الْحَدِيثُ الرابِعٌ وَالسِتُّونَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ
حَدِيثٌ رَابِعٌ وَسِتُّونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ 767 مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، وَمَا فَاتَتْهُ ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ ، أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَهَذَا مَوْقُوفٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَأْيًا ، فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، وَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ ، وَكَانَ مَالِكٌ فِيمَا حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : لَا يُعْجِبُهُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . فَجُعِلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ وَقْتًا ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ أَوَّلَهُ أَفْضَلُ ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ تَرْكِ مَالِكٍ الْإِعْجَابَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ : وَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، أَوْ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَوْتًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّيًّا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا كُلُّهُ ، وَلَا يُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُعَارِضُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَمَا فَاتَتْهُ ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَاتَهُ وَقْتُهَا غَيْرُ قَوْلِهِ فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ، فَكَأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَرَ أَنَّ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَوَسَطِهِ ، وَآخِرِهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا يُشْبِهُ مُصِيبَةَ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بِمُصِيبَةِ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَهَابِ الْوَقْتِ كُلِّهِ . هَذَا عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَوَاتَ بَعْضِ الْوَقْتِ كَفَوَاتِ الْوَقْتِ كُلِّهِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا مَنْ فَضَّلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ ، وَلَا مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ فَوْتَ بَعْضِ الْوَقْتِ مُبَاحٌ ، وَفَوْتَ الْوَقْتِ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ ، وَفَاعِلُهُ عَاصٍ لِلَّهِ إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ صَلَّى فِي وَسَطِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَتَدَبَّرْ هَذَا تَجِدْهُ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ فَضَّلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَلَهُ دَلَائِلُ وَحُجَجٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِهَا ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَارِضٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ إِلَى تَفْضِيلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَتَعْظِيمِ عَمَلِ الصَّلَاةِ ، وَالْبِدَارِ إِلَيْهَا فِيهِ ، وَالتَّحْقِيرِ لِلدُّنْيَا ، يَقُولُ : إِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهَا فَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْفَضْلِ وَعَظِيمِ الْأَجْرِ مَا هُوَ أَعْظَمُ ، وَأَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ فَوْقَ مَا يُؤْتَى الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَلَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَيَدُلُّكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ الْعَلَاءِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، يَعِيبُ تَارِكَ الْعَصْرِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، وَحُكْمُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ كَحُكْمِ صَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهَا لَا تَشْتَرِكُ مَعَ غَيْرِهَا بَعْدَهَا ، فَحَدِيثُ هَذَا الْبَابِ وَرَدَ فِي تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لَا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ كَمَنْ وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنِ الشِّفَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَفْضَلُ الْعَمَلِ الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ الدُّنْيَا ، عَنْ جَدَّتِهِ الْقُصْوَى أُمِّ فَرْوَةَ ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . وَهَذِهِ الْآثَارُ قَدْ عَارَضَهَا مِنْ صَحِيحِ الْآثَارِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .