ج١٦ / ص٥٥
138 نَافِعٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رَابِعٌ وَسَبْعُونَ لِنَافِعٍ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّي .
ج١٦ / ص٥٦
ج١٦ / ص٧٧
شرحوَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقْصَى مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - مَالِكٍ وَغَيْرِهِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَفِيمَا دُونَهَا عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ ، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَصَلَّتْ ، وَلَيْسَتْ مُسْتَحَاضَةً ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، فَأَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ ; لِأَنَّهَا طَاهِرٌ ، وَتُصَلِّي مِنْ يَوْمِهَا ذَلِكَ ، وَلَا تُصَلِّي مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ بِاجْتِهَادٍ فِي أَمْرٍ يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا : أَقِيمِي طَاهِرَةً حَتَّى تُقْبِلَ الْحَيْضَةُ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنْ تَأْتِيَهَا دَفْعَةٌ مِنْ دَمٍ تُنْكِرُهُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ غُسْلِهَا ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ عِنْدَنَا ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّفْعَةَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الطُّهْرِ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ ، مَا دَامَتْ تَرَى الدَّمَ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّفْعَةِ وَبَيْنَ الطُّهْرِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ امْرَأَةٌ حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحِيضُ النِّسَاءُ ، فَلَا تَعْتَدُّ بِهِ ، وَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ لِتِلْكَ الدَّفْعَةِ ، وَلَا تَزَالُ تُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَهَا وَلَوْ دَفْعَةٌ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الطُّهْرِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ج١٦ / ص٧٨مَسْلَمَةَ : إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَقَدْرُهَا عِنْدَنَا عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، فَإِنْ جَاوَزَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، وَلْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، وَلْتُصَلِّي وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ ، وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَهِيَ طَاهِرٌ حَتَّى تَرَى دَفْعَةً ، فَتَكُفَّ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، فَإِنْ زَادَتْ دَفْعَةٌ قَبْلَ وَقْتِ حَيْضِهَا لَمْ تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الدَّفْعَةِ قَبْلَ وَقْتِ حَيْضِهَا كَانَتْ قَدْ خَالَفَتْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَتْ عَنِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّامِ حَيْضِهَا ، وَالدَّفْعَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ عِرْقٌ ، لَنْ تُقْبَلَ مَعَهُ حَيْضَةٌ ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ أَنْ تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ ، فَرَأَيْنَا إِقْبَالَهَا في غير مَوْضِعَهَا مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، فَجَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتِحَاضَةً ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَدَدُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَحْتَاطُ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ قَالَ : وَقَوْلُ الْمُغِيرَةِ فِي ذَلِكَ أَحْسَنُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ قَطُّ ثُمَّ حَاضَتْ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ : فَإِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ إِلَى ج١٦ / ص٧٩أَنْ تُتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ وَاغْتَسَلَتْ ، وَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا لِخَمْسَ عَشْرَةَ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَهِيَ حَيْضَةٌ قَائِمَةٌ تَصِيرُ قُرْءًا لَهَا ، وَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ ، وَكَانَ مَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ دَمِهَا اسْتِحَاضَةً ، يَغْشَاهَا فِيهِ زَوْجُهَا ، وَتُصَلِّي فِيهِ ، وَتَصُومُ ، وَلَا تَزَالُ بِمَنْزِلَةِ الطَّاهِرِ حَتَّى تَرَى دَمًا قَدْ أَقْبَلَ غَيْرَ الدَّمِ الَّذِي كَانَ بِهَا وَهِيَ تُصَلِّي ، فَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ يَوْمِ اغْتَسَلَتْ فَهُوَ حَيْضٌ مُقْبِلٌ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ كَانَ لَهَا حَيْضٌ مَعْرُوفٌ تَرْجِعُ إِلَيْهِ وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا ، إِنَّمَا وَقْتُهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْمُقْبِلَ بَعْدَمَا اغْتَسَلَتْ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ لَيَالٍ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الصَّلَاةَ ، وَكَانَتِ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّهَا لَمْ تُتِمَّ مِنَ الطُّهْرِ أَيَّامَهَا ، فَيَكُونُ الَّذِي يُقْبِلُ حَيْضًا مُسْتَأْنَفًا ، فَهَذَا حُكْمُ الَّتِي ابْتُدِئَتْ فِي أَوَّلِ مَا حَاضَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا الَّتِي لَهَا حَيْضٌ مَعْرُوفٌ مُسْتَقِيمٌ وَزَادَهَا الدَّمُ عَلَى أَيَّامِهَا ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ إِلَى تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ قَبْلَ ذَلِكَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَكَانَ حَيْضُهَا مُسْتَقِيمًا ، وَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ مَعَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ انْتَقَلَ حَيْضُهَا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَيْضٌ ; لِأَنَّ حَيْضَ الْمَرْأَةِ مُخْتَلِفٌ أَحْيَانًا فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، وَإِنْ زَادَهَا الدَّمُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِهَا ، فَصَلَّتْ ، وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، حَتَّى تَرَى دَمًا قَدْ أَقْبَلَ سِوَى الَّذِي تُصَلِّي ج١٦ / ص٨٠فِيهِ ، فَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ حِينِ اغْتَسَلَتْ مَضَتْ عَلَى حَالِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ خَمْسِ لَيَالٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ مُسْتَأْنَفٌ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ أَيَّامَهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهَا قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ عَلَيْهَا أَمْرُهَا ، وَتَزِيدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ مِنْ أَيَّامِهَا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَيَّامُهَا وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي تَحْتَاطُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِهَا وَصَلَّتْ ، فَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ بِالِاسْتِحَاضَةِ ، وَبَيْنَ الَّتِي كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْجِلَّةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَدِيمِ : أَنَّ الْحَيْضَ يَكُونُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ ، وَمَا جَاوَزَهُ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، حَتَّى رَجَعَ عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ ; لِحَدِيثٍ بَلَغَهُ عَنِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَنْتَظِرُ عَشْرًا لَا تُجَاوِزُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَمْ أَزَلْ أَرَى أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَكُنْتُ أَكْرَهُ خِلَافَهُمْ - يَعْنِي فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ - حَتَّى سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ فَأَنَا آخُذُ بِهِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ فِي عَدَدِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعِهِ وَعَوْدَتِهِ اخْتِلَافًا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ أَثَرٍ قَوِيٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَيْضًا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي عَدَدِ الْحَيْضِ ، رَجَعَ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ إِلَى قَوْلٍ ، وَثَبَتَ هُوَ وَأَهْلُ ج١٦ / ص٨١بَلَدِهِ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِمْ فِي الْحَيْضِ ، أَنَّهُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَالَ : وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ لَكَ اخْتِلَافَ أَمْرِ الْحَيْضِ ، وَاخْتِلَاطَهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ ; لِتَعْلَمَ أَنَّهُ أَمْرٌ أُخِذَ أَكْثَرُهُ بِالِاجْتِهَادِ ، فَلَا يَكُونُ عِنْدَكَ سُنَّةُ قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، فَيُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ خِلَافَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَحْدِيدِ الثَّلَاثِ وَالْعَشْرِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ - بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، إِذْ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ ، فَلْتَتْرُكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ تَغْتَسِلْ ، وَتُصَلِّي قَالَ : فَأَجَابَهَا بِذِكْرِ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لَهَا عَلَى مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ : وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ أَيَّامٌ عَشَرَةٌ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا عِنْدِي حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ فِي امْرَأَةٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيْضَهَا أَيَّامٌ ، فَخَرَجَ جَوَابُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي النِّسَاءِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ ، وَأَمَّا الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ ، فَإِنَّ الْحُمَيْدِيَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُهُ ، وَيَقُولُ : مَنْ جَلْدٌ ؟ وَمَنْ كَانَ جَلْدٌ ؟ وَقَالَ ابْنُ ج١٦ / ص٨٢الْمُبَارَكِ : الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ يُضَعِّفُهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَيَقُولُونَ : لَيْسَ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ ، يَعْنِي رِوَايَتَهُ فِي قِصَّةِ الْحَيْضِ عَنْ أَنَسٍ
. قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ - أَيْضًا - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ عَائِدِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِذَا نُفِسْتِ لَا تَغُرِّينِي عَنْ دِينِي حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً . وَرَوَى عَنِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ - هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَلَهُ سَمَاعٌ مَنِ الْحَسَنِ وَنُظَرَائِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُضَعِّفُونَهُ فِي حَدِيثِهِ فِي الْحَيْضِ ، وَأَمَّا الِاسْتِظْهَارُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِاسْتِظْهَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : تَسْتَظْهِرُ يَوْمَيْنِ . وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : تَسْتَظْهِرُ يَوْمًا وَاحِدًا عَلَى حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِظْهَارِ فائدةبِحَدِيثٍ رَوَاهُ حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، وَحَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ج١٦ / ص٨٣ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ
، وَاحْتَجُّوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ فِي اخْتِلَاطِ اللَّبَنَيْنِ ، فَجَعَلُوا كَذَلِكَ اخْتِلَاطَ الدَّمَيْنِ : دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَدَمِ الْحَيْضِ ، وَفِي السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ الْمُصَرَّاةَ تُسْتَبْرَأُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ مِقْدَارُ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ مِنْ لَبَنِ الْعَادَةِ ، فَجَعَلُوا كَذَلِكَ الَّذِي يَزِيدُ دَمُهَا عَلَى عَادَتِهَا ; لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَيْضٌ هُوَ أَمِ اسْتِحَاضَةٌ ؟ اسْتِبْرَاءً وَاسْتِظْهَارًا ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى نَظَرٌ ; لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ لَا فِي تَرْكِهَا ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَيْضُ أَقَلُّ مَا يَكُونُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ تَمَادَى بِالْمُبْتَدَأَةِ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ ، وَقَضَتِ الصَّلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ بِيَقِينٍ إِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنَّ حَيْضَهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ ، وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ دُونَهَا ، فَهُوَ كُلُّهُ حَيْضٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا زَادَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا نَظَرَتْ ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُحْتَدِمًا ثَخِينًا ، فَتِلْكَ الْحَيْضَةُ تَدَعُ لَهَا الصَّلَاةَ ، فَإِذَا جَاءَهَا الدَّمُ الْأَحْمَرُ فَذَلِكَ الِاسْتِحَاضَةُ ، تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي وَلَا ج١٦ / ص٨٤تَسْتَظْهِرُ فِي أَيَّامِ الدَّمِ ، وَفِي أَيَّامِ أَقْرَائِهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، تَعْمَلُ عِنْدَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ ، فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ فَعَلَى الْأَيَّامِ ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ ، رَجَعَتْ إِلَى الْعُرْفِ ، وَالْعَادَةِ ، وَالْيَقِينِ ، وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّمُ الْمُحْتَدِمُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِرَقِيقٍ وَلَا بِمُشْرِقٍ ، وَهُوَ إِلَى الْكُدْرَةِ ، وَالدَّمُ الْأَحْمَرُ الْمَشْرِقُ تَقُولُ لَهُ الْعَرَبُ : دَمٌ عَبِيطٌ ، وَالْعَبِيطُ هُوَ الطَّرِيُّ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : اعْتَبَطَ نَاقَتَهُ ، وَبَعِيرَهُ : إِذَا نَحَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ : مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا أَيْ : مَنْ لَمْ يَمُتْ فِي شَبَابِهِ وَصِحَّتِهِ مَاتَ هَرَمًا ، يَقُولُونَ : اعْتَبَطَ الرَّجُلُ : إِذَا مَاتَ شَابًّا صَحِيحًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي الَّتِي يَزِيدُ دَمُهَا عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا : إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَيَّامِهَا الْمَعْرُوفَةِ ، فَإِنْ زَادَتْ فَإِلَى أَقْصَى مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، تَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيهَا ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَيَّامِ لَا عَلَى التَّمْيِيزِ ، تَجْلِسُ عِنْدَهُمْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا إِلَى آخِرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ . وَذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ تَرَى الدَّمَ وَيَسْتَمِرُّ بِهَا - أَنَّ حَيْضَهَا عَشْرٌ ، وَطُهْرَهَا عِشْرُونَ ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ . ج١٦ / ص٨٥وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَأْخُذُ فِي الصَّلَاةِ بِالثَّلَاثَةِ ، أَقَلُّ الْحَيْضِ وَفِي الْأَزْوَاجِ بِالْعَشْرِ ، وَلَا تَقْضِي صَوْمًا عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ الْعَشَرَةِ ، وَتَصُومُ الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَتَقْضِي سَبْعًا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ - وَسُئِلَ فِيمَنْ تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا إِذَا تَطَاوَلَ بِهَا الدَّمُ - فَقَالَ : يَجُوزُ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ لِلِاسْتِظْهَارِ وَقْتًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَلَوْ طَبَقَ بِهَا الدَّمُ ، وَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ ، وَعَلِمَتْ إِقْبَالَهُ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ ، أَوْ أَحْمَرُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ ، وَفِي إِدْبَارِهِ يَصِيرُ إِلَى الرِّقَّةِ وَالصُّفْرَةِ - تَرَكَتِ الصَّلَاةَ فِي إِقْبَالِهِ ، فَإِذَا أَدْبَرَ اغْتَسَلَتْ ، وَصَلَّتْ ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا ، وَكَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنَ الشَّهْرِ تَعْرِفُهَا أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَاغْتَسَلَتْ إِذَا جَاوَزَتْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا - بِأَنْ تَكُونَ أُنْسِيَتْهَا ، وَكَانَ دَمُهَا مُشْكَلًا لَا يَنْفَصِلُ قَعَدَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ ، عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ . وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالدَّمِ ، فَإِنَّهَا تَحْتَاطُ ، فَتَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَتَغْتَسِلُ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَأَعَادَتِ الصَّوْمَ إِنْ كَانَتْ صَامَتْ ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ تُمَيِّزْ قَعَدَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ هَكَذَا ج١٦ / ص٨٦يَحِضْنَ . وَقَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي اسْتِعْمَالِ الثَّلَاثَةِ أَحَادِيثَ : حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي تَمْيِيزِ إِقْبَالِ حَيْضَتِهَا ، وَإِدْبَارِهَا ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الْمَعْرُوفَةِ لَهَا ، إِذَا كَانَتْ لَا تُمَيِّزُ انْفِصَالَ دَمِهَا ، وَحَدِيثُ حَمْنَةِ بِنْتِ جَحْشٍ فِيمَنْ لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا وَلَا تُمَيِّزُ دَمَهَا . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَضَتْ صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ ، فَتَقْضِي مَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ ، هَلْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ لَا يَمْنَعُهَا مِنَ الصَّلَاةِ أَمْ هُوَ حَيْضٌ تَكُفُّ مَعَهُ عَنِ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : هُوَ حَيْضٌ وَتَدَعُ الصَّلَاةَ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ . وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا ، أَنَّهُ حَيْضٌ يَمْنَعُهَا مِنَ الصَّلَاةِ ، إِلَّا ابْنَ خَوَازِ بِنْدَادْ قَالَ : إِنَّ هَذَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَيْضًا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي حُكْمِ الْحَامِلِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَوَّلِ الْحَمْلِ وَآخِرِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ لَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا ، وَأَصَحُّ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ رُوَاتِهِ : أَشْهَبُ عَنْهُ : أَنَّ الْحَامِلَ فِي رُؤْيَتِهَا الدَّمَ كَغَيْرِ الْحَامِلِ سَوَاءً . ج١٦ / ص٨٧وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ لَا تَكُفُّ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ وَدَاوُدَ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ - : أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تُطَلَّقُ لِلسُّنَّةِ إِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَأَنَّ الْحَمْلَ كُلَّهُ كَالطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامَعْ فِيهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ قَالُوا : فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يَنْفِي الْحَيْضَ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ - مَا يُحِيطُ بِهِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْحَائِضَ قَدْ تَحْمِلُ ، فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ تَحِيضَ كَمَا جَائِزٌ أَنْ تَحْمِلَ ، وَالْأَصْلُ فِي الدَّمِ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَرْحَامِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حَتَّى تَتَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلُهُ حَيْضًا ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا حَكَمَ بِالِاسْتِحَاضَةِ فِي دَمٍ زَائِدٍ عَلَى مِقْدَارِ الْحَيْضِ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ حَيْضٌ عَلَى حَمْلٍ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسَ حِينَ أَرَادُوا وَطْئَهُنَّ ، فَأَخْبَرُوا أَنَّ الْحَامِلَ لَا بَرَاءَةَ لِرَحِمِهَا بِغَيْرِ الْوَضْعِ ، وَالْحَائِلَ لَا بَرَاءَةَ لِرَحِمِهَا بِغَيْرِ الْحَيْضِ ، لَا أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج١٦ / ص٨٨وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْحَامِلَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ كَالْحَائِضِ سَوَاءً - ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَرُوِيَ عَنْهَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالزَّهْرِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَى حَالٍ ، رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَوُضُوؤُهَا ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ عَلَيْهَا - إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ دَمَ حَيْضِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا - أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ إِدْبَارِ حَيْضَتِهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ وَقَعَدَتْ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ من الشَّهْرِ ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ ، عَلَى حَسَبِمَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَغَيْرِهِ - عَلَى مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ - جَمِيعًا ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ، وَبَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُ عَنْهُ فِيهِ : حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَغَيْرُهُمْ : أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ - وَهُوَ الصَّوَابُ - اسْتُحِيضَتْ ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَاغْتَسِلِي ، ثُمَّ صَلِّي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالُوا : فَهِيَ أَعْلَمُ ج١٦ / ص٨٩بِمَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَقَدْ فَهِمَتْ مَا جُووِبَتْ عَنْهُ ، قَالُوا : وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ابْنَةَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، وَهِشَامٌ الدِّسْتِوَائِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ أَبَانٌ : عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ هِشَامٌ : إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : إِنِّي أُهْرَاقُ الدِّمَاءَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ج١٦ / ص٩٠عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُقَيْلٍ فِي قِصَّةِ حَمْنَةَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَالَ : إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِلَّا فَاجْمَعِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلِيٌّ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ ، فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ فَقَرَأْتُهُ ، فَقَالَ لِابْنِهِ : أَلَا هَذْرَمْتَهُ كَمَا هَذْرَمَهُ الْغُلَامُ الْمِصْرِيُّ ، فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ ، فَاسْتَفْتَتْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّهُمَّ لَا أَعْلَمُ الْقَوْلَ إِلَّا مَا قَالَ - عَلِيٌّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ قَتَادَةُ : وَأَخْبَرَنِي عُذْرَةُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ ، وَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَابْتَلَاهَا بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ . ج١٦ / ص٩١وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ اسْتُحِيضَتْ ، فَكَتَبَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، تُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ ، وَتَقُولُ : إِنِّي امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ ، أَصَابَنِي بَلَاءٌ ، وَإِنَّهَا اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ سِنِينَ ، فَمَا تَرَوْنَ فِي ذَلِكَ ؟ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ الْكِتَابُ فِي يَدِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ لَهَا إِلَّا أَنْ تَدَعَ قُرْأَهَا ، وَتَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي ، فَتَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ حُجَّةُ مَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا ، تُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا ، تُقَدِّمُ الْأُولَى وَتُؤَخِّرُ الْآخِرَةَ ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : إِنَّمَا هِيَ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو اسْتُحِيضَتْ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ . ج١٦ / ص٩٢وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ ، وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ ، وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا ، قَالَ شُعْبَةُ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ قَالَ : لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، وَرَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ ، قَالُوا : فَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - النَّاسِخُ مِنَ الْمُحْكَمِ فِي ذَلِكَ ، جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، صَلَاتَيِ اللَّيْلِ وَصَلَاتَيِ النَّهَارِ ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا وَاحِدًا ، فَصَارَ الْقَوْلُ بِهَذَا أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِقَوْلِهِ : فَلَمَّا جَهَدَهَا ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُمَا فَذَكَرُوا ج١٦ / ص٩٣مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ تَسْأَلُهُ ، فَلَمْ يُفْتِهَا ، وَقَالَ لَهَا : سَلِي ، قَالَ : فَأَتَتِ ابْنَ عُمَرَ ، فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَ لَهَا : لَا تُصَلِّي ، مَا رَأَيْتِ الدَّمَ ، فَرَجَعَتْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَخْبَرَتْهُ ، فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِنْ كَادَ لَيُكَفِّرُكِ ، قَالَ : ثُمَّ سَأَلَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : تِلْكَ رِكْزَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، أَوْ قُرْحَةٌ فِي الرَّحِمِ ، اغْتَسِلِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ مَرَّةً ، وَصَلِّي ، قَالَ : فَلَقِيَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَعْدُ ، فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَكِ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَرْضَهَا بَارِدَةٌ ، قَالَ : تُؤَخِّرُ الظَّهْرَ ، وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا ، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ، وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا ، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَفِرْقَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ ، رَوَاهُ مَعْقِلٌ الْخَثْعَمِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ ، وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ . ج١٦ / ص٩٤وَقَالَ آخَرُونَ : تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَالِمٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَغْتَسِلُ إِلَّا مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَتَوَضَّأُ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لَهَا الْوُضُوءَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ : تَدَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتَصُومُ ، وَتُصَلِّي . وَبِحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا يَنْقَطِعُ عَنِّي ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ . ج١٦ / ص٩٥وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ ، فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ، وَتَوَضَّئِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي . وَرِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ - كَرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ هِشَامٍ سَوَاءً ، قَالَ فِيهِ : وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ثَبْتٌ ثِقَةٌ
. وَأَمَّا سَائِرُ الرُّوَاةِ لَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْوُضُوءَ لِكُلِّ الصَّلَاةِ ، لَا مَالِكٌ ، وَلَا اللَّيْثُ ، وَلَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَا غَيْرُهُمْ إِلَّا مَنْ ذَكَرْتُ لَكَ فِيمَا عَلِمْتَ . وَرَوَى شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ، وَالْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَبَيَانٌ ، قَالُوا : سَمِعْنَا عَامِرًا الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ قُمَيْرٍ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . ج١٦ / ص٩٦وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ فِرَاسٍ وَبَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ قُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، قَالُوا : فَلَمَّا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَفْتَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَقَدْ كَانَ رُوِيَ عَنْهَا مَرْفُوعًا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَمِنْ حُكْمِهَا أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ - عَلِمْنَا بِفَتْوَاهَا وَجَوَابِهَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الَّذِي أَفْتَتْ بِهِ هُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا أَنْ تَدَعَ النَّاسِخَ وَتُفْتِيَ بِالْمَنْسُوخِ ، وَلَوْ فَعَلَتْ لَسَقَطَتْ رِوَايَتُهَا ، فَهَذَا وَجْهُ تَهْذِيبِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ وَقِصَّتُهَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ : إِنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا قَدْ يُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِهِ الْعِلَاجَ ، وَيُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَا تَعْرِفُ أَقْرَاءَهَا وَلَا إِدْبَارَ حَيْضَتِهَا ، وَيَكُونُ دَمُهَا سَائِلًا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ صَلَاةٌ إِلَّا وَهِيَ تُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضٍ ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَهَا إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ ; فَلِذَلِكَ أَمَرَتْ بِالْغُسْلِ ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ قَدْ تَكُونُ اسْتِحَاضَتُهَا عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَأَيَّامُ حَيْضَتِهَا مَعْرُوفَةٌ ، فَسَبِيلُهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا دَمُهَا ، فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا وَأَيَّامُ حَيْضَتِهَا قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا ، فَسَبِيلُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهَا وَقْتٌ إِلَّا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حَائِضًا أَوْ طَاهِرًا ج١٦ / ص٩٧مِنْ حَيْضٍ أَوْ مُسْتَحَاضَةً ، فَيُحْتَاطُ لَهَا فَتُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا أَيَّامُ حَيْضَتِهَا ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بِهَا ، يَنْقَطِعُ سَاعَةً وَيَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ ، تَكُونُ هَكَذَا فِي أَيَّامِهَا كُلِّهَا ، فَتَكُونُ قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهَا أَنَّهَا فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ دَمِهَا طَاهِرٌ مِنْ مَحِيضٍ طُهْرًا يُوجِبُ عَلَيْهَا غُسْلًا ، فَلَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي حَالِهَا تِلْكَ مَا أَرَادَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِذَلِكَ الْغُسْلِ إِنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ ، قَالُوا : فَلَمَّا وَجَدْنَا الْمَرْأَةَ قَدْ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي مَعَانِيهَا وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ ، وَاسْمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَجْمَعُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تِبْيَانُ اسْتِحَاضَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ - لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ دُونَ غَيْرِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَا دَلِيلَ إِلَّا مَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي بِهِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةِ ، هَذَا كُلُّهُ مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَنْفِي إِيجَابَ الْغُسْلِ عَلَى كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي جُمْلَةِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَا يُوجِبُهُ عَلَيْهَا ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَيْهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا كَمَا يُوجِبُهُ عَلَى سَلِسِ الْبَوْلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَبَّدَ مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ لَيْسَا عَلَى وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أُمِرَا جَمِيعًا بِالصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَدَثُهُمَا الدَّائِمُ بِهِمَا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَا عَلَى حَالِهِمَا ، فَكَذَلِكَ ج١٦ / ص٩٨يَتَوَضَّآنِ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَأْمُورَةٌ بِالصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ سَلِسُ الْبَوْلِ ، لَا يَنْصَرِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ صِلَاتِهِ ، بَلْ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ ، فَكَذَلِكَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ ، لَا يَضُرُّهُ دَوَامُ حَدَثِهِ لِوُضُوئِهِ كَمَا لَا يَضُرُّهُ لِصَلَاتِهِ ; لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ; فَكَمَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُضُوءُ لَهَا ، هَذَا أَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عَلَى هَؤُلَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ السَّلَسِ وُضُوءًا ; لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ بِهِ حَدَثًا ، وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَغَيْرُهُمَا - سَوَاءٌ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ دَمُ جُرْحٍ - : لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وُضُوءًا . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ . وَالْوُضُوءُ عَلَيْهَا - عِنْدَهُ - اسْتِحْبَابٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الدَّائِمَ ، فَوَجْهُ الْأَمْرِ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى سُقُوطِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُ الْحَيْضَةِ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي - وَلَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا وَلَوْ كَانَ ج١٦ / ص٩٩الْوُضُوءُ وَاجِبًا عَلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْ أَنْ يَأْمُرَهَا بِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ : رَبِيعَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَطَائِفَةٌ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ - فَكُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ لَا تَجِبُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ .