الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ مَنْ عَرَفَةَ ؟ فَقَالَ : كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ . قَالَ هِشَامٌ : وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : فُرْجَةً ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو الْمُصْعَبِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ : ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَالْقَعْنَبِيُّ : فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً ، وَالْفَجْوَةُ وَالْفُرْجَةُ سَوَاءٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ ، وَهُوَ شَيْءٌ يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَامْتِثَالُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَاجِّ فَمَنْ دُونَهُمْ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِعْجَالِ السَّيْرِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ اسْتِعْجَالُ الصَّلَاةِ بِهَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ وَتِلْكَ سُنَّتُهُمَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَمَنْ قَصَّرَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ فَقَدْ أَسَاءَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا حُكْمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَالْعَنَقُ مَشْيٌ مَعْرُوفٌ لِلدَّوَابِّ لَا يُجْهَلُ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا في غير الدَّوَابَّ قَالَ الشَّاعِرُ :
يَا جَارَتِي يَا طَوِيلَةَ الْعَنَقِ
أَخْرَجْتِنِي بِالصُّدُودِ عَنْ عَنَقِ
وَالنَّصُّ هَاهُنَا كَالْخَبَبِ ، وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ وَأَرْفَعُ فِي الْحَرَكَةِ ، وَأَصْلُ النَّصِّ فِي اللُّغَةِ الرَّفْعُ ، يُقَالُ مِنْهُ : نَصَصَتِ الدَّابَّةُ فِي سَيْرِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ :
أَلَسْتِ الَّتِي كَلَّفْتُهَا سَيْرَ لَيْلَةٍ
مِنْ أَهْلِ مِنًى إِلَى أَهْلِ يَثْرِبَ
وَقَالَ اللَّهَبِيُّ :
يَا رَبِّ بَيْدَاءٌ وَلَيْلٌ دَاجٍ
قَطَّعَتْهُ بِالنَّصِّ وَالْإِدْلَاجِ
وَقَالَ آخَرُ :
وَنُصَّ الْحَدِيثَ إِلَى أَهْلِهِ
فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ فِي نَصِّهِ
أَيِ : ارْفَعْهُ إِلَى أَهْلِهِ وَانْسُبْهُ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : النَّصُّ التَّحْرِيكُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الدَّابَّةِ أَقْصَى سَيْرِهَا . وَأَنْشَدَ قَوْلَ الرَّاجِزِ :
تَقْطَعُ الْخَرْقَ بِسَيْرِ نَصِّ
وَأَمَّا النَّصُّ فِي الشَّرِيعَةِ : فَمَا اسْتَوَى مِنَ خطاب الْقُرْآنِ ، وَغَيْرِهِ : ظَاهِرُهُ مَعَ بَاطِنِهِ ، وَفُهِمَ مُرَادُهُ مِنْ ظَاهِرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : النَّصُّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ ، وَيَسْلَمَ مِنَ الْعِلَلِ ، وَلَهُمْ فِي حُدُودِهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .