الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ
حَدِيثٌ أَوَّلُ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يَفِيضُ الْمَاءُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفِيَّةُ غُسْلِ الْمُغْتَسِلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَفِيهِ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ ، فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ ، إِلَّا أَنَّ الْمُغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَرَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَسَائِرَ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ ، وَأَسْبَغَ ذَلِكَ وَأَكْمَلَهُ بِالْغُسْلِ وَمُرُورِ يَدَيْهِ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ الْغُسْلَ وَنَوَاهُ وَتَمَّ غُسْلُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
وَقَوْلُهُ :
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا
وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ ؛ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْلِ وَأَهْذَبُ فِيهِ ، وَأَمَّا بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَا . وَرَوَى أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ : فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ صَبَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَيُّوبُ : فَقُلْتُ لِهِشَامٍ : فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ؟ فَقَالَ : وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ ، يَعْنِي كَفَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْوُضُوءُ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا بَعْدَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَرَوَى جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْأُسُودُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَصْفَهَا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجَنَابَةِ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ ، وَفِي حَدِيثِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُؤوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ . قَالَ الْأَعْمَشُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا ، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ . هَذَا الْحَدِيثُ لِصِحَّتِهِ يَرُدُّ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ سَبْعًا وَفَرْجَهُ سَبْعًا ، وَشُعْبَةُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً . وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِينٌ ، وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ قَدْ خَرَّجَهُ ، وَخَرَّجَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بَدَأَ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ ، وَلَا إِعَادَةُ الْمَضْمَضَةِ وَلَا الِاسْتِنْشَاقِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُعَادُ ، مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ . وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّخْلِيلَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا فِيهِ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ فِيهِ شَعْرَ رَأْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ ، وَيَعُمُّ جَسَدَهُ وَرَأْسَهُ كُلَّهُ بِالْغَسْلِ ، أَوْ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ ، وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَ جَسَدِهِ دُونَ أَنْ يَتَدَلَّكَ ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَتَدَلَّكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالِاغْتِسَالِ كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِ الْجُنُبِ وَرَأْسِهِ فِي حُكْمِ وَجْهِ الْمُتَوَضِّئِ وَحُكْمِ يَدَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارُهُ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَلَ جَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِافْتِعَالُ ، وَمَتَى لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ صَبِّ الْمَاءِ ، وَلَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ غَاسِلًا ، بَلْ يُسَمُّونَهُ صَابًّا لِلْمَاءِ وَمُنْغَمِسًا فِيهِ ، قَالَ : وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبُلُّوا وَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ قَالَ : وَإِنْقَاؤُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُتْبِعِهِ عَلَى حَدِّ مَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَتَخْرِيجُ هَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ مِنَ الْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ وَصَابِّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يَسْلِمَانِ مِنْ تَنَكُّبِ الْمَاءِ - مَوَاضِعَ الْمُبَالَغَةِ الْمَأْمُورَ بِهَا ، وَجَبَ لِذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُمِرَّا أَيْدِيَهُمَا ، قَالَ : فَأَمَّا إِنْ طَالَ مُكْثُ الْإِنْسَانِ فِي مَاءٍ ، أَوْ وَالَى بَيْنَ صَبِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ ، فَإِنَّهُ يَنُوبُ لَهُ عَنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ ، قَالَ : وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ ، وَقَدْ عَادَ إِلَى جَوَازِ الْغُسْلِ لِلْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ إِذَا أَسْبَغَ وَعَمَّ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ رَجُلٍ اغْتَمَسَ فِي مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى ؟ قَالَ : مَضَتْ صِلَاتُهُ . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَتَدَلَّكْ وَلَا تَوَضَّأَ ، وَقَدْ أَجْزَأَهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ التَّدَلُّكِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خِلَافُهُ . ذَكَرَ دُحَيْمٌ عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : إِذَا اغْتَسَلْتَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَادْلُكْ جِلْدَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ نَالَتْهُ يَدُكَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي نَهْرٍ قَالَ : يُجْزِيهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ جُنُبٍ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي نَهْرٍ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنِ انْغَمَسَ مَكَانَهُ ، قَالَ : يُجْزِيهِ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالُوا : إِذَا اغْتَمَسَ الْجُنُبُ فِي نَهْرٍ اغْتِمَاسَةً أَجْزَأَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِي الْجُنُبَ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَطَاءٍ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، فَعَمَّ الْمَاءُ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَنَوَى بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ أَجْزَأَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَدِ اغْتَسَلَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ . وَقَدْ حَكَتْ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ صِفَةَ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ التَّدَلُّكَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لِنُقِلَ عَنْهُ كَمَا نُقِلَ تَخْلِيلُ أُصُولِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ وَغَرْفُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : عَاصِمٌ ، أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ : أَمَّا الْغُسْلُ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَادْلُكْهُ ، ثُمَّ أَفِضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَصِفَةُ غُسْلِهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهَا : وَأَمَّا نَحْنُ فَنُفِيضُ عَلَى رُؤوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ . وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَمْرَهُ النِّسَاءَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤوسَهُنَّ عِنْدَ الْغُسْلِ وَقَالَتْ : مَا كُنْتُ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي ( الزُّبَيْرِ ) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ بَلَغَهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأَنْقُضُ رَأْسِي عِنْدَ الْغُسْلِ ؟ فَقَالَ : يَكْفِيكِ أَنْ تَصُبِّي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لِكُلِّ صَبَّةٍ عَصْرَةٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ : اغْتِسَالُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَيْضِ كَاغْتِسَالِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَا تَنْقُضُ رَأْسَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ فِي غُسْلِهِ وَيُتْبِعُ ذَلِكَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي شَعْرٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ حَتَّى يُوَصِّلَ الْمَاءَ إِلَى الْبَشَرَةِ ، وَيَجْرِيَ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ، وَيُرْوَى : الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ فَلَا وَجْهَ لِنَقْضِ الشَّعْرِ حِينَئِذٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ قَالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا . وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ : وَأَنْقُوا الْبَشَرَ إِنَّهُ أَرَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ وَتَضَاعِيفَهُ ، وَأَنَّهُ كَنَّى بِالْبَشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ ، وَمَا رَأَيْتُ هَذَا التَّفْسِيرَ لِغَيْرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَدِيثُ : فَأَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ يَدُورُ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَأَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ يَقُولُ : مَا مَسَّ الْمَاءُ مِنْكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَقَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَكَانُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ وَفِي الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، والليث ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُجْزِئُ الطِّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَلَا التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
وَالْإِخْلَاصُ : النِّيَّةُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ ، وَالْقَصْدُ بِأَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : تُجْزِئُ كُلُّ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ . وَرَوَى أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ - وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُعَلِّمُ أَحَدًا التَّيَمُّمَ وَلَا يَنْوِي التَّيَمُّمَ لِنَفْسِهِ - فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، قَالَ : يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ كَانَ طَاهِرًا . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : إِذَا عَلَّمْتَ الرَّجُلَ التَّيَمُّمَ لَمْ يُجْزِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَيْتَهُ ، وَإِنْ عَلَّمْتَهُ الْوُضُوءَ أَجْزَأَكَ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَاخْتُلِفَ عَنْ زُفَرَ فِي التَّيَمُّمِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَحَجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ النِّيَّةَ وَلَمْ يُرَاعِهَا فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ فِيهِ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ ، فَيَحْتَاجُ الْمُتَوَضِّئُ فِيهِ إِلَى نِيَّةٍ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ ؛ لِيُفَرِّقَ بِالنِّيَّةِ بَيْنَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَهُوَ فَرْضٌ لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ ، وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا لِذَلِكَ ، فَاسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ ، قَالُوا : وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ ، وَمَنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ ، فَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَهِيَ طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ فَرْضًا عِنْدَهُمْ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ الصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا تُجْزِئُ طَهَارَةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَصْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَاتِ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِقَصْدِ أَدَائِهَا ، وَلَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَاعِلًا إِلَّا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى الْفِعْلِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتَأَدَّى عَنِ الْمَرْءِ مَا لَمْ يَقْصِدْ إِلَى أَدَائِهِ وَيَنْوِيهِ بِفِعْلِهِ ، وَأَيُّ تَقَرُّبٍ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُتَقَرِّبٍ وَلَا قَاصِدٍ ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّتُهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ جَنُبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتُهُ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُجْزِيهِ ؛ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَبَاحَتِهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْحَدَثِ وَنَوْعِهِ ، كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حَدَثَ الْبَوْلِ مِنَ الْغَائِطِ مِنَ الرِّيحِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُجْزِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، فَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، مِنْهُمْ : أَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُجْزِئُ الْجُنُبَ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتَهُ ، وَلَا يُجْزِيهِ عَنِ الْجَنَابَةِ إِلَّا الْغُسْلُ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ لَهَا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَنِيَّةٍ ، وَرَفْعٌ لِجَنَابَتِهِ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ وَذِكْرِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَاسْتِحْبَابٌ ، وَمُحَالٌ أَنْ تُجْزِئَ سُنَّةٌ عَنْ فَرْضٍ كَمَا لَا تُجْزِئُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّ فِي النَّظَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، فَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ هَاهُنَا ، وَعِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ : حَدِيثَ هِشَامٍ ، وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ ، أَوِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى الشَّكِّ ، وَلَمْ يَقُلْ لَفْظَهُمَا .