الْحَدِيثُ الْخَامِسُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ; فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنَّاسِ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ ، فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسَ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ؟ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِي ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : خُرُوجُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْفَارِ ، وَخُرُوجُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْغَزَوَاتِ وَغَيْرِ الْغَزَوَاتِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ الْعَسْكَرُ كَبِيرًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَبَةُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ ، قَالَ : قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوَّذٍ : هَلْ كُنْتُنَّ تَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْمِلُ الْجَرْحَى ، نَسْقِيهِمْ أَوْ نُدَاوِيهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَخُرُوجُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ فِي السَّفَرِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُبَاحِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ نِسَاءٌ حَرَائِرُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ ، فَإِذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ وَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُنَّ ، خَرَجَتْ مَعَهُ ، وَاسْتَأْثَرَتْ بِهِ فِي سَفَرِهَا ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ ، اسْتَأْنَفَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُنَّ ، وَلَمْ يُحَاسِبِ الَّتِي خَرَجَتْ مَعَهُ بِأَيَّامِ سَفَرِهِ مَعَهَا ، وَكَانَتْ مَشَقَّتُهَا فِي سَفَرِهَا وَنَصَبُهَا فِيهِ بِإِزَاءِ نَصِيبِهَا مِنْهُ وَكَوْنِهَا مَعَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّارُ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ النَّجَّارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، وَالسَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُقَالَ : إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ فَهَكَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي اسْمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي انْقَطَعَ فِيهِ الْعِقْدُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُنْجَلِبُ بْنُ الْحَارْثِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً لَهَا ، وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْسَلَّتْ مِنْهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالَ لَهُ : الصُّلْصُلُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَبُوهَا حَتَّى وَجَدُوهَا ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ فِيهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ خَيْرًا . هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لِأَسْمَاءَ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْهَا ، وَقَالَ : ( قِلَادَةً ) وَلَمْ يَقُلْ ( عِقْدًا ) ، وَقَالَ فِي الْمَكَانِ يُقَالَ لَهُ الصُّلْصُلُ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَالَ فِيهِ : سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَضَافَ الْقِلَادَةَ إِلَيْهَا ، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعِ : ( الْأَبْوَاءُ ) . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ . قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ . قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَلَبِهَا ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ ، فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَصْنَعَانِ ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَمَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَلَبِ الْقِلَادَةِ ، كَانَ أَحَدُهُمَا أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . قَالَتْ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ، وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ فَقَالَ لَهَا أُسَيْدٌ : - رَحِمَكِ اللَّهُ ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ فِي الْعِقْدِ وَالْقِلَادَةِ ، وَلَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ ذَلِكَ فِيهِ لِعَائِشَةَ ، وَلَا فِي قَوْلِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ : عِقْدٌ لِي ، وَقَوْلِ هِشَامٍ إِنَّ الْقِلَادَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْ أَسْمَاءَ عَائِشَةُ - مَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يُوهِنُ شَيْئًا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَالْمَقْصُودَ إِلَيْهِ هُوَ نُزُولُ آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حُكْمٌ كَبِيرٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَتَنَازَعُوهُ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهُورٍ بِمَاءٍ وَلَا تَيَمُّمَ لِمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّيَمُّمِ لِعِلَلٍ مَنَعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحُكْمَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ . قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السُّلَمِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ فِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَعَرَّسُوا ، فَانْسَلَّتِ الْقِلَادَةُ مِنْ عُنُقِهَا ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، انْسَلَّتْ قِلَادَةُ أَسْمَاءَ مِنْ عُنُقِي ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلَيْنِ إِلَى الْمَعْرَسِ يَلْتَمِسَانِ الْقِلَادَةَ - فَوَجَدَاهَا ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ طَهُورٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ :
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بُدُوِّ التَّيَمُّمِ وَالسَّبَبِ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِأَتَمِّ مَعْنًى . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الصُّبْحُ ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي ذِكْرِ التَّيَمُّمِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ هَذَا ، وَهُوَ أَصْلُ التَّيَمُّمِ ; إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُتْبَةُ التَّيَمُّمِ وَلَا كَيْفِيَّتُهُ ، وَقَدْ نُقِلَتْ آثَارٌ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَلِفَةٌ فِي كَيْفِيَّتِهِ ، وَعَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِهَا اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْقَوْلِ بِهَا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَقَاوِيلَهُمْ وَالْآثَارَ الَّتِي مِنْهَا نَزَعُوا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَالْمَشْرِقِ ، وَالْمَغْرِبِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ كُلِّ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ ; وَسَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ : الْجُنُبُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِالتَّيَمُّمِ صَلَاةً ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا
وَلِقَوْلِهِ :
وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
وَذَهَبَا إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
وَكَانَا يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُلَامَسَةِ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَحَمَلَةِ الْآثَارِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ - إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ قَدْ يَخْفَى عَلَى الْجَلِيلِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهَا الشَّيْءُ ، وَحَسْبُكَ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِمَّا غَابَ عَنْ عُمَرَ مِنْهَا ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، وَلَمَّا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمَا عِلْمُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا - تَأَوَّلَا فِي الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ الْجُنُبَ مُنْفَرِدٌ بِحُكْمِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ وَالِاغْتِسَالِ بِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالتَّيَمُّمِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ سَائِغٌ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ لَوْلَا مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ . قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ . قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ : أَمَا تَذْكُرُ أنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ . قَالَ : سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ . قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ : أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبْتَ فَلَمْ تَجِدْ مَاءً ، كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَتَّى نَجِدَ الْمَاءَ ; فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ يَكْفِيكَ - يَعْنِي الصَّعِيدَ - . قَالَ : أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو مُوسَى : فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ ؟ فَقَالَ : لَوْ أَنَّا رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ . فَقُلْتُ لِشَقَيقٍ : فَإِنَّمَا كَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ ، لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِالْآثَارِ ، وَبِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ ، وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ لِلْجُنُبِ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، وَهَذَا جَهْلٌ بِهَذَا الْمَعْنَى بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى . قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، قَالَ عُمَرُ : أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ . قَالَ عَمَّارٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ ، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ : وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ هَكَذَا ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ، قَالَ عُمَرُ : يَا عَمَّارُ ، اتَّقِ اللَّهَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ، إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا . قَالَ : كَلَّا ، وَاللَّهِ ، وَلَكِنْ نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى مِثْلَهُ ، وَرُوِيَ حَدِيثُ عَمَّارٍ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ : أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجْزِيهِ إِلَّا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ عَمَّارٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَكْفِيهِ سَكَتَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَنْهَهُ ; فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِقَلْبِهِ تَصْدِيقُ عَمَّارٍ ; لِأَنَّ عَمَّارًا قَالَ لَهُ : إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ ، وَلَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَكْذِيبُ عَمَّارٍ لَنَهَاهُ ; لِمَا كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَغَيْرُ مُتَوَهَّمٍ عَلَى عُمَرَ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى صَلَاةٍ تُصَلَّى عِنْدَهُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْمَسْؤولُ عَنِ الْعَامَّةِ ، وَكَانَ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ ، وَأَنْصَحَهُمْ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمُّمُ الْجُنُبِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ، وَلَا مَاءَ ، فَقَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلَمَّا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَادَ رَبِّهِ مِنْ مَعْنَى آيَةِ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْجُنُبَ دَاخِلٌ فِيمَنْ قُصِدَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ :
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
- تَعَلَّقَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَصِحُّ عَنْهُ . رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : لَا يَتَيَمَّمِ الْجُنُبُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا . وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ ، وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ - وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ - فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ أَوْ بَشْرَتَكَ . هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ . وَرَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَحْرَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَيَخْشَى خُرُوجَهُ ، وَهُوَ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ ، وَلَا إِلَى صَعِيدٍ يَتَيَمَّمُ بِهِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَحْبُوسِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّعِيدِ : صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ . وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُنْهَدِمِ عَلَيْهِمْ ، وَالْمَحْبُوسِينَ ، وَالْمَرْبُوطِ ، وَمَنْ صُلِبَ فِي خَشَبَةٍ وَلَمْ يَمُتْ : لَا صَلَاةَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ ، وَإِذَا قَدَرُوا صَلَّوْا . وَقَالَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ : الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ : أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا عَلَى الصَّعِيدِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ : أَنَّهُ لَا يُصَلِّي ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ ، قَالَ : رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى أَنْ جَعَلَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ مِنَ الْمَذْهَبِ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَعَامَّةَ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةَ الْمَالِكِيِّينَ ، وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ - وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا ، وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةً ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُصَلُّونَ إِنْ قَدَرُوا ، وَكَانَ عَقْلُهُمْ مَعَهُمْ ، ثُمَّ يُعِيدُونَ إِذَا قَدَرُوا عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مَالِكٍ فِيمَنْ كَتَّفَهُ الْوَالِي وَحَبَسَهُ فَمَنَعَهُ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا : أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَهَبَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ ، وَهَذَا مَعَهُ عَقْلُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ : الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ لَهُ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى . وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ . قَالَ : سَأَلْتُ مُطَرِّفًا ، وَابْنَ الْمَاجِشُونِ ، وَأَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ عَنْ الْخَائِفِ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ عَلَى دَابَّتِهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا يَجِدُ إِلَى النُّزُولِ لِلْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ سَبِيلًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلِّي كَمَا هُوَ عَلَى دَابَّتِهِ إِيمَاءً ، فَإِذَا أَمِنَ تَوَضَّأَ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ ، أَوْ تَيَمَّمَ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِ الْوَقْتِ ، وَقَالَ لِي أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ : لَا يُصَلِّي وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ حَتَّى يَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى الطَّهُورِ بِالْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طُهْرٍ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ الْمَغْلُولُ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَلَا التَّيَمُّمِ ، وَالْمَرِيضُ الْمُثْبَتُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ التَّيَمُّمَ - هُمَا مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْخَائِفِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ ذَلِكَ عِنْدِي وَأَقْوَاهُ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا : لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ طَهَارَةً ، وَالْأُخْرَى يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَيُعِيدُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ . . قَالَ الْمُزَنِيُّ - : إِذَا كَانَ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ عَلَى تُرَابٍ نَظِيفٍ صَلَّى ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَحْبُوسِ فِي الْمِصْرِ : إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَلَا تُرَابًا نَظِيفًا لَمْ يُصَلِّ ، وَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ صَلَّى . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ : يُصَلِّي وَيُعِيدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ وَجَدَ الْمَحْبُوسُ فِي الْمِصْرِ تُرَابًا نَظِيفًا صَلَّى فِي قَوْلِهِمْ وَأَعَادَ . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَتَيَمَّمُ ، وَلَا يُصَلِّي ، وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا نَظِيفًا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ تَيَمَّمَ عَلَى التُّرَابِ النَّظِيفِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَهُنَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فِي تَيَمُّمِ الَّذِي يَخْشَى فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَهُوَ فِي الْحَضَرِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّعِيدِ - سَنَذْكُرُهَا ، وَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَلَا يُعِيدُ ، وَمَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَزَعَمَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالصَّعِيدِ كَالثَّوْبِ ، فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا سَقَطَتْ عَنْهُ ، وَالصَّلَاةُ لَهُ لَازِمَةٌ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ ، وَقَدْ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَوْجَبَ الْإِعَادَةَ عَلَيْهِ ; وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ وَلَا عَلَى الصَّعِيدِ صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ ، فَإِنَّهُمُ احْتَاطُوا لِلصَّلَاةِ فَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَفِيهِ : أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ بَعَثَهُمْ فِي طَلَبِ الْقِلَادَةِ ، حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ; إِذْ لَمْ يَجِدُوا الْمَاءَ ، فَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَهَاهُمْ ، وَكَانَتْ طَهَارَتُهُمُ الْمَاءَ ، فَلَمَّا عَدِمُوهُ صَلَّوْا كَمَا كَانُوا فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ; فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا عَلَى التَّيَمُّمِ ، عند عَدِمَ الْمَاءَ صَلَّى فِي الْوَقْتِ كَمَا هُوَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ ، عند عَدِمَ الْمَاءَ - أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَقَالُوا : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهُورِ ; فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الطَّهُورِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ فَرْضٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَيُصَلِّي كَمَا قَدَرَ فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ يُعِيدُ ، فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْوَقْتِ وَالطَّهَارَةِ جَمِيعًا ، وَذَهَبَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوِ التَّيَمُّمَ - إِلَى ظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ . قَالُوا : وَلَمَّا أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُ بِالصَّلَاةِ مَعْنًى ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَوْلُهَا فِيهِ : فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ الطَّهَارَةَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تُمْكِنَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمِلْحِ ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمِلْحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ، وَلَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ . قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِابْنِ عَامِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ . وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ كَانَ لَازِمًا لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ إِلَّا بِوُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، أَوِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ بِالْكَلِمَةِ وَلَا الْكَلِمَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ الْكَلَامُ الْمُجْتَمِعُ الدَّالُّ عَلَى الْإِعْجَازِ الْجَامِعِ لِمَعْنًى مُسْتَفَادٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْتَرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ ، كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلِ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ ، وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ عَالَمٌ ، وَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ ; وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : آيَةُ الْوُضُوءِ - مَا يُتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الْوُضُوءِ وَهَيْئَتِهِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي قَوْلِهِ أَيْضًا : لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، وَإِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ تِلْكَ الْحَالِ عَلَى الْتِمَاسِ الْعِقْدِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ سَفَرٍ لَا يَجِدُ فِيهِ مَاءً ، وَلَا يَتْرُكَ سُلُوكَ طَرِيقٍ لِذَلِكَ ، وَحَسْبُهُ وَسُلُوكُ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ . وَأَمَّا التَّيَمُّمُ ، فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ : الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ خَاصَّةً لِلطَّهَارَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : قَوْلُهُمْ قَدْ تَيَمَّمَ الرَّجُلُ مَعْنَاهُ : قَدْ مَسَحَ التُّرَابَ عَلَى يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ ; قَالَ : وَأَصْلُ تَيَمَّمَ قَصَدَ ، فَمَعْنَى تَيَمَّمَ : قَصَدَ التُّرَابَ فَتَمَسَّحَ بِهِ ; قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
- مَعْنَاهُ : لَا تَعَمَّدُوا الْخَبِيثَ فَتُنْفِقُوا مِنْهُ . قَالَ : الْمُمَزَّقُ أَوِ الْمُثَقَّبُ :
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا
أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
أَالْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ
أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي
يُرِيدُ : قَصَدْتُ وَاعْتَمَدْتُ وَجْهًا . وَقَالَ آخَرُ : ( وَفِي )
الْأَظْعَانِ آنِسَةٌ لَعُوبٌ
تَيَمَّمَ أَهْلُهَا بَلَدًا فَسَارُوا
يَعْنِي قَصَدَ أَهْلُهَا بَلَدًا . وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ :
وَمَا يَلْبَثُ الْعَصْرَانِ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
إِذَا طُلِبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا
بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
وَقَالَ خَفَّافُ بْنُ نِدِّيَّةٍ م :
فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا
فَعَمْدًا عَلَى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
مَعْنَاهُ : تَعَمَّدْتُ مَالِكًا . وَقَالَ آخَرُ :
إِنِّي كَذَلِكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ
يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا
يَعْنِي قَصَدْتُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، فَمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
أَيِ اقْصِدُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، وَالصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : التُّرَابُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ . قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَطَهُورٌ بِمَعْنَى طَاهِرٍ مُطَهِّرٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
يَعْنِي : طَاهِرًا مُطَهِّرًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ : فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَاللَّيْثُ : ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، يَمْسَحُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى ، وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى ; إِلَّا أَنَّ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ عِنْدَهُ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَالِاخْتِيَارُ - عِنْدَهُ - إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضًا وَاجِبًا ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَالِمٌ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَهُمَا الرُّسْغَانِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَهُوَ أَشْهَرُ عَنْهُ : أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، رَوَاهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ عَمَّارٍ فَقَالَ فِيهِ : ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ هَذَا ، وَسَائِرُ أَحَادِيثِ عَمَّارٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ هَذَا عِنْدَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَجَمَاعَةٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأهُ ، وَإِنْ مَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ أَجْزَأهُ ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ ، وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ ضَرْبَتَانِ وَبُلُوغُ الْمِرْفَقَيْنِ .. وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ جَائِزٌ ، وَلَمْ يَرَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبًا - ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
وَلَمْ يَقُلْ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ،
وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
فَلَمْ يَجِبْ بِهَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَكٌّ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
وَثَبَتَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا : أَنَّ الْأَيْدِيَ فِي ذَلِكَ أُرِيدَ بِهَا مِنَ الْكُوعِ ، فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْثَرِ الْآثَارِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَدَعْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِيهِ إِلَّا ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَلَا يُجْزِيهِ دُونَ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ : يَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنْهُمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَهُمَا فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يَبْلُغُ بِالتَّيَمُّمِ الْآبَاطَ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرَهُ أَيْضًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ شِهَابٍ مِنَ التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، فَإِنَّهُ صَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ فِي ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْضِي أَنَّ الْيَدَ مِنَ الْمَنْكِبِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : تَمَسَّحْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتُّرَابِ ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ ، هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُوَيْسٍ . وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ سَوَاءً فِي إِسْنَادِهِ ، وَخَالَفَهُ فِي سِيَاقَتِهِ وَمَتْنِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي آخَرِينَ قَالُوا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ، زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ . هَكَذَا قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ : ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ . وَرَوَاهُ يُونُسُ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَلَمْ يَقُولُوا : عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَلَا قَالُوا : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَالَ صَالِحٌ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَذَكَرُوا فِيهِ ضَرْبَتَيْنِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ مَعْمَرٌ ضَرْبَتَيْنِ - وَاضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَنَاكِبِ كَانَ فِي حِينِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، كَذَلِكَ ذَكَرَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمَعْمَرٌ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ صَالِحٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، فَأَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ ، وَكَتَبْتُهُ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، مَعَهُ عَائِشَةُ ، فَهَلَكَ عِقْدُهَا ، فَاحْتَبَسَ النَّاسُ فِي ابْتِغَائِهِ ، حَتَّى أَصْبَحُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ ، قَالَ عَمَّارٌ : فَقَامُوا فَمَسَحُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ثَانِيَةً ، فَمَسَحُوا بِهَا أَيْدِيهِمْ إِلَى الْإِبِطَيْنِ ، أَوْ قَالَ : إِلَى الْمَنَاكِبِ ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ خِلَافُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ، رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَقَالَ عَنْهُ قَوْمٌ : وَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عَنْهُ فِيهِ : وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، عَنْ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ التَّيَمُّمِ ، فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَسُؤَالُهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّيَمُّمِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عِنْدَ قَتَادَةَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا - إِسْنَادٌ آخَرُ بِخِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : سُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . وَحَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ أَوِ إلى الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ حِينَ تَيَمَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، أَنَّهُ فِي حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ نَاجِيَةَ أَبِي خِفَافٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ : أَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ، ثُمَّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كَانَ يَكْفِيكَ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا فِيهَا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ فَمُضْطَرِبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمَّارٍ - حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : قَتَادَةُ إِذَا لَمْ يَقُلْ : سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا فَلَا حُجَّةَ فِي نَقْلِهِ ، وَهَذَا تَعَسُّفٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَرَوَى ابْنُ الْهَادِي ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَأَصْحَابُ نَافِعٍ الْحُفَّاظُ يَرْوُونَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - فَعَلَهُ : أَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مَرْفُوعًا ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَضَعَّفُوهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ فِي السِّكَّةِ ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ
، وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ أحد غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا ، بِهِ يُعْرَفُ ، وَمِنْ أَجْلِهِ يُضَعَّفُ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ نَافِعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَتَعَارَضَتْ ، كَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ : لِلْوَجْهِ ضَرْبَةٌ ، وَلِلْيَدَيْنِ أُخْرَى إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ - قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ، وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ ، - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ رَجَعْنَا إِلَى الِاعْتِبَارِ ، فَوَجَدْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْوُضُوءِ قَدْ سَقَطَ التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِهَا ، وَهُوَ الرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِلَى الْمَنَاكِبِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ عَنْ بَعْضِ مَا يُوَضَّأُ ، كَانَ مَا لَا يُوَضَّأُ أَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ التَّيَمُّمُ ; قَالَ : ثُمَّ رَأَيْنَا الْوَجْهَ يُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ كَمَا يُغْسَلُ بِالْمَاءِ ، وَرَأَيْنَا الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ لَا يُيَمِّمَانِ ، فَكَانَ مَا سَقَطَ التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَ عَنْ كُلِّهِ ، وَمَا وَجَبَ فِيهِ التَّيَمُّمُ كَانَ كَالْوُضُوءِ سَوَاءً ، لِأَنَّهُ جُعِلَ بَدَلًا مِنْهُ ; فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ مَا يُغْسَلُ مِنَ الْيَدَيْنِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ يُيَمَّمُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ - قِيَاسًا وَنَظَرًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَكْرِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَطَ الْمَسَّ فِي تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ وَفِي صِيَامِهِ حَيْثُ قَالَ :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَاشْتِرَاطِهِ فِي الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ ، فَالسُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ اكْتِفَاءٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ غَيْرُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ غَيْرَ الضَّرْبِ لِلْيَدَيْنِ قِيَاسًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ; إِلَّا أَنْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُ ذَلِكَ ، فَيُسَلَّمَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْبُلُوغُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّعِيدِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْحَصْبَاءِ ، وَالْجَبَلِ ، وَالرَّمْلِ ، وَالتُّرَابِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ وَجْهَ الْأَرْضِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : يَجُوزُ أَنْ يُتَيَمَّمَ بِالنُّورَةِ ، وَالْحَجَرِ ، وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْجِصِّ ، وَالطِّينِ ، وَالرُّخَامِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الرَّمْلِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللِّبَدِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبَدِ وَالثَّوْبِ . وَذَكَرَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ قَالَ : الصَّعِيدُ - عِنْدَنَا - وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَكُلُّ أَرْضٍ جَائِزٌ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا : صَحْرَاءَ كَانَتْ أَوْ مَعْدِنًا أَوْ تُرَابًا . قَالَ : وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ . قَالَ : وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْحَشِيشِ إِذَا كَانَ دُونَ الْأَرْضِ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الثَّلْجِ ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً ، وَمَنَعَ مِنْهُ أُخْرَى ، قَالَ : وَكُلُّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ صَعِيدٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
صَعِيدًا جُرُزًا
يَعْنِي أَرْضًا غَلِيظَةً لَا تُنْبِتُ شَيْئًا ، وَ
صَعِيدًا زَلَقًا
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ أَيْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَدَاوُدُ : الصَّعِيدُ : التُّرَابُ ، وَلَا يُجْزِي عِنْدَهُمُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقَعُ صَعِيدٌ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ ، فَأَمَّا الصَّحْرَاءُ الْغَلِيظَةُ وَالرَّقِيقَةُ ، وَالْكَثِيبُ أَوِ الْغَلِيظُ ، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يُتَيَمَّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَارِ جَائِزٌ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا ، وَهُوَ يَقْضِي عَلَى قَوْلِهِ : مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَيُفَسِّرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَطْيَبُ الصَّعِيدِ أَرْضُ الْحَرِثِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيُّ الصَّعِيدِ أَطْيَبُ ؟ فَقَالَ : الْحَرْثُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ :
قَتْلَى حَنِيطُهُمُ الصَّعِيدُ وَغُسْلُهُمْ
نَجْعُ التَّرَائِبِ وَالرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ - عِنْدِي - مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ رِيعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ طَهُورًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ . وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ التَّيَمُّمِ بِالسِّبَاخِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُتَيَمَّمُ بِتُرَابِ السَّبْخَةِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ فِي طِينٍ . قَالَ : يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ فَيَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَلَا الْحَدَثَ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ، وَأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِلْجَنَابَةِ أَوِ الْحَدَثِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَادَ جُنُبًا كَمَا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا ، وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَوَجَدَ الْمَاءَ ، وَقَدْ كَانَ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي رَحْلِهِ - أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ إِذَا تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَلَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْمَاءَ إِذَا وَجَدَهُ الْمُتَيَمِّمُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ ، وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَنَّهُ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ صَلَاةً بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ إِلَّا شُذُوذ . رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - أَنَّهُ يُصَلِّي بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ وَيُجْزِيهِ ، فَإِذَا فَرَغَ وَوَجَدَ الْمَاءَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَقْطَعُهَا لِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الْمَاءِ إِذْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِذَلِكَ ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ ; لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ ; لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِفَرْضٍ آخَرَ عَنْ طَلَبِ الْمَاءِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ طَلَبُهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ ، وَلَمْ تَثْبُتْ سُنَّةٌ بِقَطْعِهَا وَلَا إِجْمَاعٌ ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ حَدَثٌ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْجُنُبُ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يَعُودُ كَالْمُحْدِثِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْوُضُوءُ ، وَالْبِنَاءُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا صَلَّى كَسَائِرِ الْمُحْدِثِينَ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَجَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ رَآهُ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، قَطَعَ وَخَرَجَ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ فِي الْغُسْلِ ، وَاسْتَقْبَلَ صَلَاتَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، كَانَ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ عَمَلُهَا بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، وَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَتْ كُلُّهَا ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ لَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْهَا إِلَّا أَقَلُّهَا ، ثُمَّ تَحِيضُ ، أَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ ; قَالُوا : وَالَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ ، وَلِلْفَرِيقَيْنِ ضُرُوبٌ مِنَ الْحُجَجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يطول ذِكْرُهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ إِذَا عُدِمَ الْمَاءُ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ شَدِيدٍ ، أَوْ خَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ فِي شَرْطِ التَّيَمُّمِ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِيمَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، وَالْحَاضِرُونَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الْمَاءِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْحَاضِرُ الْمَاءَ أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانَعٌ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِلصَّلَاةِ لِيُدْرِكَ وَقْتَهَا ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِإِدْرَاكِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَخَوْفِ فَوْتِهِ ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهِ بِالتَّيَمُّمِ حِفْظًا لِلْوَقْتِ وَمُرَاعَاتِهِ ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ : الْمُسَافِرُ بِالنَّصِّ ، وَالْحَاضِرُ بِالْمَعْنَى ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ بِالنَّصِّ ، وَالصَّحِيحُ بِالْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ; إِلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ : لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ لَا لِمَرَضٍ ، وَلَا لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَحَجَّةُ هَؤُلَاءِ : أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّيَمُّمَ رُخْصَةً لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ كَالْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِشَرْطِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ ، فَلَا دُخُولَ لِلْحَاضِرِ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنْ شَرْطِ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ ، وَالْكَلَامُ بَيْنَ الْفَرْقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ، والليث ، وَالطَّبَرِيُّ : إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ مَعَ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ لِلصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ أَعَادَ . فَصْلٌ ، التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَرِيضُ أَوِ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ ; إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَرِيضُ ذَهَابَ نَفْسِهِ ، وَتَلَفَ مُهْجَتِهِ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ ; إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
وَقَدْ أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّيَمُّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُسَافِرٌ إِذْ خَافَ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ ، فَالْمَرِيضُ أَحْرَى بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَلَا غَيْرُ الْمَرِيضِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
فَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ لِأَحَدٍ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ ، وَلَوْلَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا رُوِيَ مِنَ الْأَثَرِ ، كَانَ قَوْلُ عَطَاءٍ صَحِيحًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي التَّيَمُّمِ : هَلْ تُصَلَّى بِهِ صَلَوَاتٌ أَمْ يَلْزَمُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يُصَلِّي نَافِلَةً وَمَكْتُوبَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ; إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ . قَالَ : وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِتَيَمُّمِ الْفَجْرِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فرض ويصلي النَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ ، وَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ . وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ فَصَلَّاهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْهَا ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا ، أنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، فَرَوَى يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ صَلَّى صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، أَنَّهُ يُعِيدُ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ فِي الْوَقْتِ ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا . وَرَوَى أَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ عَنْهُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا أَبَدًا ، وَقَالَ أَصْبَغُ : إِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَتَا مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ الْآخِرَةَ فِي الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مُشْتَرِكَتَيْنِ كَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي ذَاكِرِ الصَّلَوَاتِ : إِنْ قَضَاهُنَّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ضُرُوبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ رَأَى التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ : أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ طَلَبَ الْمَاءِ ، وَأَوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِهِ التَّيَمُّمَ ، وَعَلَى الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مَا عَلَيْهِ فِي الْأُولَى ، وَلَيْسَتِ الطَّهَارَةُ بِالصَّعِيدِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ; لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ ، طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بُطْلَانِهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا قَدْ وَرَدَتْ بِجَوَازِ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بِالْمَاءِ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ الثَّانِيَ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِطَلَبِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِذَا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ :
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، لِئَلَّا تَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَدَاوُدُ : يُصَلِّي مَا شَاءَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ ; لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ إِذَا يَئِسَ مِنْهُ ، وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ يَطُولُ الْبَابُ بِذِكْرِهَا ، وَفِي التَّيَمُّمِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ هِيَ فُرُوعٌ ، لَوْ أَتَيْنَا بِهَا خَرَجْنَا عَنْ شَرْطِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .