الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ
حَدِيثٌ ثَانٍ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . قَدْ ذَكَرْنَا سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ ، فَالْيَمَنُ افْتُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَافْتُتِحَ بَعْضُهَا فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ بِمُقَاتَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْمُتَنَبِّي الْكَذَّابِ بِصَنْعَاءَ ، قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ ، كَمَا قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ فِي بَنِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ قُتِلَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرِيضٌ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ - وَهُوَ الْأَكْثَرُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ . وَأَمَّا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ فَكَانَ افْتِتَاحُهُمَا فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُ غَيْبٌ كَانَ بَعْدَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ ، فَقَدِ افْتُتِحَتْ بَعْدَهُ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَالْيَمَنُ بَعْضُهَا ، وَقَدْ خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْعِرَاقِ ، وَكَانَ مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَبَرُوا بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْيَمَنِ ، وَعَلَى الشَّامِ ، وَعَلَى الْعِرَاقِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفَضْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ لَهَا فَضْلًا مَعْرُوفًا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبَرِهِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا وَمِنْ مَكَّةَ لا غير ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُبِسُّونَ ، فَمَنْ رَوَاهُ يُبِسُّونَ - بِرَفْعِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ - مِنْ أَبَسَّ يَبُسُّ عَلَى الرُّبَاعِيِّ ، فَقَالَ : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبَلَدَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، قَالُوا : وَالْإِبْسَاسُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِبْسَاسِ الْحَلُوبَةِ عِنْدَ حِلَابِهَا كَيْ تَدِرَّ بِاللَّبَنِ ، وَهُوَ أَنْ تُجْرِيَ يَدَكَ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّكَ تُزَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَهَا وَتُحَسِّنُهُ لَهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ :
وَالدَّهْرُ ذُو دُرَّةٍ مِنْ غَيْرِ إِبْسَاسِ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ يُبِسُّونَ بِالرَّفْعِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَفَسَّرَ ابْنُ حَبِيبٍ الْكَلِمَةَ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْسِيرِ ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مِنَ السَّيْرِ كُلَّ الْإِنْكَارِ . وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ : يَبِسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُ ، وَفَسَّرَهُ : يَسِيرُونَ ، قَالَ : مِنْ قَوْلِهِ :
وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا
يَعْنِي : سَارَتْ ، وَيُقَالُ : سَالَتْ . وَذَكَرَ حَبِيبٌ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ تَفْسِيرِ ابْنِ بُكَيْرٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : يَبَسُّونَ : يَدْعُونَ ، وَأَظُنُّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِفَتْحِ الياء وضم الْبَاءِ ، وَرِوَايَةَ ابْنِ بُكَيْرٍ بِكَسْرِهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَالْبَسُّ أَيْضًا : الْمُبَالَغَةُ فِي فَتِّ الشَّيْءِ ، وَمِنْهُ قِيلَ فِي الدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ : الْبَسِيسُ ، قَالَ الرَّاجِزُ :
أَخُبْزًا خُبْزًا وَبَسًّا بَسَّا
يُرِيدُ عَمَلًا بَسِيسًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ غَيْرُهُ : يَبُسُّونَ يُسْرِعُونَ السَّيْرَ ، وَقِيلَ : يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبُلْدَانِ وَيَتَشَفَّوْنَ مِنْ أَخْبَارِهَا لِيَتَحَمَّلُوا إِلَيْهَا ، وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَأَمَّا الرُّبَاعِيُّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا الثُّلَاثِيُّ فَفِيهِ لُغَتَانِ : بَسَّ يَبِسُّ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - ، وَيَبُسُّ بِضَمِّهَا ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدِي : قَتَرَ وَأَقْتَرَ فِيهِ لُغَتَانِ : قَتَرَ عَلَى الثُّلَاثِيِّ ، وَأَقْتَرَ عَلَى الرُّبَاعِيِّ ، وَفِي الثُّلَاثِيِّ لُغَتَانِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ : مِنْهُ يَقْتِرُ بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَيَقْتُرُ بِضَمِّهَا ، وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَوْجَهِ : يُقَتِّرُوا مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَيَقْتُرُوا مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَيَقْتِرُوا مِنْهُ أَيْضًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي يَبِسُّونَ عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا الَّذِينَ اعْتَمَدْنَا عَلَيْهِمْ فِي التَّقْيِيدِ ، فَعَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَفَسَّرُوهُ : يَسِيرُونَ عَلَى نَحْوِ رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَتَفْسِيرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى غَيْرُ هَذَا الضَّبْطِ ، وَمَنْ رَوَى فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى غَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى مَا لَمْ يَرْوِ يَحْيَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يُنْكِرُ رِوَايَةَ يَحْيَى ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَحَبِيبٌ وَغَيْرُهُمْ كَذَلِكَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ : يَبُسُّونَ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ - ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، فَقِيلَ فِيهِ : خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْفِتَنَ فِيهَا دُونَهَا فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ : مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّلَاةِ فِيهِ ، وَمُجَاوِرَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يَنْفِي خُبْثَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِلْفَارِّ عَنْ صُحْبَتِهِ وَجِوَارِهِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ جُمْلَةَ مَنْ خَرَجَ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَكُونُوا خُبْثًا ، بَلْ كَانُوا دُرَرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . هِشَامٌ ، عَنْ زَوْجِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ ، ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ .