الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ
حَدِيثٌ ثَانِيَ عَشَرَ لِسُمَيٍّ مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ ، وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرَجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ ، أَوْ مِنَ الْحَرِّ ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ ، فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ ، فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ . هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعُ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ هَذَا عَامَ الْفَتْحِ كَانَ فِي رَمَضَانَ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَفِي صَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يَصُومُ أَحَدٌ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، وَجَعَلَ الْفِطْرَ عَزْمَةً مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
يَقُولُ : إِنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَصُومُ فِي سَفَرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنْهُ صِيَامَ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عُبَيْدَةَ ، وَسُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ ، وَكَانَ أَبُو مَجَازٍ يَقُولُ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَعَلَى إِجَازَةِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ ، فَصَامَ حَتَّى أَتَى عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ، أَوْ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ ، يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالسُّنَّةُ تَرُدُّهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، وَبَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالْعَمَلِ وَالنُّهُوضِ فِي سَفَرِهِ ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ فِي السَّفَرِ كَالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عمل ، وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى أَنْ يُسَافِرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي السَّفَرِ ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْمُسَافِرِ ، وَيَبْرُزَ عَنِ الْحَضَرِ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامُ الْمُسَافِرِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي الَّذِي يُؤَمِّلُ السَّفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْحَضَرِ حَتَّى يَخْرُجَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذَا إِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ : فَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ سَافَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُسَافِرْ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، قَالَ : وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ . قَالَ : وَقَالَ سَحْنُونُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ : غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي فَتُفْطِرُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ : لَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُحْدِثُ السَّفَرَ إِذَا شَاءَ ، وَالْمَرْأَةُ لَا تُحْدِثُ الْحَيْضَةَ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي سَبَبِ الْحَرَكَةِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغَ ، وَعَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، فَإِنْ عَاقَهُ عَنِ السَّفَرِ عَائِقٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَنْجُوَ إِنْ سَافَرَ . وَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِي فِطْرِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يُصْبِحُ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَافِرُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَيَنْهَضُ فِي سَفَرِهِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنْ لَا يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَاخْتَلَفُوا إِنْ فَعَلَ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ : يَقْضِي وَلَا يُكَفِّرُ ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ ، وَالْمَخْزُومِيِّ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمَا هَذَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُمْ : لَا يُفْطِرُ اسْتِحْبَابًا لِتَمَامِ مَا عَقَدَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا وَجْهَ لَهَا ، وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَقَدْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُفْطِرُ إِنْ شَاءَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ، قَالَ أَحْمَدُ : يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ عَنِ الْبُيُوتِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : يُفْطِرُ حِينَ يَضَعُ رِجْلَهُ فِي الرَّحْلِ . وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ إِنْ شَاءَ يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْحَسَنِ شَاذٌّ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ حَاضِرٌ ، لَا فِي نَظَرٍ وَلَا فِي أَثَرٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ خِلَافُ ذَلِكَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَفْطَرَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ، فَيَصُومُ ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ . وَعَلَى ذَلِكَ مَذَاهِبُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : إِنْ صَحَّ حَدِيثُ الْكَدِيدِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ فِي سَفَرِهِ . وَرَوَى الْمَدِينِيُّ عَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرَى الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ أَيْضًا : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ قَزْعَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : آذَنَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ بِالرَّحِيلِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجْنَا صُوَّامًا حَتَّى بَلَغْنَا الْكَدِيدَ ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِطْرِ وَأَصْبَحَ النَّاسُ شَرْجَيْنِ : مِنْهُمُ الصَّائِمُ ، وَمِنْهُمُ الْمُفْطِرُ ، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الظَّهْرَانَ ، آذَنَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَأَمَرَنَا بِالْفِطْرِ ، فَأَفْطَرْنَا أَجْمَعِينَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَعْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا يَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ : فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ ، قَالَ : فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، ثم نَظَر النَّاسِ ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ : أَفْطِرُوا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِي ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَاحَ النَّاسُ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ فَشَرِبَ ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ ، وَصَامَ بَعْضٌ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ مُخْتَارًا لَهُ فِي رَمَضَانَ ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ فِي السَّفَرِ قَطُّ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ أَفْطَرَ حِينَ أَمْسَى ، فَقُلْتُ لَهُ : أَكُنْتَ صَائِمًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ أَرَى أَنِّي سَأَدْخُلُ مَكَّةَ الْيَوْمَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ صِيَامًا وَأَنَا مُفْطِرٌ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ يَكُونُ مُفْطِرًا فِي سَفَرِهِ ، وَيَدْخُلُ الْحَضَرَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ وَدَاوُدَ فِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ - وَقَدْ أَفْطَرُوا فِي السَّفَرِ ، أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ وَلَا يُمْسِكَانِ . قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : وَلَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَسْتَتِرَا بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ خَوْفَ التُّهَمَةِ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ قَدِ اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فَجَامَعَهَا . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ . قَالَ سُفْيَانُ : هُوَ كَصَنِيعِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ . وَلَمْ يَذْكُرْ سُفْيَانُ عَنْ نَفْسِهِ خِلَافًا لَهُمَا . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : الْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ وَقَدْ أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ : أَنَّهُمَا يُمْسِكَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ . وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنْ قَالَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ غُمَّ عَلَيْهِ هِلَالُ رَمَضَانَ فَأَكَلَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالْمُسَافِرُ . وَفَرَّقَ ابْنُ شُبْرُمَةَ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فَقَالَ فِي الْحَائِضِ : تَأْكُلُ وَلَا تَصُومُ إِذَا طَهُرَتْ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا ، وَالْمُسَافِرُ إِذَا قَدِمَ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا يَصُومُ يَوْمَهُ وَيَقْضِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الَّذِي يُصْبِحُ مُفْطِرًا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ - يَظُنُّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَيَأْكُلُ ، ثُمَّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ الثَّبَتُ أَنَّهُ رَمَضَانُ - أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ - إِنْ شَاءَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرُ عَطَاءٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ التَّوْفِيقِ .