الْحَدِيثُ الْخَامِسُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ
حَدِيثٌ خَامِسٌ لِسُمَيٍّ مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِذَا قِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ يَعْدِلُ عَشْرَ رِقَابٍ إِلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ ؟ وَهَذَا أَمْرٌ كَثِيرٌ ، فَسُبْحَانَ الْمُتَفَضِّلِ الْمُنْعِمِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ! . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ : أَلَا أَدُلُّكُمْ ، أَوْ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ ، وَخَيْرٍ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ . وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . وَقَالُوا : ذِكْرُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
هِيَ قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا
فَحَسْبُكَ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ فَضْلِ الذِّكْرِ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَحَبَّبَ إِلَيْنَا طَاعَتَهُ ، وَأَعَانَنَا عَلَيْهَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ، آمِينَ . وَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الْكَلَامَ بِالْخَيْرِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَأَعْمَالِ الْبِرِّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ كُلُّهُ ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَإِنَّمَا الصَّمْتُ الْمَحْمُودُ الصَّمْتُ عَنِ الْبَاطِلِ . ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
قَالَ : عَنِ الْبَاطِلِ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ :
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
قَالَ : لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، وَلَا يُمَالِئُونَهُمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا أُوذُوا صَفَحُوا . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ أُمِّ صَالِحٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَلَامُ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ خُنَيْسٍ : فَتَعَجَّبَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : مِمَّ تَعْجَبُونَ ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ :
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
وَقَالَ
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا
؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْكَلَامَ بِالْخَيْرِ وَالذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ ، أَنَّ فَضَائِلَ الذِّكْرِ الثَّابِتَةَ فِي الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَسْتَحِقُّهَا الصَّامِتُ . رَوَى شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ إِذَا أَصْبَحَ ، وَمِائَةَ مَرَّةٍ إِذَا أَمْسَى ، لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ .