِ عَلَيْهَا ، وَالْبِدَارِ إِلَى أَخْذِهَا ، وَتَعْرِيفِهَا كَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اللُّقَطَةِ ، وَالضَّالَّةِ ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ ، قَالُوا : الضَّالَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيَوَانِ ، وَاللُّقَطَةُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّمَا الضَّوَالُّ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ اللُّقَطَةَ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُ الضَّالَّةِ ، وَيَحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْجَارُودِ ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ ، وَبِحَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ .

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : اللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ، وَالْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ . وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ : الضَّالُّ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ : هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ قَوْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ : إِنَّ أُمَّكُمْ ضَلَّتْ قِلَادَتَهَا ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى الْقِلَادَةِ ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ قَالَ : وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوهَا لِلرُّكُوبِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا لَا لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا ; فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ . قَالَ : وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلَا أَحْمِلُكُمْ ، قُلْنَا : نَحْنُ نَجِدُ فِي الطَّرِيقِ ضَوَالَّ مِنَ الْإِبِلِ نَرْكَبُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : لَا يَؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ ، قَالَ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤْوِيهَا لِنَفْسِهِ ، لَا لِصَاحِبِهَا ، وَلَا يُعَرِّفُهَا .

وَذَكَرَ الْطَّحَاوِيُّ أَيْضًا ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَفِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا ، وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ خَوْفُ التَّلَفِ وَالذَّهَابِ لَا جِنْسُ الذَّهَابِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا ضَلَّ بِنَفْسِهِ ، وَبَيْنَ مَا لَمْ يَضِلَّ بِنَفْسِهِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفُ عِنْدِي ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ ضَالَّةِ الْغَنَمِ ، وَضَالَّةِ الْإِبِلِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ غَضِبَ ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْإِبِلَ تَصْبِرُ عَلَى الْمَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الشَّاةِ لِأَنَّهُ يَقُولُ : إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا ، وَلَا وَجَدَهَا أَخُوكَ صَاحِبُهَا ، أَوْ غَيْرُهُ ، أَكَلَهَا الذِّئْبُ ، يَقُولُ : فَخُذْهَا ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ سُفْيَانُ : فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَغَضِبَ ، وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ ، وَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا الْحِذَاءُ ، وَالسِّقَاءُ ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ، وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، وَعَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنِ اعْتُرِفَتْ ، وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ . كَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، وَخَالَفَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، فَرَوَيَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَيْطَارِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اللُّقَطَةِ : الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ قَالَ : اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَعِنْ بِهَا ، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ دَعْهَا ، مَعَهَا حِذَاؤُهَا ، وَسِقَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا ، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ فَقَالَ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَكَذَلِكَ رواه القعنبي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ ، وَفِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ ، وَفِي اللُّقَطَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِعْ بِهَا ، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ .

وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا ، وَحِذَاؤُهَا ، دَعْهَا تَأْكُلُ الشَّجَرَ ، وَتَرِدُ الْمَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَعِدَّتَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ الْمُلْتَقَطِ ، هَلْ يُعَرَّفُ حَوْلًا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا تُصُدِّقَ بِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كَالدِّرْهَمِ ، وَنَحْوِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي اللُّقَطَةِ مِثْلَ الْمِخْلَاةِ ، وَالْحَبْلِ ، وَالدَّلْوِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ ، وَضَعَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ لِيُعْرَفَ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَدِينَةٍ انْتَفَعَ بِهِ وَعَرَّفَهُ ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ كَانَ عَلَى حَقِّهِ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا حَوْلًا ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ عَرَّفَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ كَقَوْلِهِمْ سَوَاءً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَا كَانَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الَّذِي يَجِدُ الدِّرْهَمَ يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعَرِّفُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ حَوْلًا كَامِلًا ، وَلَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ ، فَإِذَا عَرَّفَهُ حَوْلًا أَكَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ كَانَ غَرِيمًا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَا يَبْقَى ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ ، وَيَغْرَمُهُ لِرَبِّهِ .

قَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَمِمَّا وُجِدَ بِخَطِّهِ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَبِيعَهُ ، وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ حَوْلًا ، ثُمَّ يَأْكُلَهُ ، هَذَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ : فَشَأْنَكَ بِهَا ، إِلَّا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّعْرِيفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَسْوَاقِ ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ ، وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ : أَنَّ اللُّقَطَةَ يُعَرِّفُهَا وَاجِدُهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا مُسْتَحِقٌّ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا إِنْ شَاءَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَقَدْ تَصَدَّقَ بِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ ، وَبِهَذَا كُلِّهِ أَيْضًا قَالَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَّا مَا بَيَّنَّا عَنْهُمْ فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ .

وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْفَقِيرَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ ، فَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَيَضْمَنَهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قُلْتُ لمالك فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لِلَّذِي وَجَدَ الصُّرَّةَ : عَرِّفْهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ احْبِسْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ، قَالَ : مَا شَأْنُهُ بِهَا ؟ قَالَ : يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إِلَيْهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ السَّنَةِ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَأْكُلُهَا الْغَنِيُّ أَلْبَتَّةَ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُهَا الْفَقِيرُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا الْغَنِيُّ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ مُخَيَّرًا عَلَى الْفَقِيرِ الْآكِلِ ، وَعَلَى الْغَنِيِّ الْمُتَصَدِّقِ فِي الْأَجْرِ أَوِ الضَّمَانِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَدْ قَالَ لِوَاجِدِهَا : شَأْنَكَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ ، وَعَلَى مَنْ أَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا الضَّمَانُ إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ يَرَى أَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِهِ : وَعَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ عُرِفَتْ ، وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ قَالُوا : فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ عَنْ حُكْمِ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ كَانَ غَنِيًّا ، فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ : فَشَأْنَكَ بِهَا ، وَقَوْلِهِ : فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ ، وَقَوْلِهِ : وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ، نَحْوَ هَذَا ، فَمَا رُوِيَ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُوجِبَةِ لَا تَكُونُ عِنْدَهُ مَرْفُوعَةً لِصَاحِبِهَا ، وَهِيَ تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ : شَأْنَكَ بِهَا .

وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ لِلْغَنِيِّ أَكْلَهَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : شَأْنَكَ بِهَا ، وَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَفَقِيرٌ هُوَ أَمْ غَنِيٌّ ، وَلَا فَرْقَ لَهُ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ فَرْقٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْفَقِيرُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ لَا يُخْرِجُهُ إِلَى حَدِّ الْغِنَى فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : اخْلِطْهَا بِمَالِكَ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْطِلَاقِ يَدِهِ عَلَيْهَا بِمَا أَحَبَّ كَانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي مَالِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ انْطِلَاقُ يَدِ الْمُلْتَقِطِ ، وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَاجِبٌ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ مُسْتَهْلِكٌ مَالَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ مَالَ غَيْرِهِ وَأَنْفَقَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ غَرِمَهُ ، وَضَمِنَهُ ، وَمَنِ اسْتَهْلَكَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ ضَمِنَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ اسْتَهْلَكَهُ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ . وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْعِ اللُّقَطَةِ إِلَى مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تُسْتَحَقُّ بِالْعَلَامَةِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَاسْتَحَقَّهَا بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنِ الْمُلْتَقِطُ شَيْئًا . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ اللُّصُوصُ ، إِذَا وُجِدَ مَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ فَجَاءَ قَوْمٌ فَادَّعَوْهَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ، أَنَّ السُّلْطَانَ يَتَلَوَّمُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْآبِقُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، وَعِدَّتَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُوجِبُ طَرْحَ مَا خَالَفَهُ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إِلَّا مَنْ جَاءَ بِالْعَلَامَةِ ، وَيَسَعُهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ دُونَ قَضَاءٍ . وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : فَإِذَا عَرَّفَ طَالِبُ اللُّقَطَةِ الْعِفَاصَ ، وَالْوِكَاءَ ، وَالْعَدَدَ ، وَالْوَزْنَ ، وَحَلَّاهَا بِحِلْيَتِهَا ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُلْتَقِطِ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا ، وَإِلَّا أَجْبَرَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ الْمُلْتَقِطَ يَصِفُهَا قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنْ يُؤَدِّي عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا مَعَهَا ، وَلِيَعْلَمَ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ ، وَقَدْ يَكُونُ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ الْمُعْتَرِفِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَفَهَا عَشَرَةٌ أَيُعْطَوْنَهَا ؟ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إِلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَوْلَى ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَعْرِفَ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، وَعَلَامَاتِهَا إِلَّا لِذَلِكَ .

وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ عَرَفَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي حَدِيثِهِ ، وَمَنْ كَانَ أَسْعَدَ بِالظَّاهِرِ أَفْلَحَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا ، وَأَنَّهَا عِنْدَهُ يُعَرِّفُهَا ، ثُمَّ هَلَكَتْ عِنْدَهُ ، وَهُوَ لَمْ يُشْهِدْ : فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا هَلَكَتْ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْهِدْ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : إِنْ أَشْهَدْ حِينَ أَخَذَهَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيُعَرِّفْهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إِنْ هَلَكَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا ، وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَطْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ : سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَبَا الْعَلَاءِ يُحَدِّثُ عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ ، وَلِيُعَرِّفْ ، وَلَا يَكْتُمْ ، وَلَا يُغَيِّبْ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ فِي الْإِشْهَادِ الْإِشَادَةَ ، وَالْإِعْلَانَ ، وَظُهُورَ الْأَمَانَةِ ، قَالَ : وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْإِشْهَادُ فِي الْغُصُوبِ يُخْرِجُهَا عَنْ حُكْمِ الضَّمَانِ ، وَكَانَ الْإِشْهَادُ فِي ذَلِكَ ، وَتَرْكُ الْإِشْهَادِ سَوَاءً ، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ أَبَدًا أَشْهَدَ أَمْ لَمْ يُشْهِدْ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ اللُّقَطَةُ أَمَانَةً أَبَدًا ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَشْهَدَ لَمْ يَضْمَنْ ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُلْتَقِطَ اللُّقَطَةِ إِذَا عَرَّفَهَا ، وَسَلَكَ فِيهَا سُنَّتَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ مُغَيِّبًا ، وَلَا كَاتِمًا ، وَكَانَ مُعْلِنًا مُعَرِّفًا ، وَحَصَلَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ، أَمِينًا ، لَا يَضْمَنُ إِلَّا بِمَا يَضْمَنُ بِهِ الْأَمَانَاتِ ، وَإِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا ، وَلَمْ يَسْلُكْ بِهَا سُنَّتَهَا ، وَغَيَّبَ ، وَكَتَمَ ، وَلَمْ يُعْلِمِ النَّاسَ أَنَّ عِنْدَهُ لُقَطَةً ، ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً ذَكَرُوهَا ، وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ خَارِجٌ عَنْ حُدُودِ الْأَمَانَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسَّائِلِ عَنِ اللُّقَطَةِ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ، وَوِكَاءَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَعَرَفَهَا ، يَعْنِي بِعَلَامَاتِهَا - دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ كُلِّ مَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مِنَ الْكَهَنَةِ ، وَأَهْلِ التَّنْجِيمِ ، وَغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَعْرِفَةِ عَلَامَاتِهَا وَجْهٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَهَذَا مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَحْكَامِ اللُّقَطَةِ ، وَوُجُوهِ الْقَوْلِ فِيهَا ، وَأَمَّا حُكْمُ الضَّوَالِّ مِنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ وُجُوهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : مَا قَرُبَ مِنَ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا ، وَيَضُمُّهَا إِلَى أَقْرَبِ الْقُرَى تُعَرَّفُ فِيهَا قَالَ : وَلَا يَأْكُلُهَا وَاجِدُهَا ، وَلَا مَنْ تُرِكَتْ عِنْدَهُ حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ ، هَذَا فِيمَا يُوجَدُ بِقُرْبِ الْقُرَى ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْفَلَوَاتِ ، وَالْمَهَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا ، وَيَأْكُلُهَا ، وَلَا يُعَرِّفُهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَالْبَقَرُ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ ، إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا السِّبَاعُ ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ عليها السباع فَبِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ ، وَقَالَ فِي الْإِبِلِ : إِذَا وَجَدَهَا فِي فَلَاةٍ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا ، فَإِنْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا خَلَّاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ ، قَالَ : وَالْخَيْلُ ، وَالْبِغَالُ ، وَالْحَمِيرُ يُعَرِّفُهَا ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُوكَلُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا تُبَاعُ ضَوَالُّ الْإِبِلِ ، وَلَكِنْ يَرُدُّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا الَّتِي أُصِيبَتْ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَاتَّفَقَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ : إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ ، وَلَا مَأْمُونٍ ، لَمْ تُؤْخَذْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ ، وَتُرِكَتْ مَكَانَهَا ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا كَانَ لَهُ أَخْذُهَا ، وَتَعْرِيفُهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا رَدَّهَا إِلَى الْمَكَانِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَرُدُّهَا ، وَيَبِيعُهَا ، وَيُمْسِكُ ثَمَنَهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً أَوْ غَنَمًا بِجَانِبِ قَرْيَةٍ : إِنَّهُ لَا يَأْكُلُهَا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، فَإِنْ كَانَ لَهَا صُوفٌ أَوْ لَبَنٌ ، وَكَانَ قُرْبَهُ مَنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ الصُّوفَ وَاللَّبَنَ فَلْيَبِعْهُ ، وَلْيَدْفَعْ ثَمَنَهُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ إِنْ جَاءَ .

قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصِيبَ مِنْ نَسْلِهَا وَلَبَنِهَا بِنَحْوِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَجَدَ تَيْسًا قُرْبَ قَرْيَةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَنْزُو عَلَى غَنَمِهِ مَا لَمْ يُفْسِدْهُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الشَّاةِ : إِنْ أَكَلَهَا وَاجِدُهَا ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُؤْخَذُ الشَّاةُ وَيُعَرِّفُهَا آخِذُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا أَكَلَهَا ، ثُمَّ ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا إِنْ جَاءَ ، قَالَ : وَلَا يَعْرِضُ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، فَإِنْ أَخَذَ الْإِبِلَ ثُمَّ أَرْسَلَهَا ضَمِنَ . وَذَكَرَ أَنَّ عُثْمَانَ خَالَفَ عُمَرَ فَأَمَرَ بِبَيْعِهَا ، وَحَبْسِ أَثْمَانِهَا لِأَرْبَابِهَا ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ ، وَبِقَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ : وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ، وَمَنْ أَرْسَلَ الْوَدِيعَةَ ، وَعَرَّضَهَا لِلضَّيَاعِ ضَمِنَهَا بِإِجْمَاعٍ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ وَجَدَ بَعِيرًا فِي بَادِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَأَخَذَهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ ، وَشَبَّهَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِمَا بِالصَّيْدِ يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالضَّالَّةُ عِنْدَهُ هَاهُنَا كَاللُّقَطَةِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُ مَالٌ هَالِكٌ مُعَيَّنٌ قَدْ لَزِمَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ ضَامِنًا كَالْوَدِيعَةِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْأَزْدِيُّ هُوَ الطَّحَاوِيُّ : جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ بِغَيْرِ مَا أَجَابَ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ إِخْبَارٌ مِنْهُ عَنْ حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمَأْمُونِ عَلَيْهَا فِيهَا التَّلَفُ ، فَإِذَا تُخُوِّفَ عَلَيْهَا التَّلَفُ ، فَهِيَ وَالْغَنَمُ سَوَاءٌ . قَالَ : وَلَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ : إِنْ أَكَلَهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إِذَا وَجَدَهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ ، قَالَ : وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : هِيَ لَكَ لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ : أَوْ لِلذِّئْبِ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّمْلِيكَ ; لِأَنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِدُ إِنْ أَكَلَهَا أَكَلَهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَيَضْمَنُهَا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فِي اللُّقَطَةِ . وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ قَالَ : وَذَلِكَ يُوجِبُ ضَمَانَهَا إِذَا أَكَلَهَا .

قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى آكِلِهَا ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَرَى عَلَى آكِلِهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ شَيْئًا : إِنَّ رَبَّهَا لَوْ أَدْرَكَهَا لَحْمًا فِي يَدِ وَاجِدِهَا ، وَفِي يَدِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ ، وَأَرَادَ أَخْذَ لَحْمِهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَوْ بَاعَهَا وَاجِدُهَا كَانَ لِرَبِّهَا ثَمَنُهَا الَّذِي بِيعَتْ بِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا عِنْدَهُ ، فَالْوَجْهُ تَضْمِينُ آكِلِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَكْلِ الشَّاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهَا ، وَبَيْنَ أَكْلِ اللُّقَطَةِ وَاسْتِهْلَاكِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أُبِيحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ بِهَا مَا شَاءَ ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا أَحَبَّ ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى ضَمَانِ اللُّقَطَةِ لِصَاحِبِهَا إِنْ جَاءَ طَالِبُهَا ، فَكَذَلِكَ الشَّاةُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذِكْرِ الْأَخِ صَاحِبَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَكَ أَوْ لِغَيْرِكَ مِنَ النَّاسِ الْوَاجِدِينَ لَهَا ، وَأَيَّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ : أَوْ لِلذِّئْبِ ، يُوجِبُ تَلَفَهَا ، أَيْ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا أَنْتَ وَلَا مِثْلُكَ أَكَلَهَا الذِّئْبُ ، وَأَنْتَ وَمِثْلُكَ أَوْلَى مِنَ الذِّئْبِ ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهَا طُعْمَةً لِمَنْ وَجَدَهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا وَجْهَ لِلضَّمَانِ فِي طُعْمَةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ شَبَّهَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالرِّكَازِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ قَبْلُ . وَيَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ أَيْضًا لمالك فِي تَرْكِ تَضْمِينِ آكِلِهَا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهَا ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي ضَمَانِهَا ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يُوجِبُ فَرْضًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبِهِ ، وَقَدْ قَالَ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ ، وَلَا فِي اللُّقَطَةِ ، وَذَلِكَ فَرْقٌ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْتُ لَكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ : إِنْ أَكَلَ الشَّاةَ وَاجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ مَنْ أَكَلَ طَعَامًا قَدِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ ، وَالشَّاةُ أَوْلَى بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الضَّوَالِّ مِنَ الْمَوَاشِي يَتَصَدَّقُ بِهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، ثُمَّ يَأْتِي رَبُّهَا : أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ قَالَ : ، وَلَيْسَتِ الْمَوَاشِي مِثْلَ الدَّنَانِيرِ .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ عَلَى الضَّوَالِّ ، وَاللَّقِيطِ . فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : إِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الدَّوَابِّ ، وَالْإِبِلِ ، وَغَيْرِهَا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهَا بِالنَّفَقَةِ ، وَسَوَاءٌ أَنَفَقَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ بِالنَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ كَالرَّهْنِ ، قَالَ : وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ بِكِرَاءِ حَمْلِهَا . وَقَالَ مَالِكٌ فِي اللَّقِيطِ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ ، ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ ; فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ إِنْ كَانَ طَرَحَهُ مُتَعَمِّدًا ، وَكَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرَحَهُ ، وَلَكِنْ ضَلَّ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ ، وَالْمُلْتَقِطُ مُتَطَوِّعٌ بِالنَّفَقَةِ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ فِي الْبُوَيْطِيِّ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى الضَّوَالِّ مَنْ أَخَذَهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهَا ، فَلْيَذْهَبْ إِلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهُ النَّفَقَةَ ، وَيُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقْبِضَ تِلْكَ النَّفَقَةَ مِنْهُ ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا ، وَلَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا إِلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ ، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ أَمَرَ بِبَيْعِهَا . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ : إِذَا أَمَرَ الْحَاكِمُ بِالنَّفَقَةِ كَانَتْ دَيْنًا ، وَمَا ادَّعَى قَبْلُ مِنْهُ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ قَصْدًا ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَلَيْسَ بِالْأَمِينِ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ وَخَدَمَهُ ، فَتَكُونَ النَّفَقَةُ بِمَنْفَعَةٍ ، وَقَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ : إِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ احْتِسَابًا لَمْ يَرْجِعْ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ احْتَسَبَ بِمَنْفَعَتِهِ ، وَأُعْطِيَ نَفَقَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ نَفَقَتِهِ بِشَيْءٍ فِي الْحُكْمِ ، وَيُعْجِبُنِي فِي الْوَرَعِ وَالْأَخْلَاقِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا جَاءَ ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا بِالنَّفَقَةِ إِذَا حَضَرَ صَاحِبُهَا ، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوُهَا ، حَتَّى يَأْمُرَ الْقَاضِي بِبَيْعِ الشَّاةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَيَقْضِي بِالنَّفَقَةِ ، وَأَمَّا الْغُلَامُ وَالدَّابَّةُ فَيُكْرَى وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنَ الْأُجْرَةِ . قَالُوا : وَمَا أَنْفَقَ عَلَى اللَّقِيطِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ : إِنَّ مَنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ فِي الضَّالَّةِ وَاللَّقِيطِ كَانَ دَيْنًا .

وَقَالَ اللَّيْثُ فِي اللَّقِيطِ : إِنَّهُ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى أَبِيهِ إِذَا ادَّعَاهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث