الحديث الثالث : 847 - ثنا عبد الله بن منير : سمع يزيد ، أنا حميد ، عن أنس ، قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل ، ثم خرج علينا ، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ، فقال : إن الناس قد صلوا ورقدوا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة . قد تقدم في باب : وقت العشاء بسياق أتم من هذا . والمقصود منه هاهنا : إقباله صلى الله عليه وسلم بوجهه بعد الصلاة . وخرج مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه . قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك - وفيه : ذكر الدعاء بعد الصلاة - أيضا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود ، قال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا انصرف انحرف . وصححه الترمذي . وفي رواية بعضهم : فصلى ، ثم انحرف . وروى عبد الله بن فروخ ، أنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن أنس بن مالك ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ساعة يسلم يقوم ، ثم صليت مع أبي بكر ، فكان إذا سلم وثب مكانه ، كأنه يقوم على رضف . خرجه البيهقي . وقال : تفرد به عبد الله بن فروخ المصري ، وله أفراد ، فالله أعلم . قلت : وثقه قوم ، وخرج له مسلم في صحيحه ، وتكلم فيه آخرون . وقد رواه عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج ، قال : نبئت ، عن أنس بن مالك - فذكر الحديث بتمامه . وهذا أصح . قال البيهقي : والمشهور : عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : كان أبو بكر الصديق إذا سلم قام كأنه جالس على الرضف . قال : وروينا عن علي ، أنه سلم ثم قام . ثم خرج بإسناده ، عن خارجة بن زيد ، أنه كان يعيب على الأئمة جلوسهم بعد أن يسلموا ، ويقول : السنة في ذلك أن يقوم الإمام ساعة يسلم . قال : وروينا عن الشعبي والنخعي ، أنهما كرهاه . ويذكر عن عمر بن الخطاب . والله أعلم . وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح ، عن ابن عمر ، قال : كان الإمام إذا سلم انكفت وانكفتنا معه . وعن ابن مسعود ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ، ولينحرف عن مجلسه . وعنه ، أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه أو انحرف . وممن روي عنه ، أن الإمام ينحرف ويستقبل القوم بوجهه : علي بن أبي طالب وطلحة والزبير . وقال النخعي : إذا سلم الإمام ثم استقبل القبلة فأحصبوه . وكره ذلك الثوري وأحمد وغيرهما من العلماء . ولم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار ، ومنهم من استحب في عقب صلاة الفجر أن يأتي بالتهليل عشر مرات . ذكره طائفة من أصحابنا وغيرهم ، لما روى شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي ذر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال في دبر صلاة الفجر ، وهو ثان رجله قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير - عشر مرات - كتب له عشر حسنات ، ومحي عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه ، وحرس من الشيطان ، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم ، إلا الشرك بالله . خرجه الترمذي بهذا اللفظ ، وقال : حسن غريب صحيح . وخرجه النسائي في اليوم والليلة بنحوه . وخرجه - أيضا - من وجه آخر من حديث شهر ، عن عبد الرحمن ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، ولم يذكر : وهو ثان رجله ، إنما قال : قبل أن يتكلم ، وذكر في صلاة العصر مثل ذلك . وخرجه الإمام أحمد من حديث شهر ، عن ابن غنم - مرسلا ، وعنده : من قال من قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح - وذكر الحديث . وشهر بن حوشب ، مختلف فيه ، وهو كثير الاضطراب ، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى . وقيل : عنه ، عن ابن غنم ، عن أبي هريرة . وقيل : عن شهر ، عن أبي أمامة . قال الدارقطني : الاضطراب فيه من قبل شهر . وقد روي نحوه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر ، كلها ضعيفة . وحكى بعض أصحاب سفيان الثوري ، عنه ، أنه قال : يستحب للإمام إذا صلى أن لا يجلس مستقبل القبلة ، بل يتحول من مكانه أو ينحرف ، إلا في العصر والفجر . ولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر ، فإنه ذكر له هذا الحديث ، فقال : أعجب إلي أن لا يجلس ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه . يعني : أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشب هذا ، مع أنه ليس في جميع رواياته : قبل أن يثني رجله ، بل في بعضها .
المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-42/h/391440
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة