الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ أُمُّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ
حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . أُمُّ قَيْسٍ هَذِهِ اسْمُهَا جُذَامَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحَابِيَّاتِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّضْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَبُّ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ ، وَفِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَاتِ وَغَمَرَهَا طَهَّرَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ لَا لَهَا ، وَلَوْ كَانَ إِذَا اخْتَلَطَ بِالنَّجَاسَاتِ لَحِقَتْهُ النَّجَاسَةُ مَا كَانَ طَهُورًا وَلَا وَصَلَ بِهِ أَحَدٌ إِلَى الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُ طَهُورًا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرِهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَعَانٍ مِنْ قَلِيلِهِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ وَاضِحًا فِي الْمَاءِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ وُلُوغِ الْهِرَّةِ فِي الْإِنَاءِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ آدَمِيٍّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ نَجِسٌ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إِذَا كَانَا مُرْضَعَيْنِ لَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ كَبَوْلِ الرَّجُلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ مَا دَامَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَتَّى يَأْكُلَ الطَّعَامَ ، وَلَا يَبِينُ لِي فَرْقُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيَّةِ ، وَلَوْ غُسِلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ يُتْبَعُ مَاءً ، وَبَوْلُ الصَّبِيَّةِ يُغْسَلُ غَسْلًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : الرَّشُّ بِالرَّشِّ ، وَالصَّبُّ بِالصَّبِّ - مِنَ الْأَبْوَالِ كُلِّهَا .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّضْحَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ صَبَّ الْمَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّشَّ . وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ الرَّشَّ لَا يَزِيدُ النَّجَاسَةَ إِلَّا شَرًّا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّضْحَ قَدْ يَكُونُ صَبَّ الْمَاءِ وَالْغَسْلَ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ قَوْلُ الْعَرَبِ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ ، بِهَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ .
وَقَدْ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثُ فِيهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يُطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا أُطْعِمَا الطَّعَامَ غُسِلَا جَمِيعًا . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَالَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : أَعْطِنِي ثَوْبَكَ أَغْسِلْهُ ! فَقَالَ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنَ الْأُنْثَى ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ .
وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ مَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ - مَا لَمْ يَأْكُلَا الطَّعَامَ - عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، وَالنَّضْحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ عِنْدَهُمْ الرَّشُّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ خَادِمُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَيْهِ ! قَالَ : فَجِئْتُ لِأَغْسِلَهُ ، فَقَالَ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ إِنْ صَحَّتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهَا وَجَبَ الْقَوْلُ بِهَا ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى الصَّبَّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ وَإِتْبَاعَهُ الْمَاءَ أَصَحُّ وَأَوْلَى ، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَالَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت : بَوْلُ الْغُلَامِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ طَعِمَتْ أَوْ لَمْ تَطْعَمْ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لِلْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مُسْتَعْمِلٌ لَهَا ، حَاشَا حَدِيثِ الْمُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ الرَّشَّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَالْمُحِلُّ ضَعِيفٌ .
وَإِذَا صُبَّ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَغُسِلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّبَّ قَدْ يُسَمَّى نَضْحًا - كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الرَّضِيعَيْنِ مَا بَيْنَ الصَّبِّ وَالْعَرْكِ تَعَبُّدًا - كَانَ وَجْهًا حَسَنًا ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ - وَهُوَ رِوَايَتُهُ - يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَيُفْتِي بِهِ . رَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ : يُغْسَلُ غَسْلًا .
وَبَوْلُ الصَّبِيِّ : يُتْبَعُ بِالْمَاءِ . وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .