19 - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ؟ وهل يلتفت في الأذان ؟ ويذكر عن بلال ، أنه جعل إصبعيه في أذنيه . وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه . وقال إبراهيم : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء . وقال عطاء : الوضوء حق وسنة . وقالت عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه . 634 - ثنا محمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، أنه رأى بلالا يؤذن ، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان . هكذا خرجه البخاري هاهنا عن الفريابي ، عن سفيان الثوري - مختصرا . ورواه وكيع عن سفيان بأتم من هذا السياق . خرجه مسلم من طريقه ، ولفظ حديثه : قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم ، قال : فخرج بلال بوضوئه ، فمن نائل وناضح . قال : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء ، كأني أنظر إلى بياض ساقيه . قال : فتوضأ ، وأذن بلال ، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا - يقول : يمينا وشمالا - يقول : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . قال : ثم ركزت له عنزة ، فتقدم فصلى الظهر ركعتين ، يمر بين يديه الحمار والكلب ، لا يمنع ، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة . ورواه عبد الرزاق ، عن سفيان ، ولفظ حديثه : عن أبي جحيفة ، قال : رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، وإصبعاه في أذنيه ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبة له حمراء - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق . وخرجه من طريقه الترمذي ، وقال : حسن صحيح . وخرجه البيهقي ، وصححه - أيضا . وهذا هو الذي علقه البخاري هاهنا بقوله : ( ويذكر عن بلال ، أنه جعل إصبعيه في أذنيه ) . وقال البيهقي : لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة ، وسفيان إنما روى هذه اللفظة ، في ( الجامع ) - رواية العدني ، عنه - عن رجل لم يسمه ، عن عون . قال : وروي عن حماد بن سلمة ، عن عون بن أبي جحيفة - مرسلا ، لم يقل : ( عن أبيه ) . والله أعلم . قلت : وكذا روى وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن عون ، عن أبيه ، قال : أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام بلال فأذن ، فجعل يقول في أذانه ، يحرف رأسه يمينا وشمالا . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن أبي جحيفة ، أن بلالا كان يجعل إصبعيه في أذنيه . فرواية وكيع ، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه . ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة ، ولم يخرجها مسلم - أيضا - وعلقها البخاري بصيغة التمريض ، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها - رضي الله عنه . وقد خرج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي ، عن ابن عيينة ، عن الثوري ومالك بن مغول ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بالأبطح - فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق ، وذكر فيه الاستدارة ، وإدخال الإصبعين في الأذنين . وقال : هو صحيح على شرطهما جميعا . وليس كما قال ؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة ، وقد ذمه الإمام أحمد ذما شديدا ، وضعفه النسائي وغيره . وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن ، فلما بلغ ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) لوى عنقه يمينا وشمالا ، ولم يستدر . وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، وهو في قبة حمراء ، فخرج بلال فأذن ، فاستدار في أذانه ، فجعل إصبعيه في أذنيه . وحجاج مدلس . قال ابن خزيمة : لا ندري هل سمعه من عون ، أم لا ؟ وقال البيهقي : يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالا ، فيكون موافقا لسائر الرواة . قال : وحجاج ليس بحجة . وخرجه من طريق آخر عن حجاج ، ولفظ حديثه : رأيت بلالا يؤذن ، وقد جعل إصبعيه في أذنيه ، وهو يلتوي في أذانه يمينا وشمالا . وقد رويت هذه الاستدارة من وجه آخر : من رواية محمد بن خليد الحنفي - وهو ضعيف جدا - عن عبد الواحد بن زياد ، عنه ، عن مسعر ، عن علي بن الأقمر ، عن عون ، عن أبيه . ولا يصح - أيضا . وخرج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن سعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه ، وقال : ( إنه أرفع لصوتك ) . وهو إسناد ضعيف ؛ ضعفه ابن معين وغيره . وروي من وجوه أخر مرسلة . وقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل : الأولى : الالتفات في الأذان يمينا وشمالا . والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة ، ويدير وجهه في قول : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) يمينا وشمالا . وأنكر ابن سيرين الالتفات ، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح /155 عن ابن سيرين ، أنه إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ، وكان يكره أن يستدير في المنارة /155 . وروى وكيع ، عن الربيع ، /155 عن ابن سيرين ، قال : المؤذن لا يزيل قدميه . وكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق . وكذلك مالك . وفي ( تهذيب المدونة ) : ولا يدور في أذانه ، ولا يلتفت ، وليس هذا من الأذان ، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس فيؤذن كيف تيسر عليه . قال : ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلة في أذانهم ويقيمون عرضا ، وذلك واسع يصنع كيف شاء . انتهى . وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه أنه رأى الذي علمه النداء في نومه قام فاستقبل القبلة فأذن . خرجه أبو داود من حديث معاذ . والذين رأوا الالتفات . قال أكثرهم : يلتفت بوجهه ، ولا يلوي عنقه ، ولا يزيل قدميه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد في المشهور عنه ، وأبي ثور ، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه . وحكي - أيضا - عن الحسن والنخعي والليث بن سعد . وروى الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غفلة ، عن بلال ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذنا أو أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها . خرجه الدارقطني في ( أفراده ) . والحسن بن عمارة ، متروك . وقالت طائفة : إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها ؛ لأنه أبلغ في الإعلام والإسماع ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق ، وظاهر فيه مالك إذا أراد الإعلام . وروي عن الحسن أنه يدور . وظاهر كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالأذان . وللشافعية في الالتفات في الإقامة وجهان . والفرق بينهما : أن الأذان إعلام للغائبين ، فلذلك يلتفت ليحصل القصد بتبليغهم ، بخلاف الإقامة ؛ فإنها إعلام للحاضرين ، فلا حاجة إلى التلفت فيها ، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات ؛ لأنها خطاب لمن حضر ، فلا معنى للالتفات فيها . /155 وقال النخعي : يستقبل المؤذن بالأذان والشهادة والإقامة القبلة /155 . خرجه ابن أبي شيبة . وروى بإسناده عن حذيفة : أنه مر على ابن النباح وهو يؤذن ، يقول : الله أكبر [الله] أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، يهوي بأذانه يمينا وشمالا ، فقال حذيفة : من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل . وهذا يدل على أنه كره التلفت في غير الحيعلة ، وجعله مناكلا بأذانه . المسألة الثانية : جعل الإصبعين في الأذنين . وقد حكى عن ابن عمر : أنه كان لا يفعل ذلك . وظاهر كلام البخاري : يدل على أنه غير مستحب ؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر ، وأما الحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم ، فكأنه لم يثبت عنده . وذكر في ( تاريخه الكبير ) من رواية الربيع بن صبيح ، /155 عن ابن سيرين ، قال : أول من جعل إصبعيه في أذنيه في الأذان عبد الرحمن بن الأصم مؤذن الحجاج /155 . وهذا الكلام من ابن سيرين يقتضي أنه عنده بدعة . وروي عن ابن سيرين بلفظ آخر . قال وكيع في ( كتابه ) : عن يزيد بن إبراهيم والربيع بن صبيح ، /155 عن ابن سيرين ، قال : أول من جعل إصبعا واحدة في أذنه ابن الأصم مؤذن الحجاج . /155 وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، /155 عن محمد ، قال : كان الأذان أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، ثم يجعل إصبعيه ، وأول من ترك إحدى إصبعيه في أذنيه ابن الأصم . /155 قال : وثنا أبو أسامة ، عن هشام ، /155 عن ابن سيرين : أنه كان إذا أذن استقبل القبلة ، فأرسل يديه ، فإذا بلغ ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) أدخل إصبعيه في أذنيه /155 . وهذا يقتضي أنه إنما يجعلهما في أذنيه في أثناء الأذان . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن نسير بن ذعلوق ، قال : /155 رأيت ابن عمر يؤذن على بعير . قال سفيان : قلت له : رأيته جعل إصبعيه في أذنيه ؟ قال : لا /155 . وهذا هو المروي عن ابن عمر ، الذي ذكره البخاري تعليقا . وأكثر العلماء على أن ذلك مستحب . قال الترمذي في ( جامعه ) : العمل عند أهل العلم على ذلك ، يستحب أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان . وقال بعض أهل العلم : وفي الإقامة أيضا ، وهو قول الأوزاعي . انتهى . وقال إسحاق كقول الأوزاعي . ومذهب مالك : إن شاء جعل إصبعيه في أذانه وإقامته ، وإن شاء ترك - ذكره في ( التهذيب ) . وظاهر هذا : يقتضي أنه ليس بسنة . وقد سهل أحمد في تركه ، وفي جعل الإصبعين في إحدى الأذنين . /155 وسئل الشعبي : هل يضع إصبعيه على أذنيه إذا أذن ؟ قال : يعم عليهما ، وأحدهما يجزئك /155 . خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) . واختلفت الرواية عن أحمد في صفة ذلك : فروي عنه ، أنه يجعل إصبعيه في أذنيه ، كقول الجمهور . وروي عنه ، أنه يضم أصابعه ، ويجعلها على أذنيه في الأذان والإقامة . واختلف أصحابنا في تفسير ذلك : فمنهم من قال : يضم أصابعه ، ويقبضهما على راحتيه ، ويجعلهما على أذنيه ، وهو قول الخرقي وغيره . ومنهم من قال : يضم الأصابع ، ويبسطها ، ويجعلها على أذنه . قال القاضي : هو ظاهر كلام أحمد . قال أبو طالب : قلت لأحمد : يدخل إصبعيه في الأذن ؟ قال : ليس هذا في الحديث . وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق ، عن سفيان التي خرجها في ( مسنده ) والترمذي في ( جامعه ) غير محفوظة ، مع أن أحمد استدل بحديث أبي جحيفة في هذا في رواية محمد بن الحكم . وقال في رواية أبي طالب - أيضا - : أحب إلي أن يجعل أصابع يديه على أذنيه ، على حديث أبي محذورة ، وضم أصابعه الأربع ، ووضعهما على أذنيه . قال القاضي أبو يعلى : لم يقع لفظ حديث أبي محذورة . قال : وروى أبو حفص العكبري بإسناده ، عن [أبي] المثنى ، قال : كان ابن عمر إذا بعث مؤذنا يقول له : اضمم أصابعك مع كفيك ، واجعلها مضمومة على أذنيك . واستحب الشافعية إدخال الإصبعين في الأذنين في الأذان ، دون الإقامة . المسألة الثالثة : الأذان على غير وضوء . حكى البخاري /155 عن عطاء ، أنه قال : الوضوء حق وسنة - يعني في الأذان /155 . /155 وعن النخعي أنه قال : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء /155 . ورجح قوله بقول عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه . وقد خرجه مسلم من حديث البهي ، [عن عروة ] ، عن عائشة . وممن قال بالكراهة : مجاهد والأوزاعي والشافعي وإسحاق . وممن ذهب إلى الرخصة : الحسن والنخعي وقتادة وحماد ومالك وسفيان وابن المبارك . ورخص أحمد في الأذان على غير وضوء ، دون الإقامة . وكذا قال الحسن وقتادة ومالك . وقال الأوزاعي : إن أحدث في أذانه أتمه ، وإن أحدث في إقامته - وكان وحده - قطعها . واستحب الشافعي لمن أحدث في أذانه أن يتطهر ، ويبنى على ما مضى منه . قال إسحاق : لم يختلفوا في الإقامة أنها أشد . وقال الزهري : قال أبو هريرة : لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ . ورواه معاوية بن يحيى ، عن الزهري ، عن أبي هريرة - مرفوعا . خرجه الترمذي من الطريقين ، وذكر أن الموقوف أصح . قال : والزهري لم يسمع من أبي هريرة . وروى عمير بن عمران الحنفي : ثنا الحارث بن عيينة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، قال : حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر . خرجه الدارقطني في ( الأفراد ) ، وزاد : ولا يؤذن إلا وهو قائم . وقال : عبد الجبار ، عن أبيه مرسل . قلت : والحارث وعمير ، غير مشهورين . وما ذكره البخاري /155 عن عطاء ، هو من رواية ابن جريج ، عنه ، قال : حق وسنة ألا يؤذن المؤذن إلا متوضئا . قال : [هو] من الصلاة ، هي فاتحة الصلاة ، فلا يؤذن إلا متوضئا /155 . وهذا مبني على قوله : إن من نسي الإقامة أعاد الصلاة ، وقد سبق ذلك عنه . وسبق الكلام في ذكر الله تعالى للمحدث ، وأن منهم من فرق بين الذكر الواجب كالأذان والخطبة ، وبين ما ليس بواجب . وأما أذان الجنب ، فأشد كراهة من أذان المحدث . واختلفوا : هل يعتد به ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : يعتد به ، منهم : سفيان وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد . وقال إسحاق والخرقي من أصحابنا : لا يعتد به ، ويعيده .
المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-42/h/391105
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة