الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
حَدِيثٌ ثَالِثَ عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلٌ ( مُتَّصِلٌ ) مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ بطَلُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ مُرْسَلًا ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَصَلَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مَا رَوَاهُ أَبُو سَبْرَةَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا . وَقَالَ ابْنُ كَامِلٍ : إنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَتَعَايَرَتَا فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا ، وَقَالَا : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ . هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثُ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ سَعِيدٍ ثِقَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَغَيْرِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتَصَرَهُ مَالِكٌ ، فَذَكَرَ مِنْهُ دِيَةَ الجنين الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ( عِنْدَهُ ) وَتَرَكَ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ إِذْ ضُرِبَتْ فَأَلْقَتِ الْجَنِينَ الْمَذْكُورَ ، لِأَنَّ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ إِثْبَاتُ شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَإِلْزَامُ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ ، لِأَنَّهُ وَجَدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ فَكَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ فِي مُوَطِّئِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مَا لَا يَقُولُ بِهِ ( وَيَقُولُ بِهِ ) غَيْرُهُ ، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَنِينِ لَا غَيْرَ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْغُرَّةِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُونَ ( بِهِ ) عَنْهُ هَكَذَا ( وَطَائِفَةٌ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ أَبَا سَلَمَةَ ) وَطَائِفَةٌ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ سَعِيدًا ، وَمَالِكٌ أَرْسَلَ عَنْهُ حَدِيثَ سَعِيدٍ هَذَا وَوَصَلَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ لَا فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ ( هَذَا ) الْمُرْسَلِ ، وَلَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ وَاقْتَصَرَ مِنْهُمَا عَلَى ذِكْرِ قِصَّةِ الْجَنِينِ وَدِيَتِهِ لَا غَيْرَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ ، وَلِمَا شَاءَ اللَّهُ مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ . وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ( وَغَيْرِهِ وَلِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ حَدِيثُهُ فِي الْجَنِينِ لَا غَيْرُ ، وَلَسْنَا نَذْكُرُ هَاهُنَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ مَالِكٌ غَيْرَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا ، وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا ، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ ، وَأَبُو السَّرْحِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، أَوْ قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُ ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَيْلِيِّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغِرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا ، وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ ، وَالْاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي دِيَتِهَا وَقَتْلِهَا ، وَمَا لَهُمْ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالْوُجُوهِ فِي كِتَابِ ( الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ ) فَمَنْ أَرَادَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ وَتَأَمَّلَهُ هُنَاكَ ، وَلَمْ نَذْكُرْ هَاهُنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ قَتْلِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ قِصَّةُ الْجَنِينِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ هَاهُنَا وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا وَتَوْفِيقُنَا . فَمِنْ أَحْكَامِ الْجَنِينِ مَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجَنِينَ إِذَا ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَأَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِقُرْبِ خُرُوجِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ مِنْ أَجْلِ الضَّرْبَةِ ، وَمَا فُعِلَ بِأُمِّهِ وَبِهِ في بطنها ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ كَانَتْ قَدْ أَلْقَتْهُ ( أُمُّهُ ) مَيِّتًا وَمَعَ هَذَا الدَّلِيلِ نَصَّانِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْجَنِينِ إِذَا رَمَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَالنَّصُّ الثَّانِي : مَا فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ ، وَالْمَقْتُولُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا تَطْرَحُهُ إِلَّا مَيِّتًا لَا مَحَالَةَ ، وَإِنْ لَمْ تُلْقِهِ وَمَاتَتْ وَهُوَ فِي جَوْفِهَا لَمْ يَخْرُجْ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، وَلَا حُكْمَ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَالْحُكْمُ ( فِيهِ ) مَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، وَقَدْ كَانَ لِلْغُرَّةِ أَصْلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِشَرَفِهِ أَنْ يُودِيَ دِيَةً كَامِلَةً ، قَالَ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مُهَلْهِلٌ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَرَقَّ الشِّعْرَ وَقَصَّدَهُ فِيمَا ذَكَرُوا ، قَالَ فِي قَتْلِ أَخِيهِ كُلَيْبِ بْنِ رَبِيعَةَ :
كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ
حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ
يَعْنِي مُرَّةَ بْنَ هُذَيْلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، وَكَانَ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ قَتَلَ كُلَيْبَ بْنَ رَبِيعَةَ التَّغْلَبِيَّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغُرَّةِ وَقِيمَتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ : الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا ، أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نِصْفِ عُشْرِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ ، وَعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ الْحُرَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ : قِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ مُغِيرَةُ : خَمْسُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِنُّ الْغُرَّةِ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعِيبَةً ، وَقَالَ دَاوُدُ : كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الجنين الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : مَا طَرَحَتْهُ مِنْ مُضْغَةٍ ، أَوْ عَلَقَةٍ ، أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَقَطَ الجنين ، فَلَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَسَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ فَفِيهِ الْغُرَّةُ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، ( فَإِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ) فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِحَرَكَةٍ ، أَوْ بِعُطَاسٍ ، أَوْ بِاسْتِهْلَالٍ ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُسْتَيْقَنُ بِهِ حَيَاتُهُ ، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ ( كَامِلَةٌ ) ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يَقُولُونَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا مَاتَتْ مِنْ ضَرْبِ بَطْنِهَا ، ثُمَّ خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِهَا : إِنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَأَنَّهُ هَدَرٌ إِذَا أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا إِلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَدَاوُدَ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : إِذَا ضُرِبَ بَطْنُ الْمَرْأَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَسَوَاءٌ رَمَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ قَبْلَ مَوْتِهَا ، اعْتَبَرَا حَيَاةَ أُمِّهِ فِي وَقْتِ ضَرْبِهَا لا غير ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا حَالَهَا فِي وَقْتِ إِلْقَائِهَا لِلْجَنِينِ لا غير ، فَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَأَمَّا إِذَا أَلْقَتْهُ وَهِيَ حَيَّةٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ ، وَاحْتَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ عَلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ لِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ قَالَ : قَدْ أَجْمَعُوا والليث مَعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَاتَتْ وَالْجَنِينُ في بطنها وَلَمْ يَسْقُطْ ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَكَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُ امْرَأَةٍ مَيِّتَةٍ حامل ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الضَّرْبُ فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، قَالَ : فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : هِيَ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَانِي ، لَا يُعْطِي ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرَ هَذَا ، وَلَوْ أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ قُضِيَ بِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ لَقَالَ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ ( الَّذِينَ ) قُضِيَ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْقِيَاسِ إِنَّ كُلَّ جَانٍ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَامَ بِخِلَافِهِ الدَّلِيلُ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ مِثْلُ إِجْمَاعٍ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ أَوْ نَصٌّ ، أَوْ سُنَّةٌ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ لَا مُعَارِضَ لَهَا فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْغُرَّةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَامٍ السَّوَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ( أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ : كَيْفَ ) نَدِي مَنْ لَا صَاحَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ، وَلَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ؟ فَقَالَ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ ؟ فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ ، وَهَذَا نَصٌّ ثَابِتٌ صَحِيحٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ يُوجِبُ الْحُكْمَ ، وَلَمَّا كَانَتْ دِيَةُ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَانَ الجنين أَحْرَى بِذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ ، وَالنَّظَرِ . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْجَنِينَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ مَعَ الدِّيَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا فَقَالَ مَالِكٌ : فِيهِ الْغُرَّةُ وَالْكَفَّارَةُ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ خَرَجَ حَيًّا فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهَذَا عَلَى أُصُولِهِمُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ أُمُّهُ وَهِيَ حَيَّةٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ مِيرَاثِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ عَنِ الْجَنِينِ لِأَنَّهَا دِيَتُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا أَكَلَ ، وَلَا شَرِبَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ قَالَ : فَالْمَضْمُونُ الْجَنِينُ ، لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُعْتَرَضُ فِيهِ بِهَذَا ، وَكَانَ ابْنُ هُرْمُزٍ يَقُولُ : دِيَتُهُ لِأَبَوَيْهِ خَاصَّةً لِأَبِيهِ ثُلُثَاهَا وَلِأُمِّهِ ثُلُثُهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمَا حَيًّا كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ مَاتَ كَانَتْ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا لَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْغُرَّةُ لِلْأُمِّ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَهَا فِيهَا شَيْءٌ ، وَلَيْسَتْ دِيَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَةٍ جُنِيَ عَلَيْهَا ، فَقُطِعَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا ( وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ دِيَةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا هَلْ هُوَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَمَا يَلْزَمُ فِي الدِّيَاتِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَالْعُضْوِ ( وَلِهَذَا كَانَتْ ذَكَاةُ الشَّاةِ ذَكَاةً لِمَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَجِنَّةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَتْ مَيِّتَةً ) وَقَوْلُ دَاوُدَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ دَاوُدُ بِأَنَّ الْغُرَّةَ لَمْ يَمْلِكْهَا الْجَنِينُ فَتُورَثُ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَدْخُلُ عَلَيْهِ دِيَةُ الْمَقْتُولِ خَطَأً ، هُوَ لَمْ يَمْلِكْهَا وَهِيَ تُورَثُ عَنْهُ . وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ( أَوْلَى ) وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالْهُدَى . وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَانِي وَهِيَ الْأَكْلُ ، وَالشُّرْبُ ، وَالِاسْتِهْلَالُ ، وَالنُّطْقُ لِقَوْلِهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا نَطَقَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَ بِهَذِهِ ، لِأَنَّهَا أَسْبَابُ الْحَيَاةِ وَعَلَامَاتُهَا ، فَكُلُّ مَا عُلِمَتْ بِهِ الْحَيَاةُ كَانَ مِثْلَهَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَوْلُودِ لَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا إِلَّا أَنَّهُ تَحَرَّكَ حِينَ سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، وَعَطَسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْطِقْ ، وَلَا صَرَخَ مُسْتَهِلًّا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ إِلَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَا عُرِفَتْ بِهِ حَيَاتُهُ فَهُوَ كَالِاسْتِهْلَالِ وَالصُّرَاخِ وَيُورَثُ وَيَرِثُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا اسْتُوقِنَتْ حَيَاتُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ صَحَّتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْمَعَانِي إِنْكَارُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِهِ وَكَانَ جَهْلًا مِنْ قَائِلِهِ ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّسْجِيعِ إِنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْجِيعَ الْهُذَلِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ اعْتَرَضَ بِهِ قَائِلُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِرَاضَ مُنْكِرٍ ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْرَابِيًّا لَا عِلْمَ لَهُ بِأَحْكَامِ الدِّينِ ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وَتِلْكَ شِيمَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْجَاهِلِينَ . وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا كُلُّهُمْ يَسْجَعُونَ ، أَوْ كَانَ الْأَغْلَبَ مِنْهُمُ السَّجْعُ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ يُغْنِي عَنِ الْاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا نُقِلَ ، عَنْ شِقِّ وَسُطَيْحٍ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَلَامٌ مُسَجَّعٌ ( كُلُّهُ ) وَإِنَّمَا يُنْكَرُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْخَطِيبِ ، أَوْ غَيْرِهِ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ ( كُلُّهُ ) تَسْجِيعًا ، أَوْ أَكْثَرُهُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّجْعُ أَقَلَّ كَلَامِهِ ، فَلَيْسَ بِمَعِيبٍ بَلْ هُوَ مُسْتَحْسَنٌ مَحْمُودٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَنَّهُ ) قَالَ فِي بَعْضِ جِرَاحَاتِهِ :
هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْهُ . وَعَنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّجْعَ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ ، وَكَذَلِكَ الشِّعْرُ كَلَامٌ مَنْظُومٌ ، فَالْحَسَنُ مِنْهُ حَسَنٌ وَحِكْمَةٌ ، وَالْقَبِيحُ مِنْهُ وَمِنَ الْمَنْثُورِ غَيْرُ جَائِزٍ النُّطْقُ بِهِ عَصَمَنَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَارٍ فَنُكِبَتْ أُصْبُعُهُ فَقَالَ :
هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ أَعُوذُ بِكَ يَا رَبِّ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْأَرْبَعِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَسَنَ السَّجْعِ حَسَنٌ وَقَبِيحَهُ قَبِيحٌ كَسَائِرِ الْكَلَامِ الْمَنْظُومِ وَالْمَنْثُورِ . وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ ، فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ لَا يُشْبِهُ اخْتِلَافَهُمْ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ ، فَأَمَّا مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فَقَالُوا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ : إِنْ وَقَعَ مَيِّتًا مِنْ ضربة الضَّارِبِ لِأُمِّهِ ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ غُلَامًا فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ نَفْسِهِ لَا قِيمَةِ أُمِّهِ ، فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَعُشْرُ قِيمَتِهَا ( نَفْسِهَا ) لَوْ كَانَتْ حَيَّةً ، أَوْ كَانَ حَيًّا ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ . وَلِلتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ أَقَاوِيلُ مُتَقَارِبَةٌ سَأَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ( حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي امْرَأَةٍ عَالَجَتْ نَفْسَهَا حَتَّى أَسْقَطَتْ فَقَالَ : تُعْطِي أَبَاهُ غُرَّةً ) .