الْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ
ج١٢ / ص١٧
1154 حَدِيثٌ ثَالِثٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ ، وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ ، وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ ، مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْإِسْلَامِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِدَائِهِ نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ ، وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا قَبِلْتُهُ ، وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ج١٢ / ص١٨انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلْ لَكَ تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : طَوْعًا أَمْ كَرْهًا ؟ فَقَالَ : بَلْ طَوْعًا . فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّتِي عِنْدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ . ج١٢ / ص١٩مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجُهَا كَافِرٌ وَمُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ ، وَابْنُ شِهَابٍ إِمَامُ أَهْلِ السِّيَرِ وَعَالِمُهُمْ وَكَذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُسْنَدِ الْحَسَنِ الْإِسْنَادِ إِلَّا حَدِيثٌ رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا ج١٢ / ص٢٠قَدْ كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ . وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ ، وَرَدَّهَا إِلَى الْأَوَّلِ. وَقَدْ حَدَّثَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :
رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا
، بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بَعْدَ سَنَتَيْنِ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَقُولُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَتْرُوكٌ مَنْسُوخٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ رُجُوعَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ عَادَتِهَا ، وَإِسْلَامُ زَيْنَبَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرَائِضِ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ بَرَاءَةٌ بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ . ج١٢ / ص٢١وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ . وَرَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ ، وَفِي هَذَا أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَهُوَ كَافِرٌ ، فَمِنْ هُنَاكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ . وَقَالَ آخَرُونَ : قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ :
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي الْعَاصِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
إِلَى قَوْلِهِ :
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ كَافِرًا ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا يُحِلُّ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِكَافِرٍ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُلَاعِنِ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . ج١٢ / ص٢٢رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ قَالَ : لَا يَعْلُو مُسْلِمَةً مُشْرِكٌ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَظْهَرُ وَلَا يُظْهَرُ عَلَيْهِ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
مَا يُغْنِي وَيَكْفِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ ، فَلَمَّا هَاجَرْنَ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا امْتُحِنَّ بِمِحْنَةِ الْإِسْلَامِ ، وَعُرِفَ أَنَّهُنَّ جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ قَدْ أَذِنَ لِامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ أَنْ تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَتَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرْ مَتَى كَانَ خُرُوجُهُ إِلَى الشَّامِ . وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ مِنَ الشَّامِ مَرَّ بِأَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَخَذُوهُمْ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا لِصِهْرِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ . ج١٢ / ص٢٣فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الشِّرْكِ ، كَانَ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا إِذَا أَسْلَمَا مَعًا ، وَأَصْلُ الْعَقْدِ مَعْفِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا كُفَّارًا ، فَأَسْلَمُوا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ، وَأُقِرُّوا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي أَصْلِ نِكَاحِهِمْ شُرُوطُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ وَتَوْقِيفٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَافِرَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ ، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا إِلَيْهَا إِذَا كَانَ لَمْ يُسْلِمْ فِي عِدَّتِهَا ، إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، إِلَّا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ الزَّوْجَةِ إِلَّا بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَّفِقُ الْجَمِيعُ عَلَى نَسْخِهِ ، لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ فِي أَصْلِهِ ، وَوُجُودِ التَّنَازُعِ فِي حَقِّهِ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَتَيْنِ لِهِجْرَتِهَا ، وَأَظُنُّهُ مَالَ فِيهِ إِلَى قِصَّةِ أَبِي الْعَاصِ ، وَقِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْعَاصِ كَافِرًا ؛ إِذْ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَوْ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَهَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ ج١٢ / ص٢٤وَأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي النِّكَاحِ ، إِذْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ تَحْرِيمُ فُرُوجِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَلَا وَجْهَ هَاهُنَا لِلْإِكْثَارِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ حَامِلًا فَتَمَادَى حَمْلُهَا وَلَمْ تَضَعْهُ حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَهَذَا مَا لَمْ يُنْقَلْ فِي خَبَرٍ ، أَوْ تَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ ، فَيَكُونَ أَيْضًا ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟
- خَبَرٌ مَتْرُوكٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ؛ فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يُرِيدُ عَلَى مِثْلِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّدَاقِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . وَكَذَلِكَ يَقُولُ الشَّعْبِيُّ عَلَى عَمَلِهِ بِالْمَغَازِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرُدَّ أَبَا الْعَاصِ إِلَى ابْنَتِهِ زَيْنَبَ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ . ج١٢ / ص٢٥حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : إِنْ أَسْلَمُ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ . وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ ، وَلَا حُكْمَ لِلدَّارِ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اعْتَبَرَ الْعِدَّةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحَرْبِيَّةِ : تَخْرُجُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً ، وَلَهَا زَوْجٌ كَافِرٌ بِدَارِ الْحَرْبِ : فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ( وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : أَمَّا الْفُرْقَةُ فَقَدْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا ) ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَلَكِنَّ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيِّ اعْتِبَارُ الْعِدَّةِ فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي الْحَرْبِيَّةِ ، ج١٢ / ص٢٦إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ طَلِيقَةٌ ، وَهُوَ خَاطِبٌ . وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ : إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَلَيْسَتِ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، وَإِذَا أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كِتَابِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً زَوْجُهَا أَحَقُّ بِهَا أَبَدًا إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ وَأَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلُ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ وَزَوْجَتُهُ مَجُوسِيَّةٌ غَائِبَةٌ ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ يُسْلِمُ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا ( لِأَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ بِهَا ) كَانَ مُتَمَسِّكًا بِعِصْمَتِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
قَالَ : وَالْحَاضِرَةُ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، فَلَيْسَ الرَّجُلُ مُمْسِكًا بِعِصْمَتِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ بِهَا شَيْئًا غَيْرَ حَاضِرٍ ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَجَوَابٌ ، فَكَأَنَّهَا إِذَا أَسْلَمَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَدْ أَسْلَمَتْ مَعَ إِسْلَامِهِ إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْتَظِرُ جَوَابَهَا ، أَلَا تَرَى الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي كُنَّ بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يُنْتَظَرْ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِنَّ ج١٢ / ص٢٧الْإِسْلَامُ ؟ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْهُدْنَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الصُّلْحِ . قَالَ : وَالْكَوَافِرُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِنَّ هَذَا هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ مِنَ الْعَرَبِ ، فَكَانَ سَبِيلُ الْمَجُوسِيَّاتِ سَبِيلَهُنَّ ، فَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمْسِكَ بِعِصْمَةِ كَافِرَةٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَتْ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَالْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ ; لِأَنَّهُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَى الْفَسْخِ ، وَلَيْسَ يُرَاجِعُهَا فِي الْعِدَّةِ إِنْ أَسْلَمَتْ ، بِخِلَافِهِ إِذَا كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ إِسْلَامَهُ قَبْلَهَا أَشْبَهُ بِالْمُفَارِقِ يَرْتَجِعُ ، وَالِارْتِجَاعُ إِنَّمَا هُوَ بِالرِّجَالِ لَا بِالنِّسَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ ، وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ صَاحِبُهُ فِي الْعِدَّةِ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ أَوْ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الرَّجُلِ أَوْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَسْلَمَا قَبْلُ ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتَاهُمَا فَاسْتَقَرَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ زَوْجِهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ إِذْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ فَاسْتَقَرَّتَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ج١٢ / ص٢٨قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَذَلِكَ التَّمَادِي فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْعِدَّةِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ وَأَحْكَمْتُ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الذِّمِّيَّيْنِ : إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ عُرِضَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِسْلَامُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ وَأَسْلَمَتْ هُنَاكَ كَانَتِ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ حُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ فِي النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ امْرَأَتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَجُوسِيَّةً ، وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمِ الْمَرْأَةُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ فِي الْمَهْرِ : إِنْ أَسْلَمَتْ وَأَبَى فَلَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا النِّصْفُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَأَبَتْ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ فَلَا مَهْرَ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . ج١٢ / ص٢٩وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ، فَيَخْرُجُ إِلَى بَعْضِ الْأَسْفَارِ ، فَتُسْلِمُ امْرَأَتُهُ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِالنِّكَاحِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ إِنْ قَدِمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ ، نَكَحَتْ أَوْ لَمْ تَنْكِحْ ، هَذَا إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي غَيْبَتِهِ ، فَإِنْ نَكَحَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا أَوْ يَبْلُغَهَا إِسْلَامُهُ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : وَإِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً اسْتُؤْنِيَ بِتَزْوِيجِهَا ، وَكُتِبَ لِلسُّلْطَانِ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَلَا . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي صَدَاقِ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ مُعَجَّلٌ وَلَا مُؤَجَّلٌ ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ رَدَّتْهُ ; لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَلَوْ بَنَى بِهَا كَانَ لَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا ، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ فِي الصَّدَاقِ . ج١٢ / ص٣٠ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَيَمَسَّهَا ، أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا ، سُمِّيَ لَهَا أَوْ لَمْ يُسَمَّ ، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا ، فَإِنْ بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِهَا فَلَهَا بَقِيَّتُهُ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ يُسْلِمْ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجُوسِيَّةِ يَتَزَوَّجُهَا الْمَجُوسِيُّ ثُمَّ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَرَضَ لَهَا أَوْ لَمْ يَفْرِضْ ، أَنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ ، أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا فَأَبَتْ هِيَ أَنْ تُسْلِمَ فِي الْوَجْهَيْنِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَتْ فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ج١٢ / ص٣١وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي ، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ . وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ جُمَيْعٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَهَذَا لَفْظُهُ : عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَاجَرَتْ وَتَزَوَّجَتْ ، وَكَانَ زَوْجُهَا قَدْ أَسْلَمَ ، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى زَوْجِهَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَزَوَّجَتْ ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ مَعَهَا وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي ، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ بِأَنْ قَالَ : خَبَرُ ابْنِ شِهَابٍ مُنْقَطِعٌ، وَفِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِدَّةَ إِذَا ج١٢ / ص٣٢وُجِّهَتْ عَلَى سبب غير الطَّلَاقِ ، فَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ ، وَأَمَّا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَلَا عِدَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوِ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ مَا كَانَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الثَّانِي مِنْهُمَا مَعًا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَوْرِ ، رُوِيَ ( عَنْ ) عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ الذِّمِّيَّةُ وَأَبَى زَوْجُهَا أَنْ يُسْلِمَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْعِدَّةَ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَا فِي النَّصْرَانِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ زَوْجِهَا : أَخْرَجَهَا عَنْهُ الْإِسْلَامُ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ، فَتُسْلِمُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، قَالَ : فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُ مَا حَكَى فِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ امْرَأَةَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَامْرَأَةَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَسْلَمَتَا فِي عِدَّتِهِمَا ، فَأَقَامَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . ج١٢ / ص٣٣وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ امْرَأَةَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، فَرُدَّتْ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ ، وَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ ، وَأَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ( ذَلِكَ ) . وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . ج١٢ / ص٣٤وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِذَا أَسْلَمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، يَعْنِي إِذَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِنْ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ فِي عِدَّةِ امْرَأَتِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنِ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْأَمَانِ لِلْكَافِرِ وَدُعَاؤُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ - وَإِنْ كَانَ لَهُ شَوْكَةٌ ، وَكَانَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ الْعَالِيَةَ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا طُمِعَ بِإِسْلَامِهِ . وَفِيهِ التَّأْمِينُ عَلَى شُرُوطٍ تَجُوزُ وَعَلَى الْخِيَارِ فِيهَا . ج١٢ / ص٣٥وَفِيهِ جَوَازُ تَصْحِيح الْأَمَارَاتِ فِي الْعُقُودِ ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ صَحَّ عِنْدَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى إِرْسَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِدَائِهِ أَمَارَةً لِأَمَانِهِ . وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالْحِرْصِ عَلَى دُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ . وَفِيهِ إِجَازَةُ تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ إِذَا كَانَ وَجْهًا ذَا شَرَفٍ وَطَمَعٍ بِإِسْلَامِهِ ، وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُطْمَعْ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّ الطَّمَعَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ تُوجِبُ عَمَلًا ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ أَوْ كَرِيمَةُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ طَمِعْتُمْ بِإِسْلَامِهِ . وَمِنِ الْإِكْرَامِ دُعَاؤُهُ بِالتَّكْنِيَةِ ، وَقَدْ كان الكلبي يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا
قَالَ : كَنِّيَاهُ . وَأَمَّا شُهُودُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ ، وَهُوَ كَافِرٌ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَا ج١٢ / ص٣٦أَرَى أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا خَدَمًا أَوْ نَوَاتِيَّةً . وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ أَتَاهُ فَقَالَ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ - فِي حِينِ خُرُوجِهِ إِلَى بَدْرٍ - : إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ : لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ - إِذَا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ - إِذَا كَانَ حُكْمُ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ انْطَلَقَ وَبَعَثَ إِلَى بَنِي ج١٢ / ص٣٧النَّضِيرِ وَهُمْ يَهُودُ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا ، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إِلَى ذَلِكَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِذَا اسْتُعِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أُسْهِمَ لَهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُسْهَمُ لَهُمْ وَلَكِنْ يُرْضَخُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَسْتَأْجِرُهُمُ الْإِمَامُ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَعْطَاهُمْ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ : يُرْضَخُ لِلْمُشْرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اتَّفَقُوا أَنَّ الْعَبْدَ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ إِذَا قَاتَلَ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ الْعَارِيَةِ وَالِاسْتِعَارَةِ ، وَجَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا اسْتُعِيرَ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَعْهُودِ مِمَّا يُسْتَعَارُ مِثْلُهُ ، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ هَذَا فِي الْعَارِيَةِ أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ . ج١٢ / ص٣٨وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَةِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ أَمَانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانًا ، أَوْ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمُسْتَعِيرُ فِيهِ وَلَا ضَيَّعَ ، وَكَذَلِكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ أَيْضًا إِذَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ وَصَحَّ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ وَلَا تَعَدٍّ ، فَإِنْ خَفِيَ هَلَاكُهُ ضُمِنَ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيهِ إِذَا ادَّعَى هَلَاكَهُ وَذَهَابَهُ ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَى مَا قَالَ بَيِّنَةً ، وَتَضَمَّنَ أَبَدًا إِذَا كَانَ هَكَذَا ، وَلَا يَضْمَنُ إِذَا كَانَ هَلَاكُهُ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ بِلَا تَضْيِيعٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ أَشْهَبُ : يَضْمَنُ كُلَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ أَوْ لَمْ تَقُمْ ، وَسَوَاءٌ هَلَكَ بِسَبَبِهِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ يَضْمَنُ أَبَدًا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِصَفْوَانَ حِينَ اسْتَعَارَ مِنْهُ السِّلَاحَ وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ . قَالَ : وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : الْمُسْتَعِيرُ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَعَارَهُ إِلَّا الْحَيَوَانَ وَالْعَقَارَ وَيَضْمَنُ الْحُلِيَّ وَالثِّيَابَ وَغَيْرَهَا . قَالَ : وَإِنِ اشْتُرِطَ ضَمَانُ الْحَيَوَانِ ضَمِنَهُ . ج١٢ / ص٣٩وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا ضَمَانَ فِي الْعَارِيَةِ ، وَلَكِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَتَبَ بِأَنْ يَضْمَنَهَا ، فَالْقَضَاءُ الْيَوْمَ عَلَى الضَّمَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : العارية غير مَضْمُونَةٌ ، وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِالتَّعَدِّي ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ عَارِيَةٍ مَضْمُونَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ بِمَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ( مُحَمَّدِ ) بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحُوَيْطِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْعَارِيَةُ مُؤَادَّةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَارِيَةَ لَا تُضْمَنُ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
فَجَعَلَ الْأَمَانَاتِ مُؤَدَّاةً . ج١٢ / ص٤٠قَالَ : وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ إِذَا وُجِدَتْ قَائِمَةَ الْعَيْنِ ، وَهَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا التَّنَازُعُ فِيهَا إِذَا تَلِفَتْ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُهَا ؟ وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ
بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدَادَ ، وَفِي رِوَايَتِهِ بِوَاسِطٍ غَيْرُ هَذَا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ صَفْوَانَ هَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ اخْتِلَافًا يَطُولُ ذِكْرُهُ : فَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ فِيهِ الضَّمَانَ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يذكره ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ج١٢ / ص٤١ابْنِ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ ( عَنْ أَبِيهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) ، عَنِ ابْنِ صَفْوَانَ قَالَ : اسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، أَوْ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ مُرْسَلًا أَيْضًا . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ الضَّمَانَ ، وَلَا يَقُولُ مُؤَدَّاةً ، بَلْ عَارِيَةً فَقَطْ ، وَالِاضْطِرَابُ فِيهِ كَثِيرٌ ، وَلَا يَجِبُ - عِنْدِي - بِحَدِيثِ صَفْوَانَ هَذَا حُجَّةٌ فِي تَضْمِينِ الْعَارِيَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، قَالُوا : اسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ سِلَاحًا ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ : أَعَارِيَةٌ أَمْ غَصْبٌ ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ . فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ دِرْعًا ، فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ج١٢ / ص٤٢اجْمَعُوا أَدْرَاعَ صَفْوَانَ ، فَفَقَدُوا مِنْ أَدْرَاعِهِ أَدْرَاعًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ غَرِمْنَاهَا لَكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فِي قَلْبِي الْيَوْمَ مِنِ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ . وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا صَفْوَانُ ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلَاحٍ ؟ قَالَ : عَارِيَةٌ أَمْ غَصْبٌ ؟ قَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ . فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ ، ثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ - سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ - بِمَعْنَاهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ فَذَكَرَهُ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ ضَمَّنَ الْعَارِيَةَ ، بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . ج١٢ / ص٤٣وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ ، ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ قَالَ : هُوَ أَمِينُكَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ ، قَالَ قَتَادَةُ : ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . ج١٢ / ص٤٤قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَمَّا الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنْ لَا ضَمَانَ فِي الْعَارِيَةِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
ج١٢ / ص٤٥