الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرِصْهُ ثُمَّ لْتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ لْتُصَلِّ فِيهِ
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ : سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرِصْهُ ثُمَّ لْتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ لْتُصَلِّ فِيهِ . وَقَعَ فِي كِتَابِ يَحْيَى وَنُسْخَتِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ ، وَغَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ ( وَهُوَ مِنْ خَطَأِ الْيَدِ ، وَجَهْلِ يَحْيَى بِالْإِسْنَادِ ) ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَرْوِ قَطُّ عَنْ فَاطِمَةَ هَذِهِ ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ زَوْجُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ لِهِشَامٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ امْرَأَتِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَضَّاحٍ مِنْ رِوَايَتِهِ ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ فَلْتَقْرِصْهُ بِفَتْحٍ التاء وضم الراء وكسرها أَيْضًا ، وَيُرْوَى عَلَى التَّكْثِيرِ : فَلْتُقْرِّصْهُ - بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا - . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَلْتَقْرِصْهُ ، يَقُولُ : فَلْتَقْطَعْهُ بِالْمَاءِ ، وَكُلُّ مُقَطَّعٍ فَهُوَ مُقَرَّصٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : الْمَرْأَةُ قَدْ قَرَّصَتِ الْعَجِينَ إِذَا قَطَّعَتْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ - عِنْدِي فِي هَذَا - بَعِيدٌ ، وَخَيْرٌ مِنْهُ قَوْلُ الْأَخْفَشِ : سُئِلَ ، عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَأَرَاهُمْ كَيْفَ ( ذَلِكَ ) الْقُرْصُ فَضَمَّ أُصْبُعَيْهِ - الْإِبْهَامَ وَالسَّبَّابَةَ - وَأَخَذَ بِهِمَا شَيْئًا مِنْ ثَوْبِهِ ، فَقَالَ : هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ ، ثُمَّ كَمَا يُقَرِّصُ الرَّجُلُ جَارَيْتَهُ هُوَ كَذَلِكَ الْقُرْصُ ، قَالَ : وَأَمَّا الْقَرْسُ - بِالسِّينِ - فَهُوَ قَرْسُ الْبَرْدِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَؤُلَاءِ إِنَّمَا فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ فِي اللُّغَةِ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الشَّرِيعَةِ فَهُوَ غَسْلُ دَمِ الْحَيْضِ مِنَ الثَّوْبِ إِذَا أَصَابَهُ ، وَالْخَبَرُ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ لِنَجَاسَتِهِ ، وَحُكْمُ كُلِّ دَمٍ كَدَمِ الْحَيْضِ ، إِلَّا أَنَّ قَلِيلَ الدَّمِ مُتَجَاوِزٌ عَنْهُ لِشَرْطِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي نَجَاسَةِ الدَّمِ أَنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا ، فَحِينَئِذٍ هُوَ رِجْسٌ ، وَالرِّجْسُ النَّجَاسَةُ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ رِجْسٌ نَجِسٌ ، إِلَّا أَنَّ الْمَسْفُوحَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْجَارِي فِي اللُّغَةِ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْكَثِيرُ ، إِذِ الْقَلِيلُ لَا يَكُونُ جَارِيًا مَسْفُوحًا ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنَ الدَّمِ الْجَارِي نُقْطَةٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَسْفُوحِ الْكَثِيرِ ، وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَلِيلِ ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى أَصْلِهَا فِي اللُّغَةِ . ذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ( مُبَارَكِ ) بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْتُلُ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ قَتَلَ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ نُعَيْمٌ : هَذَا أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي قَتْلِ الْقَمْلِ سَيْلَ يَسِيرٍ مِنَ الدَّمِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَنَا يَقُولُونَ : مَا أَذْهَبَهُ الْحَكُّ مِنَ الدَّمِ فَلَا يَضُرُّ ، وَمَا أَذْهَبُهُ الْفَتْلُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفِ فَلَا يَضُرُّ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِالْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ فِي الصَّلَاةِ بَأْسًا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - : إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي الدَّمِ ؟ فَقَالَ : إِذَا كَانَ فَاحِشًا ، قِيلَ لَهُ : فِي الثَّوْبِ ؟ فَقَالَ : فِي الثَّوْبِ ، وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْجَرْحِ ، قِيلَ لَهُ : السَّائِلُ أَوِ الْقَاطِرُ ؟ فَقَالَ : إِذَا فَحُشَ ، أَذْهَبُ إِلَى الْفَاحِشِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمُوا فِيهِ : أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى تَنَخَّمَ دَمًا ، وَجَابِرٌ أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا كَانَ فَاحِشًا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَتَنَخَّمُ دَمًا عَبِيطًا وَهُوَ يُصَلِّي ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فِي وَجْهِهِ فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ غَيْرُ الدَّمِ ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ تُعَادُ مِنْهُمَا الصَّلَاةُ ، وَيُغْسَلُ قَلِيلُهُمَا وَكَثِيرُهُمَا ، قَالَ : وَالدَّمُ إِذَا فَحُشَ تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ ، كَمَا يُعَادُ مِنْ قَلِيلِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ أَبَيْنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ وَجَعَلُوهُ أَصْلَ هَذَا الْبَابِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ : كَالدِّمَاءِ ، وَالْعَذِرَاتِ ، وَالْأَبْوَالِ ، وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ الْمَعْرُوفَاتِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : غَسْلُهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ عَالِمًا كَانَ بِذَلِكَ أَوْ سَاهِيًا عَنْهُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
وَظَاهِرُهُ تَطْهِيرُ الثِّيَابِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذِكْرِهَا فِي قَوْلِهِ :
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ
وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُكَنَّى عَنِ الْقَلْبِ وَطَهَارَتِهِ وَطَهَارَةِ الْجَيْبِ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ فَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ ، وَالْأَصْلُ فِي الثَّوْبِ مَا قُلْنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالُوا : اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ وَأَنْقِهَا مِنَ الدَّرَنِ وَمِنَ الْقَذَرِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْضِ وَالْبَدَنِ ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ هَذَا فِي غَسْلِ الثَّوْبِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ ، لَيْسَ فِيهِ خُصُوصُ مِقْدَارِ دِرْهَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَهَذَا الْأَصْلُ فِي تَطْهِيرِ الثِّيَابِ بِالْمَاءِ مِنَ النَّجَاسَاتِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي تَطْهِيرِ الْأَرْضِ ، وَمِنْهَا الصَّبُّ وَالنَّضْحُ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي بَالَ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ ، وَقَدْ قُلْنَا : إِنَّ النَّضْحَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ ، قَالَ فِي الَّذِي كَانَ لَا يَتَنَزَّهُ وَلَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، وَالْآثَارُ فِي مِثْلِ هَذَا كُلِّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَرَى غَسْلَ النَّجَاسَةِ فَرْضًا : لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ غَسْلُهُ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَلِيلُ مِنْهَا فِي حُكْمِ الْكَثِيرِ كَالْحَدَثِ قِيَاسًا ، وَنَظَرًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْحَدَثِ مِثْلُ كَثِيرِهِ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ ، وَإِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا عَدَا النَّوْمَ ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْبُرْغُوثِ وَمِثْلُهُ خَارِجٌ عَنِ الدِّمَاءِ بِشَرْطِ اللَّهِ فِي الدَّمِ أَنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا ، وَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي يَجْرِي ، وَهَذَا كُلُّهُ أَصْلٌ وَإِجْمَاعٌ . قَالُوا : فَلِهَذَا قُلْنَا : إِنَّ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ ، أَوْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ ، أَوْ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، قِيَاسًا عَلَى الْحَدَثِ ، قَالُوا : وَلَمَّا أَجْمَعُوا - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى الْجَمِيعِ لِخُرُوجِهِ عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، وَيُصَلِّيهَا أَبَدًا مَتَى مَا ذَكَرَهَا ، كَانَ مَنْ سَهَا عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَنَسِيَهَا فِي حُكْمِ مَنْ تَعَمَّدَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ ، قَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ أَوْ غَسْلَ وَجْهِهِ - وَصَلَّى فِي حُكْمِ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ فِي إِعَادَةِ الصَّلَاةِ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ سَجْدَةً أَوْ رَكْعَةً فِي حُكْمِ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ - وَلَمْ يَطْلُبْهُ وَنَسِيَ الثَّوْبَ وَهُوَ مَعَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، إِلَّا أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ آثِمٍ ، وَالْمُتَعَمِّدَ آثِمٌ ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ فَلَا . قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ سُنَّةٍ مِنَ السُّنَنِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِعَادَةُ صَلَاتِهِ ، كَمَنْ تَرَكَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ ، أَوْ قِرَاءَةَ سُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، أَوِ التَّسْبِيحِ أَوِ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِ الْوُضُوءِ ، عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ غَسْلَ النَّجَاسَاتِ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضًا ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ عَامِدًا وَصَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ ، قَالُوا : وَبَانَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ فَرْضٌ لَا سُنَّةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : لَمِ ادَّعَيْتَ الْإِجْمَاعَ فِيمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ عَامِدًا أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِ الْوَقْتِ ، وَأَشْهَبُ يَقُولُ : لَا يُعِيدُ الْعَامِدُ وَغَيْرُ الْعَامِدِ إِلَّا فِي الْوَقْتِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْهُ ، عَنْ مَالِكٍ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ أَشْهَبُ وَلَا رِوَايَتُهُ الشَّاذَّةُ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يُعَدُّ خِلَافًا ، فَالصَّحَابَةُ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يَمْنَعُ مِنَ ادِّعَاءِ إِجْمَاعِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِمْ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ . وَقَالَ الْمُغِيرَةُ ، وَابْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ : يُعِيدُ الْعَامِدُ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِ الْوَقْتِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالُوا : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
فَجَمَعَتِ الْآيَةُ تَطْهِيرَ الثِّيَابِ ، وَمَا قَالَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مِنْ تَطْهِيرِ الْقَلْبِ ، وَأَفَادَتِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ، قَالُوا : وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى أَكْمَلِ الْفَوَائِدِ ، كَانَ أَوْلَى ، عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ آيَةٌ تَنُصُّ أَنَّ الثِّيَابَ الْقُلُوبُ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ الثِّيَابَ ثِيَابًا ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقُلُوبَ ثِيَابًا ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ وَإِزَالَتِهَا مِنَ الثَّوْبِ وَالْأَرْضِ وَالْبَدَنِ فَرْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ ، وَلَا يَلْتَفِتُ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَفْسِيرٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ ، إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : غَسْلُ النَّجَاسَاتِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَالْأَرْضِ ، سَنَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرُوا قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ : اقْرَأْ عَلَيَّ آيَةً تَأْمُرُ بِغَسْلِ الثِّيَابِ ؟ قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
فَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْكُفْرِ ، وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
يَعْنِي الْأَوْثَانَ ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ قَبْلَ تَرْكِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ؟ قَالُوا : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : فُلَانٌ نَقِيُّ الثَّوْبِ ، وَطَاهِرُ الْجَيْبِ ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَفِيفًا ، يُكَنُّونَ بِذَلِكَ عَنْ سَلَامَتِهِ ، وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ غَسْلَ ثَوْبِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ ، قَالُوا : وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَعْطِفُ النَّهْيَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عَلَى تَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنَ النَّجَاسَاتِ ، قَالُوا : وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ الشَّرَائِعِ مِنْ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الطَّهَارَةُ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَشِرْكِهَا ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْلِهِ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : عَمَلُكَ أَصْلِحْهُ ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ حَسَنَ الْعَمَلِ قِيلَ : فُلَانٌ طَاهِرُ الثِّيَابِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فُلَانٌ نَقِيُّ الثِّيَابِ . وَرَوَاهُ بُنْدَارٌ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْقِهَا ، وَهَذَا خِلَافُ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : مِنَ الْإِثْمِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ . وَذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ : طَهِّرْ ثِيَابَكَ ؛ أَيْ : مِنَ الذَّنْبِ . وَذَكَرَ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : لَسْتَ بِسَاحِرٍ وَلَا كَاهِنٍ ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قَالَ : مِنَ الْإِثْمِ ، يَقُولُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَجْلَحِ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
؟ قَالَ : أَمَرَ أَنْ لَا يَلْبِسَ ثَوْبَهُ عَلَى غَدْرَةٍ ، أَمَّا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ :
وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ
لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُكَنِّي بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ عَنِ الْعَفَافِ ، وَبِفَضْلَةِ الثَّوْبِ وَسَعَتِهِ عَنِ الْعَطَاءِ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَاقَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَعْرَابِيٍّ قَالَ : بَنُو سَيَّارٍ فُلَانٌ فَارِسُهُمْ ، وَفُلَانٌ لِسَانُهُمْ ، وَفُلَانٌ أَوْسَعُهُمْ عَلَيْهِمْ ثَوْبًا ، يَعْنِي أَكْثَرَهُمْ عَلَيْهِمْ فَضْلًا ، وَهُوَ قَوْلُ رُؤْبَةَ لِابْنِهِ :
وَهُوَ عَلَيْكَ وَاسِعُ الْعِطَافِ
. وَقَالَ عَنْتَرَةُ :
نَفَى الدَّمَ عَنْ أَثْوَابِهِ
مِثْلَ مَا نَفَى أَذَى دَرَنَا
عَنْ جِلْدِهِ الْمَاءُ غَاسِلُ
أَرَادَ نَفْيَ الْمَاءِ إِذَا غَسَلَ دَرَنًا ، قَالُوا : وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ خَالَفَنَا مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِثَوْبٍ نَجِسٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ وَعَانَدَ ، قَالُوا : وَقَدْ وَجَدْنَا مِنَ السُّنَنِ مَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا ، مِنْ ذَلِكَ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى هِيَ عِنْدَنَا سُنَّةٌ وَعِنْدَكُمْ ، وَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ تَعَمُّدِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَرْقُ بَيْنَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ عِنْدَنَا وَبَيْنَ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِالسَّهْوِ عَنِ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى إِذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ سَهَا فَصَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ ، فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الِانْفِصَالُ بِمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حِكَايَةُ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا جُمْلَةً ، فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا أَبَا الْفَرَجِ : أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ وُجُوبَ سُنَّةٍ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، قَالُوا : وَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي يَسِيرِ الدَّمِ : لَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ فِي وَقْتٍ وَلَا بَعْدَهُ ، وَتُعَادُ مَنْ يَسِيرِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ، وَنَحْوَ هَذَا كُلِّهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ مُسْتَدْرَكُ فَضْلِ السُّنَّةِ فِي الْوَقْتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا ، يَنْدُبُ إِلَى إِعَادَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ إِذَا كَانَتْ ظُهْرًا أَوْ عِشَاءً بِإِجْمَاعٍ ، وَفِي غَيْرِهِمَا اخْتِلَافٌ ، وَلَوْ وَجَدَهُمْ يَجْمَعُونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَأْمُرْهُ أَحَدٌ بِالدُّخُولِ مَعَهُمْ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِدْرَاكَ فَضْلِ السُّنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ لَا فِي بَعْدِهِ . وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُبْطِلْ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ ، وَجَعَلَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ سُنَّةً لَا فَرطا مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ قَيْسِ بْنِ عُبَابَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الصَّلَاةَ وَنَعْلَاهُ فِي رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ خَلَعَهُمَا ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُمْ : لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ ؟ قَالُوا : لَمَّا رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ خَلَعْنَا ، فَقَالَ : إِنَّمَا خَلَعْتُهُمَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْقَذِرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ، وَلَا كَوْنُهُ فِي الثَّوْبِ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَلِيلُ الدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ ، وَكَثِيرُ ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا ، إِلَّا مَا كَانَ نَحْوَ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَا يَتَعَافَاهُ النَّاسُ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الثَّوْبَ ، وَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ ، وَبِنَحْوِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يُوجِبَانِ غَسْلَ الدَّمِ حَتَّى يَتَفَاحَشَ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الطَّبَرِيَّ قَالَ : إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا ، وَلَمْ يَجِدْ أُولَئِكَ شَيْئًا ، وَكُلُّهُمْ يَرَى غَسْلَ النَّجَاسَةِ فَرْضًا ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي هَذَا الْبَابِ كَقَوْلِ الطَّبَرِيِّ فِي مُرَاعَاةِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنَ النَّجَاسَةِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ رُبْعَ الثَّوْبِ فَبِمَا دُونَ جَازَتِ الصَّلَاةُ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُفَسِّرًا فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ : إِنْ رَآهُ فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى فِيهَا ، وَفِي الْكَثِيرِ يَنْزِعُهُ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ رَآهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَعَادَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، وَقَالَ فِي الْبَوْلِ وَالرَّجِيعِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَخَرْوِ الطَّيْرِ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ : إِنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِهِ قَطَعَهَا وَاسْتَقْبَلَهَا ، وَإِنْ صَلَّى أَعَادَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِذَا ذَهَبَ الْوَقْتُ لَمْ يُعِدْ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالْقَيْءُ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِنَجِسٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَيْءُ قَدْ تَغَيَّرَ فِي جَوْفِهِ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ نَجِسٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الدَّمِ وَالْقَيْحِ : إِذَا كَانَ قَلِيلًا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَا يَتَعَافَاهُ النَّاسُ لَمْ يُعِدْ ، وَيُعِيدُ فِي الْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْعُذْرَةُ وَالْخَمْرُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرِ ، وَالْإِعَادَةُ عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ لَا يُسْقِطُهَا خُرُوجُ الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الدَّمِ وَالْعُذْرَةِ وَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ : إِنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ جَازَتْ صَلَاتُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرَّوْثِ حَتَّى يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ : حَتَّى يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا . وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَبْوَالِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْبَهَائِمِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَلَا مَوْضِعَ اخْتِلَافِ الْحُجَّةِ فِيهِ . وَقَالَ زُفَرُ فِي الْبَوْلِ : قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، وَفِي الدَّمِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِي الدَّمِ فِي الثَّوْبِ : يُعِيدُ إِذَا كَانَ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنْ كَانَ فِي الْجَسَدِ أَعَادَ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ، وَقَالَ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ : يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِنْ كَانَ فِي الثَّوْبِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُغْسَلُ الرَّوْثُ وَالدَّمُ وَلَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ الدِّرْهَمِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْبَوْلِ فِي الثَّوْبِ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ . وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ ، وَقَالَ فِي الْقَيْءِ يُصِيبُ الثَّوْبَ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ : مَضَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَ : إِنَّمَا جَاءَتْ الْإِعَادَةُ فِي الرَّجِيعِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ فِي دَمِ الْحَيْضِ لَا يُعِيدُ ، وَقَالَ فِي الْبَوْلِ : يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ ، فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَقَاوِيلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبَةٌ لَا يَضْبُطُهَا أَصْلٌ ، وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْبَوْلِ وَالرَّوْثِ وَالدَّمِ وَبَوْلِ الدَّابَّةِ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ : يُعِيدُ ؛ فَاتَ الْوَقْتُ أَوْ لَمْ يَفُتْ . وَقَالَ فِي يَسِيرِ الدَّمِ فِي الثَّوْبِ : لَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ - فِي يَسِيرِ الدَّمِ يُصَلَّى بِهِ وَهُوَ فِي الثَّوْبِ - بَأْسًا ، وَيَرَوْنَ أَنْ تُعَادَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ مِنَ الدَّمِ الْكَثِيرِ ، قَالَ : وَالْقَيْحُ مِثْلُ الدَّمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ عَنِ اللَّيْثِ مِمَّا قَدَّمْنَا عَنْهُ ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْفُتْيَا مُجْمَلَةً وَمُفَسَّرَةً بَعْدَ إِيرَادِ الْأَصْلِ الَّذِي مِنْهُ تَفَرَّعَتْ أَقْوَالُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِلصَّلَاةِ وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ الْمَرْءُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَدَائِهَا إِلَّا فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ ، وَبَدَنٍ طَاهِرٍ مِنَ النَّجَاسَةِ ، وَمَوْضِعٍ طَاهِرٍ عَلَى حُدُودِهَا ، فَلْيَنْظُرِ الْمُؤْمِنُ لِنَفْسِهِ وَيَجْتَهِدْ . وَأَمَّا الْفَتْوَى بِالْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا ، فَلَا - إِذَا كَانَ سَاهِيًا نَاسِيًا ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ الْإِعَادَةِ فَرْضًا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لَا تَنَازُعَ فِيهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسَالِمٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي الَّذِي يُصَلِّي بِالثَّوْبِ النَّجِسِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا ، وَقَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ أَبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ إِذَا كَانَ سَاهِيًا عَنْهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَاتِ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَضَعَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمْ يَقْطَعْ لِذَلِكَ صَلَاتَهُ ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ لَيْسَ بِفَرْضٍ غَسْلُهَا ، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ يَكُونَ السَّلَا مِنْ جَزُورٍ غَيْرِ مُذَكًّى ، لَمَا كَانَ غَسْلُ النَّجَاسَاتِ سُنَّةً وَلَا فَرْضًا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ طَهَارَةَ الثِّيَابِ والماء وَالْبَدَنَ ، فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ هَذَا الْخَبَرِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ خَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّمَرِيُّ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : خَلَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعْلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَخَلَعَ مَنْ خَلْفَهُ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا ، قَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِي إِحْدَاهُمَا قَذَرًا ، فَإِنَّمَا خَلَعْتُهُمَا لِذَلِكَ ، فَلَا تَخْلَعُوا نِعَالَكُمْ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لِمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ وَاسْتِحْسَانٌ لِتُدْرِكَ فَضْلَ السُّنَّةِ وَالْكَمَالِ فِي الْوَقْتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَالْأَشْعَثِ الْحُمْرَانِيِّ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا بَعْدَمَا صَلَّى أَنَّهُ يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَ فِي جِلْدِهِ أَعَادَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ ، قَالَ حَمَّادٌ : وَقَالَ هِشَامٌ : إِذَا رَأَى دَمًا أَوْ جَنَابَةً أَوْ نَجِسًا أَعَادَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ ، وَقَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيِّ ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ إِذَا وَجَبَتْ لَمْ يُسْقِطْهَا خُرُوجُ الْوَقْتِ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْحُجَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ رَاعَى فِي النَّجَاسَاتِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَقَوْلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا مَعْنًى يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ بِمَا أَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ عَنْهُ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ عَظُمَ مَذْهَبُهُ فِي أَجْوِبَتِهِ ، أَنَّهُ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ ظَاهِرَةٌ لَا تُخْفَى ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا ، كَمَنْ صَلَّى بِمَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَغَيَّرَتْهُ ، أَوْ تَيَمَّمَ عَلَى مَوْضِعٍ النَّجَاسَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ غَالِبَةٌ ، وَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ قَدِ اسْتَيْقَنَ فِيهِ نَجَاسَةً إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِيهِ ، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ كُلَّهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ ، كَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ لَمْ تُغَيِّرْهُ النَّجَاسَةُ ، أَوْ تَيَمَّمَ عَلَى مَوْضِعٍ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، هَذَا عِنْدِي أَصَحُّ مَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَمَا أَسْتَوْحِشُ مِمَّنْ خَالَفَنِي عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقِيَاسُهُمْ ذَلِكَ عَلَى حَلْقَةِ الدُّبُرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ بِالْأَحْجَارِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ النَّجَاسَةَ إِزَالَةً صَحِيحَةً كَالْمَاءِ ، وَإِنَّ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ ، أَوْ مَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ فِي إِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ نَظِيرٍ وَلَا عِلَّةٍ مَعْلُولَةٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ تَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ لْتُصَلِّ فِيهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ هَاهُنَا الْغَسْلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ الرَّشَّ لِمَا شَكَّ فِيهِ وَلَا يَرَى ، فَيَقْطَعُ بِذَلِكَ الْوَسْوَسَةَ ، إِذِ الْأَصْلُ فِي الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ النَّجَاسَةَ ، فَإِذَا اسْتُوقِنَتْ لَزِمَ الْغَسْلُ وَالتَّطْهِيرُ ، وَأَمَّا الرَّشُّ فَلَا يُزِيلُ نَجَاسَةً فِي النَّظَرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَوْلَا أَنَّ السَّلَفَ جَاءَ عَنْهُمُ النَّضْحُ مَا قُلْنَا بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ حِينَ أَجْنَبَ فِي ثَوْبِهِ : أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ ، وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَهُ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَطْعٌ لِحَزَازَاتِ النُّفُوسِ ، وَوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ . رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي الثَّوْبِ ثُمَّ طَهُرَتْ ، فَلْتَتْبَعْ مَا أَصَابَ ثَوْبَهَا مِنَ الدَّمِ فَلْتَغْسِلْهُ وَتَنْضَحْ بَاقِيَهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهَا وَاسْتَهْلَكَهَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ قَدْ طَهَّرَهُ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّحِيحَ عِنْدَنَا فِي الْمَاءِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .