الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ إِنَّهُمْ لِيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا
حَدِيثٌ ثَالِثَ عَشَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ ، أَوْ أَخْطَأَ ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا . هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ إِلَّا الْقَعْنَبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الزِّيَادَاتِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ ، وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لمالك ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرَ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَكَارَةٌ ; لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ الْمَيِّتُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ يُمْدَحُ فِي ذَلِكَ الْبُكَاءِ بِمَا كَانَ يُمْدَحُ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْفَتَكَاتِ ، وَالْغَدَرَاتِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ اللَّهِ ذُنُوبٌ ، فَهُمْ يَبْكُونَ لِفَقْدِهَا ، وَيَمْدَحُونَهُ بِهَا ، وَهُوَ يُعَذَّبُ مِنْ أَجْلِهَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يُعَذَّبُ بِمَا يُبْكَى عَلَيْهِ بِهِ ، وَمِنْ أَجْلِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْبُكَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مَعْنَاهُ النِّيَاحَةُ وَشَقُّ الْجُيُوبِ ، وَلَطْمُ الْخُدُودِ وَنَحْوُ هَذَا ، مِثْلَ النِّيَاحَةِ . وَأَمَّا بُكَاءُ الْعَيْنِ فَلَا ، وَذَهَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا
وَلَكِنْ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ عَنْهُمْ بَعْدَ ذِكْرِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَأَمَّا إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ . وَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : وَهَلَ ابْنُ عُمَرَ ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودِيٍّ فَقَالَ : إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ يُعَذَّبُ ، وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ إِنْكَارُ عَائِشَةَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ وَقَفَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مِثْلِ مَا نَزَعَتْ بِهِ عَائِشَةُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ ، وَثَبَتَ عَلَى مَا سَمِعَ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ كَانَ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ اللَّهَ أَضْحَكَ ، وَأَبْكَى ،
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ أَثْبَتَ مَا حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْسَ ، وَمَنْ حَفِظَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَلَيْسَ يُسَوَّغُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى السُّنَنِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ إِذَا كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ وَوَجْهٌ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ قَاضِيَةٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُدَافِعَةٍ لَهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ
وَقَدْ أَبَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ النُّسَخُ ، وَقَالُوا : لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَارْتَفَعَ الْبَيَانُ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْأُصُولِ ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، وَقَدْ رَوَى مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ، يَقُولُ : حَضَرْتُ جِنَازَةَ أُمِّ أَبَانَ ، وَفِي الْجِنَازَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، فَجَلَسْتُ بَيْنَهُمَا فَبَكَى النِّسَاءُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ بُكَاءَ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ عَذَابٌ لِلْمَيِّتِ . قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَدَرْنَا مَعَ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ نُزُولٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ اذْهَبْ ، فَانْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ ؟ ثُمَّ الْحَقْنِي . فَذَهَبْتُ ، فَقُلْتُ : هَذَا صُهَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ ، فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيَلْحَقْنِي ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَمْ يَلْبِثْ عُمَرُ أَنْ طُعِنَ فَجَاءَ صُهَيْبٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَاأُخَيَّاهُ وَاصَاحِبَاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَهْ يَا صُهَيْبُ ، إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا ، فَقَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَنْ لَا تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، فَهَذَا عُمَرُ قَدْ رَوَى فِي بُكَاءِ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِهِ سَوَاءً ، وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ ، صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا مَقَالَ فِيهِ لِأَحَدٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ مُلَيْكَةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَغَيْرُهُ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالنِّيَاحَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ ، فَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا هَذَا النَّوْحُ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالُوا : تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، يُقَالُ : لَهُ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فَنِيحَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، يُقَالُ : قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فَنِيحَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا النَّوْحُ فِي الْإِسْلَامِ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ . وَحَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ مَا بُكِيَ عَلَيْهِ ، قَالَ ، قُلْتُ : مَا نِيحَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : مَا بُكِيَ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : مَا نِيحَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : فَمَا سَكَتَ حَتَّى سَكَتُّ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُبَيْحٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ ، قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ، فَقَالُوا : كَيْفَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ؟ ، فَقَالَ عِمْرَانُ : قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ قَالُوا كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَرَوَوْا مِثْلَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ النِّيَاحُ دُونَ الْبُكَاءِ ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ خَالَفَ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبَتْ إِلَى تَصْوِيبِ عَائِشَةَ فِي إِنْكَارِهَا عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ عِنْدِي تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ خِلَافُهُ عَنْ أَحَدٍ ، فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأُرَخِّصُ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَلَا نُدْبَةَ ، وَلَا نِيَاحَةَ لِمَا فِي النِّيَاحَةِ مِنْ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ ، وَمَنْعِ الصَّبْرِ ، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ أَشْبَهُ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ السُّنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَقَالَ :
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَجُلٍ فِي ابْنِهِ : أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَمَا زِيدَ فِي عَذَابِ كَافِرٍ فَبِاسْتِحْبَابِهِ لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ ، مِنْهُمْ : دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَصْحَابُهُ : مَا رَوَى عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالْمُغِيرَةُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَرِوَايَتِهَا ، قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ رِوَايَةُ الْعَدْلِ بِمِثْلِ هَذَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ ; لِأَنَّ مَنْ رَوَى وَسَمِعَ وَأَثْبَتَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ نَفَى وَجَهِلَ ، قَالُوا : وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ نَهْيًا مُطْلَقًا ، وَلَعَنَ النَّائِحَةَ ، وَالْمُسْتَمِعَةَ وَحَرَّمَ أُجْرَةَ النَّائِحَةِ ، وَقَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ ، وَمَنْ سَلَقَ ، وَمَنْ خَرَقَ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَلَقَ فَيَتَحَمَّلُ مَعْنَيَيْنِ . أَحَدُهُمَا لَطْمُ الْخُدُودِ حَتَّى تَحْمَرَّ وَخَدْشُهَا حَتَّى تَعْلُوَهَا الْحُمْرَةُ ، وَالدَّمُ ، عَنْ قَوْلِ الْعَرَبِ سَلَقْتُ الشَّيْءَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ ، وَالْآخَرُ سَلَقَ بِمَعْنَى صَاحَ وَنَاحَ وَأَكْثَرَ الْقَوْلَ وَالْعَوِيلَ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَشِبْهِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ : سَلَقَهُ بِلِسَانِهِ ، وَلِسَانٌ مِسْلَقٌ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النِّيَاحَةِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَهُوَ ثَقِيلٌ ، فَذَهَبَتِ امْرَأَتُهُ لِتَبْكِيَ ، أَوْ تَهُمَّ بِهِ ، فَقَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى : أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : بَلَى ، فَسَكَتَتْ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو مُوسَى لَقِيتُ الْمَرْأَةَ ، فَقُلْتُ لَهَا ، فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ ، وَمَنْ سَلَقَ ، وَمَنْ خَرَقَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زيْدٍ الْإِيَامِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ ، وَالنِّيَاحَةُ وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ ، قَالَ سُفْيَانُ : يَقُولُونَ : إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ ، فَذَكَرُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، وَمِثْلَهَا ، وَقَالُوا : قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النِّيَاحَةِ وَحَرَّمَهَا ، وَلَعَنَ النَّائِحَةَ ، وَالْمُسْتَمِعَةَ ، قَالُوا : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
وَقَالَ :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ
فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْلِمَ أَهْلَهُ مَا بِهِمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ ، وَيُوقِفَهُمْ عَلَيْهِ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْهُ ، وَيُعْلِمَهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
قَالُوا : فَإِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَالنَّهْيِ عَنْهَا ، وَالتَّشْدِيدِ فِيهَا ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَهُ ، وَنِيحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ نَهْيِ أَهْلِهِ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَذَنْبِهِ لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَكَانَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالْمُغِيرَةُ ، وَغَيْرُهُمْ - صَحِيحَ الْمَعْنَى غَيْرَ مَدْفُوعٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُوصُونَ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِمْ ، أَوْ بِالنِّيَاحَةِ ، أَوْ بِهِمَا ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ ، وَمَنْ أَمَرَ بِهَا فَعُمِلَتْ بَعْدَهُ كَانَتْ لَهُ ذَنْبًا فَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ بِذَنْبِهِ عَذَابًا - كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْبُكَاءُ بِغَيْرِ نِيَاحٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَكُلُّهُمْ يَكْرَهُونَ النِّيَاحَةَ ، وَرَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ ، وَالصُّرَاخِ ، وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بَيِّنٌ ، بَيَّنَ ذَلِكَ مَا مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ فِي النِّيَاحَةِ ، وَلَطْمِ الْخُدُودِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ بَكَى عَلَى ابْنِهِ : تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ رَوَاهُ ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ حِينَئِذٍ : أَتَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنْتَ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ : صَوْتِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ نِعْمَةٍ ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ لَطْمِ وُجُوهٍ وَشِقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ ، وَهَذَا رَحْمَةٌ ، وَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ، يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صِدْقٌ وَقَوْلٌ حَقٌّ ، وَأَنَّ أُخْرَانَا يَلْحَقُ أُوْلَانَا لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا أَشَدَّ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ أَظُنُّهُ ابْنَ بَعْضِ بَنَاتِهِ ، أُتِيَ بِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ ، وَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ وَفَاضَتْ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : إِنَّهَا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَبَكَتِ امْرَأَةٌ فَصَاحَ بِهَا عُمَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهَا يَا عُمَرُ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْبُكَاءِ إِنَّمَا هِيَ قَبْلَ أَنْ تَفِيضَ النَّفْسُ ، فَإِذَا فَاضَتْ ، وَمَاتَ ... لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : دَعُوهُنَّ مَا دَامَ عِنْدَهُنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ غَيْرُ النِّيَاحَةِ ، وَأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا جَاءَ فِي النِّيَاحَةِ لَا فِي بُكَاءِ الْعَيْنِ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ .