الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنَ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ
حَدِيثٌ ثَانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَا بِيعَ مِنَ الطَّعَامِ جُزَافًا وَبَيْنَ مَا بِيعَ مِنْهُ كَيْلًا ، أَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يَقْبِضَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَعَامًا مِنْ طَعَامٍ ، وَلَا حَالًا مِنْ حَالٍ ، وَلَا نَوْعًا مِنْ نَوْعٍ . وَفِي ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الطَّعَامَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ الطَّعَامَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهَذَانِ مَوْضِعَانِ تَنَازَعَ فِيهِمَا الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَهُنَا .
وَأَمَّا الطَّعَامُ الَّذِي لَا يُبَاعُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، لَا مِنَ الْبَائِعِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا تَبِيع الْمِلْحَ وَالْكَسْبَرَ وَالشُّونِيزَ وَالتَّوَابِلَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهَا ، قَالَ : وَأَمَّا زَرِيعَةُ الْجَزَرِ ، وَزَرِيعَةُ السَّلْقِ وَالْكُرَّاثِ وَالْجِرْجِيرِ وَالْبَصَلِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَعَامٍ ، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلَيْسَ كَزَرِيعَةِ الْفُجْلِ الَّذِي مِنْهُ الزَّيْتُ ، هَذَا طَعَامٌ ; لِأَنَّ الزَّيْتَ فِيهِ ، قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : الطَّعَامُ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا اشْتُرِيَ كَيْلًا ، فَإِنِ اشْتُرِيَ جُزَافًا جَازَ ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَنَحْوِ الثِّيَابِ وَسَائِرِ الْعُرُوضِ - الْعَقَارُ وَغَيْرُهُ - أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا مِمَّنِ اشْتَرَى مِنْهُ وَمَنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَفَ فِيهَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا بَاعَهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ فِي السَّلَمِ لَمْ يَبِعْهَا إِلَّا بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِأَقَلَّ ، لَا يُزَادُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ ، وَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِعَرَضٍ جَازَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ ، إِذَا قَبَضَ الْعَرَضَ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ ، وَكَانَ الْعَرَضُ مُخَالِفًا لَهُمَا بَيِّنًا خِلَافُهُ ، هَذَا كُلُّهُ أَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَجُمْلَتُهُ . وَأَمَّا فُرُوعُ هَذَا الْبَابِ وَنَوَازِلُهُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا - عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كُتُبٌ مَعْرُوفَةٌ ، قَدْ أَكْثَرُوا فِيهَا مِنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّفْرِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ تَأَمَّلَهَا هُنَالِكَ ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ - غَيْرَ الْمَاءِ وَحْدَهُ - لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، إِذَا بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ ، لَا مِنَ الْبَائِعِ لَهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، لَا مِنْ سَلَمٍ وَلَا مِنْ بَيْعِ مُعَايَنَةٍ ، لَا بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ وَلَا بِأَقَلَّ ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمُ الْإِقَالَةُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ عِنْدَهُمْ وَالتَّوْلِيَةُ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، وَلَا تَجُوزُ فِيهِ الْإِقَالَةُ وَلَا الشَّرِكَةُ وَلَا التَّوْلِيَةُ عِنْدَهُمْ - قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى - بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَالْإِقَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ عِنْدَهُمْ بَيْعٌ ، وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الْإِقَالَةَ فَسْخُ بَيْعٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا بَيْعًا ، وَأَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ، وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالْمَعَانِي فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْإِقَالَةِ جُمْلَةً ، هَلْ هِيَ فَسْخُ بَيْعٍ أَوْ بَيْعٌ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : الْإِقَالَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، يُحِلُّهَا مَا يُحِلُّ الْبُيُوعَ ، وَيُحَرِّمُهَا مَا يُحَرِّمُ الْبُيُوعَ ، وَهَذَا عِنْدَهُ إِذَا كَانَ فِي الْإِقَامَةِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَهِيَ بَيْعٌ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى - إِذَا كَانَ قَدْ بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِقَالَةِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فَهِيَ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى وَفِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا خَيْرَ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ بَعْدَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخُ بَيْعٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْإِقَالَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ فَسْخٌ ، لَا يَقَعُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ تَقَايَلَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ ثَمَنٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، قَالَ : الْإِقَالَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخٌ ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ ، قَالَ : وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا كَانَتْ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ بِأَقَلَّ فَهُوَ بَيْعٌ مُسْتَقْبَلٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ : هِيَ بَيْعٌ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَتَجُوزُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَبِثَمَنٍ آخَرَ . وَقَالَ ابْنُ سَمَاعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : إِذَا ذَكَرَ ثَمَنًا أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ غَيْرَ ثَمَنِهَا ، فَهِيَ بَيْعٌ بِمَا سَمَّى . وَرَوَى أَصْحَابُ زُفَرَ عَنْ زُفَرَ ، قَالَ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْإِقَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ فِي شَيْءٍ ، إِلَّا فِي الْإِقَالَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ ، فَيُوجِبُ الشُّفْعَةَ بِالْإِقَالَةِ .
وَقَالَ زُفَرُ : لَيْسَتْ فِي الْإِقَالَةِ شُفْعَةٌ . وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فِي بَعْضِ السَّلَمِ ، فَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيلَ مِنْ بَعْضِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ ، وَيَأْخُذُ بَعْضَ رَأْسِ مَالِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا كَانَ السَّلَمُ طَعَامًا وَرَأْسُ الْمَالِ ثِيَابًا ، جَازَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي بَعْضٍ وَيَأْخُذَ بَعْضًا ، وَإِنْ كَانَ السَّلَمُ ثِيَابًا مَوْصُوفَةً ، وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ ، لَمْ تَجُزِ الْإِقَالَةُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ ; لِأَنَّهُ تَصِيرُ فِضَّةً بِفِضَّةٍ وَثِيَابٍ إِلَى أَجَلٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ أَسْلَمَ ثِيَابًا فِي طَعَامٍ جَازَتِ الْإِقَالَةُ فِي بَعْضٍ ، وَيَرُدُّ حِصَّتُهُ مِنَ الثِّيَابِ وَإِنْ حَالَتْ أَسْوَاقُ الثِّيَابِ وَلَيْسَتْ كَالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا ، وَالثِّيَابُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا إِذَا رُدَّتْ ، فَلَوْ أَقَالَ مِنَ الْبَعْضِ جَازَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو الزِّنَادِ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ سَلَّمَ فِي شَيْءٍ أَنْ يُقِيلَ مِنْ بَعْضٍ وَيَأْخُذَ بَعْضًا ، وَلَمْ يُفَسِّرُوا هَذَا التَّفْسِيرَ وَلَا خَصُّوا شَيْئًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : جَائِزٌ أَنْ يُقِيلَ فِي بَعْضٍ ، وَيَأْخُذَ بَعْضًا فِي السَّلَمِ وَغَيْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُوسَى وَعَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ بَعْضَ سَلَمِهِ وَبَعْضَ رَأْسِ مَالِهِ ، قَالَ : ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ .
وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ الْجَعْفِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَنْ سَلَّمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ بَعْضَهُ سَلَفًا وَبَعْضَهُ عَيْنًا ، لِيَأْخُذْ سِلْعَتَهُ كُلَّهَا ، أَوْ رَأْسَ مَالِهِ ، أَوْ يُنْظِرْهُ . وَرَوَى أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : إِذَا أَسْلَفْتَ فِي شَيْءٍ فَخُذِ الَّذِي أَسْلَفْتَ فِيهِ ، أَوْ رَأْسَ مَالِكَ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَسْلَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَقَالَهُ أَحَدُهُمَا ، جَازَ فِي نَصِيبِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَسْلَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَقَالَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْآخَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَتَجُوزُ فِيهِ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ ، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ ; لِأَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ فِي السَّلَمِ ، وَلَا فِي الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ بَيْعٌ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَعَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ : أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ عِنْدَهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَقَدْ لَزِمَ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ عِنْدَهُ اسْمُ الْبَيْعِ ، فَلِذَلِكَ جَازَا فِي الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَقَدْ أَجَازَ الْجَمِيعُ الْإِقَالَةَ بِرَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ كَذَلِكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ ; لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ تَمَامُ مُلْكٍ ، فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ ، قَالَ : فَلِذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ ; لِأَنَّهُ بِيعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .