الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا
حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَعِشْرُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ، أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً ، وَلِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً ، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ جَمِيعُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ عَنْهُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّهُ وَصَلَهُ ، وَأَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ إِنْ صَحَّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ الثَّوْرِيُّ ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْقَطَّانُ ، وَوَصَلَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَأَسْنَدَهُ مِنَ الثِّقَاتِ ، عَلَى حَسَبِ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ لَهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْقَطَّانِ .
وَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، لا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ بِهِ فِي اتِّصَالِهِ ; لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ ، - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ - . فَأَمَّا رِوَايَةُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ حَوْطٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَلِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ وِتْرًا شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ شَفْعًا فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيُلْغِ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ وِتْرًا شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ شَفْعًا ، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ .
وَقَدْ تَابَعَ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ عَلَى مِثْلِ رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ ، يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ الْمَازِنِيُّ : حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ الْمَازِنِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالَ ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ . فَمِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ ( كَمْ ) صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً ، ثُمَّ يَسْجُدْ بَعْدَ ذَلِكَ سَجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ جَالِسٌ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا ، شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعًا أَرْغَمَتِ الشَّيْطَانَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَجْلَانَ ، فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَا يَدْرِي أَوَاحِدَةً أَمِ اثْنَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيُتِمَّ مَا شَكَّ فِيهِ ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ نَاقِصَةً فَقَدْ أَتَمَّهَا ، وَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ ، وَإِنْ كَانَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فَالرَّكْعَةُ ، وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةٌ لَهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، فَأَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى خَمْسًا كَانَتْ شَفْعًا لِصَلَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّاهُمَا تَمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً تَامَّةً ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ خَامِسَةً شَفَعَ بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : إِلَّا أَنَّ هِشَامًا بَلَغَ بِهِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ ، فَرَوَيَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . وَالدَّرَاوَرْدِيُّ صَدُوقٌ ، وَلَكِنْ حفظه لَيْسَ بِالْجَيِّدِ عِنْدَهُمْ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَقَدِ اجْتُمِعَ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَلَيْسَ رِوَايَةُ هَذَيْنِ مِمَّا يُعَارِضُ رِوَايَةَ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي السَّهْوِ ، أَتَذْهَبُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَذْهَبُ إِلَيْهِ ، قُلْتُ إِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي إِسْنَادِهِ ، قَالَ : إِنَّمَا قَصَّرَ بِهِ مَالِكٌ ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ عِدَّةٌ ، مِنْهُمْ : ابْنُ عَجْلَانَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ جَسِيمٌ مُطَّرِدٌ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ ، وَهُوَ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ الشَّكُّ ، وَأَنَّ الشَّيْءَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ الْمَعْرُوفِ حَتَّى يُزِيلَهُ يَقِينٌ لَا شَكَّ مَعَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الظُّهْرِ أَنَّهَا فَرْضٌ بِيَقِينٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا ، وَلَزِمَهُ إِتْمَامُهَا ، وَشَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْوَاجِبُ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا يَقِينٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ غَلِطَ قَوْمٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَظَنُّوا أَنَّ الشَّكَّ أَوْجَبَ عَلَى الْمُصَلِّي إِتْمَامَ صَلَاتِهِ ، وَالْإِتْيَانَ بِالرَّكْعَةِ ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَعْمَالِ الشَّكِّ فِي بَعْضِ نَوَازِلِهِمْ ، وَهَذَا جَهْلٌ بَيِّنٌ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، بَلِ الْيَقِينُ بِأَنَّهَا أَرْبَعٌ فُرِضَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامَهَا ، وَهَذَا وَاضِحٌ ، والكلام لِوُضُوحِهِ يَكَادُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ . أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيَاضٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَدْرِي أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، وَإِذَا أَتَى أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّكَ أَحْدَثْتَ ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ صَوْتَهُ ، أَوْ يَجِدَ رِيحَهُ بِأَنْفِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ يَقِينِ طَهَارَتِهِ إِلَى شَكٍّ ، بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ يَقِينٌ يَصِيرُ إِلَيْهِ .
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ . إِلَّا أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، قَالَ : مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ يَقِينِهِ بِالْوُضُوءِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ عَلِمْتُهُ إِلَّا أَصْحَابُهُ ، وَمَنْ قَلَّدَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : إِنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ ، وَاحْتِيَاطٌ مِنْهُ . وَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ مَالِكًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ خُوَازِ بَنْدَاذَ : اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَقَدْ قَالَ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ ، حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ إِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ ، وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ شَكَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ فَرْضًا ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ عِنْدَهُمْ مُلْغًى ، وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْيَقِينِ عِنْدَهُمْ ، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ فَتَدَبَّرْهُ ، وَقِفْ عَلَيْهِ . قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْديُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْتَقِلُ ، وَرُبَّمَا ، قَالَ سُفْيَانُ : لَا يَنْصَرِفُ ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا .
وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَرِثُ أَحَدًا بِالشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ ، وَمَوْتِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا مَا كَانَتْ سَهْوًا أَوْ فِي إِصْلَاحِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الشَّاكَّ فِي صَلَاتِهِ إِذَا أُمِرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى يَقِينِهِ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى اثْنَتَيْنِ ، وَهُوَ شَكَّ هَلْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ، فَغَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَلَاتِهِ رَكْعَةً ، وَقَدْ أَحْكَمَتِ السُّنَّةُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ . فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَمَا ذَكَرْنَا ، بَطُلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ ( مِثْلَ ) نِصْفِهَا سَاهِيًا أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ ، وَهَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَلَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ، وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ غَيْرُ ذَلِكَ ; وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ خَمْسًا سَاهِيًا فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ ، وَحُكْمُ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ ، وَالنَّظَرِ ، وَالْمَعْقُولِ ، وَلَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى غَيْرِ التَّعَمُّدِ ، وَالْقَصْدِ لِلْإِفْسَادِ مُفْسِدَةً لِلصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَصَدَ الْمُصَلِّي بِذَلِكَ إِصْلَاحَ صَلَاتِهِ ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا لِأَمْرِ الشَّاكِّ فِي صَلَاتِهِ الَّذِي لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ أَنْ يَقْطَعَ ، وَيَسْتَأْنِفَ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ بِهِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، قَالَ فِي السَّاهِي فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَقْطَعَ ، وَيَسْتَأْنِفَ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا ، وَلِمِثْلِهِ مِنَ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِصْلَاحِ صَلَاتِهِ نَحْوِ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا ، وَحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَغَيْرِهِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ السَّاهِيَ فِي صَلَاتِهِ إِذَا فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ، سَجَدَ لِسَهْوِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ : فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الصَّلَاةِ فَالسُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِيَامِهِ مِنِ اثْنَتَيْنِ دُونَ أَنْ يَجْلِسَ ، فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَقَدْ نَقَصَ الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى ، وَالتَّشَهُّدَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ زِيَادَةً ، فَالسُّجُودُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَوْمَئِذٍ ، وَتَكَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَبَنَى ، فَزَادَ سَلَامًا وَعَمَلًا وَكَلَامًا ، وَهُوَ سَاهٍ لَا يَظُنُّ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ عَلَى وُجُوهِهَا أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ التَّنَاسُخِ فِيهَا ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الْفَرْقُ بَيْنَ النُّقْصَانِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ السُّجُودَ فِي النُّقْصَانِ إِصْلَاحٌ وَجَبْرٌ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ وَالْجَبْرُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ . وَأَمَّا السُّجُودُ فِي الزِّيَادَةِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ ، وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَرَاغِ .
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : إِذَا اجْتَمَعَ زِيَادَةٌ ، وَنُقْصَانٌ مِنَ السَّهْوِ فَالسُّجُودُ لِذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ ; لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِمَعْنَى الْجَبْرِ وَالْإِصْلَاحِ . وَجُمْلَةُ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ وَضَعَ السُّجُودَ الَّذِي قُلْنَا : أَنَّهُ قَبْلَ - بَعْدَ ، أَوْ وَضَعَ السُّجُودَ الَّذِي قُلْنَا : أَنَّهُ بَعْدَ - قَبْلَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَشَدُّ اسْتِثْقَالًا لِمَنْ وَضَعَ السُّجُودَ الَّذِي بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ ; وَذَلِكَ لِمَا رَأَى ، وَعَلِمَ مِنِ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : السُّجُودُ كُلُّهُ فِي السَّهْوِ زِيَادَةً كَانَ أَوْ نُقْصَانًا بَعْدَ السَّلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ لَا يَرَى السُّجُودَ إِلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ ، جَاءَتْ فِيهَا الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، إِذْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا ، وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ ، وَسَجَدَ فِيهَا كُلَّهَا بَعْدَ السَّلَامِ ، وَعَارَضُوا حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ التَّسْلِيمِ ، وَالسُّجُودَ بَعْدَهُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَنْ لَا يَسْجُدَ فِي مَوْضِعِ سَهْوِهِ ، وَلَا فِي حَالِهِ تِلْكَ ، وَأَنَّ حُكْمَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ صَلَاتِهِ ، لِتَجْمَعَ السَّجْدَتَانِ كُلَّ سَهْوٍ فِي صَلَاتِهِ ، وَمَعْلُومٌ أن السَّلَامَ قَدْ يُمْكِنُ فِيهِ السَّهْوُ ، فَوَاجِبٌ أَنْ تُؤَخَّرَ السَّجْدَتَانِ عَنِ السَّلَامِ أَيْضًا ، كَمَا تُؤَخَّرَ عَنِ التَّشَهُّدِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : السُّجُودُ كُلُّهُ فِي الزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، ( وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فِيهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَإِلْغَاءُ الشَّكِّ ، وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ( زِيَادَةٌ ، لَمْ يَكُنْ ) نُقْصَانًا ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّجُودِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَقَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَمْ يَجْلِسْ ، وَسَبَّحَ بِهِ فَتَمَادَى ، وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَهَذِهِ الْآثَارُ أَثْبَتُ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَفِيهَا السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ لِلنُّقْصَانِ ، وَغَيْرِ النُّقْصَانِ ، قَالُوا : فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنْ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ زِيَادَةً ، وَلَا نُقْصَانًا ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إِصْلَاحُ الصَّلَاةِ ، وَإِصْلَاحُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا جَازَ تَأْخِيرُ السَّجْدَتَيْنِ عَنْ جَمِيعِ الصَّلَاةِ مَا خَلَا السَّلَامَ ; لِأَنَّ السَّلَامَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ مُصْلِحَتَيْنِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُدْرِكَ بَعْضِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ ، وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ ، حَاشَا السَّلَامَ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ جِهَةِ النَّظَرِ حُجَجٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا .
وَسَيَأْتِي فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ زِيَادَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِيمَا قَالُوا : إِنَّ السُّجُودَ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ فِيمَا فِيهِ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنِ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : فِي مَوَاضِعَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَفِي مَوَاضِعَ بَعْدَ السَّلَامِ ، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ ، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَإِذْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ ، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ عُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَفِيَ التَّحَرِّي بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَفِي الْقِيَامِ مِنِ اثْنَتَيْنِ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَفِي الشَّكِّ يُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ ، وَيُسْجَدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ لَهُ : فَمَا كَانَ سِوَاهَا مِنَ السَّهْوِ ؟ قَالَ : يَسْجُدُ فِيهِ كُلِّهُ قَبْلَ السَّلَامِ ; لِأَنَّهُ يُتِمُّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قَالَ : وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَرَأَيْتُ السُّجُودَ كُلَّهُ فِي السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ; لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، وَلَكِنِّي أَقُولُ : كُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُسْجَدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَسَائِرُ السَّهْوِ يُسْجَدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ .
وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يُسْجَدُ لِسَهْوٍ إِلَّا فِي الْخَمْسَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مكحول ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، هَلْ سَمِعْتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّجُلِ إِذَا نَسِيَ صَلَاتَهُ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَمْ نَقَصَ مَا أُمِرَ بِهِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَمَا سَمِعْتَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْئًا ، قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَاَ سَمِعْتُ مِنْهُ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ . إِذْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ : فِيمَ أَنْتُمَا ؟ فَأَخْبَرَهُ عُمَرُ ، قَالَ : سَأَلْتُ هَذَا الْفَتَى عَنْ كَذَا ، وَكَذَا فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ عِلْمًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : لَكِنَّ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ ، لَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ الْعَدْلُ الرَّضِيُّ فَمَاذَا سَمِعْتَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الْوَاحِدَةِ ، وَالِاثْنَتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً ، وَإِذَا شَكَّ فِي الِاثْنَتَيْنِ ، وَالثَّلَاثِ فَلْيَجْعَلْهَا اثْنَتَيْنِ ، وَإِذَا شَكَّ فِي الثَّلَاثِ ، وَالْأَرْبَعِ فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا ، حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً صَلَّى أَمِ اثْنَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ . فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ التَّحَرِّي ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هَذَا ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا شَكَّ اسْتَقْبَلَ ، وَلَمْ يَتَحَرَّ ، وَإِنَّ لَفِيَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَحَرَّى .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : يَتَحَرَّى ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَتَحَرَّى ، قَالَ : وَإِنْ نَامَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ؟ اسْتَأْنَفَ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا يَلْزَمُهُ ، وَلَا يَزَالُ يَشُكُّ ، أَجَزْأَهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ عَنِ التَّحَرِّي ، وَعَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يَلْزَمُهُ اسْتُؤْنِفَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ بِسَجْدَتَيْهَا .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الشَّكُّ عَلَى وَجْهَيْنِ : الْيَقِينُ ، وَالتَّحَرِّي ، فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشَّكَّ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْوَهْمِ ، سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِنَّمَا فِيهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالتَّحَرِّي فَرْقٌ ; لِأَنَّ التَّحَرِّيَ أَنْ يَتَحَرَّى أَصْوَبَ ذَاكَ ، وَأَكْثَرَهُ عِنْدَهُ ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ يُلْغِي الشَّكَّ ( كُلَّهُ ) ، وَيَبْنِي عَلَى يَقِينِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ دَاوُدُ : مَعْنَى التَّحَرِّي : الرُّجُوعُ إِلَى الْيَقِينِ . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ ) : وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّحَرِّي فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ شَكَّ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، وَلْيَبْنِ عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فِيمَا يَقُولُ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّحَرِّي هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَاكَ صَحَّ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ ، وَأَيُّ تَحَرٍّ يَكُونُ لِمَنِ انْصَرَفَ ، وَهُوَ شَاكٌ لَمْ يَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ أَنَّ شُعْبَةً مِنَ الشَّكِّ تَصْحَبُهُ إِذَا لَمْ يَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ ، وَإِنْ تَحَرَّى ; وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدِي لَيْسَ مِمَّا يُعَارَضُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ : حَدِيثُ التَّحَرِّي لَيْسَ يَرْوِيهِ إِلَّا مَنْصُورٌ ، قُلْتُ لَهُ : لَيْسَ يَرْوِيهِ إِلَّا مَنْصُورٌ ؟ قَالَ : لَا ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَمْسًا ، قَالَ : إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ رَوَى عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ ، قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَحَرَّ . وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فَأَحْسَبُهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ ، الْحَدِيثَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْرِفُهُ بَيْنَ أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَغَيْرِهَا ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : ( أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ) ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَةً يُحْسِنُ رُكُوعَهَا ، وَسُجُودَهَا ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَوَقَفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَخَالَفَ أَيْضًا لَفْظَهُ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَأَخُوهُ ، وَأَبُوهُ ضِعَافٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَبِاللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْأَثْرَمِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا إِغْرَارَ فِي صَلَاةٍ ، وَلَا تَسْلِيمَ ، فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ ، لَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى غَرَرٍ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهَا .
( وَسَيَأْتِي .. . فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْلِيمِ ، وَفِي وُجُوبِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَثْمَةَ ، مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ) .