الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا ثَلَاثًا إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَأَرْبَعُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا ثَلَاثًا : إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ ، وَاثْنَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا عَنْ عَائِشَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ . وَرَوَاهُ هَكَذَا مُسْنَدًا عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الزَّهَاوِيُّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يُذْكَرُ مَعَ مَالِكٍ فِي صِحَّةِ النَّقْلِ .
وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حُسَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ ، وَإِذَا ابْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ، فَسَأَلْنَاهُ : كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : أَرْبَعًا ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ . فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَتْ : مَا يَقُولُ ؟ قَالَ : يَقُولُ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمَرٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ ، قَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عُمْرَةً ) إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمُ : ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ : ثَلَاثٌ مُفْتَرَقَاتٍ ، وَوَاحِدَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ .
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَهُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ مُفْرِدًا فِي حَجَّتِهِ فَهُوَ يَنْفِي أَنْ تَكُونَ عُمَرُهُ إِلَّا ثَلَاثًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعَ وَالْإِفْرَادِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالسِّيَرِ عِنْدَهُمْ فَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثًا ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ . حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حُسَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْخُزَامِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ عُمَرٍ : اعْتَمَرَ مِنَ الْجُحْفَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَصَدَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ ، وَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ آمِنًا هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، ثُمَّ اعْتَمَرَ الثَّالِثَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ حِينَ أَقْبَلَ مِنَ الطَّائِفِ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْهَلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، إِحْدَاهُنَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَالْأُخْرَى فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ ، وَالْأُخْرَى مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ زَمَنَ حُنَيْنٍ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ عُمَرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْعُمْرَةِ وَوُجُوبِهَا ، وَهَلْ يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةٌ فِي بَابِ عُمْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عِنْدَ ذِكْرِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي اعْتِمَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ كَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، عَلَى أَنِّي لَا أَعْرِفُ أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا يُعَدُّ خِلَافًا فِيهِ لِشُذُوذِهِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ في غير أَشْهُرَ الْحَجِّ . وَهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ عُمَرُ نَدْبَ النَّاسِ إِلَى إِفْرَادِ الْحَجِّ وَكَرَاهِيَةِ التَّمَتُّعِ ، فَإِذَا أَفْرَدَ الْإِنْسَانُ الْحَجَّ وَأَتَمَّ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْ شُهُورِهِ ، وَجَازَتْ لَهُ الْعُمْرَةُ عِنْدَ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي شُهُورِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ تَمَتَّعَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَتَّعْ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَنَبَذُوهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عُمَرُهُ فِي شُهُورِ الْحَجِّ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَذِنَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ ، فَصَارَ مَا وَصَفْنَا إِجْمَاعًا صَحِيحًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إِنَّ عُمَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ إِنَّمَا كَانَتْ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِنْكَارِ الْعُمْرَةِ فِي شُهُورِ الْحَجِّ ) وَلِهَذَا مَا فَسَخَ أَصْحَابُهُ حَجَّتَهُمْ بِأَمْرِهِ فِي عُمْرَةٍ ، وَلِهَذَا مَا أَعْمَرَتْ عَائِشَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، كُلُّ ذَلِكَ دَفَعَ لِمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِنْ كَرَاهِيَتِهِمُ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ : إِذَا دَخَلَ صَفَرٌ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .