الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ
حَدِيثٌ سَابِعٌ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الثِّقَاتُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ثِقَةٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ أَحَادِيثُهُ الدَّاخِلَةُ مِنْ أَجْلِ رِوَايَةِ الضُّعَفَاءِ عَنْهُ ، وَالَّذِي يَقُولُ : إِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ صَحِيفَةٌ ، يَقُولُ : إِنَّهَا مَسْمُوعَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَكِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ( عَنْ ) جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ هَاهُنَا وَيُوصَفَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي ، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ بَيْعًا عَلَى شَرْطِ سَلَفٍ يُسْلِفُهُ ، أَوْ يَسْتَسْلِفُهُ ، فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ يَقُولُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفُ : إِنَّهُ إِذَا طَاعَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ بِتَرْكِ سَلَفِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ ، جَازَ الْبَيْعُ . هَذَا قَوْلُهُ فِيَ مُوَطَّئِهِ ، وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ الْبَائِعَ إِذَا أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي مَعَ السِّلْعَةِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًّا مُعَجَّلًا ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ فُسِخَ ، وَإِنْ فَاتَتْ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بَاعَهَا بِهِ فَأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ ، لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ مَعَهُ سَلَفًا ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِي كَانَ هُوَ الَّذِي أَسْلَفَ الْبَائِعَ ، فُسِخَ الْبَيْعُ أَيْضًا بَيْنَهُمَا ، وَرَجَعَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ سِلْعَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ ، إِلَّا أَنْ تُنْقَصَ قِيمَتُهَا مِنَ الثَّمَنِ ، فَلَا يُنْقَصُ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ مَعَهُ سَلَفًا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَشَرَطَ أَنَّهُ يُسْلِفُهُ سَلَفًا ، فَإِنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي : لَا حَاجَةَ لِي بِالسَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ ، فَيَجُوزُ الْبَيْعُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ ، وَإِنْ رَضِيَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ بِتَرْكِ السَّلَفِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فَاسِدًا ، فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ أُجِيزَ . وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ : قَدْ رَوَى بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ تُرِكَ السَّلَفُ ، قَالَ : وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْبَيْعِ فَاسِدًا فِي اشْتِرَاطِ السَّلَفِ كَالْبَيْعِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ فَاسِدًا فِي عَقْدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ ، فَيُرَدُّ السَّلَفُ ، وَيَصْلُحُ بِالْقِيمَةِ . وَقَدْ سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبَرَكَانِيُّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِي عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَزِقِّ خَمْرٍ ، أَوْ شَيْءٍ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا أَدَعُ الْزِّقَّ ، أَوِ الشَّيْءَ الْحَرَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ ، وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ ، عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ أَوْ تَرْكِهِ ، وَلَيْسَ مَسْأَلَتُكَ كَذَلِكَ ، وَلَوْ قَالَ : أَبِيعُكَ غُلَامِي بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنِّي إِنْ شِئْتُ أَنْ تَزِيدَنِي زِقَّ خَمْرٍ زِدْتَنِي ، وَإِنْ شِئْتُ تَرَكْتُهُ ، ثُمَّ تَرَكَ الْزِّقَّ خَمْرٍ جَازَ الْبَيْعُ ، وَلَوْ أَخَذَهُ فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ .
هَذَا مَعْنَى كَلَامِ إِسْمَاعِيلَ . وَكَانَ سَحْنُونٌ يَقُولُ : إِنَّمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُقْبَضِ السَّلَفُ وَتُرِكَ ، وَأَمَّا إِذَا قُبِضَ السَّلَفُ ، فَقَدْ تَمَّ الرِّبَا بَيْنَهُمَا ، وَالْبَيْعُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : سَحْنُونٌ أَصْلَحَهُ بِتَرْكِ السَّلَفِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرُدُّ السَّلَفَ .
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ : وَكَذَلِكَ قَرَأْنَاهُ عَلَى يَحْيَى بْنِ عُمَرَ إِذَا رُدَّ السَّلَفُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا حَكَاهُ الْفَضْلُ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ، وَأَمَّا لَفْظُ الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، فَإِنَّمَا هُوَ قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ تُرِكَ السَّلَفُ جَازَ الْبَيْعُ وَتُرِكَ غَيْرَ رَدٍّ ; لِأَنَّ الرَّدَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَإِذَا قُبِضَ السَّلَفُ ، فَهُوَ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلِ مَالِكٍ إِجَازَةُ بُيُوعٍ وَقَعَتْ فَاسِدَةً ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْإِصْلَاحُ ، كَبَيْعِ الْغَاصِبِ يُخْبِرُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ مَالِكُهُ ، وَنَحْوِ هَذَا ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْعَبْدِ عِنْدَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ سَيِّدِهِ .