الْحَدِيثُ السَّادِسُ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ
حَدِيثٌ سَادِسٌ لِلْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَإِسْحَاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ، وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ؛ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ . هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، أَجَلُّهَا مَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ، وَائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْدِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمَعْمَرٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالُوا : وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ : وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . وَجَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَأَتِمُّوا . وَكَذَلِكَ رَوَى ابن مسعود وأبو قَتَادَةَ ، وَأَنَسٌ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَتِمُّوا . وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : فَأَتِمُّوا ، وَ: فَاقْضُوا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ ، وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَاقْضُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالتَّثْوِيبِ هَاهُنَا الْإِقَامَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَقَدْ بَانَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّثْوِيبَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ هُوَ الْإِقَامَةُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ . فَالسَّعْيُ هَاهُنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْمَشْيُ بِسُرْعَةٍ وَالِاشْتِدَادُ فِيهِ ، وَالْهَرْوَلَةُ . هَذَا هُوَ السَّعْيُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ السَّعْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَمَلُ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ :
وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا
وَ
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
وَنَحْوُ هَذَا كَثِيرٌ . ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : السَّعْيُ : الْعَمَلُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ ، فَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طُرُقٍ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُهَرْوِلُ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَنْهُ لِينٌ وَضَعْفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَوْ قَرَأْتُ فَاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَائِي وَكَانَ يَقْرَأُ : فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهِيَ قِرَاءَةُ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَحَقُّ مَا سَعَيْنَا إِلَيْهِ الصَّلَاةُ . رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ . وَرُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُهَرْوِلُونَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْفَوْتَ سَعَى وَمَنْ لَمْ يَخَفْ مَشَى عَلَى هَيْئَتِهِ . وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنَّا لَنُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَى . وَرَوَى أَبُو الْأَشْهَبِ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعْتُ فِي الْمَشْيِ فَحَبَسَنِي . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَامْشِ إِلَيْهَا كَمَا كُنْتَ تَمْشِي ، فَصَلِّ مَا أَدْرَكْتَ ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَرَى وَعَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ - جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ قَالَ : سُئِلَ مَالِكٌ ، عَنِ الْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا أُقِيمَتْ ؟ قَالَ : لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا مَا لَمْ يَسْعَ أَوْ يَخِبَّ . قَالَ : وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الْحَرَسِ فَيَسْمَعُ مُؤَذِّنَ الْمَغْرِبِ فِي الْحَرَسِ فَيُحَرِّكُ فَرَسَهُ لِيُدْرِكَ الصَّلَاةَ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِذَا خَافَ فَوَاتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْعَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا زَجَرَ عَنِ السَّعْيِ مَنْ خَافَ الْفَوْتَ ، قَالَ : فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَأْتِيَ الصَّلَاةَ مَنْ خَافَ فَوْتَهَا ، وَمَنْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ فَالْوَقَارُ ، وَالسَّكِينَةُ ، وَتَرْكُ السَّعْيِ ، وَتَقْرِيبُ الْخُطَا لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الْحُجَّةُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا عَلَى مَا رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ الْمُصَلِّي مَعَ إِمَامِهِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : فَأَمَّا مَالِكٌ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيمَا أَدْرَكَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، هَلْ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ أَوْ آخِرُهَا ، فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : أَنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ . وَقَالَ ابْنُ خُوَازِ بنْدَادَ : وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَرَوَى أَشْهَبُ : وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا حَكَى ابْنُ خُوَازِ بنْدَادَ ، عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الَّذِي يَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ يَقْرَأُ فِيهَا ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا مَعَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، ثُمَّ يَقُومُ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَيَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَسُورَةٍ فِيمَا يَقْضِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذَا الْمَذْهَبِ الدَّعْوَى عَلَى مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، بَلِ الظَّاهِرُ الصَّحِيحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا أَدْرَكَ آخِرُ صَلَاتِهِ ، وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَبْنِي فِيهِ عَلَى صَلَاةِ نَفْسِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا حَيْثُ يَجِبُ لَهُ إِذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنْ قَالَ : مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقِرَاءَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ الْأَوْزَاعِيُّ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَأَظُنُّهُمْ رَاعَوْا الْإِحْرَامَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، وَالتَّشَهُّدُ ، وَالتَّسْلِيمُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي آخِرِهَا ، فَمِنْ هَاهُنَا قَالُوا : إِنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَصْنَعُ فِيمَا يَقْضِي مِثْلَ مَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ فِيهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ - فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ : أَوَّلُ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِكَ ، وَآخِرُ صَلَاةِ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِكَ ، إِذَا فَاتَكَ بَعْضُ صَلَاتِهِ . وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ فَقَالُوا : مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ يَقْرَأُ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ بـِ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) وَسُورَةٍ ، إِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مَعَهُ ، وَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ قَرَأَ ( بِالْحَمْدُ لِلَّهِ ) وَحْدَهَا فِيمَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ ، فَهَؤُلَاءِ اطَّرَدَ عَلَى أَصْلِهِمْ قَوْلُهُمْ وَفِعْلُهُمْ . وَأَمَّا السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ بِأَسَانِيدَ ضِعَافٍ : مَا أَدْرَكْتَ فَاجْعَلْهُ آخِرَ صَلَاتِكَ . وَثَبَتَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا أَدْرَكْتَ فَاجْعَلْهُ أَوَّلَ صَلَاتِكَ . وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِهِمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ نَصٌّ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْتَ فَاجْعَلْهُ آخِرَ صَلَاتِكَ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ ذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ مَالِكًا ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَأَحْمَدَ بِهَذَا يَقُولُونَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْقَضَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ، قَالُوا : وَالتَّمَامُ هُوَ الْآخِرُ ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِقَوْلِهِ : وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا قَالُوا : وَالَّذِي يَقْضِيهِ هُوَ الْفَائِتُ . وَالْحُجَجُ مُتَسَاوِيَةٌ لِكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَالنَّظَرِ ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى : فَأَتِمُّوا أَكْثَرُ . وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ فِيهِ ، وَيَسْتَقِيمُ إِلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالْمُزَنِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَسْقَطَ سُنَّةَ الْجَهْرِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَسُنَّةَ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ إِمَامَهُ قَدْ جَاءَ بِذَلِكَ ، وَحَصَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى سُنَّتِهَا فِي سِرِّهَا وَجَهْرِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا ، وَإِنَّمَا هَذَا كَرَجُلٍ أَحْرَمَ ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ ، ثُمَّ انْحَنَى ، فَلَا يُقَالُ لَهُ : أَسْقَطْتَ سُنَّةَ الْوُقُوفِ ، وَالْقِرَاءَةِ ، وَكَرَجُلٍ أَدْرَكَ مَعَ إِمَامِهِ رَكْعَةً فَجَلَسَ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ قِيَامِهِ ، أَوِ انْفَرَدَ ، فَلَا يُقَالُ لَهُ : أَسَأْتَ أَوْ أَسْقَطْتَ شَيْئًا ، وَحَسْبُهُ إِذَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى سُنَّةِ آخِرِهَا ، مَا سَبَقَهُ إِمَامُهُ فِي أَوَّلِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ إِمَامِهِ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : يَجْعَلُ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ ، وَمَنْ قَالَ يَجْعَلُهُ آخِرَ صَلَاتِهِ ، أَيُّ شَيْءٍ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : مِنْ أَجْلِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا يَقْضِي ، قُلْتُ لَهُ : فَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى أَيِّ الْقَوْلَيْنِ يَدُلُّ عِنْدَكَ ؟ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ ، وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ ، وَقَدِ احْتَجَّ دَاوُدُ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي التَّشَهُّدِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ، أَوْ : فَاقْضُوا قَالُوا : فَالَّذِي فَاتَهُ رَكْعَتَانِ لَا أَرْبَعٌ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَعَمْرِي إِنَّ هَذَا لَوَجْهٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُعَارِضُهُ وَيَنْقُضُهُ ، لَكِنْ لَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كَانَ فِي هَذَا الْقَوْلِ دَلِيلٌ كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْجُمُعَةَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، عَلَى أَنَّ دَاوُدَ قَدْ جَعَلَ مِثْلَ هَذَا الدَّلِيلِ أَصْلًا جَارِيًا فِي الْأَحْكَامِ ، وَتَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ هَاهُنَا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .