الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ
حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . أَمَّا قَوْلُهُ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، فَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ الْكُفْرِ وَأَكْبَرَهُ كَانَ هُنَاكَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَهُمْ فَارِسُ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ ، وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ فَهُوَ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا ، وَلَا يَتَّبِعُونَ رَسُولًا ، فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَأَمَّا أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَهُمُ الْأَعْرَابُ أَهْلُ الصَّحَرَاءِ ، وَفِيهِمُ التَّكَبُّرُ ، وَالتَّجَبُّرُ ، وَالْخُيَلَاءُ ، وَهِيَ الْإِعْجَابُ ، وَالْفَخْرُ ، وَالتَّبَخْتُرُ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْغَنَمِ فَهُمْ أَهْلُ سَكِينَةٍ ، وَقِلَّةِ أَذًى ، وَقِلَّةِ فَخْرٍ وَخُيَلَاءَ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهُوَ الصَّادِقُ فِي خَبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ الْفَدَّادِينَ ، فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : الْفَدَّادُونَ هُمْ أَهْلُ الْجَفَاءِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ - يُرِيدُ بِالْوَبَرِ الْإِبِلَ - وَهُوَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُمُ الْفَدَّادُونَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَهُمُ الرِّجَالُ ، وَالْوَاحِدُ فَدَّادٌ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُمُ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتُهُمْ فِي حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَمَا يُعَالَجُونَ مِنْهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : وَيُقَالُ مِنْهُ فَدَّ الرَّجُلُ يَفِدُّ فَدِيدًا إِذَا اشْتَدَّ صَوْتُهُ ، وَأَنْشَدَ :
أَنْبَئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدَ
ظُلْمًا عَلَيْنَا لَهُمْ فَدِيدُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، قَالَ : الْفَدَّادُونَ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي يَمْلِكُ أَحَدُهُمُ الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إِلَى الْأَلْفِ ، يُقَالُ لِلرِّجَالِ فَدَّادٌ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ ، وَهُمْ مَعَ هَذَا جُفَاةٌ أَهْلُ خُيَلَاءَ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ فِي الْفَدَّادِينَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمُ الْأَعْرَابُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِ أَصْوَاتِهِمْ عِنْدَ سَقْيِ إِبِلِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ مَعَ رِعَاءِ إِبِلِهِمْ ، وَالْفَدِيدُ الْأَصْوَاتُ وَالْجَلَبَةُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمُّوُا الْفَدَّادِينَ مِنْ أَجْلِ الْفَدَافِدِ ، وَهِيَ الصَّحَارِي وَالْبَوَادِي الْخَالِيَةُ ، وَاحِدُهَا فَدْفَدٌ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَهْلُ الْإِبِلِ أَهْلُ الْجَفَاءِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا اللَّفْظِ بِالْقَائِمِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَزِمَ الْبَادِيَةَ جَفَا . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى التَّمَّارِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتَتَنَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا دُفِنَ فِيهَا الْإِنْسَانُ ، قَالَتْ لَهُ : رُبَّمَا مَشَيْتَ عَلَيَّ فَدَّادًا ، وَالْمَعْنَى ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَذَا خُيَلَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : فَجَلَسْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ الْقَبْرَ يُكَلِّمُ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِيهِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الظُّلْمَةِ ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْحَقِّ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي ؟ لَقَدْ كُنْتَ تَمْشِي حَوْلِي فَدَّادَا ، قَالَ ابْنُ عَائِذٍ : قُلْتُ لِغُضَيْفٍ : مَا الْفَدَّادُ يَا أَبَا أَسْمَاءَ ؟ قَالَ : كَبَعْضِ مِشْيَتِكَ يَا ابْنَ أَخِي أَحْيَانًا ، قَالَ غُضَيْفٌ : فَقَالَ صَاحِبِي ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَمَاذَا لَهُ ؟ قَالَ : يُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَيُجْعَلُ مَنْزِلُهُ أَخْضَرَ ، وَيُعْرَجُ بِنَفْسِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى .