الْحَدِيثُ التَّاسِعُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مَعِيٍّ وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ
حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِعًى مَقْصُورٌ مِثْلُ غِنًى ، وَسِوًى ، وَمِنًى ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ مَقْصُودِهِ بِالْحَدِيثِ ، وَالْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى كَافِرٍ بِعَيْنِهِ لَا إِلَى جِنْسِ الْكَافِرِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ وَتُكَذِّبُهُ ، وَقَدْ جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ كَافِرٌ أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِنٍ ، وَيُسْلِمُ الْكَافِرُ فَلَا يَنْتَقِصُ أَكْلُهُ وَلَا يَزِيدُ ، وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَهُ مُفَسِّرًا لَهُ ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ سُهَيْلٍ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيُرْوَى أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْمَقَالَةَ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا خَبَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَىُ بْنُ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَلْمَانَ الْأَغَرُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ جَهْجَاهٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ ، قَالَ : فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِي ، وَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طِوَالًا لَا يُقَدُّمُ عَلَيَّ أَحَدٌ ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا ، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى حَلَبَ لِي سَبْعَةَ أَعْنُزٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا أَسْلَمْتُ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا فَرُوِيتُ وَشَبِعْتُ ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا ؟ فَقَالَ : بَلَى وَلَكِنَّهُ أَكَلَ فِي معى مُؤْمِنٍ اللَّيْلَةَ ، وَأَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي معى كَافِرٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِد . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا أَيْضًا لَفْظُ عُمُومٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا إِذْ كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، فَلَمَّا آمَنَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَكَفَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِمَّا كَانَ يَكْفِيهِ إِذْ كَانَ كَافِرًا خُصُوصًا لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، إِشَارَةً إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا الْكَافِرُ ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِدٍ - يَعْنِي هَذَا الْمُؤْمِنَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
وَهُوَ يُرِيدُ رَجُلًا فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ : وَقِيلَ رَجُلَانِ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
يَعْنِي قُرَيْشًا ، فَجَاءَ بِلَفْظِ عُمُومٍ ، وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ ، وَمِثْلُهُ
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ
وَ
مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ
كُلُّ هَذَا عُمُومٌ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ الْأَكُولِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ ، وَأَنَّهَا خَلَّةٌ مَذْمُومَةٌ ، وَصِفَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ ، وَأَنَّ الْقِلَّةَ مِنَ الْأَكْلِ أَحْمَدُ وَأَفْضَلُ ، وَصَاحِبُهَا عَلَيْهَا مَمْدُوحٌ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَبِيَدِهِ ، وَخَلْقِهِ ، وَصُنْعِهِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.