حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ

حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَهُوَ غَائِبٌ ( بِالشَّامِ ) فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ، قَالَتْ : فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَتْ : فَكَرِهْتُهُ ; ، ثُمَّ قَالَ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَتْ : فَنَكَحْتُهُ ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطْتُ ( بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي ، فَمِنَ الْغَلَطِ الْبَيِّنِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ أَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ غَيْرَ يَحْيَى ، وَإِنَّمَا فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ غَيْرِ يَحْيَى : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ، هَكَذَا أَبُو جَهْمٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَروِيُّ الْقُرَشِيُّ ، اسْمُهُ عُمَيْرٌ ، وَيُقَالُ : عُبَيْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ - رِوَايَةُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ - أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ ، وَهَذَا كَمَا وَصَفْنَا عَنْ يَحْيَى قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَهُنَا ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ ، فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي نَقْلِ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ رَوَى اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ قَيْسٍ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ طُلِّقَتْ أَلْبَتَّةَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بُنِيَ مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي أَلْبَتَّةَ ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَكَذَلِكَ رَوَى اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ أَنَّ جَدَّهُ طَلَّقَ فَاطِمَةَ أَلْبَتَّةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَى مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي ، وَخَرَجَ إِلَى الْيَمَنِ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . فَفِي هَذَا جَوَازُ طَلَاقِ أَلْبَتَّةَ وَطَلَاقِ الثَّلَاثِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ قَدْ اخْتُلِفَ عَنْ فَاطِمَةَ فِي طَلَاقِهَا هَذَا ، فَقِيلَ : إِنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلَيقَاتٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ : أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا - وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَذَا قَالَ : إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ ، وَهُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ . قِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ ، عَنْ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالْبَهِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الشَّعْبِيَّ رَوَى عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، كَذَا رَوَاهُ يُونُسُ ، وَعُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ إِسْنَادٌ آخَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي الْجَهْمِ رَوَى عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَأَنَّ عَطَاءً رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَاصِمٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيُّ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ . وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَرُطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّةَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَخَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمَغَازِي ، وَأَمَرَ وَكِيلًا لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا بَعْضَ النَّفَقَةِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، - وَهِيَ فِي بَيْتِ آلِ الزُّبَيْرِ - فَسَأَلْنَاهَا عَنْ حَدِيثِهَا فَقَالَتْ : طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فَلَمْ يَدَعْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لَهُ : لَمْ يَدَعْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً ، فَقَالُوا : صَدَقَتْ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْكُنِي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ بَيْتَ أُمِّ شَرِيكٍ مَغْشِيٌّ ، وَلَكِنِ اقْعُدِي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رجل أَعْمَى ، فَإِنَّكِ إِنْ تَنْزِعِي ثِيَابَكِ لَمْ يَرَ شَيْئًا . قَالَ : فَفَعَلَتْ . قَالَتْ : فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ لَهُ ( ذَلِكَ ) فَقَالَ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ ، فَخَطَبَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَتَزَوَّجْتُهُ فَبَارَكَ اللَّهُ لِي . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنْ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ أَرْسَلَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ امْرَأَتِهِ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهُ مِنْ طَلَاقِهِ . وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ الرَّمْلِيِّ ، عَنِ اللَّيْثِ ، ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ يَزِيدَ هَذَا . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ قَيْسٍ ، وَهِيَ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : ( حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : ) حَدَّثَنَا مُطَّلِبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدِي أَصَحُّ مِنَ الَّتِي ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ; لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ صَحَّفَ كَمَا صَنَعَ فِي اسْمِ زَوْجِ فَاطِمَةَ إِذْ قَالَ : كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَإِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَى يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِثْلَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ فَجَمَعَ يُونُسُ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَكَذَلِكَ الزُّبَيْدِيُّ جَمَعَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ : أَنَّهَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا ، بَعَثَ إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا ذَلِكَ ، كَذَلِكَ قَالَ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ ، وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَهُوَ غَائِبٌ ، وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَنِ أَوْ إِلَى بَعْضِ الْمَغَازِي ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عُمَرَ فَبَعَثَ إِلَيَّ بِتَطْلِيقَتِي الثَّالِثَةِ ، فَهَذَا مَا بَلَغَنِي مِمَّا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي صِفَةِ طَلَاقِهَا ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ مُجْتَمِعَاتٍ سُنَّةٌ ، وَلَا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَسَطْنَاهُ وَمَهَّدْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ ، فَفِيهِ إِبَاحَةُ الْوَكَالَةِ وَثُبُوتُهَا ، وَهَذَا أَصْلٌ فِيهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَلْ نَصٌّ أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ; إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ بِإِجْمَاعٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّهُنَّ إِنْ لَمْ يَكُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ لَمْ يُنْفَقْ عَلَيْهِنَّ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا ، فَلِهَذَا ما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نَفَقَةَ لَكِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّفَقَةِ لِلْمَبْتُوتَةِ ، فَأَبَاهَا قَومٌ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَهَا النَّفَقَةُ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ ، مِنْهُمُ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلُ امْرَأَةٍ ، وَكَانَ يَجْعَلُ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا : السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُرَيْحٍ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا قَالَ : لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَيْسَ بِقَوِيِّ الْإِسْنَادِ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَالَّذِي فِي كِتَابِ رَبِّنَا أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَا يَقُولُ : نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا ، إِلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ رَبِّنَا ، وَالَّذِي وَجَدْنَا فِي كِتَابِ رَبِّنَا النَّفَقَةُ لِذَوَاتِ الْأَحْمَالِ ، قَالَ : وَنَحْسَبُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَهَا السُّكْنَى ; لِأَنَّ السُّكْنَى مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ

وَزَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ : النَّفَقَةُ ، وَالْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى الْأَعْمَشِ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَكُلُّ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا تَدُورُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ ، وَهُوَ أَصَحُّ رِوَايَةً مِنَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ . هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ ظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ إِلَى دَعْوَى لَا يُسِيغُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لِأَحَدٍ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَفْعِ نَصٍّ ; إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُ عُمَرَ خِلَافَ نَصِّ السُّنَّةِ كَانَ دَفْعُهُ بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ; عَلَى أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِيمَا رَوَاهُ الْعُدُولُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ نَصٌّ بِتَأْوِيلٍ يَدْفَعُهُ جُمْلَةً ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي الْمُسْنَدِ دُونَ رَأْيِ أَحَدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ قَالَتْ : طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى ، قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ، لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا النَّفَقَةُ لَلْمَبْتُوتَةِ ، فَفِيهِ نَصٌّ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، فَلَا مَعْنَى لِمَا خَالَفَهُ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ

دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لِغَيْرِ حَامِلٍ ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ، فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ، وَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نَفَقَةَ لَكِ ، فَانْتَقِلِي فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَكُونِي عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ فَاطِمَةَ كُلُّهَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي ذِكْرِ السُّكْنَى ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ فَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ ، وَقَالَ : لَا نَفَقَةَ لَكِ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ لَهَا السُّكْنَى مَا أَمَرَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا . وَرَوَوْا أَيْضًا مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا فَاعْتَدَّتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هَيْثَمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا . فَقَالَ : لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ عَنِ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَتْ : طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً ، فَقِيلَ لِعَامِرٍ : إِنَّ عُمَرَ لَمْ يُصَدِّقْهَا فَقَالَ عَامِرٌ : أَلَا تُصَدِّقُ امْرَأَةً فَقِيهَةً نَزَلَ بِهَا هَذَا ؟ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَخْرٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى . وَرَوَى مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ قَالَتْ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَحَدَّثَتْهُ ، فَأَتَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ مَرْوَانُ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ : بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ :

لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ

حَتَّى بَلَغَتْ :

لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

قَالَتْ : هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ لَا نَفَقَةَ لَهَا ؟ أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا ؟ فَكَيْفَ تُحْبَسُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَقُولُ فَاطِمَةُ : إِنْ كُنْتُمْ تَحْبِسُونَهَا عَلَى زَوْجِهَا فِي بَيْتِهِ فَأَوْجِبُوا لَهَا النَّفَقَةَ ، وَإِنْ لَمْ تُوجِبُوا لَهَا النَّفَقَةَ فَلَا تُوجِبُوا عَلَيْهَا السُّكْنَى ، وَفِي قَوْلِ مَرْوَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ فِي السُّكْنَى ، وَقَوْلُهَا : فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا ؟ إِنَّمَا كَانَتْ تُخَاطِبُ بِهَذَا كِبَارَ التَّابِعِينَ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ بِخِلَافِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ فِي السُّكْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُ سُؤَالَ رَجُلٍ قَدْ تَبَحَّرَ الْعِلْمَ قَبْلَ الْيَوْمِ ; قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي بِأَرْضٍ أُسْأَلُ بِهَا . قَالَ : فَكَيْفَ وَجَدْتَ مَا أَفْتَيْتُ بِهِ مِمَّا يُفْتِيكَ بِهِ غَيْرِي مِمَّنْ سَأَلْتَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؟ قُلْتُ : وَافَقْتَهُمْ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ . قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : سَأَلْتُكَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا أَمْ تَنْتَقِلُ إِلَى أَهْلِهَا ؟ فَقُلْتَ : تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا قَدْ عَلِمْتَ . فَقَالَ سَعِيدٌ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ شَأْنِهَا ; إِنَّهَا لَمَّا طُلِّقَتْ اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْيائِهَا وَآذَتْهُمْ بِلِسَانِهَا ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ : قُلْتُ : لَئِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِذَلِكَ ، إِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ لَأُسْوَةً حَسَنَةً ، مَعَ أَنَّهَا أَحْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، وَلَا بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يَجْرِي مِنْ الِاحْتِجَاجِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، يَقُولُ : لَوْ كَانَ السُّكْنَى عَلَيْهَا وَاجِبًا ، لَقَصَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنَعَهَا مِنْ الِاسْتِطَالَةِ بِلِسَانِهَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يَرْدَعُهَا عَنْ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَعَ أَنَّهُ لَيْسَتْ مِنْهُ وَلَا هُوَ مِنْهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْقَهِ أَهْلِهَا ، فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَسَأَلْتُهُ ، وَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُلَيْحِ ، عَنْ مَيْمُونٍ ، قَالَ : ذَكَرْتُ أَمْرَ فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ ( أَوِ النِّسَاءَ ) قُلْتُ : لَئِنْ كَانَتْ إِنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فَتَنَتِ النَّاسَ . وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَبْتُوتَةِ : لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى ، وَابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : تَعْتَدُّ الْمَبْتُوتَةُ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : تَعْتَدُّ الْمَبْتُوتَةُ حَيْثُ شَاءَتْ ، فَهَذَا مَذْهَبٌ آخَرُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالُأَوْزَاعِيُّ : الْمَبْتُوتَةُ لَهَا السُّكْنَى وَاجِبٌ لَهَا وَعَلَيْهَا ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ; إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، وَلَهَا السُّكْنَى . وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا تَنْتَقِلُ الْمَبْتُوتَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا حَتَّى يَحُلَّ أَجَلُهَا ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ قَوْمٌ : لَا سُكْنَى لَلْمَبْتُوتَةِ وَلَا نَفَقَةَ . وَذَهَبُوا إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ

- أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تُطَلَّقُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ، وَيَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَأَوَّلُوا لَكَانَ : أَسْكِنُوهُنَّ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ، وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ النَّفَقَةَ عَلَى الْحَامِلِ خَاصَّةً لِأَنَّ الَّتِي يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجَعَتَهَا لَهَا أَحْكَامُ الزَّوْجَاتِ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَهَما وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُطَلَّقْ فِي ذَلِكَ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى النَّفَقَةَ مِنْهُنَّ لِذَوَاتِ الْأَحْمَالِ أَنَّهَا لَيْسَتِ الَّتِي يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا . أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَاحْتَجَّ فِي سُقُوطِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتُةِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا السُّكْنَى ، ثُمَّ نَقَلَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا لِعِلَّةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنَّمَا أَسْكَنَهَا فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ لِأَنَّهَا كَانَ فِي لِسَانِهَا ذَرَبٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُطْلِقَاتِ :

لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ

فَقَالَ قَوْمٌ : الْفَاحِشَةُ هَهُنَا الزِّنَا ، وَالْخُرُوجُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَهَذَا فِيمَنْ وَجَبَ السُّكْنَى عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَجِبِ السُّكْنَى بِاتِّفَاقٍ إِلَّا عَلَى الرَّجْعِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَاحِشَةُ إِذَا بَذَتْ بِلِسَانِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ . قَالَ : وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِلَّا أَنْ تُفْحِشَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ :

إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ

قَالَ : إِذَا بَذَتْ بِلِسَانِهَا فَهُوَ الْفَاحِشَةُ ( لَهُ ) أَنْ يُخْرِجَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خُرُوجَ فَاطِمَةَ عَنْ بَيْتِهَا ، وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْكُنُ مَعَ زَوْجِهَا فِي مَوْضِعٍ وَحِشٍ مُخَوِّفٍ ، فَلِهَذَا مَا أَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِانْتِقَالِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ خُلُقِ فَاطِمَةَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقُلْتُ : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِكَ طُلِّقَتْ فَمَرَرْتُ عَلَيْهَا آنِفًا ، وَهِيَ تَنْتَقِلُ ، فَعِبْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَقَالُوا : أَمَرَتْنَا فَاطِمَةُ ابْنَةُ قَيْسٍ ، وَأَخْبَرَتْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ( بَيْتِ ) ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَجَلْ هِيَ أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ ، قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ ، وَقَالَتْ : إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانِ وَحِشٍ مُخِيفٍ عَلَى نَاحِيَتِهَا ، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ قَيْسٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَحَوَّلَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي خُرُوجِ فَاطِمَةَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، فَقُلْتُ : فَاطِمَةُ ابْنَةُ قَيْسٍ طُلِّقَتْ فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ ، إِنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَيِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ أَلْبَتَّةَ ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا - الْحَدِيثَ . فَهَذَا عُمَرُ ، وَعَائِشَةُ ، وَابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُونَ عَلَى فَاطِمَةَ أَمْرَ السُّكْنَى ، وَيُخَالِفُونَهَا فِي ذَلِكَ ، وَمَالَ إِلَى قَوْلِهِمْ فُقَهَاءُ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ; لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ ، وَأَحَجُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّكْنَى عَلَيْهَا ، وَكَانَتْ عِبَادَةً تَعَبَّدَهَا اللَّهُ بِهَا لَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، وَلَا إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، ( وَلِأَنَّهُ ) أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَبْذُو عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا ، تُؤَدَّبُ ، وَتُقْصَرُ عَلَى السُّكْنَى فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ ، وَتُمْنَعُ مِنْ أَذَى النَّاسِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَلَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الِانْتِقَالِ ، اعْتَلَّ بِغَيْرِ صَحِيحٍ مِنَ النَّظَرِ ، وَلَا مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ مِنَ الْخَبَرِ ، هَذَا مَا يُوجِبُهُ عِنْدِي التَّأَمُّلُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ صِحَّتِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَقَدْ طُلِّقَتْ طَلَاقًا بَاتًّا - : لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ ، وَإِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارَضُ بِهِ هَذَا ؟ هَلْ يُعَارَضُ إِلَّا بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ مِنْ كِتَابِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْفَعُ ذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ

مِنْ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا كَمَا رَأَيْتَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ - مِنْهُمْ : عُمَرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ - مِنْهُمْ : ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَبَيَّنَّا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ : لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ ، مَعَ مَا رَأَوْا مِنْ مُعَارَضَةِ الْعُلَمَاءِ الْجِلَّةِ لَهَا فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ : أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَأَبَتْ أَنْ تَجْلِسَ فِي بَيْتِهَا ، فَأَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ : هِيَ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَ : احْبِسْهَا وَلَا تَدَعْهَا ; فَقَالَ : إِنَّهَا تَأْبَى عَلَيَّ قَالَ : فَقَيِّدْهَا قَالَ : إِنَّ لَهَا إِخْوَةً غَلِيظَةً رِقَابُهِمْ قَالَ : فَاسْتَأْدِ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ اسْتِتَارِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لِلْعَيْنِ فِيهَا حَظٌّ عَنْ عُيُونِ الرِّجَالِ ، وَفِي ذَلِكَ تَحْرِيمٌ لِلنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْظُرْ إِلَى فَاطِمَةَ هَذِهِ إِذْ جَاءَتْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَتَرَ مِنِّي ، وَأَشَارَ عَنِّي بِثَوْبِهِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ قَيْلَةَ ابْنَةِ مَخْرَمَةَ - الْحَدِيثَ الطَّوِيلِ فِي قُدُومِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ خَلْفَهُ إِذْ قِيلَ لَهُ : أَرْعَدْتَ الْمِسْكِينَةَ فَقَالَ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ : يَا مِسْكِينَةُ عَلَيْكِ السَّكِينَةُ ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ : لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَ جَرِيرٌ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ ، فَقَالَ : غُضَّ بَصَرَكَ . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمُ : الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَهَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا وَرَدَ خَوْفًا مِنْ دَوَاعِي الْفِتْنَةِ ، وَأَنْ تَحْمِلَهُ النَّظْرَةُ إِلَى أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا تَقُودُ إِلَيْهِ فِتْنَةٌ فِي دِينِهِ ، وَهَذَا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ دَاوُدُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ سَبَبَ خَطِيئَتِهِ إِلَيْهِ النَّظَرُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا ، وَشِبْهِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ الْمُتَجَالَّةَ ، لَا بَأْسَ أَنْ يَغْشَاهَا الرِّجَالُ ، وَيَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهَا ، وَمَعْنَى الْغَشَيَانِ الْإِلْمَامُ وَالْوُرُودُ . قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُ بَنِي جَفْنَةَ :

يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ

لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ

وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ أَمْدَحُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا بِنْتَ قَيْسٍ ، إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : اعْتَدِّي عِنْدَ أُمِّ شَرِيكٍ ابْنَةِ الْعَكَرِ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يُتَحَدَّثُ عِنْدَهَا ، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ; فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَحْجُوبُ الْبَصَرِ فَتَضَعِي ثِيَابَكِ ، وَلَا يَرَاكِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أُمُّ شَرِيكٍ هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا هَهُنَا ، وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَتَضَعِي ثِيَابَكِ وَلَا يَرَاكِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنَ الرَّجُلِ الْأَعْمَى ، وَهَكَذَا فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ; فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ ، فَإِنْ وَضَعْتِ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِكِ لَمْ يَرَ شَيْئًا ، وَهَذَا يَرُدُّ حَدِيثَ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا وَمَيْمُونَةُ جَالِسَتَانِ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ بِأَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا ؟ قَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ ؟ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَحْتَجِبَ عَنِ الْأَعْمَى ، وَيَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ

الْآيَةَ ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ نَبْهَانَ هَذَا احْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَهَا النَّظَرَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِزَوْجٍ ، وَلَا ذِي مَحْرَمٍ ; ( قَالَ : ) وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْمَرْأَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ :

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ

كَمَا قَالَ :

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشْيَخَةِ الْأَعْرَابِ : لَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَلِيَّتِي مِائَةُ رَجُلٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ هِيَ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ ، دَفَعَ حَدِيثَ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَقَالَ نَبْهَانُ : مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ حَدِيثَيْنِ لَا أَصْلَ لَهُمَا ، أَحَدُهُمَا : هَذَا ، وَالْآخَرُ حَدِيثُ الْمُكَاتِبِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَا يُؤْذِي وَجَبَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُ قَالَ : وَهُمَا حَدِيثَانِ لَا أَصْلَ لَهُمَا ، وَدَفَعَهُمَا ، وَقَالَ : حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ قَالَ : وَحَدِيثُ نَبْهَانَ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ نَبْهَانَ هَذَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ مَيْمُونَةَ ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالْحِجَابِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ مَكْفُوفٌ لَا يُبْصِرُنَا قَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ ؟ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَهَذَا مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَقَرُّرِ الْأُصُولِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهَا عَوْرَةٌ كَمَا أَنَّ فَاطِمَةَ عَوْرَةٌ ; إِلَّا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ مِنَ السُّتْرَ وَالِاحْتِجَابِ بِحَالٍ لَيْسَتْ بِهَا فَاطِمَةُ ، وَلَعَلَّ فَاطِمَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْعُدَ فَضْلًا لَا تَحْتَرِزُ كَاحْتِرَازِ أُمِّ شَرِيكٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ شَرِيكٍ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنْ تَكُونَ فَضْلًا ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَاطِمَةُ شَابَّةً لَيْسَتْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، وَتَكُونَ أُمُّ شَرِيكٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا جُنَاحٌ مَا لَمْ تَتَبَرَّزْ بِزِينَةٍ ، فَهَذَا كُلُّهُ فَرْقٌ بَيْنَ حَالِ أُمِّ شَرِيكٍ وَفَاطِمَةَ ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا امْرَأَتَيْنِ الْعَوْرَةُ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَلِاخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ أُمِرَتْ فَاطِمَةُ بِأَنْ تَصِيرَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى حَيْثُ لَا يَرَاهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِي بَيْتِهِ ذَلِكَ . وَأَمَّا وَجْهُ قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ مَيْمُونَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ : إِذَ جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقَالَتَا : أَلَيْسَ بِأَعْمَى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ فَإِنَّ الْحِجَابَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ كَالْحِجَابِ عَلَى غَيْرِهِنَّ ، لِمَا هُنَّ فِيهِ مِنَ الْجَلَالَةِ ، وَلِمَوْضِعِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :

يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ

الْآيَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ لِأَهْلِهِ مِنَ الْحِجَابِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُنَّ الْمَرْأَةَ فَضْلًا عَنِ الْأَعْمَى . وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَيْمُونَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ ; إِذْ أَبَاحَ لَهَا النَّظَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، فَإِنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - غَيْرَ بَالِغَةٍ ; لِأَنَّهُ نَكَحَهَا صَبِيَّةً بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ ، وَبَنَى بِهَا بِنْتَ تِسْعٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ضَرْبِ الْحِجَابِ مَعَ مَا فِي النَّظَرِ إِلَى السُّودَانِ مِمَّا تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وَلَيْسَ الصَّبَايَا كَالنِّسَاءِ فِي مَعْرِفَةِ مَا هُنَالِكَ مِنْ أَمْرِ الرِّجَالِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ طَلَاقِ جَدِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ، فَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ : طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَوَكَّلَ بِهَا عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَيَّاشٌ بِبَعْضِ النَّفَقَةِ فَسَخِطَتْهَا ، فَقَالَ لَهَا عَيَّاشٌ : مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا مَسْكَنٍ ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلِيهِ ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا قَالَ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ ، وَلَكِنْ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، اخْرُجِي عَنْهُمْ ، فَقَالَتْ : أَخْرُجُ إِلَى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، فَقَالَ : إِنَّ بَيْتَهَا يُوطَأُ ، فَانْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَهُوَ أَقَلُّ وَاطِيَةً ، وَأَنْتِ تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ ، فَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ حَتَّى حَلَّتْ ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَغُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ قُرَيْشٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكِ عَصَاهُ ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتِ دَلَلْتُكِ عَلَى رَجُلٍ : أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَتْ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَزَوَّجَهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ . فَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي أُمِّ شَرِيكٍ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، وَفِي حَدِيثِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يُتَحَدَّثُ عِنْدَهَا ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ - وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ - أَنَّ بَيْتَ أُمِّ شَرِيكٍ يُغْشَى ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ بَيْتَهَا يُوطَأُ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالْمَعَانِي ، وَإِيَّاهَا كَانُوا يُرَاعُونَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ غَشَيَانِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ الْمُتَجَالَّاتِ فِي بُيُوتِهِنَّ ، وَالْحَدِيثِ مَعَهُنَّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ، ثُمَّ خِطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا لِأُسَامَةَ حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ مَا لَمْ تَركُنْ إِلَيْهِ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَغَيْرِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُكِنَ إِلَى الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْطُبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَتِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجُوزُ عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَحَادِيثَ مُعَارَضَةً ، وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى مَا قَالَ الْفُقَهَاءُ لَمْ تَتَعَارَضْ ، وَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ فِيمَنْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ . وَمِثْلُ خِطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَى خِطْبَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ - مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ سُفْيَانَ الْأَسَدِيَّ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ امْرَأَةً عَلَى جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ، وَعَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي قُبَّتِهَا عَلَيْهَا سِتْرٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ جَرِيرًا الْبَجَلِيَّ يَخْطُبُ وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَكَشَفَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهَا ، فَقَالَتْ : أَجَادٌّ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : فَقَدْ أُنْكِحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ، أَنْكِحُوهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَيِّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ فِطْرٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْفِتْيَانِيِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْأَزْدِ ، وَفَتَاتُهُمْ فِي خِدْرِهَا قَرِيبًا مِنْهُ فَقَالَ : إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَخْطُبُ إِلَيْكُمُ ابْنَتَكُمْ ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ ، وَإِنَّ جَرِيرَ الْبَجْلَةِ يَخْطُبُ إِلَيْكُمُ ابْنَتَكُمْ ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ يَخْطُبُ إِلَيْكُمُ ابْنَتَكُمْ - يُرِيدُ نَفْسَهُ - فَأَجَابَتْهُ الْفَتَاةُ مِنْ خِدْرِهَا فَقَالَتْ : أَجَادٌّ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَتْ : زَوِّجُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَزَوَّجُوهُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَرْءِ فِي غَيْرِهِ مَا فِيهِ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ جَائِزٌ ، وَأَنَّ إِظْهَارَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَيْبٍ فِيهِ صَوَابٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْغَيْبَةِ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ : إِذَا قُلْتَ فِي أَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ تَبْيِينُ حَالِ الشَّاهِدِ إِذَا سَأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ ، وَتَبَيُّنُ حَالِ نَاقِلِ الْحَدِيثِ ، وَتَبَيُّنُ حَالِ الْخَاطِبِ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ ، وَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْغَيْبَةِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْغَيْبَةَ إِنَّمَا هِيَ أَنْ تَصِفَهُ عَلَى جِهَةِ الْعَيْبِ لَهُ بِمَا فِي خِلْقَتِهِ مِنْ دَمَامَةٍ وَسُوءِ خُلُقٍ ، أَوْ قِصَرٍ ، أَوْ عَمَشٍ ، أَوْ عَرَجٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا أَنْ تَذُمَّهُ بِمَا فِيهِ مِنْ أَفْعَالِهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ غَيْبَةً ، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ هَذَا الْمَعْنَى : أَنَّ مَنِ اسْتُشِيرَ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ وَأَدَاءُ النَّصِيحَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إِلَى لَمْزِهِ ، وَلَا إِلَى شِفَاءِ غَيْظٍ ، وَلَا أَذًى ، وَيَكُونُ حَدِيثُ الْغَيْبَةِ مُرَتَّبًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِشَارَةِ ذَوِي الرَّأْيِ ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَشِيرَ الرَّجُلُ مَنْ يَرْضَى دِينَهُ فِي امْرَأَتَيْنِ يُسَمِّيهِمَا لَهُ أَيَّتَهُمَا يَتَزَوَّجُ ؟ وَكَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ فِي رَجُلَيْنِ أَيَّهُمَا ( تَتَزَوَّجُ ) ؟ وَفِيهِ أَنَّ لِلْمُسْتَشَارِ أَنْ يُشِيرَ بِغَيْرِ مَنِ اسْتُشِيرَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى ( أُسَامَةَ ) ، وَلَمْ تَذْكُرْ لَهُ إِلَّا أَبَا جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِغْيَاءِ فِي الصِّفَةِ ، وَأَنَّ الْمُغَيِّيَ لَا يَلْحَقُهُ كَذِبٌ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْكَذِبِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِبْلَاغَ فِي الْوَصْفِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ مَلَكَ ثَوْبَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَهُوَ مَالٌ ، وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ، وَيَنَامُ ، وَيَأْكُلُ ، وَيَشْرَبُ ، وَيَشْتَغِلُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ ضَرْبِ النِّسَاءِ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُكْثِرُ ضَرْبَ النِّسَاءِ نَسَبَهُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَتِ الْحُكَمَاءُ : مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرْفَ بِهِ ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الْعَصَا هَهُنَا الْعَصَا الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْآدَابَ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ ، وَبِمَا يَحْسُنُ الْأَدَبُ بِمِثْلِهِ ، يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِي فِي رَعِيَّتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَوْصَاهُ : وَلَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ ، وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ . رُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْمِصْرِيِّينَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِيمَا أَوْصَاهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : لَا تَضَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ ، وَأَنْصِفْهُمْ مِنْ نَفْسِكَ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلِّقْ سَوْطَكَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ لِلرَّجُلِ ضَرْبَ نِسَائِهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ ، وَتَصْلُحُ بِهِ حَالُهُ وَحَالُهُمْ مَعَهُ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهَا عَلَيْهِ وَنُشُوزِهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ : أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ وَجَرَحَهَا ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْلُبُونَ الْقِصَاصَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ :

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ

الْآيَةَ ، فَمَعْنَى الْعَصَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ : الْإِخَافَةُ وَالشِّدَّةُ بِكُلِّ مَا يَتَهَيَّأُ وَيُمْكِنُ مِمَّا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ مِنَ الْأَدَبِ فِيمَا يَجِبُ الْأَدَبُ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ فِيهِ إِبَاحَةَ ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ضَرْبًا كَثِيرًا ; لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الْعَيْبِ لَهُ ، وَالضَّرْبُ الْقَلِيلُ لَيْسَ بِعَيْبٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَهُ قَالَ : وَلَمَّا لَمْ يُغَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي جَهْمٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ فِي طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ . وَفِيمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - نَظَرٌ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : ذَمُّهُ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ ، وَمِنْ هَذَا قَالَتِ الْعَرَبُ : فُلَانٌ لَيِّنُ الْعَصَا ، وَفُلَانٌ شَدِيدُ الْعَصَا ، يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الْوَالِي وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ :

لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تُقْرَعُ الْعَصَا

وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا

وَقَالَ مَعْنُ بْنُ أَوْسٍ يَصِفُ رَاعِيَ إِبِلِهِ :

عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعٌ لَيِّنُ الْعَصَا

يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهُ

وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الطَّاعَةَ وَالْأُلْفَةَ وَالْجَمَاعَةَ الْعَصَا ، وَيَقُولُونَ : عَصَا الْإِسْلَامِ ، وَعَصَا السُّلْطَانِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ :

إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا

فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

وَمِنْهُ قَوْلُ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ : إِيَّاكَ وَقَتِيلَ الْعَصَا ، يَقُولُ : إِيَّاكَ أَنْ تُقْتَلَ أَوْ تَقْتُلَ قَتِيلًا إِذَا انْشَقَّتِ الْعَصَا ، وَالْعَرَبُ أَيْضًا تُسَمِّي قَرَارَ الظَّاعِنِ عَصًا ، وَقَرَارَ الْأَمْرِ وَاسْتِوَاءَهُ عَصًا ، فَإِذَا اسْتَغْنَى الْمُسَافِرُ عَنِ الظَّعْنِ قَالُوا : قَدْ أَلْقَى عَصَاهُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ :

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَى

كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ

وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ حِينَ اجْتَمَعَ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَتْ : فَنَكَحْتُهُ ، فَفِي هَذَا جَوَازُ نِكَاحِ الْمَوَالِي الْقُرَيْشِيَّةَ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ ، وَفَاطِمَةُ قُرَشِيَّةٌ فِهْرِيَّةٌ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ ، وَهَذَا أَقْوَى شَيْءٍ فِي نِكَاحِ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ وَالْقُرَشِيَّةَ ، وَنِكَاحِ الْعَرَبِيِّ الْقُرَشِيَّةَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . رَوَى ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَمْ أَرَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْفَضْلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَرَبُ فِي قُرَيْشٍ ، وَلَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَوَالِيَ فِي الْعَرَبِ وَقُرَيْشٍ إِذَا كَانَ كُفُؤًا فِي حَالِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَنْكَحَ سَالِمًا فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعِبْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَنْكَحَهَا مَوْلَاهُ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ لِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ ، فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الْكَفَاءَةَ عِنْدَهُمْ فِي الدِّينِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : إِذَا أَبَى وَالِدُ الثَّيِّبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا دُونَهُ فِي النَّسَبِ وَالشَّرَفِ ; إِلَّا أَنَّهُ كُفُؤٌ فِي الدِّينِ - فَإِنَّ السُّلْطَانَ يُزَوِّجُهَا ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ الْأَبِ وَالْوَلِيِّ مَنْ كَانَ ؛ إِذَا رَضِيَتْ بِهِ ، وَكَانَ كُفُؤًا فِي دِينِهِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي قِلَّةِ الْمَالِ شَيْئًا ، قَالَ مَالِكٌ : تَزْوِيجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ حَلَالٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلِهِ :

إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى

الْآيَةَ ، وَقَوْلِهِ :

فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا

وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَالْمَالِ وَالصِّنَاعَاتِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قُرَيْشٌ أَكْفَاءٌ ، وَالْعَرَبُ أَكْفَاءٌ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَكْفَاءٌ ، وَلَا يَكُونُ كُفُؤًا مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : وَسَائِرُ النَّاسِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، فَالْقَصَّارُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِغَيْرِهِ مِنَ التُّجَّارِ ، وَهُمْ يَتَفَاضَلُونَ بِالْأَعْمَالِ ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا الْأَمْثَالُ ، قَالَ : وَتَعَذُّرُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْكَفَاءَةِ ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِأَحَدٍ ، وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُخَالِفُ أَصْحَابَهُ فِي الْكَفَاءَةِ ، وَيَقُولُ : الْكَفَاءَةُ فِي الْأَنْفُسِ كَالْقِصَاصِ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ يَعْتَبِرُونَ الْكَفَاءَةَ فِي الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ . وَفِي الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ نِكَاحُ غَيْرِ الْكُفْءِ مُحَرَّمًا ، فَأَرُدُّهُ بِكُلِّ حَالٍ ، إِنَّمَا هُوَ تَقْصِيرُ الْمُتَزَوِّجَةِ وَالْوُلَاةِ ، فَإِنْ رَضِيَتْ وَرَضُوا جَازَ . قَالَ : وَلَيْسَ نَقْصُ الْمَهْرِ نَقْصًا فِي النَّسَبِ ، وَالْمَهْرُ لَهَا دُونَهُمْ ؛ فَهِيَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ ، كَالنَّفَقَةِ لَهَا أَنْ تَتْرُكَهَا مَتَى شَاءَتْ . قَالَ : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوُلَاةُ فَزَوَّجَهَا بِإِذْنِهَا أَحَدُهُمْ كُفْئا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ كُفْءٍ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ - قَبْلَ نِكَاحِهِ ، فَيَكُونُ حَقًّا لَهُمْ تَرْكُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَفَاءَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ : النَّسَبُ وَالْحَالُ ، وَأَفْضَلُ الْحَالِ عِنْدَهُمُ الدِّينُ ، وَالْحَالُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا : الْكَرَمُ ، وَالْمُرُوءَةُ ، وَالْمَالُ ، وَالصِّنَاعَةُ ، وَالدِّينُ ، وَهُوَ أَرْفَعُهَا . رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : كَرَمُ الْمُؤمِنِ : تَقْوَاهُ وَدِينُهُ وَحَسَبُهُ ، وَمُرُوءَتُهُ : خُلُقُهُ . وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ قَالَ : أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْفَضْلِ الْأَخْفَشُ لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ :

إِنِّي رَأَيْتُ الْفَتَى الْكَرِيمَ إِذَا

رَغَّبْتَهُ فِي صَنِيعَةٍ رَغِبَا

وَلَمْ أَجِدْ عُرْوَةَ الْخَلَائِقِ إِلَّا الدِّينَ

لَمَّا اخْتَبَرْتُ وَالْحَسَبَا

قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَنْكِحُوا إِلَى الْأَكْفَاءِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالزِّنْجَ ، فَإِنَّهُ خَلْقٌ مُشَوَّهٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الْمُجَبِّرِ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَدَاوُدُ هَذَا ، وَأَبُو أُمَيَّةَ ابْنُ يَعْلَى مَتْرُوكَانِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُبَشِّرٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إِلَّا الْأَكْفَاءَ ، حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بَقِيَّةَ ، عَنْ زُرْعَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْعَرَبُ أَكْفَاءٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ ، قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ ، إِلَّا حَائِكًا وَحَجَّامًا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا - مِثْلُهُ ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ ، وَأَبُو هِنْدٍ مَوْلًى ، وَبَنُو بَيَاضَةَ فَخْذٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ، وَلَمْ يَخُصَّ عَرَبِيًّا مِنْ مَوْلًى ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى ، وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ نِكَاحَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَؤُمُّكُمْ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا نَتَزَوَّجُ نِسَاءَكُمْ - يَعْنِي الْعَرَبَ ، قَالُوا : وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقُولُهُ سَلْمَانُ مِنْ رَأْيِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ : حَدِيثُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَنِكَاحِهَا بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، وَهُوَ مِمَّنْ قَدْ جَرَى عَلَى أَبِيهِ السِّبَاءُ وَالْعِتْقُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَ ا الَّتِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهَا : هَذَا الْمَالُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ حْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّتِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهَا - هَذَا الْمَالُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ رَاشِدٍ الْإِمَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَسَبُ : الْمَالُ ، وَالْكَرَمُ : التَّقْوَى . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ ؟ قَالَ : بَلْ ثَيِّبٌ ، قَالَ : أَفَلَا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ لِي أَخَوَاتٌ ، فَخَشِيتُ أَنْ يُدْخَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ قَالَ : فَقَالَ : فَذَاكَ إِذًا ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ فِي دِينِهَا ، وَمَالِهَا ، وَجَمَالِهَا ، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ الْحَسَبَ غَيْرُ الْمَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ الْفَاصِلَةِ ، كَمَا فَصَلَ بَيْنَ الْجَمَالِ وَالدِّينِ ، وَهَذَا أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ سَمُرَةَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ خَرَجَ عَلَى الذَّمِّ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَالْخَبَرِ عَنْ حَالِ أَهْلِهَا فِي الْأَغْلَبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَبَلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَامِعٍ ، عَنْ عُثْمَانَ أَبِي الْيَقْضَانِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ : الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا ، وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ أَوْلَى مَا اعْتُبِرَ وَاعْتُمِدَ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجِمَالِهَا ، كَانَ ذَلِكَ سِدَادًا مِنْ عَوَزٍ . قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : السِّدَادُ بِالْكَسْرِ : الْبُلْغَةُ ، وَكَذَلِكَ مَا سُدَّ بِهِ الشَّيْءُ ، وَالسَّدَادُ بِالْفَتْحِ الْقَصْدُ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث