الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَعِشْرُونَ لِنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . . قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْفَضَائِلُ لَا تُدْرَكُ بِقِيَاسٍ ، وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنَّظَرِ ; وَإِنَّمَا هُوَ مَا صَحَّ مِنْهَا ، وَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهَا ; فَهُوَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . وَكَذَلِكَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا صِحَاحٌ ، وَاللَّهُ يَتَفَضَّلُ بِمَا يَشَاءُ وَيُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ . وَقَدْ رُوِيَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ فِي وَقْتِي هَذَا : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفُضُلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ بِأَرْبَعِينَ دَرَجَةً . وَأَظُنُّهُ انْفَرَدَ بِهِ ; فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ حَدِيثُهُ بِالْقَوِيِّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُوَيْطِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ ; وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنْ لَا فَضْلَ لِكَثِيرِ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَلِيلِهَا ، وَلَا لِلصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ ، بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ; وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ : فَزَعَمُوا أَنَّ الْجَمَاعَةَ كُلَّمَا كَثُرَتْ كَانَ أَفْضَلَ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي بَصِيرٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - مَرْفُوعًا بِذَلِكَ وَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; وَزَعَمُوا أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِهَامِ عَلَيْهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا ، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا . وَعَارَضَهُمُ الْأَوَّلُونَ بِأَنْ تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا ، وَشَرُّهَا آخِرُهَا ، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ أَوَّلُهَا ، وَخَيْرُهَا آخِرُهَا . إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا يَتَأَخَّرُونَ فِي أَجَلِ النِّسَاءِ . حَتَّى أُنْزِلَتْ
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ
فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ الْقَوْلَ ; وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ إِذَا كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ ; وَالْفَضَائِلُ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِمَا صَحَّ مِنَ التَّوْقِيفِ عَلَيْهَا ; فَمَا صَحَّ مِنْ ذَلِكَ سَلِمَ لَهُ وَطَمِعَ فِي بِرْكَتِهِ ، وَالْمَعْنَى فِي فَضْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ التَّبْكِيرُ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ مَنْ تَأَخَّرَ وَصَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ; كَمَنْ بَكَّرَ وَانْتَظَرَ الصَّلَاةَ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ سُمَيٍّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ مَجِيئِهَا ، وَعَلَى اعْتِقَادِهَا ، وَالْقَوْلِ بِهَا ; وَفِي ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ ، وَمُخَالَفَتَهُمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي إِنْكَارِهِمُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، وَكَرَاهِيَتِهِمْ لِأَنْ يَأْتَمَّ أَحَدٌ بِأَحَدٍ فِي صِلَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَبِيًّا أَوْ صِدِّيقًا ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنَ الضَّلَالِ بِرَحْمَتِهِ ، وَعَصَمَنَا بِفَضْلِهِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .