الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ
مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ : يَثْرِبُ ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ ، عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ : مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَبُو الْحُبَابِ هَذَا : سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَقِيلَ : مَوْلَى شُمَيْسَةَ ، امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ أَسَلَمَتْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدَيِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَقِيلَ : أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى شُقْرَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبُو الْحُبَابِ أَحَدَ الثِّقَاتِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَأْكُلُ الْقُرَى ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ تَفْتَحُ الْقُرَى ، وَتُفْتَحُ مِنْهَا الْقُرَى ; لِأَنَّ مِنَ الْمَدِينَةِ افْتُتِحَتِ الْمَدَائِنُ كُلُّهَا بِالْإِسْلَامِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ بِيَثْرِبَ عَلَى مَا كَانَتْ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ ، فَنَزَلَ بِذِكْرِ يَثْرِبَ عَلَى مَا كَانُوا يُعْرَفُونَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ، وَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا بِطَيْبَةَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَنْفِي النَّاسَ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ شِرَارَ النَّاسِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَثَّلَ ذَلِكَ وَشَبَّهَهُ بِمَا يَصْنَعُ الْكِيرُ فِي الْحَدِيدِ ، وَالْكِيرُ إِنَّمَا يَنْفِي رَدِيءَ الْحَدِيدِ ، وَخَبَثَهُ ، وَلَا يَنْفِي جِيِّدَهُ ، وَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّمَا كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْ جِوَارِهِ فِيهَا إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ . وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا الْخِيَارُ الْفُضَلَاءُ الْأَبْرَارُ ، وَأَمَّا الْكِيرُ ، فَهُوَ مَوْضِعُ نَارِ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ ، وَلَيْسَ الْجِلْدَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ كِيرًا .
هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ ، وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي رَيْحَانَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ ، وَهِيَ نَصِيبُ الْمُؤمِنِ مِنَ النَّارِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ ، فَمَا أَصَابَ الْمُؤمِنَ مِنْهَا كَانَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .