الْحَدِيثُ السَّادِسُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ
حَدِيثٌ سَادِسٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ . ذَكَرَ قَوْمٌ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ رَكَعَاتٍ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَوُهَيْبٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ، وَأَكْثَرُ الْحُفَّاظِ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ هِشَامٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُ رِوَايَةَ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهَا وَلَا فِي مَتْنِهَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَهُوَ قَاضٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا كَانَ ظَاهِرُهُ خِلَافَهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا ، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ ، وَأَخْبَرْنَا بِالْوَجْهِ الْمُخْتَارِ الصَّحِيحِ عِنْدَنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلَا وَجْهَ لِتَكْرَارِ ذَلِكَ هَاهُنَا .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرِّوَايَةُ الْمُخَالِفَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا لِرِوَايَةِ مَالِكٍ فِيهِ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ هِشَامٌ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْعِرَاقِ أَصَحُّ عِنْدَهُمْ ، وَلَقَدْ حَكَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي النَّوْمِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، فَقَالَ : أَمَّا مَا حَدَّثَ بِهِ عِنْدَنَا - يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، فَكَأَنَّهُ يُصَحِّحُهُ - ، وَأَمَّا مَا حَدَّثَ بِهِ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا ، فَكَأَنَّهُ يُوهِنُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مِمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا ، وَهُمَا عِنْدَنَا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ السُّنَنِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ فِي بَابِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ آخِرُهَا الْوِتْرُ إِمَّا بِوَاحِدَةٍ وَإِمَّا بِثَلَاثٍ ، وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى حَسْبِمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَبَابِ نَافِعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَفِيهِ النِّدَاءُ لِلصُّبْحِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَتَخْفِيفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ التَّوْفِيقُ .