الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَعِشْرُونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ يَحْيَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ فَيَخْرُجُونَ ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي ، فَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مُعَيَّنًا مَا تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَالْجِهَادُ عِنْدَنَا بِالْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ وَنِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ ، سَقَطَ عَنِ الْمُتَخَلِّفِينَ ، فَإِذَا أَظَلَّ الْعَدُوُّ بَلْدَةً مُقَاتِلًا لَهَا تَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حِينَئِذٍ فِي خَاصَّتِهِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ خَفِيفًا وَثَقِيلًا ، شَابًّا وَشَيْخًا ، حَتَّى يَكُونَ فِيمَنْ يُكَاثِرُ الْعَدُوَّ كِفَايَةٌ بِهِمْ . وَمِنْ أَوْضَحِ شَيْءٍ فِي أَنَّ الْجِهَادَ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْجَمِيعِ - قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى
وَفِي هَذَا إِبَاحَةُ الْقُعُودِ ، وَالتَّخَلُّفِ ، وَتَفْضِيلُ الْمُجَاهِدِ عَلَى الْقَاعِدِ ، فَصَارَ الْجِهَادُ فَضِيلَةً لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ ، وَقَامَ بِهِ لَا فَرِيضَةً عَلَى الْجَمِيعِ .