الْحَدِيثُ الرَّابِعُ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا ، ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : خَسَفَتْ : إِذَا ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَلَوْنُهَا ، وَكَسَفَتْ : إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهَا . يُقَالُ : بِئْرٌ خَسِيفٌ إِذَا ذَهَبَ مَاؤُهَا ، وَفُلَانٌ كَاسِفُ اللَّوْنِ ، أَيْ : مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ وَاحِدًا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْمَعَانِي مُمَهَّدًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ فِي الْكُسُوفِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا خُطْبَةَ فِي الْخُسُوفِ ، وَالْحَجَّةُ لَهُمْ أَنَّ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ إِنَّمَا كَانَتْ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَطَبَهُمْ لِيُعْلِمَهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : فِي أَنَّ الْقَمَرَ يُصَلَّى لِكُسُوفِهِ ، كَمَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ فِي جَمَاعَةٍ وَعَلَى هَيْئَتِهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ خُسُوفِهِمَا ، وَلَمْ يَخُصَّ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ ، وَصَلَّى عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ ، فَكَانَ الْقَمَرُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عِنْدَ كُسُوفِهِ ؛ إِذْ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَمَرِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُصَلِّي النَّاسُ عِنْدَ كُسُوفِ الْقَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : لَا يُجَمَّعُ فِيهَا ، وَلَكِنْ يُصَلُّونَهَا مُنْفَرِدِينَ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالطَّبَرِيُّ : الصَّلَاةُ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَوَاءٌ ، عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ رَكْعَتَانِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ جَمَاعَةٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مُهَذَّبَةً فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .