الْحَدِيثُ التَّاسِعُ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِلْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ؛ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، قَالُوا : فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا بَنِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَأَبُو أُمَامَةَ هَذَا لَيْسَ هُوَ أَبَو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ ، إِنَّمَا هُوَ أَبُو أُمَامَةَ الْحَارِثِيُّ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ ، قِيلَ : اسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ بْنُ سُهَيْلٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ وَهِيَ يَمِينُ الصَّبْرِ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ أَوْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ نَزَلَتْ :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ ، وَجَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ وَبَعْضُهُمْ قَالَ فِيهِ : ( وَبَيْنَ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ) أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَيَحْلِفُ صَاحِبُكَ ، فَقُلْتُ : إِذَنْ يَذْهَبُ بِمَالِي ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ مُتَعَمِّدًا فِيهَا لِإِثْمٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ ؛ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله بِمَعْنَاهُ . وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ فَرْوَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَرَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . وَرَوَى جَابِرٌ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ عَتِيكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَاهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ هَذَا فَيُرْوَى مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ وَغَيْرِهِ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ ؛ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مَنْ أَرَاكٍ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَأْسٍ - إِمْلَاءً - قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ الْأَوْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْتَطِعُ رَجُلٌ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ . كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الشَّيْخِ خَلَفِ بْنِ جَعْفَرٍ : مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَمَنْ قَالَ : الْقُرَظِيُّ ، فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَإِعْرَابِهِ وَمَعَانِيهِ الْكِتَابِ الْكَبِيرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَقْتَطِعُ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبَتًا ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبُوهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهَ إِلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ، قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَأَبُوكَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَخُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قُعُودًا عِنْدَ هَذِهِ السَّارِيَةِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى مَالِ الْآخَرِ كَاذِبًا يَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَذَاكَرُ ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ ؟ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، كُنَّا نَذْكُرُ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى مَالِ الْآخَرِ فَيَقْتَطِعُهُ بِيَمِينِهِ كَاذِبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَيُّمَا رَجُلٍ حَلَفَ كَاذِبًا يَعْنِي عَلَى مَالٍ فَاقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ ؛ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَقْتَطِعُ رَجُلٌ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِيَمِينِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَخَلَطَ فِي إِسْنَادِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ فِيهِ : مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فَخَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ ، فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ مِنَ الْكَبَائِرِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ نصا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ إِذَا لَمْ يُقْتَطَعْ بِهَا مَالُ أَحَدٍ ، وَلَمْ يُحْلَفْ بِهَا عَلَى مَالٍ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْوَعِيدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تُسَمَّى غَمُوسًا على القرب ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هِيَ كَذْبَةٌ وَلَا كَفَّارَةَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فِيهَا إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَطَائِفَةٌ يَرَوْنَ فِيهَا الْكَفَّارَةَ . وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ لَهَا ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، وَبَعْضُ التَّابِعِينَ فِيمَا حَكَى الْمَرْوَزِيُّ يَقُولُونَ : إِنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي حِنْثِهِ ، فَإِنِ اقْتَطَعَ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ فَلَا كَفَّارَةَ لِذَلِكَ إِلَّا أَدَاءُ ذَلِكَ ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ لِصَاحِبِهِ ، ثُمَّ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا اقْتَطَعَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ ثُمَّ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ، وَيَسْتَغْفِرُهُ وَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا عِنْدَهُمْ فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ إِذَا حَلَفَ بِهَا صَاحِبُهَا عَمْدًا مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَاضِي أَبَدًا ، وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ ( فِي ) مِنَ الْأَفْعَالِ فَلَا ، وَسَنَذْكُرُ وُجُوهَ الْأَيْمَانِ الَّتِي تُكَفَّرُ وَالَّتِي لَا تُكَفَّرُ ، وَمَعَانِيَهَا فِي بَابِ سُهَيْلٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ رُفَيْعِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ : أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ . وَرَوَى يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ تَلَا
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يَحْلِفُ لِيَقْتَطِعَ مَالَ أَخِيهِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمِسْوَرِ ، وَبُكَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ قَالَ : سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ حِينَ حَلَفَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُنَافِقٌ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
قَالَ : هِيَ الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ . قَالَ : وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ . وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، ثُمَّ تَلَا
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْعَلَاءِ حَدِيثًا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَالِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مُنْفِقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ، مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ .