المؤلف: أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي محمود بن أحمد بن موسي بن أحمد
عدد الأحاديث: 8٬146 (يعرض هنا أول 5٬000 حديث)
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدين وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين بالعلماء المستنبطين الراسخين ، والفضلاء المحققين الشامخين الذين نزهوا كلام سيد المرسلين مميزين عن زيف المخلطين المدلسين ، ورفعوا مناره بنصب العلائم ، وأسندوا عمده بأقوى الدعائم حتى صار مرفوعا بالبناء العالي المشيد ، وبالأحكام الموثق المدمج المؤكد ، مسلسلا بسلسلة الحفظ والإسناد غير منقطع ولا واه إلى يوم التناد ، ولا موقوف على غيره من المباني ، ولا معضل ما فيه من المعاني . والصلاة على من بعث بالدين الصحيح الحسن والحق الصريح السنن ، الخالي عن العلل القادحة ، والسالم من الطعن في أدلته الراجحة محمد المستأثر بالخصال الحميدة ، والمجتبى المختص بالخلال السعيدة ، وعلى آله وصحبه الكرام مؤيدي الدين ، ومظهري الإسلام وعلى التابعين بالخير والإحسان ، وعلى علماء الأمة في كل زمان ما تغرد قمري على الورد والبان ، وناح عندليب على نور الأقحوان . وبعد فإن عاني رحمة ربه الغني أبا محمد محمود بن أحمد العيني عامله ربه ووالديه بلطفه الخفي يقول : إن السنة إحدى الحجج القاطعة ، وأوضح المحجة الساطعة ، وبها ثبوت أكثر الأحكام وعليها مدار العلماء الأعلام وكيف لا وهي القول والفعل من سيد الأنام في بيان الحلال والحرام الذين عليهما مبنى الإسلام ، فصرف الأعمار في استخراج كنوزها من أهم الأمور ، وتوجيه الأفكار في استكشاف رموزها من تعمير العمور ، لها منقبة تجلت عن الحسن والبها ، ومرتبة جلت بالبهجة والسنا وهي أنوار الهداية ومطالعها ، ووسائل الدراية وذرائعها وهي من مختارات العلوم عينها ومن متنقدات نقود المعارف فضها وعينها ، ولولاها لما بان الخطأ عن الصواب ، ولا تميز الشراب من السراب . ولقد تصدت طائفة من السلف الكرام ممن كساهم الله تعالى جلابيب الفهم والإفهام ، ومكنهم من انتقاد الألفاظ الفصيحة المؤسسة على المعاني الصحيحة وأقدرهم على الحفظ بالحفاظ من المتون والألفاظ إلى جمع سنن من سنن سيد المرسلين هادية إلى طرائق شرائع الدين ، وتدوين ما تفرق منها في أقطار بلاد المسلمين بتفرق الصحابة والتابعين الحاملين ، وبذلك حفظت السنن ، وحفظ لها السنن وسلمت عن زيغ المبتدعين ، وتحريف الجهلة المدعين فمنهم الحافظ الحفيظ الشهير المميز الناقد البصير الذي شهدت بحفظه العلماء الثقات واعترفت بضبطه المشايخ الأثبات ، ولم ينكر فضله علماء هذا الشأن ، ولا تنازع في صحة تنقيده اثنان الإمام الهمام حجة الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أسكنه الله تعالى بحابيح جنانه بعفوه الجاري ، وقد دون في السنة كتابا فاق على أمثاله وتميز على أشكاله ووشحه بجواهر الألفاظ من درر المعاني ورشحه بالتبويبات الغريبة المباني بحيث قد أطبق على قبوله بلا خلاف علماء الأسلاف والأخلاف ، فلذلك أصبح العلماء الراسخون الذين تلألأ في ظلم الليالي أنوار قرائحهم الوقادة ، واستنار على صفحات الأيام آثار خواطرهم النقادة قد حكموا بوجوب معرفته ، وأفرطوا في قريضته ومدحته ثم تصدى لشرحه جماعة من الفضلاء وطائفة من الأذكياء من السلف النحارير المحققين وممن عاصرناهم من المهرة المدققين فمنهم من أخذ جانب التطويل وشحنه من الأبحاث بما عليه الاعتماد والتعويل ، ومنهم من لازم الاختصار في البحث عما في المتون ووشحه بجواهر النكات والعيون ، ومنهم من أخذ جانب التوسط مع سوق الفوائد ورصعه بقلائد الفرائد ، ولكن الشرح أي الشرح ما يشفي العليل ، ويبل الأكباد ويروي الغليل حتى يرغب فيه الطلاب ، ويسرع إلى خطبته الخطاب سيما هذا الكتاب الذي هو بحر يتلاطم أمواجا ، رأيت الناس يدخلون فيه أفواجا فمن خاض فيه ظفر بكنز لا ينفد أبدا وفاز بجواهره التي لا تحصى عددا . وقد كان يختلج في خلدي أن أخوض في هذا البحر العظيم لأفوز من جواهره ولآليه بشيء جسيم ، ولكني كنت أستهيب من عظمته أن أحول حوله ، ولا أرى لنفسي قابلية لمقابلتها هوله ثم إني لما رحلت إلى البلاد الشمالية الندية قبل الثمانمائة من الهجرة الأحمدية مستصحبا في أسفاري هذا الكتاب لنشر فضله عند ذوي الألباب ظفرت هناك من بعض مشايخنا بغرائب النوادر ، وفوائد كاللآلي الزواهر مما يتعلق باستخراج ما فيه من الكنوز ، واستكشاف ما فيه من الرموز ثم لما عدت إلى الديار المصرية ديار خير وفضل وأمنية أقمت بها برهة من الخريف مشتغلا بالعلم الشريف ثم اخترعت شرحا لكتاب معاني الآثار المنقولة من كلام سيد الأبرار تصنيف حجة الإسلام الجهبذ العلامة الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي أسكنه الله تعالى من الجنان في أحسن المآوي ، ثم أنشأت شرحا على سنن أبي داود السجستاني بوأه الله دار الجنان فعاقني من عوائق الدهر ما شغلني عن التتميم واستولى علي من الهموم ما يخرج عن الحصر والتقسيم ، ثم لما انجلى عني ظلامها وتجلى علي قتامها في هذه الدولة المؤيدية والأيام الزاهرة السنية ندبتني إلى شرح هذا الكتاب أمور حصلت في هذا الباب . ( الأول ) أن يعلم أن في الزوايا خبايا وأن العلم من منايح الله عز وجل ومن أفضل العطايا . ( والثاني ) إظهار ما منحني الله من فضله الغزير ، وإقداره إياي على أخذ شيء من علمه الكثير والشكر مما يزيد النعمة ، ومن الشكر إظهار العلم للأمة . ( والثالث ) كثرة دعاء بعض الأصحاب بالتصدي لشرح هذا الكتاب على أني قد أملتهم بسوف ولعل ولم يجد ذلك بما قل وجل وخادعتهم عما وجهوا إلي بأخادع الالتماس ووادعتهم من يوم إلى يوم وضرب أخماس لأسداس والسبب في ذلك أن أنواع العلوم على كثرة شجونها وغزارة تشعب فنونها عز على الناس مرامها واستعصى عليهم زمامها صارت الفضائل مطموسة المعالم مخفوضة الدعائم وقد عفت أطلالها ورسومها واندرست معالمها وتغير منثورها ومنظومها وزالت صواها وضعفت قواها . كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ومع هذا فالناس فيما تعبت فيه الأرواح وهزلت فيه الأشباح على قسمين متباينين : قسم هم حسدة ليس عندهم إلا جهل محض وطعن وقدح وعض لكونهم بمعزل عن انتزاع أبكار المعاني وعن تفتيق ما رتق من المباني فالمعاني عندهم تحت الألفاظ مستورة وأزهارها من وراء الأكمام زاهرة منظورة . إذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر وصنف هم ذوو فضائل وكمالات وعندهم لأهل الفضل اعتبارات المنصفون اللاحظون إلى أصحاب الفضائل والتحقيق وإلى أرباب الفواضل والتدقيق بعين الإعظام والإجلال والمرفرفون عليهم أجنحة الأكرام والأشبال والمعترفون بما تلقنوا من الألفاظ ما هي كالدر المنثور والأري المنشور والسحر الحلال والماء الزلال ، وقليل ما هم وهم كالكثير فالواحد منهم كالجم الغفير فهذا الواحد هو المراد الغارد ، ولكن أين ذاك الواحد ثم إني أجبتهم بأن من تصدى للتصنيف يجعل نفسه هدفا للتعسيف ويتحدث فيه بما فيه وما ليس فيه وينبذ كلامه بما فيه التقبيح والتشويه فقالوا ما أنت بأول من عورض ولا بأول من كلامه قد نوقض فإن هذا داء قديم وليس منها سالم إلا وهو سليم فالتقيد بهذا يسد أبواب العلوم عن فتحها وإلا كتراث به يصد عن التمييز بين محاسن الأشياء وقبحها . ( هذا ) ولما لم يرتدعوا عن سؤالهم ولم أجد بدا عن آمالهم شمرت ذيل الحزم عن ساق الجزم ، وأنخت مطيتي وحللت حقيبتي ونزلت في فناء ربع هذا الكتاب لا ظهر ما فيه من الأمور الصعاب وأبين ما فيه من المعضلات وأوضح ما فيه من المشكلات ، وأورد فيه من سائر الفنون بالبيان ما صعب منه على الأقران بحيث إن الناظر فيه بالإنصاف المتجنب عن جانب الاعتساف إن أراد ما يتعلق بالمنقول ظفر بآماله وإن أراد ما يتعلق بالمعقول فاز بكماله ، وما طلب من الكمالات يلقاه وما ظفر من النوادر والنكات يرضاه على أنهم قد ظنوا في قوة لإبلاغهم المرام وقدرة على تحصيل الفهم والإفهام ولعمري ظنهم في معرض التعديل لأن المؤمن لا يظن في أخيه إلا بالجميل مع أني بالتقصير لمعترف ومن بحر الخطايا لمغترف ولكني أتشبه بهم متمنيا أن تكون لي حلية في ميادينهم وشجرة مثمرة في بساتينهم على أني لا أرى لنفسي منزلة تعد من منازلهم ، ولا لذاتي منهل مورد يكون بين مناهلهم ولكني أرجو والرجاء من عادة الحازمين الضابطين ، واليأس من عادة الغافلين القانطين ثم إني قدحت أفكاري بزناد الذكاء حتى أورت أنوارا انكشفت بها مستورات هذا الكتاب وتصديت لتجليته على منصة التحقيق حتى كشف عن وجهه النقاب ، واجتهدت بالسهر الطويل في الليالي الطويلة حتى ميزت من الكلام ما هي الصحيحة من العليلة ، وخضت في بحار التدقيق سائلا من الله الإجابة والتوفيق ، حتى ظفرت بدرر استخرجتها من الأصداف ، وبجواهر أخرجتها من الغلاف حتى أضاء بها ما أبهم من معانيه على أكثر الطلاب وتحلى بها ما كان عاطلا من شروح هذا الكتاب فجاء بحمد الله وتوفيقه فوق ما في الخواطر فائقا على سائر الشروح بكثرة الفوائد والنوادر مترجما بكتاب ( عمدة القاري في شرح البخاري ) ومأمولي من الناظر فيه أن ينظر بالإنصاف ويترك جانب الطعن والاعتساف فإن رأى حسنا يشكر سعى زائره ويعترف بفضل عاثره أو خللا يصلحه أداء حق الأخوة في الدين فإن الإنسان غير معصوم عن زلل مبين . فإن تجد عيبا فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا فالمنصف لا يشتغل بالبحث عن عيب مفضح والمتعسف لا يعترف بالحق الموضح . فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فالله عز وجل يرضى عن المنصف في سواء السبيل ويوفق المتعسف حتى يرجع عن الأباطيل ويمتع بهذا الكتاب المسلمين من العالمين العاملين فإني جعلته ذخيرة ليوم الدين وأخلصت فيه باليقين والله لا يضيع أجر المحسنين وهو على كل شيء قدير وبالإجابة لدعانا جدير ، وبه الإعانة في التحقيق وبيده أزمة التوفيق . أما إسنادي في هذا الكتاب إلى الإمام البخاري رحمه الله فمن طريقين عن محدثين كبيرين . ( الأول ) الشيخ الإمام العلامة مفتي الأنام شيخ الإسلام حافظ مصر والشام زين الدين عبد الرحيم بن أبي المحاسن حسين بن عبد الرحمن العراقي الشافعي أسكنه الله تعالى بحابيح جنانه ، وكساه جلابيب عفوه وغفرانه توفي ليلة الأربعاء الثامنة من شعبان من سنة ست وثمانمائة بالقاهرة فسمعته عليه من أوله إلى آخره في مجالس متعددة آخرها آخر شهر رمضان المعظم قدره من سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بجامع القلعة بظاهر القاهرة المعزية حماها الله عن الآفات بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن منصور الأشموني الحنفي رحمه الله بحق سماعه لجميع الكتاب من الشيخين أبي علي عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري ، وقاضي القضاة علاء الدين علي بن عثمان بن مصطفى بن التركماني مجتمعين . قال الأول : أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي وأبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن رشيق الربعي ، وأبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز بن عزوان سماعا عليهم خلا من باب المسافر إذا جد به السير تعجل إلى أهله في أواخر كتاب الحج إلى أول كتاب الصيام وخلا من باب ما يجوز من الشروط في المكاتب إلى باب الشروط في الجهاد وخلا من باب غزو المرأة في البحر إلى دعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الإسلام فأجازه منهم قالوا : أخبرنا هبة الله بن علي بن مسعود البوصيري ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الأرتاحي ، قال البوصيري : أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي وقال الأرتاحي : أخبرنا علي بن عمر الفراء إجازة قالا : أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية قالت : أخبرنا أبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني ، وقال الثاني : أخبرنا جماعة منهم أبو الحسن علي بن محمد بن هارون القاري قال : أنا عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي قال : أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه قال هو والكشميهني : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قال : ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله . ( والثاني ) الشيخ الإمام العالم المحدث الكبير تقي الدين محمد بن معين الدين محمد بن زين الدين عبد الرحمن بن حيدرة بن عمرو بن محمد الدجوي المصري الشافعي رحمه الله رحمة واسعة فسمعته عليه من أوله إلى آخره في مجالس متعددة آخرها آخر شهر رمضان المعظم قدره من سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة بقراءة الشيخ الإمام القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد الشهير بابن التقي المالكي بحق قراءته جميع الكتاب على الشيخين المسندين زين الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن هارون الثعلبي ، وصلاح الدين خليل بن طرنطاي بن عبد الله الزيني العادلي بسماع الأول على والده وعلى أبي الحسن علي بن عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن تيمية بسماع والده من أبي عبد الله الحسين بن الزبيدي في الرابعة ، وبسماع ابن تيمية من أبي الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي بسماعهما من أبي الوقت وبسماع الأول أيضا على أبي عبد الله محمد بن مكي بن أبي الذكر الصقلي بسماع ابن أبي الذكر من أبي الزبيدي ( ح ) وبسماع والده أيضا في الرابعة من الإمام الحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن صلاح قال : أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي قال : أنا المشايخ الأربعة أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي وأبو بكر وجيه بن طاهر الشحامي وأبو محمد بن عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وأبو عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي سماعا وإجازة قال الفارسي ومحمد بن الفضل : أنا سعيد بن أبي سعيد العيار قال : أنا أبو علي بن محمد بن عمر بن شبويه وقال الشحامي والشاذياخي ومحمد بن الفضل الفراوي : أنا أبو سهل بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحفصي قال : أنا أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد الكشميهني بسماعه وسماع ابن شبويه من الفربري ثنا الإمام البخاري رحمه الله ( ح ) وبسماع الثاني وهو خليل الطرنطاي من أبي العباس أحمد بن أبي طالب نعمة بن حسن بن علي بن بيات الصالحي ابن الشحنة الحجار وأم محمد وزيرة ابنة عمرو بن أسعد بن المنجا قال : أنا ابن الزبيدي قال : أنا أبو الوقت عبد الأول السجزي قال : أنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قال : أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه قال : أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قال : ثنا الإمام البخاري رحمه الله تعالى . ( فوائد ) الأولى سمى البخاري كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه وهو أول كتابه وأول كتاب صنف في الحديث الصحيح المجرد ، وصنفه في ست عشرة سنة ببخارى قاله ابن طاهر ، وقيل : بمكة قاله ابن البجير سمعته يقول : صنفت في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثا إلا بعدما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته ويجمع بأنه كان يصنف فيه بمكة والمدينة والبصرة وبخارى فإنه مكث فيه ست عشرة سنة كما ذكرنا ، وفي تاريخ نيسابور للحاكم عن أبي عمرو إسماعيل ثنا أبو عبد الله محمد بن علي قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي أصنف وأحج كل سنة وأرجع من مكة إلى البصرة قال : وأنا أرجو أن الله تعالى يبارك للمسلمين في هذه المصنفات . ( الثانية ) اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم فرجح البعض منهم المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم لأنه أكثر فوائد منه ، وقال النسائي ما في هذه الكتب أجود منه قال الإسماعيلي : ومما يرجح به أنه لا بد من ثبوت اللقاء عنده وخالفه مسلم واكتفى بإمكانه وشرطهما أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له أيضا راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك . ( الثالثة ) قد قال الحاكم الأحاديث المروية بهذه الشريطة لم يبلغ عددها عشرة آلاف حديث وقد خالفا شرطهما فقد أخرجا في الصحيحين حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إنما الأعمال بالنيات ولا يصح إلا فردا كما سيأتي إن شاء الله تعالى وحديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب ولم يرو عنه غير ابنه سعيد وأخرج مسلم حديث حميد بن هلال عن أبي رفاعة العدوي ولم يرو عنه غير حميد ، وقال ابن الصلاح : وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن ثعلب : إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي لم يرو عنه غير الحسن قلت : فقد روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج نص عليه ابن أبي حاتم ، وأخرج أيضا حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي : يذهب الصالحون الأول فالأول ولم يرو عنه غير قيس قلت : فقد روى عنه أيضا زياد بن علاقة كما ذكره ابن أبي حاتم ، وأخرج مسلم حديث عبد الله بن الصامت عن رافع بن عمرو الغفاري ولم يرو عنه غير عبد الله قلت : ففي الغيلانيات من حديث سليمان بن المغيرة ثنا ابن حكم الغفاري حدثني جدي عن رافع بن عمرو فذكر حديثا ، وأخرج حديث أبي بردة عن الأغر المزني ( إنه ليغان على قلبي ) ولم يرو عنه غير أبي بردة قلت : قد ذكر العسكري أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما روى عنه أيضا وروى عنه معاوية بن قرة أيضا ، وفي معرفة الصحابة لابن قانع قال ثابت البناني : عن الأغر أغر مزينة وأغرب من قول الحاكم قول الميانشي في ( إيضاح ما لا يسع المحدث جهله ) شرطهما في صحيحيهما ألا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما وذلك ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان من الصحابة فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة . والظاهر أن شرطهما اتصال الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من مبتداه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة . ( الرابعة ) جملة ما فيه من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وبحذفها نحو أربعة آلاف حديث ، وقال أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي : الذي اشتمل عليه كتاب البخاري من الأحاديث سبعة آلاف وستمائة ونيف قال : واشتمل كتابه وكتاب مسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة رضي الله تعالى عنها من جملة الكتاب مائتين ونيفا وسبعين حديثا لم تخرج غير الأحكام منها إلا يسيرا قال الحاكم : فحمل عنها ربع الشريعة ومن الغريب ما في كتاب الجهر بالبسملة لابن سعد إسماعيل بن أبي القاسم البوشنجي نقل عن البخاري أنه صنف كتابا أورد فيه مائة ألف حديث صحيح . ( الخامسة ) فهرست أبواب الكتاب ذكرها مفصلة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحموي فقال : عدد أحاديث صحيح البخاري رحمه الله بدأ الوحي سبعة أحاديث ، الإيمان خمسون ، العلم خمسة وسبعون ، الوضوء مائة وتسعة أحاديث ، غسل الجنابة ثلاثة وأربعون ، الحيض سبعة وثلاثون ، التيمم خمسة عشر ، فرض الصلاة حديثان ، الصلاة في الثياب تسعة وثلاثون ، القبلة ثلاثة عشر ، المساجد ستة وثلاثون ، سترة المصلى ثلاثون ، مواقيت الصلاة خمسة وسبعون ، الأذان ثمانية وعشرون ، فضل صلاة الجماعة وإقامتها أربعون ، الإمامة أربعون ، إقامة الصفوف ثمانية عشر ، افتتاح الصلاة ثمانية وعشرون ، القراءة ثلاثون ، الركوع والسجود والتشهد اثنان وخمسون ، انقضاء الصلاة سبعة عشر ، اجتناب أكل الثوم خمسة أحاديث . صلاة النساء والصبيان خمسة عشر ، الجمعة خمسة وستون ، صلاة الخوف ستة أحاديث ، العيد أربعون ، الوتر خمسة عشر ، الاستسقاء خمسة وثلاثون ، الكسوف خمسة وعشرون ، سجود القرآن أربعة عشر ، القصر ستة وثلاثون ، الاستخارة ثمانية ، التحريض على قيام الليل أحد وأربعون ، النوافل ثمانية عشر ، الصلاة بمسجد مكة تسعة ، العمل في الصلاة ستة وعشرون ، السهو أربعة عشر ، الجنائز مائة وأربعة وخمسون ، الزكاة مائة وثلاثة عشر ، صدقة الفطر عشرة ، الحج مائتان وأربعون ، العمرة اثنان وثلاثون ، الإحصار أربعون ، جزاء الصيد أربعون ، الصوم ستة وستون ، ليلة القدر عشرة ، قيام رمضان ستة ، الاعتكاف عشرون ، البيوع مائة واحد وتسعون ، السلم تسعة عشر ، الشفعة ثلاثة أحاديث ، الإجارة أربعة وعشرون ، الحوالة ثلاثون ، الكفالة ثمانية أحاديث ، الوكالة سبعة عشر ، المزارعة والشرب تسعة وعشرون ، الاستقراض وأداء الديون خمسة وعشرون ، الأشخاص ثلاثة عشر ، الملازمة حديثان ، اللقطة خمسة عشر ، المظالم والغصب أحد وأربعون . الشركة اثنان وسبعون ، الرهن تسعة أحاديث ، العتق أحد وعشرون ، المكاتب ستة ، الهبة تسعة وستون ، الشهادات ثمانية وخمسون ، الصلح اثنان وعشرون ، الشروط أربعة وعشرون ، الوصايا أحد وأربعون ، الجهاد والسير مائتان وخمسة وخمسون ، بقية الجهاد أيضا اثنان وأربعون ، فرض الخمس ثمانية وخمسون ، الجزية والموادعة ثلاثة وستون ، بدأ الخلق مائتان وحديثان ، الأنباء والمغازي أربعمائة وثمانية وعشرون ، جزاء الآخر بعد المغازي مائة وثمانية وثلاثون ، التفسير خمسمائة وأربعون ، فضائل القرآن أحد وثمانون ، النكاح والطلاق مائتان وأربعة وأربعون ، النفقات اثنان وعشرون ، الأطعمة سبعون ، العقيقة أحد عشر ، الصيد والذبائح وغيره تسعون ، الأضاحي ثلاثون . الأشربة خمسة وستون ، الطب تسعة وسبعون ، اللباس مائة وعشرون ، المرضى أحد وأربعون ، اللباس أيضا مائة ، الأدب مائتان وستة وخمسون ، الاستئذان سبعة وسبعون ، الدعوات ستة وسبعون ، ومن الدعوات ثلاثون ، الرقاق مائة ، الحوض ستة عشر ، الجنة والنار سبعة وخمسون ، القدر ثمانية وعشرون ، الأيمان والنذر أحد وثلاثون ، كفارة اليمين خمسة عشر ، الفرائض خمس وأربعون ، الحدود ثلاثون ، المحاربون اثنان وخمسون ، الديات أربعة وخمسون ، استتابة المرتدين عشرون ، الإكراه ثلاثة عشر ، ترك الحيل ثلاثة وعشرون ، التعبير ستون ، الفتن ثمانون ، الأحكام اثنان وثمانون ، الأمان اثنان وعشرون ، إجازة خبر الواحد تسعة عشر ، الاعتصام ستة وتسعون ، التوحيد وعظمة الرب سبحانه وتعالى وغير ذلك إلى آخر الكتاب مائة وسبعون . ( السادسة ) جملة من حدث عنه البخاري في صحيحه خمس طبقات ( الأولى ) لم يقع حديثهم إلا كما وقع من طريقه إليهم منهم محمد بن عبد الله الأنصاري حدث عنه عن حميد عن أنس ، ومنهم مكي بن إبراهيم ، وأبو عاصم النبيل حدث عنهما عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ، ومنهم عبيد الله بن موسى حدث عنه عن معروف عن أبي الطفيل ، عن علي وحدث عنه عن هشام بن عروة ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وهما تابعيان ومنهم أبو نعيم حدث عنه عن الأعمش والأعمش تابعي ، ومنهم علي بن عياش حدث عنه عن حريز بن عثمان عن عبد الله بن بشر الصحابي هؤلاء وأشباههم الطبقة الأولى ، وكأن البخاري سمع مالكا والثوري وشعبة وغيرهم فإنهم حدثوا عن هؤلاء وطبقتهم . ( الثانية ) من مشايخه قوم حدثوا عن أئمة حدثوا عن التابعين وهم شيوخه الذين روى عنهم عن ابن جريج ومالك وابن أبي ذئب وابن عيينة بالحجاز ، وشعيب والأوزاعي وطبقتهما بالشام والثوري وشعبة ، وحماد وأبو عوانة ، وهما بالعراق والليث ويعقوب بن عبد الرحمن بمصر ، وفي هذه الطبقة كثرة . ( الثالثة ) قوم حدثوا عن قوم أدرك زمانهم وأمكنه لقيهم لكنه لم يسمع منهم كيزيد بن هارون وعبد الرزاق . ( الرابعة ) قوم في طبقته حدث عنهم عن مشايخه كأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي حدث عنه في صحيحه ، ولم ينسبه عن يحيى بن صالح . ( الخامسة ) قوم حدث عنهم وهم أصغر منه في الإسناد والسن والوفاة والمعرفة منهم عبد الله بن حماد الآملي وحسين القباني وغيرهما ولا بد من الوقوف على هذا لأن من لا معرفة له يظن أن البخاري إذا حدث عن مكي ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ثم حدث في موضع آخر عن بكر بن مضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن يزيد بن أبي عبيد الله ، عن سلمة أن الإسناد الأول سقط منه شيء وإنما يحدث في موضع عاليا وفي موضع نازلا فقد حدث في مواضع كثيرة جدا عن رجل ، عن مالك ، وفي موضع عن عبد الله بن محمد المسندي عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك . وحدث في مواضع عن رجل ، عن شعبة وحدث في مواضع عن ثلاثة عن شعبة منها حديثه عن حماد بن حميد ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة وحدث في مواضع عن رجل ، عن الثوري ، وحدث في مواضع عن ثلاثة عنه فحدث عن أحمد بن عمر ، عن ابن أبي النضر عن عبيد الله الأشجعي ، عن الثوري ، وأعجب من هذا كله أن عبد الله ابن المبارك أصغر من مالك ، وسفيان وشعبة ومتأخر الوفاة ، وحدث البخاري عن جماعة من أصحابه عنه ، وتأخرت وفاتهم ثم حدث عن سعيد بن مروان ، عن محمد بن عبد العزيز عن أبي رزمة عن أبي صالح سلمويه ، عن عبد الله بن المبارك فقس على هذا أمثاله وقد حدث البخاري عن قوم خارج الصحيح ، وحدث عن رجل عنهم في الصحيح منهم أحمد بن منيع ، وداود بن رشيد وحدث عن قوم في الصحيح وحدث عن آخرين عنهم منهم أبو نعيم ، وأبو عاصم ، والأنصاري وأحمد بن صالح ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين فإذا رأيت مثل هذا فأصله ما ذكرنا وقد روي عن البخاري : لا يكون المحدث محدثا كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه . ( السابعة ) في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين وهو محمول على أنه لم يثبت جرحهم بشرطه فإن الجرح لا يثبت إلا مفسرا مبين السبب عند الجمهور ، ومثل ذلك ابن الصلاح بعكرمة وإسماعيل بن أبي أويس ، وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم قال : واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة ممن اشتهر الطعن فيهم ، قال : وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يقبل إلا إذا فسر سببه قلت : قد فسر الجرح في هؤلاء أما عكرمة فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وكذبه مجاهد ، وابن سيرين ، ومالك ، وقال أحمد : يرى رأي الخوارج الصفرية ، وقال ابن المديني : يرى رأي نجدة ويقال كان يرى السيف والجمهور وثقوه واحتجوا به ولعله لم يكن داعية . وأما إسماعيل بن أبي أويس فإنه أقر على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي عن سلمة بن شعيب عنه ، وقال ابن معين : لا يساوي فلسين هو وأبوه يسرقان الحديث ، وقال النضر بن سلمة المروزي فيما حكاه الدولابي عنه : كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب ، وأما عاصم بن علي فقال ابن معين : لا شيء ، وقال غيره : كذاب ابن كذاب ، وأما أحمد فصدقه وصدق أباه ، وأما عمرو بن مرزوق فنسبه أبو الوليد الطيالسي إلى الكذب ، وأما أبو حاتم فصدقه وصدق أباه فوثقه ، وأما سويد بن سعيد فمعروف بالتلقين ، وقال ابن معين : كذاب ساقط وقال أبو داود : سمعت يحيى يقول : هو حلال الدم وقد طعن الدارقطني في كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع على البخاري ومسلم في مائتي حديث فيهما ولأبي مسعود الدمشقي عليهما استدراك ، وكذا لأبي علي الغساني في تقييده . ( الثامنة ) في الفرق بين الاعتبار والمتابعة والشاهد وقد أكثر البخاري من ذكر المتابعة فإذا روى حماد مثلا حديثا عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا هل تابعه ثقة فرواه عن أيوب فإن لم نجد ثقة غير أيوب ، عن ابن سيرين فثقة غيره عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، وإلا فصحابي غير أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام فأي ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه ، وإلا فلا فهذا النظر هو الاعتبار . وأما المتابعة فأن يرويه عن أيوب غير حماد أو عن ابن سيرين غير أيوب ، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين ، أو عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير أبي هريرة فكل نوع من هذه يسمى متابعة . وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه وتسمى المتابعة شاهدا ولا ينعكس فإذا قالوا في مثل هذا تفرد به أبو هريرة ، أو ابن سيرين ، أو أيوب ، أو حماد كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها فيه ، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية بعض الضعفاء ، وفي الصحيح جماعة منهم ذكروا في المتابعات والشواهد ، ولا يصلح لذاك كل ضعيف ولهذا يقول الدارقطني وغيره : فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به مثال المتابع والشاهد حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به ورواه ابن جريج عن عمرو ، عن عطاء بدون الدباغ تابع عمرو أسامة بن زيد فرواه عن عطاء ، عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال : ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فانتفعتم به وشاهده حديث عبد الرحمن بن وعلة ، عن ابن عباس رفعه : أيما إهاب دبغ فقد طهر فالبخاري يأتي بالمتابعة ظاهرا كقوله في مثل هذا تابعه مالك ، عن أيوب أي تابع مالك حمادا فرواه عن أيوب كرواية حماد فالضمير في تابعه يعود إلى حماد ، وتارة يقول : تابعه مالك ولا يزيد فيحتاج إذن إلى معرفة طبقات الرواة ومراتبهم . ( التاسعة ) في ضبط الأسماء المتكررة المختلفة في الصحيحين ( أبي ) كله بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف إلا آبي اللحم فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة ثم باء مكسورة ثم ياء مخففة لأنه كان لا يأكله ، وقيل : لا يأكل ما ذبح للصنم ( البراء ) كله بتخفيف الراء إلا أبا معشر البراء ، وأبا العالية البراء فبالتشديد وكله ممدود ، وقيل : إن المخفف يجوز قصره حكاه النووي والبراء هو الذي يبري العود ( يزيد ) كله بالمثناة التحتية والزاي إلا ثلاثة بريد بن عبد الله بن أبي بردة يروي غالبا عن أبي بردة بضم الباء الموحدة وبالراء ، والثاني محمد بن عرعرة بن البرند بموحدة وراء مكسورتين ، وقيل : بفتحهما ثم نون ، والثالث : علي بن هاشم بن البريد بموحدة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم مثناه تحت ( يسار ) كله بالياء آخر الحروف والسين المهملة إلا محمد بن بشار شيخهما فبموحدة ثم معجمة ، وفيهما سيار ابن سلامة ، وسيار بن أبي سيار بمهملة ثم بمثناة ( بشر ) كله بموحدة ثم شين معجمة إلا أربعة فبالضم ثم مهملة عبد الله بن بسر الصحابي ، وبسر بن سعيد ، وبسر بن عبيد الله الحضرمي ، وبسر بن محجن ، وقيل : هذا بالمعجمة كالأول ( بشير ) كله بفتح الموحدة وكسر المعجمة إلا اثنين فبالضم وفتح الشين ، وهما بشير بن كعب ، وبشير بن يسار ، وإلا ثالثا فبضم المثناة ، وفتح المهملة وهو يسير بن عمرو ، ويقال : أسير ورابعا فبضم النون وفتح المهملة قطن بن نسير ( حارثة ) كله بالحاء المهملة والمثلثة إلا جارية ابن قدامة ويزيد بن جارية فبالجيم ، والمثناة ولم يذكر غيرهما ابن الصلاح وذكر الجياني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة قال : حديثه مخرج في الصحيحين والأسود بن العلاء بن جارية حديثه في مسلم ( جرير ) كله بالجيم وراء مكررة إلا حريز بن عثمان ، وأبا حريز بن عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة فبالحاء ، والزاي آخرا ويقاربه حدير بالحاء والدال والد عمران ، ووالد زياد وزيد ( حازم ) كله بالحاء المهملة إلا أبا معاوية محمد بن خازم فبالمعجمة كذا اقتصر عليه ابن الصلاح وتبعه النووي وأهملا بشير بن جازم الإمام الواسطي آخر رجاله ، ومحمد بن بشير العبدي كناه أبا حازم بالمهملة قال أبو علي الجياني : والمحفوظ أنه بالمعجمة كذا كناه أبو أسامة في روايته عنه قاله الدارقطني ( حبيب ) كله بفتح المهملة إلا خبيب بن عدي وخبيب بن عبد الرحمن وخبيبا غير منسوب عن حفص بن عاصم ، وخبيبا كنية ابن الزبير فبضم المعجمة . ( حيان ) كله بالفتح والمثناة إلا حبان بن منقذ والد واسع بن حبان ، وجد محمد بن يحيى بن حبان ، وجد حبان بن واسع بن حبان ، والأحبان بن هلال منسوبا وغير منسوب عن شعبة ووهيب ، وهمام وغيرهم فبالموحدة وفتح الحاء ، والأحبان بن العرقة وحبان بن عطية ، وحبان بن موسى منسوبا وغير منسوب عن عبد الله هو ابن المبارك فبكسر الحاء ، وبالموحدة وذكر الجياني أحمد بن سنان بن أسد بن حبان روى له البخاري في الحج ، ومسلم في الفضائل وأهمله ابن الصلاح والنووي . ( خراش ) كله بالخاء المعجمة إلا والد ربعي فبالمهملة . ( حزام ) بالزاي في قريش وبالراء في الأنصار وفي المختلف والمؤتلف لابن حبيب في جذام حرام بن جذام ، وفي تميم بن مر حرام بن كعب ، وفي خزاعة حرام بن حبشية بن كعب بن سلول بن كعب وفي عذرة حرام بن حنبة ، وأما حزام بالزاي فجماعة في غير قريش منهم حزام بن هشام الخزاعي ، وحزام بن ربيعة الشاعر ، وعروة بن حزام الشاعر العدوي . ( حصين ) كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين إلا أبا حصين عثمان بن عاصم فبالفتح وكسر الصاد وإلا أبا ساسان حضين بن المنذر فبالضم وضاد معجمة . ( حكيم ) كله بفتح الحاء وكسر الكاف إلا حكيم بن عبد الله ورزيق بن حكيم فبالضم وفتح الكاف . ( رباح ) كله بالموحدة إلا زياد بن رياح ، عن أبي هريرة في أشراط الساعة فبالمثناة عند الأكثرين ، وقال البخاري بالوجهين بالمثناة وبالموحدة وذكر أبو علي الجياني محمد بن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي سمع أنسا وعنه مالك رويا له ، ورياح بن عبيدة من ولد عمر بن عبد الوهاب الرياحي روى له مسلم ورياح في نسب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقيل بالموحدة . ( زبيد ) بضم الزاي هو ابن الحارث ليس فيهما غيره ، وأما زبيد بن الصلت فبعد الزاي ياء آخر الحروف مكررة وهو في الموطأ . ( الزبير ) بضم الزاي إلا عبد الرحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة فبالفتح وكسر الباء . ( زياد ) كله بالياء إلا أبا الزناد فبالنون . ( سالم ) كله بالألف ويقاربه سلم بن زرير بفتح الزاي وسلم بن قتيبة وسلم بن أبي الذيال وسلم بن عبد الرحمن بحذفها . ( سليم ) كله بالضم إلا ابن حبان فبالفتح . ( شريح ) كله بالمعجمة والحاء المهملة إلا ابن يونس وابن نعمان وأحمد بن سريج فبالمهملة والجيم . ( سلمة ) بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه ، وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها وفي عبد الخالق ابن سلمة وجهان . ( سليمان ) كله بالياء إلا سلمان الفارسي وابن عامر ، والأغر ، وعبد الرحمن بن سالم فبفتحها ، وأبي حازم الأشجعي وأبي رجاء مولى ابن قدامة ، وكل منهم اسمه بغير ياء ولكن ذكر بالكنية . ( سلام ) كله بالتشديد إلا عبد الرحمن بن سلام الصحابي ، ومحمد بن سلام شيخ البخاري فبالتخفيف وشدد جماعة شيخ البخاري وادعى صاحب المطالع أن الأكثر عليه وأخطأ نعم المشدد محمد بن سلام بن السكن البيكندي الصغير وهو من أقرانه ، وفي غير الصحيحين جماعة بالتخفيف أيضا . ( شيبان ) كله بالشين المعجمة ثم الياء آخر الحروف ثم الباء الموحدة ويقاربه سنان بن أبي سنان وابن ربيعة ، وأحمد بن سنان ، وسنان بن سلمة ، وأبو سنان ضرار بن مرة بالمهملة والنون . ( عباد ) كله بالفتح والتشديد إلا قيس بن عباد فبالضم والتخفيف . ( عبادة ) كله بالضم إلا محمد بن عبادة شيخ البخاري فبالفتح . ( عبدة ) كله بإسكان الباء إلا عامر بن عبدة وبجالة بن عبدة ففيهما الفتح والإسكان والفتح أشهر ، وعن بعض رواة مسلم عامر بن عبد بلا هاء ولا يصح . ( عبيد ) كله بضم العين ( عبيدة ) كله بالضم إلا السلماني ، وابن سفيان ، وابن حميد ، وعامر بن عبيدة فبالفتح وذكر الجياني عامر بن عبيدة قاضي البصرة ذكره البخاري في كتاب الأحكام . ( عقيل ) كله بالفتح إلا عقيل بن خالد الأيلي ويأتي كثيرا عن الزهري غير منسوب ، وإلا يحيى بن عقيل ، وبني عقيل للقبيلة فبالضم . ( عمارة ) كله بضم العين . ( واقد ) كله بالقاف ، ( يسرة ) بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة وهو يسرة بن صفوان شيخ البخاري ، وأما بسرة بنت صفوان فليس ذكرها في الصحيحين . ( الأنساب ) ( الأيلي ) كله بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف نسبة إلى أيلة قرية من قرى مصر ، ولا يرد شيبان بن فروخ الأبلي بضم الهمزة والموحدة شيخ مسلم لأنه لم يقع في صحيح مسلم منسوبا ، وهو نسبة إلى أبلة مدينة قديمة وهي مدينة كور دجلة وكانت المسلحة والمدينة العامرة أيام الفرس قبل أن تخط البصرة . ( البصري ) كله بالباء الموحدة المفتوحة والمكسورة نسبة إلى البصرة مثلثة الباء إلا مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، وعبد الواحد النصري ، وسالما مولى النصريين فبالنون . ( البزاز ) بزايين معجمتين محمد بن الصباح وغيره إلا خلف بن هشام البزار ، والحسن بن الصباح فآخرهما راء مهملة ذكرهما ابن الصلاح ، وأهمل يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب ، وبشر بن ثابت فآخرهما راء مهملة أيضا فالأول حدث عنه البخاري في صدقة الفطر والدعوات ، والثاني استشهد به في صلاة الجمعة . ( الثوري ) كله بالمثلثة إلا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزي بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الواو المفتوحة ، وبالزاي ذكره البخاري في كتاب الردة . ( الجريري ) بضم الجيم وفتح الراء إلا يحيى بن بشر الحريري شيخهما على ما ذكره ابن الصلاح ، ولم يعلم له المزي إلا علامة مسلم فقط فبالحاء المفتوحة ، وعد ابن الصلاح من الأول ثلاثة ثم قال : وهذا ما فيهم بالجيم المضمومة وأهمل رابعا وهو عباس ابن فروح روى له مسلم في الاستسقاء ، وخامسا وهو أبان بن ثعلب روى له مسلم أيضا . ( الحارثي ) كله بالحاء وبالمثلثة ويقاربه سعد الجاري بالجيم وبعد الراء ياء مشددة نسبة إلى الجاري مرقى السفن بساحل المدينة . ( الحزامي ) كله بالحاء والزاي وقوله في صحيح مسلم في حديث أبي اليسر كان لي على فلان الحرامى قيل : بالزاي وبالراء ، وقيل : الجذامي بالجيم والذال المعجمة . ( الحرامي ) بالمهملتين في الصحيحين جماعة منهم جابر بن عبد الله . ( السلمي ) في الأنصار بفتح اللام وحكي كسرها وفي بني سليم بضمهما وفتح اللام . ( الهمداني ) كله بإسكان الميم والدال المهملة قال الجياني أبو أحمد بن المرار بن حمويه الهمذاني بفتح الميم والذال معجمة يقال : إن البخاري حدث عنه في الشروط ( واعلم ) أن كل ما في البخاري أخبرنا محمد قال : أخبرنا عبد الله فهو ابن مقاتل المروزي ، عن ابن المبارك ، وما كان أخبرنا محمد عن أهل العراق كأبي معاوية ، وعبدة ويزيد بن هارون والفزاري فهو ابن سلام البيكندي ، وما كان فيه عبد الله غير منسوب فهو عبد الله بن محمد الجعفي المسندي مولى محمد بن إسماعيل البخاري ، وما كان أخبرنا يحيى غير منسوب فهو ابن موسى البلخي وإسحاق غير منسوب هو ابن راهويه فافهم . ( العاشرة ) قد أكثر البخاري من أحاديث وأقوال الصحابة وغيرهم بغير إسناد فإن كان بصيغة جزم كقال وروى ونحوهما فهو حكم منه بصحته ، وما كان بصيغة التمريض كروي ونحوه فليس فيه حكم بصحته ، ولكن ليس هو واهيا إذ لو كان واهيا لما أدخله في صحيحه ( فإن قلت ) قد قال : ما أدخلت في الجامع إلا ما صح يخدش فيه ذكره ما كان بصيغة التمريض قلت : معناه ما ذكرت فيه مسندا إلا ما صح ، وقال القرطبي : لا يعلق في كتابه إلا ما كان في نفسه صحيحا مسندا لكنه لم يسنده ليفرق بين ما كان على شرطه في أصل كتابه ، وبين ما ليس كذلك ، وقال الحميدي والدارقطني وجماعة من المتأخرين : إن هذا إنما يسمى تعليقا إذا كان بصيغة الجزم تشبيها بتعليق الجدار لقطع الاتصال وإنما سمي تعليقا إذا انقطع من أول إسناده واحد فأكثر ، ولا يسمى بذلك ما سقط وسط إسناده أو آخره ولا ما كان بصيغة تمريض نبه عليه ابن الصلاح . ( مقدمة ) اعلم أن لكل علم موضوعا ومبادئ ومسائل . فالموضوع ما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية . والمبادئ هي الأشياء التي يبنى عليها العلم وهي إما تصورات أو تصديقات فالتصورات حدود أشياء تستعمل في ذلك العلم والتصديقات هي المقدمات التي منها يؤلف قياسات العلم . والمسائل هي التي يشتمل العلم عليها ، فموضوع علم الحديث هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنه رسول الله عليه الصلاة والسلام . ومبادئه هي ما تتوقف عليه المباحث وهو أحوال الحديث وصفاته . ومسائله هي الأشياء المقصودة منه ، وقد قيل : لا فرق بين المقدمات والمبادئ ، وقيل المقدمات أعم من المبادئ لأن المبادئ ما يتوقف عليه دلائل المسائل بلا وسط والمقدمة ما تتوقف عليه المسائل والمبادئ بوسط أو لا بوسط ، وقيل : المبادئ ما يبرهن بها وهي المقدمات والمسائل ما يبرهن عليها والموضوعات ما يبرهن فيها ( قلت ) وجه الحصر أن ما لا بد للعلم أن كان مقصودا منه فهو المسائل وغير المقصود إن كان متعلق المسائل فهو الموضوع وإلا فهو المبادئ وهي حده وفائدته واستمداده ( أما ) حده فهو علم يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله . وأما فائدته فهي الفوز بسعادة الدارين . وأما استمداده فمن أقوال الرسول عليه السلام وأفعاله . أما أقواله فهو الكلام العربي فمن لم يعرف الكلام العربي بجهاته فهو بمعزل عن هذا العلم وهي كونه حقيقة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيدا ومحذوفا ومضمرا ومنطوقا ومفهوما واقتضاء وإشارة وعبارة ودلالة وتنبيها وإيماء ونحو ذلك مع كونه على قانون العربية الذي بينه النحاة بتفاصيله وعلى قواعد استعمال العرب وهو المعبر عنه بعلم اللغة . وأما أفعاله فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها ما لم يكن طبعا أو خاصة فها نحن نشرع في المقصود بعون الملك المعبود ، ونسأله الإعانة على الاختتام متوسلا بالنبي خير الأنام وآله وصحبه الكرام .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف أي : هذا كتاب في بيان الاعتكاف وأحواله وهذا بالبسملة ، ولفظ الكتاب في رواية النسفي ولم يقع هذا في رواية غيره إلا في رواية المستملي وقعت البسملة بعد قوله : أبواب الاعتكاف ، وهو في اللغة اللبث مطلقا . ويقال : الاعتكاف والعكوف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومها في اللغة ، ومنه يقال لمن لازم المسجد : عاكف ومعتكف هكذا ذكره ابن الأثير في النهاية . وفي المغني هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالي : مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وقوله تعالى : يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ وقوله تعالى : وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا وفي الشرع : الاعتكاف الإقامة في المسجد واللبث فيه على وجه التقرب إلى الله تعالى على صفة يأتي ذكرها . قال الجوهري : عكفه أي : حبسه يعكفه بضم عينها وكسرها عكفا ، وعكف على الشيء يعكف عكوفا أي : أقبل عليه مواظبا يستعمل لازما فمصدره عكوف ، ومتعديا فمصدره عكف ، والاعتكاف مستحب قاله في بعض كتب أصحابنا ، وفي المحيط سنة مؤكدة ، وفي المبسوط قربة مشروعة وفي منية المفتي سنة ، وقيل : قربة ، وفي التوضيح قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلا بالنذر . فإن قلت : كان الزهري يقول : عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض ، قلت : قال أصحابنا : إن أكثر الصحابة لم يعتكفوا ، وقال مالك : لم يبلغني أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن المسيب ، ولا أحدا من سلف هذه الأئمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ، وأراهم تركوه لشدته لأن ليله ونهاره سواء . وفي المجموعة للمالكية تركوه لأنه مكروه في حقهم إذ هو كالوصال المنهي . وأقل الاعتكاف نفلا يوم عند أبي حنيفة ، وبه قال مالك ، وعند أبي يوسف أكثر اليوم ، وعند محمد ساعة ، وبه قال : الشافعي وأحمد في رواية ، وحكى أبو بكر الرازي عن مالك : أن مدة الاعتكاف عشرة أيام فيلزم بالشروع ذلك وفي الجلاب أقله يوم والاختيار عشرة أيام ، وفي الإكمال استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام ، وهذا يرد نقل الرازي عنه ، وقال أبو البركات بن تيمية الحنبلي : وقالت الأئمة الأربعة وأتباعهم : الصوم من شرط الاعتكاف الواجب وهو مذهب علي وابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، والقاسم بن محمد ، ونافع وابن المسيب ، والأوزاعي ، والزهري ، والثوري ، والحسن بن حي . وقال عبد الله بن مسعود ، وطاوس ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، وداود ، وإسحاق وأحمد في رواية : إن الصوم ليس بشرط في الواجب والنفل وبه قال الشافعي : وأحمد وما ذكره أبو البركات قول قديم للشافعي واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه ورواه الدارقطني قال : ورفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السوسي وغيره لا يرفعه وهو شيخ الدارقطني لكنه خالف الجماعة في رفعه مع أن النافي لا يحتاج إلى دليل واحتجت الطائفة الأولى بحديث عائشة الذي رواه أبو داود ، وفيه : لا اعتكاف إلا بصوم والمراد به الاعتكاف الواجب ، وعند الحنفية الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة ، ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة فلذلك قال : أقله يوم والمراد به الاعتكاف مطلقا عند أصحابنا لأن من شرط الاعتكاف الصوم مطلقا فإن قلت : روى البخاري على ما يأتي أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال : فأوف بنذرك فهذا يدل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل لا يصلح ظرفا للصوم قلت : عند مسلم يوما بدل ليلة وأيضا روى النسائي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعتكف ويصوم وأيضا هذا محمول على أنه كان نذر يوما وليلة بدليل أن في لفظ مسلم عن ابن عمر أنه جعل على نفسه يوما يعتكفه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : أوف بنذرك ، وقال ابن بطال : أصل الحديث قال عمر : إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية فنقل بعض الرواة ذكر الليلة وحدها ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع ، وفي الذخيرة : أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل ولعل ذلك كان قبل نسخه ، وقال النووي : قد تقرر أن النذر الجاري في الكفر لا ينعقد على الصحيح فلم يكن ذلك شيئا واجبا عليه ، وقال المهلب : كل ما كان في الجاهلية من الأيمان والطلاق وجميع العقود يهدمها الإسلام ويسقط حرمتها فيكون الأمر بذلك أمر استحباب ؛ كيلا يكون خلفا في الوعد ، وقال ابن بطال : محمول عند الفقهاء على الحض والندب ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله .
باب من خرج من اعتكافه عند الصبح أي : هذا باب في بيان حكم من خرج من اعتكافه عند الصبح ، وذلك عند إرادة اعتكاف الليالي دون الأيام . 144 - حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان عن ابن جريج ، عن سليمان الأحول خال ابن أبي نجيح ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ح قال سفيان : وحدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد قال : وأظن أن ابن أبي لبيد حدثنا عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإني رأيت هذه الليلة ورأيتني أسجد في ماء وطين فلما رجع إلى معتكفه وهاجت السماء فمطرنا فوالذي بعثه بالحق لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم وكان المسجد عريشا فلقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين مطابقته للترجمة في قوله : فلما كان صبيحة عشرين وقد أخرج حديث أبي سعيد المذكور فيما مضى هنا أيضا بهذه الترجمة من ثلاثة أوجه : الأول : عن عبد الرحمن هو ابن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة العبدي النيسابوري مات سنة ستين ومائتين ، وهكذا وقع عبد الرحمن مجردا من غير نسبة إلى أبيه في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية الأكثرين وقع منسوبا عبد الرحمن بن بشر يروي عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، عن سليمان الأحول وزاد الحميدي ابن أبي مسلم خال عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أبي سلمة عبد الرحمن ، عن أبي سعيد . الوجه الثاني : عن سفيان ، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي وقاص الليثي ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد . الوجه الثالث : عن سفيان ، عن عبد الله بن أبي لبيد وهو قوله : قال أي : سفيان وأظن أن ابن أبي لبيد حدثنا عن أبي سلمة ولبيد بفتح اللام وكسر الباء الموحدة ، وكان عبد الله بن أبي لبيد هذا يكنى بأبي المغيرة المدني حليف المدنيين وكان من عباد أهل المدينة ، وكان يرى ليلة القدر مات في أول خلافة أبي جعفر المنصور . وحاصل الكلام أن لسفيان بن عيينة في هذا الحديث ثلاثة أشياخ حدثوه به عن أبي سلمة وهم ابن جريج ، ومحمد بن عمر وعبد الله بن أبي لبيد . وقد أخرجه أحمد عن سفيان قال : حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، وابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة سمعت أبا سعيد ولم يقل وأظن . قوله : هاجت السماء أي : طلعت السحب . قوله : وأرنبته إما من باب العطف التأكيدي وإما أن يراد بالأنف الوسط وبالأرنبة الطرف .
باب الاعتكاف في شوال أي : هذا باب في بيان الاعتكاف في شوال 145 - حدثنا محمد قال : أخبرنا محمد بن فضيل بن غزوان ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه قال : فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة فسمعت بها حفصة ، فضربت قبة وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد أبصر أربع قباب فقال : ما هذا ؟ فأخبر خبرهن فقال : ما حملهن على هذا آلبر ؟ انزعوها فلا أراها ، فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال مطابقته للترجمة في قوله : اعتكف في آخر العشر من شوال وقد مضى هذا الحديث في باب اعتكاف النساء ، فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة إلى آخره ، وهنا أخرجه ، عن محمد بن سلام إلى آخره قوله : محمد هكذا هو مجردا عند الأكثرين ، وفي رواية كريمة محمد بن سلام ، قوله : دخل مكانه من الدخول ، وفي رواية الكشميهني حل مكانه من الحلول وهو النزول ، ومكانه هو موضعه الخاص من المسجد الذي خصصه منه للاعتكاف وهو موضع خيمته . قوله : أربع قباب واحدة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وثلاث لعائشة وحفصة وزينب . قوله : ما حملهن ما نافية والبر فاعل حمل ، أو ما استفهامية وآلبر بهمزة الاستفهام مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره آلبر كائن أو حاصل . قوله : انزعوها أي القباب المذكورة من النزع وهو القلع ، قوله : أراها قال الكرماني : بالرفع والجزم . قلت : لا وجه للجزم فإن لا نافية لا ناهية .
حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا هشام قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرحن فقال لصفية بنت حيي : لا تعجلي حتى أنصرف معك وكان بيتها في دار أسامة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها فلقيه رجلان من الأنصار فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجازا وقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : تعاليا إنها صفية بنت حيي قالا : سبحان الله يا رسول الله قال : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئا . عبد الله بن محمد البخاري المعروف بالمسندي ، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني اليماني إلى آخره . قوله : فرحن من الرواح وهو فعل جماعة النساء قوله : ثم أجازا أي : مضيا وقد ذكرناه مرة قوله : في أنفسكما وفي الرواية التي هناك في قلوبكما وإضافة لفظ الجمع إلى المثنى كثير كما في قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا
باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه أي : هذا باب في بيان حكم زيارة المرأة زوجها وهو في الاعتكاف . 142 - حدثنا سعيد بن عفير قال : حدثني الليث قال : حدثنا عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قالت ح . أخرج حديث صفية هنا من وجهين : أحدهما : موصول أخرجه عن سعيد بن عفير بضم العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المصري وقد مر في العلم عن الليث بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب وهو محمد بن مسلم الزهري ، عن علي بن الحسين زين العابدين فذكره مختصرا ، وقد مضى تمامه في باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد والوجه الآخر مرسل وهو قوله .
باب من لم ير عليه صوما إذا اعتكف أي : هذا باب في بيان قول من لم ير على الشخص صوما إذا اعتكف ، وصوما منصوب لأنه مفعول الرؤية يعني لم يشترط الصوم لصحة الاعتكاف ، وقد مر الكلام في هذا الباب عن قريب . 146 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، عن أخيه ، عن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أوف نذرك فاعتكف ليلة . مطابقته للترجمة في قوله : أوف نذرك فاعتكف ليلة حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بوفاء نذره ، ولم يأمره بصوم ، فدل على أن الصوم ليس بشرط للاعتكاف ، وقد مر الكلام فيه في باب الاعتكاف ليلا ، فإنه أخرج هذا الحديث هناك عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع إلى آخره ، وهنا أخرجه عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس ، عن أخيه عبد الحميد ، عن سليمان بن بلال ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع .
باب اعتكاف المستحاضة أي : هذا باب في بيان حكم اعتكاف المستحاضة 141 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث قد مضى في كتاب الحيض في باب اعتكاف المستحاضة بهذه الترجمة بعينها فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن شاهين ، عن خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن عائشة إلى آخره ، ووقع في رواية سعيد بن منصور عن إسماعيل هو ابن علية حدثنا خالد وهو الحذاء الذي أخرجه البخاري من طريقه فذكر الحديث ، وزاد فيه وقال : حدثنا به خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة فأفاد بذلك معرفة عينها .
باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم أي هذا باب يذكر فيه إذا نذر إلى آخره ، وجواب إذا محذوف تقديره : هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا ؟ 147 - حدثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام - قال : أراه قال ليلة - قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك . مطابقته للترجمة من حيث إن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام ثم أسلم بعد ذلك ، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : أوف بنذرك والحديث تكرر ذكره بحسب وضع التراجم ، وعبيد بن إسماعيل اسمه في الأصل عبد الله يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي وهو من أفراده ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي ، وعبيد الله بن عمر العمري . قوله : قال أراه أي : قال عبيد بن إسماعيل شيخ البخاري أراه بضم الهمزة أي : أظنه ، وقال الكرماني قوله : قال أراه ، الظاهر أنه لفظ البخاري نفسه والله أعلم .
باب الاعتكاف وخرج النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين أي : هذا باب في بيان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه منه صبيحة عشرين من الشهر ، وكأنه ذكر هذه الترجمة لإرادة تأويل ما وقع في هذا الحديث من رواية مالك من قوله : حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه وقد ذكرنا هناك أن المراد بقوله : من صبيحتها الصبيحة التي قبلها ، وقال ابن بطال : هو مثل قوله تعالى : لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا فأضاف الضحى إلى العشية وهو قبلها وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان قبله أو بعده . 140 - حدثني عبد الله بن منير قال : سمع هارون بن إسماعيل قال : حدثنا علي بن المبارك قال : حدثني يحيى بن أبي كثير قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قلت : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر ؟ قال : نعم ، اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان قال : فخرجنا صبيحة عشرين قال : فخطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين فقال : إني أريت ليلة القدر وإني نسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر فإني رأيت أن أسجد في ماء وطين ، ومن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرجع فرجع الناس إلى المسجد وما نرى في السماء قزعة قال : فجاءت سحابة فمطرت وأقيمت الصلاة فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطين والماء حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته . مطابقته للترجمة في قوله : فخرجنا صبيحة عشرين وقد مضى هذا الحديث في باب الاعتكاف في العشر الأواخر فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل ، عن مالك ، عن يزيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري وهنا أخرجه عن عبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون المروزي ، وقد مر في الوضوء عن هارون بن إسماعيل أبي الحسن البصري وقد مر في الصوم عن علي بن المبارك الهنائي البصري عن يحيى بن أبي كثير إلى آخره . قوله : فأني نسيتها بفتح النون وفي رواية الكشميهني : نسيتها بضم النون وتشديد السين ، قوله : فإني رأيت كذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره أريت بضم الهمزة وكسر الراء ، قوله : رأيت أن أسجد كذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : رأيت أني أسجد قوله : في أرنبته بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح النون والباء الموحدة طرف الأنف ، وقد مر الكلام فيه مستوفى هناك فليرجع إليه .
131 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تكرر ذكرهم ، والليث هو ابن سعد ، وعقيل : بضم العين هو ابن خالد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن قتيبة ، عن الليث ، وأخرجه أبو داود ، والنسائي جميعا فيه عن قتيبة ، وحديث عائشة هذا مثل حديث ابن عمر السابق غير أن فيه زيادة وهي قولها : حتى توفاه الله ثم اعتكفت أزواجه من بعده وهذه الزيادة تدل على أنه لم ينسخ لقوله : حتى توفاه الله تعالى وأكد ذلك بقوله : ثم اعتكفت أزواجه من بعده أي : استمر حكمه بعده حتى في حق النساء ولا هو من الخصائص . وفيه استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان وهو مجمع عليه استحبابا مؤكدا في حق الرجال ، واختلف العلماء في النساء ، قال النووي : وفي هذا الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أذن لهن ولكن عند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها قال : ولا يجوز للرجل في مسجد بيته ، ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه .
أبواب الاعتكاف أي : هذه أبواب الاعتكاف ، هكذا هو في رواية المستملي ، وليس لغيره ذلك إلا لفظ : كتاب في الاعتكاف في رواية النسفي . والمراد بالأبواب : الأنواع لأن في كل باب نوعا من أحكام الاعتكاف ، وقد ذكرنا فيما مضى أن الكتاب يجمع الأبواب والأبواب تجمع الفصول . باب الاعتكاف في العشر الأواخر أي : هذا باب في بيان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، وقد ورد الاعتكاف بلفظ المجاورة ففي الصحيح من حديث أبي سعيد : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاور في العشر الأوسط من رمضان الحديث ، وفي الصحيح في قصة بدء الوحي أنه كان يجاور بحراء . وقد اختلفوا هل المجاورة الاعتكاف أو غيره ؟ فقال عمرو بن دينار : الجوار والاعتكاف واحد . وسئل عطاء بن أبي رباح أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أو شيء واحد ؟ قال : بل هما مختلفان كانت بيوت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه ، قلت له : فإن قال إنسان : علي اعتكاف أيام ففي جوفه لا بد ؟ قال : نعم ، وإن قال : علي جوار أيام فبابه أو في جوفه إن شاء ، هكذا رواه عبد الرزاق في المصنف عنهما ، قال شيخنا : وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث ولما ذكر صاحب الإكمال حد الاعتكاف قال : ويسمى أيضا جوارا . والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ والاعتكاف بالجر عطفا على لفظ الاعتكاف الأول ، وقيده بالمساجد ؛ لأنه لا يصح في غير المساجد وجمع المساجد وأكدها بلفظ كلها ؛ إشارة إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد ، وفيه خلاف فقال حذيفة : لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : مسجد مكة ، والمدينة ، والأقصى . وقال سعيد بن المسيب : لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وفي الصوم لابن أبي عاصم بإسناده إلى حذيفة : لا اعتكاف إلا في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى الحارث عن علي رضي الله عنه : لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة . وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي لأن الآية نزلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو معتكف في مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي . وذهبت طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة ، روي ذلك عن علي وابن مسعود ، وعروة وعطاء ، والحسن والزهري ، وهو قول مالك في المدونة قال : أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع . وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد ، روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة ، والشعبي ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والشافعي في الجديد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود وهو قول مالك في الموطأ ، وهو قول الجمهور والبخاري أيضا حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد . وقال صاحب الهداية : الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة ، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس ، وقال الزهري ، والحكم ، وحماد : هو مخصوص بالمساجد التي يجمع فيها ، وفي الذخيرة للمالكية قال مالك : يعتكف في المسجد سواء أقيم فيه الجماعة أم لا ، وفي المنتقى عن أبي يوسف الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة ، والنفل يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة ، وفي الينابيع : لا يجوز الاعتكاف الواجب إلا في مسجد له إمام ومؤذن معلوم يصلى فيه خمس صلوات . ورواه الحسن عن أبي حنيفة ثم أفضل الاعتكاف ما كان في المسجد الحرام ، ثم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم في بيت المقدس ، ثم في المسجد الجامع ، ثم في المساجد التي يكثر أهلها ويعظم ، وقال النووي : ويصح في سطح المسجد ورحبته كقولنا : لأنهما من المسجد ، وقال أيضا : المرأة لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كالرجل . وقال ابن بطال : قال الشافعي : تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا وقال أصحابنا : المرأة تعتكف في مسجد بيتها ، وبه قال النخعي ، والثوري ، وابن علية : ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل . وفي منية المفتي : لو اعتكفت في المسجد جاز ، وفي المحيط : روى الحسن عن أبي حنيفة جوازه وكراهته في المسجد ، وفي البدائع : لها أن تعتكف في مسجد الجماعة في رواية الحسن عن أبي حنيفة ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها ، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم . قوله : لقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ الآية ، وجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به ؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون ألا فيها ، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع ، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس : هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان يحرم عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه . وقال الضحاك : كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء فقال الله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ أي : لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المساجد ، ولا في غيرها ، وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد : إنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية ، وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل قالوا : لا يقربها وهو معتكف ، وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده ، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد منها فلا يحل له أن يلبث فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من غائط أو بول أو أكل ، وليس له أن يقبل امرأته ، ولا يضمها إليه ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه . قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي : هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه ، وما حرمنا ، وما ذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا أي : تجاوزوها أو تعتدوها ، وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي : المباشرة في الاعتكاف . قوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ أي : كذلك يبين الله سائر أحكامه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لعلهم يتقون أي : يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون . 130 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني ابن وهب ، عن يونس أن نافعا أخبره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل بن عبد الله هو المشهور بإسماعيل بن أبي أويس ، وأبو أويس اسمه عبد الله المدني ابن أخت مالك بن أنس ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد بن أبي النجاد الأيلي والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح المصري ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود المهدي ، وأخرجه الترمذي من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، ومن حديث عروة عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله تعالى وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي السرح ، عن ابن وهب ، وفي الباب عن أبي بن كعب ، رواه أبو داود والنسائي ، وابن ماجه من رواية حماد عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان الحديث ، وأبو رافع هو الصائغ اسمه نفيع ، وعن رجل من بني بياضة رواه النسائي عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان الحديث ، وعن أنس رواه الترمذي عنه وانفرد به قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأخرجه ابن حبان والحاكم ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
132 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال : من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر ، فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين . مطابقته للترجمة في قوله : فليعتكف العشر الأواخر والحديث قد مضى عن قريب في باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم بن حمزة ، عن ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري وهاهنا أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن يزيد إلى آخره ، وقد تقدمت مباحثه هناك . قوله : إذا كان ليلة إحدى وعشرين يفهم منه أن صدور هذا القول وهو من كان اعتكف كان قبل الحادي والعشرين ، وسبق في باب تحري ليلة القدر أن صدوره كان بعده حيث قال : كان جاوز فيه الليلة التي كان يرجع فيها ، قوله : هذه الليلة مفعول به لا ظرف ، قوله : وقد رأيتني أي : رأيت نفسي ، قوله : من عريش ويروى على عريش وهو ما يستظل به .
باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد أي : هذا باب يذكر فيه هل يخرج المعتكف من معتكفه لأجل حوائجه إلى باب المسجد الذي هو فيه معتكف ، ولم يذكر جواب الاستفهام اكتفاء بما في الحديث . 139 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني علي بن الحسين رضي الله عنهما أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي فقالا : سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا . مطابقته للترجمة في قوله : فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد . ورجاله أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، ومحمد بن مسلم الزهري قد ذكروا غير مرة وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو الحسين المدني زين العابدين ولد سنة ثلاث وعشرين ، وعن الزهري كان مع أبيه يوم قتل وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ومات سنة اثنتين وتسعين بالمدينة ، وقيل : غير ذلك وصفية بنت حيي بضم الحاء المهملة مصغرا ابن أخطب وكان أبوها رئيس خيبر وكانت تكنى أم يحيى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي اليمان أيضا ، وفي صفة إبليس عن محمود ، عن عبد الرزاق ، وفي الاعتكاف أيضا عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي الأحكام عن عبد العزيز بن عبد الله ، وفي الاعتكاف أيضا عن علي بن عبد الله ، وفيه : وفي الخمس عن سعيد بن عفير ، وعن عبد الله بن محمد ، وأخرجه مسلم في الاستئذان عن إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد ، وعن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي اليمان به ، وأخرجه أبو داود في الصوم ، وفي الأدب عن أحمد بن محمد شبويه المروزي ، وعن محمد بن يحيى ، وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن إسحاق بن إبراهيم به ، وعن محمد بن خالد ، وعن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن إبراهيم بن المنذر الحزامي . ذكر معناه قوله : أنها جاءت أي : أن صفية جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : تزوره من الأحوال المقدرة ، وفي رواية معمر التي تأتي في صفة إبليس : فأتيته أزوره ليلا ، وفي رواية هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري : كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرحن وقال لصفية : لا تعجلي حتى أنصرف معك وذلك لأنه خشي عليها وكان مشغولا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها ، وروى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في المسجد فاجتمع إليه نساؤه ثم تفرقن فقال لصفية : أقلبك إلى بيتك فذهب معها حتى أدخلها بيتها ، وفي رواية هشام المذكورة : وكان بيتها في دار أسامة زاد وفي رواية عبد الرزاق ، عن معمر : وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد أي : الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية ، وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حوالي أبواب المسجد . قوله : فتحدثت عنده ساعة أي : فتحدثت صفية عند النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفي الأدب عن الزهري : ساعة من العشاء . قوله : ثم قامت تنقلب أي : ترد إلى بيتها فقام معها يقلبها بفتح الياء وسكون القاف أي : يردها إلى منزلها يقال : قلبه يقلبه ، وانقلب هو إذا انصرف . قوله : فلقيه رجلان من الأنصار قيل : هما أسيد بن حضير ، وعباد بن بشر ، وقال ابن التين في رواية سفيان عند البخاري : فأبصره رجل من الأنصار وقال : لعله وهم لأن أكثر الروايات : فأبصره رجلان وقال القرطبي : يحتمل أن يكون هذا مرتين ، ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر فتصح على هذا نسبة القصة إليهما جميعا وإفرادا ، وفي رواية مسلم من حديث أنس بالإفراد فوجهه ما ذكره القرطبي بالاحتمال الثاني . قوله : فسلما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية معمر : فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجازا أي : مضيا يقال جاز وأجاز بمعنى ، ويقال : جاز الموضع إذا سار فيه ، وأجازه إذا قطعه وخلفه ، وفي رواية ابن أبي عتيق : ثم نفذا وهو بالفاء وبالذال المعجمة أي : خلفاه وفي رواية معمر : فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا أي : في المشي وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عند ابن حبان : فلما رأياه استحييا فرجعا . قوله : على رسلكما بكسر الراء أي : على هيئتكما ، وقال ابن فارس : الرسل السير السهل وضبطه بالفتح وجاء فيه الكسر والفتح بمعنى التؤدة وترك العجلة ، وقيل : بالكسر التؤدة ، وبالفتح الرفق واللين ، والمعنى متقارب ، وفي رواية معمر : فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم تعاليا بفتح اللام ، قال الداودي : أي : قفا ذكره بعضهم بالنسبة إلى الداودي ، وفي التلويح قال النووي : معناه قفا ولم يرد المجيء إليه ، وقال ابن التين : فأخرجه عن معناه بغير دليل واضح . وقال الجوهري : التعالي الارتفاع تقول منه إذا أمرت تعال يا رجل بفتح اللام وللمرأة تعالي ، وقال ابن قتيبة : تعال تفاعل من علوت ، وقال الفراء : أصله عال البناء وهو من العلو ، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة هلم حتى استجازوا أن يقولوا لرجل وهو فوق شرف تعال أي : اهبط ، وإنما أصلها الصعود . قوله : إنما هي صفية بنت حيي في رواية سفيان : هذه صفية . قوله : فقالا سبحان الله إما حقيقة أي : أنزه الله تعالى عن أن يكون رسوله متهما بما لا ينبغي أو كناية عن التعجب من هذا القول ، قوله : « وكبر » بضم الباء الموحدة أي : عظم وشق عليهما وسيأتي في الأدب . وكبر عليهما ما قال وعن معمر فكبر ذلك عليهما وفي رواية هشيم فقال : يا رسول الله وهل نظن بك إلا خيرا . قوله : إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم أي : كمبلغ الدم ووجه الشبه بين طرفي التشبيه شدة الاتصال وعدم المفارقة . وفي رواية معمر : يجري من الإنسان مجرى الدم وكذا في رواية ابن ماجه من طريق عثمان ابن عمر التيمي ، عن الزهري وزاد عبد الأعلى : فقال إني خفت أن تظنا ظنا إن الشيطان يجري إلى آخره ، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرا ولكن قد علمت أن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم . قوله : وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا وفي رواية معمر : سوءا أو قال شيئا وفي رواية مسلم وأبي داود وأحمد في حديث معمر : شرا بشين معجمة وراء بدل سوءا ، وفي رواية هشيم : إني خفت أن يدخل عليكما شيئا وقال الشافعي في معناه : إنه خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة فبادر إلى إعلامهما بمكانهما نصيحة لهما في أمر الدين قبل أن يقذف الشيطان في قلوبهما أمرا يهلكان به . وفي التلويح ظن السوء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر بالإجماع ، ولهذا إن البزار لما ذكر حديث صفية هذا قال : هذه أحاديث مناكير ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان أطهر وأجل من أن يرى أن أحدا يظن به ذلك ، ولا يظن برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ظن السوء إلا كافر أو منافق ، وقال بعضهم : وغفل البزار فطعن في حديث صفية هذا واستبعد وقوعه ولم يأت بطائل قلت : كيف لم يأت بطائل لأنه ذب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكل من ذب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أينكر عليه ، وفي التلويح فإن قال قائل : هذه الأخبار قد رواها قوم ثقات ونقلها أهل العلم بالأخبار قيل : له العلة التي بيناها لا خفاء بها ويجب على كل مسلم القول بها والذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الراوون لها ثقات فلا يعرون عن الخطأ والنسيان والغلط . وقال أبو الشيخ عند ذكر هذا الحديث وبوب له قال : إنه غير محفوظ قوله : في رواية معمر يجري من ابن آدم مجرى الدم قيل : هو على ظاهره وأن الله عز وجل جعل له قوة على ذلك ، وقيل : هو على الاستعارة لكثرة أعوانه ووسوسته فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دم ، وقيل : إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن فتصل الوسوسة إلى القلب وزعم ابن خالويه في كتاب ليس أن الشيطان ليس له تسلط على الناس ، وعلى أن يأتي العبد من فوقه قال الله تعالى : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ولم يقل من فوقهم لأن رحمة الله تعالى تنزل من فوق . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث معه وله قراءة القرآن والحديث والعلم والتدريس وكتابة أمور الدين وسماع العلم ، وقال أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي في الأم ، والجامع الكبير : لا بأس بأن يقص في المسجد لأن القصص وعظ وتذكير ، وقال النووي : ما قاله الشافعي محمول على الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق مما ليس فيه موضع كلام ولا ما لا تحتمله عقول العوام ، ولا ما يذكره أهل التواريخ وقصص الأنبياء وحكاياتهم أن بعض الأنبياء جرى له كذا من فتنة ونحوها فإن كل هذا يمنع منه . واستدل الطحاوي بشغله صلى الله عليه وسلم مع صفية على جواز اشتغال المعتكف بالمباح من الأفعال ، وفي جوامع الفقه يكره التعليم فيه بأجر أي في المسجد ، وكذا كتابة المصحف بأجر ، وقيل : إن كان الخياط يحفظ المسجد فلا بأس بأن يخيط ولا يستطرقه إلا لعذر ويكره على سطحه ما يكره فيه بخلاف مسجد البيت قلت : هذا في غير المعتكف ففي حق المعتكف بطريق الأولى ، ومن المباح للمعتكف أن يبيع ويشتري من غير أن يحضر السلعة ، وفي الذخيرة : له أن يبيع ويشتري قال : أراد به الطعام وما لا بد منه وأما إذا أراد أن يتخذ ذلك متجرا يكره له ذلك . وفيه إباحة خلوة المعتكف بالزوجة ، وفيه إباحة زيارة المرأة للمعتكف ، وفيه بيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم . وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء الظن وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة تعليما للأمة ، وفيه جواز خروج المرأة ليلا ، وفيه قول سبحان الله عند التعجب ، وقال بعضهم : واستدل به أبو يوسف ومحمد في جواز تمادي المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته وأقام زمنا يسيرا زائدا عن الحاجة ، ولا دلالة فيه لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه وبين المسجد فاصل زائد ، وقد حدوا اليسير بنصف يوم ، وليس في الخبر ما يدل عليه انتهى قلت : ليس مذهب أبي يوسف ، ومحمد في حد اليسير بنصف يوم وإنما مذهبهما أنه إذا خرج أكثر النهار يفسد اعتكافه ؛ لأن في القليل ضرورة والعجب منهم أنهم ينقلون عن أحد من أصحابنا ما هو ليس مذهبه ثم يردون عليه بما لا وجه له ففي أي كتاب من كتب أصحابنا ذكر أنهما حدا اليسير بنصف يوم مستدلين بالحديث المذكور ، وفيه جواز التسليم على رجل معه امرأة بخلاف ما يقوله بعض الأغبياء .
باب الأخبية في المسجد أي : هذا باب فيما جاء في ذكر نصب الأخبية في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . 138 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف ، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبية خباء عائشة ، وخباء حفصة ، وخباء زينب فقال : آلبر تقولون بهن ؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال . مطابقته للترجمة في قوله : إذا أخبية وهو هذا الحديث الذي مضى في الباب السابق غير أنه ذكره أيضا مختصرا من طريق مالك ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، ووقع في أكثر الروايات عن عمرة عن عائشة ، وسقط قوله عن عائشة في رواية النسفي والكشميهني وكذا هو في الموطآت كلها . وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن يوسف شيخ البخاري مرسلا أيضا ، وجزم بأن البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولا ، وقال الترمذي : رواه مالك ، وعن غير واحد عن يحيى مرسلا ، وقال أبو عمر : في التمهيد رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يذكر غيره ، ومنهم من يرويه عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وخالفهم يحيى بن يحيى فرواه عن مالك رضي الله تعالى عنه ، عن ابن شهاب عن عمرة قال في التمهيد : وهو غلط وخطأ مفرط لم يتابعه أحد على ذلك ، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ، ولا من حديث غيره من أصحاب ابن شهاب وهو من حديث يحيى بن سعيد محفوظ صحيح أخرجه البخاري فذكره . قوله : إذا أخبية كلمة إذا للمفاجأة وخبر المبتدأ محذوف تقديره إذا أخبية مضروبة ونحوها ، قوله : خباء عائشة خبر مبتدأ محذوف أي : أحدها خباء عائشة ، والثاني خباء حفصة ، والثالث خباء زينب . قوله : آلبر قد مر تفسيره ، قوله : تقولون أي : تعتقدون أو تظنون والعرب تجري تقول في الاستفهام مجرى الظن في العمل ، وكان القياس أن يقال : يقلن بلفظ جمع المؤنث ، ولكن الخطاب للناس الحاضرين الشامل للرجال والنساء ، والمفعول الثاني لقوله : تقولون هو قوله : بهن إذ تقديره ملتبسا بهن .
باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان أي : هذا باب في بيان مباشرة الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان ، وكأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير ، وإن كان فيه أفضل . 148 - حدثنا عبد الله بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو بكر عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما . مطابقته للترجمة في قوله : عشرين يوما لأن فيه العشر الأوسط من رمضان ، وعبد الله هو ابن محمد بن أبي شيبة أبو بكر الكوفي ، وأبو بكر هو ابن عياش المقري ، وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين اسمه عثمان بن عاصم ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان . وأخرجه البخاري أيضا في فضائل القرآن عن خالد بن يزيد ، وأخرجه أبو داود في الصوم عن هناد بن السري بقصة الاعتكاف ، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن عن عمرو بن منصور ، وفي الاعتكاف عن موسى بن حزام ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن هناد بتمامه ، ويحتمل أن يكون صلى الله تعالى عليه وسلم إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض فيه من أجل أنه علم بانقضاء أجله ، فأراد استكثار عمل الخير ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم ، وقيل : السبب فيه أن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يعارضه بالقرآن في رمضان ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين ، فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين ، وقال ابن العربي : يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه ، واعتكف بدله عشرا من شوال اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان ، وقيل : يحتمل أنه كان في العام الذي قبله كان مسافرا فلم يعتكف ، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين . وقال ابن بطال : مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم على الاعتكاف تدل على أنه من السنن المؤكدة . قلت : قاعدة أصحابنا أن مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم على عمل يدل على الوجوب والسنة المؤكدة في قوة الواجب ، وقال ابن المنذر : روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقول مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه ثم قال : رب لا أبرح حتى تغفر لي ، لا أبرح حتى ترحمني .
باب اعتكاف النساء أي : هذا باب في بيان حكم اعتكاف النساء . 137 - حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها فضربت خباء ، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية فقال : ما هذا ؟ فأخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم آلبر ترون بهن ؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال . مطابقته للترجمة في ضرب حفصة وزينب خباء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للاعتكاف . وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وقد مرت غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الصوم عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وعن محمد بن سلام ، عن محمد بن فضيل ، وعن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله ، عن الأوزاعي على ما سيأتي كله ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وعن ابن أبي عمر ، وعن سلمة بن شبيب ، وعن عمرو بن سواد ، وعن محمد بن رافع ، وعن زهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن أبي داود الحراني ، وفي الاعتكاف عن محمد بن منصور ، وعن أحمد بن سليمان ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وفي ألفاظهم اختلاف والمعنى متقارب . ذكر معناه قوله : عن عمرة وفي رواية الأوزاعي التي تأتي في أواخر الاعتكاف عن يحيى بن سعيد ، حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن قوله : عن عائشة وفي رواية أبي عوانة من طريق عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة حدثتني عائشة قوله : خباء بكسر الخاء المعجمة وبالمد هو الخيمة من وبر أو صوف ولا يكون من الشعر ، وهو على عمودين أو ثلاثة ويجمع على الأخبية نحو الخمار والأخمرة . قوله : فيصلي الصبح ثم يدخله أي الخباء ، وفي رواية ابن فضيل ، عن يحيى بن سعيد التي تأتي في باب الاعتكاف في شوال : كان يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل واستدل به على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار ، وفيه خلاف يأتي . قوله : فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فحفصة هو الفاعل وعائشة هو المفعول وكلمة أن مصدرية والأصل بأن تضرب أي : تضرب خباء ، وفي رواية الأوزاعي على ما يأتي فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت وفي رواية ابن فضيل على ما يأتي : فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة فسمعت بها حفصة فضربت قبة وزاد في رواية عمرو بن الحارث : لتعتكف معه . وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن ولكن جاء في رواية ابن عيينة عند النسائي : ثم استأذنته حفصة فأذن لها . قوله : فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء وفي رواية ابن فضيل : وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى ، وفي رواية عمرو بن الحارث : فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا . قوله : فلما أصبح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى الأخبية ، وفي رواية مالك التي بعد هذه : فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية وفي رواية ابن فضيل : فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب يعني قبه له ، وثلاثا للثلاث ، وفي رواية الأوزاعي : وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه أي : الذي بني له ليعتكف فيه ، ووقع في رواية أبي معاوية عند مسلم وأبي داود : فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي صلى تعالى الله عليه وسلم بخبائها فضرب قال بعضهم : وهذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك وليس كذلك . وقد فسرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة وحفصة وزينب فقط وبين ذلك قوله في هذه الروايات : أربع قباب ، وفي رواية ابن عيينة عند النسائي فلما صلى الصبح إذا هو أربعة أبنية قال : لمن هذه ؟ قالوا : لعائشة وحفصة وزينب انتهى ، قلت : هذا القائل كأنه نسي كلمة من هاهنا فإن من في قوله : من أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للتبعيض فمن أين يأتي التعميم . ومعنى قوله : وأمر غيرها أي : غير زينب وهي حفصة ، قوله : آلبر ترون بهن الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، والبر : هو الطاعة والخير ، وهو منصوب بلفظ ترون المعلوم من الرأي ، وبلفظ المجهول بمعنى تظنون ، ويجوز الرفع وإلغاء الفعل لأنه توسط بين المفعولين قاله الكرماني قلت : وجه النصب على أنه مفعول ترون مقدما ووجه الرفع وفي رواية مالك : آلبر تقولون بهن أي : تظنون ، والقول يطلق على الظن ، ووقع في رواية الأوزاعي : آلبر أردن بهذا وفي رواية ابن فضيل : ما حملهن على هذا آلبر ؟ انزعوها فلا أراها فنزعت وكلمة ما استفهامية ، وقوله : آلبر بهمزة الاستفهام مرفوع على الابتداء وخبره محذوف تقديره آلبر يردنه . قوله : فلا أراها الفاء يجوز أن تكون زائدة أي : لا أرى الأخبية المذكورة ، وقال ابن التين : الصواب حذف الألف من أراها لأنه مجزوم قلت : ليس كذلك ؛ لأنه نفي وليس بنهي . قوله : فترك الاعتكاف وفي رواية أبي معاوية : فأمر بخبائه فقوض بضم القاف وتشديد الواو المكسورة وفي آخره ضاد معجمة أي : نقض ، وقال القاضي عياض : إنما قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إنكارا لفعلهن ؛ لأنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه والمباهاة به ؛ ولأن المسجد يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون وهن محتاجات إلى الدخول والخروج فيبتذلن بذلك ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم إذا رآهن عنده في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه ، وذهب المقصود من الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا ، أو لأنهن ضيقن المسجد بأخبيتهن ونحوها . قوله : فترك الاعتكاف إلى آخره ، وفي رواية ابن فضيل : فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال وفي رواية أبي معاوية : حتى اعتكف في العشر الأول من شوال والتوفيق بين الروايتين هو أن المراد بقوله : آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه ، وقال الإسماعيلي : فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام قلت : ليس فيه دليل لما قاله لأن المراد من قوله : اعتكف في العشر الأول أي : كان ابتداؤه في العشر الأول فإذا اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول واليوم الأول منه يوم أكل وشرب ، ويقال : كما ورد في الحديث ، والاعتكاف هو التخلي للعبادة فلا يكون اليوم الأول محلا له بالحديث . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه في قوله : فيصلي الصبح ثم يدخله احتجاج من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي ، والليث في أحد قوليه ، واختاره ابن المنذر وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبيل الغروب إذا أراد اعتكاف عشر أو شهر ، وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه ، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح ؛ لأن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف أول الليل ولم يدخل الخباء إلا بعد ذلك ، وقال أبو ثور : إن أراد الاعتكاف عشر ليالي دخل قبل الغروب ، وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد فيصلي وحينئذ يخرج إلى منزله ، أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان ، قولان للعلماء : الأول : قول مالك ، وأحمد ، وغيرهما وسبقهم أبو قلابة وأبو مجلز واختلف أصحاب مالك إذا لم يفصل هل يبطل اعتكافه أم لا يبطل ؟ قولان ، وذهب الشافعي ، والليث ، والزهري والأوزاعي في آخرين إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر ، ولا يلزمه شيء ، وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت ، فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع ، وقال إبراهيم بن عبلة في قوله : آلبر يردن دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد إذ مفهومه ليس ببر لهن ، وقال بعضهم : وليس ما قاله بواضح ، قلت : بلى هو واضح لأنه إذا لم يكن برا لهن يكون فعله غير بر ، أي غير طاعة وارتكاب غير الطاعة حرام ، ويلزم من ذلك عدم الجواز . وفيه جواز ضرب الأخبية في المسجد ، وفيه شؤم الغيرة لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله ، وفيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه . وقال بعضهم : وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية ، وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب ؛ لأنه كان إذا عمل عملا أثبته ؛ ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال انتهى . قلت : قوله : إن الاعتكاف لا يجب بالنية ليس بمقتصر على الاعتكاف بل كل عمل ينوي الشخص أن يعمله لا يلزمه بمجرد النية ، بل إنما يلزمه بالشروع . وقال الترمذي : اختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى فقال بعض أهل العلم : إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء واحتجوا بالحديث ، وهو الحديث الذي رواه عن أنس قال : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب وانفرد به ، وقال : إنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال ، وهو قول مالك بن أنس . قلت : ما وجه استدلالهم بهذا الحديث في وجوب القضاء ، وفي الحديث المذكور يقول صريحا : فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين فإذا لم يعتكف كيف يستدل به على وجوب القضاء ، والظاهر أن اعتكافه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن في العام المقبل إلا لأنه قد عزم عليه ، ولكنه لم يعتكف ثم وفى لله عز وجل بما نواه من فعل الخير واعتكف في شوال ، وهو اللائق في حقه ، وقال ابن عبد البر : غير نكير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى الاعتكاف من أجل أنه نوى أن يعمله ، وإن لم يدخل فيه لأنه كان أوفى الناس لربه فيما عاهده عليه ، وقال شيخنا رحمه الله : وعلى تقدير شروعه ففيه دليل على جواز خروج المعتكف المتطوع من اعتكافه . وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك في الموطأ : المتطوع في الاعتكاف والذي عليه الاعتكاف أمرهما سواء فيما يحل لهم ، ويحرم عليهما قال : ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعتكافه إلا تطوعا ، وقال ابن عبد البر : قوله هذا قول جماهير العلماء ؛ لأن الاعتكاف وإن لم يكن واجبا إلا على من نذره فإنه يجب بالدخول فيه كالصلاة النافلة والحج والعمرة . وقال ابن المنذر : وفي الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها ، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها ، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها ، وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت ، وعن مالك : ليس له ذلك ، وهذا الحديث حجة عليهم . قلت : كيف يكون الحديث حجة عليهم ، وليس فيه ما ذكره من ذلك صريحا ، وليس فيه إلا ما ذكر من استئذان حفصة من عائشة في ضرب الخباء وإذن عائشة لها بذلك ، وضربت زينب خباء آخر من غير استئذان من أحد . وفيه إنكاره صلى الله عليه وسلم عليهن بذلك ، ووجه إنكاره ما ذكرناه عن القاضي عياض عن قريب ، وليس فيه ما يدل على ما ذكره ابن المنذر على ما لا يخفى على المتأمل . وقال بعضهم : وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه ، وأنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه أي : لا يلزم الاعتكاف بالشروع فيه ، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافا لمن قال باللزوم ، انتهى . قلت : ليس في الحديث ما يدل على ما ذكره ؛ لأن الحديث لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل في الاعتكاف ثم خرج منه غاية ما في الباب أنه بطل الاعتكاف في ذلك الشهر يدل عليه قوله : فترك الاعتكاف ذلك الشهر ، وقوله : ولا بالشروع فيه ، أي : لا يلزم الاعتكاف بالشروع فيه دعوى من الخارج ، والحديث لا يدل عليه وكيف لا يلزم بالشروع في عبادة ، والقول بذلك يؤدي إلى إبطال العمل ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وقوله : ويستنبط منه غير مسلم لأن الذي ذكره لا يدل عليه الحديث ، وكيف يستنبط منه عدم لزوم سائر التطوعات ؛ لأن الاستنباط لا يكون إلا من دليل صحيح فافهم .
باب الاعتكاف ليلا أي : هذا باب في بيان حكم الاعتكاف ليلا بغير نهار . 136 - حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله قال : أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال : فأوف بنذرك . مطابقته للترجمة في قوله : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة ، ويحيى بن سعيد هو القطان ، وعبيد الله هو ابن عمر العمري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتكاف عن إسماعيل بن عبد الله على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن أبي بكر ، وأبي كريب ، وإسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى ابن سعيد . وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى به ، وأخرجه النسائي فيه وفي الاعتكاف عن إسحاق بن موسى الأنصاري ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الصيام عن إسحاق بن موسى الخطمي ، وفي الكفارات عن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : حدثنا مسدد كذا رواه مسدد من مسند ابن عمر ووافقه المقدمي وغيره عند مسلم وغيره ، وخالفهم يعقوب بن إبراهيم ، عن يحيى فقال : عن ابن عمر ، عن عمر أخرجه النسائي ، وكذا أخرجه أبو داود لكنه في المسند كما قال مسدد ، قوله : أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر موضع السؤال ، وسيأتي في النذر من وجه آخر أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين ، وفيه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل ؛ لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك . قوله : كنت نذرت في الجاهلية وفي رواية مسلم من طريق حفص بن غياث ، عن عبيد الله : فلما أسلمت سألت ، وفي رواية الدارقطني : موضع في الجاهلية في الشرك ، قوله : أن اعتكف ليلة قال الكرماني : فيه أنه لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف انتهى لأن الليل ليس ظرفا للصوم فلو كان شرطا لأمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به ، ويرد عليه بأن في رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم يوما بدل ليلة ، وقد جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة فمن أطلق ليلة أراد بيومها ، ومن أطلق يوما أراد بليلته على أنه ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحا رواه النسائي قال : أخبرنا أبو بكر بن علي قال : حدثنا الحسن بن حماد الوراق قال : أخبرنا عمرو بن محمد العبقري عن عبد الله بن بديل بن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم وقد مضى الكلام فيه في آخر باب العمل في العشر الأواخر ، وقال بعضهم : عبد الله بن بديل ضعيف قلت : قد وثق وعلق له البخاري فإن قلت : قال ابن حزم : ولا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلا ، ولا يعرف لعمرو بن دينار ، عن ابن عمر حديث مسند إلا ثلاث ليس هذا منها قلت : لعمرو بن دينار في الصحيح نحو عشرة أحاديث عن ابن عمر فما هذا الكلام .
باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج أي : هذا باب في بيان شأن من أراد الاعتكاف ثم بدا له أي : ظهر له أن يخرج ، ومراده أن يترك ولا يباشر . 149 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا الأوزاعي قال : حدثني يحيى بن سعيد قال : حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء فبني لها قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال : ما هذا ؟ قالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آلبر أردن بهذا ؟ ما أنا بمعتكف فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر أن يعتكف ثم بدا له من جهة أبنية نسائه فرجع ولم يعتكف ، وعبد الله هو ابن المبارك والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ومباحث هذا الحديث قد مضت مستقصاة . قوله : ذكر أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنه يريد أن يعتكف ، قوله : فاستأذنته عائشة في موافقتها له في الاعتكاف فأذن لها ، قوله : أمرت ببناء أي : بضرب خيمة لها أيضا في المسجد ، قوله : بالأبنية جمع بناء والمراد هي الخيم ، قوله : آلبر بهمزة الاستفهام وبالنصب بقوله : أردن أنكر عليهن في ذلك لأحد الأسباب المذكورة في باب الاعتكاف ليلا ، قوله : فرجع أي : من الاعتكاف أي : تركه . قال الكرماني : فإن قلت : تقدم أنه اعتكف العشر الأواخر فما التوفيق بينهما ؟ قلت : لا بد من التزام اختلاف الوقتين جمعا بين الحديثين . وفيه إشارة إلى الجزم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه بل تركه قبل الدخول فيه ، وهو ظاهر خلافا لمن خالف فيه .
باب غسل المعتكف أي : هذا باب في بيان غسل المعتكف ، يعني يجوز ولم يذكر الحكم اكتفاء بما في الحديث . 135 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح حكمها وسفيان هو ابن عيينة ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي والأسود هو ابن يزيد النخعي ، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في باب مباشرة الحائض فإنه أخرج هناك عن قبيصة عن سفيان عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة الحديث ، وأخرج بعضه أيضا في باب غسل الحائض زوجها وترجيله . قوله : فأغسله وفي رواية للنسائي : فأغسله بخطمي .
باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل أي : هذا باب في بيان شأن المعتكف الذي يدخل رأسه في البيت لأجل غسل الرأس ، ويدخل بضم الياء من الإدخال ، والبيت منصوب على المفعولية ، واللام في الغسل لام التعليل . 150 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا هشام قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد ، وهي في حجرتها يناولها رأسه . مطابقته للترجمة ظاهرة ومباحثه قد مرت في باب الحائض ترجل المعتكف في أوائل كتاب الاعتكاف ، وعبد الله بن محمد المعروف بابن المديني ، وهشام بن يوسف الصنعاني اليماني . قوله : ترجل أي : تمشط شعر رأسه صلى الله عليه وسلم ، قوله : وهي حائض جملة حالية وكذلك قوله : وهو معتكف أي : النبي صلى الله عليه وسلم معتكف ، قوله : يناولها أي : يميل رأسه إليها لتمشطه وكان باب الحجرة إلى المسجد ، وكانت عائشة تقعد في حجرتها من وراء القبة ، ويقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد خارج الحجرة فيميل رأسه إليها ، والله أعلم بحقيقة الحال .
باب لا يدخل البيت إلا لحاجة أي : هذا باب يذكر فيه لا يدخل المعتكف البيت إلا لحاجة لا بد له منها . 134 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا ليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا . مطابقته للترجمة في قوله : وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة . والحديث أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة ، ومحمد بن رمح ، وأخرجه أبو داود في الصوم عن القعنبي ، وقتيبة وأخرجه الترمذي فيه ، والنسائي في الاعتكاف جميعا عن قتيبة ثلاثتهم عن الليث ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن محمد بن رمح به ولم يذكر قصة الترجيل . قوله : عن عروة أي : ابن الزبير بن العوام ، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة كذا في رواية الليث جمع بينهما ورواه يونس والأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة وحده ، ورواه مالك عنه ، عن عروة ، عن عمرة وقال أبو داود وغيره : لم يتابع عليه ، وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكا وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري واتفقوا على أن الصواب قول الليث ، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة ، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد ، وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث ، أخرجه النسائي أيضا ، وقال ابن بطال : ولهذه العلة لم يدخل البخاري حديث مالك وإن كان فيه زيادة تفسير لكونه ترجم للحديث بتلك الزيادة إذ كان ذلك عنده معنى الحديث . قوله : وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة وفي رواية مسلم : إلا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط . وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات مثل عيادة المريض وشهود الجمعة والجنازة ، فرآه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وغيرهم ، وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، وقال بعضهم : ليس له أن يفعل شيئا من هذا قال الترمذي : ورأوا أن للمعتكف إذا كان في مصر يجمع فيه أن لا يعتكف إلا في المسجد الجامع ؛ لأنهم كرهوا الخروج من معتكفه إلى الجمعة ولم يروا له أن يترك الجمعة ، وقال أحمد : لا يعود المريض ولا يتبع الجنازة ، وقال إسحاق : إن اشترط ذلك فله أن يتبع الجنازة ويعود المريض . واختلفوا في حضور مجالس العلم فذهب مالك إلى أن المعتكف لا يشتغل بحضور مجالس العلم ، ولا بغير ذلك من القرب مما لا يتعلق بالاعتكاف كما أن المصلي مشغول بالصلاة عن غيرها من القرب فكذلك المعتكف . وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك بل إلى استحباب الاشتغال بالعلم وحضور مجالس العلم ؛ لأن ذلك من أفضل القرب ، ويجوز له الاشتغال بالصنائع اللائقة بالمسجد كالخياطة والنسخ ونحوهما ، والكلام المباح مع الناس وعن مالك أنه إذا اشتغل بحرفته في المسجد يبطل اعتكافه ، وحكى عن القديم للشافعي وخصصه بعضهم بالاعتكاف المنذور . وفي البدائع يحرم خروجه من معتكفه ليلا أو نهارا إلا لحاجة الإنسان ، ولا يخرج لأكل ولا شرب ولا نوم ولا عيادة مريض ، ولا لصلاة جنازة ، فإن خرج فسد اعتكافه عامدا أو ناسيا بخلاف ما لو أخرج مكرها أو انهدم المسجد فخرج منه فدخل مسجدا آخر استحسانا ، وفي خزانة الأكمل : لو تحول من مسجد إلى مسجد بطل اعتكافه يعني من غير عذر . وفي النتف : يجوز له أن يتحول إلى مسجد آخر في خمسة أشياء : أحدها : أن ينهدم مسجده . الثاني : أن يتفرق أهله فلا يجتمعوا فيه . الثالث : أن يخرجه منه سلطان . الرابع : أن يأخذه ظالم . الخامس : أن يخاف على نفسه وماله من المكابرين . وعند الشافعي : خروجه من المسجد مبطل ، وفي الناسي : لا يبطل على الأصح ، وعند الشافعي : يخرج إلى بيته للأكل والشرب ، ومنعه ابن سريج وابن سلمة كقولنا ، وكذا له الخروج إلى بيته ليشرب الماء إذا لم يجده في المسجد ، وإن وجده فخرج فوجهان أصحهما المنع . وقال النووي في شرح المهذب في الاعتكاف الواجب : لا يعود مريضا ، ولا يخرج لجنازة سواء تعينت عليه أم لا في الصحيح ، وفي التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز ، قال صاحب الشامل : هذا يخالف السنة ، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض وكان اعتكافه نفلا لا نذرا ، وإن تعين عليه أداء الشهادة وخرج له يبطل اعتكافه ، وفي الذخيرة للمالكية يؤديها في المسجد ولا يخرج ، وقالت الشافعية : المسألة على أربعة أحوال : الأول أن لا يتعين عليه التحمل ولا الأداء . الثاني : أن يتعين عليه التحمل دون الأداء فيبطل فيهما . والثالث : أن يتعين عليه الأداء دون التحمل فيبطل على المذهب . والرابع : أن يتعين عليه التحمل والأداء فالمذهب أنه لا يبطل .
باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه أي : هذا باب يذكر فيه هل يدرأ أي يدفع المعتكف عن نفسه بالقول والفعل ، وقد ورد في حديث الباب الدفع بالقول وهو قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هي صفية أو هذه صفية ، ويجوز بالفعل أيضا لأن المعتكف ليس بأشد في ذلك من المصلي . 143 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : أخبرني أخي ، عن سليمان ، عن محمد بن أبي عتيق ، عن ابن شهاب ، عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن صفية أخبرته قالت ح حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : سمعت الزهري يخبر عن علي بن الحسين أن صفية رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف فلما رجعت مشى معها فأبصره رجل من الأنصار فلما أبصره دعاه فقال : تعال هي صفية ، وربما قال سفيان : هذه صفية فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، قلت لسفيان : أتته ليلا قال : وهل هو إلا ليل . مطابقته للترجمة قد ذكرناه الآن وأورد البخاري أيضا حديث صفية من وجهين : الأول : عن إسماعيل بن عبد الله وهو إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس ، عن أخيه عبد الحميد بن أبي أويس مر في العلم عن سليمان بن بلال مولى عبد الله بن أبي عتيق ، عن محمد بن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق بن أبي بكر الصديق ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن علي بن الحسين فذكره مختصرا وهو موصول . الثاني : عن علي بن عبد الله بن المديني ، عن سفيان ابن عيينة ، عن الزهري فذكره وهو مرسل . قوله : فأبصره رجل ولا منافاة بين هذا وبين قوله في الرواية المتقدمة أنه رجلان منطوقا وأما مفهوما فلا اعتبار له قوله : ربما قال سفيان وهو ابن عيينة قوله : يجري من ابن آدم هذا في الأصل مخصوص بذكور الآدميين لكن في عرف الاستعمال لأولاد آدم كما يقال بنو إسرائيل والمراد أولاده ، قوله : هل هو إلا ليل ويروى ليلا أي : فهل الإتيان في وقت إلا ليلا .
باب الحائض ترجل المعتكف أي : هذا باب في بيان أمر الحائض حال كونها ترجل المعتكف أي : تمشط وتسرح الشعر وهو من الترجيل ، والترجيل والترجل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه ، والمرجل بكسر الميم المشط ، وكذلك المسرح بالكسر ، وقال بعضهم : قوله : ترجل المعتكف أي : تمشطه وتدهنه ، قلت : التدهين ليس داخلا في معنى الترجيل لغة . 133 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يحيى عن هشام قال : أخبرني أبي ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض . مطابقته للترجمة في قوله : فأرجله وأنا حائض ويحيى هو القطان ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير . قوله : يصغي بضم الياء من الإصغاء أي : يدني ويميل ورأسه منصوب به ، قوله : وهو مجاور جملة حالية أي : معتكف ، وفي رواية أحمد : كان يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فأغسل رأسه وسائره في المسجد ويؤخذ منه أن المجاورة والاعتكاف واحد وقد مر الكلام فيه عن قريب . وفيه : جواز التنظيف والتطيب والغسل كالترجل ، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد ، وفي جوامع الفقه له أن يأكل ويشرب بعد الغروب ويحدث وينام ويدهن ويصعد المئذنة ، وإن كان بابها خارج المسجد ويغسل رأسه ويخرجه إلى باب المسجد فيغسله أهله ، وذكر أنه يخرج للأكل والشرب بعد الغروب . وفيه أن بدن الحائض طاهر إلا موضع الدم إذ لو كان نجسا لما مكنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من غسل رأسه ، وفيه : أن يد المرأة ليست بعورة لأن المسجد لا يخلو عن بعض الصحابة فإذا غسلت رأسه شاهدوا يدها . وفيه : أن الاعتكاف لا يصح في غير المسجد وإلا لكان يخرج منه لترجيل الرأس . وفيه أن إخراج البعض لا يجري مجرى الكل ، ولهذا لو حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه لم يحنث .
بسم الله الرحمن الرحيم . ( قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري رحمه الله تعالى آمين باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله جل ذكره : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ بيان حال الافتتاح ذكروا أن من الواجب على مصنف كتاب أو مؤلف رسالة ثلاثة أشياء : وهي البسملة والحمدلة والصلاة ومن الطرق الجائزة أربعة أشياء : وهي مدح الفن ، وذكر الباعث ، وتسمية الكتاب وبيان كيفية الكتاب من التبويب ، والتفصيل . أما البسملة والحمدلة فلأن كتاب الله تعالى مفتوح بهما ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله وببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع رواه الحافظ عبد القادر في أربعينه وقوله عليه الصلاة والسلام : كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم رواه أبو داود والنسائي وفي رواية ابن ماجه : كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد أقطع ورواه ابن حبان وأبو عوانة في صحيحيهما ، وقال ابن الصلاح : هذا حديث حسن بل صحيح ( قوله أقطع ) أي قليل البركة ، وكذلك أجذم من جذم بكسر الذال المعجمة يجذم بفتحها ويقال : أقطع وأجذم من القطع والجذام أو من القطعة وهي العطش والجذام فيكون معناهما أنه لا خير فيه كالمجذوم والنخل التي لا يصيبها الماء ، وأما الصلاة فلأن ذكره صلى الله عليه وسلم مقرون بذكره تعالى ولقد قالوا في قوله تعالى : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ معناه ذكرت حيثما ذكرت وفي رسالة الشافعي رحمه الله تعالى عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال : لا أذكر إلا ذكرت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وروي ذلك مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام إلى رب العالمين قاله النووي في شرح مسلم ( فإن قيل ) من ذكر الصلاة كان من الواجب عليه أن يذكر السلام معها لقرنها في الأمر بالتسليم ولهذا كره أهل العلم ترك ذلك ( قلت ) يرد هذا ورود الصلاة في آخر التشهد مفردة ( فإن قيل ) ورد تقديم السلام فلهذا قالوا هذا السلام فكيف نصلي ( قلت ) يمكن أن يجاب بما روى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر قنوته وصلى الله على النبي وبقوله عليه السلام : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي والبخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي ويجوز أن يدعي أن المراد من التسليم الاستسلام والانقياد فقد ورد ذلك في سورة النساء ويعضد ذلك تخصيصه بالمؤمنين حيث كانوا مكلفين بأحكامه عليه السلام ويجوز أن يدعي أن الجملة الثانية تأكيد للأولى ثم إن البخاري رحمه الله لم يأت من هذه الأشياء إلا بالبسملة فقط وذكر بعضهم أنه بدأ بالبسملة للتبرك لأنها أول آية في المصحف أجمع على كتابتها الصحابة قلت : لا نسلم أنها أول آية في المصحف وإنما هي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور وهذا مذهب المحققين من الحنفية وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه وهو المنصوص عن أحمد على أن طائفة قالوا : إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل ، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة وعن الأوزاعي أنه قال : ما أنزل الله في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل وحدها وليست بآية تامة وإنما الآية إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وروي عن الشافعي أيضا أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها ثم أنهم اعتذروا عن البخاري بأعذار هي بمعزل عن القبول ( الأول ) أن الحديث ليس على شرطه فإن في سنده قرة بن عبد الرحمن ولئن سلمنا صحته على شرطه فالمراد بالحمد الذكر لأنه قد روي بذكر الله تعالى بدل حمد الله وأيضا تعذر استعماله لأن التحميد إن قدم على التسمية خولف فيه العادة وإن ذكر بعدها لم يقع به البداءة قلت : هذا كلام واه جدا لأن الحديث صحيح صححه ابن حبان وأبو عوانة وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة كما أخرجه النسائي ولئن سلمنا أن الحديث ليس على شرطه فلا يلزم من ذلك ترك العمل به مع المخالفة لسائر المصنفين ولو فرضنا ضعف الحديث أو قطعنا النظر عن وروده فلا يلزم من ذلك أيضا ترك التحميد المتوج به كتاب الله تعالى والمفتتح به في أوائل السور عن الكتب والخطب والرسائل وقولهم فالمراد بالحمد الذكر ليس بجواب عن تركه لفظ الحمد لأن لفظة الذكر غير لفظة الحمد وليس الآتي بلفظة الذكر آتيا بلفظة الحمد المختص بالذكر في افتتاح كلام الله تعالى والمقصود التبرك باللفظ الذي افتتح به كلام الله تعالى وقولهم أيضا تعذر استعماله إلى آخره كلام من ليس له ذوق من الإدراكات لأن الأولية أمر نسبي فكل كلام بعده كلام هو أول بالنسبة إلى ما بعده فحينئذ من سمى ثم حمدا يكون بادئا بكل واحد من البسملة والحمدلة . أما البسملة فلأنها وقعت في أول كلامه وأما الحمدلة فلأنها أول أيضا بالنسبة إلى ما بعدها من الكلام ألا ترى أنهم تركوا العاطف بينهما لئلا يشعر بالتبعية فيخل بالتسوية وبهذا أجيب عن الاعتراض بقولهم بين الحديثين تعارض ظاهر إذ الابتداء بأحدهما يفوت الابتداء بالآخر . ( الثاني ) إن الافتتاح بالتحميد محمول على ابتداآت الخطب دون غيرهما زجرا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور لما روي أن أعرابيا خطب فترك التحميد فقال عليه السلام : كل أمر الحديث ، قلت : فيه نظر ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ( الثالث ) أن حديث الافتتاح بالتحميد منسوخ بأنه عليه السلام لما صالح قريشا عام الحديبية كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فلولا نسخ لما تركه قلت : هذا أبعد الأجوبة لعدم الدليل على ذلك لم لا يجوز أن يكون الترك لبيان الجواز . ( الرابع ) أن كتاب الله عز وجل مفتتح بها وكتب رسوله عليه السلام مبتدأة بها فلذلك تأسى البخاري بها قلت : لا يلزم من ذلك ترك التحميد ولا فيه إشارة إلى تركه . ( الخامس ) إن أول ما نزل من القرآن اقرأ و يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وليس في ابتدائهما حمدا لله فلم يجز أن يأمر الشارع بما كتاب الله على خلافه قلت : هذا ساقط جدا لأن الاعتبار بحالة الترتيب العثماني لا بحالة النزول إذ لو كان الأمر بالعكس لكان ينبغي أن يترك التسمية أيضا . ( السادس ) إنما تركه لأنه راعى قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فلم يقدم بين يدي الله ولا رسوله شيئا وابتدأ بكلام رسوله عوضا عن كلام نفسه ( قلت ) الآتي بالتحميد ليس بمقدم شيئا أجنبيا بين يدي الله ورسوله وإنما هو ذكره بثنائه الجميل لأجل التعظيم على أنه مقدم بالترجمة وبسوق السند وهو من كلام نفسه فالعجب أنه يكون بالتحميد الذي هو تعظيم الله تعالى مقدما ولا يكون بالكلام الأجنبي وقولهم الترجمة وإن تقدمت لفظا فهي كالمتأخرة تقديرا لتقدم الدليل على مدلوله وضعا وفي حكم التبع ليس بشيء لأن التقديم والتأخير من أحكام الظاهر لا التقدير فهو في الظاهر مقدم وإن كان في نية التأخير وقولهم لتقدم الدليل على مدلوله لا دخل له هاهنا فافهم . ( السابع ) إن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه والظاهر أنه حمد بلسانه قلت : يلزم على هذا عدم إظهار التسمية مع ما فيه من المخالفة لسائر المصنفين والأحسن فيه ما سمعته من بعض أساتذتي الكبار أنه ذكر الحمد بعد التسمية كما هو دأب المصنفين في مسودته كما ذكره في بقية مصنفاته وإنما سقط ذلك من بعض المبيضين فاستمر على ذلك والله تعالى أعلم . ( بيان الترجمة ) لما كان كتابه مقصورا على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم صدره بباب بدأ الوحي لأنه يذكر فيه أول شأن الرسالة والوحي وذكر الآية تبركا ولمناسبتها لما ترجم له لأن الآية في أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام وقال بعضهم : لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا لبيان كيفية بدء الوحي وكان ينبغي أن لا يقدم عليه عقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحسن وكذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس لا يدل على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم السامع والقارئ إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا منه على فهم القارئ واعترض بأنه ليس قوله لكان أحسن مسلما لأنا لا نسلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي إذ يعلم مما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المقام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه ثم ما فر هو منه لازم عليه على هذا التقدير أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه ، وليس قوله كان ينبغي أيضا مسلما إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب فالسلف كانوا يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه وليس وكذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مسلما إذ فيه بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي وهو أن هذه القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد بالباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا من كل حديث منه فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة . ( بيان اللغة ) الباب أصله البوب قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجمع على أبواب وقد قالوا أبوبة ، وقال القتال الكلابي واسمه عبد الله بن المجيب يرثي حنظلة بن عبد الله بن الطفيل : هتاك أخبية ولاج أبوبة ملء الثواية فيه الجد واللين قال الصغاني : وإنما جمع الباب أبوبة للازدواج ولو أفرده لم يجز وأبواب مبوبة كما يقال أصناف مصنفة والبابة الخصلة والبابات الوجوه ، وقال ابن السكيت : البابة عند العرب الوجه والمراد من الباب هاهنا النوع كما في قولهم من فتح بابا من العلم أي نوعا وإنما قال : باب ولم يقل كتاب لأن الكتاب يذكر إذا كان تحته أبواب وفصول والذي تضمنه هذا الباب فصل واحد ليس إلا فلذلك قال باب ولم يقل كتاب . قوله : « كيف » اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم على كيف تبيع الأحمرين ولإبدال الاسم الصريح نحو كيف أنت أصحيح أم سقيم ، ويستعمل على وجهين أن يكون شرطا نحو كيف تصنع أصنع ، وأن يكون استفهاما إما حقيقيا نحو كيف زيدا وغيره نحو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فإنه أخرج مخرج التعجب ويقع خبرا نحو كيف أنت وحالا نحو كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد ، ويقال : فيه كي كما يقال في سوف هو قوله : « كان » من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرض لزواله في الحال أولا زواله وبهذا يفرق عن صار فإن معناه الانتقال من حال إلى حال ولهذا يجوز أن يقال كان الله ولا يجوز صار . قوله : « بدء الوحي » البدء على وزن فعل بفتح الفاء وسكون الدال وفي آخره همز من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به وفي العباب بدأت بالشيء بدأ ابتدأت به وبدأت الشيء فعلته ابتداء ( وبدأ الله الخلق ) وابدأهم بمعنى وبدا بغير همز في آخره معناه ظهر تقول بدا الأمر بدوا مثل قعد قعودا أي : ظهر وأبديته أظهرته ، وقال القاضي عياض : روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور ، وبهذا يرد على من قال : لم تجيء الرواية بالوجه الثاني فالمعنى على الأول كيف كان ابتداؤه ، وعلى الثاني كيف كان ظهوره وقال بعضهم : الهمز أحسن لأنه يجمع المعنيين وقيل الظهور أحسن لأنه أعم وفي بعض الروايات باب كيف كان ابتداء الوحي والوحي في الأصل الإعلام في خفاء قال الجوهري : الوحي الكتاب وجمعه وحي مثل حلي وحلي قال لبيد : فمدافع الريان عري رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال وحيت إليه الكلام وأوحيت وهو أن تكلمه بكلام تخفيه قال العجاج : وحى لها القرار فاستقرت ، ويروى أوحى لها ووحى وأوحى أيضا كتب ، قال العجاج : حتى نحاهم جدنا والناحي . لقدر كان وحاه الواحي ، وأوحى الله تعالى إلى أنبيائه وأوحى أشار قال تعالى : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ووحيت إليك بخبر كذا أي أشرت ، وقال الإمام أبو عبد الله التيمي الأصبهاني : الوحي أصله التفهيم وكل ما فهم به شيء من الإشارة والإلهام والكتب فهو وحي قيل في قوله تعالى : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا أي أشرت ، وقال الإمام : أي كتب ، وقوله تعالى وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي ألهم وأما الوحي بمعنى الإشارة فكما قال الشاعر : يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء وأوحى ووحى لغتان والأولى أفصح وبها ورد القرآن وقد يطلق ويراد بها اسم المفعول منه أي الموحى ، وفي اصطلاح الشريعة هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه والرسول عرفه كثير منهم بمن جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه وهذا تعريف غير صحيح لأنه يلزم على هذا أن يخرج جماعة من الرسل عن كونهم رسلا كآدم ونوح وسليمان عليهم السلام فإنهم رسل بلا خلاف ولم ينزل عليهم كتاب وكذا قال صاحب البداية الرسول هو النبي الذي معه كتاب كموسى عليه السلام والنبي هو الذي ينبئ عن الله تعالى وإن لم يكن معه كتاب كيوشع عليه السلام وتبعه على ذلك الشيخ قوام الدين والشيخ أكمل الدين في شرحيهما والتعريف الصحيح أن الرسول من نزل عليه كتاب أو أتى إليه ملك والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام أو يتبع رسولا آخر فكل رسول نبي من غير عكس قوله : « وقول الله تعالى » القول ما ينطق به اللسان تاما كان أو ناقصا ويطلق على الكلام والكلم والكلمة ويطلق مجازا على الرأي والاعتقاد كقولك : فلان يقول بقول أبي حنيفة رضي الله عنه ويذهب إلى قول مالك ويستعمل في غير النطق قال أبو النجم : قالت له الطير تقدم راشدا إنك لا ترجع إلا حامدا ومنه قوله عز وجل إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقوله تعالى فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ قوله : « من بعده » بعد نقيض قبل وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أضيفا ، وأصلهما الإضافة فمتى حذفت المضاف إليه لعلم المخاطب بنيتهما على الضم ليعلم أنه مبني إذا كان الضم لا يدخلهما إعرابا لأنهما لا يصلح وقوعهما موقع الفاعل ولا موقع المبتدأ ولا الخبر فافهم . ( بيان الصرف ) كيف لا يتصرف لأنه جامد والبدء مصدر من بدأت الشيء كما مر والوحي كذلك من وحيت إليه وحيا وهاهنا اسم فافهم ومصدر أوحى إيحاء والرسول صفة مشبهة يقال : أرسلت فلانا في رسالة فهو مرسل ورسول وهذه صيغة يستوي فيها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث مثل عدو وصديق قال عز وجل إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ولم يقل أنا رسل لأن فعيلا وفعولا يستوي فيهما هذه الأشياء وفي العباب الرسول المرسل والجمع رسل ورسل ورسلاء وهذا عن الفراء والقول مصدر تقول قال يقول قولا وقولة ومقالا ومقالة وقالا يقال : أكثر القال والقيل وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ويقال : القال الابتداء والقيل : الجواب ، وأصل قلت قولت بالفتح ولا يجوز أن يكون بالضم لأنه يتعدى ورجل قول وقوم قول ورجل مقول ومقوال وقولة مثل تؤدة وتقولة عن الفراء وتقوالة عن الكسائي أي ليس كثير القول والمقول اللسان والمقول القيل بلغة أهل اليمن وقلنا به أي قلناه . ( بيان الإعراب ) قوله : « باب » بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب ويجوز فيه التنوين بالقطع عما بعده وتركه للإضافة إلى ما بعده ، وقال بعض الشراح : يجوز فيه باب بصورة الوقف على سبيل التعداد فلا إعراب له حينئذ وخدشه بعضهم ولم يبين وجهه غير أنه قال : ولم تجئ به الرواية قلت : لا محل للخدش فيه لأن مثل هذا استعمل كثيرا في أثناء الكتب يقال عند انتهاء كلام باب أو فصل بالسكون ثم يشرع في كلام آخر وحكمه حكم تعداد الكلمات ولا مانع من جوازه غير أنه لا يستحق الإعراب لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ورأيت كثيرا من الفضلاء المحققين يقولون فصل مهما فصل لا ينون ومهما وصل ينون لأن الإعراب يكون بالتركيب . وقوله : لم تجئ به الرواية لا يصلح سندا للمنع لأن التوقف على الرواية إنما يكون في متن الكتاب أو السنة وأما في غيرهما من التراكيب يتصرف مهما يكون بعد أن لا يكون خارجا عن قواعد العربية . ووقع في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة هكذا كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ بدون لفظة باب ( فإن قلت ) ما يكون محل كيف من الإعراب على هذا الوجه ؟ قلت : يجوز أن يكون حالا كما في قولك كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد ، والتقدير هاهنا على أي حالة كان ابتداء الوحي إلى رسول الله عليه السلام وقول بعضهم هاهنا والجملة في محل الرفع لا وجه له لأن الجملة من حيث هي لا تستحق من الإعراب شيئا إلا إذا وقعت في موقع المفرد وهو في مواضع معدودة قد بينت في موضعها وليس هاهنا موقع يقتضي الرفع وإنما الذي يقتضي هو النصب على الحالية كما ذكرنا وهو من جملة تلك المواضع فافهم . قوله « صلى الله عليه وسلم » جملة خبرية ولكنها لما كانت دعاء صارت إنشاء لأن المعنى اللهم صل على محمد وكذا الكلام في سلم ، قوله : « وقول الله تعالى » يجوز فيه الوجهان الرفع على الابتداء وخبره قوله ( إنا أوحينا إليك ) إلخ والجر عطف على الجملة التي أضيف إليها الباب والتقدير باب كيف كان ابتداء الوحي وباب معنى قول الله عز وجل . وإنما لم يقدر وباب كيف قول الله لأن قول الله تعالى لا يكيف ، وقال بعض الشراح : قال النووي في تلخيصه وقول الله مجرور ومرفوع معطوف على كيف قلت : وجه العطف في كونه مجرورا ظاهر وأما الرفع كيف يكون بالعطف على كيف وليس فيه الرفع فافهم . قوله ( إليك ) في محل النصب على المفعولية قوله ( كما أوحينا ) كلمة ما هاهنا مصدرية والتقدير كوحينا ومحلها الجر بكاف التشبيه قوله ( إلى نوح ) بالصرف وكان القياس فيه منع الصرف للعجمة والعلمية إلا أن الخفة فيها قاومت أحد السببين فصرفت لذلك وقوم يجرون نحوه على القياس فلا يصرفونه لوجود السببين واللغة الفصيحة التي عليها التنزيل . ( بيان المعاني ) اعلم أن كيف متضمنة معنى همزة الاستفهام لأنه سؤال عن الحال وهو الاستفهام وقد يكون للإنكار والتعجب كما في قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا المعنى أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الإنكار والتعجب ونظيره قولك أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح . قوله ( إنا أوحينا ) كلمة إن للتحقيق والتأكيد وقد علم أن المخاطب إذا كان خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر نفيا وإثباتا والتردد فيه استغنى عن ذكر مؤكدات الحكم وإن كان متصورا لطرفيه مترددا فيه طالبا للحكم حسن تقويته بمؤكد واحد من أن أو اللام أو غيرهما كقولك لزيد عارف أو إن زيدا عارف وإن كان منكرا للحكم الذي أراده المتكلم وجب توكيده بحسب الإنكار فكلما زاد الإنكار استوجب زيادة التأكيد فتقول لمن لا يبالغ في إنكار صدقك إني صادق ولمن بالغ فيه إني لصادق ولمن أوغل فيه والله إني لصادق ويسمى الضرب الأول ابتدائيا والثاني طلبيا والثالث إنكاريا ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه إخراجا على مقتضى الظاهر وكثيرا ما يخرج على خلافه لنكتة من النكات كما عرف في موضعه والنكتة في تأكيد قوله : ( أوحينا إليك ) بقوله إن لأجل الكلام السابق لأن الآية جواب لما تقدم من قوله تعالى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ الآية فأعلم الله تعالى أن أمره كأمر النبيين من قبله يوحى إليه كما يوحى إليهم وقال عبد القاهر في نحو قوله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ و يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وغير ذلك مما يشابه هذه أن التأكيد في مثل هذه المقامات لتصحيح الكلام السابق والاحتجاج له وبيان وجه الفائدة فيه ، ثم النون في قوله ( أوحينا ) للتعظيم وقد علم أن نا وضعت للجماعة فإذا أطلقت على الواحد يكون للتعظيم فافهم . ( بيان البيان ) الكاف في قوله ( كما أوحينا ) للتشبيه وهي الكاف الجارة والتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه كالشجاعة في الأسد والنور في الشمس والمشبه هاهنا الوحي إلى محمد عليه السلام والمشبه به الوحي إلى نوح والنبيين من بعده ووجه التشبيه هو كونه وحي رسالة لا وحي إلهام لأن الوحي ينقسم على وجوه والمعنى أوحينا إليك وحي رسالة كما أوحينا إلى الأنبياء عليهم السلام وحي رسالة لا وحي إلهام . ( بيان التفسير ) هذه الآية الكريمة في سورة النساء وسبب نزول الآية وما قبلها أن اليهود قالوا للنبي عليه السلام إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى عليه السلام فأنزل الله تعالى يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ الآيات فأعلم الله تعالى أنه نبي يوحى إليه كما يوحى إليهم وأن أمره كأمرهم ( فإن قلت ) لم خصص نوحا عليه السلام بالذكر ولم يذكر آدم عليه السلام مع أنه أول الأنبياء المرسلين ؟ قلت : أجاب عنه بعض الشراح بجوابين : الأول : أنه أول مشرع عند بعض العلماء ، والثاني : أنه أول نبي عوقب قومه فخصصه به تهديدا لقوم محمد صلى الله عليه وسلم وفيهما نظر ، أما الأول : فلا نسلم أنه أول مشرع بل أول مشرع هو آدم عليه السلام فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه وشرع لهم الشرائع ثم بعده قام بأعباء الأمر شيث عليه السلام وكان نبيا مرسلا وبعده إدريس عليه السلام بعثه الله إلى ولد قابيل ثم رفعه الله إلى السماء . وأما الثاني : فلأن شيث عليه السلام هو أول من عذب قومه بالقتل وذكر الفربري في تاريخه أن شيث عليه السلام سار إلى أخيه قابيل فقاتله بوصية أبيه له بذلك متقلدا بسيف أبيه وهو أول من تقلد بالسيف وأخذ أخاه أسيرا وسلسله ولم يزل كذلك إلى أن قبض كافرا والذي يظهر لي من الجواب الشافي عن هذا أن نوحا عليه السلام هو الأب الثاني وجميع أهل الأرض من أولاد نوح الثلاثة لقوله تعالى وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث وذلك لأن كل من كان على وجه الأرض قد هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة وقال قتادة : لم يكن فيها إلا نوح عليه السلام وامرأته وثلاثة بنيه سام وحام ويافث ونساؤهم فجميعهم ثمانية ، وقال ابن إسحاق كانوا عشرة سوى نسائهم ، وقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين نفسا وعن ابن عباس كانوا ثمانين إنسانا أحدهم جرهم والمقصود لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم ما خلا نوحا وبنيه الثلاثة وأزواجهم ثم مات نوح عليه السلام وبقي بنوه الثلاثة فجميع الخلق منهم وكان نوح عليه السلام أول الأنبياء المرسلين بعد الطوفان وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده ما خلا آدم وشيث وإدريس فلذلك خصه الله تعالى بالذكر ولهذا عطف عليه الأنبياء لكثرتهم بعده . ( بيان تصدير الباب بالآية المذكورة ) اعلم أن عادة البخاري رحمه الله تعالى أن يضم إلى الحديث الذي يذكره ما يناسبه من قرآن أو تفسير له أو حديث على غير شرطه أو أثر عن بعض الصحابة أو عن بعض التابعين بحسب ما يليق عنده ذلك المقام ومن عادته في تراجم الأبواب ذكر آيات كثيرة من القرآن وربما اقتصر في بعض الأبواب عليها فلا يذكر معها شيئا أصلا وأراد بذكر هذه الآية في أول هذا الكتاب الإشارة إلى أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام .
2 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني ، وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ، قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا . لما كان الباب معقودا لبيان الوحي وكيفيته شرع بذكر الأحاديث الواردة فيه غير أنه قدم حديث الأعمال بالنيات تنبيها على أنه قصد من تصنيف هذا الجامع التقرب إلى الله تعالى فإن الأعمال بالنيات ، وأيضا فإنه مشتمل على الهجرة وكانت مقدمة النبوة في حقه عليه الصلاة والسلام هجرته إلى الله تعالى وإلى الخلوة بمناجاته في غار حراء فهجرته إليه كانت ابتداء فضله عليه باصطفائه ، ونزول الوحي عليه مع التأييد الإلهي والتوفيق الرباني . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد الله بن يوسف المصري التنيسي وهو من أجل من روى الموطأ عن مالك رحمه الله تعالى سمع الأعلام مالكا ، والليث بن سعد ، ونحوهما وعنه الأعلام يحيى بن معين ، والذهلي وغيرهما وأكثر عنه البخاري في صحيحه ، وقال : كان أثبت الشاميين وروى أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، عن رجل عنه ، ولم يخرج له مسلم مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين ، وقال البخاري : لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومائتين ، ومنه سمع البخاري الموطأ عن مالك وليس في الكتب الستة عبد الله بن يوسف سواه ، ونسبته إلى تنيس بكسر التاء المثناة من فوق ، والنون المكسورة المشددة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة بلدة بمصر ساحل البحر ، واليوم خراب سميت بتنيس بن حام بن نوح عليه السلام ، وأصله من دمشق ثم نزل بتنيس ، وفي يوسف ستة أوجه ضم السين ، وفتحها ، وكسرها مع الهمزة وتركها وهو اسم عبراني ، وقيل : عربي قال الزمخشري : وليس بصحيح لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، فإن قلت : فما تقول فيمن قرأ يوسف بكسر السين أو يوسف بفتحها هل يجوز على قراءته أن يقال هو عربي لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل أو المفعول من آسف ، وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل قلت : لا ؛ لأن القراءة المشهورة قامت بالشهادة على أن الكلمة أعجمية فلا تكون تارة عربية وتارة أعجمية ، ونحو يوسف يونس رويت فيه هذه اللغات الثلاث ، ولا يقال هو عربي لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس ثم الذين ذهبوا إلى أنه عربي قالوا : اشتقاقه من الأسف وهو الحزن والأسيف وهو العبد ، وقد اجتمعا في يوسف النبي عليه السلام فلذلك سمي يوسف ، وهذا فيه نظر لأن يعقوب عليه السلام لما سماه يوسف لم يلاحظ فيه هذا المعنى بل الصحيح على ما قلنا إنه عبراني ، ومعناه جميل الوجه في لغتهم . الثاني من الرجال : الإمام مالك رحمه الله تعالى إمام دار الهجرة وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، وهو ذو أصبح الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني وعدادهم في بني تميم بن مرة من قريش حلفاء عثمان بن عبيد الله التيمي أخي طلحة بن عبيد الله ، وقال أبو القاسم الدولقي : أخذ مالك ، عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه وفهمه وقيامه بحق الرواية وشروطها ، وسكنت النفس إليه وترك الرواية ، عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية ، ومن الأعلام الذين روى عنهم إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي وأيوب السختياني ، وثور بن زيد الديلمي وجعفر بن محمد الصادق ، وحميد الطويل ، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن ، وزيد بن أسلم ، وسعيد المقبري ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، والزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وهشام بن عروة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو الزبير المكي وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص ، وقال أصحابنا في طبقات الفقهاء ، وفي مناقب أبي حنيفة أن مالك بن أنس كان يسأل أبا حنيفة رضي الله عنه ويأخذ بقوله ، وبعضهم ذكر أنه كان ربما سمع منه متنكرا وذكروا أيضا أن أبا حنيفة سمع منه أيضا ، ومن الأعلام الذين رووا عنه سفيان الثوري ومات قبله وسفيان بن عيينة ، وشعبة بن الحجاج ، ومات قبله وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الرحمن الأوزاعي ، وهو أكبر منه ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي ، وعبد الله بن جريج ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وقتيبة بن سعيد ، والليث بن سعد ، وهو من أقرانه ، ومحمد بن مسلم الزهري ، وهو من شيوخه وقيل : لا يصح وهو الأصح وروى عنه الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو أحد مشايخه روى عنه وأخذ عنه العلم ، وأما الذين رووا عنه الموطأ والذين رووا عنه مسائل الآي فأكثر من أن يحصوا قد بلغ فيهم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب جمعه في ذلك نحو ألف رجل ، وأخذ القراءة عرضا ، عن نافع بن أبي نعيم ، وقال البخاري : أصح الأسانيد مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وقال ابن معين : كل من روى عنه مالك ثقة إلا أبا أمية ، وقال غير واحد هو أثبت أصحاب نافع ، والزهري ، وعن الشافعي رضي الله عنه إذا جاءك الحديث ، عن مالك فشد به يديك ، وإذا جاء الأثر فمالك النجم ، وعنه مالك بن أنس معلمي ، وعنه أخذنا العلم ، وعنه قال محمد بن الحسن الشيباني : أقمت عند مالك بن أنس ثلاث سنين وكسرا وكان يقول : إنه سمع منه لفظا أكثر من سبعمائة حديث ، وكان إذا حدثهم ، عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه حتى يضيق بهم الموضع ، وإذا حدثهم ، عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلا اليسير ، وقال الواقدي : وكان مالك شعرا شديد البياض ربعة من الرجال كبير الرأس أصلع ، وكان لا يخضب ، وكان يلبس الثياب العدنية الجياد ويكره خلق الثياب ، ويعيبه ويراه من المثلة وهو أيضا من العلماء الذين ابتلوا في دين الله قال ابن الجوزي : ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان ، ويقال : سعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس وهو ابن عم أبي جعفر المنصور وقالوا له : إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه لشيء فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط ، ومدت يده حتى انخلع كتفه وارتكب منه أمرا عظيما ، توفي ليلة أربع عشرة من صفر وقيل : من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أمير المدينة يومئذ ودفن بالبقيع ، وزرنا قبره غير مرة نسأل الله تعالى العودة ، ومولده في ربيع الأول سنة أربع وتسعين ، وفيها ولد الليث بن سعد أيضا وكان حمل به في البطن ثلاث سنين ، وليس في الرواة مالك بن أنس غير هذا الإمام ، وغير مالك بن أنس الكوفي روى عنه حديث واحد ، عن هانئ بن حرام ، وقيل : حرام ووهم بعضهم فأدخل حديثه في حديث الإمام نبه عليه الخطيب في كتابه المتفق والمفترق ، وهو أحد المذاهب الستة المبتدعة . والثاني : الإمام أبو حنيفة مات ببغداد سنة خمسين ومائة ، عن سبعين سنة : والثالث : الشافعي مات بمصر سنة أربع ومائتين ، عن أربع وخمسين سنة . والرابع : أحمد بن حنبل مات سنة إحدى وأربعين ومائتين ، عن ثمانين سنة ببغداد . والخامس : سفيان الثوري مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة ، عن أربع وستين سنة . والسادس : داود بن علي الأصبهاني مات سنة تسعين ومائتين ، عن ثمان وثمانين سنة ببغداد وهو إمام الظاهرية ، وقد جمع الإمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الخصكفي الخطيب الشافعي القراء السبعة في بيت وأئمة المذاهب في بيت فقال : جمعت لك القراء لما أردتهم ببيت تراه للأئمة جامعا أبو عمرو عبد الله حمزة عاصم علي ولا تنس المديني نافعا وإن شئت أركان الشريعة فاستمع لتعرفهم فاحفظ إذا كنت سامعا محمد والنعمان مالك أحمد وسفيان واذكر بعد داود تابعا الثالث : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو المنذر ، وقيل : أبو عبد الله أحد الأعلام تابعي مدني رأى ابن عمر ومسح برأسه ودعا له وجابرا وغيرهما ، ولد مقتل الحسين رضي الله عنه سنة إحدى وستين ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة ، روى له الجماعة ولم نعرف أحدا شاركه في اسمه مع اسم أبيه . الرابع : أبو عبد الله عروة والد هشام المذكور المدني التابعي الجليل المجمع على جلالته وإمامته وكثرة علمه وبراعته وهو أحد الفقهاء السبعة وهم هو وسعيد بن المسيب ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسليمان بن يسار ، وخارجة بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم بن زيد بن ثابت وفي السابع ثلاثة أقوال : أحدها أبو سلمة بن عبد الرحمن . الثاني : سالم بن عبد الله بن عمر ، الثالث : أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعلى القول الأخير جمعهم الشاعر : ألا إن من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى من الحق خارجة فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة وأم عروة أسماء بنت الصديق ، وقد جمع الشرف من وجوه فرسول الله صلى الله عليه وسلم صهره ، وأبو بكر جده ، والزبير والده وأسماء أمه ، وعائشة خالته ، ولد سنة عشرين ، ومات سنة أربع وتسعين ، وقيل : سنة ثلاث ، وقيل : تسع ، روى له الجماعة وليس في الستة عروة بن الزبير سواه ولا في الصحابة أيضا . الخامس : أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تكنى بأم عبد الله كناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير ، وقيل : بسقط لها وليس بصحيح ، وعائشة مأخوذة من العيش ، وحكي عيشة ، لغة فصيحة ، وأمها أم رومان بفتح الراء وضمها ، زينب بنت عامر ، وهي أم عبد الرحمن أخي عائشة أيضا ماتت سنة ست في قول الواقدي ، والزبير وهو الأصح تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين وقيل : بثلاث ، وقيل : بسنة ونصف أو نحوها في شوال وهي بنت ست سنين ، وقيل : سبع وبنى بها في شوال أيضا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة أقامت في صحبته ثمانية أعوام ، وخمسة أشهر وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة وعاشت خمسا وستين سنة وكانت من أكبر فقهاء الصحابة ، وأحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية روي لها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث ، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا ، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ، ومسلم بثمانية وخمسين روت ، عن خلق من الصحابة وروى عنها جماعات من الصحابة والتابعين قريب من المائتين ماتت بعد الخمسين إما سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان في رمضان ، وقيل : في شوال وأمرت أن تدفن ليلا بعد الوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد فيه خلاف ، فقال بعضهم : عائشة أفضل ، وقال آخرون : خديجة أفضل ، وبه قال القاضي والمتولي ، وقطع ابن العربي المالكي وآخرون وهو الأصح وكذلك الخلاف موجود هل هي أفضل أم فاطمة ، والأصح أنها أفضل من فاطمة وسمعت بعض أساتذتي الكبار أن فاطمة أفضل في الدنيا ، وعائشة أفضل في الآخرة والله أعلم . وجملة من في الصحابة اسمه عائشة عشرة عائشة هذه ، وبنت سعد ، وبنت حز ، وبنت الحارث القريشية ، وبنت أبي سفيان الأشهلية ، وبنت عبد الرحمن بن عتيك زوجة ابن رفاعة ، وبنت عمير الأنصارية ، وبنت معاوية بن المغيرة أم عبد الملك بن مروان ، وبنت قدامة بن مظعون ، وعائشة من الأوهام وإنما هي بنت عجرد ، وسمعت ابن عباس وليس في الصحيحين من اسمه عائشة من الصحابة سوى الصديقة ، وفيهما عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ، عن خالتها عائشة أصدقها مصعب ألف ألف ، وكانت بديعة جدا ، وفي البخاري عائشة بنت سعد بن أبي وقاص تروي عن أبيها ، وفي ابن ماجه عائشة بنت مسعود بن العجماء العدوية عن أبيها ، وعنها ابن أخيها محمد بن طلحة ، وليس في مجموع الكتب الستة غير ذلك وثم عائشة بنت سعد أخرى بصرية تروي عن الحسن ( فإن قلت ) ما أصل قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أم المؤمنين . قلت : أخذوه من قوله تعالى : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وقرأ مجاهد وهو أب لهم ، وقيل إنها قراءة أبي بن كعب وهن أمهات في وجوب احترامهن وبرهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والمسافرة ، وتحريم نكاح بناتهن وكذا النظر في الأصح ، وبه جزم الرافعي ومقابله حكاه الماوردي . وهل يقال لإخوتهن أخوال المسلمين ولأخواتهن خالات المؤمنين ، ولبناتهن أخوات المؤمنين فيه خلاف عند العلماء ، والأصح المنع لعدم التوقيف ووجه مقابله أنه مقتضى ثبوت الأمومة ، وهو ظاهر النص لكنه مؤول قالوا : ولا يقال آباؤهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم . وهل يقال فيهن أمهات المؤمنات فيه خلاف ، والأصح أنه لا يقال بناء على الأصح أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أنا أم رجالكم لا أم النساء ، وهل يقال للنبي عليه السلام أبو المؤمنين فيه وجهان ، والأصح الجواز ، ونص عليه الشافعي أيضا أي في الحرمة ومعنى قوله تعالى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ لصلبه وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال أبونا ، وإنما يقال هو كأبينا لما روي أنه أنه قال : « إنما أنا لكم كالوالد » . السادس : الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أخو أبي جهل لأبويه وابن عم خالد بن الوليد شهد بدرا كافرا فانهزم وأسلم يوم الفتح ، وحسن إسلامه وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام يوم حنين مائة من الإبل قتل باليرموك سنة خمس عشرة وكان شريفا في قومه وله اثنان وثلاثون ولدا منهم : أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أحد الفقهاء السبعة على قول ، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا ، وإلا الحارث بن هشام الجهني ، روى عنه المصريون ذكره ابن عبد البر ، وقال بعض الشارحين : هذا الحديث أدخله الحفاظ في مسند عائشة دون الحارث ، وليس للحارث هذا في الصحيحين رواية وإنما له رواية في سنن ابن ماجه فقط ، وعده ابن الجوزي فيمن روى من الصحابة حديثين مراده في غير الصحيحين ، وليس في الصحابة في الصحيحين من اسمه الحارث غير الحارث بن ربعي أبي قتادة على أحد الأقوال في اسمه ، والحارث بن عوف أبي واقد الليثي وهما بكنيتهما أشهر ، وأما خارج الصحيحين فجماعات كثيرون فوق المائة والخمسين قلت : أدخل الإمام أحمد في مسنده الحارث بن هشام فإنه رواه ، عن عامر بن صالح ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن الحارث بن هشام قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث . واعلم أن الحارث قد يكتب بلا ألف تخفيفا ، وهشام بكسر الهاء وبالشين المعجمة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن رجاله كلهم مدنيون خلا شيخ البخاري ، ومنها أن فيه تابعيا ، عن تابعي ، ومنها أن قولها سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل وجهين أحدهما : أن تكون عائشة رضي الله عنها حضرته ، والآخر أن يكون الحارث أخبرها بذلك فعلى الأول ظاهر الاتصال ، وعلى الثاني : مرسل صحابي وهو في حكم المسند ومنها أن في الأول حدثنا عبد الله ، وفي الثاني أخبرنا مالك ، والبواقي بلفظة ، عن المسماة بالعنعنة قال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا ، وسمعته يقول ، وقال لنا فلان ، وذكر فلان ، وإليه مال الطحاوي ، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب ، ونقل هو وغيره ، عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة ، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ، ومالك ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى القطان ، وقيل : إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين ، وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدا مثل حدثنا فلان قراءة عليه ، وأخبرنا قراءة عليه ، وهو مذهب ابن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن يحيى التميمي ، والمشهور عن النسائي وصححه الآمدي والغزالي وهو مذهب المتكلمين ، وقال آخرون بالمنع في حدثنا والجواز في أخبرنا ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق ، ونقل عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج ، والأوزاعي ، والنسائي ، وابن وهب وقيل : إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث والأحسن أن يقال فيه : إنه اصطلاح منهم أرادوا التمييز بين النوعين وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة واختلف في المعنعن فقال بعضهم : هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه ، وقال النووي : ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن وهو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا يعني مع براءتهم من التدليس ، ونقل أي مسلم ، عن بعض أهل عصره أنه قال : لا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة فأكثر ولا يكفي إمكان تلاقيهما ، وقال : هذا قول ساقط واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال وكذا إذا أمكن التلاقي قال النووي : والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن البخاري وغيره ، وقد زاد جماعة عليه فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكا بينا ، وأبو المظفر السمعاني طول الصحبة بينهما . ( بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره ) قد رواه البخاري أيضا في بدء الخلق ، عن فروة ، عن علي بن مسهر ، عن همام ورواه مسلم في الفضائل ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن عيينة ، عن أبي كريب ، عن أبي أسامة ، وعن ابن نمير ، عن أبي بشر عنه . ( بيان اللغات ) قوله :« الوحي » قد فسرناه فيما مضى ولنذكر هاهنا أقسامه وصوره : أما أقسامه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فعلى ثلاثة أضرب : أحدها : سماع الكلام القديم كسماع موسى عليه السلام بنص القرآن ، ونبينا صلى الله عليه وسلم بصحيح الآثار . الثاني : وحي رسالة بواسطة الملك . الثالث : وحي تلق بالقلب كقوله عليه الصلاة والسلام : « إن روح القدس نفث في روعي » أي في نفسي ، وقيل : كان هذا حال داود عليه السلام ، والوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل . وأما صوره على ما ذكره السهيلي فسبعة : الأولى : المنام كما جاء في الحديث . الثانية : أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس كما جاء فيه أيضا . الثالثة : أن ينفث في روعه الكلام كما مر في الحديث المذكور آنفا ، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى : أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا وهو أن ينفث في روعه بالوحي . الرابعة : أن يتمثل له الملك رجلا كما في هذا الحديث ، وقد كان يأتيه في صورة دحية ، قلت : اختصاص تمثله بصورة دحية دون غيره من الصحابة لكونه أحسن أهل زمانه صورة ولهذا كان يمشي متلثما خوفا أن يفتتن به النساء . الخامسة : أن يتراءى له جبريل عليه السلام في صورته التي خلقها الله تعالى له بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت . السادسة : أن يكلمه الله تعالى من وراء حجاب إما في اليقظة كليلة الإسراء أو في النوم كما جاء في الترمذي مرفوعا : « أتاني ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى » الحديث ، وحديث عائشة الآتي ذكره : « فجاءه الملك فقال : اقرأ » ظاهره أن ذلك كان يقظة ، وفي السيرة فأتاني وأنا نائم ، ويمكن الجمع بأنه جاء أولا مناما توطئة وتيسيرا عليه وترفقا به ، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : « مكث عليه الصلاة والسلام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ، ولا يرى شيئا ، وثماني سنين يوحى إليه » . السابعة : وحي إسرافيل عليه السلام كما جاء ، عن الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام وكل به إسرافيل عليه السلام فكان يتراءى له ثلاث سنين ، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وكل به جبريل عليه السلام . وفي مسند أحمد بإسناد صحيح ، عن الشعبي : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة ، وعشرا بالمدينة فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة » . وأنكر الواقدي وغيره كونه وكل به غير جبريل عليه السلام ، وقال أحمد بن محمد البغدادي : أكثر ما كان في الشريعة مما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل عليه السلام قوله :« أحيانا » جمع حين وهو الوقت يقع على القليل والكثير ، قال الله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أي مدة من الدهر قال الجوهري : الحين الوقت ، والحين المدة وفلان يفعل كذا أحيانا ، وفي الأحايين والحاصل أن الحين يطلق على لحظة من الزمان فما فوقه ، وعند الفقهاء الحين والزمان يقع على ستة أشهر حتى لو حلف لا يكلمه حينا أو زمانا أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر ، قالوا : لأن الحين قد يراد به الزمان القليل ، وقد يراد به أربعون سنة قال الله تعالى : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أي أربعون سنة ، وقد يراد به ستة أشهر قال الله تعالى : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ قلت هذا إذا لم ينو شيئا ، أما إذا نوى شيئا فهو على ما نواه لأنه حقيقة كلامه . قوله : « مثل صلصلة الجرس » الصلصلة بفتح الصادين المهملتين الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهلة ، ويقال : هي صوت كل شيء مصوت كصلصلة السلسلة ، وفي العباب صلصلة اللجام صوته إذا ضوعف ، وقال الخطابي : يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يشتبه أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد وقال أبو علي الهجري في أماليه : الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ، ويابس الطين ، وما أشبه ذلك صوته ، وفي المحكم : صل يصل صليلا ، وصلصل وتصلصل صلصلة ، وتصلصلا صوت فإن توهمت ترجيع صوت قلت : صلصل وتصلصل ، وقال القاضي : الصلصلة صوت الحديد فيما له طنين ، وقيل : معنى الحديث هو قوة صوت حفيف أجنحة الملائكة لتشغله عن غير ذلك ويؤيده الرواية الأخرى : « كأنه سلسلة على صفوان » أي : حفيف الأجنحة والجرس بفتح الراء هو الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب ، وقال الكرماني : الجرس شبه ناقوس صغير أو صطل في داخله قطعة نحاس معلق منكوسا على البعير فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت الصطل فتحصل صلصلة ، والعامة تقول : جرص بالصاد ، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم إلا الصمج وهو القنديل ، وأما الجص فمعرب قال ابن دريد : اشتقاقه من الجرس أي الصوت والحس . وقال ابن سيده : الجرس والجرس والجرس الأخيرة عن كراع الحركة والصوت من كل ذي صوت ، وقيل : الجرس بالفتح إذا أفرد فإذا قالوا ما سمعت له حسا ولا جرسا كسروا فأتبعوا اللفظ باللفظ . قال الصغاني : قال ابن السكيت : الجرس والجرس الصوت ولم يفرق ، وقال الليث : الجرس مصدر الصوت المجروس والجرس بالكسر الصوت نفسه ، وجرس الحرف نغمة الصوت والحروف الثلاثة لا جروس لها أعني الواو والياء والألف اللينة وسائر الحروف مجروسة . قوله :« فيفصم » فيه ثلاث روايات : الأولى : وهي أفصحها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الفاء وكسر الصاد ، وقال الخطابي : معناه يقطع ويتجلى ما يغشاني منه قال : وأصل الفصم القطع ومنه لا انْفِصَامَ لَهَا وقيل : إنه الصدع بلا إبانة وبالقاف قطع بإبانة فمعنى الحديث أن الملك فارقه ليعود . الثانية : بضم أوله وفتح ثالثه وهي رواية أبي ذر الهروي قلت : هو على صيغة المجهول من المضارع الثلاثي فافهم . الثالثة : بضم أوله وكسر الثالثة من أفصم المطر إذا أقلع وهي لغة قليلة قلت : هذا من الثلاثي المزيد فيه ، ومنه أفصمت عنه الحمى . قوله : « وقد وعيت » بفتح العين أي فهمت وجمعت وحفظت ، قال صاحب الأفعال : وعيت العلم حفظته ووعيت الأذن سمعت وأوعيت المتاع جمعته في الوعاء ، وقال ابن القطاع : وأوعيت العلم مثل وعيته . وقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ أي بما يضمرون في قلوبهم من التكذيب ، وقال الزجاج : بما يحملون في قلوبهم فهذا من أوعيت المتاع . قوله :« يتمثل » أي يتصور مشتق من المثال وهو أن يتكلف أن يكون مثالا لشيء آخر وشبيها له ، قوله :« الملك » جسم علوي لطيف يتشكل بأي شكل شاء وهو قول أكثر المسلمين ، وقالت الفلاسفة : الملائكة جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله تعالى فهم الملائكة المقربون ، ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة الأرضية ، وإن كانت شريرة فهم الشياطين . قوله :« رجلا » قال في العباب الرجل خلاف المرأة والجمع رجال ورجالات مثل جمال وجمالات ، وقال الكسائي : جمعوا رجلا رجلة مثل عنبة وأراجل قال أبو ذؤيب الهذلي : أهم بنيه صيفهم وشتاؤهم وقالوا تعد واغز وسط الأراجل يقول أهمتهم نفقة صيفهم وشتائهم وقالوا لأبيهم : تعد أي انصرف عنا وتصغير الرجل رجيل ورويجل أيضا على غير قياس كأنه تصغير راجل ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « أفلح الرويجل إن صدق » فإن قلت : هل يطلق على المؤنث من هذه المادة قلت : نعم قيل : المرأة رجلة أنشد أبو علي وغيره : خرقوا جيب فتاتهم لم يراعوا حرمة الرجلة وفي شرح الإيضاح استشهد به أبو علي على قوله الرجلة مؤنث الرجل ، وقول الفقهاء الرجل كل ذكر من بني آدم جاوز حد البلوغ منقوض به وبإطلاق الرجل على الصغير أيضا في قوله تعالى : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً قوله : « وإن جبينه » الجبين طرف الجبهة وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة ، ويقال : الجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها . قوله :« ليتفصد » بالفاء والصاد المهملة أي يسيل من التفصد وهو السيلان ومنه الفصد وهو قطع العرق لإسالة الدم ، قوله :« عرقا » بفتح الراء وهو الرطوبة التي تترشح من مسام البدن . ( بيان الصرف ) : قوله : « أشده علي » الأشد أفعل التفضيل من شد يشد ، قوله :« فيفصم » من فصم يفصم فصما من باب ضرب يضرب ولما كانت الفاء من الحروف الرخوة قالت الاشتقاقيون : الفصم هو القطع بلا إبانة والقاف لما كانت من الحروف الشديدة والقلقلة التي فيها ضغط وشدة قالوا : القصم بالقاف هو القطع بإبانة واعتبروا في المعنين المناسبة ، قوله :« الملك » أصله ملأك تركت الهمزة لكثرة الاستعمال واشتقاقه من الألوكة وهي الرسالة يقال : ألكني إليه أي أرسلني ، ومنه سمي الملك لأنه رسول من الله تعالى وجمعه ملائكة قال الزمخشري : الملائكة جمع ملأك على وزن الأصل كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع . قلت : إنما قال كذلك حتى لا يظن أنه جمع ملك لأن وزنه فعل وهو لا يجمع على فعائل ، ولكن أصله ملأك ولما أريد جمعه رد إلى أصله كما أن الشمائل وهي الرياح جمع شمأل بالهمز في الأصل لا جمع شمال ؛ لأن فعالا لا يجمع على فعائل ، وفي العباب الألوك والألوكة والمالكة والمالك الرسالة ، وإنما سميت الرسالة الألوكة لأنها تولك في الفم من قول العرب الفرس يألك اللجام ألكا أي يعلكه علكا ، وقال ابن عباد : قد يكون الألوك الرسول ، وقال الصغاني : والتركيب يدل على تحمل الرسالة ، قوله :« وعيت » من وعاه إذا حفظه يعيه وعيا فهو واع وذاك موعى وأذن واعية . ( بيان الإعراب ) ، قوله : « رسول الله » منصوب لأنه مفعول سأل ، وقوله :« الوحي » بالرفع فاعل يأتيك ، قوله :« أحيانا » نصب على الظرف والعامل فيه قوله :« يأتيني » مؤخرا ، قوله :« مثل » بالنصب قال الكرماني : هو حال أي يأتيني مشابها صوته صلصلة الجرس قلت : ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي يأتيني إتيانا مثل صلصلة الجرس ، ويجوز فيه الرفع من حيث العربية لا من حيث الرواية ، والتقدير هو مثل صلصلة الجرس . قوله : « وهو أشده » الواو فيه للحال ، قوله :« فيفصم » عطف على قوله :« يأتيني » والفاء من جملة حروف العطف كما علم في موضعها ولكن تفيد ثلاثة أمور ، الترتيب إما معنوي كما في قام زيد فعمرو ، وإما ذكري وهو عطف مفصل على مجمل نحو : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه والسببية وذلك غالب في العاطفة جملة أو صفة نحو : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ و لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ قوله : « وقد وعيت » الواو للحال وقد علم أن الماضي إذا وقع حالا يجوز فيه الواو وتركه ولكنه لا بد من قد إما ظاهرة أو مقدرة ، وهاهنا جاء بالواو وبقد ظاهرة والمقدرة بلا واو نحو قوله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ والتقدير قد حصرت ، قوله : « ما قال » جملة في محل النصب لأنها مفعول لقوله : « وقد وعيت » وكلمة ما موصولة وقوله :« قال » جملة صلتها ، والعائد محذوف تقديره ما قاله ، واعلم أن الجملة لا حظ لها من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد ، وذلك بحكم الاستقراء في ستة مواضع خبر المبتدأ وخبر باب إن ، وخبر باب كان والمفعول الثاني من باب حسبت وصفة النكرة والحال ، قوله :« وأحيانا » عطف على أحيانا الأولى ، قوله :« الملك » بالرفع فاعل لقوله :« يتمثل » ، قوله :« لي » اللام فيه للتعليل أي لأجلي ويجوز أن يكون بمعنى عند أي يتمثل عندي الملك رجلا كما في قولك كتبت لخمس خلون ، قوله :« رجلا » نصب على أنه تمييز قاله أكثر الشراح ، وفيه نظر لأن التمييز ما يرفع الإبهام المستقر ، عن ذات مذكورة أو مقدرة ، فالأول نحو عندي رطل زيتا ، والثاني نحو طاب زيد نفسا ، قالوا : والفرق بينهما أن زيتا رفع الإبهام عن رطل ، ونفسا لم يرفع إبهاما لا عن طاب ولا عن زيد إذ لا إبهام فيهما بل رفع إبهام ما حصل من نسبته إليه ، وهاهنا لا يجوز أن يكون من القسم الأول وهو ظاهر ، ولا من الثاني لأن قوله :« يتمثل » ليس فيه إبهام ولا في قوله :« الملك » ولا في نسبة التمثل إلى الملك ، فإذن قولهم هذا نصب على التمييز غير صحيح بل الصواب أن يقال : إنه منصوب بنزع الخافض ، وأن المعنى يتصور لي الملك تصور رجل ، فلما حذف المضاف المنصوب بالمصدرية أقيم المضاف إليه مقامه ، وأشار الكرماني إلى جواز انتصابه بالمفعولية إن ضمن تمثل معنى اتخذ أي اتخذ الملك رجلا مثالا ، وهذا أيضا بعيد من جهة المعنى على ما لا يخفى ، وإلى انتصابه بالحالية ثم قال : فإن قلت : الحال لا بد أن يكون دالا على الهيئة والرجل ليس بهيئة ؟ قلت : معناه على هيئة رجل انتهى . قلت : الأحوال التي تقع من غير المشتقات لا تؤول بمثل هذا التأويل ، وإنما تؤول من لفظها كما في قولك : هذا بسرا أطيب منه رطبا والتقدير متبسرا ومترطبا ، وأيضا قالوا : الاسم الدال على الاستمرار لا يقع حالا وإن كان مشتقا نحو أسود وأحمر لأنه وصف ثابت ، فمن عرف زيدا عرف أنه أسود ، وأيضا الحال في المعنى خبر عن صاحبه فيلزم أن يصدق عليه والرجل لا يصدق على الملك . قوله :« فيكلمني » الفاء فيه وفي قوله :« فأعي » للعطف المشير إلى التعقيب ، قوله : « ما يقول » جملة في محل النصب على أنه مفعول لقوله :« فأعي » والعائد إلى الموصول محذوف تقديره ما يقوله . قوله : « قالت عائشة » يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون معطوفا على الإسناد الأول بدون حرف العطف كما هو مذهب بعض النحاة ، صرح به ابن مالك فحينئذ يكون حديث عائشة مسندا ، والآخر أن يكون كلاما برأسه غير مشارك للأول ، فعلى هذا يكون هذا من تعليقات البخاري قد ذكره تأكيدا بأمر الشدة وتأييدا له على ما هو عادته في تراجم الأبواب حيث يذكر ما وقع له من قرآن أو سنة مساعدا لها ، ونفى بعضهم أن يكون هذا من التعاليق ولم يقم عليه دليلا فنفيه منفي إذ الأصل في العطف أن يكون بالأداة ، وما نص عليه ابن مالك غير مشهور بخلاف ما عليه الجمهور . قوله : « ولقد رأيت » الواو للقسم واللام للتأكيد ، وقد للتحقيق ورأيت بمعنى أبصرت فلذلك اكتفي بمفعول واحد ، قوله : « ينزل عليه الوحي » جملة وقعت حالا وقد علم أن المضارع إذا كان مثبتا ووقع حالا لا يسوغ فيه الواو ، وإن كان منفيا جاز فيه الأمران قوله :« الشديد » صفة جرت على غير من هي له لأنه صفة البرد لا اليوم ، قوله :« فيفصم » عطف على قوله ينزل ، قوله :« عرقا » نصب على التمييز . ( بيان المعاني ) ، قوله : « كيف يأتيك الوحي » فيه مجاز عقلي وهو إسناد الإتيان إلى الوحي كما في أنبت الربيع البقل ؛ لأن الإنبات لله تعالى لا للربيع وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر ويسمى هذا القسم أيضا مجازا في الإسناد ، وأصله كيف يأتيك حامل الوحي ، فأسند إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول ، وفيه من المؤكدات واو القسم أكدت به عائشة رضي الله عنها ما قاله عليه الصلاة والسلام من قوله : « وهو أشده علي » ولام التأكيد وقد التي وضعها للتحقيق في مثل هذا الموضع كما في نحو قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وذلك لأن مرادها الإشارة إلى كثرة معاناته عليه الصلاة والسلام التعب والكرب عند نزول الوحي ؛ وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة ويغشاه الكرب لثقل ما يلقى عليه قال تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم كما روي : « أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء » أي البهر والعرق من الشدة وأكثر ما يسمى به عرق الحمى ، ولذلك كان جبينه يتفصد عرقا كما يفصد ، وإنما كان ذلك ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة ، وقد ذكر البخاري في حديث يعلى بن أمية : « فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه » ومنه في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : « كان نبي الله عليه الصلاة والسلام إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد وجهه » وفي حديث الإفك : « قالت عائشة رضي الله عنها : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه » قلت : الرحضاء بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالضاد المعجمة الممدودة العرق في أثر الحمى والبهر بالضم تتابع النفس وبالفتح المصدر ، قوله :« يغط » من الغطيط وهو صوت يخرجه النائم مع نفسه ، قوله :« تربد » بتشديد الباء الموحدة أي تغير لونه ، قوله :« البرحاء » بضم الباء الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة الممدودة وهو شدة الكرب وشدة الحمى أيضا. قوله : « مثل الجمان » بضم الجيم وتخفيف الميم جمع جمانة ، وهي حبة تعمل من فضة كالدرة . ( بيان البيان ) فيه استعارة بالكناية وهو أن يكون الوحي مشبها برجل مثلا ، ويضاف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص المشبه به والاستعارة بالكناية أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه ويراد به المشبه به هذا الذي مال إليه السكاكي ، وإن نظر فيه القزويني ، وفيه تشبيه الجبين بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق ، ولذلك وقع عرقا تمييزا لأنه توضيح بعد إبهام وتفصيل بعد إجمال ، وكذلك يدل على المبالغة باب التفعل لأن أصله وضع للمبالغة والتشديد ، ومعناه أن الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته كتشجع إذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها ليحصلها . ( الأسئلة والأجوبة ) الأول : ما قيل أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي والجواب على النوع الثاني من كيفية الحامل للوحي ، وأجيب بأنا لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفية حامله ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر بكيفية الوحي حيث قال :« فيكلمني » أي تارة يكون كالصلصلة ، وتارة يكون كلاما صريحا ظاهر الفهم والدلالة ، قلت : بل نسلم أن السؤال ، عن كيفية إتيان الوحي لأن بلفظة كيف يسأل عن حال الشيء فإذا قلت : كيف زيد معناه أصحيح أم سقيم ؟ والجواب أيضا مطابق لأنه قال : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس » غاية ما في الباب أن الجواب عن السؤال مع زيادة ؛ لأن السائل سأل عن كيفية إتيان الوحي وبينه عليه الصلاة والسلام بقوله :« يأتيني مثل صلصلة الجرس » مع بيان حامل الوحي أيضا بقوله :« وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني » وإنما زاد على الجواب لأنه ربما فهم من السائل أنه يعود يسأل عن كيفية حامل الوحي أيضا فأجابه عن ذلك قبل أن يحوجه إلى السؤال فافهم . الثاني : ما قيل لم قال في الأول « وعيت ما قال » بلفظ الماضي ، وفي الثاني : « فأعي ما يقول » بلفظ المضارع ، وأجيب بأن الوعي في الأول حصل قبل الفصم ولا يتصور بعده ، وفي الثاني : الوعي حال المكالمة ولا يتصور قبلها أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني ، فإنه على حالته المعهودة أو يقال لفظة قد تقرب الماضي إلى الحال وأعي فعل مضارع للحال فهذا لما كان صريحا يحفظه في الحال وذلك يقرب من أن يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات . الثالث : ما قيل إن أبا داود قد روى من حديث عمر رضي الله عنه : « كنا نسمع عنده مثل دوي النحل » وهاهنا يقول : « مثل صلصلة الجرس » وبينهما تفاوت وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة ، وهذا بالنسبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام . الرابع : ما قيل كيف مثل بصلصلة الجرس وقد كره صحبته في السفر لأنه مزمار الشيطان كما أخرجه أبو داود ، وصححه ابن حبان ؟ وقيل : كرهه لأنه يدل على أصحابه بصوته وكان يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة حكاه ابن الأثير ، قلت : يحتمل أن تكون الكراهة بعد إخباره عن كيفية الوحي . الخامس : ما قيل ذكر في هذا الحديث حالتين من أحوال الوحي وهما مثل صلصلة الجرس ، وتمثل الملك رجلا ولم يذكر الرؤيا في النوم مع إعلامه لنا أن رؤياه حق أجيب من وجهين أحدهما : أن الرؤيا الصالحة قد يشركه فيها غيره بخلاف الأولين ، والآخر لعله علم أن قصد السائل بسؤاله ما خص به ولا يعرف إلا من جهته . وقال بعضهم : كان عند السؤال نزول الوحي على هذين الوجهين إذ الوحي على سبيل الرؤيا إنما كان في أول البعثة لأن أول ما بدئ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الوحي الرؤيا ثم حبب إليه الخلاء كما روي في الحديث ، وقيل ذلك في ستة أشهر فقط ، وقال آخرون : كانت الموجودة من الرؤيا بعد إرسال الملك منغمرة في الوحي فلم تحسب ويقال : كان السؤال عن كيفية الوحي في حال اليقظة . السادس : ما قيل ما وجه الحصر في القسمين المذكورين ؟ أجيب بأن سنة الله لما جرت من أنه لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينهما التحاور والتعليم والتعلم فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية عليه ، وهو النوع الأول أو باتصاف القائل بوصف السامع وهو النوع الثاني . السابع : ما قيل ما الحكمة في ضربه صلى الله عليه وسلم في الجواب بالمثل المذكور ؟ أجيب بأنه صلى الله عليه وسلم كان معتنيا بالبلاغة مكاشفا بالعلوم الغيبية ، وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد ، فإذا أريد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يشاهدوه فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل الغويصة ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيها على أن إتيانها يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلوب ، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك ، فإذا كشف عنه وجد القول المنزل بينا فيلقى في الروع واقعا موقع المسموع ، وهذا معنى قوله : « فيفصم عني » وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على الحجر » إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ هذا وقد تبين لنا من هذا الحديث أن الوحي كان يأتيه على صفتين أولاهما أشد من الأخرى ، وذلك لأنه كان يرد فيهما من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر . الثامن : ما قيل من المراد من الملك في قوله : « يتمثل لي الملك رجلا » أجيب بأنه جبريل عليه السلام لأن اللام فيه للعهد ، ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد به إسرافيل عليه السلام لأنه قرن بنبوته ثلاث سنين كما ذكرنا فإن عورض بأن إسرافيل لم ينزل القرآن قط وإنما كان ينزل بالكلمة من الوحي أجيب بأنه لم يذكر هاهنا شيء من نزول القرآن ، وإنما الملك الذي نزل بالقرآن هو المذكور في الحديث الآتي حيث قال : « فجاءه الملك فقال له اقرأ » الحديث . ولقد حضرت يوما مجلس حديث بالقاهرة وكان فيه جماعة من الفضلاء لا سيما من المنتسبين إلى معرفة علم الحديث فقرأ القارئ من أول البخاري حتى وصل إلى قوله : « فجاءه الملك فقال له اقرأ » فسألتهم عن الملك من هو فقالوا : جبريل عليه السلام فقلت : ما الدليل على ذلك من النقل فتحيروا ثم تصدى واحد منهم فقال : لا نعلم ملكا نزل عليه عليه الصلاة والسلام غير جبريل قلت : قد نزل عليه إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين ، كما رواه أحمد في مسنده كما ذكرناه فعند ذلك قال : قال الله عز وجل : نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ أي بالقرآن والروح الأمين هو جبريل عليه السلام قلت : قد سمي بالروح غير جبريل قال الله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقا فأفحم عند ذلك فقلت : جبريل قد تميز عنه بصفة الأمانة لأن الله تعالى سماه أمينا وسمى ذلك الملك روحا فقط على أنه قد روي عن الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك أن المراد بالروح في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ هو جبريل عليه السلام فقال : من أين علمنا أن المراد من الروح الأمين هو جبريل عليه السلام قلت : بتفسير المفسرين من الصحابة والتابعين وتفسيرهم محمول على السماع لأن العقل لا مجال فيه على أن من جملة أسباب العلم الخبر المتواتر ، وقد تواترت الأخبار من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن الذي نزل بالقرآن على نبينا عليه السلام هو جبريل عليه السلام من غير نكير منكر ولا رد راد حتى عرف بذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى . وروي أن عبد الله بن صوريا من أحبار فدك حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال جبريل : فقال ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مرارا وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكينا فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه ، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه فنزل قوله تعالى : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية وروي أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله لا أجيبكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى إثارة في كتابكم ثم سألهم ، عن جبريل فقالوا : ذلك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ويؤيد ما ذكرنا ما روي مرفوعا : « إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماء منه رجفة أو قال : رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول ما يرفع رأسه جبريل عليه السلام فيكلمه من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل عليه السلام على الملائكة كلما مر على سماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل عليه السلام حيث أمره الله تعالى » . التاسع : ما قيل كيف كان سماع النبي صلى الله عليه وسلم والملك الوحي من الله تعالى أجيب بأن الغزالي رحمه الله تعالى قال : وسماع النبي والملك عليهما السلام الوحي من الله تعالى بغير واسطة يستحيل أن يكون بحرف أو صوت لكن يكون بخلق الله تعالى للسامع علما ضروريا بثلاثة أمور بالمتكلم وبأن ما سمعه كلامه وبمراده من كلامه والقدرة الأزلية لا تقصر ، عن اضطرار النبي والملك إلى العلم بذلك ، وكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى عليه الصلاة والسلام لكلامه تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت كما يعسر على الأكمه كيفية إدراك البصر للألوان أما سماعه عليه الصلاة والسلام فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام الله تعالى فالمسموع الأصوات الحادثة ، وهي فعل الملك دون نفس الكلام ولا يكون هذا سماعا لكلام الله تعالى من غير واسطة ، وإن كان يطلق عليه أنه سماع كلام الله تعالى ، وسماع الأمة من الرسول عليه الصلاة والسلام كسماع الرسول من الملك وطريق الفهم فيه تقديم المعرفة بوضع اللغة التي تقع بها المخاطبة ، وحكى القرافي خلافا للعلماء في ابتداء الوحي هل كان جبريل عليه السلام ينقل له ملك ، عن الله عز وجل أو يخلق له علم ضروري بأن الله تعالى طلب منه أن يأتي محمدا أو غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بسورة كذا أو خلق له علما ضروريا بأن يأتي اللوح المحفوظ فينقل منه كذا . العاشر : ما قيل ما حقيقة تمثل جبريل عليه الصلاة والسلام له رجلا أجيب بأنه يحتمل أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثم أعاده عليه ، ويحتمل أن يزيله عنه ثم يعيده إليه بعد التبليغ نبه على ذلك إمام الحرمين ، وأما التداخل فلا يصح على مذهب أهل الحق . الحادي عشر : ما قيل إذا لقي جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية فأين تكون روحه فإن كان في الجسد الذي له ستمائة جناح فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده وإن كان في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية ؟ أجيب بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته فيبقى الجسد حيا لا ينقص من مفارقته شيء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم فلا يلزم في غيرهم . الثاني عشر : ما قيل ما الحكمة في الشدة المذكورة ؟ أجيب لأن يحسن حفظه أو يكون لابتلاء صبره أو للخوف من التقصير . وقال الخطابي : هي شدة الامتحان ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة أو ذلك لما يستشعره من الخوف لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه أو اعتراض خلل دونه ، وقد أنزل عليه عليه الصلاة والسلام بما ترتاع له النفوس ويعظم به وجل القلوب في قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ الثالث عشر : ما قيل ما وجه سؤال الصحابة عنه عليه الصلاة والسلام ، عن كيفية الوحي أجيب بأنه إنما كان لطلب الطمأنينة فلا يقدح ذلك فيهم وكانوا يسألونه عليه الصلاة والسلام ، عن الأمور التي لا تدرك بالحس فيخبرهم بها ولا ينكر ذلك عليهم . ( استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : فيه إثبات الملائكة ردا على من أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة . الثاني : فيه أن الصحابة كانوا يسألونه عن كثير من المعاني وكان عليه السلام يجمعهم ويعلمهم وكانت طائفة تسأل وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى أكمل الله تعالى دينه . الثالث : فيه دلالة على أن الملك له قدرة على التشكل بما شاء من الصور .
3 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال : زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ، وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم ؟ قال : نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت : زملوني فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي وتتابع تابعه عبد الله بن يوسف ، وأبو صالح ، وتابعه هلال بن رداد ، عن الزهري ، وقال يونس ومعمر : بوادره . هذا الحديث من مراسيل الصحابة رضي الله عنهم فإن عائشة رضي الله عنها لم تدرك هذه القضية فتكون سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي ، وقال ابن الصلاح وغيره : ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من أحداث الصحابة مما لم يحضروه ولم يدركوه فهو في حكم الموصول المسند ؛ لأن روايتهم عن الصحابة وجهالة الصحابي غير قادحة ، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني : لا يحتج به إلا أن يقول : إنه لا يروى إلا عن صحابي . قال النووي : والصواب الأول وهو مذهب الشافعي والجمهور ، وقال الطيبي : الظاهر أنها سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لقولها : « قال فأخذني فغطني » فيكون قولها : « أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية » ما تلفظ به عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ بالتاء والياء قلت : لم لا يجوز أن يكون هذا بطريق الحكاية ، عن غيره عليه الصلاة والسلام فلا يكون سماعها منه عليه الصلاة والسلام وعلى كل تقدير فالحديث في حكم المتصل المسند . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الباء الموحدة القرشي المخزومي المصري نسبه البخاري إلى جده يدلسه ولد سنة أربع ، وقيل : خمس وخمسين ومائة ، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، وهو من كبار حفاظ المصريين ، وأثبت الناس في الليث بن سعد روى البخاري عنه في مواضع وروى عن محمد بن عبد الله هو الذهلي عنه في مواضع قاله أبو نصر الكلاباذي ، وقال المقدسي : تارة يقول حدثنا محمد ، ولا يزيد عليه ، وتارة محمد بن عبد الله ، وإنما هو محمد بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي ، وتارة ينسبه إلى جده فيقول محمد بن عبد الله ، وتارة محمد بن خالد بن فارس ، ولم يقل في موضع حدثنا محمد بن يحيى ، وروى مسلم حدثنا ، عن أبي زرعة ، عن يحيى وروى ابن ماجه ، عن رجل عنه قال أبو حاتم : كان يفهم هذا الشأن ولا يحتج به يكتب حديثه ، وقال النسائي : ليس بثقة ووثقه غيرهما ، وقال الدارقطني : عندي ما به بأس وأخرج له مسلم ، عن الليث وعن يعقوب بن عبد الرحمن ولم يخرج له ، عن مالك شيئا ولعله والله أعلم لقول الباجي وقد تكلم أهل الحديث في سماعه الموطأ ، عن مالك مع أن جماعة قالوا : هو أحد من روى الموطأ عن مالك . الثاني : الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم المصري عالم أهل مصر من تابعي التابعين مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي ، وقيل : مولى خالد بن ثابت ، وفهم من قيس غيلان ولد بقلقشندة على نحو أربع فراسخ من القاهرة سنة ثلاث أو أربع وتسعين ، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ، وقبره في قرافة مصر يزار وكان إماما كبيرا مجمعا على جلالته وثقته وكرمه ، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة قاله القاضي ابن خلكان ، وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه ، نعم في الرواة ثلاثة غيره أحدهم مصري وكنيته أبو الحارث أيضا ، وهو ابن أخي سعيد بن الحكم ، والثاني : يروي عن ابن وهب ذكرهما ابن يونس في تاريخ مصر ، والثالث : تنيسي حدث عن بكر بن سهل . الثالث : أبو خالد عقيل بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بالمثناة تحت القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان الحافظ مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، وقيل : سنة أربع بمصر فجأة وليس في الكتب الستة من اسمه عقيل بضم العين غيره . الرابع : هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ابن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي الزهري المدني سكن الشام ، وهو تابعي صغير سمع أنسا وربيعة بن عباد ، وخلقا من الصحابة ورأى ابن عمر ، وروى عنه ، ويقال سمع منه حديثين وعنه جماعات من كبار التابعين منهم عطاء ، وعمر بن عبد العزيز ومن صغارهم ومن الأتباع أيضا مات بالشام وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها شغب ، وبدا في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة قلت : شغب بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين وفي آخره باء موحدة ، وبدا بفتح الباء الموحدة . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : عائشة أم المؤمنين وقد مر ذكرهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن هذا الإسناد على شرط الستة إلا يحيى فعلى شرط البخاري ومسلم . ومنها أن رجاله ما بين مصري ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي وهما الزهري وعروة . ( بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره ) هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير والتعبير ، عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر وفي التفسير ، عن سعيد بن مروان ، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن أبي صالح سلمويه ، عن ابن المبارك ، عن يونس وفي الإيمان ، عن أبي رافع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الملك ، عن أبيه ، عن جده ، عن عقيل وعن أبي الطاهر ، عن أبي وهب ، عن يونس كلهم ، عن الزهري وأخرجه مسلم في الإيمان والترمذي والنسائي في التفسير . ( بيان اللغات ) قوله : « أول ما بدئ به » قد ذكر بعضهم أول الشيء في باب أول وبعضهم في باب وأل وذكره الصغاني في هذا الباب ، وقال الأول : نقيض الآخر ، وأصله أوأل على وزن أفعل مهموز الوسط قلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو ، ويدل على هذا قولهم : هذا أول منك ، والجمع الأوائل ، والأوالئ على القلب ، وقال قوم : أصله وول على وزن فوعل فقلبت الواو الأولى همزة ، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع ، وهو إذا جعلته صفة لم تصرفه تقول لقيته عاما أول وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول لقيته عاما أولا قال ابن السكيت : ولا تقل عام الأول ، وقال أبو زيد : يقال : لقيته عام الأول ، ويوم الأول بجر آخره ، وهو كقولك : أتيت مسجد الجامع ، وقال الأزهري : هذا من باب إضافة الشيء إلى نعته . قوله : « بدئ به » من بدأت بالشيء بدأ ابتدأت به ، وبدأت الشيء فعلته ابتداء ، وبدأ الله الخلق وأبدأهم بمعنى ، قوله : « من الوحي » قد مر تفسير الوحي مستوفى ، قوله :« الرؤيا » على وزن فعلى كحبلى ، يقال : رأى رؤيا بلا تنوين وجمعها رؤى بالتنوين على وزن دعى ، قوله : « فلق الصبح » بفتح الفاء واللام وهو ضياء الصبح ، وكذلك فرق الصبح بفتح الفاء والراء ، وإنما يقال هذا في الشيء البين الواضح ، ويقال الفرق أبين من فلق الصبح ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : فَالِقُ الإِصْبَاحِ ضوء الشمس وضوء القمر بالليل ، حكاه البخاري في كتاب التعبير ، ويقال : الفلق مصدر كالانفلاق ، وفي المطالع قال الخليل : الفلق الصبح قلت : فعلى هذا تكون الإضافة فيه للتخصيص والبيان ، ويقال : الفلق الصبح لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه إضافة العام إلى الخاص ، كقولهم : عين الشيء ونفسه ، وفي العباب يقال : هو أبين من فلق الصبح ، ومن فرق الصبح ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها : « أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » أي مبينة مثل مجيء الصبح ، قال الكرماني : والصحيح أنه بمعنى المفلوق ، وهو اسم للصبح فأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين ، وقد جاء الفلق منفردا عن الصبح قال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ قلت : تنصيصه على الصحيح غير صحيح بل الصحيح أنه إما اسم للصبح وجوزت الإضافة فيه لاختلاف اللفظين ، وإما مصدر بمعنى الانفلاق ، وهو الانشقاق من فلقت الشيء أفلقه بالكسر فلقا إذا شققته ، وأما الفلق في الآية فقد اختلف الأقوال فيه . قوله :« الخلاء » بالمد وهو الخلوة يقال : خلا الشيء يخلو خلوا ، وخلوت به خلوة وخلاء والمناسب هاهنا أن يفسر الخلاء بمعنى الاختلاء أو بالخلاء الذي هو المكان الذي لا شيء به على ما لا يخفى على من له ذوق من المعاني الدقيقة . قوله : « بغار حراء » الغار بالغين المعجمة فسره جميع شراح البخاري بأنه النقب في الجبل ، وهو قريب من معنى الكهف قلت : الغار هو الكهف ، وفي العباب الغار كالكهف في الجبل ، ويجمع على غيران ، ويصغر على غوير فتصغيره يدل على أنه واوي فلذلك ذكره في العباب في فصل غور ، وحراء بكسر الحاء وتخفيف الراء بالمد وهو مصروف على الصحيح ، ومنهم من منع صرفه ، ويذكر على الصحيح أيضا ، ومنهم من أنثه ، ومنهم من قصره أيضا فهذه ست لغات قال القاضي: عياض يمد ويقصر ويذكر ويؤنث ويصرف ولا يصرف ، والتذكير أكثر فمن ذكره صرفه ، ومن أنثه لم يصرفه يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل ، وضبطه الأصيلي بفتح الحاء ، والقصر وهو غريب ، وقال الخطابي : العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء ، وهي مكسورة ، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرون الألف وهي ممدودة ، وقال التيمي : العامة لحنت في ثلاثة مواضع فتح الحاء ، وقصر الألف ، وترك صرفه ، وهو مصروف في الاختيار لأنه اسم جبل ، وقال الكرماني : إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع ، وهو من الغرائب إذ بعدد كل حرف لحن ، ولقائل أن يقول : كسر الراء ليس بلحن لأنه بطريق الإمالة ، وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال ، عن يسارك إذا سرت إلى منى له قلة مشرفة إلى الكعبة منحنية ، وذكر الكلبي أن حراء وثبير سميا باسمي ابني عم عاد الأولى قلت : ثبير بفتح الثاء المثلثة ، وكسر الباء الموحدة بعدها الياء آخر الحروف ، وهو جبل يرى من منى والمزدلفة . قوله :« فيتحنث » بالحاء المهملة ثم النون ثم الثاء المثلثة ، وقد فسره في الحديث بأنه التعبد وقال الصغاني : التحنث إلقاء الحنث ، يقال : تحنث أي تنحى عن الحنث ، وتأثم أي تنحى عن الإثم ، وتحرج أي تنحى عن الحرج ، وتحنث اعتزل الأصنام مثل تحنف ، وفي المطالع : يتحنث معناه يطرح الإثم عن نفسه بفعل ما يخرجه عنه من البر ، ومنه قول حكيم : أشياء كنت أتحنث ، وفي رواية : كنت أتبرر بها أي أطلب البر بها ، وأطرح الإثم ، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها : « ولا أتحنث إلى نذري » أي أكتسب الحنث ، وهو الذنب وهذا عكس ما تقدم ، وقال الخطابي : ونظيره في الكلام التحوب والتأثم ، أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه قالوا : وليس في كلامهم تفعل في هذا المعنى غير هذه ، وقال الكرماني : هذه شهادة نفي كيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعل يجيء للتجنب كثيرا نحو تحرج ، وتخون أي اجتنب الحرج ، والخيانة وغير ذلك قلت : جاءت منه ألفاظ نحو تحنث وتأثم ، وتحرج ، وتحوب ، وتهجد ، وتنجس وتقذر ، وتحنف ، وقال الثعلبي : فلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود ، وتنجس إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة ، وقال أبو المعالي في المنتهى : تحنث تعبد مثل تحنف وفلان يتحنث من كذا بمعنى يتأثم فيه ، وهو أحد ما جاء تفعل إذا تجنب وألقى عن نفسه ، وقال السهيلي : التحنث التبرر تفعل من البر ، وتفعل يقتضي الدخول في الشيء وهو الأكثر فيها مثل تفقه ، وتعبد وتنسك ، وقد جاءت ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه كالتأثم ، والتحرج والتحنث بالثاء المثلثة ؛ لأنه من الحنث ، والحنث الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر ، وأما التحنف بالفاء فهو من باب التعبد ، وقال المازري : يتحنث يفعل فعلا يخرج به من الحنث ، والحنث : الذنب وقال التيمي : هذا من المشكلات ولا يهتدي له سوى الحذاق وسئل ابن الأعرابي عن قوله :« يتحنث » فقال : لا أعرفه ، وسألت أبا عمرو الشيباني فقال : لا أعرف يتحنث إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قلت : قد وقع في سيرة ابن هشام يتحنف بالفاء . قوله : « قبل أن ينزع إلى أهله » بكسر الزاي أي قبل أن يرجع ، وقد رواه مسلم كذلك يقال : نزع إلى أهله إذا حن إليهم فرجع إليهم يقال : هل نزعك غيره أي هل جاء بك وجذبك إلى السفر غيره أي غير الحج ، وناقة نازع إذا حنت إلى أوطانها ومرعاها ، وهو من نزع ينزع بالفتح في الماضي ، والكسر في المستقبل وقال صاحب الأفعال : والأصل في فعل يفعل إذا كان صحيحا وكانت عينه أو لامه حرف حلق أن يكون مضارعه مفتوحا إلا أفعالا يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل : جنح يجنح ودبغ يدبغ ، وإلا ما جاء من قولهم : نزع ينزع بالفتح والكسر ، وهنأ يهنئ وقال غيره : هنأني الطعام يهنأني ويهنأني بالفتح والكسر قلت : قاعدة عند الصرفيين أن كل مادة تكون من فعل يفعل بالفتح فيهما يلزم أن يكون فيها حرف من حروف الحلق ، وكل مادة من الماضي والمضارع فيهما حرف من حروف الحلق لا يلزم أن يكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما فافهم . والأهل في اللغة العيال ، وفي العباب آل الرجل أهله وعياله وآله أيضا أتباعه وقال أنس رضي الله عنه : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من آل محمد قال : كل تقي » والفرق بين الآل والأهل أن الآل يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل فإنه أعم ، وأما قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فلتصوره بصورة الأشراف ، وقال ابن عرفة : أراد من آل فرعون من آل إليه بدين أو مذهب أو نسب ، ومنه قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ قوله :« ويتزود » من التزود وهو اتخاذ الزاد ، والزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر يقال : زودته فتزود ، قوله :« فغطني » بالغين المعجمة والطاء المهملة أي ضغطني وعصرني ، يقال : غطني وغشيني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني كله بمعنى قال الخطابي : ومنه الغط في الماء ، وغطيط النائم ترديد النفس إذا لم يجد مساغا عند انضمام الشفتين ، والغت حبس النفس مرة وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف والغط الخنق وتغييب الرأس في الماء ، قال الخطابي : والغط في الحديث الخنق ، قوله :« الجهد » بضم الجيم وفتحها ومعناه الغاية والمشقة ، وفي المحكم : الجهد والجهد الطاقة ، وقيل : الجهد المشقة والجهد الطاقة ، وفي الموعب : الجهد ما جهد الإنسان من مرض أو من مشاق ، والجهد بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو عن الجهد فيه ، وجهدته بلغت مشقته وأجهدته على أن يفعل كذا ، وقال ابن دريد : جهدته حملته على أن يبلغ مجهوده ، وقال ابن الأعرابي : جهد في العمل وأجهد ، وقال أبو عمرو : أجهد في حاجتي وجهد ، وقال الأصمعي : جهدت لك نفسي وأجهدت نفسي . قوله : « ثم أرسلني » أي أطلقني من الإرسال ، قوله :« علق » بتحريك اللام وهو الدم الغليظ والقطعة منه علقة ، قوله : « يرجف فؤاده » أي يخفق ويضطرب ، والرجفان شدة الحركة والاضطراب ، وفي المحكم رجف الشيء يرجف رجفا ورجوفا ورجفانا ورجيفا ، وأرجف خفق واضطرب اضطرابا شديدا ، والفؤاد هو القلب ، وقيل : إنه عين القلب ، وقيل : باطن القلب ، وقيل : غشاء القلب ، وسمي القلب قلبا لتقلبه ، وقال الليث : القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط ، وسمي قلبا لتقلبه . قوله : « زملوني زملوني » هكذا هو في الروايات بالتكرار وهو من التزميل وهو التلفيف ، والتزمل الاشتمال والتلفف ، ومنه التدثر ويقال لكل ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار ، وأصل المزمل والمدثر المتزمل والمتدثر أدغمت التاء فيما بعدها . قوله :« الروع » بفتح الراء وهو الفزع ، وفي المحكم : الروع والرواع والتروع الفزع ، وقال الهروي : هو بالضم موضع الفزع من القلب ، قوله :« كلا » معناه النفي والردع عن ذلك الكلام والمراد هاهنا التنزيه عنه ، وهو أحد معانيها ، وقد يكون بمعنى حقا أو بمعنى ألا التي للتنبيه يستفتح بها الكلام ، وقد جاءت في القرآن على أقسام جمعها ابن الأنباري في باب من كتاب الوقف والابتداء له وهي مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ، ولا النافية قال : وإنما شددت لامها لتقوية المعنى ، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين ، وعند غيره هي بسيطة ، وعند سيبويه والخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين حرف معناه الردع والزجر لا معنى لها عندهم إلا ذلك حتى يجيزون أبدا الوقف عليها والابتداء بما بعدها ، وحتى قال جماعة منهم : متى سمعت كلا في سورة فاحكم بأنها مكية لأن فيها معنى التهديد والوعيد ، وأكثر ما نزل ذلك بمكة لأن أكثر العتو كان بها قالوا : وقد تكون حرف جواب بمنزلة أي ونعم وحملوا عليه كَلا وَالْقَمَرِ فقالوا : معناه أي والقمر . قوله : « ما يخزيك الله » بضم الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة من الخزي وهو الفضيحة والهوان ، وأصل الخزي على ما ذكره ابن سيده الوقوع في بلية وشهوة بذلة ، وأخزى الله فلانا أبعده قاله في الجامع ، وفي رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري يحزنك بالحاء المهملة وبالنون من الحزن ، ويجوز على هذا فتح الياء وضمها يقال : حزنه وأحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع ، وقال اليزيدي : أحزنه لغة تميم وحزنه لغة قريش ، قال تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ من حزن وقال : لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ من أحزن على قراءة من قرأ بضم الياء والحزن خلاف السرور يقال : حزن بالكسر يحزن حزنا إذا اغتم ، وحزنه غيره وأحزنه مثل شكله وأشكله ، وحكي عن أبي عمرو أنه قال : إذا جاء الحزن في موضع نصب فتحت الحاء ، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت وقرئ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ وقال : تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا قال الخطابي : وأكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن ، وهما على اختلافهما يتقاربان في المعنى إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع والهم إنما هو فيما يتوقع ، ولا يكون بعد . قوله : « لتصل الرحم » قال القزاز : وصل رحمه صلة وأصله وصلة فحذفت الواو كما قالوا : زنة من وزن وأصل صل هو أمر من وصل أوصل حذفت الواو تبعا لفعله فاستغني عن الهمزة فحذفت فصار صل على وزن عل ، ومعنى لتصل الرحم تحسن إلى قراباتك على حسب حال الواصل والموصول إليه ، فتارة تكون بالمال ، وتارة تكون بالخدمة ، وتارة بالزيارة ، والسلام ، وغير ذلك ، والرحم القرابة ، وكذلك الرحم بكسر الراء . قوله : « وتحمل الكل » بفتح الكاف وتشديد اللام ، وأصله الثقل ، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ وأصله من الكلال وهو الإعياء أي ترفع الثقل أراد تعين الضعيف المنقطع ، ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك ؛ لأن الكل من لا يستقل بأمره ، وقال الداودي : الكل المنقطع . قوله : « وتكسب المعدوم » بفتح التاء هو المشهور الصحيح في الرواية والمعروف في اللغة ، وروي بضمها ، وفي معنى المضموم قولان : أصحهما معناه تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه له تبرعا . ثانيهما : تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ، ومكارم الأخلاق يقال : كسبت مالا وأكسبت غيري مالا ، وفي معنى المتفق حينئذ قولان : أصحهما أن معناه كمعنى المضموم ، يقال : كسبت الرجل مالا وأكسبته مالا ، والأول أفصح وأشهر ومنع القزاز الثاني وقال : إنه حرف نادر وأنشد على الثاني : وأكسبني مالا وأكسبته حمدا . وقول الآخر : يعاتبني في الدين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا روي بفتح التاء وضمها ، والثاني : أن معناه تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ، ثم تجود به ، وتنفقه في وجوه المكارم ، وكانت العرب تتمادح بذلك وعرفت قريش بالتجارة وضعف هذا بأنه لا معنى لوصف التجارة بالمال في هذا الموطن إلا أن يريد أنه يبذله بعد تحصيله ، وأصل الكسب طلب الرزق يقال : كسب يكسب كسبا ، وتكسب ، واكتسب وقال سيبويه فيما حكاه ابن سيده : تكسب أصاب ، وتكسب تصرف ، واجتهد وقال صاحب المجمل : يقال كسبت الرجل مالا فكسبه ، وهذا مما جاء على فعلته ففعل ، وفي العباب الكسب طلب الرزق ، وأصله الجمع والكسب بالكسر لغة ، والفصيح فتح الكاف تقول : كسبت منه شيئا ، وفلان طيب الكسب والمكسب ، والمكسب والمكسبة ، مثال المغفرة والكسبة مثل الجلسة ، وكسبت أهلي خيرا ، وكسبت الرجل مالا فكسبه ، وقال ثعلب : كل الناس يقولون كسبك فلان خيرا ، إلا ابن الأعرابي فإنه يقول : أكسبك فلان خيرا قال : والأفصح في الحديث تكسب بفتح التاء والمعدوم عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب ، وسماه معدوما لكونه كالميت حيث لم يتصرف في المعيشة ، وذكر الخطابي أن صوابه المعدم بحذف الواو أي : تعطي العائل وترفده لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال ، وقال الكرماني التيمي : لم يصب الخطابي إذ حكم على اللفظة الصحيحة بالخطأ فإن الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ، ورواه الرواة وقال بعضهم : لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له قلت : الصواب ما قاله الخطابي وكذا قال الصغاني في العباب الصواب : وتكسب المعدم أي تعطي العائل وترفده نعم المعدوم له وجه على معنى غير المعنى الذي فسروه ، وهو أن يقال : وتكسب الشيء الذي لا يوجد تكسبه لنفسك أو تملكه لغيرك ، وإليه أشار صاحب المطالع . قوله : « وتقري الضيف » بفتح التاء تقول : قريت الضيف أقريه قرى بكسر القاف والقصر ، وقراء بفتح القاف والمد ويقال للطعام الذي تضيفه به : قرى بالكسر والقصر وفاعله قار كقضى فهو قاض ، وقال ابن سيده : قرى الضيف قرى وقراء أضافه ، واستقراني واقتراني وأقراني طلب مني القرى ، وأنه لقري للضيف والأنثى قرية عن اللحياني وكذلك إنه لمقري للضيف ، ومقراء والأنثى مقرأة ومقراء الأخيرة عن اللحياني ، وفي أمالي الهجري : ما اقتريت الليلة يعني لم آكل من القرى شيئا أي لم آكل طعاما . قوله : « وتعين على نوائب الحق » النوائب : جمع نائبة وهي الحادثة والنازلة خيرا أو شرا ، وإنما قال : نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد رضي الله عنه : نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب تقول : ناب الأمر نوبة نزل وهي النوائب والنوب . قوله : « قد تنصر » أي صار نصرانيا وترك عبادة الأوثان ، وفارق طريق الجاهلية ، والجاهلية المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كانوا عليه من فاحش الجهالات ، وقيل : هو زمان الفترة مطلقا . قوله : « وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية » أقول : لم أر شارحا من شراح البخاري حقق هذا الموضع بما يشفي الصدور فنقول بعون الله وتوفيقه قوله : الكتاب مصدر تقول : كتبت كتبا وكتابا وكتابة والمعنى : وكان يكتب الكتابة العبرانية ، ويجوز أن يكون الكتاب اسما وهو الكتاب المعهود ومنه قوله تعالى : أَلَمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ والعبراني بكسر العين وسكون الباء نسبة إلى العبر وزيدت الألف والنون في النسبة على غير القياس ، وقال ابن الكلبي : ما أخذ على غربي الفرات إلى برية العرب يسمى العبر ، وإليه ينسب العبريون من اليهود لأنهم لم يكونوا عبروا الفرات ، وقال محمد بن جرير : إنما نطق إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالعبرانية حين عبر النهر فارا من النمرود وقد كان النمرود قال للذين أرسلهم خلفه : إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه عبرانيا ، وذلك حين عبر النهر فسميت العبرانية لذلك ، وفي العباب : والعبرية والعبرانية لغة اليهود والمفهوم من قوله : « فيكتب من الإنجيل بالعبرانية » أن الإنجيل ليس بعبراني لأن الباء في قوله :« بالعبرانية » تتعلق بقوله :« فيكتب » والمعنى فيكتب باللغة العبرانية من الإنجيل ، وهذا من قوة تمكنه في دين النصارى ومعرفة كتابتهم كان يكتب من الإنجيل بالعبرانية إن شاء ، وبالعربية إن شاء ، وقال التيمي : الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما ، وقال الكرماني : فهم منه أن الإنجيل عبراني قلت : ليس كذلك بل التوراة عبرانية ، والإنجيل سرياني ، وكان آدم عليه الصلاة والسلام يتكلم باللغة السريانية ، وكذلك أولاده من الأنبياء وغيرهم غير أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حولت لغته إلى العبرانية حين عبر النهر أي : الفرات كما ذكرنا وغير ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه كان يتكلم باللغة العربية فقيل : لأن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان يعلم سائر اللغات ، وكتبها في الطين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق أصاب كل قوم كتابهم فكان إسماعيل عليه الصلاة والسلام أصاب كتاب العرب ، وقيل : تعلم إسماعيل عليه الصلاة والسلام لغة العرب من جرهم حين تزوج امرأة منهم ، ولهذا يعدونه من العرب المستعربة لا العاربة ، ومن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كان يتكلم باللغة العربية هو صالح ، وقيل : شعيب أيضا عليه الصلاة والسلام ، وقيل : كان آدم عليه الصلاة والسلام يتكلم باللغة العربية فلما نزل إلى الأرض حولت لغته إلى السريانية ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لما تاب الله عليه رد عليه العربية ، وعن سفيان أنه ما نزل وحي من السماء إلا بالعربية فكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها ، وعن كعب أول من نطق بالعربية جبريل عليه السلام ، وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه الصلاة والسلام فألقاها نوح عليه الصلاة والسلام على لسان ابنه سام ، وهو أبو العرب والله أعلم . فإن قلت : ما أصل السريانية ؟ قلت : قال ابن سلام : سميت بذلك ؛ لأن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماء علمه سرا من الملائكة ، وأنطقه بها حينئذ . قوله : « هذا الناموس » بالنون والسين المهملة ، وهو صاحب السر كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال صاحب المجمل ، وأبو عبيد في غريبه : ناموس الرجل صاحب سره ، وقال ابن سيده : الناموس السر ، وقال صاحب : الغريبين هو صاحب سر الملك ، وقيل : إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد حكاه القزاز في جامعه ، وصاحب الواعي وقال الحسن في شرح السيرة : أصل الناموس صاحب سر الرجل في خيره وشره ، وقال ابن الأنباري في زاهره : الجاسوس الباحث عن أمور الناس ، وهو بمعنى التجسس سواء ، وقال بعض أهل اللغة : التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس ، وبالحاء المهملة الاستماع لحديث القوم ، وقيل : هما سواء ، وقال ابن ظفر في شرح المقامات : صاحب سر الخير ناموس ، وصاحب سر الشر جاسوس ، وقد سوى بينهما رؤبة ابن العجاج ، وقال بعض الشراح : وهو الصحيح ، وليس بصحيح بل الصحيح الفرق بينهما على ما نقل النووي في شرحه عن أهل اللغة الفرق بينهما بأن الناموس في اللغة صاحب سر الخير ، والجاسوس صاحب سر الشر وقال الهروي : الناموس صاحب سر الخير ، وهو هنا جبريل عليه الصلاة والسلام سمي به لخصوصه بالوحي والغيب ، والجاسوس صاحب سر الشر وقال الصغاني في العباب : ناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ، ويخصه به ويستره عن غيره ، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام الناموس الأكبر ، والناموس أيضا الحاذق ، والناموس الذي يلطف مدخله قال الأصمعي : قال رؤبة : لا تمكن الخناعة الناموسا وتخصب اللعابة الجاسوسا بعشر أيديهن والضغبوسا خصب الغواة العومج المنسوسا والناموس أيضا قترة الصائد ، والناموسة عريسة الأسد ، ومنه قول عمرو بن معدي كرب : أسد في ناموسته والناموس ، والنماس : النمام ، والناموس الشرك لأنه يوارى تحت الأرض ، والناموس : ما التمس به الرجل من الاختيال تقول : نمست السر أنمسه بالكسر نمسا كتمته ، ونمست الرجل ونامسته أي ساررته ، وقال ابن الأعرابي : لم يأت في الكلام فاعول لام الكلمة فيه سين إلا الناموس صاحب سر الخير والجاسوس للشر ، والجاروس الكثير الأكل ، والناعوس الحية ، والبابوس : الصبي الرضيع والراموس : القبر ، والقاموس : وسط البحر ، والقابوس : الجميل الوجه والعاطوس : دابة يتشأم بها ، والناموس : النمام ، والجاموس : ضرب من البقر وقيل : أعجمي تكلمت به العرب ، وقيل : الحاسوس بالحاء غير المعجمة قلت : قال الصغاني : الحاسوس بالحاء المهملة الذي يتحسس الأخبار مثل الجاسوس يعني بالجيم ، وقيل : الحاسوس في الخير ، والجاسوس في الشر ، وقال ابن الأعرابي : الحاسوس المشئوم من الرجال ، ويقال : سنة حاسوس وحسوس إذا كانت شديدة قليلة الخير والقابوس : قيل لفظ أعجمي عربوه وأصله كاووس فأعرب فوافق العربية ولهذا لا ينصرف للعجمة والتعريف ، وأبو قابوس : كنية النعمان بن المنذر ملك العرب ، والعاطوس : بالعين المهملة والبابوس : بالبائين الموحدتين ، قال ابن عباد : هو الولد الصغير بالرومية والناموس بالنون والميم : وقد جاء فاعول أيضا آخره سين فاقوس بلدة من بلاد مصر . قوله : « جذعا » بالذال المعجمة المفتوحة يعني شابا قويا حتى أبالغ في نصرتك ، ويكون لي كفاية تامة لذلك ، والجذع في الأصل للدواب فاستعير للإنسان قال ابن سيده : قيل : الجذع الداخل في السنة الثانية ، ومن الإبل فوق الحق ، وقيل : الجذع من الإبل لأربع سنين ، ومن الخيل لسنتين ، ومن الغنم لسنة ، والجمع جذعان ، وجذاع بالكسر ، وزاد يونس : جذاع بالضم وأجذاع ، قال الأزهري : والدهر يسمى جذعا لأنه شاب لا يهرم ، وقيل : معناه يا ليتني أدرك أمرك فأكون أول من يقوم بنصرك كالجذع الذي هو أول الإنسان ، قال صاحب المطالع : والقول الأول أبين . قوله :« قط » بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات ، وهي ظرف لاستغراق ما مضى فيختص بالنفي ، واشتقاقه من قططته أي : قطعته فمعنى ما فعلت قط ما فعلته فيما انقطع من عمري ؛ لأن الماضي منقطع ، عن الحال والاستقبال ، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى ؛ لأن المعنى مذ أن خلقت إلى الآن ، وعلى حركة لئلا يلتقي ساكنان وبالضمة تشبيها بالغايات ، وقد يكسر على أصل التقاء الساكنين ، وقد تتبع قافه طاءه في الضم ، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها . قوله :« مؤزرا » بضم الميم ، وفتح الهمزة بعدها زاي معجمة مشددة ثم راء مهملة أي : قويا بليغا من الأزر وهو القوة والعون ومنه قوله تعالى : فَآزَرَهُ أي قواه ، وفي المحكم آزره ووازره أعانه على الأمر الأخير على البدل ، وهو شاذ ، وقال ابن قتيبة : مما تقوله العوام بالواو ، وهو بالهمز آزرته على الأمر أي أعنته ، فأما وازرته فبمعنى صرت له وزيرا . قوله : « ثم لم ينشب » أي لم يلبث وهو بفتح الياء آخر الحروف ، وسكون النون ، وفتح الشين المعجمة ، وفي آخره باء موحدة ، وكأن المعنى فجاءه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء ، وهذه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة والعجلة ، ولم أر شارحا ذكر باب هذه المادة غير أن شارحا منهم قال : وأصل النشوب التعلق أي : لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات ، وبابه من نشب الشيء في الشيء بالكسر نشوبا إذا علق فيه ، وفي حديث الأحنف بن قيس : أنه قال : خرجنا حجاجا فمررنا بالمدينة أيام قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه فقلت لصاحبي : قد أفل الحج ، وإني لا أرى الناس إلا قد نشبوا في قتل عثمان ، ولا أراهم إلا قاتليه أي : وقعوا فيه وقوعا لا منزع لهم عنه . قوله : « وفتر الوحي » معناه احتبس قاله الكرماني قلت : معناه احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول ، وقال ابن سيده : فتر الشيء يفتر ويفتر فتورا وفتارا سكن بعد حدة ولان بعد شدة وفتر هو والفتر الضعف . ( بيان اختلاف الروايات ) قوله : « من الوحي الرؤيا الصالحة » وفي صحيح مسلم :« الصادقة » وكذا رواه البخاري في كتاب التعبير أيضا ووقع هنا أيضا« الصادقة » في رواية معمر ويونس وكذا ساقه الشيخ قطب الدين في شرحه ومعناهما واحد ، وهي التي لم يسلط عليه فيها ضغث ولا تلبس شيطان ، وقال المهلب : الرؤيا الصالحة هي تباشير النبوة ؛ لأنه لم يقع فيها ضغث فيتساوى مع الناس في ذلك بل خص صلى الله عليه وسلم بصدقها كلها وقال ابن عباس رضي الله عنهما : رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي . قوله : « وكان يخلو بغار حراء » وقال بعضهم : وكان يجاور بغار حراء ثم فرق بين المجاورة والاعتكاف بأن المجاورة قد تكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف ، ولفظ الجوار جاء في حديث جابر الآتي في كتاب التفسير في صحيح مسلم فيه : « جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي » الحديث ، وحراء بكسر الحاء وبالمد في الرواية الصحيحة ، وفي رواية الأصيلي : بالفتح والقصر ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . قوله :« فيتحنث » قال أبو أحمد العسكري : رواه بعضهم يتحنف بالفاء وكذا وقع في سيرة ابن هشام بالفاء ، قوله : « قبل أن ينزع » وفي رواية مسلم : « قبل أن يرجع » ومعناهما واحد . قوله : « حتى جاءه الحق » ورواه البخاري في التفسير : « حتى فجئه الحق » وكذا في رواية مسلم أي أتاه بغتة يقال : فجئ يفجأ بكسر الجيم في الماضي ، وفتحها في الغابر ، وفجأ يفجأ بالفتح فيهما . قوله : « ما أنا بقارئ » وقد جاء في رواية : « ما أحسن أن أقرأ » وقد جاء في رواية ابن إسحاق : « ماذا أقرأ » وفي رواية أبي الأسود في مغازيه أنه قال : « كيف أقرأ » . قوله :« فغطني » وفي رواية الطبري :« فغتني » بالتاء المثناة من فوق ، والغت حبس النفس مرة ، وإمساك اليد والثوب على الفم والأنف ، والغط الخنق وتغييب الرأس في الماء ، وعبارة الداودي معنى غطني صنع بي شيئا حتى ألقاني إلى الأرض كمن تأخذه الغشية ، وقال الخطابي : وفي غير هذه الروايات : فسأبني من سأبت الرجل سأبا إذا خنقته ومادته سين مهملة وهمزة وباء موحدة ، وقال الصغاني رحمه الله : ومنه حديث النبي عليه الصلاة والسلام وذكر اعتكافه بحراء فقال : فإذا أنا بجبريل عليه الصلاة والسلام على الشمس وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب فهلت منه ، وذكر كلاما ثم قال : « أخذني فسلقني بحلاوة القفاء ، ثم شق بطني فاستخرج القلب » وذكر كلاما ثم قال لي : اقرأ فلم أدر ما أقرأ فأخذ بحلقي فسأبني حتى أجهشت بالبكاء ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره . قوله :« فهلت » أي خفت من هاله إذا خوفه ويروى فسأتني بالسين المهملة والهمزة ، والتاء المثناة من فوق قال الصغاني : قال أبو عمر : وسأته يسأته سأتا إذا خنقه حتى يموت مثل سأبه ، وقال أبو زيد : مثله إلا أنه لم يقل حتى يموت ، ويروى :« فدعتني » من الدعت بفتح الدال وسكون العين المهملتين ، وفي آخره تاء مثناة من فوق قال ابن دريد : الدعت الدفع العنيف عربي صحيح يقال : دعته يدعته إذا دفعه بالدال ، وبالذال المعجمة زعموا قلت : ومنه حديث الآخر : « إن الشيطان عرض لي وأنا أصلي فدعته حتى وجدت برد لسانه ، ثم ذكرت قول أخي سليمان عليه السلام : رب هب لي ملكا » الحديث ، قلت : بمعناه ذأته بالذال المعجمة ، قال أبو زيد : ذأته إذا خنقه أشد الخنق حتى أدلع لسانه . قوله : « يرجف فؤاده » وفي رواية مسلم :« بوادره » وهو بفتح الباء الموحدة اللحمة التي بين المنكب والعنق ترجف عند الفزع . قوله : « والله ما يخزيك » من الخزيان كما ذكرناه ، وهكذا رواه مسلم من رواية يونس وعقيل عن الزهري ، ورواه من رواية معمر عن الزهري :« يحزنك » من الحزن وهو رواية أبي ذر أيضا هاهنا . قوله :« وتكسب » بفتح التاء هو الرواية الصحيحة المشهورة ، وفي رواية الكشميهني بالضم ، قوله :« المعدوم » بالواو وهي الرواية المشهورة ، وقال الخطابي : الصواب المعدم وقد ذكرناه وذكر البخاري في هذا الحديث في كتاب التفسير « وتصدق الحديث » وذكره مسلم هاهنا وهو من أشرف خصاله ، وذكر في السيرة زيادة أخرى : « إنك لتؤدي الأمانة » ذكرها من حديث عمرو بن شرحبيل . قوله : « فكان يكتب الكتاب العبراني ويكتب من الإنجيل بالعبرانية » وفي رواية يونس ومعمر : « ويكتب من الإنجيل بالعربية » ولمسلم : « وكان يكتب الكتاب العربي » والجميع صحيح ؛ لأن ورقة كان يعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية فكان يكتب الكتاب العبراني ، كما كان يكتب الكتاب العربي لتمكنه من الكتابين واللسانين ، وقال الداودي : يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى عليه السلام قلت : لا نسلم أن الإنجيل كان عبرانيا ، ولا يفهم من الحديث ذلك ، والذي يفهم من الحديث أنه كان يعلم الكتابة العبرانية ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ، ولا يلزم من ذلك أن يكون الإنجيل عبرانيا ؛ لأنه يجوز أن يكون سريانيا ، وكان ورقة ينقل منه باللغة العبرانية ، وهذا يدل على علمه بالألسن الثلاثة ، وتمكنه فيها حيث ينقل السريانية إلى العبرانية . قوله : « يا ابن عم » كذا وقع هاهنا وهو الصحيح ؛ لأنه ابن عمها ، ووقع في رواية لمسلم : « يا عم » وقال بعضهم : هذا وهم ؛ لأنه وإن كان صحيحا لإرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة قلت : هذا ليس بوهم بل هو صحيح ؛ لأنها سمته عمها مجازا ، وهذا عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بياعم احتراما له ورفعا لمرتبته ، ولا يحصل هذا الغرض بقولها يا ابن عم فعلى هذا تكون تكلمت باللفظين ، وكون القصة متحدة لا تنافي التكلم باللفظين . قوله : « الذي نزل الله » وفي رواية الكشميهني : « أنزل الله » وفي التفسير :« أنزل » على ما لم يسم فاعله والفرق بين أنزل ونزل أن الأول يستعمل في إنزال الشيء دفعة واحدة والثاني : يستعمل في تنزيل الشيء دفعة بعد دفعة وقتا بعد وقت ولهذا قال الله تعالى في حق القرآن : نَـزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وفي حق التوراة والإنجيل : وَأَنْـزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ فإن قلت : قال : إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قلت : معناه أنزلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا دفعة واحدة ، ثم نزل على الرسول عليه السلام من بيت العزة في عشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث . قوله : « على موسى عليه السلام » هكذا هو في الصحيحين ، وجاء في غير الصحيحين نزل الله على عيسى وكلاهما صحيح ، أما عيسى فلقرب زمنه وأما موسى فلأن كتابه مشتمل على الأحكام بخلاف كتاب عيسى فإنه كان أمثالا ومواعظ ، ولم يكن فيه حكم ، وقال بعضهم : لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى ، وكذلك وقعت النقمة على يد النبي عليه الصلاة والسلام بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه قلت : هذا بعيد لأن ورقة ما كان يعلم بوقوع النقمة على أبي جهل في ذلك الوقت كما كان في علمه بوقوع النقمة على فرعون على يد موسى عليه السلام حتى يذكر موسى ويترك عيسى ، وقال آخرون : ذكر موسى تحقيقا للرسالة ؛ لأن نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فإن بعض اليهود ينكرون نبوته ، وقال السهيلي : إن ورقة كان تنصر والنصارى لا يقولون في عيسى أنه نبي يأتيه جبريل عليه السلام ، وإنما يقولون : إن أقنوما من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح على اختلاف بينهم في ذلك الحلول وهو أقنوم الكلمة والكلمة عندهم عبارة عن العلم فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه ولاعتقاده أن جبريل عليه السلام كان ينزل على موسى عليه السلام ثم قال : لكن ورقة قد ثبت إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم قلت : لا يحتاج إلى هذا التمحل فإنه روى عنه مرة ناموس موسى ، ومرة ناموس عيسى فقد روى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناد حسن إلى هشام بن عروة ، عن أبيه في هذه القصة : « إن خديجة أولا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته فقال : لئن كنت صدقت إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل » وروى الزبير بن بكار أيضا من طريق عبد الله بن معاذ ، عن الزهري في هذه القصة : « أن ورقة قال : ناموس عيسى » وعبد الله بن معاذ ضعيف ، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها : ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية ، وعند إخبار النبي عليه الصلاة والسلام له قال له : ناموس موسى ، والكل صحيح فافهم . قوله : « يا ليتني فيها جذعا » هكذا رواية الجمهور ، وفي رواية الأصيلي جذع بالرفع ، وكذا وقع لابن ماهان بالرفع في صحيح مسلم ، والأكثرون فيه أيضا على النصب . قوله : « إذ يخرجك » وفي رواية للبخاري في التعبير : « حين يخرجك » ، قوله : « إلا عودي » وذكر البخاري في التفسير : « إلا أوذي » من الأذى وهو رواية يونس ، قوله : « وإن يدركني يومك » وزاد في رواية يونس :« حيا » وفي سيرة ابن إسحاق : « إن أدركت ذلك اليوم » يعني يوم الإخراج ، وفي سيرة ابن هشام : ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه يقبل يافوخه . وقيل : ما في البخاري هو القياس لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء : « أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي » ثم قيل : ولرواية ابن إسحاق وجه لأن المعنى إن أر ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكا ، وفي التنزيل : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي لا تراه على أحد القولين قلت : هذا تأويل بعيد فلا يحتاج إليه لأنه لا فرق بين إن يدركني ، وبين إن أدركت في المعنى لأن أن تقرب معنى الماضي من المستقبل ، وهو ظاهر لا يخفى . قوله : « وفتر الوحي » وزاد البخاري بعد هذا في التعبير : « وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي عليه الصلاة والسلام فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى له جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه حتى يرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل يتراءى له جبريل فقال له مثل ذلك » . وهذا من بلاغات معمر ولم يسنده ولا ذكر راويه ولا أنه قاله ولا يعرف هذا من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر قبل رؤية جبريل عليه الصلاة والسلام كما جاء مبينا ، عن ابن إسحاق ، عن بعضهم أو أنه فعل ذلك لما أحرجه تكذيب قومه كما قال تعالى : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب فخشي أن يكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به ونحو هذا فرار يونس عليه السلام حين تكذيب قومه ، والله أعلم . ( بيان الصرف ) قوله :« يحيى » فعل مضارع في الأصل فوضع علما ، قوله :« بكير » تصغير بكر بفتح الباء وهو من الإبل بمنزلة الفتى من الناس ، والبكرة بمنزلة الفتات ، والليث : اسم من أسماء الأسد والجمع الليوث ، وفلان أليث من فلان أي أشد وأشجع ، وعقيل : تصغير عقل المعروف أو عقل بمعنى الدية ، وشهاب : بكسر الشين المعجمة شعلة نار ساطعة ، والجمع شهب وشهبان بالضم عن الأخفش مثال حساب وحسبان ، وشهبان بالكسر عن غيره ، وأن فلانا لشهاب حرب إذا كان ماضيا فيها شجاعا وجمعه شهبان ، والشهاب بالفتح اللبن الممزوج بالماء ، وعروة في الأصل عروة الكوز والقميص والعروة أيضا من الشجر الذي لا يزال باقيا في الأرض لا يذهب وجمعه عرى ، والعروة الأسد أيضا ، وبه سمي الرجل عروة ، والزبير : تصغير زبر وهو العقل ، والزبر الزجر والمنع أيضا ، والزبر الكتابة ، وعائشة : من العيش وهو ظاهر . قوله : « بدئ به » على صيغة المجهول ، قوله :« الرؤيا » مصدر كالرجعى مصدر رجع ويختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين . قوله : « ثم حبب » على صيغة المجهول أيضا والخلاء مصدر بمعنى الخلوة . قوله :« فيتحنث » من باب التفعل وهو للتكلف هاهنا كتشجع إذا استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها لتحصل وكذلك ، قوله : « وهو التعبد » من هذا الباب وهو استعمال العبادة لتكليف نفسه إياه وكذلك قوله :« ويتزود » من هذا الباب وكذلك ، قوله :« تنصر » من هذا الباب ، قوله : « أو مخرجي » أصله مخرجون جمع اسم الفاعل فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نونه للإضافة فانقلبت واوه ياء وأدغمت في ياء المتكلم . ( بيان الإعراب ) قوله : « أول ما بدئ » كلام إضافي مرفوع بالابتداء وخبره ، قوله : « الرؤيا الصالحة » وكلمة من في قوله : « من الوحي » لبيان الجنس قاله القزاز كأنها قالت من جنس الوحي ، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون للتبعيض ، وهذا مردود بل يجوز أن يكون للتبعيض لأن الرؤيا من الوحي كما جاء في الحديث : « إنها جزء من النبوة » ، قوله :« الصالحة » صفة للرؤيا إما صفة موضحة للرؤيا ؛ لأن غير الصالحة تسمى بالحلم كما ورد : « الرؤيا من الله والحلم من الشيطان » وإما مخصصة أي الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام ، والصلاح إما باعتبار صورتها ، وإما باعتبار تعبيرها قال القاضي : يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن ظاهرها ، ويحتمل أن المراد صحتها ، ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر وسوء التأويل . قوله : « في النوم » لزيادة الإيضاح والبيان وإن كانت الرؤيا مخصوصة بالنوم كما ذكرنا عن قريب ، أو ذكر لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين . قوله : « وكان لا يرى رؤيا » بلا تنوين لأنه كحبلى ، قوله :« مثل » منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير إلا جاءت مجيئا مثل فلق الصبح أي شبيهة لضياء الصبح ، وقال أكثر الشراح : إنه منصوب على الحال وما قلنا أولى لأن الحال مقيدة ، وما ذكرنا مطلق فهو أولى على ما يخفى على النابغة من التراكيب . قوله :« الخلاء » مرفوع بقوله :« حبب » لأنه فاعل ناب عن المفعول والنكتة فيه التنبيه على أن ذلك من وحي الإلهام ، وليس من باعث البشر . قوله :« حراء » بالتنوين والجر بالإضافة كما ذكرنا ، قوله :« فيتحنث » عطف على قوله :« يخلو » ولا يخلو عن معنى السببية لأن اختلاءه هو السبب للتحنث ، قوله :« فيه » أي في الغار محله النصب على الحال ، قوله : « وهو التعبد » الضمير يرجع إلى التحنث الذي يدل عليه ، قوله :« فيتحنث » كما في قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي العدل أقرب للتقوى ، وهذه جملة معترضة بين قوله : « فيتحنث فيه » وبين قوله :« الليالي » لأن الليالي منصوب على الظرف والعامل فيه « يتحنث » لا قوله :« التعبد » وإلا يفسد المعنى فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل هو مطلق التعبد ، وأشار الطيبي بأن هذه الجملة مدرجة من قول الزهري لأن مثل ذلك من دأبه ، ويدل عليه ما رواه البخاري في التفسير من طريق يونس ، عن الزهري ، قوله : « ذوات العدد » منصوب لأنه صفة الليالي ، وعلامة النصب كسر التاء وأراد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة ، قال الطيبي : وذوات العدد عبارة عن القلة نحو : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بها الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد لا القليل وهو المناسب للمقام قلت : أصل مدة الخلوة معلوم وكان شهرا وهو شهر رمضان كما رواه ابن إسحاق في السيرة ، وإنما أبهمت عائشة رضي الله عنها العدد هاهنا لاختلافه بالنسبة إلى المدة التي يتخللها مجيئه إلى أهله ، قوله :« ويتزود » بالرفع عطف على قوله :« يتحنث » وليس هو بعطف على « أن ينزع » لفساد المعنى ، قوله :« لذلك » أي للخلو أو للتعبد ، قوله :« لمثلها » أي لمثل الليالي ، قوله : « حتى جاءه الحق » كلمة حتى هاهنا للغاية ، وهاهنا محذوف ، والتقدير حتى جاءه الأمر الحق وهو الوحي الكريم . قوله : « فجاءه الملك » الألف واللام فيه للعهد أي جبريل عليه السلام ، وهذه الفاء هاهنا الفاء التفسيرية نحو قوله تعالى : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير ، وتسمى بالفاء التفصيلية أيضا لأن مجيء الملك تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق ، ولا شك أن المفصل نفس المجمل ، ولا يقال : إنه تفسير الشيء بنفسه لأن التفسير وإن كان عين المفسر به من جهة الإجمال فهو غيره من جهة التفصيل ، ولا يجوز أن تكون الفاء هنا الفاء التعقيبية لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به بل مجيء الملك هو نفس الوحي هكذا قالت الشراح ، وفيه بحث لأنه يجوز أن يكون المراد من قوله : « حتى جاءه الحق » الإلهام أو سماع هاتف ، ويكون مجيء الملك بعد ذلك بالوحي فحينئذ يصح أن تكون الفاء للتعقيب ، قوله : « فقال اقرأ » الفاء هنا للتعقيب ، قوله : « ما أنا بقارئ » قالت الشراح كلمة ما نافية واسمها هو قوله :« أنا » وخبرها هو قوله :« بقارئ » ثم الباء فيه زائدة لتأكيد النفي أي ما أحسن القراءة وغلطوا من قال : إنها استفهامية لدخول الباء في الخبر وهي لا تدخل على ما الاستفهامية ومنعوا استنادهم بما جاء في رواية : « ما أقرأ » بقولهم : يجوز أن يكون ما هاهنا أيضا نافية قلت : تغليطهم ومنعهم ممنوعان أما قولهم : إن الباء لا تدخل على ما الاستفهامية فهو ممنوع لأن الأخفش جوز ذلك ، أما قولهم : يجوز أن يكون ما في رواية ما أقرأ نافية فاحتمال بعيد بل الظاهر أنها استفهامية تدل على ذلك رواية أبي الأسود في مغازيه ، عن عروة أنه قال : « كيف أقرأ » والعجب من شارح أنه ذكر هذه الرواية في شرحه وهي تصرح بأن ما استفهامية ثم غلط من قال : إنها استفهامية . قوله :« الجهد » بالرفع والنصب ، أما الرفع فعلى كونه فاعلا لبلغ يعني بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه ، وأما النصب فعلى كونه مفعولا والفاعل محذوف يجوز أن يكون التقدير بلغ مني الجهد الملك أو بلغ الغط مني الجهد أي غاية وسعى وقال التوربشتي : لا أرى الذي يروي بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوزه بطريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد وقال الكرماني : وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك ، وتداخله الرعب ، وقال الطيبي : لا شك أن جبريل عليه السلام في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى وعندما رآه مستويا على الكرسي فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلى له وغطه وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد ، قوله : « فرجع بها » أي بالآيات وهي قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى آخرهن وقال بعضهم : أي بالآيات أو بالقصة فقوله : « أو بالقصة » لا وجه له أصلا على ما لا يخفى ، قوله : « يرجف فؤاده » جملة في محل النصب على الحال وقد علم أن المضارع إذا كان مثبتا ووقع حالا لا يحتاج إلى الواو ، قوله : « وأخبرها الخبر » جملة حالية أيضا ، قوله : « لقد خشيت » اللام فيه جواب القسم المحذوف أي والله لقد خشيت وهو مقول قال ، قوله : « فانطلقت به خديجة » أي انطلقا إلى ورقة لأن الفعل اللازم إذا عدي بالباء يلزم منه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدي بالهمزة نحو أذهبته فإنه لا يلزم ذلك ، قوله : « ابن عم خديجة » قال النووي : هو بنصب ابن ، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة فإنه ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل بن أسد ، ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف لأنه يصير صفة لعبد العزى فيكون عبد العزى ابن عم خديجة ، وهو باطل . وقال الكرماني : كتابة الألف وعدمها لا تتعلق بكونه متعلقا بورقة أو بعبد العزى بل علة إثبات الألف عدم وقوعه بين العلمين لأن العم ليس علما ثم الحكم بكونه بدلا غير لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانا له قلت : ما ادعى النووي لزوم البدل حتى يخدش في كلامه فإنه وجه ذكره ، ومثل ذلك عبد الله بن مالك ابن بحينة ، ومحمد بن علي ابن الحنفية ، والمقداد بن عمرو ابن الأسود ، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه ، وأبو عبد الله بن يزيد ابن ماجه فبحينة أم عبد الله ، والحنفية أم محمد ، والأسود ليس بجد المقداد ، وإنما هو قد تبناه وعلية أم إسماعيل ، وراهويه لقب إبراهيم وماجه لقب يزيد ، وكل ذلك يكتب بالألف ويعرب بإعراب الأول ، ومثل ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول بتنوين أبي ، ويكتب ابن سلول بالألف ويعرب إعراب عبد الله في الأصح . قوله : « ما شاء الله » كلمة ما موصولة ، وشاء صلتها والعائد محذوف ، وأن مصدرية مفعول شاء والتقدير ما شاء الله كتابته . قوله : « قد عمي » حال ، قوله : « اسمع من ابن أخيك » إنما أطلقت الأخوة لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله عليه الصلاة والسلام كأنه قال : ابن أخي جدك على سبيل الإضمار ، وفي ذكر لفظ الأخ استعطاف أو جعلته عما لرسول الله عليه الصلاة والسلام أيضا احتراما له على سبيل التجوز . قوله : « ماذا ترى » في إعرابه أوجه : الأول : أن يكون ما استفهاما وذا إشارة نحو ماذا التواني ماذا الوقوف . الثاني : أن يكون ما استفهاما وذا موصولة كما في قول لبيد رضي الله عنه : ألا تسألان المرء ماذا يحاول . فما مبتدأ بدليل إبداله المرفوع منها ، وذا موصول بدليل افتقاره للجملة بعده وهو أرجح الوجهين في وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ الثالث : أن يكون ماذا كله استفهاما على التركيب كقولك لماذا جئت . الرابع : أن يكون ماذا كله اسم جنس بمعنى شيء أو موصولا . الخامس : أن يكون ما زائدة وذا للإشارة . السادس : أن يكون ما استفهاما وذا زائدة أجازه جماعة منهم ابن مالك في نحو ماذا صنعت ، قوله : « يا ليتني فيها » أي في أيام النبوة أو في الدعوة ، وقال أبو البقاء العكبري : المنادى هاهنا محذوف تقديره يا محمد ليتني كنت حيا نحو يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ تقديره يا قوم ليتني والأصل فيه أن يا إذا وليها ما لا يصلح للنداء كالفعل في نحو ( ألا يا اسجدوا ) والحرف في نحو يا ليتني ، والجملة الاسمية نحو يا لعنة الله والأقوام كلهم ، فقيل : هي للنداء والمنادى محذوف وقيل : لمجرد التنبيه لئلا يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها ، وقال ابن مالك في الشواهد ظن أكثر الناس أن يا التي تليها ليت حرف نداء ، والمنادى محذوف وهو عندي ضعيف ؛ لأن قائل ليتني قد يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم : يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر أو دعاء فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوته ثمة فمن ثبوته قبل الأمر يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ وقبل الدعاء يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ومن حذفه قبل الأمر ( ألا يا اسجدوا في قراءة الكسائي أي يا هؤلاء اسجدوا وقبل الدعاء قول الشاعر : ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر أي يا دار اسلمي فحسن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته بخلاف ليت فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعين كون يا هذه لمجرد التنبيه مثل ألا في نحو : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة قلت : دعواه ببطلان الحذف غير سديدة ؛ لأن دليله لم يساعده أما قوله لأن قائل ليتني قد يكون وحده إلخ . فظاهر الفساد لأنه يجوز أن يقدر فيه نفسي فيخاطب نفسه على سبيل التجريد فالتقدير في الآية يا نفسي ليتني مت قبل هذا ، وهاهنا أيضا يكون التقدير يا نفسي ليتني كنت فيها جذعا ، وأما قوله : ولأن الشيء إنما يجوز حذفه فظاهر البعد لأنه لا ملازمة بين جواز الحذف ، وبين ثبوت استعماله فيه فافهم . قوله :« جذعا » بالنصب والرفع ، وجه النصب أن يكون خبر كان المقدر تقديره ليتني أكون جذعا وإليه مال الكسائي : وقال القاضي عياض : هو منصوب على الحال وهو منقول عن النحاة البصرية ، وخبر ليت حينئذ قوله :« فيها » والتقدير ليتني كائن فيها حال شبيبة وصحة وقوة لنصرتك ، وقال الكوفيون : ليت أعملت عمل تمنيت فنصب الجزأين كما في قول الشاعر : يا ليت أيام الصبا رواجعا وجه الرفع ظاهر وهو كونه خبر ليت ، قوله : « إذ يخرجك قومك » قال ابن مالك : استعمل فيه إذ في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح وغفل عنه أكثر النحويين ومنه قوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وقوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ وقوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ قال : وقد استعمل كل منهما في موضع الآخر ، ومن استعمال إذا موضع إذ نحو قوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا لأن الانفضاض واقع فيما مضى ، وقال بعضهم هذا الذي ذكره ابن مالك قد أقره عليه غير واحد ، وتعقبه شيخنا بأن النحاة لم يغفلوا عنه بل منعوا وروده وأولوا ما ظاهره ذلك ، وقالوا في مثل هذا استعمل الصيغة الدالة على المضي لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في التعبير حين يخرجك قومك ، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز ، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز ، ومجازهم أولى لما يبتنى عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقا لوقوعه أو استحضارا للصورة الآتية في هذه دون تلك قلت : بل غفلوا عنه لأن التنبيه على مثل هذا ليس من وظيفتهم وإنما هو من وظيفة أهل المعاني ، وقوله : بل منعوا وروده كيف يصح وقد ورد في القرآن في غير ما موضع ، وقوله : وأولوا ما ظاهره ينافي قوله منعوا وروده وكيف نسب التأويل إليهم ، وهو ليس إليهم وإنما هو إلى أهل المعاني ، قوله : ومجازهم أولى إلخ بعيد عن الأولوية لأن التعليل الذي علله لهم هو عين ما عله ابن مالك في قوله : استعمل إذ في المستقبل كإذا وبالعكس فمن أين الأولوية . قوله : « أو مخرجي هم » جملة اسمية لأن هم مبتدأ ومخرجي مقدما خبره ولا يجوز العكس لأن مخرجي نكرة فإن إضافته لفظية إذ هو اسم فاعل بمعنى الاستقبال ، وقد قلنا : إن أصله مخرجون جمع مخرج من الإخراج فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت النون وأدغمت الياء في الياء فصار مخرجي بتشديد الياء ، ويجوز أن يكون مخرجي مبتدأ وهم فاعلا سد مسد الخبر على لغة أكلوني البراغيث ولو روي مخرجي بسكون الياء أو فتحها مخففة على أنه مفرد يصح جعله مبتدأ ، وما بعده فاعلا سد مسد الخبر كما تقول : أو مخرجي بنو فلان لاعتماده على حرف الاستفهام لقوله عليه الصلاة والسلام : أحي والداك ، والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر ، ومنه قول الشاعر : أمنجز أنتم وعدا وثقت به أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب وقال ابن مالك : الأصل في أمثال هذا تقديم حرف العطف على الهمزة كما تقدم على غيرها من أدوات الاستفهام نحو وكيف تكفرون و فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ و فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ والأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثال ، وكان ينبغي أن يقال وأمخرجي فالواو للعطف على ما قبلها من الجمل والهمزة للاستفهام لأن أداة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام ، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل ، والعاطف لا يتقدم عليه جزء ما عطف عليه ، ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنه أصل أدوات الاستفهام لأن الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة فأرادوا التنبيه عليه ، وكانت الهمزة بذلك أولى لأصالتها وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده قلت : لم يغفل الزمخشري عن ذلك وإنما ادعى هذه الدعوى لدقة نظر فيه وذلك لأن قوله : « أو مخرجي هم » جواب ورد على قوله : « إذ يخرجك » على سبيل الاستبعاد والتعجب فكيف يجوز أن يقدر فيه تقديم حرف العطف على الهمزة ولأن هذه إنشائية وتلك خبرية فلأجل ذلك قدمت الهمزة على أن أصلها أمخرجي هم بدون حرف العطف ولكن لما أريد مزيد استبعاد وتعجب جيء بحرف العطف على مقدر تقديره أمعادي هم ومخرجي هم ، وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد لأن مثل هذه الحذوف من حلية البلاغة لا سيما حيث الإمارة قائمة عليها ، والدليل عليها هنا وجود العاطف ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرا للاستبعاد . قوله : « وإن يدركني » كلمة إن للشرط ويدركني مجزوم بها ويومك مرفوع لأنه فاعل يدركني والمضاف فيه محذوف أي يوم إخراجك أو يوم انتشار نبوتك . قوله :« أنصرك » مجزوم لأنه جواب الشرط ونصرا منصوب على المصدرية ، ومؤزرا صفته ، قوله :« ورقة » بالرفع فاعل لقوله : « لم ينشب » وكلمة أن في قوله : « أن توفي » مفتوحة مخففة وهي بدل اشتمال من ورقة أي لم تلبث وفاته . ( بيان المعاني ) قوله :« الصالحة » صفة موضحة عند النحاة وصفة فارقة عند أهل المعاني ، وقوله : « في النوم » من قبيل أمس الدابر كان يوما عظيما ؛ لأنه ليس للكشف ولا للتخصيص ولا للمدح ولا للذم فتعين أن يكون للتأكيد ، قوله : « ما أنا بقارئ » قيل : إن مثل هذا يفيد الاختصاص قلت : قال الطيبي : مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أي لست بقارئ البتة لا محالة وهو الظاهر هاهنا والمناسب للمقام ، قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قدم الفعل الذي هو متعلق الباء وإن كان تأخيره للاختصاص كما في قوله عز وجل : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا لكون الأمر بالقراءة أهم وتقديم الفعل أوقع لذلك ، وقوله :« اقْرَأْ » أمر بإيجاد القراءة مطلقا لا تختص بمقروء دون مقروء ، وقوله : « باسم ربك » حال أي اقرأ مفتتحا « بِاسْمِ رَبِّكَ » أي : قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ ، وقال الطيبي : وهذا يدل على أن البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قراءة فتكون قراءتها مأمورة في ابتداء هذه السورة أيضا قلت : هذا التقدير خلاف الظاهر فإن جبريل عليه الصلاة والسلام لم يقل له إلا أن يقول : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ قال الواحدي : أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر قال : أخبرنا محمد بن الحسن الحافظ ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن صالح ، قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول : كان أول ما نزل الله عز وجل على رسوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي إلى قوله : مَا لَمْ يَعْلَمْ قال : هذا صدر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء ثم أنزل آخرها بعد ذلك ، وما شاء الله ولئن سلمنا أن البسملة مأمور بها في القراءة فلا يلزم من ذلك الوجوب لأنه يجوز أن يكون الأمر على وجه الندب والاستحباب لأجل التبرك في ابتداء القراءة ، قوله : رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة والإطلاق في خلق أولا على منوال يعطي ويمنع وجعله توطئة لقوله : خَلَقَ الإِنْسَانَ إيذانا بأن الإنسان أشرف المخلوقات ثم الامتنان عليه بقوله : عَلَّمَ الإِنْسَانَ يدل على أن العلم أجل النعم ، قوله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ إشارة إلى العلم التعليمي و عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ إشارة إلى العلم اللدني . قوله : « لقد خشيت على نفسي » أشار في تأكيد كلامه باللام وقد إلى تمكن الخشية في قلبه وخوفه على نفسه حتى روى صاحب الغريبين في باب العين والدال والميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة رضي الله عنها أظن أنه عرض لي شبه جنون فقالت : « كلا إنك تكسب المعدوم ، وتحمل الكل » انتهى ، فأجابت خديجة أيضا بكلام فيه قسم وتأكيد بأن واللام في الخبر في صورة الجملة الاسمية وذلك إزالة لحيرته ودهشته وذلك من قبيل قوله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لأن قوله : وَمَا أُبَرِّئُ ما أزكي نفسي أورث المخاطب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه ، عن السوء مع كونها مطمئنة زكية فأزال تلك الحيرة بقوله : إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ في جميع الأشخاص أي بالشهوة والرذيلة إلا من عصمه الله تعالى وكذلك قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وأمثال ذلك في التنزيل كثيرة ، وكل هذا من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر قوله : « يا ليتني » كلمة ليت للتمني تتعلق بالمستحيل غالبا وبالممكن قليلا ، وتمنى ورقة أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا ليكون أمكن إلى نصره ، وإنما قال ذلك على وجه التحسر لأنه كان يتحقق أنه لا يعود شابا ، قوله : « أو مخرجي هم » قد ذكرنا أن الهمزة فيه للاستفهام وإنما كان ذلك على وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم منه لأنه استبعد إخراجه من غير سبب لأنها حرم الله تعالى وبلد أبيه إسماعيل ولم يكن منه فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذلك بل كان منه أنواع المحاسن والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو لائق بمحله والعادة أن كل ما أتى للنفوس بغير ما تحب وتألف ، وإن كان ممن يحب ويعتقد يعافه ويطرده وقد قال الله تعالى حكاية عنهم فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( بيان البيان ) ، قوله : « مثل فلق الصبح » فيه تشبيه وقد علم أن أداة التشبيه الكاف وكأن ومثل ونحو وما يشتق من مثل وشبه ونحوهما والمشبه هاهنا الرؤيا ، والمشبه به فلق الصبح ووجه الشبه هو الظهور البين الواضح الذي لا يشك فيه ، قوله : « يا ليتني فيها جذعا » فيه استعارة الحيوان للإنسان ومبناه على التشبيه حيث أطلق الجذع الذي هو الحيوان المنتهي إلى القوة وأراد به الشباب الذي فيه قوة الرجل وتمكنه من الأمور . ( الأسئلة والأجوبة ) وهي على وجوه : الأول : ما قيل لم ابتدئ عليه الصلاة والسلام بالرؤيا أولا وأجيب بأنه إنما ابتدئ بها لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها القوى البشرية فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا مع سماع الصوت ، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة ، ورؤية الضوء ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك في اليقظة وكشف له عن الحقيقة كرامة له . الثاني : ما قيل ما حقيقة الرؤيا الصادقة أجيب بأن الله تعالى يخلق في قلب النائم أو في حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام وربما جعل ما رآه علما على أمور أخر يخلقها الله في ثاني الحال ، أو كان قد خلقها فتقع تلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر . الثالث : ما قيل لم حبب إليه الخلوة أجيب بأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر والبشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة فحبب إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر فينسى المألوفات من عادته فيجد الوحي منه مرادا سهلا لا حزنا ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة الملك له بالقراءة والضغطة ويقال : كان ذلك اعتبار أو فكرة كاعتبار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمناجاة ربه والضراعة إليه ليريه السبيل إلى عبادته على صحة إرادته . وقال الخطابي : حبب العزلة إليه لأن فيها سكون القلب وهي معينة على التفكر وبها ينقطع عن مألوفات البشر ، ويخشع قلبه وهي من جملة المقدمات التي أرهصت لنبوته وجعلت مبادي لظهورها . الرابع : ما قيل إن عبادته عليه الصلاة والسلام قبل البعث هل كانت شريعة أحد أم لا فيه قولان لأهل العلم ، وعزي الثاني إلى الجمهور إنما كان يتعبد بما يلقى إليه من نور المعرفة واختار ابن الحاجب والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع واختلف القائلون بالثاني هل ينتفي ذلك عنه عقلا أم نقلا فقيل : بالأول لأن في ذلك تنفيرا عنه ومن كان تابعا فبعيد منه أن يكون متبوعا ، وهذا خطأ منه كما قال المازري فالعقل لا يحيل ذلك ، وقال حذاق أهل السنة بالثاني لأنه لو فعل لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله ولافتخر به أهل تلك الشريعة والقائل بالأول اختلف فيه على ثمانية أقوال : أحدها : أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم . الثاني : بشريعة موسى ، الثالث : بشريعة عيسى ، الرابع : بشريعة نوح حكاه الآمدي ، الخامس : بشريعة آدم حكي عن ابن برهان ، السادس : أنه كان يتعبد بشريعة من قبله من غير تعيين ، السابع : أن جميع الشرائع شرع له حكاه بعض شراح المحصول من المالكية . الثامن : الوقف في ذلك وهو مذهب أبي المعالي الإمام واختاره الآمدي فإن قلت : قد قال الله تعالى : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ قلت : المراد في توحيد الله وصفاته أو المراد اتباعه في المناسك كما علم جبريل عليه السلام إبراهيم عليه السلام . الخامس : ما قيل ما كان صفة تعبده ؟ أجيب بأن ذلك كان بالتفكر والاعتبار كاعتبار أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام . السادس : ما قيل هل كلف النبي بعد النبوة بشرع أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ أجيب بأن الأصوليين اختلفوا فيه ، والأكثرون على المنع ، واختاره الإمام والآمدي وغيرهما ، وقيل : بل كان مأمورا بأخذ الأحكام من كتبهم ويعبر عنه بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، واختاره ابن الحاجب وللشافعي فيه قولان : أصحهما الأول ، واختاره الجمهور . السابع : ما قيل متى كان نزول الملك عليه ؟ أجيب بأن ابن سعد روى بإسناده أن نزول الملك عليه بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن أربعين سنة . الثامن : ما قيل ما الحكمة في غطه ثلاث مرات ؟ قلت : ليظهر في ذلك الشدة والاجتهاد في الأمور ، وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة فإنه أمر ليس بالهوينا ، وكرره ثلاثا مبالغة في التثبت . التاسع : ما قيل ما الحكمة فيه على رواية ابن إسحاق أن الغط كان في النوم ؟ أجيب بأنه يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل بثلاث شدائد يبتلى بها أولا ، ثم يأتي الفرح والسرور . الأولى : ما لقيه عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه من شدة الجوع في الشعب حتى تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم ولا يصلوا إليهم ، والثانية : ما لقوا من الخوف والإيعاد بالقتل ، والثالثة : ما لقيه عليه الصلاة والسلام من الإجلاء عن الوطن والهجرة من حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام . العاشر : ما قيل ما الخشية التي خشيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : لقد خشيت على نفسي ؟ أجيب بأن العلماء اختلفوا فيها على اثني عشر قولا : الأول : أنه خاف من الجنون ، وأن يكون ما رآه من أمر الكهانة ، وجاء ذلك في عدة طرق ، وأبطله أبو بكر بن العربي ، وأنه لجدير بالإبطال . الثاني : خاف أن يكون هاجسا وهو الخاطر بالبال ، وهو أن يحدث نفسه ويجد في صدره مثل الوسواس ، وأبطلوا هذا أيضا لأنه لا يستقر ، وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة ، الثالث : خاف من الموت من شدة الرعب ، الرابع : خاف أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي ، الخامس : العجز عن النظر إلى الملك وخاف أن تزهق نفسه وينخلع قلبه لشدة ما لقيه عند لقائه ، السادس : خاف من عدم الصبر على أذى قومه ، السابع : خاف من قومه أن يقتلوه حكاه السهيلي ، ولا غرو أنه بشر يخشى من القتل والأذى ثم يهون عليه الصبر في ذات الله تعالى كل خشية ، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة . الثامن : خاف مفارقة الوطن بسبب ذلك ، التاسع : ما ذهب إليه أبو بكر الإسماعيلي أنها كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله تعالى ، وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه شيء . العاشر : خاف من وقوع الناس فيه ، الحادي عشر : ما قاله ابن أبي جمرة أن خشيته كانت من الوعك الذي أصابه من قبل الملك ، الثاني عشر : هو إخبار عن الخشية التي حصلت له على غير مواطئة بغتة كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهده ، وقال القاضي عياض : هذا أول بادئ التباشير في النوم واليقظة ، وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقق رسالة ربه فقد خاف أن يكون من الشيطان فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز الشك عليه فيه ، ولا يخشى تسلط الشيطان عليه ، وقال النووي : هذا ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث فإن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه باقرأ باسم ربك قال : قلت : إلا أن يكون معنى خشيت على نفسي أن يخبرها بما حصل له أولا من الخوف لا أنه خائف في حال الإخبار فلا يكون ضعيفا . الحادي عشر من الأسئلة : ما قيل : من أين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجائي إليه جبريل عليه الصلاة والسلام لا الشيطان ، وبم عرف أنه حق لا باطل ؟ أجيب بأنه كما نصب الله لنا الدليل على أن الرسول عليه السلام صادق لا كاذب ، وهو المعجزة كذلك نصب للنبي صلى الله عليه وسلم دليلا على أن الجائي إليه ملك لا شيطان ، وأنه من عند الله لا من غيره . الثاني عشر : ما قيل ما الحكمة في فتور الوحي مدة ؟ أجيب بأنه إنما كان كذلك ليذهب ما كان عليه الصلاة والسلام وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العود . الثالث عشر : ما قيل ما كان مدة الفترة ؟ أجيب بأنه وقع في تاريخ أحمد بن حنبل ، عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين وبه جزم ابن إسحاق ، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر ، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع في شهر مولده وهو ربيع الأول ، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان ، وليس فترة الوحي المقدرة بثلاث سنين ، وهو ما بين نزول« اقْرَأْ » أو « يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » عدم مجيء جبريل عليه السلام إليه بل تأخر نزول القرآن عليه فقط . الرابع عشر : ما قيل ما الحكمة في تخصيصه عليه الصلاة والسلام التعبد بحراء من بين سائر الجبال ؟ أجيب بأن حراء هو الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له : ثبير اهبط عني فإني أخاف أن تقتل على ظهري فاعذرني يا رسول الله فلعل هذا هو السر في تخصيصه به ، وقال أبو عبد الله بن أبي جمرة : لأنه يرى بيت ربه منه ، وهو عبادة ، وكان منزويا مجموعا لتحنثه . الخامس عشر : ما قيل إن قوله : « ثم لم ينشب ورقة أن توفي » يعارضه ما روي في سيرة ابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم ، وهذا يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام ؟ أجيب بأنا لا نسلم المعارضة فإن شرط التعارض المساواة ، وما روي في السيرة لا يقاوم الذي في الصحيح ولئن سلمنا فلعل الراوي لما في الصحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئا من الأمور فلذلك جعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى ما علمه منه لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر . السادس عشر : ما وجه تخصيص ورقة بن نوفل ناموس النبي بالناموس الذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام دون سائر الأنبياء مع أن لكل نبي ناموسا ؟ أجيب بأن الناموس الذي أنزل على موسى ليس كناموس الأنبياء فإنه أنزل عليه كتاب بخلاف سائر الأنبياء فمنهم من نزل عليه صحف ، ومنهم من نبئ بإخبار جبريل عليه السلام ، ومنهم من نبئ بإخبار ملك الرصاف . ( استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول فيه تصريح من عائشة رضي الله تعالى عنها بأن رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام من جملة أقسام الوحي وهو محل وفاق . الثاني : فيه مشروعية اتخاذ الزاد ، ولا ينافي التوكل فقد اتخذه سيد المتوكلين . الثالث : فيه الحض على التعليم ثلاثا بما فيه مشقة كما فتل الشارع أذن ابن عباس في إدارته على يمينه في الصلاة ، وانتزع شريح القاضي من هذا الحديث أن لا يضرب الصبي إلا ثلاثا على القرآن كما غط جبريل محمدا عليهما الصلاة والسلام ثلاثا . الرابع : فيه دليل للجمهور أن سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أول ما نزل ، وقول من قال : إن أول ما نزل يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عملا بالرواية الآتية في الباب فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي ، وأبعد من قال : إن أول ما نزل الفاتحة بل هو شاذ ، وجمع بعضهم بين القولين الأولين بأن قال : يمكن أن يقال : أول ما نزل من التنزيل في تنبيه الله على صفة خلقه اقْرَأْ وأول ما نزل من الأمر بالإنذار يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وذكر ابن العربي ، عن كريب قال : وجدنا في كتاب ابن عباس أول ما نزل من القرآن بمكة« اقرأ » ، « والليل » « ونون » « ويا أيها المزمل » « ويا أيها المدثر » « وتبت » « وإذا الشمس » « والأعلى » « والضحى » « وألم نشرح لك » « والعصر » « والعاديات » « والكوثر » « والتكاثر » « والدين » ثم« الفلق » ثم« الناس » ثم ذكر سورا كثيرة ونزل بالمدينة ثمانية وعشرون سورة وسائرها بمكة ، وكذلك يروى عن ابن الزبير ، وقال السخاوي : ذهبت عائشة رضي الله عنها والأكثرون إلى أن أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى قوله : مَا لَمْ يَعْلَمْ ثم ن وَالْقَلَمِ إلى قوله :« وَيُبْصِرُونَ » ويا أيها المدثر والضحى ، ثم نزل باقي سورة « اقرأ » بعد يا أيها المدثر ، ويا أيها المزمل . الخامس : قال السهيلي في قوله : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ دليل من الفقه على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله غير أنه أمر مبهم لم يتبين له بأي اسم من أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعد في قوله : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ثم في قوله : وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم بعد ذلك كان ينزل جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة على ذلك وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبحت الجبال فقالت قريش : سحر محمد الجبال ، ذكره النقاش قلت : دعوى الوجوب تحتاج إلى دليل وكذلك دعوى نزول جبريل عليه السلام ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة وثبوتها في سواد المصحف لا يدل على وجوب قراءتها وما ذكره النقاش في تفسيره فقد تكلموا فيه . السادس : فيه أن الفازع لا ينبغي أن يسأل ، عن شيء حتى يزول عنه فزعه حتى قال مالك : إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره . السابع : فيه أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع الشر والمكاره فمن كثر خيره حسنت عاقبته ورجى له سلامة الدين والدنيا . الثامن : فيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة ولا يعارضه قوله عليه الصلاة والسلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) لأن هذا فيما يمدح بباطل أو يؤدي إلى باطل . التاسع : فيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له . العاشر : فيه أبلغ دليل على كمال خديجة رضي الله تعالى عنها وجزالة رأيها وقوة نفسها وعظم فقهها وقد جمعت جميع أنواع أصول المكارم وأمهاتها فيه عليه السلام لأن الإحسان إما إلى الأقارب وإما إلى الأجانب ، وإما بالبدن ، وإما بالمال ، وإما على من يستقل بأمره ، وإما على غيره . الحادي عشر : فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص ولا يكون ذلك غيبة قلت : ينبغي أن يكون هذا على التفصيل فإن كان لبيان الواقع أو للتعريف أو نحو ذلك فلا بأس ولا يكون غيبة وإن كان لأجل استنقاصه أو لأجل تعييره فإن ذلك لا يجوز . الثاني عشر : فيه أن من نزل به أمر يستحب له أن يطلع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه . الثالث عشر : فيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام . ( فوائد الأولى ) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أم المؤمنين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي أم أولاده كلهم خلا إبراهيم فمن مارية ، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح ، وقيل : بخمس ، وقيل : بأربع فأقامت معه أربعا وعشرين سنة وستة أشهر ثم توفيت وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام واسم أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي وهي أول من آمن من النساء باتفاق بل أول من آمن مطلقا على قول ووقع في كتاب الزبير بن بكار ، عن عبد الرحمن بن زيد قال آدم عليه السلام : مما فضل الله به ابني علي أن زوجته خديجة كانت عونا له على تبليغ أمر الله عز وجل وأن زوجتي كانت عونا لي على المعصية . الثانية : ورقة بفتح الراء بن نوفل بفتح النون والفاء بن أسد بن عبد العزى ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه ؟ قلت : لا شك أنه كان مؤمنا بعيسى عليه السلام وأما الإيمان بنبينا عليه السلام فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا ، ولئن ثبت أنه كان منسوخا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق وهو قد صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه قلت : قال ابن منده : اختلف في إسلام ورقة وظاهر هذا الحديث وهو قوله فيه : « يا ليتني كنت فيها جذعا » وما ذكر بعده من قوله : يدل على إسلامه وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما أخبره قال له ورقة بن نوفل : والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان » ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وروى الترمذي من حديث عثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة فقالت له خديجة : « إنه كان صدقك ولكنه مات قبل أن تظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم رأيته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك » ثم قال هذا حديث غريب ، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي ، وقال السهيلي : في إسناده ضعف لأنه يدور على عثمان هذا ولكن يقويه قوله عليه الصلاة والسلام : « رأيت الفتى » يعني « ورقة وعليه ثياب حرير لأنه أول من آمن بي وصدقني » ذكره ابن إسحاق ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل ، وقال المرزباني : كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم وكان يدعى القس وقال النبي عليه الصلاة والسلام : « رأيته وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة » وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه فمن ذلك قوله : لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا النذير فلا يغرركم أحد لا تعبدن إلها غير خالقكم فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد سبحان ذي العرش سبحانا نعود له وقبله سبح الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له لا ينبغي أن ينادي ملكه أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها برد أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كدر لا بد من ورده يوما كما وردوا نسبه أبو الفرج إلى ورقة ، وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت ومن شعره قوله : فإن يك حقا يا خديجة فاعلمي حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصدر منزل . ( الثالثة ) أنه قد عرفت أن خديجة هي التي انطلقت بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة وقد جاء في السيرة من حديث عمرو بن شرحبيل أن الصديق رضي الله عنه دخل على خديجة وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ثم ذكرت خديجة له ما رآه فقالت : يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل عليه السلام أخذ أبو بكر بيده فقال : انطلق بنا إلى ورقة فقال : ومن أخبرك فقال : خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال : إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض فقال له : لا تفعل إذ أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول : ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حتى بلغ وَلا الضَّالِّينَ قل : لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد بأنك الذي بشر به عيسى ابن مريم وإنك على مثل ناموس موسى ، وإنك نبي مرسل ، وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ، ولئن أدركني ذاك لأجاهدن معك فلما توفي ورقة قال عليه الصلاة والسلام : لقد رأيت القس في الجنة ، وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ، يعني ورقة . وفي سير سليمان بن طرحان التيمي أنها ركبت إلى بحيرا بالشام فسألته عن جبريل عليه السلام فقال لها قدوس يا سيدة قريش أنى لك بهذا الاسم فقالت : بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه فقال : ما علم به إلا نبي فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه ، وفي الأوائل لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد حدثنا الوليد بن محمد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن خديجة رضي الله عنها خرجت إلى الراهب ورقة وعداس فقال ورقة أخشى أن يكون أحد شبه بجبريل عليه السلام فرجعت وقد نزل ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ فلما قرأ عليه الصلاة والسلام هذا على ورقة قال : أشهد أن هذا كلام الله تعالى فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الأخبار ؟ قلت : بأن تكون خديجة قد ذهبت به مرة وأرسلته مع الصديق أخرى وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى ، وهذا من شدة اعتنائها بسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام .
( قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال : وهو يحدث ، عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت : زملوني زملوني فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي وتتابع . ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وقد مر وأبو سلمة بفتحتين اسمه عبد الله أو إسماعيل أو اسمه كنيته ابن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة بالجنة القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق على إمامته وجلالته وثقته ، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال ، سمع جماعة من الصحابة والتابعين ، وعنه خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم . وتزوج أبوه تماضر بضم التاء المثناة من فوق وكسر المعجمة بنت الأصبع بفتح الهمزة وسكون المهملة وفي آخره عين غير معجمة وهي الكلبية من أهل دومة الجندل ، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة ؛ توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة في خلافة الوليد . وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالمهملة والراء ابن عمرو بن سواد بتخفيف الواو ابن سلمة بكسر اللام ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة ابن تريد بالتاء المثناة من فوق ابن جشم بضم الجيم وفتح الشين المعجمة ابن الخزرج الأنصاري السلمي بفتح السين واللام ، وحكي في لغة كسرها ، المدني أبو عبد الله أو عبد الرحمن أو أبو محمد أحد الستة المكثرين ، روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا ، أخرجا له مائتي حديث وعشرة أحاديث اتفقا منها على ثمانية وخمسين ، وانفرد البخاري بستة وعشرين ، ومسلم بمائة وستة وعشرين . وأمه نسيبة بنت عقبة بن عدي ، مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين ، وقيل : سنة ثلاث وستين ، وكان عمره أربعا وتسعين سنة ، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة وهو آخر الصحابة موتا بالمدينة . وجابر بن عبد الله في الصحابة ثلاثة : جابر بن عبد الله هذا ، وجابر بن عبد الله بن رباب بن النعمان بن سنان ، وجابر بن عبد الله الراسبي نزيل البصرة . وأما جابر في الصحابة فأربعة وعشرون نفرا . وجابر بن عبد الله في غير الصحابة خمسة : الأول : سلمي ، يروي عن أبيه عن كعب الأحبار . الثاني : محاربي ، عنه الأوزاعي . الثالث : غطفاني ، يروي عن عبد الله بن الحسن العلوي . الرابع : مصري ، عنه يونس بن عبد الأعلى . الخامس : يروي عن الحسن البصري وكان كذابا . وجابر يشتبه بجاثر بالثاء المثلثة موضع الباء الموحدة ، وبخاتر بالخاء المعجمة ثم ألف ثم تاء مثناة من فوق ثم راء ، فالأول أبو القبيلة التي بعث الله منها صالحا عليه الصلاة والسلام ، وهو ثمود بن جاثر بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام ، وأخوه جديس بن جاثر . والثاني : معن له أخبار وحكايات مشهورة . ( حكم الحديث ) قال الكرماني : مثل هذا ؛ أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحدا أو أكثر يسمى تعليقا ولا يذكره البخاري إلا إذا كان مسندا عنده إما بالإسناد المتقدم ؛ كأنه قال : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل أنه قال : قال ابن شهاب : أو بإسناد آخر . وقد ترك الإسناد هاهنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفا من جهة الثقات أو لكونه مذكورا في موضع آخر أو نحوه . قال بعضهم : وأخطأ من زعم أن هذا معلق ، قلت : يعرض بذلك للكرماني ، ولا معنى للتعريض لأن الحديث صورته في الظاهر من التعليق وإن كان مسندا عنده في موضع آخر فإنه أخرجه أيضا في الأدب وفي التفسير أتم من هذا ، وأوله : " عن يحيى بن أبي كثير ، قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ، قال : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قلت : يقولون اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن ذلك ، قلت له مثل الذي قلت ، فقال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري " ، ثم ذكر نحوه . وقال في التفسير : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، ( ح ) وحدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني فذكره . وأخرجه مسلم بألفاظه . ( ومن لطائف إسناده ) أن كلهم مدنيون ، وفيه تابعي عن تابعي ، فإن قلت : لم قال : قال ابن شهاب ولم يقل : وروى أو وعن ابن شهاب ونحو ذلك ؟ قلت : قالوا : إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه قال لأنه من صيغ الجزم ، بل يقال حكى أو قيل أو يقال بصيغة التمريض . وقد اعتنى البخاري بهذا الفرق في صحيحه كما سترى وذلك من غاية إتقانه ، فإن قيل : ما كان مراده من إخراجه بهذه الصورة مع أنه أخرجه مسندا في صحيحه في موضع آخر ؟ قلت : لعله وضعه على هذه الصورة قبل أن وقف عليه مسندا ، فلما وقف عليه مسندا ذكره وترك الأول على حاله لعدم خلوه عن فائدة . ( بيان اللغات ) قوله " عن فترة الوحي " وهو احتباسه ، وقد مر الكلام فيه مستوفى ، قوله " على كرسي " هو بضم الكاف وكسرها والضم أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها ، قال ابن السكيت : كل ما كان من هذا النحو مفرده مشدد كعارية وسرية جاز في جمعه التشديد والتخفيف . وقال الماوردي في تفسيره : أصل الكرسي العلم ، ومنه قيل لصحيفة يكون فيها علم كراسة ، وقال الزمخشري : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد ، وفي العباب : الكرسي من قولهم كرس الرجل بالكسر إذا ازدحم علمه على قلبه ، فإن قلت : ما هذه الياء فيه ؟ قلت : ليست ياء النسبة وإنما هو موضوع على هذه الصيغة ، فإذا أريد النسبة إليه تحذف الياء منه ويؤتى بياء النسبة ، فيقال : كرسي أيضا ، فافهم . قوله " فرعبت منه " بضم الراء وكسر العين على ما لم يسم فاعله ، ورواية الأصيلي بفتح الراء وبضم العين وهما صحيحان حكاهما الجوهري وغيره ، قال يعقوب : رعب ورعب ، واقتصر النووي في شرحه الذي لم يكمله على الأول ، وقال بعضهم : الرواية بضم العين واللغة بفتحها ، حكاه السفاقسي والرعب الخوف ، يقال : رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته ، ولا يقال : أرعبته . تقول : رعب الرجل على وزن فعل كضرب بمعنى خوفه هذا إذا عديته ، فإن ضممت العين قلت : رعبت منه ، وإن بنيته على ما لم يسم فاعله ضممت الراء ، فقلت : رعبت منه . وفي البخاري في التفسير ومسلم هنا : " فجئثت منه " بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة ؛ من جئث الرجل أي أفزع فهو مجؤوث أي مذعور ، ومادته جيم ثم همزة ثم ثاء مثلثة ، قال القاضي : كذا هو للكافة في الصحيحين ، وروي " فجثثت " بضم الجيم وكسر الثاء المثلثة الأولى وسكون الثانية وهو بمعنى الأول ، ومادته جيم ثم ثاآن مثلثتان . وفي بعض الروايات " حتى هويت إلى الأرض " أي سقطت ، أخرجها مسلم وهو بفتح الواو ، وفي بعضها " فأخذتني رجفة " ، وهي كثرة الاضطراب . قوله " زملوني " في أكثر الأصول : " زملوني زملوني " مرتين ، وفي رواية كريمة مرة واحدة ، وللبخاري في التفسير ولمسلم أيضا " دثروني " وهو هو كما سيأتي إن شاء الله تعالى . قوله يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أصله المتدثر ، وكذلك المزمل أصله المتزمل ، والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى ، وسماه الله تعالى بذلك إيناسا له وتلطفا ، ثم الجمهور على أن معناه المتدثر بثيابه . وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه المتدثر بالنبوة وأعبائها . قوله " قُمْ فَأَنْذِرْ " أي حذر العذاب من لم يؤمن بالله ، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقيب نزول الوحي للإتيان بالفاء التعقيبية ، فإن قلت : النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بشيرا ونذيرا ، فكيف أمر بالإنذار دون البشارة ؟ قلت : البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه . قوله وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظمه ونزهه عما لا يليق به ، وقيل : أراد به تكبيرة الافتتاح للصلاة وفيه نظر ، قوله وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي من النجاسات على مذهب الفقهاء ، وقيل : أي فقصر ، وقيل المراد بالثياب النفس أي طهرها من كل نقص أي اجتنب النقائص . قوله وَالرُّجْزَ بكسر الراء في قراءة الأكثر ، وقرأ حفص عن عاصم بضمها وهي الأوثان في قول الأكثرين . وفي مسلم التصريح به ، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به ، وقيل : الشرك ، وقيل : الذنب ، وقيل : الظلم ، وأصل الرجز في اللغة العذاب ، ويسمى عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزا لأنه سبب العذاب . قوله " فحمي " بفتح الحاء وكسر الميم معناه كثر نزوله من قولهم حميت النار والشمس أي كثرت حرارتها ، ومنه قولهم : حمي الوطيس ، والوطيس التنور استعير للحرب . قوله " وتتابع " تفاعل من التتابع ، قالت الشراح كلهم : ومعناهما واحد ، فأكد أحدهما بالآخر ، قلت : ليس معناهما واحدا فإن معنى حمي النهار اشتد حره ، ومعنى تتابع تواتر ، وأراد بحمي الوحي اشتداده وهجومه ، وبقوله " تتابع " تواتره وعدم انقطاعه ، وإنما لم يكتف بحمي وحده لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر ؛ فلذلك زاد قوله " وتتابع " فافهم ، فإنه من الأسرار الربانية والأفكار الرحمانية ، ويؤيد ما ذكرنا رواية الكشميهني ، وتواتر موضع وتتابع ، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضا من غير خلل ، ولقد أبعد من قال : " وتتابع " توكيد معنوي لأن التأكيد المعنوي له ألفاظ مخصوصة كما عرف في موضعه ، فإن قال : ما أردت به التأكيد الاصطلاحي ، يقال له : هذا إنما يكون بين لفظين معناهما واحد ، وقد بينا المغايرة بين حمي وتتابع ، والرجوع إلى الحق من جملة الدين . ( بيان الإعراب ) قوله " قال ابن شهاب " فعل وفاعل ، قوله " وأخبرني " معطوف على محذوف هو مقول القول تقديره : قال ابن شهاب أخبرني عروة بكذا وأخبرني أبو سلمة بكذا ، فلأجل قصده بيان الإخبار عن عروة بن الزبير وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أتى بواو العطف وإلا فمقول القول لا يكون بالواو ونحوه فافهم ، قوله " أن جابر بن عبد الله " بفتح أن لأنها في محل النصب على المفعولية : قوله " وهو يحدث " جملة اسمية وقعت حالا أي قال في حالة التحديث عن احتباس الوحي عن النزول أو قال جابر في حالة التحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله " بينا " أصله بين بلا ألف فأشبعت الفتحة فصارت ألفا ويزاد عليها ما فيصير بينما ومعناهما واحد وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسمية ، والعامل فيه الجواب إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة وإلا فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ، وقيل : اقتضى جوابا لأنها ظرف يتضمن المجازاة والأفصح في جوابه إذ وإذا خلافا للأصمعي ، والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع . قوله " إذ سمعت " جواب بينا على ما ذكرنا . قوله " فإذا الملك " كلمة إذا هاهنا للمفاجأة وهي تختص بالجمل الاسمية ولا تحتاج إلى الجواب ولا يقع في الابتداء ومعناها الحال لا الاستقبال ؛ نحو : خرجت فإذا الأسد بالباب ، وهي حرف عند الأخفش ، واختاره ابن مالك . وظرف مكان عند المبرد ، واختاره ابن عصفور . وظرف زمان عند الزجاج ، واختاره الزمخشري . فإن قلت : ما الفاء في " فإذا " ، قلت : زائدة لازمة عند الفارسي والمازني وجماعة ، وعاطفة عند أبي الفتح ، وللسببية المحضة عند أبي إسحاق . قوله " جالس " بالرفع ، كذا في البخاري وفي مسلم " جالسا " بالنصب ، قال النووي : كذا هو في الأصول ، وجاء في رواية : فإذا الملك الذي جاءني بحراء واقف بين السماء والأرض ، وفي طريق آخر : على عرش بين السماء والأرض ، ولمسلم : فإذا هو على العرش في الهواء ، وفي رواية : على كرسي ، وهو تفسير العرش المذكور . قال أهل اللغة : العرش السرير ، فإن قلت : وجه الرفع ظاهر لأنه خبر عن الملك الذي هو مبتدأ وقوله الذي جاءني بحراء صفته ، فما وجه النصب ؟ قلت : على الجملة الحالية من الملك ، " فإن قلت " إذا نصب جالسا على الحال فماذا يكون خبر المبتدأ وقد قلت أن إذا المفاجأة تختص بالاسمية ، قلت : حينئذ يكون الخبر محذوفا مقدرا ويكون التقدير فإذا الملك الذي جاءني بحراء شاهدته حال كونه جالسا على كرسي أو نحو ذلك . قوله " بين السماء والأرض " ظرف ولكنه في محل الجر لأنه صفة لكرسي ، والفاء في " فرعبت " تصلح للسببية ، وكذا في " فرجعت " لأن رؤية الملك على هذه الحالة سبب لرعبه ورعبه سبب لرجوعه ، والفاء في " فقلت " وفي " فأنزل الله " على أصلها للتعقيب . قوله " وربك " منصوب بقوله فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ بقوله فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ بقوله فَاهْجُرْ فإن قلت : ما الفاآت في الآية ؟ قلت : الفاء في فأنذر تعقيبية وبقية الفاآت كالفاء في قوله تعالى بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ فقيل : جواب لا ما مقدرة ، وقيل : زائدة وإليه مال الفارسي ، وعند الأكثرين عاطفة ، والأصل تنبه فاعبد الله ، ثم حذف تنبه وقدم المنصوب على الفاء إصلاحا للفظ لئلا تقع الفاء صدرا ، قوله " فحمي الفاء فيه عاطفة ، والتقدير : فبعد إنزال الله هذه الآية حمي الوحي . ( استنباط الفوائد ) منها الدلالة على وجود الملائكة ردا على زنادقة الفلاسفة ، ومنها إظهار قدرة الله تعالى إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاؤوا كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاؤوا فهو ممسكهما بقدرته ، ومنها أنه عبر بقوله " فحمي " تتميما للتمثيل الذي مثلت به عائشة أولا وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح ، فإن الضوء لا يشتد إلا مع قوة الحر ، وألحق ذلك بتتابع لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما وشمس الشريعة باقية على حالها لا يلحقها نقص . وتابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح ، وتابعه هلال بن رداد عن الزهري ، وقال يونس : ومعمر بوادره تابعه فعل ومفعول ، وعبد الله فاعله والضمير يرجع إلى يحيى بن بكير شيخ البخاري المذكور في أول الحديث المذكور آنفا ، وقوله " وأبو صالح " عطف على عبد الله بن يوسف وهو أيضا تابع يحيى بن بكير . والحاصل أن عبد الله بن يوسف وأبا صالحا تابعا يحيى بن بكير في الرواية عن الليث بن سعد ، فرواه عن الليث ثلاثة : يحيى بن بكير ، وعبد الله بن يوسف ، وأبو صالح . أما متابعة عبد الله بن يوسف ليحيى بن بكير في روايته عن الليث بن سعد فأخرجها البخاري في التفسير والأدب ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به ، والترمذي في التفسير عن عبد الله بن حميد عن عبد الرازق به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في التفسير أيضا عن محمود بن خالد عن عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي به ، وعن محمد بن رافع عن محمد بن المثنى عن الليث عن ابن شهاب به . وأما رواية أبي صالح عن الليث بهذا الحديث فأخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه عنه مقرونا بيحيى بن بكير ، قوله " وتابعه هلال بن رداد " أي تابع عقيل بن خالد هلال بن رداد عن محمد بن مسلم الزهري ، فإن قلت : كيف أعيد الضمير المنصوب في " وتابعه " إلى عقيل ، وربما يتوهم أنه عائد إلى أبي صالح أو إلى عبد الله بن يوسف لكونهما قريبين منه ، قلت : قوله " عند الزهري " هو الذي عين عود الضمير إلى عقيل ودفع التوهم المذكور لأن الذي روى عن الزهري في الحديث المذكور هو عقيل ، والحاصل أن هلال بن رداد روى الحديث المذكور عن الزهري كما رواه عقيل بن خالد عنه ، وحديثه في الزهريات للذهلي ، وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة . والفرق بين المتابعتين أن المتابعة الأولى أقوى لأنها متابعة تامة والمتابعة الثانية أدنى من الأولى لأنها متابعة ناقصة ، فإذا كان أحد الراويين رفيقا للآخر من أول الإسناد إلى آخره تسمى بالمتابعة التامة وإذا كان رفيقا له لا من الأول يسمى بالمتابعة الناقصة ، ثم النوعان ربما يسمى المتابع عليه فيهما وربما لا يسمى ، ففي المتابعة الأولى لم يسم المتابع عليه وهو الليث ، وفي الثانية يسمى المتابع عليه وهو الزهري ، فقد وقع في هذا الحديث المتابعة التامة والمتابعة الناقصة ولم يسم المتابع عليه في الأولى وسماه في الثانية على ما لا يخفى ، وقال النووي : ومما يحتاج إليه المعتني بصحيح البخاري . ( فائدة ننبه عليها ) وهي أنه تارة يقول : تابعه مالك عن أيوب ، وتارة يقول : تابعه مالك ولا يزيد ، فإذا قال : مالك عن أيوب ، فهذا ظاهر . وأما إذا اقتصر على تابعه مالك فلا يعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم ، وقال الكرماني : فعلى هذا لا يعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو عن غيره ، قلت : الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابع بكسر الباء فتجعله متابعا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحا لذلك ، ألا ترى كيف لم يسم البخاري المتابع عليه في المتابعة الأولى وسماه في الثانية ؟ فافهم . قوله " وقال يونس ومعمر : بوادره " مراده أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذه اللفظة ، فروى عقيل عن الزهري في الحديث " يرجف فؤاده " ، كما مضى وتابعه على هذه اللفظة هلال بن رداد ، وخالفه يونس ومعمر فروى عن الزهري : يرجف فؤاده . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري ، وقد ذكر . الثاني : أبو صالح ، قال أكثر الشراح : هو عبد الغفار بن داود بن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني ، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة وكانت أمه من أهلها فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة ، ثم رجع إلى مصر مع أبيه وسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما ، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش وبالجزيرة موسى بن أعين ، واستوطن مصر وحدث بها وكان يكره أن يقال له الحراني ، وإنما قيل له الحراني لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها ، وحران مدينة بالجزيرة من ديار بكر واليوم خراب ، سميت بحران بن آزر أخي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، روى عنه يحيى بن معين والبخاري ، وروى أبو داود عن رجل عنه ، وخرج له النسائي وابن ماجه ، ومات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين . وقال بعضهم : هذا وهم ، وإنما هو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث المصري ولم يتبين لي وجهه في الترجيح لأن البخاري روى عن كليهما . الثالث : هلال بن رداد براء ثم دالين مهملتين الأولى منهما مشددة ، وهو طائي حمصي أخرج البخاري هنا متابعة لعقيل ، وليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع ، ولم يخرج له باقي الكتب الستة ، روى عن الزهري وعنه ابنه أبو القاسم محمد ، قال الذهلي : كان كاتبا لهشام ولم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم في كتابه ، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ثم ولده محمدا إذ ليس له ذكر في الكتب الستة ، قال ابن أبي حاتم : هلال بن رداد مجهول ، ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا . الرابع : محمد بن مسلم الزهري ، وقد مر ذكره . الخامس : يونس بن يزيد بن مشكان بن أبي النجاد بكسر النون الأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف القرشي ، مولى معاوية بن أبي سفيان ، سمع خلقا من التابعين ؛ منهم : القاسم ، وعكرمة ، وسالم ، ونافع ، والزهري ، وغيرهم . وعنه الأعلام : جرير بن حازم وهو تابعي ، فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر ، والأوزاعي والليث ، وخلق . مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر ، روى له الجماعة ، وفي يونس ستة أوجه : ضم النون ، وكسرها ، وفتحها مع الهمزة ، وتركها ، والضم بلا همزة أفصح . السادس : أبو عروة معمر بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري وسمع خلقا من التابعين منهم عمرو بن دينار وأيوب وقتادة ، وعنه جماعة من التابعين ؛ منهم : عمرو بن دينار ، وأبو إسحاق السبيعي ، وأيوب ، ويحيى بن أبي كثير . وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر ، قال عبد الرزاق : سمعت منه عشرة آلاف حديث ، مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة عن ثمان وخمسين سنة ، وله أوهام كثيرة احتملت له ، قال أبو حاتم : صالح الحديث ، وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط ، وضعفه يحيى بن معين في رواية عن ثابت ومعمر بفتح الميمين وسكون العين ، وليس في الصحيحين معمر بن راشد غير هذا بل ليس فيهما من اسمه معمر غيره ، نعم في صحيح البخاري معمر بن يحيى بن سام الضبي ، وقيل : إنه بتشديد الميم روى له البخاري حديثا واحدا في الغسل ، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر ، وفي الرواة : معمر في الكتب الأربعة ستة ، وفيها معمر بالتشديد بخلف خمسة ، وفي غيرها خلق . معمر بن بكار شيخ لمطين في حديثه وهم ، ومعمر بن أبي سرح مجهول ، ومعمر بن الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر ، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه ، ومعمر بن زيد مجهول ، ومعمر بن أبي سرح مجهول ، ومعمر بن عبد الله عن شعبة لا يتابع على حديثه ، والله أعلم . ( فائدة ) أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة أربعة عشر : أبو صالح عبد الغفار ، أبو صالح عبد الله بن صالح . وقد ذكرناهما ، أبو صالح الأشعري الشامي ، أبو صالح الأشعري أيضا ، ويقال : الأنصاري ، أبو صالح الحارثي ، أبو صالح الحنفي ، اسمه عبد الرحمن بن قيس ، ويقال : إنه ماهان ، أبو صالح الحوري ، لا يعرف اسمه ، أبو صالح السمان ، اسمه ذكوان ، أبو صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن ، أبو صالح المكي محمد بن زنبور ، روى عن عيسى بن يونس ، أبو صالح مولى طلحة بن عبد الله القرشي التيمي ، أبو صالح مولى عثمان بن عفان ، أبو صالح مولى ضباعة اسمه مينا ، أبو صالح مولى أم هانئ اسمه باذان ، وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث ، وبعضهم عد الأخير صحابيا ، وله حديث رواه الحسن بن سفيان في مسنده ، وليس في الصحابة على تقدير صحته من يكنى بهذه الكنية غيره ، وأما في غير الكتب الستة فإنهم جماعة فوق العشرة بينهم الرامهرمزي في فاصله . قوله " بوادره " بفتح الباء الموحدة جمع بادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان ، وقال أبو عبيدة : تكون من الإنسان وغيره ، وقال الأصمعي : الفريصة اللحمة التي بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد من الدابة وجمعها فرائص . وقال ابن سيده في المخصص : البادرتان من الإنسان لحمتان فوق الرغثاوين وأسفل التندوة ، وقيل : هما جانبا الكركرة ، وقيل : هما عرقان يكتنفانها ، قال : والبادرة من الإنسان وغيره ، وقال الهجري في أماليه : ليست للشاة بادرة ومكانها مردغة للشاة ، وهما الأرتبان تحت صليفي العنق لا عظم فيهما ، وادعى الداودي أن البوادر والفؤاد واحد ، قلت : الرغثاوان بضم الراء وسكون الغين المعجمة بعدها ثاء مثلثة ، قال الليث : الرغثاوان مضيفتان بين التندوة والمنكب بجانبي الصدر ، وقال شهر : الرغثاء ما بين الإبط إلى أسفل الثدي مما يلي الإبط وكذلك قاله ابن الأعرابي ، قوله " مردغة " بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة والغين المعجمة ، وهي واحدة المرادغ ، قال أبو عمر : وهي ما بين العنق إلى الترقوة . قوله " صليفي العنق " بفتح الصاد المهملة وكسر اللام وبالفاء ، قال أبو زيد : الصليفان رأسا الفقرة التي تلي الرأس من شقيهما .
4 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبو عوانة ، قال : حدثنا موسى بن أبي عائشة ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما ، وقال سعيد : أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه ، فأنزل الله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال : جمعه له في صدرك وتقرأه ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال : فاستمع له وأنصت ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ثم إن علينا أن تقراه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه . المناسبة بين الحديثين ظاهرة لأن المذكور فيما مضى هو ذات بعض القرآن ، وهاهنا التعرض إلى بيان كيفية التلقين والتلقن ، وقدم ذلك لأن الصفات تابعة للذوات . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس البصري الحافظ الكبير المكثر الثبت الثقة التبوذكي بفتح التاء المثناة من فوق وضم الباء الموحدة ثم واو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة ، نسبة إلى تبوذك ، نسب إليه لأنه نزل دار قوم من أهل تبوذك ، قاله ابن أبي خيثمة . وقال أبو حاتم : لأنه اشترى دارا بتبوذك ، وقال السمعاني : نسبة إلى بيع السماد بفتح السين المهملة وهو السرجين يوضع في الأرض ليجود نباته ، وقال ابن ناصر : نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة ، توفي في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة ، روى عنه يحيى بن معين والبخاري وأبو داود وغيرهم من الأعلام ، وروى له مسلم والترمذي عن رجل عنه ، والذي رواه مسلم حديث واحد حديث أم زرع ، رواه عن الحسن الحلواني عنه ، قال الداودي : كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث . الثاني : أبو عوانة بفتح العين المهملة والنون ، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري بضم الكاف ، ويقال : الكندي الواسطي مولى يزيد بن عطاء البزار الواسطي ، وقيل : مولى عطاء بن عبد الله الواسطي ، كان من سبي جرجان ، رأى الحسن وابن سيرين وسمع من محمد بن المنكدر حديثا واحدا ، وسمع خلقا بعدهم من التابعين وأتباعهم ، وروى عنه الأعلام ، منهم : شعبة ، ووكيع ، وابن مهدي . قال عفان : كان صحيح الكتاب ثبتا ، وقال ابن أبي حاتم : كتبه صحيحة ، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ، مات سنة ست وسبعين ومائة ، وقيل : سنة خمس وسبعين . الثالث : موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني بالميم الساكنة والدال المهملة ، مولى آل جعدة بفتح الجيم ابن أبي هبيرة بضم الهاء ، روى عن كثير من التابعين ، وعنه الأعلام : الثوري وغيره ، ووثقه السفيانان ، ويحيى ، والبخاري ، وابن حبان ، وأبو عائشة لا يعرف اسمه . الرابع : سعيد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ابن هشام الكوفي الأسدي الوالبي بكسر اللام وبالباء الموحدة ، منسوب إلى بني والبة بالولاء ، ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان بدالين مهملتين وضم الأولى ، ابن أسد بن خزيمة ، إمام مجمع عليه بالجلالة والعلو في العلم والعظم في العبادة ، قتله الحجاج صبرا في شعبان سنة خمس وتسعين ، ولم يعش الحجاج بعده إلا أياما ولم يقتل أحدا بعده ، سمع خلقا من الصحابة منهم العبادلة غير عبد الله بن عمرو ، وعنه خلق من التابعين منهم الزهري ، وكان يقال له : جهبذ العلماء . الخامس : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين ، كان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه وترجمان القرآن ، وهو واحد الخلفاء وأحد العبادلة الأربعة ، وهم : عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمرو بن العاص . وقول الجوهري في الصحاح بدل ابن العاص ابن مسعود مردود عليه لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين كالإمام أحمد وغيره ، وقال أحمد : ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو هريرة ، وابن عباس ، وابن عمرو ، وعائشة ، وجابر بن عبد الله ، وأنس رضي الله تعالى عنهم ، وأبو هريرة أكثرهم حديثا . روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف حديث وستمائة وستين حديثا ، اتفقا منها على خمسة وتسعين حديثا ، وانفرد البخاري بمائة وعشرين ومسلم بتسعة وأربعين ، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وقال أحمد : خمس عشرة سنة ، والأول هو المشهور ، مات بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح في أيام ابن الزبير ، وصلى عليه محمد بن الحنفية ، وقد عمي في آخر عمره رضي الله تعالى عنه ( بيان لطائف إسناده ) منها أنه كله على شرط الستة ، ومنها أن رواته ما بين مكي وكوفي وبصري ووسطي ومنها أنهم كلهم من الأفراد لا أعلم من شاركهم في اسمهم مع اسم أبيهم ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي ، وهما : موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير . ( بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن موسى بن إسماعيل وأبي عوانة ، وفي التفسير وفضائل القرآن : عن قتيبة ، عن جرير ، كلهم عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير . وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم ، وقتيبة . وغيرهما عن جرير وعن قتيبة عن أبي عوانة ، كلاهما عن موسى بن أبي عائشة به ، ولمسلم : فإذا ذهب قرأه كما وعد الله ، وللبخاري في التفسير ، ووصف سفيان يريد أن يحفظه ، وفي أخرى : يخشى أن ينفلت منه ، ولمسلم في الصلاة لتعجل به أخذه إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرأه ، فإذا أقرأناه فاتبع قرآنه ، قال : أنزلناه فاستمع له ، إن علينا أن نبينه بلسانك. رواه الترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن موسى ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يريد أن يحفظه ، فأنزل الله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قال : فكان يحرك به شفتيه ، وحرك سفيان شفتيه ، ثم قال : حديث حسن صحيح . ( بيان اللغات ) قوله يعالج أي يحاول من تنزيل القرآن عليه شدة ، ومنه ما جاء في حديث آخر ولي حره وعلاجه أي عمله وتعبه ، ومنه قوله من كسبه وعلاجه أي من محاولته وملاطفته في اكتسابه ، ومنه معالجة المريض وهي ملاطفته بالدواء حتى يقبل عليه ، والمعالجة الملاطفة في المراودة بالقول والفعل ، ويقال : محاولة الشيء بمشقة . قوله فأنزل الله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ أي بالقرآن ، وقال الزمخشري رحمه الله : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلت منه ، فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه ، والمعنى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ بقراءة الوحي ما دام جبريل عليه السلام يقرأ لتعجل به لتأخذ به على عجلة ولئلا يتفلت منه ، ثم علل النهي عن العجلة بقوله إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ في صدرك وإثبات قراءته في لسانك ، قال الزمخشري : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ جعل قراءة جبريل قراءته والقرآن القراءة ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فكن معقبا له فيه ولا تراسله وطأ من نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان تحفيظه ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ إذا أشكل عليك شيء من معانيه كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه ، وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ قوله قال أي ابن عباس في تفسير ، جمعه أي جمع الله لك في صدرك ، وقال في تفسير وقرآنه أي تقرأه يعني المراد بالقرآن القراءة لا الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه ، أي أنه مصدر لا علم للكتاب ، قوله فاستمع هو تفسير فاتبع يعني قراءتك لا تكون مع قراءته بل تابعة لها متأخرة عنها ، فتكون أنت في حال قراءته ساكتا ، والفرق بين السماع والاستماع أنه لا بد في باب الافتعال من التصرف والسعي في ذلك الفعل ، ولهذا ورد في القرآن : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ بلفظ الاكتساب في الشر لأنه لا بد فيه من السعي بخلاف الخير ، فالمستمع هو المصغي القاصد للسماع . وقال الكرماني عقيب هذا الكلام : وقال الفقهاء : تسن سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع ، قلت : هذا لا يمشي على مذهب الحنفية فإن قصد السماع ليس بشرط في وجوب السجدة مع أن هذا يخالف ما جاء في الحديث السجدة على من تلاها وعلى من سمعها ، قوله وأنصت همزته همزة القطع ، قال تعالى : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وفيه لغتان : أنصت بكسر الهمزة وفتحها ، فالأولى من نصت ينصت نصتا ، والثانية من أنصت ينصت إنصاتا إذا سكت واستمع للحديث ، يقال : أنصتوه وأنصتوا له ، وأنصت فلان فلانا إذا أسكته وانتصت سكت ، وذكر الأزهري في نصت وأنصت وانتصت الكل بمعنى واحد . قوله ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ فسره بقوله ثم إن علينا أن تقرأ ، وفي مسلم أن تبينه بلسانك ، وقيل : بحفظك إياه ، وقيل : بيان ما وقع فيه من حلال وحرام حكاه القاضي . قوله جبريل عليه السلام هو ملك الوحي إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدمادم ، ومعناه عبد الله بالسريانية لأن جبر عبد بالسريانية ، وإيل اسم من أسماء الله تعالى . وروى عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة أن اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل عبيد الله ، وقال السهيلي : جبريل سرياني ومعناه عبد الرحمن أو عبد العزيز كما جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا ، والموقوف أصح ، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة ، فأيل هو العبد وأوله اسم من أسماء الله تعالى ، والجبر عند العجم هو إصلاح ما فسد وهي توافق معناه من جهة العربية ، فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهى من الدين ، ولم يكن هذا الاسم معروفا بمكة ولا بأرض العرب ، ولهذا أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكره لخديجة رضي الله عنها انطلقت لتسأل من عنده علم من الكتاب كعداس ونسطور الراهب ، فقالا : قدوس قدوس ، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد ؟ ورأيت في أثناء مطالعتي في الكتب أن اسم جبريل عليه الصلاة والسلام عبد الجليل وكنيته أبو الفتوح ، واسم ميكائيل عبد الرزاق وكنيته أبو الغنائم ، واسم إسرافيل عبد الخالق وكنيته أبو المنافخ ، واسم عزرائيل عبد الجبار وكنيته أبو يحيى . وقال الزمخشري : قرئ جبرئيل فعليل ، وجبرئل بحذف الياء ، وجبريل بحذف الهمزة ، وجبريل بوزن قنديل ، وجبرال بلام مشددة ، وجبرائيل بوزن جبراعيل ، وجبرايل بوزن جبراعل ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة . قلت : هذه سبع لغات ، وذكر فيه ابن الأنباري تسع لغات منها سبعة هذه ، والثامنة : جبرين بفتح الجيم وبالنون بدل اللام ، والتاسعة جبرين بكسر الجيم وبالنون أيضا ، وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزا والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز . ( بيان الإعراب ) قوله يعالج في محل النصب لأنه خبر كان ، قوله شدة بالنصب مفعول يعالج ، وقال الكرماني : يجوز أن يكون مفعولا مطلقا له أي يعالج معالجة شديدة . قلت : فعلى هذا يحتاج إلى شيئين أحدهما تقدير المفعول به ليعالج ، والثاني : تأويل الشدة بالشديدة وتقدير الموصوف لها فافهم . قوله وكان مما يحرك شفتيه اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره ، فقال القاضي : معناه كثيرا ما كان يفعل ذلك ، قال : وقيل : معناه هذا من شأنه ودأبه فجعل ما كناية عن ذلك ، ومثله قوله في كتاب الرؤيا كان مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا أي هذا من شأنه وأدغم النون في ميم ما ، وقال بعضهم : معناه ربما لأن من إذا وقع بعدها ما كانت بمعنى ربما . قاله الشيرازي ، وابن خروف ، وابن طاهر ، والأعلم . وأخرجوا عليه قول سيبويه : واعلم أنهم مما يحذفون كذا وأنشدوا قول الشاعر : وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على رأسه نلقي اللسان من الفم وقال الكرماني : أي كان العلاج ناشئا من تحريك الشفتين ، أي مبدأ العلاج منه أو بمعنى من إذ قد تجيء للعقلاء أيضا ، أي وكان ممن يحرك شفتيه ، وقال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك ، قلت : في نظره نظر لأن الشدة وإن كانت حاصلة له قبل التحريك ولكنها ما ظهرت إلا بتحريك الشفتين لأن هذا أمر مبطن ولم يقف عليه الراوي إلا بالتحريك ، ثم استصوب ما نقل من هؤلاء من المعنى المذكور ، ومع هذا فيه خدش لأن من في البيت وفي كلام سيبويه ابتدائية وما فيهما مصدرية وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف ؛ مثل خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ثم الضمير في كان على قولهم : يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وعلى تأويل الكرماني يرجع إلى العلاج الذي يدل عليه قوله يعالج ، والأصوب أن يكون الضمير للرسول . ويجوز هنا تأويلان آخران أحدهما أن تكون كلمة من للتعليل وما مصدرية وفيه حذف ، والتقدير : وكان يعالج أيضا من أجل تحريك شفتيه ولسانه كما جاء في رواية أخرى للبخاري في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة لفظة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي ، فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ، وتحريك اللسان مع الشفتين مع طول القراءة لا يخلو عن معالجة الشدة . والآخر : أن يكون كان بمعنى وجد بمعنى ظهر وفيه ضمير يرجع إلى العلاج ، والتقدير : وظهر علاجه الشدة من تحريك شفتيه . قوله فأنزل الله عطف على قوله كان يعالج . قوله قال أي ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير جمعه أي جمع الله لك في صدرك ، وقال في تفسير : وقرآنه ، أي تقرأه يعني المراد من القرآن القراءة كما ذكرناه عن قريب ، وفي أكثر الروايات : جمعه لك صدرك ، وفي رواية كريمة والحموي : جمعه لك في صدرك . قال القاضي : رواه الأصيلي بسكون الميم مع ضم العين ورفع الراء من صدرك ، ولأبي ذر : جمعه لك في صدرك ، وعند النسفي : جمعه لك صدرك ، فإن قلت : إذا رفع الصدر بالجمع ما وجهه ؟ قلت : يكون مجاز الملابسة الظرفية إذ الصدر ظرف الجمع فيكون مثل أنبت الربيع البقل ، فالتقدير جمع الله في صدرك . ( بيان المعاني ) قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظة كان في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار ، وأعاده في قوله وكان مما يحرك مع تقدمه في قوله كان يعالج ، وهو جائز إذا طال الكلام كما في قوله تعالى : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا الآية وغيرها . قوله فأنا أحركهما لك ، وفي بعض النسخ لكم ، وتقديم فاعل الفعل يشعر بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة ، قوله فقال ابن عباس رضي الله عنه إلى قوله فأنزل الله جملة معترضة بالفاء ، وذلك جائز كما قال الشاعر : واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا فإن قلت : ما فائدة الاعتراض ؟ قلت : زيادة البيان بالوصف على القول ، فإن قلت : كيف قال في الأول كان يحركهما وفي الثاني بلفظ رأيت ؟ قلت : العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم سمع أنه حركهما ، كذا قال الكرماني ولا حاجة إلى ذلك لأن ابن عباس رضي الله عنهما لم ير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الحالة لأن سورة القيامة مكية باتفاق ، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، والظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر ، ولكن يجوز أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أخبره بذلك بعد أو أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا خلاف ، ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفة لكن لم يتصل بسلسلة ، وقل في المسلسل الصحيح ، وقال الكرماني : فإن قلت : القرآن يدل على تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانه لا شفتيه فلا تطابق بين الوارد والمورود فيه ، قلت : التطابق حاصل لأن التحريكين متلازمان غالبا أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين فيصدق كل منهما ، وتبعه بعض الشراح على هذا ، وهذا تكلف وتعسف بل إنما هو من باب الاكتفاء والتقدير في التفسير من طريق جرير ، فكان مما يحرك شفتيه ولسانه كما في قوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي : والبرد . ويدل عليه رواية البخاري في التفسير من طريق جرير : فكان مما يحرك لسانه وشفتيه ، والملازمة بين التحريكين ممنوعة على ما لا يخفى ، وتحريك الفم مستبعد بل مستحيل لأن الفم اسم لما يشتمل عليه الشفتان ، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشفتين ولا على اللسان لا لغة ولا عرفا فافهم . قوله كما كان قرأ ، وفي بعض النسخ : كما كان قرأه بضمير المفعول ، أي كما كان قرأ القرآن ، وفي بعضها : كما قرأ بدون لفظة كان . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل ما كان سبب معالجة الشدة ، وأجيب بأنه ما كان يلاقيه من الكد العظيم ومن هيبة الوحي الكريم ، قال تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ومنها ما قيل ما كان سبب تحريك لسانه وشفتيه ، وأجيب بأنه كان يفعل ذلك لئلا ينسى ، وقال تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى وقال الشعبي : إنما كان ذلك من حبه له وحلاوته في لسانه ، فنهي عن ذلك حتى يجتمع لأن بعضه مرتبط ببعضه ، ومنها ما قيل : ما فائدة المسلسل من الأحاديث ؟ وأجيب بأن فائدته اشتماله على زيادة الضبط واتصال السماع وعدم التدليس ، ومثله حديث المصافحة ونحوها . ( استنباط الأحكام ) منه الاستحباب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول ومنه أن أحدا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله تعالى ومنه وفضله ، قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ومنه : فيه دلالة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة ، وذلك لأن ثم تدل على التراخي ، كذا قاله الكرماني ، قلت : تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عند الكل إلا عند من جوز تكليف ما لا يطاق ، وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه ، فذهب الأكثرون إلى جوازه واختاره ابن الحاجب . وقال الصيرفي والحنابلة : ممتنع ، وقال الكرخي بالتفصيل ، وهو أن تأخيره عن وقت الخطاب ممتنع في غير المجمل ؛ كبيان التخصيص والتقييد والنسخ إلى غير ذلك ، وجائز في المجمل كالمشترك ، وقال الجبائي : تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير النسخ ، وجائز في النسخ .
5 - حدثنا عبدان ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا يونس ، عن الزهري ، ح وحدثنا بشر بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا يونس ومعمر ، عن الزهري نحوه ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة . وجه مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب هو أن فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان ، فكان جبريل عليه السلام يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه ، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها وعن زوجها وصلى الله على أبيها ، وكان هذا من أحكام الوحي والباب في الوحي . ( بيان رجاله ) وهم ثمانية ، تقدم منهم ابن عباس والزهري ومعمر ويونس ، فبقيت أربعة : الأول عبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالدال المهملة وهو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون ، وقيل : أيمن العتكي بالعين المهملة المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق أبو عبد الرحمن المروزي مولى المهلب بفتح اللام المشددة ابن أبي صفرة بضم الصاد المهملة ، سمع مالكا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام ، روى عنه الذهلي والبخاري وغيرهما ، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه ، مات سنة إحدى أو اثنين وعشرين أو عشرين ومائتين عن ست وسبعين سنة ، وعبدان لقب جماعة أكبرهم هذا ، وعبدان أيضا ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد . وقال ابن طاهر : إنما قيل له ذلك لأن كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله ، فاجتمع من اسمه وكنيته عبدان ، وقال بعض الشارحين : وهذا لا يصح بل ذاك من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذلك كما قالوا في علي علان ، وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره حمدان ، وفي وهب بن بقية الواسطي وهبان ، قلت : الذي قاله ابن طاهر هو الأوجه لأن عبدان تثنية عبد ، ولما كان أول اسمه عبد وأول كنيته عبد ، قيل : عبدان . الثاني : عبد الله هو ابن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم المروزي الإمام المتفق على جلالته وإمامته وورعه وسخائه وعبادته ، الثقة الحجة الثبت ، وهو من تابعي التابعين ، وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان وأمه خوارزمية ، ولد سنة ثمان عشرة ومائة ، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين بهيت في العراق منصرفا من الغزو ، وهيت بكسر الهاء وفي آخره تاء مثناة من فوق مدينة على شاطئ الفرات ، سميت بذلك لأنها في هوة ، وعبد الله بن المبارك هذا من أفراد الكتب الستة ليس فيها من يسمى بهذا الاسم ، نعم في الرواة غيره خمسة ، أحدهم بغدادي حدث عن همام ، الثاني خراساني وليس بالمعروف ، الثالث شيخ روى عنه الأثرم ، الرابع جوهري روى عن أبي الوليد الطيالسي ، الخامس بزار روى عنه سهل البخاري . الثالث : بشر بكسر الباء الموحدة والشين المعجمة الساكنة ابن محمد أبو محمد المروزي السختياني روى عنه البخاري منفردا به عن باقي الكتب الستة هنا ، وفي التوحيد وفي الصلاة وغيرها ذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال : كان مرجئا مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، الرابع : عبيد الله بلفظ التصغير في عبد بن عبد الله بن عتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة ابن مسعود بن غافل بالغين المعجمة ابن حبيب بن شمخ بن فار بالفاء وتخفيف الراء بن مخزوم بن طاهلة بن كاهل بكسر الهاء بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي المدني الإمام الجليل التابعي ، أحد الفقهاء السبعة ، سمع خلقا من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ، وعنه جمع من التابعين ، وهو معلم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وكان قد ذهب بصره ، توفي سنة تسع أو ثمان أو خمس أو أربع وتسعين . ( بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في خمسة مواضع هنا كما ترى ، وفي صفة النبي عليه الصلاة والسلام عن عبدان أيضا ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، وفي الصوم عن موسى بن إبراهيم ، وفي فضائل القرآن عن يحيى بن قزعة ، عن إبراهيم ، وفي بدأ الخلق عن ابن مقاتل عن عبد الله عن يونس عن الزهري ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن أربعة عن منصور بن أبي مزاحم وأبي عمران محمد بن جعفر عن إبراهيم ، وعن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس ، وعن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر ، ثلاثتهم عن الزهري به . ( بيان لطائف إسناده ) منها أنه اجتمع فيه عدة مراوزة ابن المبارك وراوياه ، ومنها أن البخاري حدث الحديث هذا عن الشيخين عبدان وبشر ، كليهما عن عبد الله بن المبارك ، والشيخ الأول ذكر لعبد الله شيخا واحدا وهو يونس ، والثاني ذكر له الشيخين يونس ومعمرا أشار إليه بقوله ومعمر نحوه أي نحو حديث يونس نحوه باللفظ ، وعن معمر بالمعنى ، ولأجل هذا زاد فيه لفظ نحوه . ومنها زيادة الواو في قوله وحدثنا بشر ، وهذا يسمى واو التحويل من إسناد إلى آخر ويعبر عنها غالبا بصورة ح مهملة مفردة ، وهكذا وقع في بعض النسخ . وقال النووي : وهذه الحاء كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري ، انتهى . وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ذلك مسمى ح ، أي حرف الحاء ، فقيل : إنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد وإنه يقول القارئ إذا انتهى إليها حاء مقصورة ، ويستمر في قراءة ما بعده ، وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الإسناد الأول فيجعلا إسنادا واحدا ، وقيل : إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالة بين الإسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء ، وقيل : إنها رمز إلى قوله الحديث ، فأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها الحديث ، وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح ، فيشعر بأنها رمز صح ، لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول . ( بيان اللغات ) قوله أجود الناس هو أفعل التفضيل من الجود وهو العطاء أي أعطى ما ينبغي لمن ينبغي ومعناه هو أسخى الناس لما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال وشكله أملح الأشكال وخلقه أحسن الأخلاق ، فلا شك بكونه أجود ، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات ؟ قوله في رمضان أي شهر رمضان ، قال الزمخشري : الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء ، فأضيف إليه الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للتعريف والألف والنون ، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته . قوله فيدارسه من المدارسة من باب المفاعلة من الدرس وهو القراءة على سرعة وقدرة عليه من درست الكتاب أدرسه وأدرسه ، وقرأ أبو حيوة : وبما كنتم تدرسون . مثال تجلسون درسا ودراسة ، قال الله تعالى وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وأدرس الكتاب قرأه مثل درسه ، وقرأ أبو حيوة : وبما كنتم تدرسون . من الإدراس ، ودرس الكتب تدريسا شدد للمبالغة ، ومنه مدرس المدرسة والمدارسة المقارأة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : وليقولوا دارست ، أي قرأت على اليهود وقرؤوا عليك ، وهاهنا لما كان النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل عليه السلام يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلا هذا عشرا والآخر عشرا أتى بلفظة المدارسة أو أنهما كانا يتشاركان في القراءة أي يقرآن معا ، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين نحو ضاربت زيدا وخاصمت عمرا . قوله الريح المرسلة بفتح السين أي المبعوثة لنفع الناس هذا إذا جعلنا اللام في الريح للجنس وأن جعلناها للعهد يكون المعنى من الريح المرسلة للرحمة ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وقال تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا أي الرياح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير . ( بيان الإعراب ) قوله أجود الناس كلام إضافي منصوب لأنه خبر كان ، قوله وكان أجود ما يكون يجوز في أجود الرفع والنصب ، أما الرفع فهو أكثر الروايات ووجهه أن يكون اسم كان وخبره محذوف حذفا واجبا لأنه نحو قولك أخطب ما يكون الأمير قائما ، ولفظة ما مصدرية أي أجود أكوان الرسول ، وقوله في رمضان في محل النصب على الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل أو واقع ، وقوله حين يلقاه حال من الضمير الذي في حاصل المقدر فهو حال عن حال ومثلهما يسمى بالحالين المتداخلتين ، والتقدير : كان أجود أكوانه حاصلا في رمضان حال الملاقاة ، ووجه آخر أن يكون في كان ضمير الشأن وأجود ما يكون أيضا كلام إضافي مبتدأ وخبره في رمضان ، والتقدير : كان الشأن أجود أكوان رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أي حاصل في رمضان عند الملاقاة ، ووجه آخر أن يكون الوقت فيه مقدرا كما في مقدم الحاج ، والتقدير كان أجود أوقات كونه وقت كونه في رمضان ، وإسناد الجود إلى أوقاته عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار في نحو نهاره صائم ، وأما النصب فهو رواية الأصيلي ووجهه أن يكون خبر كان ، واعترض عليه بأنه يلزم من ذلك أن يكون خبرها هو اسمها وأجاب بعضهم عن ذلك بأن يجعل اسم كان ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وأجود خبرها ، والتقدير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره ، قلت : هذا لا يصح لأن كان إذا كان فيه ضمير النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يكون أجود خبرا لكان لأنه مضاف إلى الكون ولا يخبر بكون عما ليس بكون فيجب أن يجعل مبتدأ وخبره في رمضان والجملة خبر كان وإن استتر فيه ضمير الشأن فظاهر فافهم ، وقال النووي : الرفع أشهر ويجوز فيه النصب ، قلت : من جملة مؤكدات الرفع وروده بدون كان في صحيح البخاري في باب الصوم . قوله وكان يلقاه ، قال الكرماني : يحتمل كون الضمير المرفوع لجبريل عليه السلام والمنصوب للرسول وبالعكس ، قلت : الراجح أن يكون الضمير المرفوع لجبريل عليه السلام بقرينة قوله حين يلقاه جبريل ، قوله فيدارسه عطف على قوله يلقاه ، وقوله القرآن بالنصب لأنه المفعول الثاني للمدارسة إذ الفعل المتعدي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعديا إلى اثنين نحو جاذبته الثوب ، قوله فلرسول الله صلى الله عليه وسلم مبتدأ ، وخبره قوله أجود واللام فيه مفتوحة لأنه لام الابتداء زيد على المبتدأ للتأكيد . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل أن هاهنا أربع جمل ، فما الجهة الجامعة بينها ، وأجيب بأن المناسبة بين الجمل الثلاث وهي قوله كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان و فلرسول الله إلخ ظاهرة لأنه أشار بالجملة الأولى إلى أنه صلى الله عليه وسلم أجود الناس مطلقا ، وأشار بالثانية إلى أن جوده في رمضان يفضل على جوده في سائر أوقاته وأشار بالثالثة إلى أن جوده في عموم النفع والإسراع فيه كالريح المرسلة ، وشبه عمومه وسرعة وصوله إلى الناس بالريح المنتشرة ، وشتان ما بين الأمرين فإن أحدهما يحيي القلب بعد موته والآخر يحيي الأرض بعد موتها ، وأما المناسبة بين الجملة الرابعة وهي قوله وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن وبين الجملة الباقية فهي أن جوده الذي في رمضان الذي فضل على جوده في غيره إنما كان بأمرين أحدهما بكونه في رمضان ، والآخر بملاقاته جبريل عليه الصلاة والسلام ومدارسته معه القرآن . ولما كان ابن عباس رضي الله عنهما في صدد بيان أقسام جوده على سبيل تفضيل بعضه على بعض ، أشار فيه إلى بيان السبب الموجب لا على جوده وهو كونه في رمضان وملاقاته جبريل ، فإن قلت : ما وجه كون هذين الأمرين سببا موجبا لأعلى جوده ؟ قلت : أما رمضان فإنه شهر عظيم وفيه الصوم وفيه ليلة القدر وهو من أشرف العبادات ، فلذلك قال : الصوم لي وأنا أجزي به فلا جرم يتضاعف ثواب الصدقة والخير فيه وكذلك العبادات . وعن هذا قال الزهري : تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره ، وقد جاء في الحديث : إنه يعتق فيه كل ليلة ألف ألف عتيق من النار ، وأما ملاقاة جبريل عليه السلام فإن فيها زيادة ترقيه في المقامات وزيادة اطلاعه على علوم الله سبحانه وتعالى ولا سيما عند مدارسته القرآن معه مع نزوله إليه في كل ليلة ولم ينزل إلى غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما نزل إليه ، فهذا كله من الفيض الإلهي الذي فتح لي في هذا المقام الذي لم يفتح لغيري من الشراح ، فلله الحمد والمنة ومنها ما قيل : ما الحكمة في مدارسته القرآن في رمضان ؟ وأجيب بأنها كانت لتجديد العهد واليقين . وقال الكرماني : وفائدة درس جبريل عليه الصلاة والسلام تعليم الرسول بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها ، وليكون سنة في هذه الأمة كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم وأما تخصيصه رمضان فلكونه موسم الخيرات لأن نعم الله تعالى على عباده فيه زائدة على غيره ، وقيل : الحكمة في المدارسة أن الله تعالى ضمن لنبيه أن لا ينساه فأقره بها وخص بذلك رمضان لأن الله تعالى أنزل القرآن فيه إلى سماء الدنيا جملة من اللوح المحفوظ ، ثم نزل بعد ذلك على حسب الأسباب في عشرين سنة ، وقيل : نزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة منه والتوراة لست والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين . ومنها ما قيل : المفهوم منه أن جبريل عليه الصلاة والسلام كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان ، وهذا يعارضه ما روي في صحيح مسلم في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ ، وأجيب بأن المحفوظ في مسلم أيضا مثل ما في البخاري ، ولئن سلمنا صحة الرواية المذكورة فلا تعارض لأن معناه بمعنى الأول لأن قوله حتى ينسلخ بمعنى كل ليلة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها : الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منها في رمضان وعند الاجتماع بالصالحين . ومنها : زيارة الصلحاء وأهل الفضل ومجالستهم ، وتكرير زيارتهم ومواصلتها إذا كان المزور لا يكره ذلك . ومنها : استحباب استكثار القراءة في رمضان . ومنها : استحباب مدارسة القرآن وغيره من العلوم الشرعية . ومنها : أنه لا بأس بأن يقال : رمضان ، من غير ذكر شهر على الصحيح على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى . ومنها : أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلاه دائما أو في أوقات مع تكرر اجتماعهما ، فإن قلت : المقصود تجويد الحفظ ، قلت : إن الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس .
6 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشأم في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بترجمانه ، فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا ، فقال : أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبني فكذبوه ، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه ، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب ، قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت : لا ، قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا ، قال : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقلت : بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا ، قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها ، قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة ، قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ، فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، وسألتك : هل قال أحد منكم هذا القول ؟ فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله ، وسألتك : هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا ، قلت : فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه ، وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ، وسألتك : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل ، وسألتك : أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك : أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ، وسألتك : هل يغدر ؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك : بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل فقرأه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام : أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ قال أبو سفيان : فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أخرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، إنه يخافه ملك بني الأصفر ، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام ، وكان ابن الناظور صاحب إيلياء وهرقل سقفا على نصارى الشأم يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك ، قال ابن الناظور : وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود ، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استخبره هرقل قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن ، وسأله عن العرب فقال : هم يختتنون ، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم ، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان ، قال : ردوهم علي ، وقال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت ، فسجدوا له ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . وجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو أنه مشتمل على ذكر جمل من أوصاف من يوحى إليهم ، والباب في كيفية بدء الوحي ، وأيضا فإن قصة هرقل متضمنة كيفية حال النبي عليه الصلاة والسلام في ابتداء الأمر ، وأيضا فإن الآية المكتوبة إلى هرقل والآية التي صدر بها الباب مشتملتان على أن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بإقامة الدين وإعلان كلمة التوحيد ، يظهر ذلك بالتأمل . ( بيان رجاله ) وهم ستة ، وقد ذكر الزهري وعبيد الله بن عبد الله وابن عباس وبقيت ثلاثة ، الأول : أبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم واسمه الحكم بفتح الحاء المهملة والكاف ابن نافع بالنون والفاء الحمصي البهراني مولى امرأة من بهراء بفتح الباء الموحدة وبالمد يقال لها أم سلمة ، روى عن خلق منهم إسماعيل بن عياش ، وعنه خلائق منهم : أحمد ، ويحيى بن معين ، وأبو حاتم ، والذهلي ، ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة ، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين . وليس في الكتب الستة من اسمه الحكم بن نافع غير هذا ، وفي الرواة : الحكم بن نافع آخر روى عنه الطبراني وهو قاضي القلزم . والثاني : شعيب بن أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي دينار القرشي الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي ، سمع خلقا من التابعين منهم الزهري ، وعنه خلق وهو ثقة حافظ متقن ، مات سنة اثنتين ، وقيل : ثلاث وستين ومائة ، وقد جاوز السبعين ، وهذا الاسم مع أبيه من أفراد الكتب الستة ليس فيها سواه . والثالث : أبو سفيان ، واسمه صخر بالمهملة ثم بالمعجمة ابن حرب بالمهملة والراء وبالباء الموحدة ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي ، ويكنى بأبي حنظلة أيضا ، ولد قبل الفيل بعشر وأسلم ليلة الفتح وشهد الطائف وحنينا ، وأعطاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية ، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد ، فنزل بالمدينة ومات بها سنة إحدى وثلاثين ، وقيل : سنة أربع وهو ابن ثمان وثمانين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وهو والد معاوية وأخته صفية بنت حزن بن بحير بن الهدم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ، روى عنه ابن عباس وابنه معاوية وأبو سفيان في الصحابة جماعة ، لكن أبو سفيان بن حرب من الأفراد . ( بيان الأسماء الواقعة فيه ) منهم هرقل بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور ، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف كخندف ، منهم الجوهري ، ولم يذكر القزاز غيره ، وكذا صاحب المرغب ، ولما أنشد صاحب المحكم بيت لبيد بن ربيعة : غلب الليالي خلف آل محرق وكما فعلن بتبع وبهرقل بكسر الهاء وسكون الراء ، قال : أراد هرقلا بفتح الراء فاضطر فغير ، والهرقل المنخل ، ودل هذا أن تسكين الراء ضرورة ليست بلغة ، وجاء في الشعر أيضا على المشهور : كدينار الهرقلي أصفرا واحتج بعضهم في تسكين الراء بما أنشده أبو الفرج لدعبل بن علي الخزاعي في ابن عباد وزير المأمون : أولى الأمور بضيعة وفساد أمر يدبره أبو عباد وكأنه من دير هرقل مفلت فرد يجر سلاسل الأقياد قلت : لا يحتج بدعبل في مثل هذا ، ولئن سلمنا يكون هذا أيضا للضرورة ، وزعم الجواليقي أنه عجمي تكلمت به العرب ، وهو اسم علم له غير منصرف للعلمية والعجمة ، ملك إحدى وثلاثين سنة ، ففي ملكه مات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقبه قيصر ، كما أن كل من ملك الفرس ، يقال له : كسرى ، والترك ، يقال له : خاقان ، والحبشة : النجاشي ، والقبط : فرعون ، ومصر : العزيز ، وحمير : تبع ، والهند : دهمى ، والصين : فغفور ، والزنج : غانة ، واليونان : بطلميوس ، واليهود : قيطون أو ماتح ، والبربر : جالوت ، والصابئة : نمرود ، واليمن : تبعا ، وفرعانة : إخشيد ، والعرب من قبل العجم : النعمان ، وأفريقية : جرجير ، وخلاط : شهرمان ، والسندفور والحزز : رتبيل ، والنوبة : كابل ، والصقالبة : ماجدا ، والأرمن : تقفور ، والأجات : خدواند كار وأشروشنه أفشين ، وخوارزم : خوارزم شاه ، وجرجان : صول ، وآذربيجان : أصبهيذ ، وطبرستان : سالار ، وإقليم خلاط : شهرمان ، ونيابة ملك الروم : مشق ، وإسكندرية : ملك مقوقس . وهرقل أول من ضرب الدينار وأحدث البيعة ، فإن قلت : ما معنى الحديث الصحيح : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ؟ قلت : معناه لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ، قاله الشافعي في المختصر ، وسبب الحديث أن قريشا كانت تأتي الشام والعراق كثيرا للتجارة في الجاهلية ، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا قيصر ولا كسرى أي بعدهما في هذين الإقليمين ولا ضرر عليكم ، فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ولا يكون . ومعنى قيصر النبقير والقاف على لغتهم غير صافية ، وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت فبقر بطنها عنه فخرج حيا ، وكان يفخر بذلك لأنه لم يخرج من فرج ، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع لأن أحشاء أمه قطعت حتى أخرج منها ، وكان شجاعا جبارا مقداما في الحروب ، ومنهم دحية بفتح الدال وكسرها ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بخاء مفتوحة معجمة ثم زاي ساكنة ثم جيم وهو العظيم ، واسمه زيد مناة سمي بذلك لعظم بطنه ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف وهو زيد اللات ، وقيل : ابن عامر الأكبر بن بكر بن زيد اللات ، وهو ما ساقه المزي أولا ، قال : وقيل : عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عبد زيد اللات بن رفيدة بضم الراء وفتح الفاء بن ثور بن كلب بن وبرة بفتح الباء ابن تغلب بالغين المعجمة بن حلوان بن عمران بن الحاف بالحاء المهملة والفاء ابن قضاعة بن معد بن عدنان ، وقيل : قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبأ ، كان من أجل الصحابة وجها ومن كبارهم ، وكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأتي النبي عليه الصلاة والسلام في صورته ، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا قال : كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله ، وروي أنه كان إذا قدم الشام لم تبق معصر إلا خرجت للنظر إليه ، قال ابن سعد : أسلم قديما ولم يشهد بدرا وشهد المشاهد بعدها ، وبقي إلى خلافة معاوية ، وقال غيره : شهد اليرموك وسكن المزة قرية بقرب دمشق ، ومزة بكسر الميم وتشديد الزاي المعجمة ، وليس في الصحابة من اسمه دحية سواه ، ولم يخرج من الستة حديثه إلا السجستاني في سننه وهو من أصحاب المحدثين ، قاله ابن البرقي ، وقال البزار لما ساق الحديث من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه : لم يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا هذا الحديث ، ومنهم أبو كبشة رجل من خزاعة كان يعبد الشعرى العبور ، ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك ، قاله الخطابي ، وفي المختلف والمؤتلف للدارقطني أن اسمه وجز بن غالب من بني غبشان ، ثم من بني خزاعة . وقال أبو الحسن الجرجاني النسابة في معنى نسبة الجاهلية إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأبي كبشة إنما ذلك عداوة له ودعوة إلى غير نسبه المعلوم المشهور ، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى بأبي كبشة ، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمى أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة وهو خزاعي ، وكان وجز بن غالب بن حارث أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبو أم جده لأمه يكنى أبا كبشة وهو خزاعي ، وكان أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى بذلك أيضا ، وقيل : إنه والد حليمة مرضعته حكاه ابن ماكولا ، وذكر الكلبي في كتاب الدفائن أن أبا كبشة هو حاضن النبي عليه الصلاة والسلام زوج حليمة ظئر النبي عليه الصلاة والسلام ، واسمه الحارث كما سلف ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ، ونقل ابن التين في الجهاد عن الشيخ أبي الحسن أن أبا كبشة جد ظئر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : قيل : إن في أجداده ستة يسمون أبا كبشة ، فأنكر ذلك . ( بيان الأسماء المبهمة ) منها ابن الناطور ، قال القاضي : هو بطاء مهملة ، وعند الحموي : بالمعجمة ، قال أهل اللغة : فلان ناطور بني فلان وناظرهم بالمعجمة المنظور إليه منهم ، والناطور بالمهملة الحافظ النخل ، عجمي تكلمت به العرب ، قال الأصمعي : هو من النظر ، والنبط يجعلون الظاء طاء ، وفي العباب في فصل الطاء المهملة : الناطر والناطور حافظ الكرم والجمع النواطير ، وقال ابن دريد : الناطور ليس بعربي ، فافهم . ومنها ملك غسان وهو الحارث بن أبي شمر أراد حزب النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرج إليهم في غزوة ونزل قبيل ابن كندة ماء يقال له غسان بالمشلل فسموا به ، وقال الجوهري : غسان اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه منهم بنو جفنة رهط الملوك ، ويقال : غسان اسم قبيلة ، وقال ابن هشام : غسان ماء بسد مأرب ، ويقال له : ماء بالمشلل قريب من الجحفة ، وحكى المسعودي أن غسان ما بين زبيد وزمع بأرض اليمن والمشلل بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام المفتوحة ، قال في العباب : جبل يهبط منه إلى قديد ، وقال صاحب المطالع : المشلل قديد من ناحية البحر وهو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد . ومنها بنو الأصفر وهم الروم ؛ سموا بذلك لأن حبشيا غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطئ نساءهم فولدت أولادا فيهم بياض الروم وسواد الحبشة فكانوا صفرا ، فنسب الروم إلى الأصفر ؛ لذلك قاله ابن الأنباري ، وقال الحربي : نسبة إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، قال القاضي عياض : وهو الأشبه ، وعبارة القزاز ، قال قوم : بنو الأصفر من الروم وهم ملوكهم ، ولذلك قال علي بن زيد : وبنو الأصفر الكرام ملوك الر روم لم يبق منهم مذكور قال : ويقال : إنما سموا بذلك لأن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام كان رجلا أحمر أشعر الجلد ، كان عليه خواتيم من شعر وهو أبو الروم ، وكان الروم رجلا أصفر في بياض شديد الصفرة ، فمن أجل ذلك سموا به ، وتزوج عيصو بنت عمه إسماعيل بن إسحاق عليهما السلام ، فولدت له الروم بن عيصو وخمسة أخرى ، فكل من في الروم فهو من نسل هؤلاء الرهط ، وفي المغيث : تزوج الروم بن عيصو إلى الأصفر ملك الحبشة ، فاجتمع في ولده بياض الروم وسواد الحبشة ، فأعطوا جمالا وسموا ببني الأصفر . وفي تاريخ دمشق لابن عساكر : تزوج بها طيل الرومي إلى النوبة فولد له الأصفر . وفي التيجان لابن هشام : إنما قيل لعيصو بن إسحاق الأصفر لأن جدته سارة حلته بالذهب ، فقيل له ذلك لصفرة الذهب ، قال : وقال بعض الرواة : إنه كان أصفر أي أسمر إلى صفرة ، وذلك موجود في ذريته إلى اليوم فإنهم سمر كحل الأعين ، وفي خطف البارق كانت امرأة ملكت على الروم فخطبها كبار دولتها واختصموا فيها ، فرضوا بأول داخل عليهم يتزوجها ، فدخل رجل حبشي فتزوجها فولدت منه ولدا سمته أصفر لصفرته ؛ فبنو الأصفر من نسله . ومنها الروم ، وهم هذا الجيل المعروف ، قال الجوهري : هم من ولد الروم بن عيصو ، واحدهم رومي كزنجي وزنج ، وليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة كما قالوا تمرة وتمر ولم يكن بين الواحد والجمع إلا الهاء . وقال الواحدي : هم جيل من ولد أرم بن عيص بن إسحاق ، غلب عليهم فصار كالاسم للقبيلة ، وقال الرشاطي : الروم منسوبون إلى رومي بن النبطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام ، فهؤلاء الروم من اليونانيين وقوم من الروم يزعمون أنهم من قضاعة من تنوخ وبهراء وسليخ ، وكانت تنوخ أكثرها على دين النصارى ، وكل هذه القبائل خرجوا مع هرقل عند خروجهم من الشام فتفرقوا في بلاد الروم . ومنها قريش ، وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، واسمه عامر دون سائر ولد كنانة ، وهم : مالك ، وملكان ، ومويلك ، وغزوان ، وعمر ، وعامر إخوة النضر لأبيه وأمه ، وأمهم مرة بنت مر أخت تميم بن مر . وهذا قول الشعبي ، وابن هشام ، وأبي عبيدة ، ومعمر بن المثنى ، وهو الذي ذكره الجوهري ورجحه السمعاني وغيره . قال النووي : وهو قول الجمهور ، وقال الرافعي : قال الأستاذ أبو منصور : هو قول أكثر النسابين ، وبه قال الشافعي وأصحابه ، وهو أصح ما قيل . وقيل : إن قريشا بنو فهر بن مالك ، وفهر جماع قريش ، ولا يقال لمن فوقه قرشي ، وإنما يقال له : كناني . رجحه الزبيدي بن بكار ، وحكاه عن عمه مصعب بن عبد الله ، قال : وهو قول من أدركت من نساب قريش ونحن أعلم بأمورنا وأنسابنا . وذكر الرافعي وجهين غريبين ، قال : ومنهم من قال : هم ولد إلياس بن مضر ، ومنهم من قال : هم ولد مضر بن نزار ، وفي العباب : قريش قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون ولد كنانة ومن فوقه ، وقال قوم : سميت قريش بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم ، فكانوا يقولون : قدمت عير قريش وخرجت عير قريش ، قال الصغاني : ذكر إبراهيم الحربي في غريب الحديث من تأليفه في تسمية قريش قريشا سبعة أقوال وبسط الكلام وأنا أجمع ذلك مختصرا ، فقال : سأل عبد الملك أباه عن ذلك ، فقال : لتجمعهم إلى الحرم ، والثاني : أنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها ، والثالث : أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له يعني اجتمع في ثوبه ، فقالوا : قد تقرش في ثوبه ، والرابع : قالوا : جاء إلى قومه ، فقالوا : كأنه جمل قريش أي شديد ، والخامس : أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص رضي الله عنهم : لم سميت قريشا ؟ قال : بدابة في البحر تسمى قريشا والسادس : قال عبد الملك بن مروان : سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي لم يسم قرشي قبله ، والسابع : قال معروف بن خربوذ : سميت قريشا لأنهم كانوا يفتشون الحاج عن خلتهم فيسدونها ، انتهى . وقال الزهري : إنما نبذت فهرا أمه بقريش كما يسمى الصبي غرارة وشملة وأشباه ذلك ، وقيل : من القرش وهو الكسب ، وقال الزبير : قال عمي : سميت قريش برجل يقال له قريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان دليل بني كنانة في تجاراتهم ، فكان يقال : قدمت عير قريش ، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع ، وقال غير عمي : سميت بقريش بن الحارث بن يخلد اسمه بدر التي سميت به بدر وهو احتفرها . وقال الكرماني : وسأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهما : بم سميت قريش ؟ قال : بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى . والتصغير للتعظيم ، وقال الليث : القرش الجمع من هاهنا وهاهنا وضم بعض إلى بعض ، يقال : قرش يقرش قرشا ، وقال ابن عباد : قرش الشيء خفيقه وصوته ، يقال : سمعت قرشه أي وقع حوافر الخيل وقرش الشيء إذا قطعه وقرضه ، وقال غيره : قرش بكسر الراء جمع لغة في فتحها ، والقرش دابة من دواب البحر ، وأقرشت الشجة إذا صدعت العظم ولم تهشمه ، والتقريش التحريش والإغراء ، والتقريش الاكتساب ، وتقرشوا تجمعوا ، وتقرش فلان الشيء إذا أخذه أولا فأولا ، فإن أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت به القبيلة لم تصرفه والأوجه صرفه ، قال تعالى لإِيلافِ قُرَيْشٍ والنسبة إليه قرشي وقريشي بالياء وحذفها ، ومنها قوله إلى صاحب له ، يقال : هو صفاطر الأسقف الرومي ، وقيل في اسمه يقاطر . ( بيان أسماء الأماكن فيه ) قوله بالشأم مهموز ، ويجوز تركه وفيه لغة ثالثة شآم بفتح الشين والمد وهو مذكر ويؤنث أيضا ، حكاه الجوهري والنسبة إليه شامي وشآم بالمد على فعال ، وشاءمى بالمد والتشديد حكاها الجوهري عن سيبويه وأنكرها غيره لأن الألف عوض من ياء النسب فلا يجمع بينهما سمى بشامات هناك حمر وسود . وقال الرشاطي : الشام جمع شامة سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها ببعض فشبهت بالشامات ، وقيل : سميت بسام بن نوح عليه السلام ؛ وذلك لأنه أول من نزلها فجعلت السين شينا ، وقال أبو عبيد : لم يدخلها سام قط ، وقال أبو بكر بن الأنباري : يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشومى وهي اليسرى لكونها من يسار الكعبة وحد الشام طولا من العريش إلى الفرات ، وقيل : إلى بالس ، وقال أبو حيان في صحيحه : أول الشام بالس وآخره العريش ، وأما حده عرضا فمن جبل طي من نحو القبلة إلى بحر الروم وما يسامت ذلك من البلاد ، وقال ابن حوقل : أما طول الشام فخمس وعشرون مرحلة من ملطية إلى رفح ، وأما عرضه فأعرض ما فيه طرفاه فأحد طرفيه من الفرات من جسر منبح على منبح ثم على قورص في حد قسرين ، ثم على العواصم في حد أنطاكية ، ثم مقطع جبل اللكام ، ثم على المصيصة ، ثم على أذنة ، ثم على طرسوس . وذلك نحو عشر مراحل ، وهذا هو السمت المستقيم ، وأما الطرف الآخر فهو من حد فلسطين فيأخذ من البحر من حد يافا حتى ينتهي إلى الرملة ، ثم إلى بيت المقدس ، ثم إلى أريحا ، ثم إلى زعز ، ثم إلى جبل الشراه إلى أن ينتهي إلى معان . ومقدار هذا ست مراحل ، فأما ما بين هذين الطرفين من الشام فلا يكاد يزيد عرضه موضعا من الأردن ودمشق وحمص على أكثر من ثلاثة أيام ، وقال الملك المؤيد : وقد عد ابن حوقل ملطية من جملة بلاد الشام وابن خرداذيه جعلها من الثغور الجزيرية ، والصحيح أنها من الروم ، ودخله النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها ، ودخله أيضا عشرة آلاف صحابي ، قاله ابن عساكر في تاريخه ، وقال الكرماني : دخله نبينا عليه الصلاة والسلام مرتين قبل النبوة مرة مع عمه أبي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى ، وهو حين لقيه الراهب ، والتمس الرد إلى مكة ، ومرة في تجارة خديجة رضي الله تعالى عنها إلى سوق بصرى وهو ابن خمس وعشرين سنة ومرتين بعد النبوة ، إحداهما ليلة الإسراء وهو من مكة ، والثانية في غزوة تبوك وهو من المدينة . قوله بإيلياء وهي بيت المقدس ، وفيه ثلاث لغات : أشهرها كسر الهمزة واللام وإسكان الياء آخر الحروف بينهما وبالمد ، والثانية مثلها إلا أنه بالقصر ، والثالثة الياء بحذف الياء الأولى وإسكان اللام وبالمد . حكاهن ابن قرقول ، وقال : قيل : معناه بيت الله ، وفي الجامع : أحسبه عبرانيا ، ويقال : الإيلياء ، كذا رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده في مسند ابن عباس رضي الله عنهما ، ويقال : بيت المقدس وبيت المقدس ، قوله بصرى بضم الباء الموحدة مدينة حوران مشهورة ذات قلعة ، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز وضبطها الملك المؤيد بفتح الباء ، والمشهور على ألسنة الناس بالضم ولها قلعة ذات بناء وبساتين ، وهي على أربعة مراحل من دمشق : مدينة أولية مبنية بالحجارة السود وهي من ديار بني فزارة وبني مرة وغيرهم ، وقال ابن عساكر : فتحت صلحا في ربيع الأول لخمس بقين سنة ثلاث عشرة ، وهي أول مدينة فتحت بالشام . قوله إلى مدائن ملكك جمع مدينة ، ويجمع أيضا على مدن بإسكان الدال وضمها ، قالوا : المدائن بالهمز أفصح من تركه وأشهر ، وبه جاء القرآن ، قال الجوهري : مدن بالمكان أقام به ، ومنه سميت المدينة وهي فعيلة ، وقيل : مفعلة من دينت أي ملكت ، وقيل : من جعله من الأول همزه ، ومن الثاني حذفه كما لا يهمز معايش . وقال الجوهري : والنسبة إلى المدينة النبوية مدني وإلى مدينة المنصور مديني ، وإلى مداين كسرى مدايني للفرق بين النسب لئلا تختلط ، قلت : ما ذكره محمول على الغالب وإلا فقد جاء فيه خلاف ذلك كما يجيء في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى ، قوله بالرومية بضم الراء وتخفيف الياء مدينة معروفة للروم ، وكانت مدينة رياستهم ، ويقال : إن روماس بناها ، قلت : قد ذكرت في تاريخي أنها تسمى رومة أيضا وهي الرومية الكبرى وهي مدينة مشهورة على جانبي نهر الصغر ، وهي مقرة خليفة النصارى المسمى بالباب ، وهي على جنوبي حوز البنادقة ، وبلاد رومية غربي قلفرية . وقال الإدريسي : طول سورها أربعة وعشرون ميلا ، وهو مبني بالآجر ، ولها واد يشق وسط المدينة وعليه قناطير يجاز عليها من الجهة الشرقية إلى الغربية ، وقال أيضا : امتداد كنيستها ستمائة ذراع في مثله وهي مسقفة بالرصاص ومفروشة بالرخام ، وفيها أعمدة كثيرة عظيمة ، وفي صدر الكنيسة كرسي من ذهب يجلس عليه الباب وتحته باب مصفح بالفضة يدخل منه إلى أربعة أبواب ، واحد بعد آخر يفضي إلى سرداب فيه مدفن بطرس حواري عيسى عليه الصلاة والسلام ، وفي الرومية كنيسة أخرى فيها مدفن بولص . قوله إلى حمص بكسر الحاء وسكون الميم بلدة معروفة بالشام سميت باسم رجل من العمالقة اسمه حمص بن المهر بن حاف ، كما سميت حلب بحلب بن المهر ، وكانت حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق . وقال الثعلبي : دخلها تسعمائة رجل من الصحابة ، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة ، قال الجواليقي : وليست عربية تذكر وتؤنث . قال البكري : ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند لأنه اسم أعجمي ، وقال ابن التين : يجوز الصرف وعدمه لقلة حروفه وسكون وسطه ، قلت : إذا أنثته تمنعه من الصرف لأن فيه حينئذ ثلاث علل : التأنيث ، والعجمة ، والعلمية . فإذا كان سكون وسطه يقاوم أحد السببين يبقى بسببين أيضا ، وبالسببين يمنع من الصرف كما في ماه وجور ، ويقال : سميت برجل من عاملة هو أول من نزلها ، وقال ابن حوقل : هي أصح بلاد الشام تربة وليس فيها عقارب وحيات . قوله في دسكرة بفتح الدال والكاف وسكون السين المهملة وهو بناء كالقصر حوله بيوت وليس بعربي وهي بيوت الأعاجم ، وفي جامع القزاز : الدسكرة الأرض المستوية ، وقال أبو زكريا التبريزي : الدسكرة مجتمع البساتين والرياض ، وقال ابن سيده : الدسكرة الصومعة . وأنشد الأخطل : في قباب حول دسكرة حولها الزيتون قد ينعا وفي المغيث لأبي موسى : الدسكرة بناء على صورة القصر فيها منازل وبيوت للخدم والحشم ، وفي الجامع : الدسكرة تكون للملوك تتنزه فيها ، والجمع الدساكرة ، وقيل : الدساكر بيوت الشراب ، وفي الكامل للمبرد : قال أبو عبيدة : هذا الشعر مختلف فيه ، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم إلى يزيد بن معاوية ، وقال علي بن سليمان الأخفش : الذي صح أنه ليزيد ، وزعم ابن السيد في كتابه المعروف بالغرر شرح كامل المبرد أنه لأبي دهبل الجمحي ، وقال الحافظ مغلطاي بعد أن نقل أن البيت المذكور للأخطل ، وفيه نظر من حيث إن هذا البيت ليس للأخطل ، وذلك أني نظرت عدة روايات من شعره ليعقوب وأبي عبيدة والأصمعي والسكري والحسن بن المظفر النيسابوري فلم أر فيها هذا البيت ولا شيئا على رويه ، قلت : قائله يزيد بن معاوية بن أبي سفيان من قصيدة يتغزل بها في نصرانية كانت قد ترهبت في دير خراب عند الماطرون وهو بستان بظاهر دمشق يسمى اليوم المنطور وأولها : آب هذا الليل فاكتنعا وأمر النوم فامتنعا راعيا للنجم أرقبه فإذا ما كوكب طلعا حان حتى إنني لا أرى أنه بالغور قد رجعا ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا خزفة حتى إذا ارتبعت ذكرت من جلق بيعا في قباب حول دسكرة حو لها الزيتون قد ينعا وهي من الرمل آب أي رجع ، قوله فاكتنعا أي فرسا ، قوله خزفة بكسر الخاء المعجمة ما يختزق من التمر أي يجتنى ، قوله ينعا بفتح الياء آخر الحروف والنون من : ينع التمر يينع ، من باب ضرب يضرب ينعا وينعا وينوعا إذا نضج ، وكذلك أينع . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيها رواية حمصي عن حمصي عن شامي عن مدني . ومنها أنه قال أولا حدثنا ، وثانيا أخبرنا ، وثالثا بكلمة عن ، ورابعا بلفظ أخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليما لجواز استعمال الكل إذا قلنا بعدم الفرق بينها . ومنها : ليس في البخاري مثل هذا الإسناد يعني عن أبي سفيان لأنه ليس له في الصحيحين ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي حديث غيره ، ولم يرو عنه إلا ابن عباس رضي الله تعالى عنهم . ( بيان تعدد الحديث ) قال الكرماني : قد ذكر البخاري حديث هرقل في كتابه في عشرة مواضع ، قلت : ذكره في أربعة عشر موضعا : الأول : هاهنا كما ترى . الثاني : في الجهاد عن إبراهيم بن حمزة ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح . الثالث : في التفسير ، عن إبراهيم بن موسى ، عن هشام . الرابع : فيه أيضا عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق ، قالا : حدثنا معمر كلهم عن الزهري به . الخامس : في الشهادات عن إبراهيم بن حمزة ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن الزهري مختصرا سألتك هل يزيدون أو ينقصون . السادس : في الجزية عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يونس ، عن الزهري مختصرا . السابع : في الأدب عن أبي بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري مختصرا أيضا . الثامن : فيه أيضا عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله ، عن يونس ، عن الزهري مختصرا . التاسع : في الإيمان . العاشر : في العلم . الحادي عشر : في الأحكام . الثاني عشر : في المغازي . الثالث عشر : في خبر الواحد . الرابع عشر : في الاستئذان . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه : إسحاق بن إبراهيم ، وابن أبي عمرو ، وأبي رافع ، وعبد بن حميد ، والحلواني عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري به بطوله . وعن الآخرين ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن صالح ، عن الزهري به . وأخرجه أبو داود في الأدب ، والترمذي في الاستئذان ، والنسائي في التفسير ولم يخرجه ابن ماجه . ( بيان اللغات ) قوله في ركب بفتح الراء جمع راكب كتجر وتاجر ، وقيل : اسم جمع كقوم وذود وهو قول سيبويه ، وهم أصحاب الإبل في السفر العشرة فما فوقها . قاله ابن السكيت وغيره . وقال ابن سيده : أرى أن الركب يكون للخيل والإبل ، وفي التنزيل : وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فقد يجوز أن يكون منهما جميعا ، وقول علي رضي الله عنه : ما كان معنا يومئذ فرس إلا فرس عليه المقداد بن الأسود يصحح أن الركب هاهنا ركاب الإبل ، قالوا : والركبة بفتح الراء والكاف أقل منه وإلا ركوب بالضم أكثر منه ، وجمع الركب أركب وركوب ، والجمع أراكب ، والركاب الإبل واحدها راحلة وجمعها ركب . وفي بعض طرق هذا الحديث أنهم كانوا ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان ؛ رواه الحاكم في الإكليل ، وفي رواية ابن السكن : نحو من عشرين ، وسمى منهم المغيرة بن شعبة في مصنف ابن أبي شيبة بسند مرسل ، وفيه نظر لأنه إذ ذاك كان مسلما ، قاله بعضهم ، ولكن إسلامه لا ينافي مرافقتهم وهم كفار إلى دار الحرب . قوله تجار بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الجيم وكسرها وبالتخفيف جمع تاجر ، ويقال أيضا : تجر كصاحب وصحب . قوله وحوله بفتح اللام ، يقال : حوله وحواله وحوليه وحواليه أربع لغات واللام مفتوحة فيهن أي يطوفون به من جوانبه ، قال الجوهري : ولا تقل حواليه بكسر اللام . قوله عظماء الروم جمع عظيم . قوله وترجمانه ، وفي الجامع الترجمان الذي يبين الكلام ، يقال : بفتح التاء وضمها ، والفتح أحسن عند قوم ، وقيل : الضم يدل على أن التاء أصل لأنه يكون فعللان كعقرباب ، ولم يأت فعللان ، وفي الصحاح : والجمع التراجم مثل زعفران وزعافر ، ولك أن تضم التاء كضمة الجيم ، ويقال : الترجمان هو المعبر عن لغة بلغة وهو معرب ، وقيل : عربي ، والتاء فيه أصلية . وأنكر على الجوهري قوله أنها زائدة ، وتبعه ابن الأثير فقال في نهايته : والتاء والنون زائدتان ، قوله فإن كذبني بالتخفيف من كذب يكذب كذبا وكذبا وكذبة ، وفي العباب : وأكذوبة وكاذبة ومكذوبا ومكذوبة . وزاد ابن الأعرابي : مكذبة وكذبانا ، مثل غفران . وكذبى مثل بشرى ؛ فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذبان وكيذبان ومكذبان . وكذبة مثل تؤدة ، وكذبذب وكذبذبان بالضمات الثلاث . ولم يذكر سيبويه فيما ذكر من الأمثلة ، وكذبذب بالتشديد ، وجمع الكذوب كذب مثال صبور وصبر ، ويقال : كذب كذابا بالضم والتشديد أي متناهيا ، وقرأ عمر بن عبد العزيز : وكذبوا بآياتنا كذابا ، ويكون صيغة على المبالغة كوضاء وحسان ، والكذب نقيض الصدق ، ثم معنى قوله فإن كذبني أي نقل إلى الكذب وقال لي خلاف الواقع . وقال التيمي : كذب يتعدى إلى المفعولين ، يقال : كذبني الحديث ، وكذا نظيره صدق ؛ قال الله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا وهما من غرائب الألفاظ ؛ ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد ، وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين . قوله من أن يأثروا بكسر الثاء المثلثة وضمها من أثرت الحديث بالقصر آثره بالمد وضم المثلثة وكسرها أثرا ساكنة الثاء حدثت به ، ويقال : أثرت الحديث أي رؤيته ، ومعناه : لولا الحياء من أن رفقتي يروون عني ويحكون في بلادي عني كذبا فأعاب به ؛ لأن الكذب قبيح وإن كان على العدو ؛ لكذبت . ويعلم منه قبح الكذب في الجاهلية أيضا ، وقيل : هذا دليل لمن يدعي أن قبح الكذب عقلي ، وقال الكرماني : لا يلزم منه لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفادا من الشرع السابق ، قلت : بل العقل يحكم بقبح الكذب وهو خلاف مقتضى العقل ، ولم تنقل إباحة الكذب في ملة من الملل . قوله لكذبت عنه أي لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه ولمحبتي نقصه ، قوله قط فيها لغتان أشهرهما فتح القاف وتشديد الطاء المضمومة . قال الجوهري : معناها الزمان ، يقال : ما رأيته قط ، قال : ومنهم من يقول قط بضمتين ، وقط بتخفيف الطاء وفتح القاف وضمها مع التخفيف وهي قليلة . قوله فأشراف الناس أي كبارهم وأهل الإحسان ، وقال بعضهم : المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال . قلت : هذا على الغالب وإلا فقد سبق إلى أتباعه أكابر أشراف زمنه ؛ كالصديق والفاروق وحمزة وغيرهم . وهم أيضا كانوا أهل النخوة ، والأشراف جمع شريف من الشرف ، وهو العلو والمكان العالي ، وقد شرف بالضم فهو شريف ، وقوم شرفاء وأشراف . وقال ابن السكيت : الشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء ، والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له أبا ، وقال ابن دريد : الشرف علو الحسب . قوله سخطة بفتح السين وهو الكراهة للشيء وعدم الرضى به ، وقال بعضهم : سخطة بضم أوله وفتحه وليس بصحيح ، بل السخطة بالتاء إنما هي بالفتح فقط ، والسخط بلا تاء يجوز فيه الضم والفتح مع أن الفتح يأتي بفتح الخاء والسخط بالضم يجوز فيه الوجهان ضم الخاء معه وإسكانها . وفي العباب : السخط والسخط ؛ مثال خلق وخلق ، والسخط بالتحريك والمسخط خلاف الرضى ؛ تقول : منه سخط يسخط أي غضب ، وأسخطه أي أغضبه ، وتسخط أي تغضب . وفي بعض الشروح : والمعنى أن من دخل في الشيء على بصيرة يمتنع رجوعه بخلاف من لم يدخل على بصيرة ، ويقال : أخرج بهذا من ارتد مكرها أو غير مكره لا لسخط دين الإسلام بل لرغبة في غيره لحظ نفساني كما وقع لعبد الله بن جحش ، قوله يغدر بكسر الدال ، والغدر ترك الوفاء بالعهد وهو مذموم عند جميع الناس ، قوله سجال بكسر السين وبالجيم وهو جمع سجل وهو الدلو الكبير ، والمعنى : الحرب بيننا وبينه نوب نوبة لنا ونوبة له ، كما قال الشاعر : فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر والمساجلة المفاخرة بأن تصنع مثل صنعه في جري أو سعي . قوله ينال أي يصيب ؛ من نال ينال نيلا ونالا ، قوله ويأمرنا بالصلاة أراد بها الصلاة المعهودة التي مفتتحها التكبير ومختمها التسليم ، قوله والصدق وهو القول المطابق للواقع ويقابله الكذب ، قوله والعفاف بفتح العين الكف عن المحارم وخوارم المروءة ، وقال صاحب المحكم : العفة الكف عما لا يحل ولا يجمل ، يقال : عف يعف عفا وعفافا وعفافة وعفة ، وتعفف واستعف ورجل عف وعفيف ، والأنثى عفيفة ، وجمع العفيف أعفة وأعفاء . قوله والصلة وهي كل ما أمر الله تعالى أن يوصل ، وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة ، ويقال : المراد بها صلة الرحم ، وهي تشريك ذوي القرابات في الخيرات ، واختلفوا في الرحم ، فقيل : هو كل ذي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فلا يدخل أولاد الأعمام فيه ، وقيل : هو عام في كل ذي رحم في الميراث محرما أو غيره . قوله يأتسي أي يقتدي ويتبع ، وهو بهمزة بعد الياء . قوله بشاشة القلوب بفتح الباء ، وبشاشة الإسلام وضوحه ، يقال : بش به وتبشبش ، ويقال : بش بالشيء يبش بشاشة إذا أظهر بشرى عند رؤيته ، وقال الليث : البش اللطف في المسألة والإقبال على أخيك . وقال ابن الأعرابي : هو فرح الصدر بالصديق ، وقال ابن دريد : بشه إذا ضحك إليه ولقيه لقاء جميلا . قوله الأوثان جمع وثن ، وهو الصنم وهو معرب شنم . قوله أخلص بضم اللام أي أصل ، يقال : خلص إلى كذا أي وصل إليه . قوله لتجشمت بالجيم والشين المعجمة أي لتكلفت الوصول إليه ولتكلفت على خطر ومشقة . قوله إلى عظيم بصرى أي أميرها ، وكذا عظيم الروم أي الذي يعظمه الروم وتقدمه . قوله إن توليت أي أعرضت عن الإسلام . قوله اليريسين بفتح الياء آخر الحروف وكسر الراء ثم الياء الأخرى الساكنة ، ثم السين المهملة المكسورة ، ثم الياء الأخرى الساكنة ، جمع يريس على وزن فعيل نحو كريم ، وجاء الأريسين بقلب الياء الأولى همزة ، وجاء اليريسيين بتشديد الياء بعد السين ، جمع يريسي منسوب إلى يريس ، وجاء أيضا بالنسبة كذلك إلا أنه بالهمزة في أوله موضع الياء أعني الأريسين جمع أريس منسوب إلى أريس ، فهذه أربعة أوجه ، وقال ابن سيده : الأريس الأكار عند ثعلب ، والأريس الأمير عن كراع ، حكاه في باب فعيل وعدله بأبيل ، والأصل عنده أريس فعيل من الرياسة فقلب ، وفي الجامع : الأريس الزارع والجمع أرارسة ، قال الشاعر : إذا فاز فيكم عبد ود فليتكم أرارسة ترعون دين الأعاجم فوزن أريس فعيل ، ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه من غير أصله لأنه كان تبقى عينه وفاؤه من لفظ واحد ، وهذا لم يأت في كلامهم إلا في أحرف يسيرة ؛ نحو : كوكب ، وديدن ، وددن ، وبابوس ، والأريس عند قوم الأمير كأنه من الأضداد . وفي الصحاح : أرس يأرس أرسا صار أريسا ، وهو الأكار ، وأرس مثله ، وهو الأريس وجمعه الأريسون وأراريس وهي شامية . وقال ابن فارس : الهمزة والراء والسين ليست عربية ، وفي العباب : والأريس مثل جليس والأريس مثل سكيت الأكار ، فالأول جمعه أريسون ، والثاني : أريسيون وأرارسة وأراريس ، والفعل منه أرس يأرس أرسا . وقال ابن الأعرابي : أرس تأرسا صار أكارا ؛ مثل : أرس أرسا . قال : ويقال أن الأراريس الزارعون وهي شامية ، وبئر أريس من آبار المدينة وهي التي وقع فيها خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعض الشراح : والصحيح المشهور أنهم الأكارون أي الفلاحون والزارعون أي عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك ، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأنهم الأغلب في رعاياهم وأسرع انقيادا وأكثر تقليدا ، فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا ، ويقال : إن الأريسين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسا وكان الروم أهل كتاب ، فيريد أن عليك مثل وزر المجوس إن لم تؤمن وتصدق . وقال أبو عبيدة : هم الخدم والخول يعني بصده إياهم عن الدين ، كما قال تعالى : رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا أي عليك مثل إثمهم ، حكاه ابن الأثير ، وقيل : المراد الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ، وقيل : هم المتخترون ، قال القرطبي : فعلى هذا يكون المراد عليك إثم من تكبر عن الحق ، وقيل : هم اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن أريس الذي ينسب إليه الأريسية من النصارى ، رجل كان في الزمن الأول ، قتل هو ومن معه نبيا بعثه الله إليهم ، قال أبو الزناد : وحذره النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان رئيسا متبوعا مسموعا أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمل بعمله واتبعه ، قال عليه الصلاة والسلام : من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة . قوله الصخب بفتح الصاد والخاء المعجمة ، ويقال : بالسين أيضا بدل الصاد ، وضعفه الخليل وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها ، وقال أهل اللغة : الصخب هو أصوات مبهمة لا تفهم . قوله أمر بفتح الهمزة وكسر الميم ، قال ابن الأعرابي : كثر وعظم ، وقال ابن سيده : والاسم منه الأمر بالكسر ، وقال الزمخشري : الأمرة على وزن بركة الزيادة ، ومنه قول أبي سفيان : أمر أمر محمد عليه السلام ، وفي الصحاح عن أبي عبيدة : آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته ، وأمر هو أي كثر ، وقال الأخفش : أمر أمره يأمر أمرا اشتد ، والاسم الأمر ، وفي أفعال ابن القطاع : أمر الشيء أمرا ، وأمر أي كثر ، وفي المجرد لكراع : يقال : زرع أمر وأمر كثير ، وفي أفعال ابن ظريف : أمر الشيء أمرا وأمارة ، وفي أمثال العرب : من قل ذل ومن أمر قل ، وفي الجامع : أمر الشيء إذا كثر ، والأمرة الكثرة والبركة والنماء ، وأمرته زيادته وخيره وبركته . قوله على نصارى الشام سموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا أو لأنهم نزلوا موضعا يقال له نصرانة ونصرة أو ناصرة أو لقوله : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ وهو جمع نصراني . قوله خبيث النفس أي كسلها وقلة نشاطها أو سوء خلقها . قوله بطارقته بفتح الباء هو جمع بطريق بكسر الباء ، وهم قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منه ، وقيل : البطريق المختال المتعاظم ، ولا يقال ذلك للنساء ، وفي العباب : قال الليث : البطريق القائد بلغة أهل الشام والروم ، فمن هذا عرفت أن تفسير بعضهم البطريق بقوله وهو خواص دولة الروم تفسير غير موجه . قوله قد استنكرنا هيئتك أي أنكرناها ورأيناها مخالفة لسائر الأيام ، والهيئة السمت ، والحالة والشكل . قوله حزاء بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي المعجمة وبالمد على وزن فعال أي كاهنا ، ويقال : فيه الحازي ، يقال : حزى يحزي حزا يحزو وتحزى إذا تكهن ، قال الأصمعي : حزيت الشيء أحزيه حزيا وحزوا ، وفي الصحاح : حزى الشيء يحزيه ويحزوه إذا قدر وخرص ، والحازي الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن ، وفي المحكم : حزى الطير حزوا زجرها . قوله فلا يهمنك شأنهم بضم الياء ، يقال : أهمني الأمر أقلقني وأحزنني ، والهم الحزن ، وهمني أذاني أي إذا بالغ في ذلك ، ومنه المهموم ، قال الأصمعي : هممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه ، وهممت بالأمر أيضا إذا قصدته يهمني ، وهم يهم بالكسر هميما ذاب ، ومراده أنهم أحقر من أن يهتم لهم أو يبالي بهم ، والشأن الأمر . قوله فلم يرم بفتح الياء آخر الحروف وكسر الراء أي لم يفارقها ، يقال : ما رمت ولم أرم ولا يكاد يستعمل إلا مع حرف النفي ، ويقال : ما يريم يفعل أي ما يبرح ، ويقال : رامه يريمه ريما أي يريحه ، ويقال : لا يرمه أي لا يبرحه . قال ابن ظريف : ما رامني ولا يريمني لم يبرح ، ولا يقال إلا منفيا . قوله يا معشر الروم قال أهل اللغة : هم الجمع الذين شأنهم واحد ، والإنس معشر والجن معشر والأنبياء معشر والفقهاء معشر ، والجمع معاشر . قوله الفلاح والرشد الفلاح الفوز والتقى والنجاة والرشد بضم الراء وإسكان الشين وبفتحهما أيضا لغتان ، وهو خلاف الغي ، وقال أهل اللغة : هو إصابة الخير ، وقال الهروي : هو الهدى والاستقامة وهو بمعناه ، يقال : رشد يرشد ورشد يرشد لغتان . قوله فحاصوا بالحاء والصاد المهملتين أي نفروا وكروا راجعين ، يقال : حاص يحيص إذا نفر ، وقال الفارسي : وفي مجمع الغرائب هو الروغان والعدول عن طريق القصد ، وقال الخطابي : يقال : حاص وجاض بمعنى واحد يعني بالجيم والضاد المعجمة ، وكذا قال أبو عبيد وغيره ، قالوا : ومعناه عدل عن الطريق ، وقال أبو زيد : معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل . قوله آنفا أي قريبا أو هذه الساعة ، والآنف أول الشيء وهو بالمد والقصر ، والمد أشهر ، وبه قرأ جمهور القراء السبعة ، وروى البزار عن ابن كثير القصر ، وقال المهدوي : المد هو المعروف . قوله أختبر أي أمتحن ، شدتكم أي رسوخكم في الدين . قوله فقد رأيت أي شدتكم . ( بيان اختلاف الروايات ) قوله حدثنا أبو اليمان وفي رواية الأصيلي وكريمة حدثنا الحكم بن نافع ، وأبو اليمان كنية الحكم . قوله وحوله عظماء الروم وفي رواية ابن السكن فأدخلت عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان ، وفي بعض السير دعاهم وهو جالس في مجلس ملكه عليه التاج ، وفي شرح السنة دعاهم لمجلسه . قوله ودعا ترجمانه وفي رواية الأصيلي وغيره بترجمانه . قوله بهذا الرجل ووقع في رواية مسلم من هذا الرجل وهو على الأصل ، وعلى رواية البخاري ضمن أقرب معنى أبعد فعداه بالباء . قوله الذي يزعم وفي رواية ابن إسحاق عن الزهري يدعي قوله فكذبوه فوالله لولا الحياء سقط فيه لفظة قال من رواية كريمة وأبي الوقت تقديره فكذبوه ، قال : فوالله أي أبو سفيان ، فبالإسقاط يحصل الإشكال على ما لا يخفى ، ولذا قال الكرماني : فوالله كلام أبي سفيان لا كلام الترجمان . قوله لكذبت عنه رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره لكذبت عليه ، ولم تقع هذه اللفظة في مسلم ووقع فيه لولا مخافة أن يؤثروا علي الكذب وعلى يأتي بمعنى عن ، كما قال الشاعر : إذا رضيت علي بنو قشير أي عني ، ووقع لفظة عني أيضا في البخاري في التفسير . قوله ثم كان أول بالنصب في رواية وسنذكر وجهه . قوله فهل قال هذا القول منكم أحد قبله ، وفي رواية الكشمهيني والأصيلي بدل قبله . مثله . قوله فهل كان من آبائه من ملك فيه ثلاث روايات ، إحداها أن كلمة من حرف جر وملك صفة مشبهة أعني بفتح الميم وكسر اللام ، وهي رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت . والثانية : أن كلمة من موصولة وملك فعل ماض ، وهي رواية ابن عساكر . والثالثة : بإسقاط حرف الجر ، وهي رواية أبي ذر ، والأولى أصح وأشهر ، ويؤيده رواية مسلم هل كان في آبائه ملك ؟ بحذف من كما هي رواية أبي ذر ، وكذا هو في كتاب التفسير في البخاري . قوله فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فقلت : بل ضعفاؤهم ووقع في رواية ابن إسحاق تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث ، فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد . قوله ولا تشركوا به ، وفي رواية المستملي لا تشركوا به بلا واو ، فيكون تأكيدا لقوله وحده ، قوله ويأمرنا بالصلاة والصدق ، وفي رواية البخاري ويأمرنا بالصلاة والصدقة ، وفي مسلم : ويأمرنا بالصلاة والزكاة ، وكذا في رواية البخاري في التفسير : والزكاة ، وفي الجهاد من رواية أبي ذر عن شيخه الكشميهني والسرخسي بالصلاة والصدق والصدقة ، وقال بعضهم ورجحها شيخنا أي رجح الصدقة على الصدق ، ويقويها رواية المؤلف في التفسير الزكاة واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع ، قلت : بل الراجح لفظة الصدق لأن الزكاة والصدقة داخلتان في عموم قوله والصلة لأن الصلة اسم لكل ما أمر الله تعالى به أن يوصل ، وذلك يكون بالزكاة والصدقة وغير ذلك من أنواع البر والإكرام ، وتكون لفظة الصدق فيه زيادة فائدة ، وقوله واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع لا يصلح دليلا للترجيح على أن أبا سفيان لم يكن يعرف حينئذ اقتران الزكاة بالصلاة ولا فرضيتها . قوله يأتسي بتقديم الهمزة في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره يتأسى بتقديم التاء المثناة من فوق . قوله حين يخالط بشاشة القلوب هكذا وقع في أكثر النسخ حين بالنون ، وفي بعضها حتى بالتاء المثناة من فوق ، ووقع في المستخرج للإسماعيلي حتى أو حين على الشك ، والروايتان وقعتا في مسلم أيضا ، ووقع في مسلم أيضا إذا بدل حين . وقال الشيخ قطب الدين رحمه الله : كذا رويناه فيه على الشك ، وقال القاضي : الروايتان وقعتا في البخاري ومسلم ، وروى أيضا بشاشة القلوب بالإضافة ، ونصب البشاشة على المفعولية أي حين يخالط الإيمان بشاشة القلوب ، وروى بشاشة بالرفع وإضافتها إلى الضمير أعني ضمير الإيمان وبنصب القلوب ، وزاد البخاري في الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ، وزاد ابن السكن في روايته في معجم الصحابة يزداد فيه عجبا وفرحا . وفي رواية ابن إسحاق وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه ، قوله لتجشمت لقاءه ، وفي مسلم لأحببت لقاءه ، والأول أوجه . قوله لغسلت عن قدميه ، وفي رواية عبد الله بن شداد عن أبي سفيان لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه ، وزاد فيها ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة يعني لما قرئ عليه كتاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله سلام على من اتبع الهدى ، وفي رواية البخاري في الاستئذان السلام بالتعريف ، قوله بدعاية الإسلام ، وفي مسلم بداعية الإسلام ، وكذا رواية البخاري في الجهاد بداعية الإسلام ، قوله فإنما عليك إثم اليريسين ، وفي رواية ابن إسحاق عن الزهري بلفظ فإن عليك إثم الأكارين ، وكذا رواه الطبراني والبيهقي في دلائل النبوة ، وزاد البرقاني في روايته يعني الحراثين ، وفي رواية المديني من طريق مرسلة فإن عليكم إثم الفلاحين ، والإسماعيلي فإن عليك إثم الركوسيين ، وهم أهل دين النصارى والصابئية ، يقال لهم الركوسية . وقال الليث بن سعد ، عن يونس فيما رواه الطبراني في الكبير من طريقه : الأريسيون العشارون يعني أهل المكس . قوله يا أهل الكتاب هكذا هو بإثبات الواو في أوله ، وذكر القاضي أن الواو ساقطة في رواية الأصيلي وأبي ذر ، قلت : إثبات الواو هو رواية عبدوس والنسفي والقابسي . قوله عنده الصخب ووقع في مسلم اللغط ، وفي البخاري في الجهاد وكثر لغطهم ، وفي التفسير وكثر اللغط وهو الأصوات المختلفة . قوله فما زلت موقنا زاد في حديث عبد الله بن شداد عن أبي سفيان فما زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت أخرجه الطبراني . قوله ابن الناطور بالطاء المهملة ، وفي رواية الحموي بالظاء المعجمة ، ووقع في رواية الليث عن يونس : ابن ناطورا ، بزيادة الألف في آخره ، فعلى هذا هو اسم أعجمي . قوله صاحب إيلياء بالنصب ، وفي رواية أبي ذر بالرفع . قوله أسقف على نصارى الشام على صيغة المجهول من الثلاثي المزيد فيه وهو رواية المستملي والسرخسي ، وفي رواية الكشميهني سقف على صيغة المجهول أيضا من التسقيف ، وفي رواية وقع هنا سقفا بضم السين والقاف وتشديد الفاء ، ويروى أسقفا بضم الهمزة وسكون السين وضم القاف وتخفيف الفاء ، ويروى أسقفا مثله إلا أنه بتشديد الفاء ، ذكرهما الجواليقي وغيره . وقال الإسماعيلي : فيه من أساقفة نصارى الشام موضع سقف ، وقال صاحب المطالع : وفي رواية أبي ذر والأصيلي عن المروزي سقف ، وعند الجرجاني سقفا ، وعند القابسي أسقفا ، وهذا أعرفها مشدد الفاء فيهما ، وحكى بعضهم أسقفا وسقفا وهو من النصارى رئيس الدين فيما قاله الخليل وسقف قدم لذلك ، وقال ابن الأنباري : يحتمل أن يكون سمي بذلك لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم وأنه قيم شريعتهم وهو دون القاضي ، والأسقف الطويل في انحناء في العربية ، والاسم منه السقف والسقيفي . وقال الداودي : هو العالم ، ويقال : سقف كفعل أعجمي معرب ، ولا نظير لأسقف إلا أسرب ، قلت : حكى ابن سيده ثالثا وهو الأسكف للصانع ، ولا يرد الأترج لأنه جمع والكلام في المفرد ، وقال النووي : الأشهر بضم الهمزة وتشديد الفاء ، وقال ابن فارس : السقف بالتحريك طول في انحناء ، ورجل أسقف ، قال ابن السكيت : ومنه اشتقاق أسقف النصارى . قوله أصبح يوما خبيث النفس وصرح في رواية ابن إسحاق بقولهم له : لقد أصبحت مهموما ، قوله ملك الختان ضبط على وجهين : أحدهما بفتح الميم وكسر اللام وهو رواية الكشميهني ، والآخر ضم الميم وإسكان اللام وكلاهما صحيح . قوله هم يختتنون ، وفي رواية الأصيلي يختنون ، والأول أفيد وأشمل . قوله فقال هرقل : هذا يملك هذه الأمة هذا رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده على صورة الفعل المضارع ، وأكثر الرواة على هذا ملك هذه الأمة بضم الميم وسكون اللام ، وفي رواية القابسي هذا ملك هذه الأمة بفتح الميم وكسر اللام ، وقال صاحب المطالع : الأكثرون على رواية القابسي ، هذا هو الأظهر . وقال عياض : أرى رواية أبي ذر مصحفة لأن ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت ، ولما حكاها صاحب المطالع قال : أظنه تصحيفا ، وقال النووي : كذا ضبطناه عن أهل التحقيق ، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا ، قال : وهي صحيحة أيضا ، ومعناها هذا المذكور يملك هذه الأمة وقد ظهر ، والمراد بالأمة هنا أهل العصر . قوله فأذن بالقصر من الإذن ، وفي رواية المستملي وغيره بالمد ، ومعناه أعلم من الإيذان وهو الإعلام . قوله فتبايعوا بالتاء المثناة من فوق والباء الموحدة وبعد الألف ياء آخر الحروف ، وفي رواية الكشميهني فتتابعوا بتاءين مثناتين من فوق وبعد الألف باء موحدة ، وفي رواية الأصيلي فنبايع بنون الجماعة بعدها الباء الموحدة . قوله لهذا النبي باللام في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره هذا بدون اللام . قوله وأيس بالهمزة ثم الياء آخر الحروف ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية الأصيلي يئس بتقديم الياء على الهمزة ، وهما بمعنى ، والأول مقلوب من الثاني فافهم . ( بيان الصرف ) قوله سفيان من سفى الريح التراب تسفيه سفيا إذا ذرته ، وفاؤه مثلثة . قوله حرب مصدر في الأصل . قوله ماد فيها بتشديد الدال من باب المفاعلة ، وأصله مادد أدغمت الدال في الدال وجوبا لاجتماع المثلين ، ومضارعه يماد ، وأصله يمادد ، ومصدره مماددة ومماد ، وأصل هذا الباب أن يكون بين اثنين ، وأصله من المدة وهي القطعة من الزمان يقع على القليل والكثير أي اتفقوا على الصلح مدة من الزمان ، وهذه المدة هي صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش سنة ست من الهجرة لما خرج عليه السلام في ذي القعدة معتمرا قصدته قريش وصالحوه على أن يدخلها في العام القابل على وضع الحرب عشر سنين ، فدخلت بنو بكر في عهد قريش وبنو خزاعة في عهده عليه السلام ، ثم نقضت قريش العهد بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله تعالى بقتالهم بقوله : أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وفي كتاب أبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار : كانت مدة الصلح أربع سنين ، والأول أشهر . قوله أدنوه بفتح الهمزة من الإدناء ، وأصله أدنيو استثقلت الضمة على الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان وهما الياء والواو ، فحذفت الياء لأن الواو علامة الجمع ، ثم أبدلت كسرة النون ضمة لتدل على الواو المحذوفة ، فصار أدنوا على وزن أفعوا . قوله تتهمونه من باب الافتعال ، تقول : اتهم يتهم اتهاما ، وأصله اوتهم لأنه من الوهم قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء ، وأصل تتهمونه توتهمونه ففعل به مثل ما ذكرنا ، وكذا سائر مواده . قوله بالكذب بفتح الكاف وكسر الذال مصدر كذب ، وكذلك الكذب بكسر الكاف وسكون الذال ، وقد ذكرناه مرة . قوله يأتسي من الإيتساء من باب الافتعال ومادته همزة وسين وياء . قوله ليذر الكذب أي ليدع الكذب ، وقد أماتوا ماضي هذا الفعل ، وفي العباب : تقول ذره أي دعه ، وهو يذره أي يدعه ، وأصله وذره يذره ، مثال : وسعه يسعه ، وقد أميت صدره ، ولا يقال : وذره ولا واذره ولكن تركه ، وهو تارك إلا أن يضطر إليه شاعر . وقيل : هو من باب منع يمنع محمولا على ودع يدع لأنه بمعناه ، قالوا : ولو كان من باب وحل يوحل لقيل في مستقبله يوذر كيوحل ، ولو لم يكن محمولا لم تخل عينه أو لامه من حروف الحلق ، وهذا القول أصح ، وإذا أردت ذكر مصدره فقل ذره تركا ولا تقل ذره وذرا . قوله دحية أصله من دحوت الشيء دحوا أي بسطته ، قال تعالى : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أي بسطها . قوله الهدى مصدر من هداه يهديه ، وفي الصحاح : الهدى الرشاد ، والدلالة يذكر ويؤنث ، يقال : هداه الله للدين هدى وهديته الطريق والبيت هداية أي عرفته ، هذه لغة أهل الحجاز وغيرهم ، تقول : هديته إلى الطريق وإلى الدار ، حكاهما الأخفش ، وهدى واهتدى بمعنى . قوله بدعاية الإسلام بكسر الدال أي يدعوه وهو مصدر كالشكاية من شكى والرماية من رمى ، وقد تقام المصادر مقام الأسماء ، وفي رواية بداعية الإسلام على ما ذكرنا ، وهي أيضا بمعنى الدعوة ، وقد يجيء المصدر على وزن فاعلة ، كقوله تعالى : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ أي كذب . قوله استنكرنا من الاستنكار من باب الاستفعال ، وأصل باب الاستفعال أن يكون للطلب ، وقد يخرج عن بابه وهذه اللفظة من هذا القبيل ، يقال : استنكرت الشيء إذا أنكرته ، وقال الليث : الاستنكار استفهامك أمرا تنكره . قوله حزاء مبالغة حاز على وزن فعال بالتشديد . قوله فلم يرم أصله يريم ، فلما دخل عليه الجازم حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وقد ذكرنا تفسيره . قوله أيس على وزن فعل بكسر العين . وقال ابن السكيت : أيست منه يئيس إياسا أي قنطت لغة في يئست منه أيأس يأسا ، والإياس انقطاع الطمع . ( بيان الإعراب ) قوله أن عبد الله بن عباس كلمة أن هاهنا ، وفي أن أبا سفيان وفي أن هرقل مفتوحات في محل الجر بالباء المقدرة كما في قولك : أخبرني أن زيدا منطلق ، والتقدير بأن زيدا منطلق أي أخبرني بانطلاق زيد . قوله في ركب جملة في موضع النصب على الحال ، والتقدير : أرسل هرقل إلى أبي سفيان حال كونه كائنا في جملة الركب . وقوله من قريش في محل الجر على أنه صفة للركب ، وكلمة من تصلح أن تكون لبيان الجنس كما في قوله تعالى : وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ ويجوز أن تكون للتبعيض . قوله وكانوا تجارا الواو فيه تصلح أن تكون للحال بتقدير قد ، فإن قلت : في حال الطلب لم يكونوا تجارا قلت : تقديره ملتبسين بصفة التجار . قوله في المدة جملة في محل النصب على الحال والألف واللام فيها بدل من المضاف إليه أي في مدة الصلح بالحديبية . قوله أبا سفيان بالنصب مفعول ، لقوله ماذا . قوله وكفار قريش كلام إضافي منصوب عطفا على أبا سفيان ويجوز أن يكون مفعولا معه . قوله فأتوه الفاء فيه فصيحة إذ تقدير الكلام : فأرسل إليه في طلب إتيان الركب إليه فجاء الرسول فطلب إتيانهم فأتوه ، ونحوه قوله تعالى : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ أي فضرب فانفجرت ، فإن قلت : ما معنى فاء الفصيحة ؟ قلت : سميت بها لأنها يستدل بها على فصاحة المتكلم ، وهذا إنما سموها بها على رأي الزمخشري وهي تدل على محذوف هو سبب لما بعدها سواء كان شرطا أو معطوفا . وقال الزمخشري في قوله تعالى فَانْفَجَرَتْ الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت كما ذكرنا في قوله تعالى فَتَابَ عَلَيْكُمْ وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام فصيح ، فإن قلت : هم في أي موضع كانوا حتى أرسل إليهم أبو سفيان ، قلت : في الجهاد في البخاري أن الرسول وجدهم ببعض الشام ، وفي رواية أبي نعيم في الدلائل تعيين الموضع وهي غزة ، قال : وكانت وجه متجرهم ، وكذا رواه ابن إسحاق في المغازي عن الزهري . قوله وهم بإيلياء الواو فيه للحال والباء في بإيلياء بمعنى في . قوله فدعاهم في مجلسه الضمير المرفوع في فدعاهم يرجع إلى هرقل والمنصوب إلى أبي سفيان ومن معه . وقوله في مجلسه حال أي في حال كونه في مجلسه ، فإن قلت : دعا يستعمل بكلمة إلى يقال دعا إليه ، قال الله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وكان ينبغي أن يقال فدعاهم إلى مجلسه ، قلت : دعا هاهنا من قبيل قولهم دعوت فلانا أي صحت به ، وكلمة في لا تتعلق به ولا هي صلته ، وإنما هي حال كما ذكرنا تتعلق بمحذوف وتقديره كما ذكرنا أو تكون في بمعنى إلى كما في قوله تعالى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ أي إلى أفواههم ، ويدل عليه رواية شرح السنة : دعاهم لمجلسه . قوله : وحوله عظماء الروم الواو فيه للحال ، وحوله نصب على الظرف ، ولكنه في تقدير الرفع ؛ لأنه خبر المبتدأ ، أعني قوله : عظماء الروم ، قوله : ثم دعاهم عطف على قوله : فدعاهم . فإن قلت : هذا تكرار ، فما الفائدة فيه ؟ قلت : ليس بتكرار ؛ لأنه أولا دعاهم بأن أمر بإحضارهم من الموضع الذي كانوا فيه ، فلما حضروا استأذن لهم ، فتأمل زمانا حتى أذن لهم ، وهو معنى قوله : ثم دعاهم ، ولهذا ذكره بكلمة : ثم التي تدل على التراخي ، وهكذا عادة الملوك الكبار إذا طلبوا شخصا يحضرون به ، ويوقفونه على بابهم زمانا حتى يأذن لهم بالدخول ، ثم يؤذن لهم بالدخول ، ولا شك أن هاهنا لا بد من دعوتين الدعوة في الحالة الأولى ، والدعوة في الحالة الثانية . قوله : ودعا ترجمانه بنصب الترجمان ؛ لأنه مفعول ، وعلى رواية : بترجمانه تكون الباء زائدة ؛ لأن دعا يتعدى بنفسه كما في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قوله : فقال : أيكم ؟ ، الفاء فيه فصيحة أيضا ، والضمير في قال يرجع إلى الترجمان ، والتقدير أي فقال هرقل للترجمان : قل أيكم أقرب ؟ فقال الترجمان : أيكم أقرب ؟ ثم إن لفظة أقرب إن كان أفعل التفضيل فلا بد أن تستعمل بأحد الوجوه الثلاثة : الإضافة ، واللام ، ومن . وقد جاء هاهنا مجردا عنها ، وأيضا معنى القرب لا بد أن يكون من شيء فلا بد من صلة ، وأجيب بأن كليهما محذوفان ، والتقدير : أيكم أقرب من النبي من غيركم ؟ قوله فقلت أنا أقربهم نسبا أي من حيث النسب ، وإنما كان أبو سفيان أقرب لأنه من بني عبد مناف ، وقد أوضح ذلك البخاري في الجهاد بقوله قال : ما قرابتك منه ؟ قلت : هو ابن عمي ، قال أبو سفيان : ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري ، انتهى . وعبد مناف هو الأب الرابع للنبي عليه السلام وكذا لأبي سفيان وأطلق عليه ابن عم لأنه نزل كلا منهما منزلة جده ، فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره ، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب ، قوله فقال أي هرقل : ادنوه مني ، وإنما أمر بإدنائه ليمعن في السؤال . قوله فاجعلوهم عند ظهره أي عند ظهر أبي سفيان ، إنما قال ذلك لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب ، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته . قوله قل لهم أي لأصحاب أبي سفيان . قوله هذا أشار به إلى أبي سفيان ، وأراد بقوله عن الرجل النبي صلى الله عليه وسلم ، والألف واللام فيه للعهد . قوله فإن كذبني بالتخفيف فكذبوه بالتشديد أي فإن نقل إلي الكذب وقال لي خلاف الواقع . قوله فوالله من كلام أبي سفيان كما ذكرنا . قوله لكذبت عنه جواب لولا . قوله ثم كان أول بالرفع اسم كان وخبره . قوله أن قال وأن مصدرية تقديره . قوله وجاء النصب ووجهه أن يكون خبرا لكان ، فإن قلت : أين اسم كان على هذا التقدير ؟ وما موضع قوله أن قال ؟ قلت : يجوز أن يكون اسم كان ضمير الشأن ويكون قوله أن قال بدلا من قوله ما سألني عنه أو يكون التقدير بأن قال أي بقوله ، ويجوز أن يكون أن قال اسم كان ، وقوله أول ما سألني خبره ، والتقدير ثم كان . قوله كيف نسبه فيكم ؟ أول ما سألني منه . قوله ذو نسب أي صاحب نسب عظيم ، والتنوين للتعظيم كما في قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ أي حياة عظيمة . قوله قط قد ذكرنا أنه لا يستعمل إلا في الماضي المنفي ، فإن قلت : فأين النفي هاهنا ؟ قلت : الاستفهام حكمه حكم النفي . قوله قبله قبله نصب على الظرف ، وأما على رواية مثله بدل قبله يكون بدلا عن قوله هذا القول . قوله منكم أي من قومكم ، فالمضاف محذوف . قوله فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فيه حذف همزة الاستفهام ، والتقدير : اتبعه أشراف الناس أم اتبعه ضعفاؤهم ؟ وفي رواية البخاري في التفسير بهمزة الاستفهام ، ولفظه : اتبعه أشراف الناس ، وأم هاهنا متصلة معادلة لهمزة الاستفهام . قوله بل ضعفاؤهم أي بل اتبعه ضعفاء الناس ، وكذلك الكلام في قوله أيزيدون أم ينقصون ؟ . قوله سخطة نصب على التعليل ، ويجوز أن يكون نصبا على الحال على تأويل ساخطا . قوله ونحن منه أي من الرجل المذكور ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في مدة أراد بها مدة الهدنة وهي صلح الحديبية ، نص عليه النووي وليس كذلك ، وإنما يريد غيبته عن الأرض وانقطاع أخباره عليه السلام عنه ، ولذلك قال : ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا لأن الإنسان قد يتغير ولا يدرى الآن هل هو على ما فارقناه أو بدل شيئا . وقال الكرماني في قوله لا ندري إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به ، قلت : ليس كذلك ، بل لكون الأمر مغيبا عنه وهو في الاستقبال تردد فيه بقوله لا ندري . قوله فيها أي في المدة . قوله قال أي أبو سفيان . قوله كلمة مرفوع لأنه فاعل ، لقوله لم يمكني . قوله أدخل بضم الهمزة من الإدخال . قوله فيها أي في الكلمة ، ذكر الكلمة وأراد بها الكلام . قوله شيئا مفعول لقوله أدخل . قوله غير هذه الكلمة يجوز في غير الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى كونه صفة لكلمة ، وأما النصب فعلى كونه صفة لقوله شيئا ، واعترض كيف يكون غير صفة لهما وهما نكرة وغير مضاف إلى المعرفة ، وأجيب بأنه لا يتعرف بالإضافة إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه ، وهاهنا ليس كذلك . قوله وكيف كان قتالكم إياه قال بعض الشارحين : فيه انفصال ثاني الضميرين ، والاختيار أن لا يجيء المنفصل إذا تأتى مجيء المتصل ، وقال شارح آخر : قتالكم إياه أفصح من قتالكموه باتصال الضمير فلذلك فصله ، قلت : الصواب معه نص عليه الزمخشري . قوله الحرب مبتدأ ، وقوله سجال خبره ، لا يقال : الحرب مفرد والسجال جمع ، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر لأنا نقول : الحرب اسم جنس . وقال بعضهم : الحرب اسم جمع ، ولهذا جعل خبره اسم جمع ، قلت : لا نسلم أن السجال اسم جمع بل هو جمع ، وبين الجمع واسم الجمع فرق كما علم في موضعه ، ويجوز أن يكون سجال بمعنى المساجلة ولا يكون جمع سجل فلا يرد السؤال أصلا . قوله قال : ماذا يأمركم ؟ أي قال هرقل ، وكلمة ما استفهام ، و ذا إشارة ، ويجوز أن يكون كله استفهاما على التركيب ، كقولك : لماذا جئت ؟ ويجوز أن يكون ذا موصولة بدليل افتقاره إلى الصلة ، كما في قول لبيد : ألا تسألان المرء ماذا يحاول ويجوز أن يكون ذا زائدة ، أجاز ذلك جماعة منهم ابن مالك في نحو : ماذا صنعت ؟ قوله لم يكن ليذر الكذب اللام فيه تسمى لام الجحود لملازمتها للجحد أي النفي ، وفائدتها توكيد النفي ، وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بما كان أو لم يكن ناقصتين مسندتين لما أسند إليه الفعل المقرون باللام ، نحو : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وقال النحاس : الصواب تسميتها لام النفي لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار . قوله حين تخالط بشاشته القلوب قد ذكرنا التوجيه فيه . قوله فذكرت أنه أي بأنه ، ومحل أن جر بهذه ، وكذلك أن في قوله أن تعبدوا الله . قوله ثم دعا بكتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه حذف تقديره : قال أبو سفيان : ثم دعا هرقل ، ومفعول دعا أيضا محذوف قدره الكرماني بقوله ثم دعا هرقل الناس بكتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وقدره بعضهم ثم دعا من وكل ذلك إليه ، قلت : الأحسن أن يقال : ثم دعا من يأتي بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما احتيج إلى التقدير لأن الكتاب مدعو به وليس بمدعو ، فلهذا عدى إليه بالباء ، ويجوز أن تكون الباء زائدة والتقدير : ثم دعا الكتاب على سبيل المجاز أو ضمن دعا معنى اشتغل ونحوه . قوله بعث به مع دحية أي أرسله معه ، ويقال أيضا : بعثه وابتعثه بمعنى أرسله ، وكلمة مع بفتح العين على اللغة الفصحى ، وبها جاء القرآن ، ويقال أيضا بإسكانها ، وقيل : مع لفظ معناه الصحبة ساكن العين ومفتوحها غير أن المفتوحة تكون اسما وحرفا والساكنة حرف لا غير . قوله فإذا فيه كلمة إذا هذه للمفاجأة ، قوله من محمد يدل على أن من تأتي في غير الزمان والمكان ، ونحوه قوله : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ قوله سلام مرفوع على الابتدا ، وهذا من المواضع التي يكون المبتدأ فيها نكرة بوجه التخصيص وهو مصدر في معنى الدعاء ، وأصله : سلم الله أو سلمت سلاما ؛ إذ المعنى فيه : ثم حذف الفعل للعلم به ، ثم عدل عن النصب إلى الرفع لغرض الدوام والثبوت ، وأصل المعنى على ما كان عليه ، وقد كان سلاما في الأصل مخصوصا بأنه صادر من الله تعالى ومن المتكلم لدلالة فعله وفاعله المتقدمين عليه ، فوجب أن يكون باقيا على تخصيصه . قوله أما بعد كلمة أما فيها معنى الشرط ، فلذلك لزمتها الفاء ، وتستعمل في الكلام على وجهين : أحدهما أن يستعملها المتكلم لتفصيل ما أجمله على طريق الاستئناف كما تقول : جاءني إخوتك أما زيد فأكرمته ، وأما خالد فأهنته ، وأما بشر فأعرضت عنه . والآخر : أن يستعملها أخذا في كلام مستأنف من غير أن يتقدمها كلام ، و أما هاهنا من هذا القبيل . وقال الكرماني : أما للتفصيل فلا بد فيه من التكرار ، فأين قسيمه ؟ ! ثم قال : المذكور قبله قسيمه ، وتقديره : أما الابتداء فباسم الله تعالى ، وأما المكتوب فمن محمد ونحوه ، وأما بعد ذلك فكذا انتهى ، قلت : هذا كله تعسف وذهول عن القسمة المذكورة ، ولم يقل أحد أن أما في مثل هذا الموضع تقتضي التقسيم والتحقيق ما قلنا ، وكلمة بعد مبنية على الضم إذ أصلها أما بعد كذا وكذا ، فلما قطعت عن الإضافة بنيت على الضم ، وتسمى حينئذ غاية . قوله بدعاية الإسلام أي أدعوك بالمدعو الذي هو الإسلام ، والباء بمعنى إلى ، وجوزت النحاة إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض أي أدعوك إلى الإسلام . قوله أسلم تسلم كلاهما مجزومان ، الأول لأنه أمر ، والثاني لأنه جواب الأمر . والأول بكسر اللام لأنه من أسلم ، والثاني بفتحها لأنه مضارع من سلم . قوله يؤتك الله مجزوم أيضا إما جواب ثان للأمر وإما بدل منه وإما جواب لأمر محذوف تقديره أسلم يؤتك الله على ما صرح به البخاري في الجهاد أسلم يؤتك الله . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام ، والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية . قلت : الأصوب أن يكون من باب التأكيد ، والآية في حق المنافقين معناها : يا أيها الذين آمنوا نفاقا آمنوا إخلاصا ، كذا في التفسير . قوله ويا أهل الكتاب عطف هذا الكلام على ما قبله بالواو ، والذي يدل على الجمع ، والتقدير : أدعوك بدعاية الإسلام وأدعوك بقول الله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ إلى آخره . وأما الرواية التي سقطت فيها الواو فوجهها أن يكون قوله يَا أَهْلَ الْكِتَابِ بيانا لقوله بدعاية الإسلام ، قوله تَعَالَوْا بفتح اللام ، وأصله تعاليوا ، تقول : تعال تعاليا تعاليوا ، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار تعالوا ، والمراد من أهل الكتاب أهل الكتابين اليهود والنصارى ، وقيل : وفد نجران ، وقيل : يهود المدينة . قوله سَوَاءٍ أي مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل ، وتفسير الكلمة قوله أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ، لأن كل واحد منهما بشر مثلنا ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله . قوله فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا فإنا مسلمون دونكم . وقال الزمخشري : يجوز أن يكون من باب التعريض ، ومعناه : اشهدوا اعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره . قوله فلما قال أي هرقل . قوله ما قال جملة في محل النصب لأنها مفعول قال ، وما موصولة ، والعائد محذوف تقديره ما قاله من السؤال والجواب . قوله أخرجنا على صيغة المجهول في الموضعين ، ويجوز أن يكون الثاني على صيغة المعلوم بفتح الراء فافهم . قوله لقد أمر جواب القسم المحذوف أي والله لقد أمر . قوله إنه يخافه بكسر إن لأنه كلام مستأنف ولا سيما جاء في رواية باللام في خبرها ، وقال بعضهم : إنه يخافه بكسر الهمزة لا بفتحها لثبوت اللام في خبرها ، قلت : يجوز فتحها أيضا وإن كان على ضعف على أنه مفعول من أجله ، وقد قرئ في الشواذ : ألا أنهم ليأكلون . بالفتح في أنهم والمعنى على الفتح في الحديث عظم أمره عليه السلام لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر . قوله وكان ابن الناطور الواو فيه عاطفة لما قبلها داخلة في سند الزهري ، والتقدير : عن الزهري أخبرني عبيد الله إلى آخره ، ثم قال الزهري : وكان ابن الناطور يحدث ، فذكر هذه القصة فهي موصولة إلى ابن الناطور لا معلقة كما توهمه بعضهم ، وهذا موضع يحتاج فيه إلى التنبيه على هذا وعلى أن قصة ابن الناطور غير مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان عنه ، وإنما هي عن الزهري ، وقد بين ذلك أبو نعيم في دلائل النبوة أن الزهري قال : لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان ، وقوله ابن الناطور كلام إضافي اسم كان وخبره . قوله أسقف على اختلاف الروايات فيه ، وقوله صاحب إيلياء كلام إضافي يجوز فيه الوجهان : النصب على الاختصاص ، والرفع على أنه صفة لابن الناطور أو خبر مبتدأ محذوف أي هو صاحب إيلياء . وقال بعضهم : نصب على الحال ، وفيه بعد قوله وهرقل بفتح اللام في محل الجر على أنه معطوف على إيلياء أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل . قوله يحدث جملة في محل الرفع لأنها خبر ثان لكان . قوله أصبح خبر أن ، و يوما نصب على الظرف و خبيث النفس نصب على أنه خبر أصبح . قوله قال ابن الناطور إلى قوله فقال لهم جمل معترضة بين سؤال بعض البطارقة وجواب هرقل إياهم . قوله وكان هرقل حزاء عطف على مقدر تقديره قال ابن الناطور ، كان هرقل عالما وكان حزاء فلما حذف المعطوف عليه أظهر هرقل في المعطوف ، وحزاء نصب لأنه خبر كان . قوله ينظر في النجوم خبر بعد خبر ، فعلى هذا محلها الرفع ويجوز أن يكون تفسيرا لقوله حزاء ، فحينئذ يكون محلها النصب . قوله ملك الختان كلام إضافي مبتدأ ، وخبره قوله قد ظهر . قوله فمن يختتن فمن هاهنا استفهامية . قوله فبينما هم أصله بين أشبعت الفتحة فصار بينا : ثم زيدت عليها ما ، والمعنى واحد . وقوله هم مبتدأ ، وعلى أمرهم خبره . وقوله أتى هرقل جوابه ، وقد يأتي بإذ وإذا . والأفصح تركهما ، والتقدير : بين أوقات أمرهم إذ أتى وأراد بالأمر مشورتهم التي كانوا فيها . قوله أرسل به جملة في محل الجر لأنها صفة لرجل ولم يسم هذا الرجل من هو ولا سمى من أحضره أيضا . قوله أمختتن الهمزة فيه للاستفهام . قوله هذا يملك هذه الأمة قد ظهر قد ذكرنا أن فيه ثلاث روايات يحتاج إلى توجيهها على الوجه المرضي ، ولم أر أحدا من الشراح قديما وحديثا شفى العليل هاهنا ولا أروى الغليل ، وإنما رأيت شارحا نقل عن السهيلي وعن شيخ نفسه ، أما الذي نقل عن السهيلي فهو قوله ووجهه السهيلي في أماليه بأنه مبتدأ وخبر أي هذا المذكور يملك هذه الأمة ، وهذا توجيه الرواية التي فيها هذا يملك هذه الأمة بالفعل المضارع ، وهذا فيه خدش لأن قوله قد ظهر يبقى سائبا من هذا الكلام ، وأما الذي نقل عن شيخه فهو أنه قد وجه قول من قال أن يملك يجوز أن يكون نعتا أي هذا رجل يملك هذه الأمة ، فقال في توجيهه يجوز أن يكون المحذوف وهو الموصول على رأي الكوفيين أي هذا الذي يملك ، وهو نظير قوله . وهذا تحملين طليق . وهذا أيضا فيه خدش من وجهين أحدهما ما ذكرنا والآخر أن قوله وهو نظير قوله وهذا تحملين طليق قياس غير صحيح لأن البيت ليس فيه حذف ، وإنما فيه أن الكوفيين قالوا أن لفظة هذا هاهنا بمعنى الذي ، تقديره : والذي تحملين طليق ، وأما البصريون فيمنعون ذلك ويقولون هذا اسم إشارة وتحملين حال من ضمير الخبر ، والتقدير : وهذا طليق محمولا ، فنقول بعون الله تعالى : أما وجه الرواية التي فيها يملك بالفعل المضارع فإن قوله هذا مبتدأ ، وقوله يملك جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع خبره ، وقوله هذه الأمة مفعول يملك ، وقوله قد ظهر جملة وقعت حالا ، وقد علم أن الماضي المثبت إذا وقع حالا لا بد أن يكون فيه قد ظاهرة أو مقدرة . وأما وجه الرواية التي فيها ملك هذه الأمة بضم الميم وسكون اللام ، فإن قوله هذا يحتمل وجهين من الإعراب أحدهما أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره هذا الذي نظرته في النجوم ، والآخر أن يكون فاعلا لفعل محذوف تقديره جاء هذا ، أشار به إلى قوله ملك الختان قد ظهر وبكون قوله ملك هذه الأمة مبتدأ ، وقوله قد ظهر خبره ، وتكون هذه الجملة كالكاشفة للجملة الأولى فلذلك ترك العاطف بينهما ، وأما وجه الرواية التي فيها هذا ملك هذه الأمة قد ظهر بفتح الميم وكسر اللام ، فإن قوله هذا يكون إشارة إلى رسول الله عليه السلام ، ويكون مبتدأ ، وقوله ملك هذه الأمة خبره ، وقوله قد ظهر حال منتظرة ، والعامل فيها معنى الإشارة في هذا ، وروي هنا أيضا هذا بملك هذه الأمة بالباء الجارة ، فإن صحت هذه الرواية تكون الباء متعلقة بقوله قد ظهر وبكون التقدير : هذا الذي رأيته في النجوم قد ظهر بملك هذه الأمة التي تختتن ، فافهم . قوله بالرومية صفة لصاحب والباء ظرفية . قوله إلى حمص مفتوح في موضع الجر لأنه غير منصرف للعلمية والتأنيث والعجمة ، وقال بعضهم : يحتمل أن يجوز صرفه ، قلت : لا يحتمل أصلا لأن هذا القائل إنما غره فيما قاله سكون أوسط حمص ، فإن ما لا ينصرف إذا سكن أوسطه يكون في غاية الخفة ، وذلك يقاوم أحد السببين فيبقى الاسم بسبب واحد فيجوز صرفه ، ولكن هذا فيما إذا كان الاسم فيه علتان فبسكون الأوسط يبقى بسبب واحد ، وأما إذا كانت فيه ثلاث علل مثل ماه وجور فإنه لا ينصرف البتة لأن بعد مقاومة سكونه أحد الأسباب يبقى سببان ، وحمص كما ذكرنا فيها ثلاث علل فافهم . قوله أنه نبي بفتح أن عطف على قوله على خروج النبي عليه السلام ، وأراد بالخروج الظهور . قوله له في محل الجر لأنه صفة لدسكرة أي كائنة له . وقوله بحمص يجوز أن يكون صفة لدسكرة ويجوز أن يكون حالا من هرقل . قوله ثم اطلع أي خرج من الحرم وظهر على الناس . قوله وأن يثبت بفتح أن وهي مصدرية عطف على قوله في الفلاح ، أي : وهل لكم في ثبوت ملككم ؟ قوله وأيس من الإيمان جملة وقعت حالا بتقدير قد قوله آنفا ، قال بعضهم : منصوب على الحال ، قلت : لا يصح أن يكون حالا بل هو نصب على الظرف لأن معناه ساعة أو أول وقت كما ذكرنا . قوله أختبر بها حال وقد علم أن المضارع المثبت إذا وقع حالا لا يجوز فيه الواو . قوله آخر شأن هرقل أي آخر أمره في النبي عليه السلام في هذه القضية لأنه وقعت له قصص أخرى بعد ذلك وآخر بالنصب هو الصحيح من الرواية لأنه خبر كان ، وقوله ذلك اسمه وهو إشارة إلى ما ذكر من الأمور ، فإن صحت الرواية بالرفع فوجهه أن يكون اسم كان وخبره ذلك مقدما . ( بيان المعاني والبيان ) قوله الحرب بيننا وبينه سجال هذا تشبيه بليغ شبه الحرب بالسجال مع حذف أداة التشبيه لقصد المبالغة كما في قولك : زيد أسد ، إذا أردت به المبالغة في بيان شجاعته ، فصار كأنه عين الأسد ، ولهذا حمل الأسد عليه ، وذكر السجال وأراد به النوب ، يعني الحرب بيننا وبينه نوب نوبة لنا ونوبة له كالمستقيين إذا كان بينهما دلوان يستقي أحدهما دلوا والآخر دلوا ، هذا إذا أريد من السجال الدلاء لأنه جمع سجل بالفتح وهو الدلو العظيم ، وإن أريد به المصدر كالمساجلة وهي المفاخرة وهي أن يصنع أحدهما ما يصنع الآخر لا يكون من هذا الباب ، فافهم . قوله ولا تشركوا به أي بالله ، وهذه الجملة عطف على قوله اعبدوا الله وحده من عطف المنفي على المثبت ، وهو في الحقيقة عطف الخاص على العام من قبيل : تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فإن عبادة الله أعم من عدم الإشراك به ، وفي رواية لا تشركوا به بدون الواو ، فتكون الجملة الثانية في حكم التأكيد لأن بين الجملتين كمال الاتصال ، فتكون الثانية مؤكدة للأولى ومنزلة منها منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في اللفظ . قوله واتركوا ما تقول آباؤكم حذف المفعول منه ليدل على العموم ، أعني عموم قوله ما كانوا عليه في الجاهلية وفي ذكر الآباء تنبيه على أنهم هم القدوة في مخالفتهم للنبي عليه السلام ، وهم عبدة الأوثان والنصارى واليهود . قوله حين يخالط بشاشته القلوب مخالطة بشاشة الإيمان القلوب كناية عن انشراح الصدر والفرح به والسرور . قوله فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله فيه من فن المشاكلة والمطابقة وذلك لأن في كلام هرقل سألتك بما يأمركم ، فكذلك في حكايته عن كلام أبي سفيان قال : فذكرت أنه يأمركم بطريق المشاكلة ، وأبو سفيان في جوابه إياه فيما مضى لم يقل إلا قلت ، يقول : اعبدوا الله ، فعدل هاهنا عنه إلى قوله فذكرت أنه يأمركم ، وقال الكرماني في جواب هذا أن هرقل إنما غير عبارته تعظيما للرسول عليه السلام وتأدبا له . قوله أسلم تسلم فيه جناس اشتقاقي وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد . قوله فإن توليت أي أعرضت ، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الشيء ، قلت : هذا استعارة تبعية ، وقد علم أن الاستعارة على قسمين : أصلية ، وتبعية . وذلك باعتبار اللفظ لأنه إن كان اسم جنس سواء كان عينا أو معنى فالاستعارة أصلية كأسد وفيل ، وإن كان غير اسم جنس فالاستعارة تبعية ، وجه كونها تبعية أن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا ، والأمور الثلاثة عن الموصوفية بمعزل ، فتقع الاستعارة أولا في المصادر ومتعلقات معاني الحروف ثم تسري في الأفعال والصفات والحروف . قوله وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل قال الكرماني : ولفظ الصاحب هنا بالنسبة إلى هرقل حقيقة وبالنسبة إلى إيلياء مجاز ؛ إذ المراد منه الحاكم فيه وإرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي من لفظ واحد باستعمال واحد جائز عند الشافعي ، وأما عند غيره فهو مجاز بالنسبة إلى المعنيين باعتبار معنى شامل لهما ، ومثله يسمى بعموم المجاز ، قلت : لا نسلم اجتماع الحقيقة والمجاز هاهنا لأن فيه حذفا تقديره : وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وصاحب هرقل ، ففي الأول مجاز وفي الثاني حقيقة فلا جمع هاهنا ، وارتكاب الحذف أولى من ارتكاب المجاز فضلا عن الجمع بين الحقيقة والمجاز الذي هو كالمستحيل على ما عرف في موضعه . قوله من هذه الأمة أي من أهل هذا العصر ، وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم فيه تجوز ، والأمة في اللغة الجماعة ، قال الأخفش : هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة . وفي الحديث : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ، والمراد من قوله ملك هذه الأمة قد ظهر العرب خاصة . قوله فحاصوا حيصة حمر الوحش أي كحيصة حمر الوحش ، شبه نفرتهم وجهلهم مما قال لهم هرقل وأشار إليهم من أتباع الرسول عليه السلام بنفرة حمر الوحش لأنها أشد نفرة من سائر الحيوانات ، ويضرب المثل بشدة نفرتها . وقال بعضهم : شبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل في عدم الفطنة بل هم أضل ، قلت : هذا كلام من لا وقوف له في علمي المعاني والبيان ، ولا يخفى وجه التشبيه هاهنا على من له أدنى ذوق في العلوم . ( الأسئلة والأجوبة ) الأول : ما قيل أن قصة أبي سفيان مع هرقل إنما كانت في أواخر عهد البعثة ، فما مناسبة ذكرها لما ترجم عليه الباب وهو كيفية بدء الوحي ؟ وأجيب بأن كيفية بدء الوحي تعلم من جميع ما في الباب ، وهو ظاهر لا يخفى . الثاني : ما قيل أن هرقل لم خص الأقرب بقوله أيهم أقرب نسبا ، وأجيب بأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا ، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب . الثالث : ما قيل لم عدل عن السؤال عن نفس الكذب إلى السؤال عن التهمة ، وأجيب بأنه لتقريرهم على صدقه لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها . الرابع : ما قيل أن أبا سفيان لما قال له هرقل فهل يغدر ، قال : قلت : لا ، فما معنى كلامه بعده ونحن منه في مدة إلى آخره أجيب بأنه لما قطع بعدم غدره لعلمه من أخلاقه الوفاء والصدق أحال الأمر على الزمن المستقبل لكونه مغيبا وأورده على التردد ، ومع هذا كان يعلم أن صدقه ووفاءه ثابت مستمر ، ولهذا لم يقدح هرقل على هذا القدر منه . الخامس : ما قيل ما وجه قول أبي سفيان الحرب بيننا وبينه سجال أجيب بأنه أشار بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد ، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله : يوم بيوم بدر والحرب سجال . السادس : ما قيل كيف خصص أبو سفيان الأربعة المذكورة بالذكر ، وهي : الصلاة والصدق والعفاف والصلة ؟ وأجيب للإشارة إلى تمام مكارم الأخلاق وكمال أنواع فضائله ؛ لأن الفضيلة إما قولية وهي الصدق . وإما فعلية وهي إما بالنسبة إلى الله تعالى وهي الصلاة لأنها تعظيم الله تعالى ، وإما بالنسبة إلى نفسه وهي العفة ، وإما بالنسبة إلى غيره وهي الصلة . ولما كان مبنى هذه الأمور الصدق وصحتها موقوفة على التوحيد وترك الإشراك بالله تعالى أشار إليه بقوله أولا يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأشار بهذا القسم إلى التخلي عن الرذائل وبالقسم الأول إلى التحلي بالفضائل ، ويؤول حاصل الكلام إلى أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات فافهم . السابع : ما قيل لا تشركوا كيف يكون مأمورا به والعدم لا يؤمر به إذ لا تكليف إلا بفعل لا سيما في الأوامر ، وأجيب بأن المراد به التوحيد . الثامن : ما قيل لا تشركوا نهي ، فما معنى ذلك إذ لا يقال له أمر ؟ وأجيب بأن الإشراك منهي عنه وعدم الإشراك مأمور به مع أن كل نهي عن شيء أمر بضده وكل أمر بشيء نهي عن ضده . قلت : هذا الموضع فيه تفصيل لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهي عن ترك ذلك الشيء بالتضمن نهي تحريم إن كان الأمر للوجوب ونهي كراهة إن كان للندب ، فإذا قال : صم يلزمه أن لا يترك الصوم ، وإنما النزاع في أن الأمر هل هو نهي عن ضده الوجودي مثلا ، قولك : اسكن عين ، قولك : لا تتحرك بمعنى أن المعنى الذي عبر عنه بأسكن عين ما عبر عنه بلا تتحرك فتكون عبارتان لإفادة معنى واحد أم لا ؟ فيه النزاع ، لا في أن صيغة اسكن عين صيغة لا تتحرك ، فإنه ظاهر الفساد لم يذهب إليه أحد ، فذهب بعض الشافعية والقاضي أبو بكر أولا أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده بالمعنى المذكور . وقال القاضي آخرا وكثير من الشافعية وبعض المعتزلة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده لا أنه عينه إذ اللازم غير الملزوم . وذهب إمام الحرمين والغزالي وباقي المعتزلة إلى أنه لا حكم لكل واحد منهما في ضده أصلا بل هو مسكوت عنه ، ومنهم من اقتصر فقال : الأمر بالشيء عين النهي عن ضده أو يستلزمه ولم يتجاوز ، ومنهم من تجاوز إلى الجانب الآخر وقال : النهي عن الشيء عين الأمر بضده أو يستلزمه . وقال أبو بكر الجصاص : وهو مذهب عامة العلماء الحنفية ، وأصحاب الشافعي ، وأهل الحديث أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان له ضد واحد ؛ كالأمر بالإيمان نهي عن الكفر وإن كان له أضداد كالأمر بالقيام له أضداد ؛ من القعود والركوع والسجود والاضطجاع - يكون الأمر به نهيا عن جميع أضداده كلها ، وقال بعضهم : يكون نهيا عن واحد منها من غير عين ، وفصل بعضهم بين الأمر بالإيجاب والأمر بالندب ، فقال : أمر الإيجاب يكون نهيا عن ضد المأمور به وعن أضداده لكونها مانعة من قبل الموجب ، وأمر الندب لا يكون كذلك فكانت أضداد المندوب غير منهي عنها لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه ، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهيا عن ضده نهي ندب حتى يكون الامتناع عن ضد المندوب مندوبا كما يكون فعله مندوبا ، وأما النهي عن الشيء فأمر بضده إن كان له ضد واحد باتفاقهم ؛ كالنهي عن الكفر أمر بالإيمان وإن كان له أضداد ؛ فعند بعض الحنفية وبعض أصحاب الحديث يكون أمرا بالأضداد كلها كما في جانب الأمر ، وعند عامة الحنفية وعامة أصحاب الحديث يكون أمرا بواحد من الأضداد غير عين . وذهب بعضهم إلى أنه يوجب حرمة ضده ، وقال بعضهم : يدل على حرمة ضده ، وقال بعض الفقهاء : يدل على كراهة ضده ، وقال بعضهم : يوجب كراهة ضده . ومختار القاضي أبي زيد وشمس الأئمة وفخر الإسلام ومن تابعهم أنه يقتضي كراهة ضده والنهي عن الشيء يوجب أن يكون ضده في معنى سنة مؤكدة . التاسع : ما قيل وينهاكم عن عبادة الأوثان لم يذكره أبو سفيان فلم ذكره هرقل ؟ وأجيب بأنه قد لزم ذلك من قول أبي سفيان وحده ومن ولا تشركوا ومن واتركوا ما يقول آباؤكم ، ومقولهم كان عبادة الأوثان . العاشر : ما قيل ما ذكر هرقل لفظة الصلة التي ذكرها أبو سفيان فلم تركها ، وأجيب بأنها داخلة في العفاف إذ الكف عن الحرام وخوارم المروءة يستلزم الصلة وفيه نظر إلا أن يراد أن الاستلزام عقلي ، فافهم . الحادي عشر : ما قيل لم ما راعى هرقل الترتيب وقدم في الإعادة سؤال التهمة على سؤال الاتباع والزيادة والارتداد ، وأجيب بأن الواو ليست للترتيب أو أن شدة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله سبحانه وتعالى عنه بعثه على التقديم . الثاني عشر : ما قيل السؤال من أحد عشر وجها ، والمعاد في كلام هرقل تسعة حيث لم يقل وسألتك عن القتال وسألتك كيف كان قتالكم ، فلم ترك هذين الاثنين ، وأجيب لأن مقصوده بيان علامات النبوة وأمر القتال لا دخل له فيها إلا بالنظر إلى العاقبة ، وذلك عند وقوع هذه القصة كانت في الغيب ، وغير معلوم لهم أو لأن الراوي اكتفى بما سيذكره في رواية أخرى يوردها في كتاب الجهاد في باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام بعد تكرر هذه القصة مع الزيادات وهو أنه قال : وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم وزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولا وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة . الثالث عشر : ما قيل : كيف قال هرقل : وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ومن أين علم ذلك ، وأجيب باطلاعه في العلوم المقررة عندهم من الكتب السالفة . الرابع عشر : ما قيل كيف قال في الموضعين ، فقلت : وفي غيرهما لم يذكره ، وأجيب بأن هذين المقامين مقام تكبر وبطر بخلاف غيرهما . الخامس عشر : ما قيل كيف ، قال : وكنت أعلم أنه خارج ، ومأخذه من أين ، وأجيب بأن مأخذه إما من القرائن العقلية وإما من الأحوال العادية وإما من الكتب القديمة كما ذكرنا . السادس عشر : ما قيل هذه الأشياء التي سألها هرقل ليست بقاطعة على النبوة ، وإنما القاطع المعجزة الخارقة للعادة ، فكيف قال : وكنت أعلم أنه خارج بالتأكيدات والجزم ، وأجيب بأنه كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي عليه السلام ، وبه قطع ابن بطال . وقال : أخبار هرقل وسؤاله عن كل فصل فصل إنما كان عن الكتب القديمة ، وإنما كان ذلك كله نعتا للنبي عليه السلام مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . السابع عشر : ما قيل هل يحكم بإسلام هرقل بقوله فلو أني أعلم أني أخلص له لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت رجليه ؟ وأجيب بأنا لا نحكم به لأنه ظهر منه ما ينافيه ؛ حيث قال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم ، فعلمنا أنه ما صدر منه ما صدر عن التصديق القلبي والاعتقاد الصحيح بل لامتحان الرعية بخلاف إيمان ورقة فإنه لم يظهر منه ما ينافيه ، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون قوله ذلك خوفا على نفسه لما رآهم حاصوا حيصة الحمر الوحشية وأراد بذلك إسكاتهم وتطمينهم ، ومن أين وقفنا على ما في قلبه ؟ هل صدر هذا القول عن تصديق قلبي أم لا ؟ ولكن قال النووي : لا عذر فيما قال لو أعلم لتجشمت لأنه قد عرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرهما على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ، ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة . وقال الخطابي : إذا تأملت معاني هذا الكلام الذي وقع في مسألته عن أحوال الرسول عليه السلام وما استخرجه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره وجوامع شأنه ، ولله دره من رجل ! ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره ! وقال أبو عمر : آمن قيصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبت بطارقته ، قلت : قوله لو أعلم أني أخلص إليه يدل على أنه لم يكن يتحقق السلامة من القتل لو هاجر إلى النبي عليه السلام ، وقاس ذلك على قصة ضفاطر الذي أظهر لهم إسلامه فقتلوه ، ولكن لو نظر هرقل في الكتاب إليه إلى قوله عليه السلام : أسلم تسلم ، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لو أسلم لسلم من كل ما كان يخافه ، ولكن القدر ما ساعده ، ومما يقال أن هرقل آثر ملكه على الإيمان وتمادى على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين ، ففي مغازي ابن إسحاق : وبلغ المسلمين لما نزلوا معان من أرض الشام أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين ، فحكى كيفية الواقعة ، وكذا روى ابن حبان في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إليه أيضا من تبوك يدعوه وأنه قارب الإجابة ولم يجب ، فدل ظاهر هذا على استمراره على الكفر ، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله قومه ، لكن في مسند أحمد رحمه الله أنه كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني مسلم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : كذب بل هو على نصرانيته ، فعلى هذا إطلاق أبي عمر أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه وآثر الفانية على الباقية ، وقال ابن بطال : قول هرقل لو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه أي دون خلع ملكه ودون اعتراض عليه ، وكانت الهجرة فرضا على كل مسلم قبل فتح مكة ، فإن قيل : النجاشي لم يهاجر وهو مؤمن ، قلت : النجاشي كان ردأ للإسلام هناك وملجأ لمن أوذي من الصحابة ، وحكم الردء حكم المقاتل ، وكذا ردء اللصوص والمحاربين عند مالك والكوفيين يقتل بقتلهم ، ويجب عليه ما يجب عليهم وإن لم يحضروا القتل خلافا للشافعي ، ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر ، وضرب لهم الشارع بسهمهم وأجرهم . وقال ابن بطال : ولم يصح عندنا أن هرقل جهر بالإسلام ، وإنما عندنا أنه آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق ، ولسنا نقنع بالإسلام دون الجهر به ، ولم يكن هرقل مكرها حتى يعذر وأمره إلى الله تعالى ، وقد حكى القاضي عياض فيمن اطمأن قلبه بالإيمان ولم يتلفظ وتمكن من الإتيان بكلمتي الشهادة فلم يأت بها : هل يحكم بإسلامه أم لا ؟ اختلافا بين العلماء مع أن المشهور لا يحكم به ، وقيل : إن قوله : هل لكم في الفلاح والرشد فتبايعوا هذا الرجل ؟ يظهر أنه أعلن ، والله أعلم بحقيقة أمره . الثامن عشر : ما قيل أن قوله يؤتك الله أجرك مرتين يعارضه قوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وأجيب بأن هذا كان عدلا وكان ذاك فضلا كما في قوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ونحو ذلك . وأما أنه يؤتى الأجر مرتين مرة لإيمانه بعيسى عليه السلام ومرة لإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو موافق لقوله تعالى : أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الآية . التاسع عشر : ما قيل في قوله فإن عليك إثم الأريسيين كيف يكون إثم غيره عليه ؟ وقد قال الله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وأجيب بأن المراد أن إثم الإضلال عليه ، والإضلال أيضا وزره كالضلال على أنه معارض بقوله وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ العشرون : ما قيل : كيف علم هرقل أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين نظر في النجوم ؟ وأجيب بأنه علم ذلك بمقتضى حساب المنجمين لأنهم زعموا أن المولد النبوي كان بقران العلويين برج العقرب ، وهما يقرنان في كل عشرين سنة مرة إلى أن يستوفي الثلاثة بروجها في ستين سنة ، وكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور ، وعند تمام العشرين الثانية مجيء جبريل عليه السلام بالوحي ، وعند تمام الثالثة فتح خيبر وعمرة القضاء التي جرت فتح مكة وظهور الإسلام ، وفي تلك الأيام رأى هرقل ما رأى ، وقالوا أيضا أن برج العقرب مائي وهو دليل ملك القوم الذين يختتنون فكان ذلك دليلا على انتقال الملك إلى العرب ، وأما اليهود فليسوا مرادا هاهنا لأن هذا لمن سينتقل إليه الملك لا لمن انقضى ملكه . الحادي والعشرون : ما قيل : كيف سوغ البخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية خبر المنجم والاعتماد على ما يدل عليه أحكامهم ؟ وأجيب بأنه لم يقصد ذلك بل قصد أن يبين أن البشارات بالنبي عليه السلام جاءت من كل طريق وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل إنسي أو جني . الثاني والعشرون : ما قيل : إن قوله : حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه نبي يدل على أن كلا من هرقل وصاحبه قد أسلم ، فكيف حكمت بإسلام صاحبه ولم تحكم بإسلام هرقل ؟ وأجيب بأن ذلك استمر على إسلامه وقتل ، وهرقل لم يستمر وآثر ملكه على الإسلام . وقد روى ابن إسحاق أن هرقل أرسل دحية إلى ضفاطر الرومي ، وقال : إنه في الروم أجوز قولا مني وإن ضفاطر المذكور أظهر إسلامه وألقى ثيابه التي كانت عليه ولبس ثيابا بيضا ، وخرج إلى الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق ، فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه ، قال : فلما خرج دحية إلى هرقل قال له : قد قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا ، فضفاطر كان أعظم عندهم مني ، وقال بعضهم : فيحتمل أن يكون هو صاحب رومية الذي أبهم هنا ، ثم قال : لكن يعكر عليه ما قيل أن دحية لم يقدم على هرقل بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحديبية وإنما قدم عليه بالكتاب المكتوب في غزوة تبوك ، فعلى هذا يحتمل أن يكون وقعت لضفاطر قضيتان : إحداهما التي ذكرها ابن الناطور وليس فيها أنه أسلم ولا أنه قتل ، والثانية : التي ذكرها ابن إسحاق فإن فيها قصته مع دحية بالكتاب إلى قيصر وأنه أسلم فقتل ، والله أعلم . قلت : غزوة تبوك كانت في سنة تسع من الهجرة ، وذكر ابن جرير الطبري بعث دحية بالكتاب إلى قيصر في سنة ثمان ، وذكر السهيلي رحمه الله أن هرقل وضع كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي كتبه إليه في قصبة من ذهب تعظيما ، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر في أعز مكان ، حتى كان عند إذفرنش الذي تغلب على طيطلة وما أخذها من بلاد الأندلس ، ثم كان عند ابنه المعروف بشليطن ، وحكي أن الملك المنصور قلاون الألفي الصالحي أرسل سيف الدين طلح المنصوري إلى ملك الغرب بهدية فأرسله ملك الغرب إلى ملك الإفرنج في شفاعة فقبلها وعرض عليه الإقامة عنده فامتنع ، فقال له : لأتحفنك بتحفة سنية ، فأخرج له صندوقا مصفحا من ذهب فأخرج منه مقلمة من ذهب ، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه ، فقال : هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ، فما زلنا نتوارثه إلى الآن ، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا ، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم لنا الملك . ثم اختلف الإخباريون : هل هرقل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر أو ابنه ؟ فقال بعضهم : هو إياه ، وقال بعضهم : هو ابنه ، والذي أثبته في تاريخي عن أهل التواريخ والأخبار أن هرقل الذي كتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد هلك وملك بعده ابنه قيصر واسمه مورق ، وكان في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، ثم ملك بعده ابنه هرقل بن قيصر وكان في خلافة عمر رضي الله عنه وعليه كان الفتح ، وهو المخرج من الشام أيام أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما ، فاستقر بالقسطنطينية ، وعدة ملوكهم أربعون ملكا وسنوهم خمسمائة وسبع سنين ، والله أعلم . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : يستفاد من قوله إلى عظيم الروم ملاطفة المكتوب إليه وتعظيمه ، فإن قلت : لم لم يقل إلى ملك الروم ؟ قلت : لأنه معزول عن الحكم بحكم دين الإسلام ولا سلطنة لأحد إلا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك فلم لم يقل إلى هرقل فقط ؟ قلت : ليكون فيه نوع من الملاطفة ، فقال : عظيم الروم أي الذي تعظمه الروم ، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن يدعى إلى الإسلام ، وقال تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الثاني : فيه تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا ، فإن قلت : كيف صدر سليمان عليه السلام كتابه باسمه ، حيث قال : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قلت : خاف من بلقيس أن تسب ، فقدم اسمه حتى إذا سبت يقع على اسمه دون اسم الله تعالى . وقال الشيخ قطب الدين : وفيه أن السنة في المكاتبات أن يبدأ بنفسه ، فيقول : من فلان إلى فلان وهو قول الأكثرين ، وكذا في العنوان أيضا : يكتب كذلك ، واحتجوا بهذا الحديث وبما أخرجه أبو داود عن العلاء بن الحضرمي وكان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين ، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه ، وفي لفظ : بدأ باسمه ، وقال حماد بن زيد : كان الناس يكتبون من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان ، أما بعد . قال بعضهم : وهو إجماع الصحابة . وقال أبو جعفر النحاس : وهذا هو الصحيح ، وقال غيره : وكره جماعة من السلف خلافه ، وهو أن يكتب أولا باسم المكتوب إليه ، ورخص فيه بعضهم ، وقال : يبدأ باسم المكتوب إليه ، روي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية . وعن محمد بن الحنفية وأيوب السختياني أنهما قالا : لا بأس بذلك ، وقيل : يقدم الأب ولا يبدأ ولد باسمه على والده والكبير السن كذلك . قلت : يرده حديث العلاء لكتابته إلى أفضل البشر ، وحقه أعظم من حق الوالد وغيره . الثالث : فيه التوقي في المكاتبة واستعمال عدم الإفراط . الرابع : فيه دليل لمن قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة فيها اسم الله تعالى للضرورة ، وإن كان عن مالك الكراهة ؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله تعالى . الخامس : فيه الوجوب بعمل خبر الواحد وإلا لم يكن لبعثه مع دحية فائدة مع غيره من الأحاديث الدالة عليه . السادس : فيه حجة لمن منع أن يبتدأ الكافر بالسلام ، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء ، وأجازه جماعة مطلقا وجماعة للاستئلاف أو الحاجة ، وقد جاء عنه النهي في الأحاديث الصحيحة ، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام الحديث . وقال البخاري وغيره : ولا يسلم على المبتدع ولا على من اقترف ذنبا كبيرا ولم يتب منه ، ولا يرد عليهم السلام ، واحتج البخاري بحديث كعب بن مالك ، وفيه : نهى رسول الله عليه السلام عن كلامنا . السابع : فيه استحباب أما بعد في المكاتبة والخطبة ، وفي أول من قالها خمسة أقوال : داود عليه السلام ، أو قس بن ساعدة ، أو كعب بن لؤي ، أو يعرب بن قحطان ، أو سحبان الذي يضرب به المثل في الفصاحة . الثامن : فيه أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا عليه السلام ، فآمن به فله أجران . التاسع : قال الخطابي : في هذا الخبر دليل على أن النهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو في حمل المصحف والسور الكثيرة دون الآية والآيتين ونحوهما . وقال ابن بطال : إنما فعله عليه السلام لأنه كان في أول الإسلام ، ولم يكن بد من الدعوة العامة ، وقد نهى عليه السلام وقال : لا تسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، وقال العلماء : ولا يمكن المشركون من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى ، قلت : كلام الخطابي أصوب لأنه يلزم من كلام ابن بطال النسخ ، ولا يلزم من كلام الخطابي . والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار . العاشر : فيه دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهو واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم الدعوة ، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب . هذا مذهب الشافعي ، وفيه خلاف للجماعة ثلاثة مذاهب ، حكاها المازري والقاضي عياض . أحدها : يجب الإنذار مطلقا ، قاله مالك وغيره . والثاني : لا يجب مطلقا . والثالث : يجب إن لم تبلغهم الدعوة وإن بلغتهم فيستحب . وبه قال نافع والحسن والثوري والليث والشافعي وابن المنذر . قال النووي : وهو قول أكثر العلماء وهو الصحيح ، قلت : مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يستحب أن يدعو الإمام من بلغته مبالغة في الإنذار ، ولا يجب ذلك كمذهب الجمهور . الحادي عشر : فيه دليل على أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا ، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش لأنه أحوط من أن يدنسوا أحسابهم . الثاني عشر : فيه دليل لجمهور الأصوليين أن للأمر صيغة معروفة لأنه أتى بقول : اعبدوا الله ، في جواب ما يأمركم ، وهو من أحسن الأدلة لأن أبا سفيان من أهل اللسان ، وكذلك الراوي عنه ابن عباس بل هو من أفصحهم ، وقد رواه عنه مقرا له ، ومذهب بعض أصحاب الشافعي أنه مشترك بين القول والفعل بالاشتراك اللفظي . وقال آخرون بالاشتراك المعنوي ، وهو التواطؤ بأن يكون القدر المشترك بينهما على ما عرف في الأصول . الثالث عشر : قال بعض الشارحين : استدل به بعض أصحابنا على جواز مس المحدث والكافر كتابا فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن ، قلت : قال صاحب الهداية : قوله عليه السلام : لا يقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن بإطلاقه يتناول ما دون الآية أراد أنه لا يجوز للحائض والنفساء والجنب قراءة ما دون الآية خلافا للطحاوي وخلافا لمالك في الحائض ، ثم قال : وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن إلا بصرته ، ولا يمس المحدث المصحف إلا بغلافه ، ويكره مسه بالكم ، وهو الصحيح بخلاف الكتب الشرعية حيث يرخص في مسها بالكم لأن فيه ضرورة ، ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان لأن في المنع تضييع حفظ القرآن ، وفي الأمر بالتطهير حرجا لهم ، هذا هو الصحيح . الرابع عشر : فيه استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة ، فإن قوله عليه الصلاة والسلام : أسلم تسلم في نهاية الاختصار وغاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس . الخامس عشر : فيه جواز المسافرة إلى أرض الكفار . السادس عشر : فيه جواز البعث إليهم بالآية من القرآن ونحوها . السابع عشر : فيه من كان سببا لضلالة أو منع هداية كان آثما . الثامن عشر : فيه أن الكذب مهجور وعيب في كل أمة . التاسع عشر : يجب الاحتراز عن العدو لأنه لا يؤمن أن يكذب على عدوه . العشرون : أن الرسل لا ترسل إلا من أكرم الأنساب لأن من شرف نسبه كان أبعد من الانتحال لغير الحق . الحادي والعشرون : فيه البيان الواضح أن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاماته كان معلوما لأهل الكتاب علما قطعيا ، وإنما ترك الإيمان من تركه منهم عنادا أو حسدا أو خوفا على فوات مناصبهم في الدنيا . رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري . أي روى الحديث المذكور صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس . أخرجه البخاري بتمامه في كتاب الحج من طريق إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان به ، ولكنه انتهى عند قول أبي سفيان : حتى أدخل الله علي الإسلام ، ولم يذكر قصة ابن الناطور ، وكذا أخرجه مسلم بدونها من رواية إبراهيم المذكور ، وصالح هو أبو محمد ، ويقال : أبو الحارث بن كيسان الغفاري بكسر الغين المعجمة والفاء المخففة وبالراء ، والدوسي بفتح الدال المهملة مولاهم المدني ، مؤدب ، ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، سمع ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من التابعين ، وعنه من التابعين عمرو بن دينار وغيره . سئل أحمد عنه ، فقال : بخ بخ ، قال الحاكم : توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة ، وكان لقي جماعة من الصحابة ، ثم بعد ذلك تلمذ عن الزهري وتلقن منه العلم وهو ابن تسعين سنة ، قال الواقدي : توفي بعد الأربعين ومائة ، قال غيره : سنة خمس وأربعين ، قلت : فعلى هذا يكون أدرك النبي عليه السلام وعمره نحو عشرين ، وفيما قاله الحاكم نظر ، وليس في الكتب الستة صالح بن كيسان غير هذا ، فافهم . قوله ويونس أي رواه أيضا يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري ، وأخرج رواية البخاري أيضا بهذا الإسناد في الجهاد مختصرة من طريق الليث ، وفي الاستئذان مختصرة أيضا من طريق ابن المبارك ؛ كلاهما عن يونس عن الزهري بسنده بعينه ولم يسقه بتمامه ، وقد ساقه بتمامه الطبراني من طريق عبد الله بن صالح عن الليث ، وذكر فيه قصة ابن الناطور . قوله ومعمر أي رواه أيضا معمر بن راشد عن الزهري وأخرج روايته أيضا البخاري بتمامها في التفسير ، فقد ظهر لك أن هؤلاء الثلاثة عند البخاري ، عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، وأن الزهري إنما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد ، وهو عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما لا كما توهمه الكرماني ؛ حيث يقول : اعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين : أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور أيضا ، كأنه قال : أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، قال : أخبرنا هؤلاء الثلاثة ، عن الزهري . وأن يروي عنه بطريق آخر كما أن الزهري أيضا يحتمل في روايته للثلاثة أن يروي عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس ، وأن يروي لهم عن غيره وهذا توهم فاسد من وجهين ، أحدهما : أن أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان ولا سمع من يونس ، والآخر : لو احتمل أن يروي الزهري هذا الحديث لهؤلاء الثلاثة أو لبعضهم عن شيخ آخر لكان ذلك خلافا قد يفضي إلى الاضطراب الموجب للضعف ، وهذا إنما نشأ منه لعدم تحريره في النقل واعتماده من هذا الفن على العقل .
1 - حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، قال : أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه . ( بيان تعلق الحديث بالآية ) إن الله تعالى أوحى إلى نبينا وإلى جميع الأنبياء عليهم السلام إن الأعمال بالنيات والحجة له قوله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ الآية ، والإخلاص النية قال أبو العالية : وصاهم بالإخلاص في عبادته وقال مجاهد : أوصيناك به والأنبياء دينا واحدا ومعنى شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء عليهم السلام ثم فسر الشرع المشترك بينهم فقال : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ( بيان تعلق الحديث بالترجمة ) ذكر فيه وجوه : الأول : أن النبي عليه السلام خطب بهذا الحديث لما قدم المدينة حين وصل إلى دار الهجرة وذلك كان بعد ظهوره ونصره واستعلائه فالأول مبدأ النبوة والرسالة والاصطفاء وهو قوله باب بدء الوحي ، والثاني : بدء النصر والظهور ومما يؤيده أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة فشكوا إلى النبي عليه السلام وسألوه أن يغتالوا من أمكنهم منهم ويغدروا به فنزلت : إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ فنهوا عن ذلك وأمروا بالصبر إلى أن هاجر النبي عليه السلام فنزلت أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الآية فأباح الله قتالهم فكان إباحة القتال مع الهجرة التي هي سبب النصرة والغلبة وظهور الإسلام . الثاني : أنه لما كان الحديث مشتملا على الهجرة وكانت مقدمة النبوة في حقه هجرته إلى الله تعالى ومناجاته في غار حراء فهجرته إليه كانت ابتداء فضله باصطفائه ونزول الوحي عليه مع التأييد الإلهي والتوفيق الرباني . الثالث : أنه إنما أتى به على قصد الخطبة والترجمة للكتاب وقال محمد بن إسماعيل التيمي لما كان الكتاب معقودا على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة وهو الوحي ولم ير أن يقدم عليه شيئا لا خطبة ولا غيرها بل أورد حديث : « إنما الأعمال بالنيات » بدلا من الخطبة ، وقال بعضهم : ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق لأنها تضمنت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بهذا الحديث على المنبر فلما صلح أن يدخل في خطبة المنابر كان صالحا أن يدخل في خطبة الدفاتر قلت : هذا فيه نظر لأن الخطبة عبارة عن كلام مشتمل على البسملة والحمدلة والثناء على الله تعالى بما هو أهله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويكون في أول الكلام والحديث غير مشتمل على ذلك وكيف يقصد به الخطبة مع أنه في أوسط الكلام ، وقول القائل : فلما صلح أن يدخل في خطبة المنابر إلى آخره غير سديد لأن خطبة المنابر غير خطبة الدفاتر فكيف تقوم مقامها وذلك لأن خطبة المنابر تشتمل على ما ذكرنا مع اشتمالها على الوصية بالتقوى والوعظ والتذكير ونحو ذلك بخلاف خطبة الدفاتر فإنها بخلاف ذلك أما سمع هذا القائل لكل مكان مقال غاية ما في الباب أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خطب للناس وذكر في خطبته في جملة ما ذكر هذا الحديث ولم يقتصر على ذكر الحديث وحده ، ولئن سلمنا أنه اقتصر في خطبته على هذا الحديث ولكن لا نسلم أن تكون خطبته به دليلا على صلاحه أن تكون خطبة في أوائل الكتب لما ذكرنا فهل يصلح أن يقوم التشهد موضع القنوت أو العكس ونحو ذلك وذكروا فيه أوجها أخرى كلها مدخولة . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : الحميدي هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد بن أسامة بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي ومع خديجة بنت خويلد بن أسد زوج النبي صلى الله عليه وسلم في أسد بن عبد العزى من رؤساء أصحاب ابن عيينة توفي بمكة سنة تسع عشرة ومائتين ، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه وروى مسلم في المقدمة عن سلمة بن شبيب عنه . الثاني : سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك إمام جليل في الحديث والفقه والفتوى ، وهو أحد مشايخ الشافعي ولد سنة سبع ومائة ، وتوفي غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة . الثالث : يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري المدني تابعي مشهور من أئمة المسلمين ولي قضاء المدينة وأقدمه المنصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية وتوفي بها سنة ثلاث وقيل أربع وأربعين ومائة روى له الجماعة . الرابع : محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة كان كثير الحديث توفي سنة عشرين ومائة روى له الجماعة . الخامس : علقمة بن وقاص الليثي يكنى بأبي واقد ذكره أبو عمرو بن منده في الصحابة وذكره الجمهور في التابعين توفي بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان . السادس : عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء وفتح الياء آخر الحروف بن عبد الله بن قرط بن رزاح بفتح الراء أوله ثم زاي مفتوحة أيضا ابن عدي أخي مرة وهصيص ابني كعب بن لؤي العدوي القرشي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب الأب الثامن ، وأمه حنتمة بالحاء المهملة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر أخي عامر وعمران ابني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ، وقال أبو عمر والصحيح أنها بنت هاشم ، وقيل : بنت هشام فمن قال بنت هشام فهي أخت أبي جهل ، ومن قال بنت هاشم فهي ابنة عم أبي جهل . ( بيان ضبط الرجال ) الحميدي بضم الحاء وفتح الميم ، وسفيان بضم السين على المشهور وحكى كسرها وفتحها أيضا وأبوه عيينة بضم العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف وبعدها ياء أخرى ساكنة ثم نون مفتوحة ، وفي آخره هاء ويقال بكسر العين أيضا ، وعلقمة بفتح العين المهملة والوقاص بتشديد القاف . ( بيان الأنساب ) الحميدي نسبة إلى جده حميد المذكور بالضم ، وقال السمعاني : نسبة إلى حميد بطن من أسد بن عبد العزى بن قصي ، وقيل : منسوب إلى الحميدات قبيلة وقد يشتبه هذا بالحميدي المتأخر صاحب الجمع بين الصحيحين وهو العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل بكسر الياء آخر الحروف والصاد المهملة المكسورة ثم لام الأندلسي الإمام ، ذو التصانيف في فنون سمع الخطيب وطبقته وبالأندلس ابن حزم وغيره ، وعنه الخطيب وابن ماكولا وخلق ثقة متقن مات ببغداد سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة وهو يشتبه بالحميدي بالفتح وكسر الميم نسبة لإسحاق بن تكينك الحميدي مولى الأمير الحميد الساماني ، والأنصاري نسبة إلى الأنصار واحدهم نصير كشريف وأشراف ، وقيل : ناصر كصاحب وأصحاب وهو وصف لهم بعد الإسلام وهم قبيلتان الأوس والخزرج ابنا حارثة بالحاء المهملة ابن ثعلبة بن مازن ابن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام . والتيمي : نسبة إلى عدة قبائل اسمها تيم منها تيم قريش منها خلق كثير من الصحابة فمن بعدهم منها محمد بن إبراهيم المذكور . والليثي : نسبة إلى ليث بن بكر . ( بيان فوائد تتعلق بالرجال ) ليس في الصحابة من اسمه عمر بن الخطاب غيره ، وفي الصحابة عمر ثلاثة وعشرون نفسا على خلاف في بعضهم ، وربما يلتبس بعمر وبزيادة واو في آخره وهم خلق فوق المائتين بزيادة أربعة وعشرين على خلاف في بعضهم ، وفي الرواة عمر بن الخطاب غير هذا الاسم ستة . الأول كوفي روى عنه خالد بن عبد الله الواسطي . الثاني : راسبي روى عنه سويد أبو حاتم . الثالث : إسكندري روى عن ضمام بن إسماعيل . الرابع : عنبري روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري . الخامس : سجستاني روى عن محمد بن يوسف الفريابي . السادس : سدوسي بصري روى عن معتمر بن سليمان ، وليس في الكتب الستة من اسمه علقمة بن وقاص غيره ، وجملة من اسمه يحيى بن سعيد في الحديث ستة عشر ، وفي الصحيح جماعة يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الحافظ ، ويحيى بن سعيد بن حيان أبو التيمي الإمام ، ويحيى بن سعيد بن العاص الأموي تابعي ، ويحيى بن سعيد بن فروخ القطاني التيمي الحافظ أحد الأعلام ، ولهم يحيى بن سعيد العطار براء في آخره واه ، وعبد الله بن الزبير في الكتب الستة ثلاثة أحدهم الحميدي المذكور ، والثاني حميدي الصحابي ، والثالث البصري روى له ابن ماجه والترمذي في الشمائل ، وفي الصحابة أيضا عبد الله بن الزبير بن المطلب بن هاشم ، وليس لهما ثالث في الصحابة رضي الله عنهم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني فالأولان مكيان ، والباقون مدنيون ، ومنها رواية تابعي عن تابعي ، وهما يحيى ومحمد التيمي ، وهذا كثير وإن شئت قلت فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة على قول الجمهور كما قلنا : إنه تابعي لا صحابي ، ومنها رواية صحابي عن صحابي على قول من عده صحابيا ، وألطف من هذا أنه يقع رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض ، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض ، وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصبهاني جزأ لرباعي الصحابة وخماسيهم ، ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع اختلاف طرقه وهو حديث منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف ، عن الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون الأودي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ( قل هو الله أحد ) تعدل ثلث القرآن ، وقال يعقوب بن شيبة : وهو أطول إسناد روي ، قال الخطيب : والأمر كما قال ، قال : وقد روى هذا الحديث أيضا من طريق سبعة من التابعين ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال ، عن عمرو ، عن الربيع ، عن عبد الرحمن فذكره . ومنها أنه أتى فيه بأنواع الرواية ، فأتى بحدثنا الحميدي ثم بعن في قوله : عن سفيان ، ثم بلفظ أخبرني محمد ثم بسمعت عمر رضي الله عنه يقول ، فكأنه يقول : هذه الألفاظ كلها تفيد السماع والاتصال كما سيأتي عنه في باب العلم عن الحميدي ، عن ابن عيينة أنه قال : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا ، وسمعت واحد والجمهور قالوا : أعلى الدرجات لهذه الثلاثة سمعت ثم حدثنا ثم أخبرنا ، واعلم أنه إنما وقع عن سفيان في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره حدثنا سفيان ، وعن هذا اعترض على البخاري في قوله عن سفيان ؛ لأنه قال جماعة بأن الإسناد المعنعن يصير الحديث مرسلا ، وأجيب بأن ما وقع في البخاري ومسلم من العنعنة فمحمول على السماع من وجه آخر ، وأما غير المدلس فعنعنته محمولة على الاتصال عند الجمهور مطلقا في الكتابين ، وغيرهما لكن بشرط إمكان اللقاء ، وزاد البخاري اشتراط ثبوت اللقاء . قلت : وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه مذاهب . أحدها : لا يشترط شيء من ذلك ونقل مسلم في مقدمة صحيحه الإجماع عليه . والثاني : يشترط ثبوت اللقاء وحده وهو قول البخاري والمحققين . والثالث : يشترط طول الصحبة . والرابع : يشترط معرفته بالرواية عنه والحميدي مشهور بصحبة ابن عيينة وهو أثبت الناس فيه ، قال أبو حاتم : هو رئيس أصحابه ثقة إمام ، وقال ابن سعد : هو صاحبه وراويته والأصح أن إن كعن بالشرط المتقدم ، وقال أحمد وجماعة : يكون منقطعا حتى يتبين السماع ، ومنها أن البخاري قد ذكر في هذا الحديث الألفاظ الأربعة وهي أن وسمعت وعن وقال ، فذكرها هاهنا ، وفي الهجرة والنذور وترك الحيل بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي باب العتق بلفظ عن ، وفي باب الإيمان بلفظ أن وفي النكاح بلفظ قال ، وقد قام الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين هذه الألفاظ . ومنها أن البخاري رحمه الله ذكر في بعض رواياته لهذا الحديث سمعت رسول الله عليه السلام ، وفي بعضها سمعت النبي عليه السلام ويتعلق بذلك مسألة وهي هل يجوز تغيير قال النبي إلى قال الرسول أو عكسه ، فقال ابن الصلاح : والظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى لاختلاف معنى الرسالة والنبوة ، وسهل في ذلك الإمام أحمد رحمه الله ، وحماد بن سلمة ، والخطيب وصوبه النووي . قلت : كان ينبغي أن يجوز التغيير مطلقا لعدم اختلاف المعنى هاهنا وإن كانت الرسالة أخص من النبوة وقد قلنا : إن كل رسول نبي من غير عكس وهو الذي عليه المحققون ومنهم من لم يفرق بينهما ، وهو غير صحيح ومن الغريب ما قاله الحليمي في هذا الباب أن الإيمان يحصل بقول الكافر آمنت بمحمد النبي دون محمد الرسول ، وعلل بأن النبي لا يكون إلا لله والرسول قد يكون لغيره . ( بيان نوع الحديث ) هذا فرد غريب باعتبار مشهور باعتبار آخر ، وليس بمتواتر خلافا لما يظنه بعضهم ، فإن مداره على يحيى بن سعيد ، وقال الشيخ قطب الدين رحمه الله : يقال : هذا الحديث مع كثرة طرقه من الأفراد ، وليس بمتواتر لفقد شرط التواتر ، فإن الصحيح أنه لم يروه عن النبي عليه السلام سوى عمر ولم يروه عن عمر إلا علقمة ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم ، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومنه انتشر فهو مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله ، وهو مجمع على صحته وعظم موقعه ، وروينا عن أبي الفتوح الطائي بسند صحيح متصل أنه قال : رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي نفس ، وقد اتفقوا على أنه لا يصح مسندا إلا من هذه الطريق المذكورة ، وقال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن هذا الحديث لا يصح مسندا عن النبي عليه السلام إلا من حديث عمر رضي الله عنه قلت : يريد ما ذكره الحافظ أبو يعلى الخليل حيث قال : غلط فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد المكي في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر رضي الله عنه فقال : فيه عبد المجيد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الأعمال بالنية » قال : ورواه عنه نوح بن حبيب ، وإبراهيم بن عتيق وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه من الوجوه قال : فهذا مما أخطأ فيه الثقة ، عن الثقة قالوا : إنما هو حديث آخر ألصق به هذا . قلت : أحال الخطابي الغلط على نوح ، وأحال الخليل الغلط على عبد المجيد انتهى ، قلت : قد رواه عن النبي عليه السلام غير عمر من الصحابة رضي الله عنهم وإن كان البزار قال : لا نعلم روي هذا الحديث إلا عن عمر ، عن رسول الله عليه السلام بهذا الإسناد ، وكذا قال ابن السكوني في كتابه المسمى بالسنن الصحاح المأثورة لم يروه عن النبي عليه السلام بإسناد غير عمر بن الخطاب وكذا الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب حيث قال : لم يروه عن النبي عليه الصلاة والسلام غير عمر رضي الله عنه . وقال ابن منده : رواه عن النبي عليه الصلاة والسلام غير عمر سعد بن أبي وقاص ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأنس وابن عباس ، ومعاوية ، وأبو هريرة ، وعبادة بن الصامت ، وعتبة بن عبد الأسلمي ، وهزال بن سويد ، وعتبة بن عامر ، وجابر بن عبد الله ، وأبو ذر ، وعتبة بن المنذر ، وعقبة بن مسلم رضي الله تعالى عنهم ، وأيضا قد توبع علقمة ، والتيمي ، ويحيى بن سعيد على روايتهم قال ابن منده : هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة ابنه عبد الله وجابر وأبو جحيفة ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة وذو الكلاع ، وعطاء بن يسار ، وواصل بن عمرو الجذامي ، ومحمد بن المنكدر . ورواه عن علقمة غير التيمي سعيد بن المسيب ، ونافع مولى ابن عمر ، وتابع يحيى بن سعيد على روايته ، عن التيمي محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثي ، وداود بن أبي الفرات ، ومحمد بن إسحاق ، وحجاج بن أرطاة ، وعبد الله بن قيس الأنصاري ، ولا يدخل هذا الحديث في حد الشاذ . وقد اعترض على بعض علماء أهل الحديث حيث قال : الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد تفرد به ثقة أو غيره فأورد عليه الإجماع على العمل بهذا الحديث ، وشبهه وأنه في أعلى مراتب الصحة وأصل من أصول الدين مع أن الشافعي رضي الله عنه حده بكلام بديع فإنه قال هو وأهل الحجاز : الشاذ هو أن يروي الثقة مخالفا لرواية الناس لا أن يروي ما لا يروي الناس ، وهذا الحديث وشبهه ليس فيه مخالفة بل له شواهد تصحح معناه من الكتاب والسنة ، وقال الخليلي : إن الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره ، فما كان عن غير ثقة فمردود ، وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به ، وقال الحاكم : إنه ما انفرد به ثقة وليس له أصل يتابع . قلت : ما ذكروه يشكل بما ينفرد به العدل الضابط كهذا الحديث فإنه لا يصح إلا فردا وله متابع أيضا كما سلف ، ثم اعلم أنه لا يشك في صحة هذا الحديث لأنه من حديث الإمام يحيى بن سعيد الأنصاري ، رواه عنه حفاظ الإسلام وأعلام الأئمة مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، والثوري ، وسفيان بن عيينة ، والليث بن سعد ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الوهاب وخلائق لا يحصون كثرة ، وقد ذكره البخاري من حديث سفيان ، ومالك ، وحماد بن زيد ، وعبد الوهاب كما سيأتي ، قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ : روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلا ، وذكر ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة ، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني : سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة : قال الإمام عبد الله الأنصاري : كتبت هذا الحديث ، عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد ، وقال الحافظ أبو موسى المديني وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي : إنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل . فإن قيل : قد ذكر في تهذيب مستمر الأوهام لابن ماكولا أن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي وذكر في موضع آخر أنه يقال : لم يسمعه التيمي من علقمة ، قلت : رواية البخاري ، عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة ، ترد هذا ، وبما ذكرنا أيضا يرد ما قاله ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار أن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودا لأنه حديث فرد . ( بيان تعدد الحديث في الصحيح ) قد ذكره في ستة مواضع أخرى من صحيحه ، عن ستة شيوخ آخرين أيضا الأول في الإيمان في باب ما جاء « إن الأعمال بالنية » ، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الأعمال بالنية ، ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . الثاني : في العتق في باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه ، عن محمد بن كثير ، عن سفيان الثوري ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد ، عن علقمة قال : سمعت عمر رضي الله عنه يقول ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الأعمال بالنية ولامرئ ما نوى فمن كانت هجرته » الحديث بمثل ما قبله . الثالث : في باب هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، عن مسدد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى ، عن محمد ، عن علقمة سمعت عمر رضي الله عنه قال : سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول :« الأعمال بالنية فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » . الرابع : في النكاح في باب من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امرأة فله ما نوى ، عن يحيى بن قزعة حدثنا مالك ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن علقمة ، عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « العمل بالنية وإنما لامرئ ما نوى » الحديث بلفظه في الإيمان إلا أنه قال :« ينكحها » بدل« يتزوجها » . الخامس : في الأيمان والنذور في باب النية في الأيمان ، عن قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد الوهاب سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول :« إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . السادس : في باب ترك الحيل ، عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى ، عن محمد ، عن علقمة قال : سمعت عمر يخطب قال : سمعت النبي عليه السلام يقول :« يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في صحيحه في آخر كتاب الجهاد ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك بلفظ : « إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى » الحديث مطولا وأخرجه أيضا ، عن محمد بن رمح بن المهاجر ، عن الليث ، وعن ابن الربيع العتكي ، عن حماد بن زيد ، وعن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب الثقفي ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي خالد الأحمر ، وعن ابن نمير ، عن حفص بن غياث ، ويزيد بن هارون ، وعن محمد بن العلاء ، عن ابن المبارك ، وعن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة كلهم ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد ، عن علقمة ، عن عمر ، وفي حديث سفيان سمعت عمر على المنبر يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرجه أبو داود في الطلاق ، عن محمد بن كثير ، عن سفيان والترمذي في الحدود ، عن ابن المثنى ، عن الثقفي ، والنسائي ، عن يحيى بن حبيب ، عن حماد بن زيد ، وعن سليمان بن منصور ، عن ابن المبارك ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي خالد الأحمر ، وعن عمرو بن منصور ، عن القعنبي ، وعن الحارث ، عن أبي القاسم جميعا ، عن مالك ذكره في أربعة أبواب من سننه الإيمان والطهارة والعتاق والطلاق ، ورواه ابن ماجه في الزهد من سننه ، عن أبي بكر ، عن يزيد بن هارون ، وعن ابن رمح ، عن الليث . كل هؤلاء عن يحيى ، عن محمد ، عن علقمة ، عن عمر به ، ورواه أيضا أحمد في مسنده والدارقطني وابن حبان والبيهقي ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك ، فإنه لم يخرجه في موطئه ، ووهم ابن دحية الحافظ فقال في إملائه على هذا الحديث : أخرجه مالك في الموطأ ، ورواه الشافعي عنه وهذا عجيب منه . ( بيان اختلاف لفظه ) قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ « إنما الأعمال بالنيات » « الأعمال بالنية » « العمل بالنية » وادعى النووي في تلخيصه قلتها ، والرابع : « إنما الأعمال بالنية » وأورده القضاعي في الشهاب بلفظ خامس « الأعمال بالنيات » بحذف إنما وجمع الأعمال والنيات قلت : هذا أيضا موجود في بعض نسخ البخاري ، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني : لا يصح إسنادها وأقره النووي على ذلك في تلخيصه وغيره وهو غريب منهما ، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في صحيحه ، عن علي بن محمد العتابي ، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد ، عن علقمة ، عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الأعمال بالنيات » الحديث ، وأخرجه أيضا الحاكم في كتابه الأربعين في شعار أهل الحديث ، عن أبي بكر بن خزيمة ، ثنا القعنبي ، ثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد به سواء ثم حكم بصحته ، وأورده ابن الجارود في المنتقى بلفظ سادس ، عن ابن المقري حدثنا سفيان ، عن يحيى به : « إن الأعمال بالنية وإن لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا » الحديث وأورده الرافعي في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب وهو : « ليس للمرء من عمله إلا ما نواه » وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعا : « لا عمل لمن لا نية له » وهو بمعناه لكن في إسناده جهالة . ( بيان اختياره هذا في البداية ) أراد بهذا إخلاص القصد وتصحيح النية وأشار به إلى أنه قصد بتأليفه الصحيح وجه الله تعالى ، وقد حصل له ذلك حيث أعطى هذا الكتاب من الحظ ما لم يعط غيره من كتب الإسلام ، وقبله أهل المشرق والمغرب ، وقال ابن مهدي الحافظ : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث ، وقال : لو صنفت كتابا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث ، وقال أبو بكر بن داسة : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن النبي عليه الصلاة والسلام خمسمائة ألف حديث انتخبت منها أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث في الأحكام ، فأما أحاديث الزهد والفضائل فلم أخرجها ، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث : « الأعمال بالنيات » و« الحلال بين والحرام بين » « ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » و« لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه » وقال القاضي عياض : ذكر الأئمة أن هذا الحديث ثلث الإسلام وقيل : ربعه ، وقيل : أصول الدين ثلاثة أحاديث ، وقيل : أربعة ، قال الشافعي وغيره : يدخل فيه سبعون بابا من الفقه ، وقال النووي : لم يرد الشافعي رحمه الله تعالى انحصار أبوابه في هذا العدد فإنها أكثر من ذلك ، وقد نظم طاهر بن مفوز الأحاديث الأربعة : عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية فإن قيل : ما وجه قولهم : إن هذا الحديث ثلث الإسلام ؟ قلت : لتضمنه النية والإسلام قول وفعل ونية ولما بدأ البخاري كتابه به لما ذكرنا من المعنى ختمه بحديث التسبيح ؛ لأن به تتعطر المجالس وهو كفارة لما قد يقع من الجالس . فإن قيل : لم اختار من هذا الحديث مختصره ولم يذكر مطوله هاهنا ؟ قلت : لما كان قصده التنبيه على أنه قصد به وجه الله تعالى وأنه سيجزى بحسب نيته ابتدأ بالمختصر الذي فيه إشارة إلى أن الشخص يجزى بقدر نيته ، فإن كانت نيته وجه الله تعالى يجزى بالثواب والخير في الدارين ، وإن كانت نيته وجها من وجوه الدنيا فليس له حظ من الثواب ، ولا من خير الدنيا والآخرة . وقال بعض الشارحين : سئلت عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرا ، ولم لا ذكره مطولا كما ذكر في غيره من الأبواب فأجبته في الحال بأن عمر قاله على المنبر ، وخطب به فأراد التأسي به . قلت : قد ذكره البخاري أيضا مطولا في ترك الحيل ، وفيه أنه خطب به كما سيأتي ، فإذن لم يقع كلامه جوابا . فإن قلت : لم قدم رواية الحميدي على غيره من مشايخه الذين روى عنهم هذا الحديث ؟ قلت : هذا السؤال ساقط لأنه لو قدم رواية غيره لكان يقال : لم قدم هذا على غيره ويمكن أن يقال : إن ذاك لأجل كون رواية الحميدي أخصر من رواية غيره ، وفيه الكفاية على دلالة مقصوده ، وقال بعضهم : قدم الرواية عن الحميدي ؛ لأنه قرشي مكي إشارة إلى العمل بقوله عليه الصلاة والسلام : « قدموا قريشا ولا تقدموها » وإشعارا بأفضلية مكة على غيرها من البلاد ، ولأن ابتداء الوحي كان منها فناسب بالرواية عن أهلها في أول بدء الوحي ، ومن ثمة ثنى بالرواية عن مالك لأنه فقيه الحجاز ولأن المدينة تلو مكة في الفضل وقد بينتها في نزول الوحي . قلت : ليس البخاري هاهنا في صدد بيان فضيلة قريش ، ولا في بيان فضيلة مكة حتى يبتدئ برواية شخص قرشي مكي ، ولئن سلمنا فما وجه تخصيص الحميدي من بين الرواة القرشيين المكيين ؟ وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام : « قدموا قريشا » إنما هو في الإمامة الكبرى ليس إلا وفي غيرها يقدم الباهلي العالم على القرشي الجاهل ، وقوله : ولأن ابتداء الوحي إلى آخره إنما يستقيم أن لو كان الحديث في أمر الوحي وإنما الحديث في النية فلا يلزم من ذلك ما قاله فافهم . ( بيان اللغة ) قوله :« سمعت » من سمعت الشيء سمعا وسماعا وسماعة والسمع سمع الإنسان فيكون واحدا وجمعا قال الله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ لأنه في الأصل مصدر كما ذكرنا ، ويجمع على أسماع وجمع القلة أسمع وجمع الأسمع أسامع ثم النحاة اختلفوا في سمعت هل يتعدى إلى مفعولين على قولين : أحدهما : نعم ، وهو مذهب الفارسي قال : لكن لا بد أن يكون الثاني مما يسمع كقولك : سمعت زيدا يقول كذا ، ولو قلت : سمعت زيدا أخاك لم يجز ، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد ، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال أي سمعته حال قوله كذا . قوله : « على المنبر » بكسر الميم مشتق من النبر وهو الارتفاع قال الجوهري : نبرت الشيء أنبره نبرا رفعته ومنه سمي المنبر قلت : هو من باب ضرب يضرب وفي العباب نبرت الشيء أنبره مثل كسرته أكسره أي : رفعته ومنه سمي المنبر لأنه يرتفع ويرفع الصوت عليه فإن قلت : هذا الوزن من أوزان الآلة وقد علم أنها ثلاثة مفعل كمحلب ومفعال كمفتاح ومفعلة كمكحلة ، وكان القياس فيه فتح الميم لأنه موضع العلو والارتفاع . قلت : هذا ونحوه من الأسماء الموضوعة على هذه الصيغة ، وليست على القياس ، وقال الكرماني : وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع وفيه نظر لأن الآلة هي ما يعالج بها الفاعل المفعول كالمفتاح ونحوه ، والمنبر ليس كذلك وإنما هو موضع العلو والارتفاع ، والصحيح ما ذكرناه . قوله :« الأعمال » جمع عمل وهو مصدر قولك عمل يعمل عملا والتركيب يدل على فعل يفعل ، فإن قلت : ما الفرق بين العمل والفعل ؟ قلت : قال الصغاني : وتركيب الفعل يدل على إحداث شيء من العمل وغيره فهذا يدل على أن الفعل أعم منه ، والفعل بالكسر الاسم ، وجمعه فعال وأفعال وبالفتح مصدر قولك فعلت الشيء أفعله فعلا وفعالا . قوله :« بالنيات » جمع نية من نوى ينوي من باب ضرب يضرب قال الجوهري : نويت نية ونواة أي عزمت وانتويت مثله قال الشاعر : صرمت أميمة خلتي وصلاتي ونوت ولما تنتوي كنواتي تقول لو تنو في كما نويت فيها وفي مودتها والنيات بتشديد الياء هو المشهور وقد حكى النووي تخفيف الياء ، وقال بعض الشارحين ، فمن شدد وهو المشهور كانت من نوى ينوي إذا قصد ، ومن خفف كان من ونى يني إذا أبطأ وتأخر لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر قلت : هذا بعيد لأن مصدر ونى يني ونيا ، قال الجوهري : يقال ونيت في الأمر أني ونيا أي ضعفت فأنا وان ثم اختلفوا في تفسير النية فقيل : هو القصد إلى الفعل ، وقال الخطابي : هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له ، وقال التيمي : النية هاهنا وجهة القلب ، وقال البيضاوي : النية عبارة ، عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا وقال النووي : النية القصد وهو عزيمة القلب ، وقال الكرماني : ليس هو عزيمة القلب لما قال المتكلمون القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد والعزم قد يتقدم عليه ، ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به . قلت : العزم هو إرادة الفعل والقطع عليه والمراد من النية هاهنا هذا المعنى فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية بالعزم فافهم على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في أربعينه النية والإرادة والقصد والعزم بمعنى ثم قال : وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه ، وتطلق الإرادة على الله تعالى ، ولا تطلق عليه غيرها . قوله :« امرئ » الامرئ الرجل ، وفيه لغتان امرئ كزبرج ومرء كفلس ، ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابع للام في الحركات الثلاث دائما وكذا في مؤنثه أيضا لغتان امرأة ومرأة ، وفي الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذ قال : « لكل امرئ » و« إلى امرأة » قوله :« هجرته » بكسر الهاء على وزن فعلة من الهجر ، وهو ضد الوصل ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض ، وترك الأولى للثانية قاله في النهاية ، وفي العباب الهجر ضد الوصل ، وقد هجره يهجره بالضم هجرا أو هجرانا والاسم الهجرة ، ويقال : الهجرة الترك والمراد بها هنا ترك الوطن والانتقال إلى غيره ، وهي في الشرع مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة ، وطلب إقامة الدين ، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه ومن ذلك سمي الذين تركوا توطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك . قوله : « إلى دنيا » بضم الدال على وزن فعلى مقصورة غير منونة والضم فيه أشهر وحكى ابن قتيبة وغيره كسر الدال ويجمع على دنى ككبر جمع كبرى ، والنسبة إليها دنيوي ودنيي بقلب الواو ياء فتصير ثلاث ياءات . وقال الجوهري : سميت الدنيا لدنوها من الزوال وجمعها دنى كالكبرى والكبر ، والصغرى والصغر ، وأصله دنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين والنسبة إليها دنياوي ، قلت : الصواب أن يقال قلبت الواو ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وقال بعض الأفاضل : ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل اللغة والعربية ، وحكى بعض المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة غريبة بالتنوين ، وليس بجيد فإنه لا يعرف في اللغة وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهني ، وأنكر ذلك عليه ولم يكن ممن يرجع إليه في ذلك ، وأخذ بعضهم يحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في خلوف فم الصائم فحكوا فيه لغتين ، وإنما يعرف أهل اللغة الضم وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة ، قلت : جاء التنوين في دنيا في اللغة قال العجاج : في جمع دنيا طال ما قد عنت وقال المثلم بن رياح بن ظالم المري : إني مقسم ما ملكت فجاعل أجرا لآخرة ودنيا تنفع فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دنيا وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى ، وقال ابن مالك : استعمال دنيا منكرا فيه أشكال لأنها أفعل التفضيل فكان حقها أن يستعمل باللام نحو الكبرى والحسنى إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسا وأجرى مجرى ما لم يكن وصفا ونحوه قول الشاعر : وإن دعوت إلى جلى ومكرمة يوما سراة كرام الناس فادعينا فإن الجلى مؤنث الأجل فخلعت عنها الوصفية وجعلت اسما للحادثة العظيمة . قلت : من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفعلى الاسم ، وقال التيمي : الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيها أحدهما الوصفية ، والثاني : لزوم حرف التأنيث ، وقال الكرماني : ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية هاهنا بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه . قلت : ليس بسهو منه لأن الدنيا في الأصل صفة لأن التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ وتركهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية ، ثم في حقيقتها قولان للمتكلمين أحدهما ما على الأرض مع الهواء والجو ، والثاني : كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة ، قال النووي : هو الأظهر . قوله :« يصيبها » من أصاب يصيب إصابة والمراد بالإصابة الحصول أو الوجدان ، وفي العباب أصابه أي وجده ويقال أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب أي : قصد الصواب فأراده فأخطأ مراده ، وقال أبو بكر بن الأنباري في قوله تعالى : تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ أي حيث أراد وتجيء هذه المعاني كلها هاهنا ، قوله :« ينكحها » أي يتزوجها كما جاء هكذا في الرواية الأخرى ، وقد يستعمل بمعنى الاقتران بالشيء ومنه قوله تعالى : وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي : قرناهم قاله الأكثرون وقال مجاهد وآخرون : أنكحناهم وهو من باب ضرب يضرب تقول نكح ينكح نكحا ونكاحا إذا تزوج وإذا جامع أيضا ، وفي العباب النكح والنكاح الوطء ، والنكح والنكاح التزوج وأنكحها زوجها ، قال : والتركيب يدل على البضع . ( بيان الإعراب ) قوله :« يقول » جملة من الفعل والفاعل محلها النصب على الحال من رسول الله عليه الصلاة والسلام والباء في قوله :« بالنيات » للمصاحبة كما في قوله تعالى : اهْبِطْ بِسَلامٍ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ومعلقها محذوف والتقدير إنما الأعمال تحصل بالنيات أو توجد بها ولم يذكر سيبويه في معنى الباء إلا الإلصاق لأنه معنى لا يفارقها فلذلك اقتصر عليه ، ويجوز أن تكون للاستعانة على ما لا يخفى وقول بعض الشارحين الباء تحتمل السببية بعيد جدا فافهم . قوله : « لكل امرئ » بكسر الراء وهي لغة القرآن معرب من وجهين فإذا كان فيه ألف الوصل كان فيه ثلاث لغات الأولى ، وهي لغة القرآن قال الله تعالى : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ و يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وهو إعرابها على كل حال تقول هذا امرؤ ورأيت امرأ ، ومررت بامرئ معرب من مكانين . الثانية : فتح الراء على كل حال ، الثالثة : ضمها على كل حال فإن حذفت ألف الوصل قلت : هذا مرء ورأيت مرأ ومررت بمرء وجمعه من غير لفظه رجال أو قوم . قوله : « ما نوى » أي الذي نواه فكلمة ما موصولة ونوى صلتها والعائد محذوف أي نواه فإن جعلت ما مصدرية لا تحتاج إلى حذف إذ ما المصدرية عند سيبويه حرف والحروف لا تعود عليها الضمائر ، والتقدير : لكل امرئ نيته . قوله : « فمن كانت هجرته » الفاء هاهنا لعطف المفصل على المجمل لأن قوله : « فمن كانت هجرته » إلى آخره تفصيل لما سبق من قوله : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، قوله : « إلى دنيا » متعلق بالهجرة إن كانت لفظة كانت تامة أو خبر لكانت إن كانت ناقصة ، قال الكرماني : فإن قلت : لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلا يعلم أن الحكم بعد صدور هذا الكلام من الرسول أيضا كذلك أم لا ، وإن نقل بسبب تضمين من لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل . قلت : جاز أن يراد به أصل الكون أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة أو يقاس أحد الزمانين على الآخر أو يعلم من الإجماع على أن حكم المكلفين على السواء أنه لا تعارض انتهى . قلت : في الجواب الأول نظر لا يخفى لأن الوجود من حيث هو هو لا يخلو ، عن زمن من الأزمنة الثلاثة ، قوله :« يصيبها » جملة في محل الجر لأنها صفة لدنيا وكذلك ، قوله :« يتزوجها » ، قوله :« فهجرته » الفاء فيه هي الفاء الرابطة للجواب لسبق الشرط وذلك لأن قوله :« هجرته » خبر والمبدأ أعني ، قوله : « فمن كانت » يتضمن الشرط ، قوله : « إلى ما هاجر إليه » إما أن يكون متعلقا بالهجرة والخبر محذوف أي هجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة ، وإما أن يكون خبر« فهجرته » والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت لا يقال المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة في الإخبار لأنا نقول ينتفي الاتحاد هاهنا لأن الجزاء محذوف وهو فلا ثواب له عند الله ، والمذكور مستلزم له دال عليه أو التقدير فهي هجرة قبيحة . فإن قلت : فما الفائدة حينئذ في الإتيان بالمبتدأ والخبر بالاتحاد وكذا في الشرط والجزاء ؟ قلت : يعلم منه التعظيم نحو أنا أنا وشعري شعري ومن هذا القبيل . « فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله » وقد يقصد به التحقير نحو ، قوله : « فهجرته إلى ما هاجر إليه » . وقدر أبو الفتح القشيري فمن كانت هجرته نية وقصدا فهجرته حكما وشرعا ، واستحسن بعضهم هذا التأويل وليس هذا بشيء لأنه على هذا التقدير يفوت المعنى المشعر على التعظيم في جانب والتحقير في جانب وهما مقصودان في الحديث . ( بيان المعاني ) قوله :« إنما » للحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه ، وقال أهل المعاني : ومن طرق القصر إنما والقصر تخصيص أحد الأمرين بالآخر وحصره فيه ، وإنما يفيد إنما معنى القصر لتضمنه معنى ما وإلا من وجوه ثلاثة : الأول : قول المفسرين في قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ بالنصب معناه ما حرم عليكم إلا الميتة وهو مطابق لقراءة الرفع لأنها تقتضي انحصار التحريم على الميتة بسبب أن ما في قراءة الرفع يكون موصولا صلته حرم عليكم واقعا اسما لأن ، أي أن الذي حرمه عليكم الميتة فحذف الراجع إلى الموصول فيكون في معنى أن المحرم عليكم الميتة وهو يفيد الحصر كما أن المنطلق زيد وزيد المنطلق كلاهما يقتضي انحصار الانطلاق على زيد . الثاني : قول النحاة أن إنما لإثبات ما يذكر بعده ونفى ما سواه . الثالث : صحة انفصال الضمير معه كصحته مع ما وإلا فلو لم يكن إنما متضمنة لمعنى ما وإلا لم يصح انفصال الضمير معه ، ولهذا قال الفرزدق : أنا الذائد الحامي الزمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ففصل الضمير وهو أنا مع إنما حيث لم يقل وإنما أدافع كما فصل عمرو بن معدي كرب مع إلا في قوله : قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا وهذا الذي ذكرناه هو قول المحققين ، ثم اختلفوا فقيل : إفادته له بالمنطوق ، وقيل بالمفهوم ، وقال بعض الأصوليين : إنما لا تفيد إلا التأكيد ونقل صاحب المفتاح ، عن أبي عيسى الربعي أنه لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتصلت بها ما المؤكدة التي تزاد للتأكيد كما في حيثما لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له على علم النحو ضاعفت تأكيدها فناسب أن يضمن معنى القصر أي معنى ما وإلا لأن القصر ليس إلا لتأكيد الحكم على تأكيد ألا تراك متى قلت لمخاطب يردد المجيء الواقع بين زيد وعمرو زيد جاء لا عمرو كيف يكون قولك زيد جاء إثباتا للمجيء لزيد صريحا ، وقولك لا عمرو إثباتا للمجيء لزيد ضمنا لأن الفعل وهو المجيء واقع وإذا كان كذلك وهو مسلوب عن عمرو فيكون ثابتا لزيد بالضرورة ، قلت : أراد بمن لا وقوف له على علم النحو الإمام فخر الدين الرازي فإنه قال : إن ما في إنما هي النافية وتقرير ما قاله هو أن إن للإثبات وما للنفي والأصل بقاؤهما على ما كانا ، وليس إن لإثبات ما عدا المذكور وما لنفي المذكور وفاقا فتعين عكسه ورد بأنها لو كانت النافية لبطلت صدارتها مع أن لها صدر الكلام واجتمع حرفا النفي والإثبات بلا فاصل ولجاز نصب إنما زيد قائما ، وكان معنى إنما زيد قائم تحقق عدم قيام زيد لأن ما يلي حرف النفي منفي ، ووجه الكرماني قول من يقول أن ما نافية بقوله : وليس كلاهما متوجهين إلى المذكور ولا إلى غير المذكور بل الإثبات متوجه إلى المذكور والنفي إلى غير المذكور إذ لا قائل بالعكس اتفاقا ، ثم قال : واعترض عليه بأنه لا يجوز اجتماع ما النفيية بأن المثبتة لاستلزام اجتماع المتصدرين على صدر واحد ولا يلزم من إثبات النفي لأن النفي هو مدخول الكلمة المحققة فلفظة ما هي المؤكدة لا النافية فتفيد الحصر لأنه يفيد التأكيد على التأكيد ومعنى الحصر ذلك . ثم أجاب عن هذا الاعتراض بقوله : المراد بذلك التوجيه أن إنما كلمة موضوعة للحصر وذلك سر الوضع فيه ؛ لأن الكلمتين والحالة هذه باقيتان على أصلهما مرادتان بوضعهما فلا يرد الاعتراض ، وأما توجيهه بكونه تأكيدا على تأكيد فهو من باب إيهام العكس إذ لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصر وليس كذلك وإلا لكان والله إن زيد القائم حصرا وهو باطل ، قلت : الاعتراض باق على حاله ولم يندفع بقوله إن إنما كلمة موضوعة للحصر إلى آخره على ما لا يخفى ولا نسلم أنها موضوعة للحصر ابتداء وإنما هي تفيد معنى الحصر من حيث تحقق الأوجه الثلاثة التي ذكرناها فيها . وقوله : ظن أن كل ما فيه تأكيد إلى آخره غير سديد لأنه لم يكن ذلك أصلا لأنه لا يلزم من كون الحصر تأكيدا على تأكيد كون كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصرا حتى يلزم الحصر في نحو والله إن زيدا لقائم فعلى قول المحققين كل حصر تأكيد على تأكيد ، وليس كل تأكيد على تأكيد حصرا فافهم وإذا تقرر هذا فاعلم أن إنما تقتضي الحصر المطلق وهو الأغلب الأكثر ، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا كقوله تعالى : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وقوله : إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن وإن كان ظاهره الحصر فيها لأن له صفات غير ذلك ، والمراد في الآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها أو هو من باب تغليب الغالب على النادر ، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام : « إنما أنا بشر » أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه ، ومثل ذلك يفهم بالقرائن والسياق ( فإن قلت ) ما الفرق بين الحصرين ؟ قلت : الأول أعني قوله عليه الصلاة والسلام : « إنما الأعمال بالنيات » قصر المسند إليه على المسند ، والثاني : أعني قوله : « وإنما لكل امرئ ما نوى » قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما يعمل كل امرئ ما نوى إذ القصر بإنما لا يكون إلا في الجزء الأخير ، وفي الجملة الثانية حصران الأول : من إنما ، والثاني : من تقديم الخبر على المبتدأ ، قوله : « وإنما لكل امرئ ما نوى » تأكيد للجملة الأولى وحمله على التأسيس أولى لإفادته معنى لم يكن في الأول على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى ، وكل اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ والمعرف المجموع نحو وَكُلُّهُمْ آتِيهِ وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن فإذا قلت : أكلت كل رغيف لزيد كانت لعموم الأفراد فإن أضفت الرغيف لزيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد ، والتحقيق أن كلا إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الأفراد ، وإذا أضيفت إلى المعرفة تقتضي عموم الأجزاء تقول : كل رمان مأكول ، ولا تقول : كل الرمان مأكول . ( بيان البيان ) في قوله : « إلى دنيا يصيبها » تشبيه وهو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى أو في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه كالشجاعة في الأسد والنور في الشمس وأركانه أربعة المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجهه وقد ذكرنا أن المراد بالإصابة الحصول فالتقدير فمن كانت هجرته إلى تحصيل الدنيا فهجرته حاصلة لأجل الدنيا غير مفيدة له في الآخرة فكأنه شبه تحصيل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود . ( بيان البديع ) فيه من أقسامه التقسيم بعد الجمع ، والتفصيل بعد الجملة ، وهو قوله : « فمن كانت هجرته إلى دنيا » إلى آخره لا سيما في الرواية التي فيها « فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا » إلى آخره وهذه الرواية في غير رواية الحميدي على ما بينا وأثبتها الداودي في رواية الحميدي أيضا ، وقال بعضهم : غلط الداودي في إثباتها ، وقال الكرماني : ووقع في روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره وهو قوله : « فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » ولست أدري كيف وقع هذا الإغفال من أي جهة من عرض من رواته وقد ذكره البخاري في هذا الكتاب في غير موضع من غير طريق الحميدي فجاء به مستوفى مذكورا بشطريه ولا شك في أنه لم يقع من جهة الحميدي فقد رواه لنا الأثبات من طريقة تاما غير ناقص . ( الأسئلة والأجوبة ) الأول : ما قيل ما فائدة قوله : « وإنما لكل امرئ ما نوى » بعد قوله : « إنما الأعمال بالنيات » وأجيب عنه من وجوه : الأول : ما قاله النووي إن فائدته اشتراط تعيين المنوي فإذا كان على الإنسان صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرها ، ولولا اللفظ الثاني : لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين . وفيه نظر ؛ لأن الرجل إذا فاتته صلاة واحدة في يوم معين ثم أراد أن يقضي تلك الصلاة بعينها فإنه لا يلزمه ذكر كونها ظهرا أو عصرا . الثاني : ما ذكره بعض الشارحين من أنه لمنع الاستنابة في النية لأن الجملة الأولى لا تقتضي منع الاستنابة في النية إذ لو نوى واحد ، عن غيره صدق عليه أنه عمل بنية والجملة الثانية منعت ذلك انتهى ، وينتقض هذا بمسائل منها نية الولي ، عن الصبي في الحج على مذهب هذا القائل فإنها تصح ، ومنها حج الإنسان ، عن غيره فإنه يصح بلا خلاف ، ومنها إذا وكل في تفرقة الزكاة وفوض إليه النية ونوى الوكيل فإنه يجزيه كما قاله الإمام والغزالي والحاوي الصغير . الثالث : ما ذكره ابن السمعاني في أماليه أن فيه دلالة على أن الأعمال الخارجة ، عن العبادة قد تفيد الثواب إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل والشرب إذا نوى بهما التقوية على الطاعة والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة والوطء إذا أراد به التعفف ، عن الفاحشة كما قال عليه الصلاة والسلام « في بضع أحدكم صدقة » الحديث . الرابع : ما ذكره بعضهم أن الأفعال التي ظاهرها القربة وموضوع فعلها للعبادة إذا فعلها المكلف عادة لم يترتب الثواب على مجرد الفعل وإن كان الفعل صحيحا حتى يقصد بها العبادة ، وفيه نظر لا يخفى . الخامس : تكون هذه الجملة تأكيدا للجملة الأولى فذكر الحكم بالأولى وأكده بالثانية تنبيها على شرف الإخلاص وتحذيرا من الرياء المانع من الإخلاص . السؤال الثاني : هو أنه لم يقل في الجزاء فهجرته إليهما وإن كان أخصر بل أتى بالظاهر فقال : « فهجرته إلى الله ورسوله » وأجيب بأن ذلك من آدابه عليه الصلاة والسلام في تعظيم اسم الله عز وجل أن لا يجمع مع ضمير غيره كما قال للخطيب بئس خطيب القوم أنت حين قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى وبين له وجه الإنكار فقال له قل ( ومن يعص الله ورسوله ) فإن قيل : فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الضمير وذلك فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد الحديث وفيه : « ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا » قلت : إنما كان إنكاره عليه السلام على الخطيب لأنه لم يكن عنده من المعرفة بتعظيم الله عز وجل ما كان عليه السلام يعلمه من عظمته وجلاله ولا كان له وقوف على دقائق الكلام فلذلك منعه والله أعلم . السؤال الثالث : ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا وأجيب من وجوه : الأول أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة لأن لفظة دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات فلا تقتضي دخول المرأة فيها . الثاني : أنه للتنبيه على زيادة التحذير فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام كما في قوله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وقوله : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ الآية ، وقال بعض الشارحين وليس منه قوله تعالى : وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ بعد ذكر الفاكهة وإن غلط فيه بعضهم لأن فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا تعم لكن وردت في معرض الامتنان قلت : الفاكهة اسم لما يتفكه به أي يتنعم به زيادة على المعتاد ، وهذا المعنى موجود في النخل والرمان فحينئذ يكون ذكرهما بعد ذكر الفاكهة من قبيل عطف الخاص على العام فعلمت أن هذا القائل هو الغالط . إن قلت أبو حنيفة رضي الله عنه لم يجعلها من الفاكهة حتى لو حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطبا أو رمانا أو عنبا لم يحنث قلت أبو حنيفة لم يخرجهما من الفاكهة بالكلية بل إنما قال : إن هذه الأشياء إنما يتغذى بها أو يتداوى بها فأوجب قصورا في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء ولهذا كان الناس يعدونها من التوابل أو من الأقوات . الثالث : ما قاله ابن بطال ، عن ابن سراج أنه إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوج المولى العربية ولا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحهم ، وصار كل واحد من المسلمين كفؤا لصاحبه فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها حتى سمي بعضهم مهاجر أم قيس . الرابع : أن هذا الحديث ورد على سبب وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله تعالى بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ الآية ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله : إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ الآية وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع من كتابه وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين يقال لها أم قيس ، وادعى ابن دحية أن اسمها قيلة فسمي مهاجر أم قيس ولا يعرف اسمه فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة نية التزوج بها لا لقصد فضيلة الهجرة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وبين مراتب الأعمال بالنيات فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبين السبب لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب . كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد حل ميتته ، ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها ، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بها السؤال الرابع . ما قيل : لم ذم على طلب الدنيا وهو أمر مباح ، والمباح لا ذم فيه ولا مدح ؟ وأجيب بأنه إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا ، وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة فأبطن خلاف ما أظهر . السؤال الخامس : ما قيل أنه أعاد في الجملة الأولى ما بعد الفاء الواقعة جوابا للشرط مثل ما وقعت في صدر الكلام ولم يعد كذلك في الجملة الثانية وأجيب بأن ذلك للإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض منها وعدم الاحتفال بأمرها بخلاف الأولى فإن التكرير فيها ممدوح . أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع السؤال السادس : ما قيل إن النيات جمع قلة كالأعمال وهي للعشرة فما دونها لكن المعنى أن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلا أو كثيرا أجيب بأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف . ( بيان السبب والمورد ) اشتهر بينهم أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : « كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس » فإن قيل : ذكر أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة أم سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا فلما علم أنه لا سبيل له إليها إلا بالإسلام أسلم وتزوجها ، وحسن إسلامه ، وهكذا روى النسائي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : « تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام إذ أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت : إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك فأسلم فكان الإسلام صداق ما بينهما » بوب عليه النسائي التزويج على الإسلام وروى النسائي أيضا من حديثه قال : « خطب أبو طلحة أم سليم فقالت : والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ، ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها ، قال ثابت : فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم الإسلام فدخل بها » الحديث ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من هذا الوجه فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكور مع كون الإسلام أشرف الأعمال ، وأجيب عنه من وجوه . الأول : أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضا لحديث الهجرة ، وإنما امتنعت من تزويجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في الإسلام لا ليتزوجها ، وكان أبو طلحة من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم فلا يظن به أنه إنما أسلم ليتزوج أم سليم . الثاني : أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام رغبة فيها فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدين لم يضر معه كونه يعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمات . الثالث : أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة فالحديث وإن كان صحيح الإسناد ولكنه معلل بكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم المسلمات على الكفار ، وإنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ كما ثبت في صحيح البخاري وقول أم سليم في هذا الحديث : « ولا يحل لي أن أتزوجك » شاذ مخالف للحديث الصحيح ، وما أجمع عليه أهل السير فافهم ، وقد علمت سبب الحديث ومورده وهو خاص ولكن العبرة بعموم اللفظ فيتناول سائر أقسام الهجرة ، فعدها بعضهم خمسة : الأولى : إلى أرض الحبشة ، الثانية : من مكة إلى المدينة ، الثالثة : هجرة القبائل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، الرابعة : هجرة من أسلم من أهل مكة ، الخامسة : هجرة ما نهى الله عنه ، واستدرك عليه بثلاثة أخرى : الأولى : الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإن الصحابة هاجروا إليها مرتين ، الثانية : هجرة من كان مقيما ببلاد الكفر ، ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام كما صرح به بعض العلماء ، الثالثة : الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ، ويبقى في الأرض شرار أهلها » الحديث ، ورواه أحمد في مسنده فجعله من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وقال صاحب النهاية يريد به الشام ؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به ( فإن قيل ) : قد تعارضت الأحاديث في هذا الباب فروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا » وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله : « لا هجرة بعد الفتح » وفي رواية له : « لا هجرة بعد الفتح اليوم أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم » وروى البخاري أيضا أن عبيد بن عمرو سأل عائشة رضي الله عنها ، عن الهجرة فقالت : « لا هجرة اليوم كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية » وروى البخاري ومسلم أيضا ، عن مجاشع بن مسعود قال : « انطلقت بأبي معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة قال : انقضت الهجرة لأهلها فبايعه على الإسلام والجهاد » وفي رواية أنه جاء بأخيه مجالد وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، ورافع بن خديج ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة ، وروى أبو داود والنسائي من حديث معاوية رضي الله عنه قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها » ، وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعا : « لا تنقطع الهجرة مادام العدو يقاتل » ، وروى أحمد أيضا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعا : أن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد قلت : وفق الخطابي بين هذه الأحاديث بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضا ثم صارت بعد فتح مكة مندوبا إليها غير مفروضة ، قال : فالمنقطعة منها هي الفرض ، والباقية منها هي الندب على أن حديث معاوية فيه مقال ، وقال ابن الأثير : الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها بالجنة كان الرجل يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويدع أهله وماله لا يرجع في شيء منه فلما فتحت مكة انقطعت هذه الهجرة . والثانية : من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة وهو المراد بقوله : « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة » قلت : وفي الحديث الآخر ما يدل على أن المراد بالهجرة الباقية هي هجر السيئات وهو ما رواه أحمد في مسنده من حديث معاوية وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات ، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه ، وكفى الناس العمل » . وروى أحمد أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : « جاء رجل أعرابي فقال : يا رسول الله أين الهجرة إليك حيث كنت أم إلى أرض معلومة أم لقوم خاصة أم إذا مت انقطعت ؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال : أين السائل عن الهجرة ؟ قال : ها أنا ذا يا رسول الله قال : إذا أقمت الصلاة وآتيت الزكاة فأنت مهاجر ، وإن مت بالخضرمة ، قال : يعني أرضا باليمامة » ، وفي رواية له : « الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر ، وإن مت بالخضرمة » . ( استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : احتجت الأئمة الثلاثة به في وجوب النية في الوضوء والغسل فقالوا : التقدير فيه صحة الأعمال بالنيات والألف واللام فيه لاستغراق الجنس فيدخل فيه جميع الأعمال من الصوم والصلاة والزكاة والحج والوضوء وغير ذلك مما يطلب فيه النية عملا بالعموم ، ويدخل فيه أيضا الطلاق والعتاق لأن النية إذا قارنت الكناية كانت كالصريح ، وقال النووي : تقديره إنما الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية . وفيه دليل على أن الطهارة وسائر العبادات لا تصح إلا بنية . وقال الخطابي قوله : « إنما الأعمال بالنيات » لم يرد به أعيان الأعمال لأنها حاصلة حسا وعيانا بغير نية وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما تقع بالنية ، وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح ، وما لا يصح ، وكلمة إنما عاملة بركنيها إيجابا ونفيا فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية صحت ، وإذا لم تصحبها لم تصح ، ومقتضى حق العموم فيها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها ، فرضها ونفلها ، قليلها وكثيرها إلا بنية . وقال البيضاوي الحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية والمراد به نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى ؛ لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ؛ ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات وبالتبع على نفي جميع الصفات فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات ، وقال الطيبي : كل من الأعمال والنيات جمع محلى باللام الاستغراقية فأما أن يحملا على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقيا أو على عرف الشرع وحينئذ إما أن يراد بالأعمال الواجبات والمندوبات والمباحات وبالنيات الإخلاص والرياء أو أن يراد بالأعمال الواجبات ، وما لا يصح إلا بالنية كالصلاة لا سبيل إلى اللغوي لأنه ما بعث إلا لبيان الشرع فكيف يتصدى لما لا جدوى له فيه فحينئذ يحمل « إنما الأعمال بالنيات » على ما اتفق عليه أصحابنا أي ما الأعمال محسوبة لشيء من الأشياء كالشروع فيها والتلبس بها إلا بالنيات وما خلا عنها لم يعتد بها . فإن قيل : لم خصصت متعلق الخبر والظاهر العموم كمستقر أو حاصل ؟ فالجواب : أنه حينئذ يكون بيانا للغة لا إثباتا لحكم الشرع ، وقد سبق بطلانه ويحمل : « إنما لكل امرئ ما نوى » على ما تثمره النيات من القبول والرد والثواب والعقاب ففهم من الأول إنما الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات ، ومن الثاني : أن النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص انتهى . وذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، ومالك في رواية إلى أن الوضوء لا يحتاج إلى نية ، وكذلك الغسل ، وزاد الأوزاعي ، والحسن : التيمم ، وقال عطاء ومجاهد : لا يحتاج صيام رمضان إلى نية إلا أن يكون مسافرا أو مريضا وقالوا : التقدير فيه كمال الأعمال بالنيات أو ثوابها أو نحو ذلك لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها ، ولأن إضمار الثواب متفق عليه على إرادته ، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فكان هذا أقل إضمارا فهو أولى ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد وهو ممتنع لأن العامل في قوله : بالنيات مفرد بإجماع النحاة فلا يجوز أن يتعلق بالأعمال لأنها رفع بالابتداء فيبقى بلا خبر فلا يجوز فالتقدير إما مجزئة أو صحيحة أو مثيبة فالمثيبة أولى بالتقدير لوجهين : أحدهما : أن عند عدم النية لا يبطل أصل العمل ، وعلى إضمار الصحة ، والإجزاء يبطل فلا يبطل بالشك . والثاني : أن قوله : « ولكل امرئ ما نوى » يدل على الثواب والأجر لأن الذي له إنما هو الثواب ، وأما العمل فعليه . وقالوا في هذا كله نظر من وجوه : الأول : أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة أو الكمال أو الثواب إذ الإضمار خلاف الأصل ، وإنما حقيقته العمل الشرعي فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار وأيضا فلا بد من إضمار يتعلق به الجار والمجرور فلا حاجة إلى إضمار مضاف لأن تقليل الإضمار أولى فيكون التقدير إنما الأعمال وجودها بالنية ويكون المراد الأعمال الشرعية قلت : لا نسلم نفي الاحتياج إلى إضمار محذوف لأن الحديث متروك الظاهر بالإجماع والذوات لا تنتفي بلا خلاف فحينئذ يحتاج إلى إضمار ، وإنما يكون الإضمار خلاف الأصل عند عدم الاحتياج فإذا كان الدليل قائما على الإضمار يضمر إما الصحة ، وإما الثواب على اختلاف القولين وقولهم فيكون التقدير إنما الأعمال وجودها بالنية مفض إلى بيان اللغة لا إثبات الحكم الشرعي وهو باطل . الثاني : أنه لا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة وغير ذلك فلا يحتاج إلى أن يقدر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلا بالنية بل المقدر واحد وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره . قلت : دعوى عدم الملازمة المذكورة ممنوعة لأنه يلزم من نفي الصحة نفي الثواب ، ووجوب الإعادة كما يلزم الثواب عند وجود الصحة يفهم ذلك بالنظر . الثالث : أن قولهم أن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يخلو إما أن يريدوا به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكونها لم تذكر في الكتاب فهذا ليس بنسخ على أن الكتاب ذكرت فيه نية العمل في قوله : عز وجل وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فهذا هو القصد والنية ولو سلم لهم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول قلت : قولهم فهذا ليس بنسخ غير صحيح ؛ لأن هذا عين النسخ بيانه أن آية الوضوء تخبر بوجوب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس ، وليس فيها ما يشعر بالنية مطلقا فاشتراطها بخبر الواحد يؤدي إلى رفع الإطلاق ، وتقييده وهو نسخ ، وقولهم على أن الكتاب ذكر فيه نية العمل لا يضرهم لأن المراد من قوله : إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ التوحيد والمعنى إلا ليوحدوا الله فليس فيها دلالة على اشتراط النية في الوضوء ، وقولهم ولو سلم لهم إلى آخره غير مسلم لهم لأن جماهير الأصوليين على عدم جواز نسخ الكتاب بالخبر الواحد على أن المنقول الصحيح ، عن الشافعي عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة قولا واحدا وهو مذهب أهل الحديث أيضا ، وله في نسخ السنة بالكتاب قولان الأظهر من مذهبه أنه لا يجوز والآخر أنه يجوز ، وهو الأولى بالحق كذا ذكره السمعاني من أصحاب الشافعي في القواطع ثم نقول : إن الحديث عام مخصوص فإن أداء الدين ورد الودائع ، والأذان ، والتلاوة ، والأذكار ، وهداية الطريق ، وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بلا نية إجماعا فتضعف دلالته حينئذ ، ويخفى عدم اعتبارها أيضا في الوضوء ، وقد قال بعض الشارحين : دعوى الصحة في هذه الأشياء بلا نية إجماعا ممنوعة حتى يثبت الإجماع ، ولن يقدر عليه ثم نقول : النية تلازم هذه الأعمال فإن مؤدي الدين يقصد براءة الذمة ، وذلك عبادة ، وكذلك الوديعة وأخواتها فإنها لا ينفك تعاطيهن ، عن القصد وذلك نية . قلت : هذا كله صادر لا عن تعقل لأن أحدا من السلف والخلف لم يشترط النية في هذه الأعمال فكيف لا يكون إجماعا ، وقوله : النية تلازم هذه الأعمال إلى آخره لا تعلق له فيما نحن فيه فإنا لا ندعي عدم وجود النية في هذه الأشياء وإنما ندعي عدم اشتراطها ، ومؤدي الدين مثلا إذا قصد براءة الذمة برئت ذمته ، وحصل له الثواب ، وليس لنا فيه نزاع ، وإذا أدى من غير قصد براءة الذمة هل يقول أحد إن ذمته لم تبرأ ثم التحقيق في هذا المقام هو أن هذا الكلام لما دل عقلا على عدم إرادة حقيقته إذ قد يحصل العمل من غير نية بل المراد بالأعمال حكمها باعتبار إطلاق الشيء على أثره وموجبه . والحكم نوعان نوع يتعلق بالآخرة وهو الثواب في الأعمال المفتقرة إلى النية ، والإثم في الأعمال المحرمة ، ونوع يتعلق بالدنيا وهو الجواز والفساد والكراهة والإساءة ونحو ذلك والنوعان مختلفان بدليل أن مبنى الأول على صدق العزيمة وخلوص النية فإن وجد وجد الثواب وإلا فلا . ومبنى الثاني : على وجود الأركان والشرائط المعتبرة في الشرع حتى لو وجدت صح وإلا فلا سواء اشتمل على صدق العزيمة أولا وإذا صار اللفظ مجازا عن النوعين المختلفين كان مشتركا بينهما بحسب الوضع النوعي فلا يجوز إرادتهما جميعا أما عندنا فلأن المشترك لا عموم له ، وأما عند الشافعي فلأن المجاز لا عموم له بل يجب حمله على أحد النوعين فحمله الشافعي على النوع الثاني بناء على أن المقصود الأهم من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بيان الحل والحرمة والصحة والفساد ، ونحو ذلك فهو أقرب إلى الفهم فيكون المعنى أن صحة الأعمال لا تكون إلا بالنية ، فلا يجوز الوضوء بدونها . وحمله أبو حنيفة على النوع الأول أي ثواب الأعمال لا يكون إلا بالنية ، وذلك لوجهين الأول : أن الثواب ثابت اتفاقا إذ لا ثواب بدون النية فلو أريد الصحة أيضا يلزم عموم المشترك أو المجاز . الثاني : أنه لو حمل على الثواب لكان باقيا على عمومه إذ لا ثواب بدون النية أصلا بخلاف الصحة فإنها قد تكون بدون النية كالبيع والنكاح . وفرعت الشافعية على أصلهم مسائل : منها أن بعضهم أوجب النية في غسل النجاسة لأنه عمل واجب قال الرافعي : ويحكى عن ابن سريج وبه قال أبو سهل الصعلوكي فيما حكاه صاحب التتمة ، وحكى ابن الصلاح وجها ثالثا أنها تجب لإزالة النجاسة التي على البدن دون الثوب ، وقد رد ذلك بحكاية الإجماع فقد حكى الماوردي في الحاوي والبغوي في التهذيب أن النية لا تشترط في إزالة النجاسة قال الروياني : لا يصح النقل في البحر عندي عنهما أي عن ابن سريج والصعلوكي : وإنما لم يشترطوا النية في إزالة النجاسة لأنها من باب التروك فصار كترك المعاصي ، وقال بعض الأفاضل : وقد يعترض على هذا التعليل لأن الصوم من باب التروك أيضا ، وهذا لا يبطل بالعزم على قطعه وقد أجمعوا على وجوب النية فيه قلت : التروك إذا كان المقصود فيها امتثال أمر الشارع ، وتحصيل الثواب فلا بد من النية فيها ، وإن كانت لإسقاط العذاب فلا يحتاج إليها فالتارك للمعاصي محتاج فيها لتحصيل الثواب إلى النية قوله : وقد أجمعوا على وجوب النية فيه نظر ؛ لأن عطاء ومجاهدا لا يريان وجوب النية فيه إذا كان في رمضان ، ومنها اشتراط النية في الخطبة فيه وجهان للشافعية كهما في الأذان قاله الروياني في البحر . وفي الرافعي في الجمعة أن القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة ، ومنها أنه إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة لزمه ، وأصح الوجهين عندهم أنه لا يجب التتابع بلا شرط فعلى هذا لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه وجهان أصحهما لا كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه كذا نقله الرافعي عن صحيح البغوي وغيره قال الروياني : وهو ظاهر نقل المزني ، قال : والصحيح عندي اللزوم لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت كما لو قال : أنت طالق ، ونوى ثلاثا ، ومنها إذا أخذ الخوارج الزكاة اعتد بها على الأصح ، ثالثها : إن أخذت قهرا فنعم وإلا فلا ، وبه قال مالك ، وقال ابن بطال : ومما يجزئ بغير نية ما قاله مالك أن الخوارج إن أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه لأن أبا بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة ولو لم يجزئ عنهم ما أخذت منهم وقال ابن بطال : واحتج من خالفهم وجعل حديث النية على العموم أن أخذ الخوارج الزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه أنه عن الزكاة وقد أجمع العلماء أن أخذ الإمام الظالم لها يجزئه فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة وشهادة التوحيد ، وأما أبو بكر رضي الله عنه فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة ، بل قصد حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم ، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها من أموالهم . ومنها قال الشافعي في البويطي كما نقله الروياني ، عن القاضي أبي الطيب عنه : قد قيل إن من صرح بالطلاق والظهار والعتق ولم يكن له نية في ذلك لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق ويلزمه في الحكم ، ومنها أن لو قال لامرأته : أنت طالق يظنها أجنبية طلقت زوجته لمصادفة محله ، وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه إلى النية وإلى فوات المحل فلو قال لرقيق أنت حر يظنه أجنبيا عتق ، وفي عكسه التردد المذكور . ومنها لو وطئ امرأة يظنها أجنبية فإذا هي مباحة له أثم ، ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم وكذا لو شرب مباحا يعتقده حراما أثم وبالعكس لا يأثم ، ومثله ما إذا قتل من يعتقده معصوما فبان له أنه مستحق دمه أو أتلف مالا يظنه لغيره فبان ملكه . ومنها اشتراط النية لسجود التلاوة لأنه عبادة وهو قول الجمهور خلافا لبعضهم ، ومنها استدلوا به على وجوب النية على الغاسل في غسل الميت لأنه عبادة وغسل واجب وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ويدل عليه نص الشافعي على وجوب غسل الغريق وأنه لا يكفي إصابة الماء له ولكن أصح الوجهين كما قاله الرافعي في المحرر أنه لا تجب النية على الغاسل . ومنها أنه لا يجب على الزوج النية إذا غسل زوجته المجنونة من حيض أو نفاس أو الذمية إذا امتنعت فغسلها الزوج وهو أصح الوجهين كما صححه النووي في التحقيق في مسألة المجنونة ، وأما الذمية المتمنعة فقال في شرح المهذب الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة بل قد جزم ابن الرفعة في الكفاية في غسل الذمية لزوجها المسلم أن المسلم هو الذي ينوي ، ولكن الذي صححه النووي في التحقيق في الذمية غير الممتنعة اشتراط النية عليها نفسها ، ومنها أنهم قالوا : لما علم أن محل النية القلب فإذا اقتصر عليه جاز إلا في الصلاة على وجه شاذ لهم لا يعبأ به ، وإن اقتصر على اللسان لم يجز إلا في الزكاة على وجه شاذ أيضا ، وإن جمع بينهما فهو آكد واشترطوا المقارنة في جميع النيات المعتبرة إلا الصوم للمشقة وإلا الزكاة فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها ، قيل : والكفارات فإنه يجوز تقديمها قبل الفعل والشروع ، ثم هل يشترط استحضار النية أول كل عمل وإن قل وتكرر فعله مقارنا لأوله فيه مذاهب : أحدها : نعم ، وثانيها : يشترط ذلك في أوله ولا يشترط إذا تكرر بل يكفيه أن ينوي أول كل عمل ولا يشترط تكرارها فيما بعد ، ولا مقارنتها ، ولا الاتصال . وثالثها : يشترط المقارنة دون الاتصال ، ورابعها : يشترط الاتصال وهو أخص من المقارنة وهذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة أو شرط لصحتها ، والجمهور على الأول ، ولا وجه للثاني . وإذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء فاختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل ، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن له فيه أجر ، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان له الأجر بقدره وإن تساويا تساقطا ، واختار الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقا سواء تساوى القصدان أو اختلفا . وقال المحاسبي : إذا كان الباعث الديني أقوى بطل عمله وخالف في ذلك الجمهور ، وقال ابن جرير الطبري : إذا كان ابتداء العمل لله لم يضره ما عرض بعده في نفسه من عجب ، هذا قول عامة السلف رحمهم الله . الثاني : من الاستنباط احتج به أبو حنيفة ومالك ، وأحمد في أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج أنه لا ينعقد عمرة لأنه لم ينوها فإنما له ما نواه ، وهو أحد أقوال الشافعي إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا ينعقد إحرامه بالحج ولكنه يكره ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج ، وإنما اختلف قوله : هل يتحلل بأفعال العمرة وهو قوله المتقدم أو ينعقد إحرامه عمرة وهو نصه في المختصر وهو الذي صححه الرافعي والنووي فعلى القول الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام ، وعلى القول الذي نص عليه في المختصر تسقط عنه عمرة الإسلام . الثالث : احتج به مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول شهر رمضان وهو رواية عن أحمد لأن كله عبادة واحدة ، وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية : لا بد من النية لكل يوم لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة بذاتها فلا يكتفى بنية واحدة . الرابع : احتج به أبو حنيفة ، والثوري ، ومالك ، في أن الصرورة يصح حجه عن غيره ولا يصح عن نفسه ؛ لأنه لم ينوه عن نفسه ، وإنما له ما نواه ، وذهب الشافعي ، وأحمد وإسحاق ، والأوزاعي إلى أنه لا ينعقد عن غيره ، ويقع ذلك عن نفسه ، والحديث حجة عليهم ( فإن قيل ) روى أبو داود ، وابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك ، عن شبرمة ، فقال : أحججت قط ؟ قال : لا ، قال : فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة » ، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح ، وفي رواية أبي داود : « حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة » . قلت : قال الدارقطني : الصحيح من الرواية : اجعلها في نفسك ثم حج عن شبرمة ، فإن قلت : كيف يأمره بذلك والإحرام وقع عن الأول ؟ قلت : يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين لم يكن الإحرام لازما على ما روي عن بعض الصحابة أنه تحلل في حجة الوداع ، عن الحج بأفعال العمرة فكان يمكنه فسخ الأول وتقديم حج نفسه ، وقد استدل بعضهم لأبي حنيفة ، ومن معه بما رواه الطبراني ثم البيهقي من طريقه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يلبي ، عن أبيه فقال : أيها الملبي عن أبيه احجج عن نفسك ، ثم قال : هذا ضعيف فيه الحسن بن عمارة وهو متروك قلت : ما استدل أبو حنيفة إلا بما رواه البخاري ومسلم : : « أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة أفأحج عنه ، قال : نعم حجي ، عن أبيك » وفي لفظ أخرجه أحمد : « لو كان على أبيك دين فقضيته عنه كان يجزيه قالت : نعم ، قال : فحجي عن أبيك » ولم يستفسر عليه الصلاة والسلام هل حججت أم لا . الخامس : قالت الشافعية : فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان قالوا : إنه وقع عن غير رمضان إذ ليس له إلا ما نواه ولم ينو صوم رمضان وتعينه شرعا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به ، وذهب مالك ، والشافعي وأحمد أنه لا بد من تعيين رمضان لظاهر الحديث . قلت : هذا نوى عبادة الصوم فحصل له ذلك ، والفرض فيه متعين فيصاب بأصل النية كالمتوحد في الدار يصاب باسم جنسه ، وقولهم لا بد من تعيين رمضان لظاهر الحديث غير صحيح ، لأن ظاهر حديث الأعمال بالنيات لا يدل على تعيين رمضان ، وإنما يدل على وجوب مطلق النية في العبادات ، وقد وجد مطلق النية كما قلنا . السادس : احتجت به بعض الشافعية على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا تجب إعادة الغسل والوضوء عليه ، وقالوا : هو وجه لبعض أصحاب الشافعي وخالف الجمهور في ذلك فقالوا : تجب إعادة الغسل والوضوء عليه لأن الكافر ليس من أهل العبادة ، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية قلت : هذا مبني على اشتراط النية في الوضوء عندهم وعدم اشتراطها عنده ، ولما ثبت ذلك عنده بالبراهين لم يبق للاحتجاج بالحديث المذكور عليه وجه . السابع : احتجوا به على الأوزاعي في ذهابه إلى أن المتيمم لا تجب له النية أيضا كالمتوضأ ، قلت : له أن يقول : التيمم عبارة عن القصد وهو النية ، وقد رد عليه بعضهم بقوله : ورد عليه بالإجماع على أن الجنب لو سقط في الماء غافلا ، عن كونه جنبا أنه لا ترتفع جنابته قطعا فلولا وجوب النية لما توقف صحة غسله عليها ، قلت : دعوى الإجماع مردودة لأن الحنفية قالوا برفع الجنابة في هذه الصورة . الثامن : احتج به طائفة من الشافعية في اشتراط النية لسائر أركان الحج من الطواف والسعي ، والوقوف ، والحلق ، وهذا مردود لأن نية الإحرام شاملة لهذه الأركان فلا تحتاج إلى نية أخرى كأركان الصلاة . التاسع : احتج به الخطابي على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددا من أعداد الطلاق كمن قال لامرأته : أنت طالق ونوى ثلاثا كان ما نواه من العدد واحدة أو اثنين أو ثلاثا وهو قول مالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وعند أبي حنيفة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد واحدة . قلت : استدلوا بقوله تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ أثبت له حق الرد فلا تتحقق الحرمة الغليظة ولا يصح الاحتجاج بالحديث بأنه نوى ما لا يحتمله لفظه فلم يتناوله الحديث فلا تصح نيته كما لو قال : زوري أباك . العاشر : احتجت به بعض الشافعية على الحنفية في قولهم في الكناية في الطلاق كقوله : أنت بائن أنه إن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة وإن نوى الطلاق ، ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة أيضا قالوا : الحديث حجة عليهم ، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى ثنتين فهي كذلك ، وإن لم ينو عددا فهي واحدة رجعية . قلت : هذا الكلام لا يحتمل العدد لأنه يتركب من الأفراد ، وهذا فرد وبين العدد والفرد منافاة فإذا نوى العدد فقد نوى ما لا يحتمله كلامه فلا يصح فلا يتناوله الحديث فإذا لا يصير حجة عليهم . الحادي عشر : فيه رد على المرجئة في قولهم الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب . الثاني عشر : احتج به بعضهم على أنه لا يؤاخذ به الناسي والمخطئ في الطلاق والعتاق ونحوهما لأنه لا نية لهما ، قلت : يؤاخذ المخطئ فيصح طلاقه حتى لو قال اسقني مثلا فجرى على لسانه أنت طالق وقع الطلاق لأن القصد أمر باطن لا يوقف عليه فلا يتعلق الحكم لوجود حقيقته بل يتعلق بالسبب الظاهر الدال وهو أهلية القصد بالعقل والبلوغ . فإن قيل : ينبغي على هذا أن يقع طلاق النائم ، قلت : المانع هو الحديث أيضا فالنوم ينافي أصل العمل بالعقل لأن النوم مانع عن استعمال نور العقل فكانت أهلية القصد معدومة بيقين فافهم . الثالث عشر : فيه حجة على بعض المالكية من أنهم لا يدينون من سبق لسانه إلى كلمة الكفر إذا ادعى ذلك وخالفهم الجمهور ، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه من قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها فقال من شدة الفرح : « اللهم أنت عبدي وأنا ربك قال النبي عليه الصلاة والسلام أخطأ من شدة الفرح » الرابع عشر : فيه أنه لا تصح العبادة من المجنون لأنه ليس من أهل النية كالصلاة والصوم والحج ونحوها ، ولا عقوده كالبيع والهبة والنكاح ، وكذلك لا يصح منه الطلاق والظهار واللعان والإيلاء ولا يجب عليه القود ولا الحدود . الخامس عشر : فيه حجة لأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق في عدم وجوب القود في شبه العمد لأنه لم ينو قتله إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعي ، ومحمد بن الحسن أثلاثا ، وجعلها الباقون أرباعا ، وجعلها أبو ثور أخماسا ، وأنكر مالك شبه العمد وقال : ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد فأما شبه العمد فلا نعرفه واستدل هؤلاء بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا : ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل » ، الحديث . السادس عشر : في قول علقمة سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يقول : رد لقول من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس ولا يقبل حتى يتابعه عليه غيره لما قاله بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين . السابع عشر : فيه أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء خطبته ، وقد فعل بذلك الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم . الثامن عشر : اختلفوا في قوله : « الأعمال » فقال بعضهم : هي مختصة بالجوارح وأخرجوا الأقوال ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يتناول فعل الجوارح والقلوب والأقوال ، وقال بعض الشارحين : الأعمال ثلاثة بدني ، وقلبي ، ومركب منهما ، فالأول : كل عمل لا يشترط فيه النية كرد المغصوب والعواري والودائع والنفقات ، والثاني : كالاعتقادات والحب في الله والبغض فيه ، وما أشبه ذلك ، والثالث : كالوضوء ، والصلاة ، والحج ، وكل عبادة بدنية يشترط فيها النية قولا كانت أو فعلا فإن قيل : النية أيضا عمل لأنه من أعمال القلب فإن احتاج كل عمل إلى نية فالنية أيضا تحتاج إلى نية ، وهلم جرا قلت : المراد بالعمل عمل الجوارح في نحو الصلاة والزكاة ، وذلك خارج عنه بقرينة العقل دفعا للتسلسل فإن قلت : فما قولك في إيجاب معرفة الله تعالى للغافل عنه أجيب عنه بأنه لا دخل له في البحث لأن المراد تكليف الغافل ، عن تصور التكليف لا عن التصديق بالتكليف ، ولهذا كان الكفار مكلفين لأنهم تصوروا التكليف لما قيل لهم إنكم مكلفون ، وإن كانوا غافلين عن التصديق ، وقال بعضهم : معرفة الله تعالى لو توقفت على النية مع أن النية قصد المنوي بالقلب لزم أن يكون عارفا بالله قبل معرفته وهو محال . ( فائدة ) قال التيمي : النية أبلغ من العمل ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل فإذا نوى حسنة فإنه يجزى عليها ، ولو عمل حسنة بغير نية لم يجز بها فإن قيل : فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشرا » وروي أيضا أنه قال : « نية المؤمن خير من عمله » فالنية في الحديث الأول دون العمل ، وفي الثاني : فوق العمل وخير منه قلنا : أما الحديث الأول فلأن الهام بالحسنة إذا لم يعملها خالف العامل لأن الهام لم يعمل ، والعامل لم يعمل حتى هم ثم عمل ، وأما الثاني : فلأن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله وإنما هو لنيته ؛ لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو بقي أبدا فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها ، وكذا الكافر لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فجزاه على نيته ، وقال الكرماني : أقول يحتمل أن يقال أن المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمل مع النية يلزم أن يكون الشيء خيرا من نفسه مع غيره أو المراد أن الجزاء الذي هو للنية خير من الجزاء الذي هو للعمل لاستحالة دخول الرياء فيها أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله لأن النية فعل القلب وفعل الأشرف أشرف أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلب وتنوير القلب بها أكثر لأنها صفته أو أن نية المؤمن خير من عمل الكافر لما قيل : ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبق كافر إليه فإن قلت : هذا حكمه في الحسنة فما حكمه في السيئة قلت : المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية واستدلوا عليها بقوله تعالى : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فإن اللام للخير فجاء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف بخلاف على فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لا بد فيه من التصرف والمعالجة . ولكن الحق أن السيئة أيضا يعاقب عليها بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال لأن العزم من أحكام الإيمان ، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة فالفرق بين الحسنة والسيئة أن بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة ، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها . فإن قلت : من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة ، ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فيلزم أن من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها فلا يبقى فرق بين نية الحسنة ، ونفس الحسنة قلت : لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة بل يثاب على الحسنة فظهر الفرق انتهى ، وقد دل ما رواه أبو يعلى في مسنده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون : ربنا لم نحفظ ذلك عنه ، ولا هو في صحفنا فيقول : إنه نواه » على كون النية خيرا من العمل .
( باب آكل الربا وشاهده وكاتبه ) أي هذا باب في بيان حكم آكل الربا ، والربا اسم مقصور وحكي مده ، وهو شاذ ، والأصل فيه الزيادة ؛ من ربا المال يربو ربوا إذا زاد ، فيكتب بالألف ، ولكن وقع في خط المصحف بالواو على لغة من يفخم . وعن الثعلبي : كتبوه في المصحف بالواو ، وأجاز الكوفيون كتبه بالياء بسبب كسرة أوله ، وغلطهم البصريون في ذلك ، وقال الفراء : إنما كتبوه بالواو ؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ، ولغتهم الربو بمضموم ، وصورة الخط على لغتهم ، وزعم أبو الحسن طاهر بن غلبون أن أبا السماك قرأ " الربو " بفتح الراء وضم الباء ويجعل معها واوا ، وقال ابن قتيبة : قرأه أبو السماك وأبو السوار بكسر الراء وضم الباء وواو ساكنة ، وقراءة الحسن بالمد والهمزة ، وقراءة حمزة والكسائي بالإمالة ، وقراءة الباقين بالتفخيم . وفي شرح المهذب : أنت بالخيار في كتبه بالألف والواو والياء ، والرماء بالمد والميم بالضم ، والربية بالضم والتخفيف لغة فيه . وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع ، قاله ابن الأثير ، وقال أصحابنا : الربا فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال ، كما إذا باع عشرة دراهم بأحد عشر درهما ؛ فإن الدرهم فيه فضل ، وليس في مقابله شيء ، وهو عين الربا . قوله : " وشاهده " أي وفي حكم شاهده ، أو في إثم شاهده وإثم كاتبه ، وفي رواية الإسماعيلي " وشاهديه " بالتثنية . وقوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وقوله : " بالجر " عطف على قوله : " آكل الربا " أي وفي بيان قوله تعالى ، وقال الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر بإسناده إلى سعيد بن جبير في قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا قال : " يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق نفسه " وبإسناده إلى أبي حيان " آكل الربا يعرف يوم القيامة كما يعرف المجنون في الدنيا " وفي كتاب أبي الفضل الجوزي من حديث أبان ، عن أنس قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلا يجر شقه ، ثم قرأ : لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس " . وعن السدي المس الجنون . وعن أبي عبيدة المس من الشيطان والجن ، وهو اللمم وفي ( كتاب الربا ) لمحمد بن أسلم السمرقندي حدثنا علي بن إسحاق ، عن يوسف بن عطية ، عن ابن سمعان ، عن مجاهد في قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا قال : فمن كان من أهل الربا فقد حارب الله ، ومن حارب الله فهو عدو لله ولرسوله . وحدثنا علي بن إسحاق ، أخبرنا يحيى بن المتوكل ، حدثنا أبو عباد عن أبيه ، عن جده ، " عن أبي هريرة يرفعه : الربا اثنان وسبعون حوبا ، أدناها بابا بمنزلة الناكح أمه " ، وقال الماوردي : أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر . وقيل : إنه كان محرما في جميع الشرائع . قوله : " لا يَقُومُونَ " أي من قبورهم يوم القيامة ، وقال الطبري : إنما خص الآكل بالذكر ؛ لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورة كانت طعمتهم من الربا ، وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أو لا . قوله : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا " أي الذين جرى لهم بسبب أنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا أي نظيره ، وليس هذا قياسا منهم الربا على البيع ؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا : إنما الربا مثل البيع ، وإنما قالوا : إنما البيع مثل الربا ، فلم حرم هذا وأبيح هذا ؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع ، فرد الله عليهم بقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فليسا نظيرين . قوله : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ " أي من بلغه نهي الله ، عن الربا " فَانْتَهَى " حال وصول الشرع إليه " فَلَهُ مَا سَلَفَ " من المعاملة كقوله : عفا الله عما سلف ، ولم يأمر الشارع برد الزيادات المأخوذة في الجاهلية ، بل عفا عما سلف ، كما قال تعالى : فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وقال سعيد بن جبير والسدي : فَلَهُ مَا سَلَفَ فله ما أكل من الربا قبل التحريم . قوله : " وَمَنْ عَادَ " أي إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه ، فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة ، ولهذا قال : " فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " . واختلف في عقد الربا ؛ هل هو منسوخ لا يجوز بحال ، أو بيع فاسد إذا أزيل فساده صح بيعه ؟ فجمهور العلماء على أنه بيع منسوخ ، وقال أبو حنيفة : هو بيع فاسد ، إذا أزيل عنه ما يفسده انقلب صحيحا . 36 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم في المسجد ، ثم حرم التجارة في الخمر . مطابقته للآية التي هي مثل الترجمة من حيث إن آيات الربا التي في آخر سورة البقرة مبينة لأحكامه وذامة لآكليه . ( فإن قلت ) : ليس في الحديث شيء يدل على كاتب الربا وشاهده . ( قلت ) : لما كانا معاونين على الأكل صارا كأنهما قائلان أيضا : إنما البيع مثل الربا ، أو كانا راضيين بفعله ، والرضى بالحرام حرام . أو عقد الترجمة لهما ولم يجد حديثا فيهما بشرطه فلم يذكر شيئا ، والحديث قد مضى في أبواب المساجد في باب تحريم تجارة الخمر في المسجد ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة . وأخرجه هنا عن محمد بن بشار ، عن غندر ، وهو لقب محمد بن جعفر البصري ، وأبو الضحى اسمه مسلم بن صبيح الكوفي ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى .
37 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا جرير بن حازم قال : حدثنا أبو رجاء ، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رأيت الليلة رجلين أتياني ، فأخرجاني إلى أرض مقدسة ، فانطلقنا ، حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم ، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه ، فرده حيث كان ، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر ، فيرجع كما كان ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : الذي رأيته في النهر آكل الربا . مطابقته للترجمة في قوله : الذي رأيته في النهر آكل الربا وهذا الحديث قد تقدم في كتاب الجنائز بعد باب ما قيل في أولاد المشركين في باب كذا مجردا عن ترجمة ؛ فإنه أخرجه هناك مطولا بعين هذا الإسناد ، وقد مر الكلام فيه مبسوطا . وأبو رجاء اسمه عمران العطاردي . قوله : رأيت من الرؤيا ، ويروى أريت بضم الهمزة على صيغة المجهول . قوله : في أرض مقدسة بالتنكير للتعظيم . قوله : وعلى وسط النهر هكذا بالواو ، ويروى على وسط النهر بلا واو ، فعلى الرواية الأولى الواو للحال ، ولكن فيه المبتدأ محذوف تقديره : وهو على وسط النهر ، وعلى الرواية الثانية يكون على متعلقة بقوله : قائم . ( فإن قلت ) : لم لا يجوز أن يكون رجل في قوله : رجل بين يديه حجارة مبتدأ وقوله : وعلى وسط النهر يكون خبره مقدما ؟ ( قلت ) : لا يجوز ؛ لأنه جاء في رواية ورجل بين يديه حجارة بالواو ، ولا يجوز دخول الواو بين المبتدأ والخبر ، ولأن الرجل الذي بين يديه حجارة هو على شط النهر ، لا على وسطه كما تقدم في آخر كتاب الجنائز .
( باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . أي هذا باب في بيان النهي عن الربا ، خاطب الله تعالى عباده في هذه الآية ؛ ناهيا عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة ، كانوا في الجاهلية إذا حل أجل الدين إما أن يقضى وإما أن يربى ؛ فإن قضاه ، وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر ، وهكذا في كل عام ، فربما يضاعف القليل ، حتى يصير كثيرا مضاعفا . وأمر عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة ، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها ، فقال : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ 35 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ، أمن حلال أم من حرام . مطابقته للترجمة للآية الكريمة التي في موضع الترجمة ؛ من حيث إن آكل الربا لا يبالي من أكله الأضعاف المضاعفة ، هل هي من الحلال أم من الحرام ؟ وهذا الحديث - بعينه إسنادا ومتنا - قد ذكره في باب من لم يبال من حيث كسب المال ، غير أن في المتن بعض تفاوت يسير يعلم بالنظر فيه ، وهذا بعيد من عادة البخاري ، ولا سيما قريب العهد منه على أن في رواية النسفي ليس في الباب سوى هذه الآية ، وقال بعضهم : ولعل البخاري أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر ، عن أبي هريرة مرفوعا " يأتي على الناس زمان يأكلون الربا ، فمن لم يأكله أصابه غباره " . ( قلت ) : سبحان الله هذا عجيب ، والترجمة هي الآية فكيف يشير بها إلى حديث أبي هريرة ، والآية في النهي عن أكل الربا ، والأمر بالتقوى ، وحديث أبي هريرة يخبر عن فساد الزمان الذي يؤكل فيه الربا ؟! قوله : " بما أخذ " القياس حذف الألف من كلمة " ما " الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر ، ولكن ما حذف هنا لوجود عدم الحذف في كلام العرب على وجه القلة .
( باب موكل الربا ) أي هذا باب في بيان إثم موكل الربا أي مطعمه ، وهو بضم الميم وكسر الكاف اسم فاعل من مزيد أكل وهو أءكل بهمزتين ، فقلبت الهمزة الثانية التي هي من نفس الكلمة ألفا ؛ لانفتاح ما قبلها ، فصار " آكل "على وزن أفعل ، واسم الفاعل منه موكل على وزن مفعل ، وأصله مؤكل بهمزة ساكنة بعد ميم ، فقلبت واوا لضمة ما قبلها . لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " لقوله تعالى " وفي بعض النسخ " لقول الله تعالى " اللام فيه للتعليل ؛ لأن موكل الربا وآكلها آثمان ؛ لأن الله تعالى نهى عنه بقوله : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا فأمر الله عباده المؤمنين بتقواه ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه ، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ - أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون - وذروا - أي اتركوا - ما بقي من الربا وغير ذلك ، وقد ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل بن حبان ، والسدي أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة من بني مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلب ثقيف أن يأخذه منهم فتشاجروا ، وقال بنو المغيرة : لا نؤدي الربا في الإسلام ، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت هذه الآية ، فكتب بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فقالوا : نتوب إلى الله ، ونذر ما بقي من الربا ، فتركه كلهم . قوله : " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ " قال ابن عباس : أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله . وعن سعيد بن جبير قال : يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب ثم قرأ : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " فمن كان مقيما على الربا لا ينزع منه ، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ؛ فإن نزع ، وإلا ضرب عنقه ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا هشام بن حسان ، عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا : والله إن هؤلاء الصيارفة لآكلة الربا ، وإنهم قد آذنوا بحرب من الله ورسوله ، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم ؛ فإن تابوا ، وإلا وضع فيهم السلاح . قوله : " وَإِنْ تُبْتُمْ " أي عن الربا " فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ " من غير زيادة " لا تَظْلِمُونَ " بأخذ زيادة " وَلا تُظْلَمُونَ " بوضع رؤوس الأموال ، بل لكم ما بذلتم ، من غير زيادة عليه ولا نقصان منه . قوله : " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ " أي وإن كان الذي عليه الدين فقيرا " فَنَظِرَةٌ " أي الواجب الانتظار إلى وقت الميسرة ، لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين : إما أن تقضي وإما أن تربي ، ثم ندب الله تعالى إلى الوضع عنه ، وحرضه على ذلك الخير والثواب الجزيل بقوله : " وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ " وروى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أسعد بن زرارة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من سره أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فلييسر على كل معسر ، أو ليضع عنه " . وروى أحمد من حديث سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة . ثم سمعته يقول : من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة . قلت : سمعتك يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقول : من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة ، ثم سمعتك تقول : من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة ؟ قال : له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين ، فإذا حل الدين فأنظره ، فله بكل يوم مثلاه صدقة " . وروى الحاكم من حديث سهل بن حنيف أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غازيا أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته ، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . والأحاديث في هذا الباب كثيرة . قوله : " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ " أي اتقوا عذاب يوم ، ويجوز أن يكون على ظاهره ؛ لأن يوم القيامة يوم مخوف . قوله : " تُرْجَعُونَ فِيهِ " أي تردون فيه " إلى الله " أي إلى حسابه وجزائه . قوله : " ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ " أي تجازى كل نفس " بما كسبت " من الخير والشر " وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " ؛ لأن الله عادل لا ظلم عنده ، لا يظلم عنده . قال ابن عباس : هذه آخر آية نزلت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه إشارة إلى آية الربا ، وهذا التعليق رواه البخاري مسندا في التفسير ، فقال : حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن الشعبي ، " عن ابن عباس : آخر آية نزلت آية الربا " ، وقال ابن التين ، عن الداودي ، " عن ابن عباس : آخر آية نزلت : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ " . قال : فإما أن يكون وهم من الرواة لقربها منها أو غير ذلك . انتهى . وأجيب بأنه ليس بوهم ، بل هاتان الآيتان نزلتا جملة واحدة ، فصح أن يقال لكل منهما : آخر آية ، وروي عن البراء أن آخر آية نزلت : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وقال أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه : آخر آية نزلت لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وقيل : إن قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع . وروى الثوري عن الكلبي ، عن أبي صالح ، " عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فكان بين نزولها وبين موت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحد وثلاثون يوما " ، وقال ابن جريج : يقولون : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عاش بعدها تسع ليال ، وبدئ يوم السبت ، ومات يوم الاثنين ، رواه ابن جرير ، وقال مقاتل : توفي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد نزولها بسبع ليال . 38 - حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة قال : رأيت أبي اشترى عبدا حجاما ، فأمر بمحاجمه ، فكسرت ، فسألته ، فقال : نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ثمن الكلب وثمن الدم ، ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ، ولعن المصور . مطابقته للترجمة في قوله : " وآكل الربا وموكله " . وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري ، وعون بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون ، وأبو جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء ، واسمه وهب بن عبد الله أبو جحيفة السوائي ، وقد مر فيما مضى . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن حجاج بن منهال ، وفي الطلاق عن آدم ، وفي اللباس عن سليمان بن حرب . وعن أبي موسى ، عن غندر . وهذا الحديث من أفراده ، وفي بعض طرقه زيادة " كسب الأمة " وفي أخرى " كسب البغي " وتفرد منه بلعن المصور أيضا . ( ذكر معناه ) : قوله : " بمحاجمه " بفتح الميم جمع محجم بكسر الميم ، وهو الآلة التي يحجم بها الحجام . قوله : " فسألته " أي فسألت أبي الظاهر أن سؤاله عن سبب مشتراه ، ولكن لا يناسب جوابه بقوله : " نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " ، ولكن فيه اختصار بينه في آخر البيوع من وجه آخر ، عن شعبة بلفظ " اشترى حجاما فأمر بمحاجمه فكسرت ، فسألته عن ذلك " ففيه البيان بأن السؤال إنما وقع عن كسر المحاجم ، وهو المناسب للجواب ، وسأل الكرماني هنا بقوله : فلم اشتراه ؟ ثم أجاب بأنه اشتراه ليكسر محجمه ويمنعه عن تلك الصناعة . ( قلت ) : فيه نظر لا يخفى ، بل الصواب ما ذكرناه ، وهو أيضا تنبيه على هذا ؛ حيث قال : وفي بعض الرواية بعد لفظ " حجاما " " فأمر بمحاجمه فكسرت فسألته " يعني عن الكسر . قوله : " وثمن الدم " يعني أجرة الحجامة ، وأطلق الثمن عليه تجوزا . قوله : " الواشمة " هي فاعلة الوشم ، " والموشومة " مفعوله ، والوشم أن يغرز يده أو عضوا من أعضائه بإبرة ، ثم يدر عليها النيل ونحوه . قوله : " وآكل الربا " أي ونهى آكل الربا عن أكله ، وكذا نهى موكله عن إطعامه غيره ، ويقال : المراد من الآكل آخذه كالمستقرض ، ومن الموكل معطيه كالمقرض ، والنهي في هذا كله عن الفعل ، والتقدير : عن فعل الواشمة وفعل الموشومة وفعل الآكل وفعل الموكل ، وخص الآكل من بين سائر الانتفاعات ؛ لأنه أعظم المقاصد . قوله : " ولعن المصور "عطف على قوله : " نهى " . ولولا أن المصور أعظم ذنبا لما لعنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : فيه جواز شراء العبد الحجام ، وسؤال عون بن جحيفة عن أبيه إنما كان عن كسر محاجمه ، لا عن شرائه إياه كما ذكرناه . الثاني : فيه النهي عن ثمن الكلب . وفيه اختلاف العلماء ، فقال الحسن وربيعة وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي والشافعي وأحمد وداود ومالك في رواية : ثمن الكلب حرام . وقال ابن قدامة : لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال , وكره أبو هريرة ثمن الكلب ، ورخص في كلب الصيد خاصة ، وبه قال عطاء والنخعي . واختلف أصحاب مالك ، فمنهم من قال : لا يجوز ، ومنهم من قال : الكلب المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ، ولا تجوز إجارته . نص عليه أحمد ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال مالك في ( الموطأ ) : أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري ؛ لنهيه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ثمن الكلب ، وفي ( شرح الموطأ ) لابن زرقون : واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه ؛ فأجازه مرة ، ومنعه أخرى . وبإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة ، قال سحنون : ويحج بثمنه ، وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه ، وفي ( المدونة ) : كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم ، ويكره بيعه للرجل ابتداء ، قال يحيى بن إبراهيم : قوله : " في الميراث " يعني لليتيم ، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع ، إلا في الدين والمغانم ، وروى أبو زيد عن ابن القاسم : لا بأس باشتراء كلاب الصيد ، ولا يجوز بيعها ، وقال أشهب في ديوانه ، عن مالك : يفسخ بيع الكلب ، إلا أن يطول . وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : ولا يحل بيع كلب أصلا ، لا كلب صيد ، ولا كلب ماشية ، ولا غيرهما ، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه ، وهو حلال للمشتري ، حرام للبائع ، ينتزع منه الثمن متى قدر عليه ، كالرشوة في دفع الظلم وفداء الأسير ومصانعة الظالم ، ثم قال : وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأبي سليمان وأبي ثور وغيرهم . انتهى . وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن كنانة وسحنون من المالكية : الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ، وتباح أثمانها . وعن أبي حنيفة أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ، ولا يباح ثمنه ، وفي ( البدائع ) : وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب ، والفهد ، والأسد ، والنمر ، والذئب ، والدب ، والهر ونحوها - جائز عند أصحابنا ، وقال الشافعي : لا يجوز بيع الكلب ، ثم عندنا : لا فرق بين المعلم وغيره ، وفي رواية الأصيلي : فيجوز بيعه كيف ما كان . وعن أبي يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور ، وأجاب الطحاوي عن النهي الذي في هذا الحديث وغيره أنه كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ، وكان لا يحل إمساكها ، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ، فما كان على هذا الحكم فثمنه حرام ، ثم لما أبيح الانتفاع بالكلاب للاصطياد ونحوه ، ونهي عن قتلها نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها . ( فإن قلت ) : ما وجه هذا النسخ ؟ ( قلت ) : ظاهر ؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلما ورد النهي عن اتخاذها ، ورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام ، وأن بيعها حرام ، وما كان الانتفاع به حراما فثمنه حرام كالخنزير ، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه وورد النهي عن قتلها ، علمنا أنما كان قبل من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده ، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم ورفع لحكمه . الثالث : فيه النهي عن ثمن الدم ، وهو أجرة الحجامة ، فقال الأكثرون : النهي فيه على التنزيه على المشهور ؛ وذلك لأنه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - احتجم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان حراما لم يعطه ، ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة ، كالبناء ، والخياط وسائر الصناعات . وقالوا : يعني نهيه عن ثمن الدم ، أي السائل الذي حرمه الله ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : أجرة الحجام من ذلك ، أي لا يجوز أخذه ، وهو قول أبي هريرة والنخعي ، واعتلوا بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن مهر البغي وكسب الحجام ، فجمع بينهما ، ومهر البغي حرام إجماعا ، فكذلك كسب الحجام . وأما الذين حملوا النهي على التنزيه فاستدلوا أيضا بقوله لمحيصة " أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك " ، وقال آخرون : يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة ، ولا يجوز للحجام أخذها . رواه ابن جرير عن أبي قلابة ، وعلته أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الحجام أجرا ، فجائز لهذا الاقتداء بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أفعاله ، وليس للحجام أخذها ، للنهي عن كسبه ، وبه قال ابن جرير ، إلا أنه قال : إن أخذ الأجرة رأيت له أن يعلف به ناضحه ومواشيه ، ولا يأكله ، فإن أكله لم أر بأكله حراما ، وفي ( شرح المهذب ) : قال الأكثرون : لا يحرم أكله ، لا على الحر ، ولا على العبد ، وهو مذهب أحمد المشهور . وفي رواية عنه وقال بها فقهاء المحدثين : يحرم على الحر دون العبد ؛ لحديث محيصة المذكور . الرابع : في النهي عن فعل الواشمة والموشومة ؛ لأنه من عمل الجاهلية ، وفيه تغيير لخلق الله تعالى ، وروى الترمذي من حديث ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " لعن الله الواصلة والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة " قال نافع : الوشم في اللثة . وأخرجه البخاري أيضا في اللباس على ما سيأتي إن شاء الله تعالى . وعن عبد الله " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات مبتغيات للحسن ، مغيرات خلق الله " أخرجه الجماعة . الخامس : في آكل الربا وموكله ، وإنما اشتركا في الإثم - وإن كان الرابح أحدهما - لأنهما في الفعل شريكان ، وسيأتي في آخر البيوع وفي آخر الطلاق أنه لعن آكل الربا وموكله . السادس : في التصوير ، وهو حرام بالإجماع ، وفاعله يستحق اللعنة ، وجاء أنه يقال للمصورين يوم القيامة : أحيوا ما خلقتم ، وظاهر الحديث العموم ، ولكن خفف منه تصوير ما لا روح فيه ، كالشجر ونحوه .
( باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع ) أي هذا باب في بيان ما يمحق - أي الشيء الذي يمحق ، أي يفسد ويبطل - الكذب من البائع في مدح سلعته ، ومن المشتري في التقصير في وفاء الثمن . قوله : " والكتمان " بالرفع عطف على الكذب ، وهو الإخفاء من البائع عن عيب سلعته المشتري عن وصف الثمن . 34 - حدثنا بدل بن المحبر قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال : حتى يتفرقا - فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما . مطابقته للترجمة في قوله : " محقت بركة بيعهما " والحديث مضى عن قريب في باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا ؛ فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، وهاهنا عن بدل بن المحبر ، عن شعبة ، والتكرار لأجل الترجمة وتعدد الذي يروي عنه ، وبدل - بفتح الباء الموحدة والدال المهملة - ابن المحبر - بضم الميم وفتح الحاء المهملة والباء الموحدة المشددة وفي آخره راء - ابن منبه اليربوعي البصري الواسطي .
( باب يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ أي هذا باب يذكر فيه قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ الآية . ويمحق من محق يمحق محقا ، من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما ، والمحق النقصان وذهاب البركة . وقيل : هو أن يذهب كله ، حتى لا يرى منه أثر ، ومنه : يمحق الله الربا أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه . وفي تفسير الطبري ، " عن ابن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : الربا وإن كثر فإلى قل " ، وقال المهلب : سئل بعض العلماء وقيل : نحن نرى صاحب الربا يربو ماله ، وصاحب الصدقة إنما كان مقلا ؟ فقال : يربي الصدقات ، يعني أن صاحبها يجدها مثل أحد يوم القيامة ، وصاحب الربا يجد عمله ممحوقا إن تصدق به ، أو وصل رحمه ؛ لأنه لم يكتب له بذلك حسنة ، وكان عليه إثم الربا ، وقال ابن بطال : وقالت طائفة : إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ ، وقال عبد الرزاق ، عن معمر أنه قال : سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق . قوله : " وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ أي يزيدها ؛ من الإرباء ، قال الطبري : الإرباء الزيادة على الشيء ، يقال : منه أربى فلان على فلان إذا زاد عليه ، وقرئ : وَيُرَبِّي بضم الياء وفتح الراء وكسر الباء المشددة ؛ من التربية ، كما في الصحيح " من تصدق بعدل تمرة " الحديث . وفيه : " ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه ، حتى يكون مثل الجبل " ، وفي رواية ابن جرير " وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال في كف الله - حتى يكون مثل أحد فتصدقوا " وهكذا رواه أحمد أيضا ، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد ، ولكن لفظه عجيب ، والمحفوظ ما تقدم . قوله : " وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " أي لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل ، ومناسبة ختم هذه الآية بهذه الصفة هي أن المرابي لا يرضى بما أعطاه الله من الحلال ، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة ، فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل ، وقال الطبري : والله لا يحب كل مصر على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا . 39- حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن يونس ، عن ابن شهاب قال ابن شهاب قال ابن المسيب : إن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة . مطابقته للترجمة من حيث إنه كالتفسير لها ؛ لأن الربا الزيادة ، والمحق النقص ، فيقال : كيف تجتمع الزيادة والنقص ؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال ، فإنه يمحق البركة ، فكذلك قوله تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا ، وإن كان العدد زائدا ، لكن محق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا كما في حديث ابن مسعود ، رواه ابن ماجه وأحمد ، وقد ذكرناه عن قريب ، وقال الكرماني : وجه تعلق الحديث بالترجمة هو أن المقصود أن طلب المال بالمعصية مذهب للبركة مآلا ، وإن كان محصلا له حالا . ( قلت ) : هذا وجه بعيد ؛ لأن طلب المال بالمعصية هو طلبه بالربا ، والحديث في الحلف كاذبا ، فمن أين تأتي المناسبة بهذا الوجه ؟ والوجه ما ذكرناه . ويحيى بن بكير بضم الباء الموحدة هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري ، والليث بن سعد المصري ، ويونس بن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني ، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب بن حزن ، كان ختن أبي هريرة على ما أبنته ، وأعلم الناس بحديث أبي هريرة ، والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن أبي الطاهر بن السرح ، وحرملة بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن ابن السرح ، وعن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي فيه عن ابن السرح به . قوله : " الحلف " بفتح الحاء المهملة وكسر اللام ، وعن ابن فارس بسكون اللام أيضا ، وأراد به اليمين الكاذبة ، قوله : " منفقة " بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف ، على وزن مفعلة بلفظ اسم المكان ، من نفق المبيع إذا راج ، ضد كسد ، قوله : " ممحقة " كذلك ، بفتح الميم ، من المحق ، وقد مر تفسيره عن قريب ، وقال ابن التين : كلاهما بفتح الميم . ( قلت ) : كلاهما بلفظ اسم المكان للمبالغة ، وهما في الأصل مصدران ميميان ، والمصدر الميمي يأتي للمبالغة ، ويروى كلاهما بصيغة اسم الفاعل يعني بضم الميم فيهما ، وكسر الحاء في ممحقة ، والفاء في منفقة . ( فإن قلت ) : الحلف مبتدأ ، ومنفقة خبره ، والمطابقة بين المبتدأ والخبر شرط في التذكير والتأنيث ؟ ( قلت ) : التاء في منفقة وممحقة ليست للتأنيث بل هي للمبالغة ، وقوله ممحقة خبر بعد خبر .
( باب ما قيل في اللحام والجزار ) . أي هذا باب في بيان ما قيل في اللحام وهو بياع اللحم ، والجزار الذي يجزر أي ينحر الإبل ، وكلاهما على وزن فعال بالتشديد ، وهذا الباب وقع هاهنا عند الأكثرين . ووقع عند ابن السكن بعد خمسة أبواب ، وقال بعضهم : وهو أليق ؛ لتتوالى تراجم الصناعات . ( قلت ) : توالي التراجم إنما هو أمر مهم ، والبخاري لا يتوقف غالبا في رعاية التناسب بين الأبواب . 33 - حدثنا عمر بن حفص قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : حدثني شقيق عن أبي مسعود قال : جاء رجل من الأنصار - يكنى أبا شعيب - فقال لغلام له قصاب : اجعل لي طعاما يكفي خمسة ؛ فإني أريد أن أدعو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خامس خمسة ؛ فإني قد عرفت في وجهه الجوع ، فدعاهم ، فجاء معهم رجل ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن هذا قد تبعنا ، فإن شئت أن تأذن له فأذن له ، وإن شئت أن يرجع رجع ، فقال : لا ، بل قد أذنت له . مطابقته للترجمة في قوله : " لغلام له قصاب " قال القرطبي : اللحام هو الجزار والقصاب على قياس قولهم : عطار وتمار للذي يبيع ذلك ، فهذا كما رأيت جعل اللحام والجزار والقصاب بمعنى واحد ، فعلى هذا تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث ، ولكن في عرف الناس اللحام من يبيع اللحم ، والجزار من يجزر الجزور أي ينحره ، والقصاب من يذبح الغنم ، وأصله من القصب ، وهو القطع ، يقال : قصب القصاب الشاة أي قطعها عضوا عضوا . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ذكروا غير مرة ، والأعمش هو سليمان ، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل ، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المظالم ، عن أبي النعمان ، وفي الأطعمة ، عن محمد بن يوسف . وعن عبد الله بن أبي الأسود . وأخرجه مسلم في الأطعمة ، عن قتيبة وعثمان . وعن أبي بكر وإسحاق . وعن نصر بن علي وأبي سعيد الأشج . وعن عبد الله بن معاذ . وعن عبد الله بن عبد الرحمن . وعن سلمة بن شبيب . وأخرجه الترمذي في النكاح ، عن هناد . وأخرجه النسائي في الوليمة ، عن إسماعيل بن مسعود . وعن أحمد بن عبد الله . ( ذكر معناه ) : قوله : " قصاب " بالجر ؛ لأنه صفة لغلام ، وسيأتي في المظالم من وجه آخر عن الأعمش بلفظ " كان له غلام لحام " . قوله : " خامس خمسة " أي أحد خمسة ، وقال الداودي : جائز أن يقول : خامس خمسة وخامس أربعة . وعن المهلب : إنما صنع طعام خمسة لعلمه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيتبعه من أصحابه غيره . قوله : " فجاء معهم رجل " أي سادسهم . قوله : " إن هذا قد تبعنا " بكسر الباء الموحدة وفتح العين ؛ لأنه فعل ماض ، والضمير الذي فيه يرجع إلى الرجل و " نا " مفعوله . قوله : " وإن شئت أن يرجع " أي الرجل الذي تبعهم " رجع " ، ولا يدخل معهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز الاكتساب بصنعة الجزارة وأنه لا بأس بذلك ، وقال ابن بطال : وإن كان في الجزارة شيء من الضعة ؛ لأنه يمتهن فيها نفسه ، وإن ذلك لا ينقصه ، ولا يسقط شهادته إذا كان عدلا . وفيه جواز استعمال السيد غلامه في الصنائع التي يطيقها وأخذ كسبه منها . وفيه بيان ما كانوا فيه من شظف العيش وقلة الشيء ، وأنهم كانوا يؤثرون بما عندهم . وفيه تأكيد إطعام الطعام ، والضيافة ، خصوصا لمن علم حاجته لذلك . وفيه أن من صنع طعاما لغيره فلا بأس أن يدعوه إلى منزله ليأكل معه عنده ، ولكن هل الأولى أن يدعوه إلى الطعام أو يرسله إليه ؟ اختار مالك إرساله إليه ليأكل مع أهله إن كان له أهل ، فقال في الرجل يدعو الرجل : يلزمه إذا أراد أن يبعث بمثل ذلك إليه ليأكله مع أهله ؛ فإنه قبيح بالرجل أن يذهب يأكل الطيبات ويترك أهله . وفيه أنه ينبغي لمن دعا من له منزلة إلى طعامه - أن يدعو معه أصحابه الذين هم أهل مجالسته ، كما فعل أبو شعيب رضي الله تعالى عنه . وفيه أنه ينبغي لمن أراد أن يدعو جماعة أن يصنع لهم من الطعام كفايتهم ، ولا يضيق عليهم محتجا بأن طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ؛ لأنه لا ينبغي التقصير على الضيف ، وربما جاء من لم يدعه كما وقع في قصة أبي شعيب . وفيه إجابة المدعو للداعي وأنه لم ينص على اسمه بل ذكر تبعا لغيره ، كجلساء فلان وأصحابه إذ لم ينقل أنه سمى معه جلساءه ، لكن يحتمل أن أبا شعيب حين رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعرف في وجهه الجوع - أنه رأى معه أربعة جالسين ، فكان ذلك تخصيصا لهم . وفيه أنه لو دعا رجلا إلى وليمة أو طعام سواء قلنا بالوجوب أو بالاستحباب ، وكان مع المدعو حالة الدعوة غيره - لم يدخل في الدعوة ، وليس كالهدية عند قوم يشركونه فيها ؛ للحديث الوارد في ذلك " من أهدي له هدية عند قوم يشركونه فيها " ، والحديث غير صحيح . وفيه أنه لا بأس لمن وجد جماعة يذهبون إلى مكان أن يتبعهم ؛ لأنه لو كان هذا ممتنعا لنهاه النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولرده ، وإنما الممتنع دخوله معهم بغير إذن صاحب الدعوة ورضاه . وفيه أنه لا ينبغي للمدعو أن يرد من تبعه إلى الدعوة بل يستأذنه عليه لجواز أن يأذن له . وفيه أنه ينبغي للمدعو أن يستأذن صاحب المنزل فيمن تبعه إلى الدعوة لئلا ينكسر خاطره ما لم يكن ثمة داع لعدم دخوله . وفيه أنه ينبغي للمدعو إذا استأذن لمن تبعه أن يتلطف في الاستئذان ، ولا يتحكم على صاحب المنزل بقوله ائذن لهذا ونحو ذلك . وفيه أنه ينبغي للمدعو إذا استأذن لمن تبعه أن يعلم صاحب الدعوة أن الأمر في الإذن إليه ، وأنه ليس للمدعو أن يحتكم عليه ويدعو معه من أراد لقوله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وإن شئت رجع هذا " مع كونه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - له أن يتصرف في مال كل من الأمة بغير حضوره وبغير رضاه ، ولكنه لم يفعل ذلك إلا بالإذن تطييبا لقلوبهم . وفيه أنه ينبغي للداعي إذا استأذن المدعو فيمن تبعه أن يأذن له كما فعل أبو شعيب ، وهذا من مكارم الأخلاق . وفيه في قوله : " إن هذا قد تبعنا " دليل على أنه لو كان معهم حالة الدعوة لدخل فيها ولم يحتج إلى الاستئذان . وفيه قال القاضي عياض : فيه تحريم طعام الطفيليين ، وقال أصحاب الشافعي : لا يجوز التطفل ، إلا إذا كان بينه وبين صاحب الدار انبساط . وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما ودخل سارقا وخرج مغيرا " وروى البيهقي في ( سننه ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من دخل على قوم لطعام لم يدع إليه فأكل دخل فاسقا وأكل ما لا يحل له " وفي إسناده يحيى بن خالد ، وهو مجهول .
( باب ما يكره من الحلف في البيع ) أي هذا باب في بيان كراهة الحلف في البيع مطلقا ، يعني سواء كان صادقا أو كاذبا ؛ فإن كان صادقا فكراهة تنزيه ، وإن كان كاذبا فكراهة تحريم . 40 - حدثنا عمرو بن محمد قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا العوام ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلا أقام سلعة ، وهو في السوق ، فحلف بالله : لقد أعطى بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعمرو بن محمد الناقد البغدادي مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وهشيم - بضم الهاء - ابن بشير - بضم الباء الموحدة - الواسطي ، والعوام - على وزن فعال - ابن حوشب الشيباني الواسطي ، مات سنة ثمان وأربعين ومائة . وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي أبو إسماعيل الكوفي ، وعبد الله بن أبي أوفى بلفظ أفعل التفضيل ، واسم أبي أوفى علقمة الأسلمي ، له ولأبيه صحبة ، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة ، وهو من جملة من رآه أبو حنيفة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . والحديث من أفراد البخاري . وأخرجه أيضا في التفسير ، عن علي بن أبي هاشم ، وفي الشهادات عن إسحاق ، عن يزيد بن هارون . قوله : " أقام " أي روج ، يقال : قامت السوق أي راجت ونفقت ، والسلعة المتاع ، والواو في قوله : " وهو " للحال . قوله : " بالله " يحتمل أن يكون صلة لحلف ، وأن لا يكون صلة له ، بل قسم وقوله : " ولقد " جواب قسم . قوله : " بها " أي بدل سلعته ، أي حلف بأنه أعطى كذا وكذا ، وما أخذت ويكذب فيه ترويجا لسلعته . قوله : " ليوقع " أي لأن يوقع فيها - أي في سلعته - رجلا من المسلمين الذين يريدون الشراء . قوله : " فنزلت هذه الآية " وهي : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الآية ، نزلت فيمن يحلف يمينا فاجرة لينفق سلعته . وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس ، نازع خصما في أرض ، فقام ليحلف ، فنزلت . ( قلت ) : روى الإمام أحمد قال : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق ، لقي الله وهو عليه غضبان " قال : فجاء الأشعث بن قيس ، فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فحدثناه ، فقال : في كان هذا الحديث ؛ خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بئر كانت لي في يده ، فجحدني ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ببينتك أنها بئرك ، وإلا فبيمينه " قال . قلت : يا رسول الله ، ما لي بينة ، وإن تجعلها بيمينه ويذهب بئري ، إن خصمي امرؤ فاجر ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من اقتطع " الحديث ، قال : وقرأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ إلى قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وفي ( تفسير الطبري ) : نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب ، وقال الزمخشري : نزلت في الذين حرفوا التوراة ، وقال مقاتل : نزلت في رؤوس اليهود كعب بن الأشرف وابن صوريا . قوله : " إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ " أي بما عاهدوه من الإيمان والإقرار بوحدانيته . قوله : " وَأَيْمَانِهِمْ " أي وأيمانهم الكاذبة " ثَمَنًا قَلِيلا " أي عوضا يسيرا " أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ " أي لا نصيب لهم في الآخرة ، ولا حظ لهم منها . قوله : " وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ " أي كلام لطيف ، " وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ " بعين الرحمة ، " وَلا يُزَكِّيهِمْ " من الذنوب والأدناس . وقيل : لا يثني عليهم ، بل يأمر بهم إلى النار " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، وقال ابن أبي حاتم ، عن أبي العالية : الأليم الموجع في القرآن كله ، قال : وكذلك فسره سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وقتادة وأبو عمران الجوني ، وما يتعلق بهذه الآية الكريمة ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قلت : يا رسول الله ، من هم خسروا وخابوا ؟ قال : وأعاد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاث مرات : " المسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، والمنان " . ورواه مسلم وأهل السنن من طريق شعبة . وروى أحمد أيضا من حديث أبي ذر . وفيه " ثلاثة يشنأهم الله ؛ التاجر الحلاف - أو قال البائع الحلاف - والفقير المختال ، والبخيل المنان " .
( باب بيع الخلط من التمر ) أي هذا باب في بيان بيع الخلط من التمر ، الخلط - بكسر الخاء المعجمة - التمر المجتمع على أنواع متفرقة ، وقال الأصمعي : هو كل لون من التمر لا يعرف اسمه . وقيل : هو نوع رديء . وقيل : هو المختلط . وعن المطرز : هو نخل الدقل ، يعني تمر الدوم ، كذا ذكره عياض ، وقال ابن الأثير : الدوم ضخام الشجر . وقيل : هو شجر المقل ، وقال ابن قرقول : هو تمر من تمر النخل رديء يابس ، وكلمة " من " في قوله : " من التمر " بيانية . 32 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا شيبان عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : كنا نرزق تمر الجمع ، وهو الخلط من التمر ، وكنا نبيع صاعين بصاع ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا صاعين بصاع ، ولا درهمين بدرهم . مطابقته للترجمة في قوله : " وكنا نبيع الصاعين بصاع " يعني من تمر الجمع ، والجمع بفتح الجيم وسكون الميم ، وهو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه ، وفي ( المغرب ) الجمع الدقل ؛ لأنه يجمع من خمسين نخلة ، وقد نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع هذا بقوله : " لا صاعين بصاع " يعني لا تبيعوا الصاعين بصاع ؛ لأن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده ، فلا يجوز التفاضل في شيء منه على ما سيأتي الكلام فيه مفصلا . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، كلهم ذكروا غير مرة ، وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، وشيبان بن يحيى التميمي النحوي ، أصله بصري ، سكن الكوفة ، ويحيى هو ابن أبي كثير ، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن ، وأبو سعيد هو الخدري رضي الله عنه ، واسمه سعد بن مالك . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن إسحاق بن منصور . وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود . وعن هشام بن عفان . وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن أبي كريب . وفقه الباب أن التمر كله جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه . ( فإن قلت ) : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا ربا إلا في النسيئة . ( قلت ) : قد ثبت رجوعه عنه ، وذكر الأثرم في ( سننه ) : قلت لأبي عبد الله : التمر بالتمر وزنا بوزن ؟ قال : لا ، ولكن كيلا بكيل ، إنما أصل التمر الكيل . قلت لأبي عبد الله : صاع تمر بصاع واحد ، وأحد التمرين يدخل في المكيال أكثر ؟ فقال : إنما هو صاع بصاع ، أي جائز . انتهى . ( قلت ) : ويدخل في معنى التمر جميع الطعام ، فلا يجوز في الجنس الواحد منه التفاضل ، ولا النساء بالإجماع ، فإذا كانا جنسين - كحنطة وشعير - جاز التفاضل ، واشترط الحلول ، وسيجيء البحث فيه عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله : " ولا درهمين بدرهم " أي ولا تبيعوا بدرهم ، يؤيد الحديث الآخر " الذهب بالذهب مثلا بمثل " إلى أن قال : " والتمر بالتمر " ، حتى عدد النسئة .
( باب ما قيل في الصواغ ) أي هذا باب في بيان ما قيل في حق الصواغ ، والمراد بهذه الترجمة والتراجم التي بعدها من أصحاب المصانع - التنبيه على أن هذه كانت في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنه أقرها مع العلم بها ، فكان كالنص على جوازها ، وما لم يذكر يعمل فيه بالقياس ، والصواغ بفتح الصاد على وزن فعال بالتشديد هو الذي يعمل الصياغة ، وبضم الصاد جمع صائغ . وقال طاوس ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا يختلى خلاها ، وقال العباس : إلا الإذخر ؛ فإنه لقينهم وبيوتهم ، فقال : إلا الإذخر . مطابقته للترجمة في قوله : " لقينهم " ؛ لأن القين يطلق على الحداد والصائغ ، قاله ابن الأثير ، وهذان التعليقان أسندهما البخاري في كتاب الحج في باب لا ينفر صيد الحرم ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " لا يختلى " بالخاء المعجمة أي لا يقطع ، والخلا بفتح الخاء مقصورا الرطب من الحشيش . 41 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني علي بن حسين أن حسين بن علي رضي الله عنهما قال : أخبره أن عليا عليه السلام قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاني شارفا من الخمس ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة عليها السلام بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي ، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي . مطابقته للترجمة في قوله : " من الصواغين " . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة : الأول : عبدان لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : يونس بن يزيد . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . السادس : حسين بن علي بن أبي طالب أبو عبد الله أخو الحسن بن علي . السابع : علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضعين . وفيه العنعنة في موضع واحد . وفيه رواية ابن شهاب بالإسناد المذكور ، يقال : هو أصح الأسانيد . وفيه أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان ويونس أيلي ، والبقية مدنيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في اللباس وفي الخمس ، عن عبدان به . وأخرجه في المغازي ، عن أحمد بن صالح ، وفي الشرب عن إبراهيم بن موسى . وأخرجه مسلم في الأشربة ، عن محمد بن عبد الله ، عن عبدان به . وعن يحيى بن يحيى . وعن عبد بن حميد . وعن أبي بكر بن إسحاق . وأخرجه أبو داود في الخراج ، عن أحمد بن صالح به . ( ذكر معناه ) : قوله : " شارف " بالشين المعجمة وفي آخره فاء على وزن فاعل ، وهي المسنة من النوق . وعن الأصمعي : شارف وشروف ، قال سيبويه : جمع الشارف شرف ، كالقول في البازل ، يعني خرج نابها . وعن أبي حاتم : شارفة ، والجمع شوارف ، ولا يقال للبعير : شارف . وعن الأصمعي أنه يقال للذكر : شارف وللأنثى : شارفة ، ويجمع على شرف ، ولم أسمع فعل جمع فاعل إلا قليلا . قوله : " من المغنم " وفي لفظ " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر " ، وقال ابن بطال : لم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر ، وذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه كان في غزوة بني النضير حين حكم سعد ، قال : وأحسب أن بعضهم قال : نزل أمر الخمس بعد ذلك . وقيل : إنما كان الخمس بعد ذلك يقينا في غنائم حنين ، وهي آخر غنيمة حضر بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : وإذا كان كذلك ، فيحتاج قول علي رضي الله تعالى عنه إلى تأويل . ( قلت ) : ذكر ابن إسحاق عبد الله بن جحش لما بعثه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السنة الثانية إلى نخلة في رجب - وقيل : عمرو ابن الحضرمي وغيره ، واستاقوا الغنيمة ، وهي أول غنيمة - قسم ابن جحش الغنيمة ، وعزل لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك قبل أن يفرض الخمس ، فأخر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر الخمس والأسيرين ، ثم ذكر خروج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بدر في رمضان ، فقسم غنائمها مع الغنيمة الأولى ، وعزل الخمس ، فيكون قول علي رضي الله عنه : " شارفا من نصيبي من الغنم " يريد يوم بدر ويكون قوله : " وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاني شارفا قبل ذلك من الخمس " يعني قبل يوم بدر من غنيمة ابن جحش ، وقال ابن التين : فيه دليل على أن آية الخمس نزلت يوم بدر ؛ لأنه لم يكن قبل بنائه بفاطمة رضي الله عنها مغنم ، إلا يوم بدر ، وذلك كله سنة ثنتين من الهجرة في رمضان ، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك ، وذكر أبو محمد في ( مختصره ) أنه تزوجها في السنة الأولى ، قال : ويقال : في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرا ، وهذا كله كان بعد بدر . وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي نكحها علي بعد وقعة أحد . وقيل : تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف ، وقال ابن الجوزي : بنى بها في ذي الحجة . وقيل : في رجب . وقيل : في صفر من السنة الثانية . قوله : " أن أبتني " أي أدخل بها . قوله : " من بني قينقاع " بفتح القافين وسكون الياء آخر الحروف وضم النون وفي آخره عين مهملة ، وفي نونه ثلاث لغات ؛ الضم ، والفتح ، والكسر ، ويصرف على إرادة الحي ، ولا يصرف على إرادة القبيلة . وهو رهط من اليهود . وقيل : قينقاع أبو سبط من يهود المدينة ، وهم أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحاربوا فيما بين بدر وأحد ، فحاصرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزلوا على حكمه . قوله : " بإذخر " بكسر الهمزة والخاء المعجمة ، وهي حشيشة طيبة الريح تسقف بها البيوت فوق الخشب ، ويستعملها الصواغون أيضا . قوله : " في وليمة عرسي " الوليمة طعام العرس . وقيل : الوليمة اسم لكل طعام ، والعرس - بضم الراء وإسكانها بمهملة - الإملاك والبناء ، أنثى ، وقد يذكر ، وتصغيرها بغير هاء ، وهو نادر ؛ لأن حقه الهاء ؛ إذ هو يؤنث على ثلاثة أحرف ، والجمع أعراس وعرسات ، والعروس نعت الرجل والمرأة ، يقال : رجل عروس في رجال أعراس ، وامرأة عروس في نسوة عرائس ، ذكره ابن سيده ، وفي ( التهذيب ) للأزهري : العرس طعام الوليمة ، وهو من أعرس الرجل بأهله إذا بنى عليها ودخل بها ، وتسمى الوليمة عرسا ، والعرب تؤنث العرس . وعن الفراء والأصمعي وأبي زيد ويعقوب : هي أنثى ، وتصغيرها عريس وعريسة ، وهو طعام الزفاف ، والعرس مثل قرط اسم للطعام الذي يتخذ للعروس . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز بيع الإذخر وسائر المباحات ، والاكتساب منها للرفيع ، والوضيع . وفيه الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم . وفيه جواز معاملة الصائغ ، ولو كان يهوديا . وفيه الاستعانة على الولائم ، والتكسب لها من طيب ذلك الكسب . وفيه أن طعام الوليمة على الناكح .
42 - حدثنا إسحاق قال : حدثنا خالد بن عبد الله عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن الله حرم مكة ، ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي ، وإنما حلت لي ساعة من نهار ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها ، إلا لمعرف ، وقال عباس بن عبد المطلب : إلا الإذخر لصاغتنا ولسقف بيوتنا ، فقال : إلا الإذخر ، فقال عكرمة : هل تدري ما ينفر صيدها ؟ هو أن تنحيه من الظل وتنزل مكانه . مطابقته للترجمة في قوله : لصاغتنا وهو جمع صائغ ، وإسحاق هذا هو ابن شاهين الواسطي ، نص عليه ابن ماكولا وابن البيع ، وأكد ذلك قول الإسماعيلي : حدثنا ابن عبد الكريم ، حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالد . وقول أبي نعيم : حدثنا أحمد بن عبد الكريم الوزان ، حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالد . وخالد الأول هو الطحان ، وخالد الثاني هو الحذاء ، وقد مضى الحديث في كتاب الحج في باب لا ينفر صيد الحرم ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قال عبد الوهاب عن خالد : لصاغتنا وقبورنا . هذا التعليق وصله البخاري في كتاب الحج وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي .
باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا أي : هذا باب يذكر فيه إذا بين البيعان أي : إذا أظهر البيعان ما في المبيع من العيب ، والبيعان بفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف تثنية بيع وأراد بهما البائع والمشتري وإطلاقه على المشتري بطريق التغليب أو هو من باب إطلاق المشترك وإرادة معنييه معا إذ البيع جاء لمعنيين ، وفيه خلاف . قوله : ولم يكتما أي : ما في المبيع من العيب . قوله : ونصحا من باب عطف العام على الخاص وجواب إذا محذوف تقديره إذا بينا ما فيه ولم يكتما بورك لهما فيه أو نحو ذلك ولم يذكره البخاري اكتفاء بما في الحديث على عادته . ويذكر عن العداء بن خالد قال : كتب لي النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة مطابقة هذا التعليق للترجمة تؤخذ من قوله : لا داء ولا خبثة ولا غائلة لأن نفي هذه الأشياء بيان بأن المبيع سالم عنها ، وليس فيها كتمان شيء من ذلك والعداء بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة ، وفي آخره همزة على وزن فعال هو ابن هودة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة العامري أسلم بعد الفتح صحابي قليل الحديث ، وكان يسكن البادية وهذا التعليق هكذا وقع وقد وصله الترمذي وقال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عباد بن ليث صاحب الكرابيس قال : حدثنا عبد المجيد بن وهب قال : قال لي العداء بن خالد بن هودة : ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : قلت بلى ؟ فأخرج لي كتابا : هذا ما اشترى العداء بن هودة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث . وقد روى عنه هذا الحديث غير واحد من أهل الحديث ، وأخرجه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى ، عن عباد بن ليث ، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن بشار ، وأخرجه غيرهم وكلهم اتفقوا على أن البائع هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمشتري العداء وهنا بالعكس فقيل : إن الذي وقع هنا مقلوب وقيل : صواب وهو من الرواية بالمعنى لأن اشترى وباع بمعنى واحد ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على اسم العداء وشرحه ابن العربي على ما وقع في الترمذي فقال فيه البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشتري . ذكر معناه قوله : بيع المسلم المسلم بيع المسلم منصوب على أنه مصدر من غير فعله ؛ لأن معنى البيع والشراء متقاربان ، ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض تقديره كبيع المسلم ، ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو بيع المسلم المسلم ، والمسلم الثاني منصوب بوقوع فعل البيع عليه . قوله : لا داء أي : لا عيب ، وقال ابن قتيبة : أي : لا داء في العبد من الأدواء التي يرد بها كالجنون والجذام والبرص والسل والأوجاع المتقاربة ، ويقال : الداء المرض وهو المشهور . وعين فعله واو ، بدليل قولهم في الجمع : أدواء ، يقال : داء الرجل وأداء وأدأته ، يتعدى ولا يتعدى . وقيل : لا داء يكتمه البائع ، وإلا فلو كان بالعبد داء وبينه البائع لكان من بيع المسلم للمسلم . قوله : ولا خبثة بكسر الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الثاء المثلثة ، وقال ابن التين : ضبطناه في أكثر الكتب بضم الخاء ، وكذلك سمعناه ، وضبط في بعضها بالكسر ، وقال الخطابي : خبثة على وزن خيرة ، قيل : أراد بها الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب ، قال تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ والخبثة نوع من أنواع الخبث ، أراد أنه عبد رقيق ، لا أنه من قوم لا يحل سبيهم . وقيل : المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق . قوله : ولا غائلة بالغين المعجمة أي ولا فجور . وقيل : المراد الإباق ، وقال ابن بطال : هو من قولهم : اغتالني فلان إذا احتال بحيلة يتلف بها مالي ، وقال ابن العربي : الداء ما كان في الخلق بالفتح ، والخبثة ما كان في الخلق بالضم ، والغائلة سكوت البائع عما يعلم من مكروه في المبيع ، ويقال : الداء العيب الموجب للخيار ، والخبثة أن يكون محرما ، والغائلة ما فيه هلاك مال المشتري ككونه آبقا . وقيل : الغائلة الخيانة . ( ذكر ما يستفاد منه على وجه تخريج الترمذي وغيره ) : ذكر ابن العربي فيه ثمان فوائد : الأولى : البداءة باسم الناقص قبل الكامل في الشروط ، والأدنى قبل الأعلى ، وقد ذكرناه . الثانية : في كتب النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك له ، وهو ممن يؤمن عهده ، ولا يجوز أبدا عليه نقضه لتعليم الأمة ؛ لأنه إذا كان هو يفعله فكيف غيره . الثالثة : أن ذلك على الاستحباب ؛ لأنه باع وابتاع من اليهودي من غير إشهاد ، ولو كان أمرا مفروضا لقام به قبل الخلق . وفيه نظر ؛ لأن ابتياعه من اليهودي كان برهن . الرابعة : أنه يكتب اسم الرجل واسم أبيه وجده ، حتى ينتهى إلى جد يقع به التعريف ويرتفع الاشتراك الموجب للإشكال عند الاحتياج إليه . انتهى . هذا إنما يتأتى إذا كان الرجل غير معروف ، أما إذا كان معروفا فلا يحتاج إلى ذكر أبيه ، وإن لم يكن معروفا ، وكان أبوه معروفا لم يحتج إلى ذكر الجد كما جاء في البخاري من غير ذكر جد العداء . الخامسة : لا يحتاج إلى ذكر النسب ، إلا إذا أفاد تعريفا أو رفع إشكالا . السادسة : أنه كرر الشراء ؛ لأنه لما كانت الإشارة بهذا إلى المكتوب ذكر الشراء في القول المنقول . السابعة : قال عبد : ولم يصفه ، ولا ذكر الثمن ، ولا قبضه ، ولا قبض المشتري . ( قلت ) : إذا كان المبيع حاضرا فلا يحتاج إلى هذا ، والثمن أيضا إذا كان حاضرا فلا يحتاج إلى ذكره ، ولا إلى معرفة قدره . الثامنة : قوله : بيع المسلم المسلم ليبين أن الشراء والبيع واحد ، وقد فرق أبو حنيفة بينهم ، وجعل لكل واحد حدا منفردا ، وقال غيره : فيه تولي الرجل البيع بنفسه ، وكذا في حديث اليهودي ، وكرهه بعضهم لئلا يسامح ذو المنزلة فيكون نقصا من أجره ، وجاز ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعصمته في نفسه . وفيه صحة اشتراط سلامة المبيع من سائر العيوب ؛ لأنها نكرة في سياق النفي فتعم . وفيه مشروعية كتابة الشروط ، وهو مستحب قطعا ، وهو أمر زائد على الإشهاد . ( فإن قلت ) : ما فائدة ذكر المفعول ، وهو قوله : المسلم مع أنه لو كان المشتري ذميا لم يجز غشه ، ولا أن يكتم عنه عيبا يعلمه ؟ ( قلت ) : فائدة ذلك أن المسلم أنصح للمسلم منه للذمي ؛ لما بينهما من علاقة الإسلام ، وغشه له أفحش من غشه للذمي . وقال قتادة : الغائلة الزنا والسرقة والإباق . هذا التعليق وصله ابن منده من طريق الأصمعي عن سعيد بن أبي عروبة عنه ، وفي ( المطالع ) : الظاهر أن تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معا . وقيل لإبراهيم : إن بعض النخاسين يسمى آري خراسان وسجستان ، فيقول : جاء أمس من خراسان ، جاء اليوم من سجستان ، فكرهه كراهية شديدة . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة تدل على نفي التدليس ، والتغرير ، وهذه الصورة التي ذكرت لإبراهيم النخعي فيها تدليس على المشتري ؛ فلذلك كرهه إبراهيم كراهية شديدة . قوله : النخاسين بفتح النون وتشديد الخاء المعجمة وكسر السين المهملة جمع النخاس ، وهو الدلال في الدواب . قوله : آري خراسان وسجستان الآري بضم الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف ، هو معلف الدابة ، قاله الخليل ، وقال التيمي : مربط الدابة ، وقال الأصمعي : هو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تربط به الدابة ، وأصلة من الحبس والاقامة ، من قولهم : تارى بالمكان إذا أقام به ، وقال ابن قرقول : الآري كذا قيده جل الرواة . ووقع للمروزي أرى بفتح الهمزة والراء على مثال دعى ، وليس بشيء . ووقع لأبي زيد أرى بضم الهمزة ، وهو أيضا تصحيف ، وقال بعضهم : ووقع لأبي ذر الهروي بضم الهمزة أي أظن ( قلت ) : قوله : أظن غلط ؛ لأن المنقول عن أبي زيد هو ما نقله عنه ابن قرقول ، ثم قال : إنه تصحيف ، وليس المعنى أن أبا ذر قال : أظن أنه كذلك ، يعني مثل ما قال المروزي ، وقال ابن السكيت : مما تضعه العامة في غير موضعه قولهم للمعلف : آري ، وإنما هو محبس الدابة ، وهي الأوارى ، والأواخى ، واحدها أرى وأخى . وعن الشعبي وزيد بن وهب وغيرهما : أمر سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أبا الهياج الأسدي والسائب بن الأقرع أن يقسما للناس - يعني الكوفة - واحتطوا من وراء السهام ، فكان المسلمون يعلفون إبلهم ودوابهم في ذلك الموضع حول المسجد ، فسموه الآري . ( قلت ) : وقد اضطربت الرواة فيها اضطرابا شديدا ، حتى قال بعضهم : قرى خراسان موضع آري خراسان بضم القاف جمع قرية ، والذي عليه الاعتماد ما قاله التيمي وهو الاصطبل ، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال : قيل له : إن ناسا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم بإصطبل دوابه خراسان وسجستان ، ثم يأتي السوق ، فيقول : جاءت من خراسان وسجستان ، قال : فكره ذلك إبراهيم ، وسبب كراهته لما فيه من الغش والتدليس على المشتري ؛ ليظن أنها طرية الجلب . ورواه دعلج عن محمد بن علي بن زيد ، حدثنا سعيد بن قيس ، حدثنا هشيم ، ولفظه : أن بعض النخاسين يسمى أرية خراسان وسجستان ( ح ) وخراسان - بضم الخاء - الإقليم المعروف ، موضع الكثير من علماء المسلمين ، وسجستان - بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوق - اسم للديار التي قصبتها زرنج بفتح الزاي والراء وسكون النون وبالجيم ، وهذه المملكة خلف كرمان بمسيرة مائة فرسخ ، وهي إلى ناحية الهند ، ويقال له : السجز بكسر السين المهملة وسكون الجيم وبالزاي . ( وقال عقبة بن عامر : لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء ، إلا أخبره ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعقبة - بضم العين وسكون القاف - ابن عامر الجهني الشريف الفصيح الفرضي الشاعر ، شهد فتح الشام ، وهو كان البريد إلى عمر رضي الله تعالى عنه بفتح دمشق ، ووصل المدينة في سبعة أيام ، ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف ؛ بدعائه عند قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تقريب طريقه . مات بمصر أول سنة ثمان وخمسين ، وقد مر ذكره في الصلاة ، وهذا التعليق وصله ابن ماجه قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن شماسة ، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وبه عيب ، إلا بينه له . ورواه أحمد ، والحاكم أيضا من طريق عبد الرحمن بن شماسة بكسر الشين المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف سين مهملة . قوله : إلا أخبره وفي رواية الكشميهني إلا أخبر به وروى ابن ماجه أيضا من حديث مكحول وسليمان بن موسى ، عن واثلة سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : من باع بيعا لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه . 31 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال : حتى يتفرقا - فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما . مطابقته للترجمة في قوله : فإن صدقا وبينا إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : قتادة بن دعامة . الرابع : صالح بن أبي مريم أبو الخليل الضبعي . الخامس : عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، أبو محمد الهاشمي . السادس : حكيم - بفتح الحاء وكسر الكاف - ابن حزام - بكسر الحاء المهملة وخفة الزاي - الأسدي ، وقد مر في الزكاة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه بصري ، وشعبة واسطي ، وقتادة وصالح بصريان ، وعبد الله بن الحارث مدني تحول إلى البصرة . وفيه قتادة عن صالح . وفي رواية تأتي بعد بابين : عن قتادة قال : سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث . وفيه رفعه إلى حكيم ، إنما قال ذلك ليشمل سماعه عنه بالواسطة وبدونها . وفيه ثلاثة من التابعين ؛ الأول قتادة ، والثاني صالح ، والثالث عبد الله بن الحارث ، وهو معدود في التابعين ومذكور في الصحابة ؛ لأنه ولد في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتى به فحنكه ، ولم ينسب في شيء من طرق حديثه في الصحيح ، لكن وقع لأحمد من طريق سعيد ، عن قتادة ، عن عبد الله بن الحارث الهاشمي . ورواه ابن خزيمة ، والإسماعيلي عنه من وجه آخر ، عن شعبة فقال : عن قتادة سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، وحديث آخر عن العباس في قصة أبي طالب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن بدل بن المحبر . وعن سليمان بن حرب فرقهما ، كلاهما عن شعبة ، وفي حديث بهز وحبان ، عن همام : وحدثني أبو التياح ، عن عبد الله بن الحارث بهذا . وعن حفص بن عمرو ، عن إسحاق بن حبان ، عن همام به . وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي موسى ، عن يحيى . وعن عمرو بن علي ، عن يحيى . وعن عمرو بن علي ، عن همام به . وأخرجه أبو داود فيه ، عن أبي الوليد ، عن شعبة به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن ابن بشار ، عن يحيى به . وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط ، عن عمرو بن علي ، عن يحيى به . وعن أبي الأشعث ، عن سعيد ، عن قتادة به . ( ذكر معناه ) : قوله : البيعان هكذا هو في سائر طريق الحديث ، وفي بعضها المتبايعان قال شيخنا : ولم أر في شيء من طرقه البائعان ، وإن كان لفظ البائع أشهر وأغلب من البيع ، وإنما استعملوا ذلك بالقصر والإدغام من الفعل الثلاثي المعتل العين في ألفاظ محصورة ، كطيب وميت وكيس وريض ولين وهين ، واستعملوا في باع الأمرين ، فقالوا : بائع وبيع . قوله : ما لم يتفرقا هو كذلك في أكثر الروايات بتقديم التاء وبالتشديد ، وعند مسلم ما لم يفترقا بتقديم الفاء وبالتخفيف ، وقد فرق بينهما بعض أهل اللغة ، عن ثعلب أنه سئل : هل يتفرقان ويفترقان واحد ؟ أم غيران ؟ فقال : أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال : يفترقان بالكلام ، ويتفرقان بالأبدان . انتهى . وقال شيخنا زين الدين : هذا يؤيد ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد هنا التفرق بالأبدان ، وقال ابن العربي : والذي نقله المفضل - أو نقل عنه - من الفرق بين التفعل والافتعال لا يشهد له القرآن ، ولا يعضده الاشتقاق ، قال الله تعالى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فذكر التفرق فيما ذكر فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الافتعال في قوله : افترقت اليهود والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة . قوله : فإن صدقا أي فإن صدق كل واحد منهما في الإخبار عما يتعلق به من الثمن ووصف المبيع ونحو ذلك . قوله : وبينا أي وبين كل واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة أو السلعة أو الثمن . قوله : بورك لهما في بيعهما أي كثر نفع المبيع والثمن . قوله : وإن كتما أي وإن كتم البائع عيب السلعة ، والمشتري عيب الثمن . قوله : وكذبا أي وكذب البائع في وصف سلعته ، والمشتري في وصف ثمنه . قوله : محقت من المحق ، وهو النقصان وذهاب البركة . وقيل : هو أن يذهب الشيء كله ، حتى لا يرى منه أثر ، ومنه : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه ، والمراد يمحق بركة البيع ما يقصده التاجر من الزيادة والنماء ، فيعامل بنقيض ما قصده ، وعلق الشارع حصول البركة لهما بشرط الصدق والتبيين ، والمحق إن وجد ضدهما ، وهو الكتم والكذب ، وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه المشروط دون الآخر ؟ ظاهر الحديث يقتضيه ، ولكن يحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر . ( ذكر ما يستفاد منه ) : اختلف العلماء في تأويل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما لم يتفرقا فقال إبراهيم النخعي والثوري في رواية وربيعة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن : المراد بالتفرق فيه هو التفرق بالأقوال ، فإذا قال البائع : بعت ، وقال المشتري : قبلت ، أو اشتريت - فقد تفرقا ، ولا يبقى لهما بعد ذلك خيار ، ويتم به البيع ، ولا يقدر المشتري على رد المبيع ، إلا بخيار الرؤية أو خيار العيب أو خيار الشرط ، وقال أبو يوسف وعيسى بن أبان وآخرون : التفرقة التي تقطع الخيار هي الافتراق بالأبدان بعد المخاطبة بالبيع قبل قبول الآخر ، وذلك أن الرجل إذا قال لآخر : قد بعتك عبدي بألف درهم ، فللمخاطب بذلك القول أن يقبل ما لم يفارق صاحبه ، فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يقبل ، وقال سعيد بن المسيب والزهري وعطاء بن أبي رباح وابن أبي ذئب وسفيان بن عيينة والأوزاعي والليث بن سعد وابن أبي مليكة والحسن البصري وهشام بن يوسف وابنه عبد الرحمن وعبيد الله بن الحسن القاضي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو سليمان ومحمد بن جرير الطبري وأهل الظاهر : الْفُرْقَةُ المذكورة في الحديث هي التفرق بالأبدان ، فلا يتم البيع حتى يوجد التفرق بالأبدان ، والحاصل من ذلك أن أصحابنا قالوا : إن العقد يتم بالإيجاب والقبول ، ويدخل المبيع في ملك المشتري ، وإثبات خيار المجلس لأحدهما يستلزم إبطال حق الآخر فينتفي بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام والحديث محمول على خيار القبول ؛ فإنه إذا أوجب أحدهما فلكل منهما الخيار ما داما في المجلس ولم يأخذا في عمل آخر ، وفي لفظة إشارة إليه ؛ فإنهما متبايعان حالة البيع حقيقة ، وما بعده أو قبله مجاز ، أو بعد العقد خيار المجلس غير ثابت ؛ لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فأباح الأكل بوجود التراضي عن التجارة ، فالبيع تجارة ، فدل على نفي الخيار وصحة وقوع البيع للمشتري بنفس العقد وجواز تصرفه فيه ، وقال تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وهذا عقد يلزم الوفاء بظاهر الآية ، وفي إثبات الخيار نفي لزوم الوفاء به ، وفي الحديث ما يدل على أن نصيحة المسلم واجبة ، وهذا هو الأصل في هذا الباب ، وقد كان سيد الخلق يأخذها في البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض ، قال جرير : بايعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السمع والطاعة ، فشرط علي النصح لكل مسلم وصح أنه قال : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه فحرم بهذا غش المؤمن وخديعته ، والله أعلم .
باب من أنظر معسرا أي : هذا باب في بيان فضل من أنظر معسرا . 30 - حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا يحيى بن حمزة قال : حدثنا الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه : تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه . مطابقته للترجمة في قوله : فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : هشام ابن عمار بن نصير بن ميسرة أبي الوليد السلمي ، ويقال الظفري : مات في آخر المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين قال البخاري : أراه بدمشق . الثاني : يحيى بن حمزة الحضرمي أبو عبد الرحمن قاضي دمشق فلم يزل قاضيا بها حتى مات سنة ثلاث وثمانين ومائة وكان مولده سنة ثلاث ومائة رحمه الله . الثالث : الزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة واسمه محمد بن الوليد بن عامر أبو هذيل . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . الخامس : عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه أن شيخه من أفراده وهو واثنان بعده شاميون والزهري وعبيد الله مدنيان ، وفيه أن الزهري عن عبيد الله ، وفي رواية مسلم عن يونس ، عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله حدثه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ذكر بني إسرائيل عن عبد العزيز بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في البيوع عن منصور بن أبي مزاحم ، ومحمد بن جعفر الوركاني ، وأخرجه النسائي فيه عن هشام بن عمار به . ذكر معناه قوله : كان تاجر يداين الناس وفي رواية النسائي من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس . قوله : تجاوزوا عنه وفي رواية النسائي : فيقول لرسوله خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز ، وروى الحاكم على شرط مسلم ولفظه : خذ ما تيسر واترك ما تعسر وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا ، وفيه : فقال الله تعالى : قد تجاوزت عنك ، وروى مسلم من حديث حسين بن علي عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي قال : حدثني أبو اليسر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أنظر معسرا ووضع له أظله الله في ظل عرشه وروى ابن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي جعفر الخطمي ، عن محمد بن كعب ، عن أبي قتادة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم : من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة .
( باب ذكر القين ، والحداد ) أي هذا باب في بيان ما جاء في ذكر القين بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون ، وقال ابن دريد : أصل القين الحداد ، ثم صار لكل صائغ عند العرب قينا ، وقال الزجاج : القين الذي يصلح الأسنة ، والقين أيضا الحداد . قوله : " والحداد " عطف على " القين " من عطف التفسير ، وقال بعضهم : وكان البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما ، وليس في الحديث الذي أورده في الباب ، إلا ذكر القين ، فكأنه ألحق الحداد به في الترجمة ؛ لاشتراكهما في الحكم . ( قلت ) : لا يحتاج إلى هذا التكلف الذي لا وجه له ، فالوجه ما ذكرناه ؛ لأن القين يطلق على معان كثيرة ؛ فيطلق على العبد قين ، وعلى الأمة قينة ، وكذلك يطلق على الجارية المغنية ، وعلى الماشطة قينة . فعطف الحداد على القين ليعلم أن مراده من القين هو الحداد لا غير ، وذلك كما في قوله تعالى : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وفي الحديث " ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى " وقالت النحاة : هذا من عطف الشيء على مرادفه ، والتقين التزين بأنواع الزينة ، وقالت أم أيمن : " أنا قينت عائشة رضي الله تعالى عنها ، أي زينتها " . والقين يجمع على أقيان وقيون ، وقان يقين قيانة صار قينا ، وقان الحديدة قينا عملها ، وقان الإناء قينا أصلحه . وفي ( التلويح ) : وفي بعض الأصول لم يذكر الحداد . 43 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن خباب قال : كنت قينا في الجاهلية ، وكان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أتقاضاه قال : لا أعطيك ، حتى تكفر بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : لا أكفر ، حتى يميتك الله ، ثم تبعث ، قال : دعني حتى أموت وأبعث ، فسأوتى مالا وولدا ، فأقضيك ، فنزلت : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا . مطابقته للترجمة في قوله : " كنت قينا في الجاهلية " . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة : الأول : محمد بن بشار قد تكرر ذكره . الثاني : ابن أبي عدي بفتح العين المهملة وكسر الدال ، وهو محمد بن أبي عدي ، واسمه إبراهيم . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : سليمان الأعمش . الخامس : أبو الضحى بضم الضاد المعجمة ، واسمه مسلم بن صبيح ، وقد مر غير مرة . السادس : مسروق بن الأجدع ، والأجدع لقب عبد الرحمن أبوه . السابع : خباب - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى - ابن الأرت ، وقد مر في الصلاة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في خمسة مواضع . وفيه أن شيخه يلقب ببندار ، ويكنى بأبي بكر ، وهو وشيخه بصريان ، وشعبة واسطي ، سكن البصرة ، والبقية كوفيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المظالم عن إسحاق ، وفي التفسير عن بشر بن خالد . وفيه أيضا عن الحميدي . وعن محمد بن كثير . وعن يحيى بن وكيع ، وفي الإجارة عن عمرو بن حفص . وأخرجه مسلم في ذكر المنافقين ، عن أبي بكر وأبي سعيد الأشج . وعن أبي كريب . وعن ابن نمير . وعن إسحاق بن إبراهيم . وعن إبراهيم بن أبي عمر به . وأخرجه الترمذي في التفسير ، عن ابن أبي عمر به . وعن هناد بن السري . وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن العلاء به . ( ذكر معناه ) : قوله : " كنت قينا " أي حدادا . قوله : " على العاص بن وائل " بالهمزة بعد الألف ، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة ، منهم العاص بن وائل ، وعقبة بن أبي معيط ، والوليد بن المغيرة ، وأبي بن خلف . قوله : " فأتيته أتقاضاه " أي فأتيت العاص أطلب منه ديني ، قال مقاتل : صاغ خباب للعاصي شيئا من الحلي ، فلما طلب منه الأجر قال : ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان ؟ قال خباب : نعم ، قال العاص : فميعاد ما بيننا الجنة . وقال الواحدي : قال الكلبي ومقاتل : كان خباب قينا ، وكان يعمل للعاص بن وائل ، وكان العاصي يؤخر حقه ، فأتاه يتقاضاه ، فقال : ما عندي اليوم ما أقضيك ، فقال خباب : لست بمفارقك حتى تقضيني ، فقال العاصي : يا خباب ، ما لك ؟ ما كنت هكذا ، وإن كنت لحسن الطلب ، قال : ذلك إذا كنت على دينك ، وأما اليوم فإنا على الإسلام ، قال : أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ؟ قال : بلى ، قال : فأخرني ، حتى أقضيك في الجنة - استهزاء - فوالله إن كان ما تقول حقا ، إني لأفضل فيها نصيبا منك . فأنزل الله تعالى الآية . انتهى . ( قلت ) : الآية هي قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا قوله : " فقال : لا أعطيك " أي فقال العاصي : لا أعطيك حقك ، حتى تكفر بمحمد . قوله : " فقلت : لا أكفر حتى يميتك الله ، ثم تبعث " وفي رواية مسلم " فقلت له : لن أكفر به حتى تموت ، ثم تبعث " وفي رواية الترمذي " فقلت : لا ، حتى تموت ، ثم تبعث قال : وإني لميت ثم مبعوث ؟ فقلت : نعم ، فقال : إن لي هنالك مالا وولدا ، فأقضيك " فنزلت : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ الآية . ( فإن قلت ) : من عين للكفر أجلا فهو كافر الآن إجماعا ، فكيف يصدر هذا عن خباب ودينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد ؟ ( قلت ) : لم يرد به خباب هذا ، وإنما أراد : لا تعطيني حتى تموت وتبعث ، أو إنك لا تعطيني ذلك في الدنيا ، فهنالك يؤخذ قسرا منك ، وقال أبو الفرج : لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لايبعث خاطبه على اعتقاده ، فكأنه قال : لا أكفر أبدا . وقيل : أراد خباب أنه إذا بعث لا يبقى كفر ؛ لأن الدار دار الآخرة . قوله : " حتى أموت " بالنصب أي حتى أن أموت . قوله : " وأبعث " عطف عليه على صيغة المجهول . قوله : " فسأوتى " على صيغة المجهول . قوله : " فنزلت : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا " ، أي فنزلت هذه الآية ، وهو قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي الآية . قوله : " أَفَرَأَيْتَ " لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما ، وإلى صحة الخبر عنها ، استعملوا " أرأيت " في معنى أخبر ، والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب ، كأنه قال : أخبر أيضا بقصة هذا الكافر ، وأذكر حديثه عقب حديث أولئك ، والفاء بعد همزة الاستفهام عاطفة على جملة " الذي " يعني العاص بن وائل " كَفَرَ بِآيَاتِنَا " أي بالقرآن " وَقَالَ لأُوتَيَنَّ " أي لأعطين " مَالا وَوَلَدًا " يعني في الجنة بعد البعث . وقرأ حمزة والكسائي : " ولد " بضم الواو وسكون اللام ، وقرأ الباقون بفتحهما ، وهما لغتان ، كالعرب والعرب . وقيس تجعل الولد جمعا ، والولد واحدا ، وفي ( ديوان الأدب ) للفارابي في باب فعل بضم الفاء وسكون العين : الوُلْدُ لغة في الْوَلَدِ ، ويكون واحدا وجمعا ، وذكره أيضا في باب فِعْل بكسر الفاء وسكون العين ، وذكره أيضا في باب فَعَل بفتح الفاء والعين الْوَلَد . وفي ( المحكم ) الولد والولد ما ولد أيا ما كان ، وهو يقع على الواحد والجمع ، والذكر والأنثى ، وقد يجوز أن يكون الوُلْدُ جمعَ وَلَدٍ ، كوثن ووثن ، والولد كالولد ليس بجمع ، والولد أيضا الرهط . قوله : " أَطَّلَعَ الْغَيْبَ " عن ابن عباس : أنظر في اللوح المحفوظ . وعن مجاهد : أعلم علم الغيب ، حتى يعلم أفي الجنة هو أو لا ؛ من قولهم : أطلع الجبل ، إذا ارتقى إلى علاه ، وطلع الثنية . قوله : " أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا " عن ابن عباس : أم قال لا إله إلا الله . وعن قتادة : أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن الحداد لا يضره مهنة صناعته إذا كان عدلا ، قال أبو العتاهية : ألا إنما التقوى هو العز والكرمْ وحبك للدنيا هو الذل والعدْم وليس على حر تقي نقيصةٌ إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجمْ وفيه " أن الكلمة من الاستهزاء يتكلم بها المرء فيكتب له بها سخطة إلى يوم القيامة " ألا ترى وعبد الله على استهزائه بقوله : سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا يعني من المال والولد ، بعد إهلاكنا إياه ، ويأتينا فردا ، أي نبعثه وحده تكذيبا لظنه . وفيه جواز الإغلاط في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه الظلم والعدوان .
باب من أنظر موسرا أي : هذا باب في بيان فضل من أنظر موسرا ، وقد اختلفوا في حد الموسر فقيل : من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته وقال الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق : من عنده خمسون درهما أو قيمتها من الذهب فهو موسر ، وقال الشافعي : قد يكون الشخص بالدرهم غنيا بكسبه وقد يكون فقيرا بالألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله ، وقيل : الموسر من يملك نصاب الزكاة ، وقيل : من لا يحل له الزكاة وقيل : من يجد فاضلا عن ثوبه ومسكنه وخادمه ودينه وقوت من يمونه ، وعند أصحابنا على ما ذكره صاحب المبسوط والمحيط الغنى على ثلاث مراتب : المرتبة الأولى : الغني الذي يتعلق به وجوب الزكاة . المرتبة الثانية : الغنى الذي يتعلق به وجوب صدقة الفطر والأضحية وحرمان الزكاة وهو أن يملك ما يفضل عن حوائجه الأصلية ما يبلغ قيمة مائتي درهم مثل دور لا يسكنها وحوانيت يؤجرها ونحو ذلك . والمرتبة الثالثة في الغنى : غنى حرمة السؤال قيل : ما قيمته خمسون درهما ، وقال عامة العلماء : إن من ملك قوت يومه وما يستر به عورته يحرم عليه السؤال وكذا الفقير القوي المكتسب يحرم عليه السؤال قلت : هذا كله في حق من يجوز له السؤال وأخذ الصدقة ومن لا يجوز ، وأما هاهنا أعني في إنظار الموسر فالاعتماد على أن الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارا فهو موسر وكذا عكسه فافهم . 29 - حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا زهير قال : حدثنا منصور أن ربعي بن حراش قال : حدثه أن حذيفة رضي الله عنه قال حدثه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم قالوا : أعملت من الخير شيئا ؟ قال : كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر قال : قال فتجاوزوا عنه . مطابقته للترجمة في قوله : كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر وهكذا وقع في رواية أبي ذر والنسفي عن الموسر وهو يطابق الترجمة ووقع في رواية الباقين أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر ، وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري المذكور فعلى هذا الحديث لا يطابق الترجمة ، وقال بعضهم : ولعل هذا هو السبب في إيراد التعاليق الآتية لأن فيها ما يطابق الترجمة قلت : الأصل هو المطابقة بين الترجمة وحديث الباب المسند على ما هو المعهود في وضعه ولا يقال : وجد المطابقة هنا إلا على رواية أبي ذر والنسفي ولا يحتاج إلى ذكر شيء آخر فافهم . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن قيس أبو عبد الله التميمي اليربوعي . الثاني : زهير مصغر زهر ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي . الثالث : منصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي . الرابع : ربعي بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وبالعين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ابن حراش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء ، وفي آخره شين معجمة مر في باب إثم من كذب في كتاب العلم . الخامس : حذيفة بن اليمان رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه القول في موضع مكررا ، وفيه أن رجاله كلهم كوفيون ، وفيه أن شيخه مذكور بالنسبة إلى جده ، وفيه أن حذيفة حدثه وفي رواية مسلم من طريق نعيم بن أبي هند عن ربعي اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة : رجل لقي ربه فذكر الحديث وفي آخره فقال أبو مسعود : هكذا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومثله رواية أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي كما سيأتي في هذا الباب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسماعيل ، وفي الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم ، وأخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن يونس به ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، وعن علي بن حجر وإسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي سعيد الأشج ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن بشار . ذكر معناه قوله : تلقت أي : استقبل روح رجل عند الموت ، وفي رواية عبد الملك بن عمير في ذكر بني إسرائيل : أن رجلا كان فيمن كان قبلكم أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، قوله : أعملت الهمزة فيه للاستفهام ويروى بحذف همزة الاستفهام ، وهي مقدرة فيه وفي رواية عبد الملك المذكورة فقال : ما أعلم شيئا غير أني فذكره وفي رواية لمسلم من طريق شقيق ، عن أبي مسعود رفعه حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال : قال الله تعالى : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه قوله : فتياني بكسر الفاء جمع فتى وهو الخادم حرا كان أو مملوكا ، وقوله : أن ينظروا بضم الياء من الإنظار وهو الإمهال وقد ذكرنا أن هذا رواية أبي ذر والنسفي ورواية الباقين : أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر ، وقد مر الكلام فيه في أول الباب . قوله : ويتجاوزوا عن الموسر والتجاوز المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء وقال الكرماني : والظاهر أن صلة ينظروا محذوف وهو عن المعسر ولفظ عن الموسر يتعلق بالتجاوز لكن البخاري جعله متعلقا بذيل الترجمة بالموسر حيث قال : باب من أنظر موسرا انتهى ، قلت : لو وقف الكرماني على رواية أبي ذر والنسفي التي ذكرناها في أول الباب لما احتاج إلى هذا التكلف . وفيه والحديث الذي يأتي في الباب الذي يليه أن الرب جل جلاله يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد وذلك والله أعلم إذا حصلت النية فيها لله تعالى وأن يريد بها وجهه وابتغاء مرضاته فهو أكرم الأكرمين ولا يخيب عبده من رحمته وقد قال الله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ وفيه إباحة كسب العبد لقوله : كنت آمر فتياني ، وفيه أن العبد يحاسب عند موته بعض الحساب ، وفيه أنه إن أنظره أو وضع ساغ ذلك وهو شرع من قبلنا وشرعنا لا يخالفه بل ندب إليه . وقال أبو مالك : عن ربعي كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر أبو مالك اسمه سعد بن طارق الأشجعي الكوفي وهذا التعليق رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن أبي مالك سعد بن طارق ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : أتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له : ماذا عملت في دار الدنيا ؟ قال : ولا يكتمون الله حديثا ، قال : يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر ، وأنظر المعسر فقال الله تعالى : أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي قال عقبة بن عامر الجهني ، وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : كنت أيسر بضم الهمزة وتشديد السين من التيسير من باب التفعيل وقيل : من أيسر يوسر إيسارا وليس بصحيح لأن القاعدة الصرفية أن يقال أوسر وفي المطالع أيسر على الموسر أي : أسامحه وأعامله بالمياسرة والمساهلة . وتابعه شعبة ، عن عبد الملك ، عن ربعي أي : تابع أبا مالك شعبة عن عبد الملك بن أبي عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة في قوله : وأنظر المعسر هذه المتابعة رواها البخاري في الاستقراض بسنده فقال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، عن عبد الملك ، عن ربعي عن حذيفة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : مات رجل فقيل له : ما عملت من الخير ؟ قال : كنت أبايع الناس فأتجوز عن الموسر ، وأخفف عن المعسر فغفر له قال أبو مسعود : سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عوانة : عن عبد الملك ، عن ربعي أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر أبو عوانة بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري هذا التعليق وصله البخاري في ذكر بني إسرائيل مطولا عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن عبد الملك . وقال نعيم بن أبي هند : عن ربعي فأقبل من الموسر وأتجاوز عن المعسر نعيم بضم النون ابن أبي هند الأشجعي وهو نعيم بن النعمان بن أشيم وهو ابن عم سالم بن أبي الجعد وابن عم أبي مالك الأشجعي مات سنة عشر ومائة ، وهذا التعليق وصله مسلم حدثنا علي بن حجر وإسحاق بن إبراهيم واللفظة لابن حجر قالا : حدثنا جرير ، عن المغيرة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن ربعي بن حراش قال : اجتمع حذيفة وأبو مسعود قال حذيفة : لقي رجل ربه فقال : ما عملت ؟ قال : ما عملت من الخير إلا أني كنت رجلا ذا مال قال : فكنت أطلب به الناس فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور قال : تجاوزوا عن عبدي ، قال أبو مسعود : هكذا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول .
( باب ذكر الخياط ) أي هذا باب ما جاء فيه من ذكر الخياط ، وهو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف ، ويلتبس هذا بالحناط بفتح الحاء المهملة وتشديد النون ، وهو بياع الحنطة ، وبالخباط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة ، وهو بياع الخبط منهم عيسى بن أبي عيسى كان خباطا ، ثم صار حناطا . 44 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : إن خياطا دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لطعام صنعه ، قال أنس بن مالك : فذهبت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك الطعام ، فقرب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ، فرأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتتبع الدباء من حوالى القصعة . قال : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ . مطابقته للترجمة في قوله : " إن خياطا " وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري ، ابن أخي أنس بن مالك . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأطعمة عن قتيبة بن سعيد ، والقعنبي وأبي نعيم ، وإسماعيل بن أبي أويس . وأخرجه مسلم في الأطعمة عن قتيبة . وأخرجه النسائي في الوليمة عن قتيبة . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي . وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن ميمون الخياط . وفي الشمائل عن قتيبة ، وقال الترمذي : حسن صحيح . والدباء بضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة ممدودا ، وهو القرع ، قال ابن ولاد : واحدته دباءة ، وفي ( الجامع ) للقزاز : الدبا بالقصر لغة في القرع ، وذكره ابن سيده في الممدود الذي ليس بمقصور من لفظه ، وفي ( شرح المهذب ) هو القرع اليابس . ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن القرع اليابس لا يطبخ بدليل حديث الباب ، وقال أبو حنيفة في ( كتاب النبات ) : الدباء من اليقطين ينقرش ، ولا ينهض كجنس البطيخ والقثاء ، وقد روي عن ابن عباس " كل ورقة اتسعت ورقت فهي يقطين " . قوله : " خبزا " قال الإسماعيلي : الخبز الذي جاء به الخياط كان من شعير . قوله : " ومرقا فيه دباء وقديدا " قال الداودي : فيه دليل على أنه صنع بذلك الخبز والمرق ثريدا ؛ لقوله : " من حوالي القصعة " ، وقال القرطبي : أما تتبعه من حوالي القصعة ؛ لأن الطعام كان مختلطا ، فكان يأكل ما يعجبه منه وهو الدباء ، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الإجابة إلى الدعوة ، وقد اختلف فيها ، فمنهم من أوجبها ، ومنهم من قال : هي سنة ، ومنهم من قال : هي مندوب إليها . وفيه دلالة على تواضع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه . وفيه فضيلة أنس رضي الله تعالى عنه حيث بلغت محبته لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أنه كان يحب ما أحبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأطعمة . وفيه دليل على فضيلة القرع على غيره ، وذكر أصحابنا أن من قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب القرع ، فقال آخر : لا أحب القرع - يخشى عليه من الكفر . وفيه ما قاله الكرماني : إن الصحفة التي قربت إليه كانت له وحده ، فإذا كانت له ولغيره فالمستحب أن يأكل مما يليه . وفيه جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ ، وإجابته إلى دعوته . وفيه إتيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منازل أصحابه ، والائتمار بأمرهم ، وقد قال شعيب عليه الصلاة والسلام : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ فتأسى به في الإجابة . وفيه الإجابة إلى الثريد ، وهو خير الطعام . قال الخطابي : وفيه جواز الإجارة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ، ولا صفات معلومة ، وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القين والصائغ والنجار ؛ لأن هؤلاء الصناع إنما تكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد ، والخشب ، والفضة ، والذهب ، وهي أمور من صنعة يوقف على حدها ، ولا يختلط بها غيرها ، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده ، فيجمع إلى الصنعة الآلة وإحداهما معناها التجارة ، والأخرى الإجارة ، وحصة إحداهما لا تتميز من الأخرى ، وكذلك هذا في الخراز والصباغ ، إذا كان يخرز بخيوطه ، ويصبغ هذا بصبغة على العادة المعتادة فيما بين الصناع ، وجميع ذلك فاسد في القياس ، إلا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجدهم على هذه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها ؛ إذ لو طولبوا بغيرها لشق عليهم ، فصار بمعزل من موضع القياس ، والعمل به ماض صحيح ؛ لما فيه من الإرفاق .
باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف أي : هذا باب في بيان استحباب السهولة وهو ضد الصعب وضد الحزن قاله ابن الأثير وغيره والسماحة من سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء قاله ابن الأثير : وفي المغرب السمح الجود ، وقال بعضهم : السهولة والسماحة متقاربان في المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظي قلت : قد عرفت أنهما متغايران في أصل الوضع فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي ؛ لأن التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظا واحد من مادة واحدة كما عرف في موضعه . قوله : ومن طلب كلمة من شرطية وقوله : فليطلبه جوابه قوله : في عفاف جملة في محل النصب على الحال من الضمير الذي في فليطلبه والعفاف بفتح العين الكف عما لا يحل . وروى الترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان من حديث نافع ، عن ابن عمر ، وعائشة مرفوعا : من طلب حقا فليطلبه في عفاف واف أو غير واف وفي رواية أخرى : خذ حقك في عفاف واف أو غير واف وأخذ البخاري هذا وجعله جزأ من ترجمة الباب . 28 - حدثنا علي بن عياش قال : حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف قال : حدثني محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى . مطابقته للترجمة ظاهرة وعلي بن عياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وفي آخره شين معجمة الألهاني الحمصي وهو من أفراده ومطرف بالطاء المهملة على صيغة اسم الفاعل من التطريف ، والمنكدر على وزن اسم الفاعل من الانكدار . والحديث أخرجه ابن ماجه في التجارات عن عمرو بن عثمان ، وأخرجه الترمذي من حديث زيد بن عطاء ، عن ابن المنكدر عن جابر ولفظه : غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلا إذا باع سهلا إذا اشترى سهلا إذا اقتضى وقال حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه . قوله : رحم الله رجلا يحتمل الدعاء ، ويحتمل الخبر قال الداودي : والظاهر أنه دعاء ، وقال الكرماني : ظاهره الإخبار عن حال رجل كان سمحا لكن قرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء وتقديره : رحم الله رجلا يكون سمحا ، وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط والسمح بسكون الميم الجواد والمساهل والموافق على ما طلب . قوله : وإذا اقتضى أي : إذا طلب قضاء حقه بسهولة وفي رواية حكاها ابن التين وإذا قضى أي : إذا أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل . وروى الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا : إن الله يحب سمح البيع ، سمح الشراء ، سمح القضاء وروى النسائي من حديث عثمان رفعه : أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمر ونحوه وفي الحديث الحض على المسامحة وحسن المعاملة واستعمال محاسن الأخلاق ومكارمها وترك المشاحة في البيع ، وذلك سبب لوجود البركة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم دينا ودنيا وأما فضله في الآخرة فقد دعا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالرحمة والغفران لفاعله فمن أحب أن تناله هذه الدعوة فليقتد به وليعمل به . وفيه ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم ، وقال ابن حبيب : تستحب السهولة في البيع والشراء وليس هي ترك المطالبة فيه إنما هي ترك المضاجرة ونحوها .
( باب ذكر النساج ) أي هذا باب فيه ما جاء من ذكر النساج بفتح النون وتشديد السين المهملة وفي آخره جيم ، ويلتبس بالنساخ بالخاء المعجمة في آخره . 45 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعد رضي الله عنه قال : جاءت امرأة ببردة - قال : أتدرون ما البردة ؟ فقيل له : نعم ، هي الشملة ، منسوج في حاشيتها - قالت : يا رسول الله ، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها ، فأخذها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محتاجا إليها ، فخرج إلينا وإنها إزاره ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله ، اكسنيها ، فقال : نعم ، فجلس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المجلس ، ثم رجع فطواها ، ثم أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت ، سألتها إياه ؟ لقد علمت أنه لا يرد سائلا ، فقال الرجل : والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت ، قال سهل : فكانت كفنه . مطابقته للترجمة في قوله : " منسوج " وفي قوله : " إني نسجتها " ، والكلمتان تدلان على النساج ضرورة . والحديث مضى في كتاب الجنائز في باب من استعد الكفن في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة ، عن ابن أبي حازم ، عن أبيه ، " عن سهل رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " إلى آخره ، وهاهنا قد أخرجه عن يحيى بن بكير ، عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري - من قارة ، أصله مدني ، سكن الإسكندرية - عن أبي حازم سلمة بن دينار المديني القاص من عباد أهل المدينة ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " البردة " بضم الباء الموحدة كساء مربع يلبسها الأعراب ، والشملة كساء يشتمل به . قوله : " منسوج " ويروى " منسوجة " وارتفاعها على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هو منسوج . قوله : " في حاشيتها " قال الجوهري : حاشية الثوب أحد جوانبه ، وقال القزاز : حاشيتاه ناحيتاه الثانية في طرفها الهدب ، وقال الكرماني : هو من باب القلب أي منسوج فيها حاشيتها ، وكذا هو فيما مضى من الباب المذكور . قوله : " محتاجا إليها " بالنصب على الحال ، وهي رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " محتاج " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو محتاج إليه . قوله : " ثم رجع فطواها " يعني رجع إلى منزله بعد قيامه من مجلسه . قوله : " ما أحسنت " كلمة " ما " نافية .
باب بيع الذهب بالذهب أي هذا باب في بيان حكم بيع الذهب بالذهب كيف هو ، وهو أنه يجوز إذا كانا متساويين يدا بيد . 123 - حدثنا صدقة بن الفضل ، قال : أخبرنا إسماعيل بن علية ، قال : حدثني يحيى بن أبي إسحاق قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة قال : قال أبو بكرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء ، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء ، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم . مطابقته للترجمة في قوله : لا تبيعوا الذهب بالذهب . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : صدقة بن الفضل أبو الفضل ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين . الثاني : إسماعيل بن إبراهيم الأسدي ، وأمه علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف . الثالث : يحيى بن أبي إسحاق مولى الحضارمة . الرابع : عبد الرحمن بن أبي بكرة . الخامس : أبو بكرة بفتح الباء الموحدة ، اسمه نفيع مصغر نافع ، بن الحارث بن كلدة الثقفي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه مروزي ، وفيه أن إسماعيل ويحيى بن أبي إسحاق وعبد الرحمن بصريون ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وقال بعضهم : ورجال الإسناد بصريون ، قلت : ليس ذلك كذلك ، فإن شيخ البخاري مروزي كما ذكرنا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن عمران بن ميسرة ، وأخرجه مسلم فيه عن أبي الربيع العتكي ، عن عباد العوام به ، وعن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن صالح ، عن معاوية بن سلام ، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن منيع ، وعن محمد بن يحيى . قوله : إلا سواء بسواء أي : إلا متساويين ، قوله : والفضة أي : لا تبيعوا الفضة بالفضة إلا متساويين ، قوله وبيعوا الذهب بالفضة إلى آخره ، كرره لئلا يشكل فيقال : لا يجوز بيعه ويجوز شراؤه كيف شئتم أي : متساويا ومتفاضلا بعد التقابض في المجلس .
47 - حدثنا خلاد بن يحيى قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه ؛ فإن لي غلاما نجارا ؟ قال : إن شئت ، قال : فعملت له المنبر ، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر الذي صنع ، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها ، حتى كادت أن تنشق ، فنزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أخذها فضمها إليه ، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت ، حتى استقرت ، قال : بكت على ما كانت تسمع من الذكر . مطابقته للترجمة في قوله : غلاما نجارا ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الجمعة في باب الخطبة على المنبر ؛ فإنه أخرجه هناك عن سعيد بن أبي مريم ، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن أنس أنه سمع جابر بن عبد الله قال : كان جذع يقوم عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما وضع له المنبر ، سمعنا الجزع مثل أصوات العشار ، حتى نزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع يده عليه . وهاهنا أخرجه عن خلاد - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام على وزن فعال - ابن يحيى بن صفوان أبي محمد السلمي الكوفي ، وهو من أفراد البخاري ، وعبد الواحد بن أيمن - على وزن أفعل ، ضد الأيسر - المخزومي المكي ، وأبوه أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمرو المخزومي ، وهو من أفراد البخاري . قوله : النخلة أي الجذع . قوله : يسكت بضم الياء على صيغة المجهول من التسكيت . قوله : قال : بكت على ما كانت أي على فراق ما كانت تسمع من الذكر . ( فإن قلت ) : من فاعل قال : قلت : يحتمل أن يكون أحد الرواة للحديث ، ولكن خرج وكيع في روايته ، عن عبد الواحد بن أيمن بأنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد عنه . وفيه فضيلة الذكر ومعجزة ظاهرة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه رد للقدرية ؛ لأن الصياح ضرب من الكلام وهم لا يجوزون الكلام ، إلا من ذي فم ولسان كأنهم لم يسمعوا قوله تعالى : وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا الآية . وفيه أن الأشياء التي لا روح لها تعقل ، إلا أنها لا تتكلم ، حتى يؤذن لها .
( باب النجار ) أي هذا باب في بيان ما جاء في ذكر النجار بفتح النون وتشديد الجيم ، وفي رواية الكشميهني باب النجارة بكسر النون وتخفيف الجيم وفي آخرها هاء ، وبه ترجم أبو نعيم في ( المستخرج ) ، والأول أشبه لبقية التراجم . 46 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا عبد العزيز ، عن أبي حازم قال : أتى رجال إلى سهل بن سعد يسألونه عن المنبر ، فقال : بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته يعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها ، فأرسلت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها ، فأمر بها ، فوضعت ، فجلس عليه . مطابقته للترجمة في قوله : " غلامك النجار " ، والحديث قد مضى بأطول منه في كتاب الجمعة في باب الخطبة على المنبر ؛ فإنه أخرجه هناك عن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم أن رجالا أتوا سهل بن سعد إلى آخره . وأخرجه هنا عن قتيبة أيضا ، عن عبد العزيز ، هو ابن أبي حازم سلمة بن دينار المذكور في حديث الباب السابق ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى .
180 - حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني عون بن أبي جحيفة قال : رأيت أبي اشترى حجاما فأمر بمحاجمه فكسرت ، فسألته عن ذلك فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الدم ، وثمن الكلب ، وكسب الأمة ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الربا وموكله ، ولعن المصور . مطابقته للترجمة في قوله : « وثمن الكلب » ، والحديث قد مضى في باب موكل الربا ، فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبة ، وهنا عن حجاج بن منهال السلمي مولاهم الأنماطي البصري عن شعبة إلى آخره نحوه ، غير أن فيه عن ثمن الكلب وثمن الدم ، وفيه أيضا اشترى عبدا حجاما ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .
( باب ثمن الكلب ) أي هذا باب في بيان حكم ثمن الكلب . 179 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن . مطابقته للترجمة في قوله :« نهى عن ثمن الكلب» . ورجاله قد ذكروا ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام راهب قريش مر في الصلاة ، وأبو مسعود هو عقبة بن عمر الأنصاري مر في آخر كتاب الإيمان ، وعقبة بضم العين المهملة وسكون القاف . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الإجارة عن قتيبة عن مالك ، وفي الطلاق عن علي بن عبد الله ، وفي الطب عن عبد الله بن محمد ، كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن يحيى بن يحيى عن مالك وقتيبة ومحمد بن رمح ، كلاهما عن الليث ، وعن أبي بكر عن سفيان ، ثلاثتهم عن الزهري عنه به ، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة عن سفيان به ، وأخرجه الترمذي فيه ، وفي النكاح عن قتيبة عن الليث به ، وعن سعيد بن عبد الرحمن ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الصيد عن قتيبة عن ليث به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح ، كلاهما عن سفيان به . ولما أخرجه الترمذي قال : وفي الباب عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن جعفر ، وأخرج هو أيضا حديث رافع بن خديج من حديث السائب بن يزيد عنه ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : « كسب الحجام خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث » ، وأخرجه أيضا مسلم والأربعة . أما حديث عمر فأخرجه الطبراني في الكبير من حديث السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : « ثمن القينة سحت ، وغناها حرام ، والنظر إليها حرام ، وثمنها مثل ثمن الكلب ، وثمن الكلب سحت ، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به » . وأما حديث علي - رضي الله تعالى عنه - فأخرجه ابن عدي في الكامل من حديث الحارث عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، وأجر البغي ، وكسب الحجام ، والضب ، والضبع . وأما حديث ابن مسعود وأما حديث جابر فأخرجه مسلم من رواية أبي الزبير قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ، فقال : زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي وابن ماجه من رواية أبي حازم عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وعسب الفحل ، وفي رواية النسائي وعسب التيس ، وأخرجه الحاكم ولفظه : لا يحل مهر الزانية ، ولا ثمن الكلب ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه أبو داود من رواية علي بن رباح ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يحل ثمن الكلب ، ولا حلوان الكاهن ، ولا مهر البغي » . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود من رواية قيس بن جبير ، عن عبد الله بن عباس قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا . وأخرجه النسائي أيضا من رواية عطاء بن أبي رباح عنه ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن أبي حاتم في العلل فقال : سألت أبي عن حديث رواه المعافى عن ابن عمران الحمصي ، عن ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا . قال أبي : هذا حديث منكر . وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه ابن عدي في الكامل من رواية يحيى بن العلاء ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عبد الله بن جعفر - رضي الله تعالى عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وكسب الحجام . أورده في ترجمة يحيى بن العلاء وضعفه . قلت : وفي الباب عن أبي جحيفة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وميمونة بنت سعد ، وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري وقد مر . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الحاكم في المستدرك من رواية حصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ، قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وأجر الكاهن ، وكسب الحجام . وأما حديث أنس فأخرجه ابن عدي في الكامل عنه : ثمن الكلاب كلها سحت . وأما حديث السائب بن يزيد فأخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن عبد الله قال : سمعت السائب بن يزيد يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : السحت ثلاثة : مهر البغي ، وكسب الحجام ، وثمن الكلب . وأما حديث ميمونة بنت سعد فأخرجه الطبراني من رواية عبد الحميد بن يزيد ، عن أمية بنت عمر بن عبد العزيز ، عن ميمونة بنت سعد ، أنها قالت : يا رسول الله أفتنا عن الكلب ، فقال : « الكلب طعمة جاهلية وقد أغنى الله عنها » قال شيخنا : وليس المراد من هذا الحديث أكل الكلب ، وإنما المراد أكل ثمنه ، كما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه نهى عن ثمن الكلب ، وقال : طعمة جاهلية . ( ذكر معناه ) قوله : « نهى عن ثمن الكلب » ، وهو بإطلاقه يتناول جميع أنواع الكلاب ، ويأتي الكلام فيه عن قريب . قوله : « ومهر البغي » ، وفي حديث علي « وأجر البغي » وجاء وكسب الأمة هو مهر البغي لا الكسب الذي تكتسبه بالصنعة والعمل ، وإطلاق المهر فيه مجاز ، والمراد ما تأخذه على زناها . والبغي بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء ، وقال ابن التين : نقل عن أبي الحسن أنه قال : بإسكان الغين وتخفيف الياء ، وهو الزنا ، وكذلك البغاء بكسر الباء ممدودا ، قال الله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ . يقال : بغت المرأة تبغي بغاء ، والبغي يجيء بمعنى الطلب ، يقال : أبغني ، أي اطلب لي ، قال الله تعالى : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ . قال الخطابي : وأكثر ما يأتي ذلك في الشر ، ومنه الفئة الباغية من البغي ، وهو الظلم ، وأصله الحسد ، والبغي الفساد أيضا والاستطالة والكبر ، والبغي في الحديث الفاجرة وأصله بغوي على وزن فعول بمعنى فاعلة اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، فصار بغي بضم الغين ، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء ، وهو صفة لمؤنث ؛ فلذلك جاء بغير هاء كما يجيء إذا كانت بمعنى مفعول ، نحو : ركوب وحلوب ، ولا يجوز أن يكون بغي هنا على وزن فعيل ، إذ لو كان كذلك للزمته الهاء : كامرأة حليمة وكريمة ، ويجمع البغي على بغايا . قوله : « وحلوان الكاهن » الحلوان بضم الحاء الرشوة ، وهو ما يعطى الكاهن ويجعل له على كهانته ، تقول منه حلوت الرجل حلوانا إذا حبوته بشيء ، وقال الهروي : قال بعضهم : أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو ، يقال : حلوته إذا أطعمته الحلو ، كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل ، وقال أبو عبيد : والحلوان أيضا في غير هذا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه ، وهو عيب عند النساء ، وقالت امرأة تمدح زوجها : لا تأخذ الحلوان من بناتها وفي شرح الموطأ لابن زرقون : وأصل الحلوان في اللغة العطية قال الشاعر : فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي يبلغ عني الشعر إذ مات قائله وقال الجوهري : حلوت فلانا على كذا مالا وأنا أحلوه حلوا وحلوانا ، إذا وهبت له شيئا على شيء يفعله لك غير الأجرة ، والحلوان أيضا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه شيئا كما ذكرنا . والكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل ، والعراف الذي يخبر بما أخفي وقد حصل في الوجود ، ويجمع الكاهن على كهنة وكهان ، يقال : كهن يكهن كهانة ، مثل كتب يكتب كتابة إذا تكهن ، فإذا أردت أنه صار كاهنا قلت : كهن بالضم كهانة بالفتح ، وقال ابن الأثير : الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار ، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا يخصونه باسم العراف ، كالذي يدعى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو ثلاثة أحكام : الأول : ثمن الكلب احتج به جماعة على أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقا المعلم وغيره ، ومما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ، وأنه لا ثمن له ، وإليه ذهب الحسن ، ومحمد بن سيرين ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والحكم ، وحماد بن أبي سليمان ، وربيعة والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، وأهل الظاهر ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، وقال ابن قدامة : لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال ، وكره أبو هريرة ثمن الكلب ، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر ، وبه قال عطاء والنخعي . واختلف أصحاب مالك ، فمنهم من قال : لا يجوز ، ومنهم من قال الكلب : المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ، ولا تجوز إجارته ، نص عليه أحمد ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال مالك في الموطأ : أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب . وفي شرح الموطأ لابن زرقون : واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه ، فأجازه مرة ومنعه أخرى ، وبإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة ، وقال سحنون : ويحج بثمنه . وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه ، وفي المزينة : كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغارم ، ويكره بيعه ابتداء ، قال يحيى بن إبراهيم : قوله « في الميراث » يعني لليتيم ، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلا في الدين والمغارم ، وقال أشهب في ديوانه عن مالك : يفسخ بيع الكلب إلا أن يطول . وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال ، وقال ابن حزم في المحلى : ولا يحل بيع كلب أصلا لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما ، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه ، وهو حلال للمشتري حرام على البائع ، ينتزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظلم وفداء الأسير ومصانعة الظالم ، ولا فرق . ثم إن الشافعية قالوا : من قتل كلب صيد أو زرع وماشية لا يلزمه قيمته ، قال الشافعي : ما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل ، وبه قال أحمد ومن نحى إلى مذهبهما ، وعن مالك روايتان ، واحتجوا بما روي في هذا الباب بالأحاديث التي فيها منع بيع الكلب وحرمة ثمنه . وخالفهم في ذلك جماعة ، وهم : عطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وابن كنانة ، وسحنون من المالكية ، ومالك في رواية ، فقالوا : الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ويباح أثمانها ، وعن أبي حنيفة أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه . وفي البدائع : وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير : كالكلب ، والفهد ، والأسد ، والنمر ، والذئب ، والهر ونحوها - فجائز عند أصحابنا ، ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الأصل ، فيجوز بيعه كيف ما كان . وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور كما روي عن أبي حنيفة فيه ، ثم على أصلهم يجب قيمته على قاتله ، واحتجوا بما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه أنه أغرم رجلا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا ، وبما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما ، وقضى في كلب ماشية بكبش . وقال المخالفون لهم : أثر عثمان منقطع وضعيف ، قال البيهقي : ثم الثابت عن عثمان بخلافه ، فإنه خطب فأمر بقتل الكلاب ، قال الشافعي : فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله قيمته . وأثر عبد الله بن عمرو له طريقان : أحدهما منقطع ، والآخر فيه من ليس بمعروف ، ولا يتابع عليهما كما قاله البخاري ، وقد روى عبد الله بن عمرو النهي عن ثمن الكلب ، فلو ثبت عنه القضاء بقيمته لكانت العبرة بروايته لا بقضائه على الصحيح عند الأصوليين ، انتهى . قلت : الجواب عن هذا كله ، أما قول البيهقي : "ثم الثابت عن عثمان بخلافه" ، فإنه حكى عن الشافعي أنه قال : أخبرني الثقة عن يونس ، عن الحسن ، سمعت عثمان يخطب وهو يأمر بقتل الكلاب ، فلا يكتفى بقوله "أخبرني الثقة" ، فقد يكون مجروحا عند غيره ، لا سيما والشافعي كثيرا ما يعني بذلك ابن أبي يحيى أو الزنجي ، وهما ضعيفان ، وكيف يأمر عثمان بقتل الكلاب وآخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن قتلها إلا الأسود منها ؟! فإن صح أمره بقتلها ، فإنما كان ذلك في وقت لمفسدة طرأت في زمانه . قال صاحب التمهيد : ظهر بالمدينة اللعب بالحمام والمهارشة بين الكلاب ، فأمر عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - بقتل الكلاب وذبح الحمام ، قال الحسن : سمعت عثمان غير مرة يقول في خطبته : اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام ، فظهر من هذا أنه لا يلزم من الأمر بقتلها في وقت لمصلحة أن لا يضمن قاتلها في وقت آخر كما أمر بذبح الحمام . وأما قول البيهقي : "أثر عثمان منقطع" ، وقد روي من وجه آخر : "منقطع عن يحيى الأنصاري عن عثمان" ، فنقول : مذهب الشافعي أن المرسل إذا روي مرسلا من وجه آخر ، صار حجة ، وتأيد أيضا بما رواه البيهقي بعد عن عبد الله بن عمرو وإن كان منقطعا أيضا ، وأما قوله : « والآخر فيه من ليس بمعروف » ، فلا يتابع عليه ، كما قاله البخاري فهو إسماعيل بن خشاش الراوي عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر ابن حبان في الثقات : وكيف يقول البخاري « لم يتابع عليه » وقد أخرجه البيهقي فيما بعد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو ؟! وذكر ابن عدي في الكامل كلام البخاري ، ثم قال : لم أجد لما قاله البخاري فيه أثرا فأذكره . وأما قوله : « فالعبرة لروايته لا بقضائه » غير مسلم ؛ لأن هذا الذي قاله يؤدي إلى مخالفة الصحابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عنه ، ولا نظن ذلك في حق الصحابي ، بل العبرة لقضائه ؛ لأنه لم يقض بخلاف ما رواه إلا بعد أن ثبت عنده انتساخ ما رواه . وهكذا أجاب الطحاوي عن الأحاديث التي فيها النهي عن ثمن الكلب وأنه سحت ، فقال : إن هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ، ولا يحل إمساك شيء منها ولا الانتفاع بها ، ولا شك أن ما حرم الانتفاع به كان ثمنه حراما ، فلما أباح رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - الانتفاع بها للاصطياد ونحوه ما نهى عن قتلها ، نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها . فإن قلت : ما وجه هذا النسخ ؟ قلت : وجهه ظاهر ، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلما ورد النهي عن اتخاذ الكلاب وورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام ، وأن بيعها حرام أيضا ؛ لأن ما كان انتفاعه حراما قيمته حرام كالخنزير ونحوه ، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه ، وورد النهي عن قتلها ، علمنا أن ما كان قبل ذلك من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده ، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم ورفع لحكمه ، وسيأتي زيادة بيان في المزارعة وغيرها . فإن قلت : ما حكم السنور ؟ قلت : روى الطحاوي والترمذي من حديث أبي سفيان عن جابر قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب والسنور ، ثم قال : هذا حديث في إسناده اضطراب . ثم روى الترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن أكل الهر وثمنه ، ثم قال : هذا حديث غريب . وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال : سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور ، فقال : "زجر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ذلك" . ورواه النسائي ولفظه : نهى عن الكلب والسنور إلا كلب صيد . وقال النسائي بعد تخريجه : هذا حديث منكر . واختلف العلماء في جواز بيع الهر : فذهب قوم إلى جواز بيعه وحل ثمنه ، وبه قال الجمهور ، وهو قول الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، وسفيان الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال ابن المنذر : وروينا عن ابن عباس أنه رخص في بيعه قال : وكرهت طائفة بيعه ، روينا ذلك عن أبي هريرة ، وطاووس ومجاهد ، وبه قال جابر بن زيد . وأجاب القائلون بجواز بيعه عن الحديث بأجوبة : أحدها أن الحديث ضعيف ، وهو مردود ، والثاني حمل الحديث على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه ، حكاه البيهقي في السنن عن بعض أهل العلم ، والثالث ما حكاه البيهقي عن بعضهم أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام حين كان محكوما بنجاسته ، ثم لما حكم بطهارة سؤره حل ثمنه ، والرابع أن النهي محمول على التنزيه لا على التحريم ، ولفظ مسلم : « زجر » يشعر بتخفيف النهي فليس على التحريم ، بل على التنزيه ، وعكس ابن حزم هذا ، فقال : الزجر أشد النهي ، وفي كل منهما نظر لا يخفى ، والخامس ما حكاه ابن حزم عن بعضهم أنه يعارضه ما روى أبو هريرة وابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه أباح ثمن الهر ، ثم رده بكلام طويل ، والسادس ما حكاه أيضا ابن حزم عن بعضهم أنه لما صح الإجماع على وجوب الهر والكلب المباح اتخاذه في الميراث والوصية والملك جاز بيعيهما ، ثم رده أيضا ، وقال النووي : والجواب المعتمد أنه محمول على ما لا نفع فيه ، أو على أنه نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته . والحكم الثاني مهر البغي ، وهو ما يعطى على النكاح المحرم ، فإذا كان محرما ولم يستبح بعقد صارت المعاوضة عليه لا تحل ؛ لأنه ثمن عن محرم ، وقد حرم الله الزنا وهذا مجمع على تحريمه لا خلاف فيه بين المسلمين . والحكم الثالث حلوان الكاهن ، وهو حرام ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إتيان الكهان ، مع أن ما يأتون به باطل وحله كذب ، قال تعالى : تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ، وأخذ العوض على مثل هذا ، ولو لم يكن منهيا عنه من أكل المال بالباطل ، ولأن الكاهن يقول ما لا ينتفع به ويعان بما يعطاه على ما لا يحل .
86 - حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحديث مضى في باب الكيل على البائع ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك إلى آخره ، وهنا عن عبد الله بن مسلمة القعنبي . قوله : من ابتاع أي من اشترى . قوله : فلا يبيعه ويروى فلا يبعه بالجزم . قوله : حتى يستوفيه أي حتى يقبضه . زاد إسماعيل : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه . أي زاد إسماعيل بن أبي أويس في روايته ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من ابتاع إلى آخره قال بعضهم : يريد به الزيادة في المعنى ؛ لأن في قوله : حتى يقبضه زيادة في المعنى على قوله : حتى يستوفيه لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ، ولا يقبضه المشتري بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلا . انتهى . ( قلت ) : الأمر الذي ذكره بالعكس ؛ لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض ، من حيث إنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الإقباض في الجملة ، ولا يقال له : استوفاه حتى يقبض الكل ، بل المراد بهذه الزيادة زيادة رواية أخرى ، وهو يقبضه ؛ لأن الرواية المشهورة : حتى يستوفيه .
( باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الطعام قبل القبض ، وكلمة " أن " مصدرية . قوله : " وبيع ما ليس عندك " بالجر عطف على بيع الطعام ، وليس في حديثي الباب بيع ما ليس عندك ، قاله ابن التين ، واعترض به ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه استنبط من حديثي الباب أن بيع ما ليس عندك داخل في البيع قبل القبض ، ولا حاجة إلى ما قاله بعضهم ، وكأن بيع ما ليس عندك لم يثبت على شرطه ، فلذلك استنبطه من النص عن البيع قبل القبض . وحديث " ما ليس عندك " رواه أصحاب السنن الأربعة فأبو داود أخرجه عن مسدد ، عن أبي عوانة . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، عن قتيبة . وأخرجه ابن ماجه ، عن بندار ، والكل أخرجوه ، عن حكيم بن حزام . فلفظ الترمذي " سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : يأتيني الرجل فيسألني من المبيع ما ليس عندي ، أبتاع له من السوق ، ثم أبيعه منه ؟ قال : لا تبع ما ليس عندك " وأخرجت الأربعة أيضا نحوه ، عن عبد الله بن عمرو . 85 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : الذي حفظناه من عمرو بن دينار قال : سمع طاوسا يقول : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : أما الذي نهى عنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو الطعام أن يباع حتى يقبض ، قال ابن عباس : ولا أحسب كل شيء إلا مثله . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة . قوله : " الذي حفظناه " إلى آخره كأن سفيان يشير بذلك إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار ، عن طاوس زيادةً عَلى ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه . قوله : " أما الذي نهى عنه " قد علم أن كلمة " أما " في مثل هذا تقتضي التقسيم ، ويقدر هنا ما يدل عليه السياق ، وهو : وأما غير ما نهى عنه فلا أظنه إلا مثله في أنه لا يباع أيضا قبل القبض . قوله : " أن يباع " قال الكرماني : ما محل " أن يباع " ؟ فأجاب : رفع بأن يكون بدلا من الطعام ، ثم قال : فإذا أبدل النكرة من المعرفة فلا بد من النعت ، فأجاب بأن فعل المضارع مع أن معرفة موغلة في التعريف . قوله : " ولا أحسب كل شيء إلا مثله " أي إلا مثل الطعام ، يدل عليه رواية مسلم من طريق معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : " وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام " وقال الترمذي : والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم ، كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده . وقال ابن المنذر : قوله : " وبيع ما ليس عندك " يحتمل معنيين : أحدَهُمَا : أن يقول : أبيعك عبدا أو دارا ، وهو غائب في وقت البيع ، فلا يجوز لاحتمال عدم رضى صاحبه ، أو أن يتلف ، وهذا يشبه بيع الغرر . والثاني : أن يقول : أبيع هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها إليك صاحبها ، وهذا مفسوخ على كل حال ؛ لأنه غرر إذ قد يجوز أن لا يقدر على شرائها أو لا يسلمها إليه مالكها ، وهذا أصح القولين عندي . وقال غيره : ومن بيع ما ليس عندك العينة ، وهي دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بأن يقول : أبيعك بالدراهم التي سألتني سلعة ، وكذا ليست عندي : أبتاعها لك ، فبكم تشتريها مني ؟ فوافقه على الثمن ، ثم يبتاعها ويسلمها إليه ، فهذه العينة المكروهة ، وهي بيع ما ليس عندك وبيع ما لم تقبضه ؛ فإن وقع هذا البيع فسخ عند مالك في مشهور مذهبه ، وعند جماعة من العلماء ، لو قيل للبائع : إن أعطيت السلعة أبتاعها منك بما اشتريتها جاز ذلك ، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذي ابتاعها ، وقد روي عن مالك أنه لا يفسخ البيع ؛ لأن المأمور كان ضامنا للسلعة لو هلكت ، وقال ابن القاسم : وأحب إلي أن يتورع عن أخذ ما زاده عليه ، وقال عيسى بن دينار : بل يفسخ البيع ، إلا أن يفوت السلعة فتكون فيها القيمة ، وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز والعراق ، وقال ابن الأثير : ابن عباس كره العينة ، هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها منه ، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن ، فهذه أيضا عينة ، وهي أهون من الأولى ، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة ؛ لأن العين هو المال الحاضر من النقد ، والمشتري إنما يشتري بها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه معجلة .
( باب شراء الإمام الحوائج بنفسه ) أي هذا باب فيما جاء من شراء الإمام الحوائج بنفسه ، كذا هذه الترجمة عن أبي ذر ، عن غير الكشميهني ، وليست هذه الترجمة موجودة في رواية الباقين ، وروي باب شراء الحوائج بنفسه بغير ذكر لفظ الإمام ، وهو أعم . ولفظ الحوائج منصوب على المفعولية عند ذكر لفظ الإمام ، وعند سقوطه مجرور بالإضافة . وفائدة هذه الترجمة دفع وهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة . وقال ابن عمر رضي الله عنهما . هذا التعليق وصله البخاري في كتاب الهبة وسيأتي إن شاء الله تعالى . اشترى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جملا من عمر . هذا التعليق وصله البخاري في باب شراء الإبل الهيم ، يأتي بعد باب إن شاء الله تعالى ، وهذا التعليق ما ثبت في كتاب إلا في رواية الكشميهني وحده . وقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما : جاء مشرك بغنم فاشترى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منه شاة . هذا التعليق وصله البخاري في حديث سيأتي في أواخر البيوع في باب الشراء والبيع مع المشركين . واشترى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جابر بعيرا . هذا طرف من حديث موصول يأتي في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى . وهذه التعاليق تطابق الترجمة بلا خلاف ، وفائدتها بيان جواز مباشرة الكبير والشريف والحاكم شراء الحوائج بأنفسهم ، وإن كان لهم من يكفيهم إذا فعل ذلك واحد منهم لإظهار التواضع والمسكنة والاقتداء بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبمن بعده من الصحابة والتابعين والصالحين ، وكان فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك للتشريع لأمته ولإظهار التواضع . 48 - حدثنا يوسف بن عيسى قال : حدثنا أبو معاوية قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : اشترى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من يهودي طعاما بنسيئة ، ورهنه درعه . مطابقته للترجمة ظاهرة . وقد مضى الحديث في أوائل البيوع في باب شراء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالنسيئة ؛ فإنه أخرجه هناك عن معلى بن أسد ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش إلى آخره . وأخرجه هنا عن يوسف بن عيسى أبي يعقوب المروزي ، عن أبي معاوية محمد بن خازم - بالخاء المعجمة والزاي - الضرير ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة أم المؤمنين ، وقد مضى الكلام فيه هناك .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب البيوع أي : هذا كتاب في بيان أحكام البيوع ، ولما فرغ البخاري من بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي فقدم العبادات لاهتمامها ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية وأخر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب ونحوهما ، وأخر الجنايات والمخاصمات ؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد وأخر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور ، قال صاحب التوضيح : ولا أدري لما فعل ذلك وكذلك قدم الصوم على الحج أيضا قلت : لعله نظر إلى أن الجهاد أيضا من العبادات لأن المقصود منها التحصيل الأخروي لأن جل المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام . وبعض أصحابنا قدم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنيوية ألا ترى أنه أفضل من التخلي للنوافل ، وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح فكان أهم بالتقديم قلت : لما كان مدار أمور الدين بخمسة أشياء وهي الاعتقادات والعبادات والمعاملات والزواجر والآداب فالاعتقادات محلها علم الكلام والعبادات قد بينها شرع في بيان المعاملات ، وقدم منها البيوع نظرا إلى كثرة الاحتياج إليه كما ذكرناه الآن . ثم إنه ذكر لفظ الكتاب لأنه مشتمل على الأبواب وهي كثيرة في أنواع البيوع وجمع البيع لاختلاف أنواعه ، وهي المطلق إن كان بيع العين بالثمن ، والمقايضة إن كان عينا بعين ، والسلم إن كان بيع الدين بالعين ، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن ، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة ، والتولية إن لم يكن مع زيادة ، والوضيعة إن كان بالنقصان ، واللازم إن كان تاما ، وغير اللازم إن كان بالخيار والصحيح والباطل والفاسد والمكروه . ثم للبيع تفسير لغة وشرعا ، وركن وشرط ومحل وحكم وحكمة . أما تفسيره لغة : فمطلق المبادلة وهو ضد الشراء ، والبيع الشراء أيضا باعه الشيء وباعه منه جميعا فيهما ، وابتاع الشيء اشتراه ، وأباعه عرضه للبيع وبايعه مبايعة وبياعا عارضه للبيع والبيعان البائع والمشتري ، وجمعه باعة عند كراع ، والبيع اسم البيع والجمع بيوع والبياعات الأشياء المتبايعة للتجارة ، ورجل بيوع جيد البيع وبياع كثير البيع ذكره سيبويه فيما قاله ابن سيده ، وحكى النووي ، عن أبي عبيدة أباع بمعنى باع قال : وهو غريب شاذ ، وفي الجامع أبعته أبيعه إباعة إذا عرضته للبيع ، ويقال : بعته وأبعته بمعنى واحد ، وقال ابن طريف في باب فعل وأفعل باتفاق معنى باع الشيء وأباعه عن أبي زيد ، وأبي عبيدة ، وفي الصحاح . والشيء مبيع ومبيوع والبياعة السلعة ، ويقال : بيع الشيء على ما لم يسم فاعله إن شئت كسرت الباء وإن شئت ضممتها ، ومنهم من يقلب الياء واوا فيقول بوع الشيء ، وقال ابن قتيبة : بعت الشيء بمعنى بعته وبمعنى اشتريته وشريت الشيء اشتريته وبمعنى بعته ، ويقال استبعته أي : سألته البيع قال الخليل : المحذوف من مبيع واو مفعول لأنها زائدة فهي أولى بالحذف ، وقال الأخفش المحذوف عين الكلمة ، وقال المازري : كلاهما حسن ، وقول الأخفش أقيس . وقيل : سمي البيع بيعا ؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالبا ورد هذا بأنه غلط لأن الباع من ذوات الواو والبيع من ذوات الياء . وأما تفسيره شرعا : فهو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي . وأما ركنه : فالإيجاب والقبول . وأما شرطه : فأهلية المتعاقدين ، وأما محله : فهو المال لأنه ينبئ عنه شرعا . وأما حكمه : فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع وللبائع في الثمن إذا كان تاما ، وعند الإجازة إذا كان موقوفا . وأما حكمته : فهي كثيرة منها : اتساع أمور المعاش والبقاء ، ومنها : إطفاء نار المنازعات والنهب والسرق والطر والخيانات والحيل المكروهة ، ومنها : بقاء نظام المعاش وبقاء العالم ؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره فبغير المعاملة يفضي إلى التقاتل والتنازع وفناء العالم واختلال نظام المعاش وغير ذلك . وثبوته بالكتاب لقوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا والسنة : وهي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعث والناس يتعاملون فأقرهم عليه ، والإجماع منعقد على شرعيته . وقول الله عز وجل : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقوله : إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ وقول الله بالرفع عطفا على المضاف في كتاب البيوع ، وقيل : ليس فيه واو العطف وإنما أصل النسخة هكذا كتاب البيوع قال الله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقد ذم الله تعالى عز وجل أكلة الربا بقوله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا أول الآية وكانوا اعترضوا على أحكام الله تعالى في شرعه فقالوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فرد الله عليهم بقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقال ابن كثير قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا يحتمل أن يكون من تمام كلامهم اعتراضا على الشرع أي : مثل هذا ، وقد أحل هذا وحرم هذا ، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ردا عليهم وقال الشافعي في قوله : هذا أربعة أقوال : أحدها : أنه عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع أو يقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل قال في الأم ، وهذا أظهر معاني الآية الكريمة ، وقال صاحب الحاوي : والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص . القول الثاني : إن الآية مجملة لا يعتقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول الثالث : يتناولهما جميعا فيكون عموما دخله التخصيص ومجملا لحقه التفسير لقيام الدلالة عليهما . القول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا . فقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أي : البيع الذي بينه صلى الله عليه وسلم من قبل وعرفه المسلمون منه فتناولت الآية بيعا معهودا ، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري ، قال الغزالي : أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك . ثم إن البخاري ذكر هذه القطعة من الآية الكريمة التي أولها الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا إلى قوله : هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إشارة إلى أمور منها أن مشروعية البيع بهذه . ومنها : أن البيع سبب للملك ، ومنها : أن الربا الذي يعمل بصورة البيع حرام . قوله : وقوله : إِلا أَنْ تَكُونَ إلى آخره عطف على قوله : وقول الله عز وجل ، وهذه قطعة من آية المداينة وهي أطول آية في القرآن أولها قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ وأخراهما وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقال الثعلبي : أي لكن إذا كانت تجارة وهو استثناء منقطع أي : إلا التجارة فإنها ليست بباطل إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها ، وقرأ أهل الكوفة تجارة بالنصب وهو اختيار أبي عبيد ، وقرأ الباقون بالرفع ، واختاره أبو حاتم وقال الزمخشري : قرئ ( تجارة حاضرة ) بالرفع على كان التامة ، وقيل : هي الناقصة على أن الاسم تجارة والخبر تُدِيرُونَهَا وبالنصب على إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة . قوله : حَاضِرَةً يعني يدا بيد تديرونها بينكم وليس فيها إجمال أباح الله ترك الكتابة فيها ؛ لأن ما يخاف من النساء والتأجيل يؤمن فيه وأشار بهذه القطعة من الآية أيضا إلى مشروعية البيع بهذه والله أعلم .
( باب شراء الدواب ، والحمير ) أي هذا باب في بيان حكم شراء الدواب ، وهو جمع دابة ، وقد عرف أن الدابة في أصل الوضع لكل ما يدب على وجه الأرض ، ثم استعملت في العرف لكل حيوان يمشي على أربع ، وهي تتناول الحمير ، وذكر الحمير لا فائدة فيه ، حتى إن حديثي الباب ليس فيهما ذكر حمير ، وقال بعضهم : وليس في حديثي الباب ذكر الحمير ، فكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل ؛ لأن في الباب إنما فيهما ذكر بعير وجمل ، ولا اختصاص في حكم المذكور بدابة دون دابة ، فهذا وجه الترجمة . انتهى . ( قلت ) : ذكر كلاما ثم نقضه بنفسه ؛ لأنه ذكر أولا بطريق المساعدة للبخاري بقوله : " فكأنه أشار إلى إلحاقها " أي إلحاق الحمير في الحكم بالإبل ، ثم قال : ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة ، فهذا ينقض كلامه الأول على ما لا يخفى ، على أن لقائل أن يقول : ما وجه تخصيص إلحاق الحمير في الحكم بالإبل ؛ فإن الحكم في البقر والغنم كذلك ؟ ووقع في رواية أبي ذر " والحمر " بضمتين ، وفي رواية غيره " الحمير " ، وكلاهما جمع ؛ لأن الحمار يجمع على حمير وحمر وأحمرة ، ويجمع الحمر على حمرات جمع صحة . وإذا اشترى دابة أو جملا ، وهو عليه هل يكون ذلك قبضا قبل أن ينزل . هذا أيضا من جملة الترجمة . قوله : " أو جملا " لا طائل تحته ؛ لأنه يدخل في قوله : " دابة " اللهم إلا أن يقال : إنما ذكر الجمل على الخصوص لكونه مذكورا في حديث الباب ؛ لأن الشراء وقع عليه فيه . قوله : " وهو عليه " أي والحال أن البائع عليه أي على الجمل ، وقال الكرماني : أي البائع عليه لا المشتري . ( قلت ) : لا حاجة إلى قوله لا المشتري ؛ لأن قوله : " اشترى " قرينة على أن البائع هو الذي عليه ، وهذه القرينة تجوز عود الضمير إلى البائع ، وإن كان غير مذكور ظاهرا . قوله : " هل يكون ذلك " أي الشراء المذكور قبضا قبل أن ينزل البائع من دابته التي باعها ، وهو عليها . وفيه خلاف فلذلك لم يذكر جواب الاستفهام . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمر : بعنيه ، يعني جملا صعبا . هذا التعليق سيأتي في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى . 49 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا عبيد الله ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاة ، فأبطأ بي جملي وأعيا ، فأتى علي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : جابر ؟ فقلت : نعم ، قال : ما شأنك ؟ قلت : أبطأ علي جملي وأعيا ، فتخلفت ، فنزل يحجنه بمحجنه ، ثم قال : اركب ، فركبت ، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : تزوجت ؟ قلت : نعم ، قال : بكرا أم ثيبا ؟ قلت : بل ثيبا ، قال : أفلا جارية وتلاعبها تلاعبك ؟ قلت : إن لي أخوات ، فأحببت أن أتزوج امرأة ؛ تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن ، قال : أما إنك قادم ، فإذا قدمت فالكيس الكيس ، ثم قال : أتبيع جملك ؟ قلت : نعم ، فاشتراه مني بأوقية ، ثم قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبلي ، وقدمت بالغداة ، فجئنا إلى المسجد ، فوجدته على باب المسجد ، قال : آلآن قدمت ؟ قلت : نعم ، قال : فدع جملك ، فادخل ، فصل ركعتين ، فدخلت ، فصليت ، فأمر بلالا أن يزن له أوقية ، فوزن لي بلال ، فأرجح في الميزان ، فانطلقت حتى وليت ، فقال : ادع لي جابرا ، قلت : الآن يرد علي الجمل ، ولم يكن شيء أبغض إلي منه ، قال : خذ جملك ، ولك ثمنه . الكيس الولد ، كنأ عن العقل . مطابقته للترجمة في لفظ " الجمل " ؛ فإنه ذكر فيه مكررا ، والجمل من الدواب . وعبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي البصري وعبيد الله ابن عمر ، ووهب بن كيسان - بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة وفي آخره نون - أبو نعيم الأسدي . وهذا الحديث ذكره البخاري في نحو عشرين موضعا ، وسنقف على كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى . وأخرجه في الشروط مطولا جدا ، وقال المزي : حديث البعير مطول ، ومنهم من اختصره . ورواه البخاري من طريق وهب بن كيسان ، عن جابر ، ومن طريق الشعبي عنه . وأخرجه مسلم وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة . ( ذكر معناه ) : قوله : " في غزاة " قوله : " فأبطأ بي جملي " قال الفراء : الجمل زوج الناقة ، والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل ، ويطلق عليه البعير ؛ لأن جابرا قال في الحديث في رواية أبي داود : " بعته - يعني بعيره - من النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واشترطت حملانه إلى أهله " ، وقال في آخره : " تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك ؟ خذ جملك وثمنه فهما لك " . وقال أهل اللغة : البعير الجمل البازل . وقيل : الجذع ، وقد يكون للأنثى ، ويجمع على أبعرة وأباعر وأباعير وبعران وبعران . قوله : " وأعيى " أي عجز عن الذهاب إلى مقصده لعيه وعجزه عن المشي ، يقال : عييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه ، وأعياني هو ، ويقال : أعيى فهو معيي ، ولا يقال : عيا وأعياه الله ، كلاهما بالألف يستعمل لازما ومتعديا . قوله : " فأتى علي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " وفي رواية الطحاوي " فأدركه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " وفي رواية للبخاري " فمر النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضربه ، فدعا له ، فسار سيرا ليس يسير مثله " وفي رواية مسلم " كان - يعني جابرا - يسير على جمل له قد أعيى ، فأراد أن يسيبه ، قال : فلحقني النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدعا لي ، وضربه ، فسار سيرا لم يسر مثله " . قوله : " فقال جابر " قال الكرماني : جابر ليس هو فاعلَ " قال " ولا منادى ، بل هو خبر لمبتدأ محذوف . ( قلت ) : نعم ، قوله : ليس هو فاعل قال - صحيح ، وأما قوله : ولا منادى - غير صحيح بل هو منادى تقديره : فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا جابر . وحذف منه حرف النداء ، وكذا وقع في رواية الطحاوي " فقال : فأدركه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ما شأنك يا جابر ، فقال أعيى ناضحي يا رسول الله ، فقال : أمعك شيء ؟ فأعطاه قضيبا ، أو عودا ، فنخسه - أو قال : فضربه - به ، فسار مسيرة لم يكن يسير مثلها " وذكر هنا الناضح موضع البعير و " الناضح " بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة : البعير الذي يستقى عليه ، والأنثى ناضحة وسانية . قوله : " ما شأنك " أي ما حالك وما جرى لك حتى تأخرت عن الناس . قوله : " فنزل " أي نزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في ( التوضيح ) : فيه نزول الشارع لأصحابه . قوله : " يحجنه " جملة وقعت حالا ، وهو مضارع حجن بالحاء المهملة والجيم والنون ، يقال : حجنت الشيء إذا اجتذبته بالمحجن إلى نفسك ، والمحجن - بكسر الميم - عصا في رأسه اعوجاج يلتقط به الراكب ما سقط منه . قوله : " أكفه " أي أمنعه ، حتى لا يتجاوز رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : " تزوجت " أي أتزوجت ، وهمزة الاستفهام مقدرة فيه . قوله : " بكرا أم ثيبا " أي أتزوجت بكرا أم تزوجت ثيبا ، والثيب من ليس ببكر ، ويقع على الذكر والأنثى ، يقال : رجل ثيب وامرأة ثيب ، وقد يطلق على المرأة البالغة ، وإن كانت بكرا مجازا أو اتساعا ، والمراد هاهنا العذراء . قوله : " أفلا جارية " أي أفلا تزوجت جارية أي بكرا . قوله : " تلاعبها وتلاعبك " وفي رواية " قال : فأين أنت من العذراء ولعابها ؟ " وفي رواية أخرى " فهلا تزوجت بكرا تضاحكك وتضاحكها ، وتلاعبها وتلاعبك " ، وقال النووي : أما قوله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ولعابها " فهو بكسر اللام . ووقع لبعض رواة البخاري بضمها ، وقال القاضي عياض : وأما الرواية في كتاب مسلم فبالكسر لا غير ، وهو من الملاعبة مصدر لاعب ملاعبة ، كقاتل مقاتلة ، قال : وقد حمل جمهور المتكلمين في شرح هذا الحديث قوله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " تلاعبها " على اللعب المعروف ، ويؤيده " تضاحكها وتضاحكك " ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون من اللعاب ، وهو الريق . قوله : " قلت : إن لي إخوات " وفي رواية لمسلم " قلت له : إن عبد الله هلك وترك تسع بنات - أو سبع بنات - فإني كرهت أن آتيهن - أو أجيئهن - بمثلهن ، فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن ، قال : فبارك الله لك ، أو قال لي خيرا " وفي رواية أخرى لمسلم " توفي والدي - أو استشهد - ولي أخوات صغار ، فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن ، فلا تؤدبهن ، ولا تقوم عليهن ، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن " . قوله : " وتمشطهن " من مشطت الماشطة المرأة إذا سرحت شعرها ، وهو من باب نصر ينصر ، والمصدر المشط ، والمشاطة ما سقط منه . قوله : " أما إنك قادم " قال الداودي : يحتمل أن يكون إعلاما . قوله : " فإذا قدمت " أي المدينة . قوله : " فالكيس " جواب " إذا " وانتصابه بفعل مضمر ، أي فالزم الكيس ، وهو بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة . واختلفوا في معناه ، فقال البخاري : إنه الولد ، وقال الخطابي : هذا مشكل ، وله وجهان ؛ إما أن يكون حضه على طلب الولد واستعمال الكيس ، والرفق فيه ؛ إذ كان جابر لا ولد له إذ ذاك ، أو يكون أمره بالتحفظ والتوقي عند إصابة أهله ؛ مخافة أن تكون حائضا ، فيقدم عليها لطول الغيبة وامتداد العزبة ، والكيس شدة المحافظة على الشيء . وقيل : الكيس - هنا - الجماع . وقيل : العقل ، كأنه جعل طلب الولد عقلا ، وقال النووي : والمراد بالعقل حثه على ابتغاء الولد . قوله : " أتبيع جملك ؟ قلت : نعم " وفي رواية لمسلم " بعنيه بوقية قلت : لا ، ثم قال : بعنيه ، فبعته بوقية ، واستثبت عليه حملانه إلى أهلي " وفي رواية له " أفتبيعنيه ، فاستحيت ولم يكن لي ناضح غيره ، قال : قلت : نعم ، فبعته إياه ، على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة " وفي رواية أخرى " قال لي : بعني جملك هذا ، قال : قلت : لا ، بل هو لك يا رسول الله ، قال : لا ، بعينه ، قال : قلت : فإن لرجل علي أوقية ذهب ، فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، فتبلغ عليه إلى المدينة " . قوله : " فاشتراه مني بأوقية " بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف ، والجمع يشدد ويخفف مثل أثافي وأثاف . وقد جاء في رواية للبخاري وغيره " وقية " بدون الهمزة ، وليست بلغة عالية ، وكانت الوقية قديما عبارة عن أربعين درهما ، وقد اختلفت الروايات هاهنا ، ففي رواية أنه باعه بخمس أواقي ، وزاد : في أوقية ، وفي بعضها بأوقيتين ودرهم ، أو درهمين ، وفي بعضها بأوقية ذهب ، وفي رواية بأربعة دنانير ، وفي الأخرى بأوقية ، ولم يقل ذهبا ولا فضة . وقال الداودي : ليس لأوقية الذهب وزن يحفظ ، وأما أوقية الفضة فأربعون درهما . ( فإن قلت ) : ما حكم اختلاف هذه الروايات وسببها ؟ ( قلت ) : سببها نقل الحديث على المعنى ، وقد تجد الحديث الواحد قد حدث به جماعة من الصحابة والتابعين بألفاظ مختلفة ، أو عبارات متقاربة ، ترجع إلى معنى واحد . ( فإن قلت ) : كيف التلفيق بين هذه الروايات ؟ ( قلت ) : إما ذكر الأوقية المهملة فيفسرها قوله : " أوقية ذهب " وإليه يرجع اختلاف الألفاظ ؛ إذ هي في رواية سالم بن أبي الجعد ، عن جابر يفسره بقوله : " إن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها " ويكون قوله في الرواية الأخرى " فبعته منه بخمس أواقي " أي فضة صرف ، أوقية الذهب حينئذ ، كأنه أخبر مرة عما وقع به البيع من أوقية الذهب أولا ، ومرة عما كان به القضاء من عدلها فضة ، والله أعلم . ويعضد هذا في آخر الحديث في رواية مسلم " خذ جملك ودراهمك ، فهو لك " وفي رواية من قال : مائتي درهم ؛ لأنه خمس أواقي ، أو يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما قال ، فما زال يزيدني ، وأما ذكر الأربعة الدنانير فموافقة لأوقية ؛ إذ قد يحتمل أن يكون وزان أوقية الذهب حينئذ وزان أربعة دنانيرهم ؛ لأن دنانيرهم كانت مختلفة ، وكذلك دراهمهم ، ولأن أوقية الذهب غير محققة الوزن ، بخلاف الفضة ، أو يكون المراد بذلك أنها صرف أربعين درهما فأربعة دنانير موافقة لأوقية الفضة ؛ إذ هي صرفها ، ثم قال : أوقية ذهب ؛ لأنه أخذ عن الأوقية عدلها من الذهب الدنانير المذكور ، أو يكون ذكر الأربعة دنانير في ابتداء المماكسة وانعقد البيع بأوقية ، وأما قوله : " أوقيتان " فيحتمل أن الواحدة هي التي وقع بها البيع ، والثانية زادها إياه ، ألا ترى كيف قال في الرواية الأخرى " وزادني أوقية " . وذكره الدرهم والدرهمين مطابق لقوله : " وزادني قيراطا " في بعض الروايات . قوله : " فدع " أي اترك . قوله : " فادخل " ويروى " وادخل " بالواو . قوله : " حتى وليت " بفتح اللام المشددة أي أدبرت . قوله : " ادع " بصيغة المفرد ، ويروى " ادعوا " بصيغة الجمع . قوله : " منه " أي من رد الجمل . قوله : " الكيس الولد " هذا تفسير البخاري . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه ذكر العمل الصالح ليأتي بالأمر على وجهه لا يريد به فخرا ، وهذا في قوله : " كنت في غزاة " . وفيه تفقد الإمام أو كبير القوم أصحابه ، وذكرهم له ما ينزل بهم عند سؤاله ، وهذا في قوله : " ما شأنك " . وفيه توقير الصحابي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو واجب بلا شك ، وهذا في قوله : " أكفه عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " . وفيه حض على تزويج البكر ، وفضيلة تزويج الأبكار ، وهو في قوله : " فهلا جارية " . وفيه ملاعبة الرجل أهله وملاطفته لها وحسن العشرة ، وهو في قوله : " تلاعبها وتلاعبك " . وفيه فضيلة جابر وإيثاره مصلحة أخواته على نفسه ، وهو في قوله : " إن لي أخوات " . وفيه استحباب ركعتين عند القدوم من السفر ، وهو في قوله : " فادخل فصل ركعتين " . وفيه استحباب إرجاح الميزان في وفاء الثمن وقضاء الديون ، وهو في قوله : " فأرجح في الميزان " . وفيه صحة التوكيل في الوزن ، ولكن الوكيل لا يرجح إلا بإذن . وفيه الزيادة في الثمن ، ومذهب مالك والشافعي والكوفيين أن الزيادة في المبيع من البائع ، وفي الثمن من المشتري ، والحط منه - يجوز ، سواء قبض الثمن أم لا ؛ بحديث جابر رضي الله تعالى عنه ، وهي عندهم هبة مستأنفة ، وقال ابن القاسم : هبة ، فإن وجد بالمبيع عيبا رجع بالثمن والهبة . وعند الحنفية : الزيادة في الثمن أو الحط منه - يلحقان بأصل العقد ، ولو بعد تمام العقد ، وكذلك الزيادة في المبيع تصح ، وتلتحق بأصل العقد ، ويتعلق الاستحقاق بكله ، أي بكل ما وقع عليه في العقد من الثمن والزيادة عليه . وفيه جواز طلب البيع من الرجل سلعته ابتداء ، وإن لم يعرضها للبيع .
( باب بيع الميتة والأصنام ) أي هذا باب في بيان تحريم بيع الميتة وتحريم بيع الأصنام ، وهو جمع صنم ، قال الجوهري : هو الوثن ، وقال غيره : الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا ، وقال ابن الأثير : الصنم ما اتخذ إلها من دون الله ، وقيل : الصنم ما كان له جسم أو صورة ، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن ، وقال في باب الواو بعدها الثاء المثلثة : الفرق بين الصنم والوثن أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض : أو من الخشب والحجارة : كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد ، والصنم الصورة بلا جثة . ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين ، وقد يطلق الوثن على غير الصورة ، وقد يطلق الوثن على الصليب ، والميتة بفتح الميم هي التي تموت حتف أنفها من غير ذكاة شرعية ، والإجماع على تحريم الميتة ، واستثني منها السمك والجراد . 178 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام . فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ، فقال : لا هو حرام ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ، ثم باعوه فأكلوا ثمنه . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن قتيبة ، وفي التفسير عن عمرو بن خالد عن الليث ببعضه ، وأخرجه مسلم أيضا في البيوع عن قتيبة به ، وعن محمد بن المثنى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة به ، وعن محمد بن بشار عن أبي عاصم به ، وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا فيه عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن عيسى بن حماد عن الليث به . ( ذكر معناه ) قوله : « عن عطاء » هذا رواية متصلة ، ولكن نبه البخاري في الرواية المعلقة التي عقيب هذه بأن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء ، وإنما كتب به إليه على ما يأتي ، وقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالكتابة ، فذهب إلى صحتها أيوب السختياني ، ومنصور ، والليث بن سعد وآخرون ، واحتج بها الشيخان ، وقال ابن الصلاح : إنه الصحيح المشهور ، وقال أبو بكر بن السمعاني : إنها أقوى من الإجازة ، وتكلم فيها بعضهم ولم يرها حجة ؛ لأن الخطوط تشتبه ، وبه جزم الماوردي في الحاوي . قوله : « عن جابر » ، وفي رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن الليث بسنده سمعت جابر بن عبد الله بمكة . قوله : « عام الفتح » ، أي : فتح مكة . قوله : « وهو بمكة » جملة حالية فيه بيان تاريخ ذلك ، وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة ، قيل : يحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ، ثم أعاده - صلى الله تعالى عليه وسلم - يسمعه من لم يكن سمعه . قوله : « إن الله ورسوله حرم » هكذا هو في الأصول الصحيحة حرم بإفراد الفعل ولم يقل حرما ، وهكذا في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ، وأما أبو داود ، فقال : « إن الله حرم » ليس فيه « ورسوله » ، وقد وقع في بعض الكتب : « إن الله ورسوله حرما » بالتثنية ، وهو القياس ، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره من طريق الليث أيضا ، والمشهور في الرواية الأولى ، ووجهه أنه لما كان أمر الله هو أمر رسوله ، وكان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لا يأمر إلا بما أمر الله به ، كان كأن الأمر واحد ، وقال صاحب المفهم : كان أصله حرما ، لكن تأدب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين ؛ لأن هذا من نوع ما رده على الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس الخطيب أنت ! قل : ومن يعص الله ورسوله . قال : وصار هذا مثل قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فيمن قرأ بنصب رسوله ، غير أن الحديث فيه تقديم وتأخير ؛ لأنه كان حقه أن يقدم حرم على رسوله كما جاء في الآية ، وقال شيخنا : قد ثبت في الصحيح تثنية الضمير في غير حديث ، ففي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - : فنادى منادي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية لمسلم : فأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا طلحة فنادى : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية النسائي : "إن الله - عز وجل - ورسوله ينهاكم" بالإفراد ، وروى أبو داود من حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان إذا تشهد قال : الحمد لله نستعينه ، وفيه : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه . قوله : « فقيل يا رسول الله » ، وفي رواية عبد الحميد الآتية :« فقال رجل» . قوله : « أرأيت » ، أي : أخبرني عن شحوم الميتة ، إلى قوله : « الناس » ، أي : أخبرني هل يحل بيعها ؛ لأن فيها منافع مقتضية لصحة البيع . قوله : « فقال لا » أي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تبيعوها هو حرام ، أي : بيعها حرام ، هكذا فسر بعض العلماء ، منهم الشافعي ، ومنهم من قال يحرم الانتفاع بها ، فلا يجوز الانتفاع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل ، كالجلد إذا دبغ ، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن ثلاثة أشياء : الأول عن طلي السفن ، والثاني عن دهن الجلود ، والثالث عن الاستصباح ، كل ذلك بشحوم الميتة ، وكان سؤالهم عن بيع ذلك ظنا منهم أن ذلك جائز لما فيه من المنافع ، كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيه من المنافع وإن حرم أكلها ، فظنوا أن شحوم الميتة مثل ذلك يحل بيعها وشراؤها وإن حرم أكلها ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك ليس كالذي ظنوا ، وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كانت نجسة ، نظيره الدم والخمر مما يحرم بيعها وأكل ثمنها ، وأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها فهو بخلاف بيعها وأكل ثمنها إذا كان ما يدهن بها من ذلك يغسل بالماء غسل الشيء الذي أصابته النجاسة فيطهره الماء ، هذا قول عطاء بن أبي رباح وجماعة من العلماء . وممن أجاز الاستصباح مما يقع فيه الفأرة علي وابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم والإجماع قائم على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام ؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها ، ووضع الثمن فيها إضاعة مال ، وقد نهى الشارع عن إضاعته . قلت : على هذا التعليل إذا كسرت الأصنام وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند بعض الشافعية وبعض الحنفية ، وكذلك الكلام في الصلبان على هذا التفصيل ، وقال ابن المنذر : فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك . وقال شيخنا : استدل بالحديث على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقا ، سواء فيه المسلم والكافر ، أما المسلم فلشرفه وفضله ، حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع أجزائه ، وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقتل غلب المسلمون على جسده ، فأراد المشركون أن يشتروه منهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : « لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه » ، فخلى بينهم وبينه ، ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير ، قال ابن هشام : أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري ، وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين ، فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعهم . ومنهم من استدل بهذا الحديث على نجاسة ميتة الآدمي إذ هو محرم الأكل ، ولا ينتفع به . قلت : عموم الحديث مخصوص بقوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تنجسوا موتاكم ، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا » رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ، وقال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه . قال القرطبي : اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة كالزبل والعذرة ، فمنع من ذلك الشافعي ومالك ، وأجازه الكوفيون والطبري . وذهب آخرون إلى إجازة ذلك من المشتري دون البائع ، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع ؛ لأنه مضطر إلى ذلك ، روي ذلك عن بعض الشافعية ، واستدل بالحديث أيضا من ذهب إلى نجاسة سائر أجزاء الميتة من اللحم والشعر والظفر والجلد والسن ، وهو قول الشافعي وأحمد ، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت : كالشعر ، والظفر ، والقرن ، والحافر ، والعظم ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له مشط من عاج ، وهو عظم الفيل ، وهو غير مأكول ، فدل على طهارة عظمه وما أشبهه ، وأجيب بأن المراد بالعاج عظم السمك ، وهو الذبل . قلت : قال الجوهري : العاج من عظم الفيل ، وكذا قاله في العباب ، وفي المحكم : العاج أنياب الفيل ، ولا يسمى غير الناب عاجا ، وقال الخطابي : العاج الذبل ، وهو خطأ ، وفي العباب : الذبل ظهر السلحفاة البحرية تتخذ منها السوار والخاتم وغيرهما ، وقال جرير : ترى العبس الحولي جونا بلوغها لها مسكا من غير عاج ولا ذبل فهذا يدل على أن العاج غير الذبل ، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس قال : إنما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الميتة لحمها ، فأما الجلد والشعر والصوف ، فلا بأس به ، وروى أيضا من حديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء ، فإن قلت : الحديثان كلاهما ضعيفان ؛ لأن في إسناد الأول عبد الجبار بن مسلم ، قال الدارقطني : هو ضعيف ، وفي إسناد الثاني يوسف بن أبي السفر ، قال الدارقطني : هو متروك الحديث ، قلت : ابن حبان ذكر عبد الجبار في الثقات ، وأما يوسف فإنه لا يؤثر فيه الضعف إلا بعد بيان جهته ، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين ، وهو كان كاتب الأوزاعي . قوله : « ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك » ، أي : عند . قوله :« هو حرام» . قوله : « قاتل الله اليهود » ، أي : لعنهم . قوله : « جملوه » بالجيم ، أي : أذابوه من جملة الشحم أجمله جملا وإجمالا إذا أذبته واستخرجت دهنه ، وجملت أفصح من أجملت ، وهذا يدل على أن المراد بقوله « هو حرام » أي : البيع لا الانتفاع ، وقال الكرماني : الضمير في « باعوه » راجع إلى الشحوم باعتبار المذكور ، أو إلى الشحم الذي في ضمن الشحوم . قلت : الأول له وجه ، والثاني لا وجه له على ما لا يخفى .
قال أبو عاصم : حدثنا عبد الحميد قال : حدثنا يزيد قال : كتب إلي عطاء قال : سمعت جابرا - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم . أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني أحد شيوخ البخاري وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم بن سنان حليف الأنصار ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة ، حدث هو وابنه سعد وأبوه جعفر وجده أبو الحكم رافع ، وله صحبة وابن عمه عمر بن الحكم بن رافع بن سنان ، وهو من ولد القطيون من ولد محرق بن عمرو ومزيقيا ، وقيل : القطيون من اليهود وليس من ولد محرق ، ورافع بن سنان له حديث في سنن أبي داود من رواية ابنه في تخيير الصبي بين أبويه ، ويزيد هو ابن أبي حبيب المذكور في الحديث السابق . وهذا التعليق وصله أحمد قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن عبد الحميد بن جعفر ، أخبرني يزيد بن أبي حبيب الحديث .
( باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع بها الناس في الإسلام ) أي هذا باب في بيان جواز التبايع في الأسواق التي كانت في الجاهلية قبل الإسلام ، وقصده من وضع هذه الترجمة الإشارة إلى أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا يمنع من فعل الطاعة فيها . 50 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان عن عمرو ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية ، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها ، فأنزل الله : ليس عليكم جناح في مواسم الحج ، قرأ ابن عباس كذا . مطابقته للترجمة ظاهرة . وقد مضى هذا الحديث في كتاب الحج في باب التجارة أيام المواسم والبيع في أسواق الجاهلية ؛ فإنه أخرجه هناك عن عثمان بن الهيثم ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس . وهاهنا أخرجه عن علي بن عبد الله - الذي يقال : له ابن المديني - عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : " تأثموا " أي تحرجوا ، من الإثم ، وكفوا عنه ، يقال : تأثم فلان إذا فعل فعلا خرج به عن الإثم ، كما يقال : تحرج إذا فعل ما يخرج به من الحرج ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
باب ما جاء في قول الله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وقوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ أي : هذا باب في بيان ما جاء في قوله : عز وجل فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ إلى آخر الآية هذه والتي بعدها من سورة الجمعة وهي مدنية وهي سبعمائة وعشرون حرفا ومائة وثمانون كلمة وإحدى عشرة آية . قوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي : فإذا أديت والقضاء يجيء بمعنى الأداء ، وقيل : معناه إذا فرغ منها فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ للتجارة والتصرف في حوايجكم وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي : الرزق ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح مع التوصية بإكثار الذكر وأن لا يلهيهم شيء من التجارة ولا غيرها عنه ، والأمر فيهما للإباحة والتخيير كما في قوله تعالى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وقيل : هو أمر على بابه وقال الداودي : هو على الإباحة لمن له كفاف أو لا يطيق التكسب وفرض على من لا شيء له ويطيق التكسب ، وقيل : من يعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكفاف عليه بفريضة ، قوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أي : على كل حال ولعل من الله واجب والفلاح الفوز والبقاء . قوله : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً سبب نزولها ما روي عن جابر بن عبد الله قال : أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا وأنا فيهم فنزلت : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً وروي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما قيل : ثمانية وقيل : أحد عشر وقيل : اثني عشر ، وقيل : أربعون فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو ، وعن قتادة فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير . قوله : انْفَضُّوا أي : تفرقوا ، قوله : إليها أي : إلى التجارة فإن قلت : المذكور شيئان التجارة واللهو وكان القياس أن يقال إليهما قلت : تقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذفت إحداهما لدلالة المذكور عليه . قوله : وَتَرَكُوكَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قَائِمًا أي : على المنبر قل يا محمد مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ الذي لا نفع فيه بل هو خير من التجارة التي فيها نفع في الجملة قدم اللهو على التجارة في الآخر والتجارة على اللهو في الأول فإن المقام يقتضي هكذا . قوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا ، وقيل : لم يكن يفوتكم الرزق لو أقمتم لأن الله هو خير الرازقين ، قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ أي : بغير حق ، وقام الإجماع على أن التصرف في المال بالحرام باطل حرام سواء كان أكلا أو بيعا أو هبة وغير ذلك ، والباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم ورد الشرع به . قوله : إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً فيه قراءتان الرفع على أن تكون تامة ، والنصب على تقدير إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف ، وقيل : الأجود الرفع لأنه أدل على انقطاع الاستثناء ولأنه يحتاج إلى إضمار . قوله : عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ أي : يرضى كل واحد منكم بما في يده ، وقال أكثر المفسرين هو أن يخير كل واحد من البائعين صاحبه بعد العقد عن تراض ، والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما . ثم إن الآيات التي ذكرها البخاري ظاهرة في إباحة التجارة إلا قوله : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً فإنها عتب عليها وهي أدخل في النهي منها في الإباحة لها لكن مفهوم النهي عن تركه قائما اهتماما بها يشعر بأنها لو خلت من العارض الراجح لم يدخل في العتب بل كانت حينئذ مباحة ، وقد أباح الله تعالى التجارة في كتابه وأمر بالابتغاء من فضله ، وكان أفاضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتجرون ويحترفون في طلب المعاش . وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم ، وقد روي عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه : يا بني خذ من الدنيا بلاغك ، وأنفق من كسبك لآخرتك ، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا وعلى أعناق الرجال كلالا . 1 - حدثنا أبو اليمان قال : حدثنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال : إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة ، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة أعي حين ينسون ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول فبسطت ثمرة علي حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء . مطابقته للترجمة في قوله : صفق بالأسواق وهو التجارة ، والترجمة مشتملة على التجارة بنوعيها أحدهما : التجارة الحاصلة بالتراضي ، وهي حلال ، والآخر : التجارة الحاصلة بغير التراضي وهي حرام دل عليه قوله عز وجل : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ الآية . ورجاله قد ذكروا غير مرة وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي والزهري هو محمد بن مسلم . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري به ، وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن خالد بن خلي بن بشر بن شعيب ، عن أبي حمزة عن أبيه به . قوله : يكثر الحديث بضم الياء من الإكثار ، قوله : ما بال المهاجرين أي : ما حالهم ، قوله : وإن إخواني ويروى إن إخوتي أي في الدين ، قوله : يشغلهم بفتح الياء وهو فعل متعد . قوله : صفق بالصاد المهملة كذا في رواية أبي ذر ، وعند غيره سفق بالسين ، وقال الخليل : كل صاد تجيء قبل الفاء وكل سين تجيء بعد القاف فللعرب فيه لغتان سين وصاد ولا يبالون اتصلت أو انفصلت بعد أن تكونا في كلمة إلا أن الصاد في بعض أحسن والسين في بعض أحسن ، وقال الخطابي : وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف إمارة لانتزاع البيع ؛ وذلك أن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والقبوض تبع لها فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك واستقرت كل يد منها على ما صار لكل واحد منهما من ملك صاحبه ، وكان المهاجرون تجارا والأنصار أصحاب زرع فيغيبون بها عن حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر أحواله ولا يسمعون من حديثه إلا ما كان يحدث به في أوقات شهودهم ، وأبو هريرة حاضر دهره لا يفوته شيء منها إلا ما شاء الله ثم لا يستولي عليه النسيان لصدق عنايته بضبطه وقلة استعماله بغيره ، وقد لحقته دعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت له الحجة على من أنكر أمره واستغرب شأنه . قوله : على ملء بطني بكسر الميم أي : مقتنعا بالقوت ، قوله : فأشهد أي : فأحضر إذا غابوا ، قوله : نسوا بفتح النون وضم السين المخففة وأصله نسيوا فنقلت ضمة الياء إلى ما قبلها فاجتمع ساكنان فحذفت الياء فصار نسوا على وزن فعوا . قوله : وكان يشغل بفتح الياء وفاعله قوله عمل أموالهم بالرفع وإخواني في محل النصب على المفعولية قوله : الصفة أي : صفة مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التي كانت منزل غرباء فقراء أصحابه ، وقال ابن الأثير أهل الصفة هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع يظلل في مسجد المدينة يسكنونه وكان أبو هريرة رئيسهم . قوله : أعي أي : أحفظ من وعى يعي وعيا إذا حفظ وأصله أوعى وحذفت الواو منه تبعا ليعي إذ أصله يوعي حذفت الواو منه لوقوعها بين الياء والكسرة قيل : أعي حال عن فاعل كنت والحال مقارن له فكيف يكون هو ماضيا وهذا مستقبلا وأجيب بأنه استئناف مع أنه لو كان حالا يصح لأن المضارع يكون لحكاية الحال وإنما اختصر في حق الأنصار بهذا وترك ذكر أشهد إذا غابوا لأن غيبة الأنصار كانت أقل وكيف لا والمدينة بلدهم ومسكنهم ووقت الزراعة وقت معلوم فلم يعتد بغيبتهم لقلتها ، أو أن هذا عام للطائفتين كما أن أشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا يعم بأن يقدر في قضية الأنصار أيضا بقرينة السياق . قوله : نمرة بفتح النون وكسر الميم وهي كساء ملون ولعله أخذ من النمر لما فيه من سواد وبياض ، وفي الحديث : الحرص على التعلم وإيثار طلبه على طلب المال ، وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم خصه ببسط ردائه وضمه فما نسي من مقالته شيئا قيل : إذا كان أبو هريرة أكثر أخذا للعلم يكون أفضل من غيره لأن الفضيلة ليست إلا بالعلم والعمل ، وأجيب بأنه لا يلزم من أكثرية الأخذ كونه أعلم ولا باشتغالهم عدم زهدهم مع أن الأفضلية معناها أكثرية الثواب عند الله وأسبابه لا تنحصر في أخذ العلم ونحوه وقد يكون بإعلاء كلمة الله ونحوه كذا قيل ، والأحسن أن يقال : لا يستلزم الأفضلية في نوع الأفضلية في كل الأنواع فافهم .
2 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه عن جده قال : قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع : إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها قال : فقال له عبد الرحمن : لا حاجة لي في ذلك هل من سوق فيه تجارة قال : سوق قينقاع قال : فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن قال : ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تزوجت ؟ قال : نعم ، قال : ومن ؟ قال : امرأة من الأنصار قال : كم سقت ؟ قال : زنة نواة من ذهب أو نواة من ذهب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة . مطابقته للترجمة في قوله : هل من سوق فيه تجارة وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس القرشي العامري الأويسي المدني وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كان على قضاء بغداد وأبوه سعد بن إبراهيم أبو إسحاق القرشي المدني وجده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق المدني . ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون وظاهره الإرسال ؛ لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن ، وإبراهيم لم يشهد أمر المؤاخاة لأنه توفي بعد التسعين بغير خلاف ، وعمره خمس وسبعون سنة ، وعلى تقدير صحة قول من قال ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلم تصح له رواية عنه ، وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة وإن عاد الضمير إلى جد سعد فيكون على هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن ، وهذا لا يصح لأن عبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين ، وتوفي سعد سنة ست وعشرين ومائة عن ثلاث وسبعين سنة ، ولكن الحديث المذكور هنا متصل لأن إبراهيم قال فيه : قال عبد الرحمن بن عوف : يوضح ذلك ما رواه أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر الطلحي عن حصين الوادعي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال : لما قدمنا المدينة الحديث ، وكذا ذكره أبو العباس الطرقي وأصحاب الأطراف . ذكر معناه قوله : آخى من المؤاخاة قال القرطبي : المؤاخاة مفاعلة من الأخوة ومعناها أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمواساة حتى يصيرا كالأخوين نسبا . قوله : وبين سعد بن الربيع ضد الخريف الأنصاري الخزرجي النقيب العقبي البدري استشهد يوم أحد وهذه المؤاخاة ذكرها ابن إسحاق في أول سنة من سني الهجرة بين المهاجرين والأنصار وقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه مرتين مرة بمكة قبل الهجرة وأخرى بعد الهجرة قال أبو عمر : الصحيح أن المؤاخاة في المدينة بعد بناء المسجد فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حتى نزلت : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وقيل : كان ذلك والمسجد يبنى وقيل : بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر وفي تاريخ ابن أبي خيثمة ، عن زيد بن أوفى أنها كانت في المسجد وكانوا مائة خمسون من المهاجرين ، وخمسون من الأنصار ، وقال أبو الفرج : وللمؤاخاة سببان : أحدهما : أنه أجراهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف فإنهم كانوا يتوارثون به فقال صلى الله عليه وسلم : لا حلف في الإسلام وأثبت المؤاخاة ؛ لأن الإنسان إذا فطم عما يألفه يخنس . الثاني : أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل فنزلوا على الأنصار فأكد هذه المخالطة بالمؤاخاة ولم تكن بعد بدر مؤاخاة ؛ لأن الغنائم استغني بها . قوله : أي زوجتي بلفظ المثنى المضاف إلى ياء المتكلم وأي إذا أضيف إلى المؤنث يذكر ويؤنث يقال : أي امرأة وأية امرأة . قوله : هويت أي : أردت من هوي بالكسر يهوى هوى إذا أحب . قوله : نزلت لك عنها أي : طلقتها لك ، قوله : فإذا حلت أي : انقضت عدتها ، قوله : سوق قينقاع بفتح القاف الأولى وسكون الياء آخر الحروف وضم النون وبالقاف وفي آخره عين مهملة منصرفا وغير منصرف وهو بطن من اليهود والمرأة التي تزوجها عبد الرحمن هي ابنة أبي الحيسر أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل قال الزبير : ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ، قوله : تابع الغدو وبلفظ المصدر أي : غدا اليوم الثاني ، والمتابعة إلحاق الشيء بغيره ويروى بلفظ الغد ضد الأمس ، قوله : أثر صفرة أي : الطيب الذي استعمل عند الزفاف ، وفي لفظ له على ما يأتي : وعليه وضر من صفرة بفتح الواو والضاد المعجمة هو التلطخ بخلوق أو طيب له لون ، وقد صرح به في بعض الروايات بأنه أثر زعفران فإن قلت : جاء النهي عن التزعفر فما الجمع بينهما ؟ قلت : كان يسيرا فلم ينكره ، وقيل : إن ذلك علق من ثوب المرأة من غير قصد ، وقيل : كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبا مصبوغا لسروره وزواجه ، وقيل : كانت المرأة تكسوه إياه ، وقيل : إنه كان يفعل ذلك ليعان على الوليمة ، وقال ابن العباس : أحسن الألوان الصفرة وقال عز وجل : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال : فقرن السرور بالصفرة ولما سئل عبد الله عن الصبغ بها قال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصبغ بها فأنا أصبغ بها وأحبها ، وقال أبو عبيد : كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه ، وقيل : يحتمل أن ذلك كان في ثوبه دون بدنه ومذهب مالك جوازه ، وحكاه عن علماء بلده ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : لا يجوز ذلك للرجال . قوله : قال ومن أي : ومن التي تزوجت بها ، وفي لفظ له : فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : مهيم قال : تزوجت ومهيم بميم مفتوحة وهاء ساكنة وفتح الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم وهي كلمة يمانية معناها ما هذا وما أمرك ذكره الهروي وغيره . قوله : كم سقت أي : كم أعطيت يقال : ساقه إليه كذا أي : أعطاه . قوله : زنة نواة بكسر الزاي أي : وزن نواة من ذهب قال أبو عبيد : النواة زنة خمسة دراهم قال الخطابي : ذهبا كان أو فضة ، وعن أحمد بن حنبل زنة ثلاثة دراهم ، وقيل : وزن نواة التمر من ذهب وفي الترمذي عن أحمد زنة ثلاثة دراهم وثلث ، وقيل : النواة ربع دينار وعن بعض المالكية هي ربع دينار . قوله : أولم أمر أي : اتخذ وليمة وهي الطعام الذي يصنع عند العرس ، ومن ذهب إلى إيجابها أخذ بظاهر الأمر وهو محمول عند الأكثر على الندب ، وفي التلويح : والوليمة في العرس مستحبة وبه قال الشافعي ، وفي رواية عنه واجبة وهو قول داود ، وقتها بعد الدخول ، وقيل : عند العقد وعن ابن حبيب استحبابها عند العقد ، وعند الدخول وأن لا ينقص عن شاة قال القاضي : الإجماع أنه لا حد لقدرها المجزئ ، وقال الخطابي : إنها قدر الشاة لمن قدر عليها فمن لم يقدر فلا حرج عليه فقد أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسويق والتمر على بعض نسائه ، وكرهت طائفة الوليمة أكثر من يومين ، وعن مالك أسبوعا .
3 - حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا زهير قال : حدثنا حميد ، عن أنس رضي الله عنه قال : قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وكان سعد ذا غنى فقال لعبد الرحمن : أقاسمك مالي نصفين وأزوجك قال : بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا فأتى به أهل منزله فمكثنا يسيرا أو ما شاء الله فجاء وعليه وضر من صفرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مهيم قال : يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار قال : ما سقت إليها ؟ قال : نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب قال : أولم ولو بشاة . مطابقته للترجمة في قوله : دلوني على السوق فإنه ما طلب السوق إلا للتجارة ، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي وزهير تصغير زهر بن معاوية الجعفي وحميد هو الطويل . ذكر معناه قوله : قدم عبد الرحمن ويروى لما قدم ، قوله : فآخى من المؤاخاة ، قوله : فما رجع حتى استفضل أي : ربح يقال : أفضلت منه الشيء واستفضلته إذا أفضلت منه شيئا ، قوله : وعليه وضر من صفرة بفتح الواو والضاد المعجمة وهو التلطخ بخلوق أو طيب له لون وقد ذكرناه في الحديث السابق وكذا مر تفسير مهيم . قوله : أو وزن نواة شك من الراوي . وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا بأس للشريف أن يتصرف في السوق بالبيع والشراء ويتعفف بذلك عما يبذله من المال وغيره ، وفيه الأخذ بالشدة على نفسه في أمر معاشه ، وفيه أن العيش من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبههما ، وفيه البركة للتجارة ، وفيه المؤاخاة على التعاون في أمر الله تعالى وبذل المال لمن يؤاخي عليه .
4 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا سفيان عن عمرو ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا فيه فنزلت : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ) قرأها ابن عباس . مطابقته للترجمة من حيث إنه يشتمل على أنهم كانوا يتجرون في الأسواق المذكورة بعد نزول قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ الآية ، وعبد الله بن محمد الجعفي البخاري المعروف بالمسندي وسفيان هو ابن عيينة وعمرو بفتح العين هو ابن دينار المكي . وقد مضى الحديث في الحج في باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية فإنه أخرجه هناك عن عثمان بن الهيثم ، عن أبي جريج ، عن عمرو بن دينار إلى آخره ، وعكاظ بضم العين المهملة وتخفيف الكاف ، وفي آخره ظاء معجم ومجنة بفتح الميم والجيم وتشديد النون . قوله : فلما كان الإسلام كان تامة ، قوله : تأثموا يعني اجتنبوا الإثم يعني : تركوا التجارة فيها ، احتراز عن الإثم ، قوله : في مواسم الحج جمع موسم سمي بالموسم لأنه معلم يجتمع الناس إليه ، وقرأ ابن عباس هذه اللفظة في جملة القرآن زائدة على ما هو المشهور .
( باب شراء الإبل الهيم أو الأجرب الهائم المخالف للقصد في كل شيء ) أي هذا باب في بيان شراء الإبل الهيم ، و " الهيم " بكسر الهاء جمع أهيم ، والمؤنث هيماء ، والأهيم العطشان الذي لا يروى ، وهو من هامت الدابة تهيم هيمانا بالتحريك ، وقال ابن الأثير في حديث الاستسقاء : " هامت دوابنا " أي عطشت ، ومنه حديث ابن عمر " أن رجلا باعه إبلا هيما " أي مراضا جمع أهيم ، وهو الذي أصابه الهيام ، واليهام هو داء يكسبها العطش ، فتمص الماء مصا ، ولا تروى منه ، وقال ابن سيده : الهيام والهيام داء يصيب الإبل عن بعض المياه بتهامة ، يصيبها منه مثل الحمى ، وقال الهجري : الهيام داء يصيبها عن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت به الذبان ، جمع ذباب ، وقال الفراء : والهيام الهيام بضم الهاء وكسرها ، وفي ( كتاب الإبل ) للنضر بن شميل : وأما الهيام فنحو الدوار جنون يأخذ الإبل ، حتى تهلك ، وفي كتاب ( خلق الإبل ) للأصمعي : إذا سخن جلد البعير وله شره للماء ونحل جسمه ، فذلك الهيام . وقيل : الهيام داء يكون معه الجرب ؛ ولهذا ترجم البخاري شراء الإبل الهيم والأجرب ، وأما معنى قوله تعالى : فشاربون شرب الهيم ، فقال ابن عباس : هيام الأرض . الهيام - بالفتح - تراب يخالطه رمل ينشف الماء نشفا ، وفي تقديره وجهان ؛ أحدهما أن الهيم جمع هيام جمع على فعل ، ثم خفف وكسرت الهاء لأجل الياء ، والثاني : أن يذهب إلى المعنى ، وأن المراد الرمال الهيم ، وهي التي لا تروى ، يقال : رمل أهيم . قوله : " أو الأجرب " أي أو شراء الأجرب من الإبل ، وفي رواية النسفي " والأجرب " بدون الهمزة ، وقال بعضهم : وهو من عطف المفرد على الجمع في الصفة ؛ لأن الموصوف هنا الإبل ، وهم اسم جنس صالح للجمع والمفرد . ( قلت ) : قال صاحب ( المخصص ) : الإبل اسم واحد ليس بجمع ، ولا اسم جمع ، وإنما هو دال عليه ، وجمعها آبال . وعن سيبويه : قالوا : إبلان ؛ لأنه اسم لم يكسر عليه ، وإنما يريدون قطيعين . قوله : " الهائم " المخالف للقصد في كل شيء ، أي يهيم ويذهب على وجهه ، وقال ابن التين : وليس الهائم واحد الهيم ، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه ، وأجيب عن هذا بأن البخاري لما رأى أن الهيم من الإبل كالذي قاله النضر بن شميل شبهها بالرجل الهائم من العشق ، فقال : الهائم المخالف للقصد في كل شيء ، فكذلك الإبل الهيم تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء . 51 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : قال عمرو : كان هاهنا رجل اسمه نواس ، وكانت عنده إبل هيم ، فذهب ابن عمر رضي الله عنهما ، فاشترى تلك الإبل من شريك له ، فجاء إليه شريكه ، فقال : بعنا تلك الإبل ، فقال : ممن بعتها ؟ قال : من شيخ كذا وكذا ، فقال : ويحك ، ذاك والله ابن عمر ، فجاءه ، فقال : إن شريكي باعك إبلا هيما ، ولم يعرفك ، قال : فاستقها ، قال : فلما ذهب يستاقها ، فقال : دعها ، رضينا بقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لا عدوى . سمع سفيان عمرا . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه شراء الإبل الهيم ، وهو شراء عبد الله بن عمر ، وهذا الحديث من أفراد البخاري ، وعلي هو ابن عبد الله المعروف بابن المديني ، وفي بعض النسخ : حدثنا علي بن عبد الله . وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار المكي . قوله : " كان هاهنا " أي بمكة ، وفي رواية ابن أبي عمر ، عن سفيان عند الإسماعيلي " من أهل مكة " . قوله : " نواس " بفتح النون وتشديد الواو وفي آخره نون ، وقال ابن قرقول : هكذا هو عند الأصيلي والكافة ، وعند القابسي بكسر النون وتخفيف الواو ، وعند الكشميهني نواسي بالفتح والتشديد وياء النسب . قوله : " فجاء إليه " أي إلى نواس . قوله : " قال : من شيخ " ويروى : " فقال : من شيخ " بالفاء . قوله : " ويحك " كلمة " ويح " تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، بخلاف " ويل " فإنها للذي يستحقها ، وذكر ابن سيده أنها كلمة تقال للرحمة ، وكذلك ويحما . وقيل : ويح تقبيح ، وفي الجامع هو مصدر لا فعل له ، وفي الصحاح : لك أن تقول ويحا لزيد وويح لزيد ، ولك أن تقول : ويحك وويح زيد . قوله : " ذاك " أي الرجل الذي بعث الإبل الهيم له " واللهِ ابن عمر " . قوله : " ولم يعرفك " بفتح الياء ، ويروى عن المستملي " ولم يعرفك " بضم الياء من التعريف ، يعني لم يعلمك بأنها هيم . قوله : " فاستقها " بصيغة الأمر قال الكرماني : من السوق . ( قلت ) : لا ، بل هو أمر من الاستياق ، والقائل به هو ابن عمر ، وهذا يحتمل أن يكون قاله مجمعا على رد المبيع أو مختبرا هل الرجل مسقط لها أم لا . قوله : " فلما ذهب " أي شريك نواس . قوله : " يستاقها " جملة حالية . قوله : " فقال : دعها " أي قال ابن عمر : دع الإبل ، ولا تستقها . قوله : " لا عدوى " تفسير لقوله : " رضينا بقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " يعني بحكمه بأنه لا عدوى ، وهو اسم من الإعداء ، يقال : أعداه الداء يعديه إعداء ، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء ، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا ، فيتقي مخالطته بإبل أخرى ؛ حذار أن يتعدى ما به من الجرب إليها ، فيصيبها ما أصابه ، وقد أبطله الشارع بقوله : " لا عدوى " يعني ليس الأمر كذلك ، وإنما الله عز وجل هو الذي يمرض وينزل الداء ؛ ولهذا قال في الحديث : " فمن أعدى البعير الأول ؟ " أي من أين صار فيه الجرب ، وقال الجوهري : العدوى ما يعدي من جرب أو غيره ، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره ، والعدوى أيضا طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك ، أي ينتقم منه . وقيل : معنى " لا عدوى " هنا رضيت بهذا البيع على ما فيه من العيب ، ولا أعدي على البائع حاكما ، واختار ابن التين هذا المعنى ، وقال الداودي : معنى قوله : " لا عدوى " النهي عن الاعتداء والظلم . ( قلت ) : الحديث يكون موقوفا على اختيار ابن التين ، ويكون من كلام ابن عمر ، وعلى ما فسرنا أولا يكون في حكم المرفوع . قوله : " سمع سفيان عمرا " هذا قول شيخ البخاري علي بن عبد الله ، أي سمع سفيان بن عيينة عمرو بن دينار ، والحديث رواه الحميدي في مسنده ، عن سفيان قال : حدثنا عمرو به . وفي الحديث جواز شراء المعيب ومنعه إذا كان البائع قد عرف عيبه ورضيه المشتري ، وليس هذا من الغش ، وأما ابن عمر فرضي بالعيب ، والتزمه ، فصحت الصفقة فيه . وفيه تجنب ظلم الصالح لقوله : " ويحك ، ذاك ابن عمر " .
( باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها ) أي هذا باب يذكر فيه هل يسافر شخص بالجارية التي اشتراها قبل أن يستبرئها ، وإنما قيد بالسفر ، وإن كان في الحضر أيضا لا بد من الاستبراء ؛ لأن السفر مظنة المخالطة والملامسة غالبا ، واستبراء الجارية طلب براءة رحمها من الحمل ، وأصله من استبرأت الشيء إذا طلبت أمره لتعرفه وتقطع الشبهة ، وقيل : الاستبراء عبارة عن التعرف والتبصر احتياطا ، والاستبراء الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهارة هو أن يستفرغ بقية البول وينقي موضعه ومجراه ، وكلمة « هل » هنا للاستفهام على سبيل الاستخبار ، ولم يذكر جوابه لمكان الاختلاف فيه . ولم ير الحسن بأسا أن يقبلها أو يباشرها . الحسن هو البصري ، هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن ابن علية قال : سئل يونس عن الرجل يشتري الأمة فيستبرئها يصيب منها القبلة والمباشرة ، فقال ابن سيرين : يكره ذلك . ويذكر عن الحسن أنه كان لا يرى بالقبلة بأسا . قوله : « أو يباشرها » يعني فيما دون الفرج ، ويروى : « ويباشرها » بالواو ، ويؤيد هذا ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال : يصيب ما دون الفرج ، ولفظ المباشرة أعم من التقبيل وغيره ، ولكن الفرج مستثنى لأجل المعرفة ببراءة الرحم . وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - : إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فليستبرأ رحمها بحيضة ، ولا تستبرأ العذراء . ابن عمر هو عبد الله بن عمر . قوله : « إذا وهبت » إلى قوله : « بحيضة » تعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر والوليدة الجارية . قوله : « التي توطأ » على صيغة المجهول . قوله : « أو بيعت » بكسر الباء على صيغة المجهول أيضا . قوله : « أو عتقت » بفتح العين ، وقيل بضمها وليس بشيء . قوله : « فليستبرأ » على صيغة المجهول أو المعلوم ، أي : ليستبرئ المتهب والمشتري والمتزوج بها الغير المعتق . قوله : « ولا تستبرأ العذراء » ، وهي البكر إذ لا شك في براءة رحمها من الولد ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : إن اشترى أمة عذراء فلا يستبرئها ، وقال ابن التين : هذا خلاف ما يقوله مالك ، قيل : والشافعي أيضا ، وقيل : يستبرئ استحبابا ، وعن ابن سيرين في الرجل يشتري الأمة العذراء قال : لا يقربن رحمها حتى يستبرئها ، وعن الحسن يستبرئها وإن كانت بكرا ، وكذا قاله عكرمة ، وقال عطاء في رجل اشترى جارية من أبويها عذراء قال : يستبرئها بحيضتين . ومذهب جماعة منهم ابن القاسم ، وسالم ، والليث ، وأبو يوسف : لا استبراء إلا على البالغة ، وكان أبو يوسف لا يرى استبراء العذراء وإن كانت بالغة ، ذكره ابن الجوزي عنه . وقال إياس بن معاوية في رجل اشترى جارية صغيرة لا يجامع مثلها قال : لا بأس أن يطأها ، ولا يستبرئها . وكره قتادة تقبيلها حتى يستبرئها ، وقال أيوب اللخمي : وقعت في سهم ابن عمر جارية يوم جلولاء ، فما ملك نفسه حتى قبلها ، قال ابن بطال : ثبت هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما . وقال عطاء : لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج ، وقال الله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) . عطاء هو ابن أبي رباح المكي ، والمراد بقوله : « الحامل من غير سيدها » لأنها إذا كانت حاملا من سيدها ، فلا يرتاب في حله ، ثم وجه الاستدلال بالآية هو أن الله تعالى مدح الحافظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فإنها دلت على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه، لكن خرج الوطء بدليل فبقي الباقي على أصله . 177 - حدثنا عبد الغفار بن داود قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قتل زوجها وكانت عروسا ، فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ، ثم صنع حيسا في نطع صغير ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "آذن من حولك" ، فكانت تلك وليمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة ، قال : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحوي لها وراءه بعباءة ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبتيه حتى تركب . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لما اصطفى صفية استبرأها بحيضة ، ثم بنى بها ، وهذا يفهم من قوله : « حتى بلغنا سد الروحاء حلت » ، فإن المراد بقوله « حلت » أي : طهرت من حيضها ، وقد روى البيهقي أنه - صلى الله عليه وسلم - استبرأ صفية بحيضة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول عبد الغفار بن داود بن مهران ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين . الثاني يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري من القارة حليف بني زهرة ، وقد مر في باب الخطبة على المنبر . الثالث عمرو بن أبي عمرو واسمه ميسرة يكنى أبا عثمان . الرابع أنس بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه حراني سكن مصر ، وأن يعقوب مدني سكن إسكندرية ، وأن عمرو بن أبي عمرو مدني ، مات في أول خلافة أبي جعفر المنصور سنة ثنتين وثلاثين ومائة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن عبد الغفار ، وفي الجهاد عن قتيبة ، وفي المغازي أيضا عن أحمد عن ابن وهب ، وفي الأطعمة ، وفي الدعوات عن قتيبة أيضا ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن سعيد بن منصور . ( ذكر معناه ) قوله : « خيبر » كانت غزوة خيبر سنة ست ، وقيل : سبع . قوله : « الحصن » اسمه القموص ، وكان - صلى الله تعالى عليه وسلم - سبى صفية وابنة عم لها من هذا الحصن . قوله : « صفية » بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء آخر الحروف ، الصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي ، وقيل : كان اسمها زينب فسميت صفية بعد السبي . قوله : « بنت حيي » بضم الحاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف الأولى وتشديد الثانية ، قال الدارقطني : المحدثون يقولونه بكسر الحاء وأهل اللغة بضمها . قوله : « ابن أخطب » بالخاء المعجمة . قوله : « وقد قتل زوجها » ، وهو كنانة بن أبي الحقيق وكان زوجها ، أو لأسلام بن مشكم ، وكان خمارا في الجاهلية ، ثم خلف عليها كنانة وكانت صفية رأت في المنام قمرا أقبل من يثرب ووقع في حجرها ، فقصت ذلك على زوجها فلطم وجهها وقال : أنت تزعمين أن ملك يثرب يتزوجك ، وفي لفظ : تحبين أن يكون هذا الملك الذي يأتي من المدينة زوجك ، وفي لفظ : رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه . وكان - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأى بوجهها أثر خضرة قريبا من عينها ، فقال : ما هذا ؟ قالت : يا رسول الله ، رأيت في المنام فذكرت ما مضى إلى آخره ، وهذه الخضرة من لطمة على وجهي ، وفي الإكليل للحاكم : وجويرية رأت في المنام كرؤية صفية قبل تزوجها برسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر ابن سعد أن أم حبيبة قالت : رأيت في النوم كأن آتيا يقول لي : "يا أم المؤمنين" ، ففزعت وأولت أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يتزوجني ، وعن ابن عباس رأت سودة في المنام كأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها ، فقال زوجها : إن صدقت رؤياك لتتزوجي به ، ثم رأيت ليلة أخرى أن قمرا أبيض انقض عليها من السماء وهي مضطجعة ، فأخبرت زوجها السكران ، فقال : إن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجيه من بعدي ، فاشتكى من يومه ذلك ولم يلبث إلا قليلا حتى مات . قوله : « وكانت عروسا » العروس نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وعن الخليل : رجل عروس وامرأة عروس ونساء عرائس ، وقال ابن الأثير : يقال للرجل عروس كما يقال للمرأة ، وهو اسم لها عند دخول أحدهما بالآخر ، ويقال : أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائها . قوله : « فاصطفاها » ، أي : أخذها صفيا ، والصفي سهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من المغنم ، كان يأخذه من الأصل قبل القسمة جارية أو سلاحا ، وقيل : إنما سميت صفية بذلك لأنها كانت صفية من غنيمة خيبر . قوله : « سد الروحاء » السد بفتح السين المهملة وتشديد الدال ، والروحاء بفتح الراء وسكون الواو ، وبالحاء المهملة وبالمد موضع قريب من المدينة ، وفي ( المطالع ) الروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلا من المدينة ، وفي مسلم على ستة وثلاثين ، وفي كتاب ابن أبي شيبة على ثلاثين ، وقال الكرماني : وقيل : الصواب الصهباء بدل سد الروحاء ، وفي ( المطالع ) الصهباء من خيبر على روحة . قوله : « حلت » قد فسرناه عن قريب في أول الباب . قوله : « فبنى بها » ، أي : دخل بها ، قال ابن الأثير : الابتناء والبناء الدخول بالزوجة ، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج بامرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال : بنى الرجل على أهله . قال الجوهري : لا يقال بنى بأهله . قوله : « حيسا » بفتح الحاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة ، وهو أخلاط من التمر والأقط والسمن ، ويقال : من الثمر والسويق ، ويقال : من التمر والسمن ، وعن أبي الوليد : وليمة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - السمن والأقط والتمر ، وفي لفظ : التمر والسويق . قوله : « في نطع » بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح ، وقال ابن التين : يقال : نطع بسكون الطاء وفتحها جلود تدبغ ويجمع بعضها على بعض وتفرش . قوله : « آذن من حولك » ، أي : أعلمه لإشهاد النكاح ، وهو أمر من آذن يؤذن إيذانا ، والخطاب لأنس رضي الله تعالى عنه . قوله : « وليمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم » الوليمة هي الطعام الذي يصنع عند العرس . قوله : « يحوِّي » بضم الياء آخر الحروف وفتح الحاء المهملة وتشديد الواو المكسورة ، وهو رواية أبي ذر وقول أهل اللغة ، وفي رواية أبي الحسين « يحوِي » بالتخفيف ثلاثي ، وهو أن يدير كساء فوق سنام البعير ثم يركبه ، والعباءة ممدود ضرب من الأكيسة ، وكذلك العباء . قوله : « فيضع ركبته » إلى آخره ، قال الواقدي : كانت تعظم أن تجعل رجلها على ركبته - صلى الله تعالى عليه وسلم فكانت تضع ركبتها على ركبته ، ولما أركبها على البعير وحجبها علم الناس أنها زوجته ، وكانوا قبل ذلك لا يدرون أنه تزوجها أم اتخذها أم ولد ، وقال الجاحظ في كتاب الموالي : ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ، ثم صيرها الله تعالى أمة لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت من سبط هارون - عليه الصلاة والسلام وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان النوقائي في كتاب المحنة : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد البناء بصفية استأذنته عائشة أن تكون في المنتقبات ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة إنك لو رأيتها اقشعر جلدك من حسنها ، فلما رأتها حصل لها ذلك ، وقيل : حديث اصطفائه - صلى الله عليه وسلم - بصفية يعارضه حديث أنس أنها صارت لدحية فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس ، ويروى أنه أعطاه بنتي عمها عوضا منها ، ويروى أنه قال له : خذ رأسا آخر مكانها . وأجيب : لا معارضة ؛ لأن أخذها من دحية قبل القسم وما عوضه فيها ليس على جهة البيع ، ولكن على جهة النفل أو الهبة ، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح يقولون فيه : إنه اشترى صفية من دحية ، وبعضهم يزيد فيه بعد القسم ، والله أعلم أي ذلك كان . وفي حواشي السنن : الإمام إذا نفل ما لم يعلم بمقداره ، له استرجاعه والتعويض عنه ، وليس له أن يأخذه بغير عوض ، وإعطاء دحية كان برضاه ، فيكون معاوضة جارية بجارية ، فإن قلت : الواهب منهي عن شراء هبته ، قلت : لم يهبه من مال نفسه ، وإنما أعطاه من مال الله - عز وجل - على جهة النظر كما يعطي الإمام النفل لأحد من أهل الجيش ، نظرا . ومما يستفاد من هذا الحديث أنه يدل على أن الاستبراء أمانة يؤتمن المبتاع عليها بأن لا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملا ؛ لأن الحامل لا توطأ حتى تضع لئلا يسقي ماؤه زرع غيره ، وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة في الرحم ، إلا أن مالكا والليث قالا : إن اشتراها في أول حيضها اعتد بها ، وإن كانت في آخرها لم يعتد بها ، وقال ابن المسيب : حيضتان ، وقال ابن سيرين : ثلاث حيض . واختلف إذا أمن فيها الحمل ، فقال مالك : يستبرئ ، وقال مطرف وابن الماجشون : لا . واختلفوا في قبلة الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء : فأجاز ذلك الحسن البصري ، وعكرمة ، وبه قال أبو ثور ، وكرهه ابن سيرين ، وهو قول مالك ، والليث ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، ووجهه قطعا للذريعة وحفظا للأنساب . وحجة المجيزين قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائض حتى تطهر » ، فيدل هذا على أن ما دون الوطء من المباشرة والقبلة في حيز المباح ، وسفره - صلى الله عليه وسلم - بصفية قبل أن يستبرئها حجة في ذلك ؛ لكونه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها معه ؛ لأنه لا بد أن يرفعها أو يتركها ، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يمس بيده امرأة لا تحل له . ومن هذا اختلافهم في مباشرة المظاهرة وقبلتها فذهب الزهري والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يقبلها ولا يتلذذ منها بشيء ، وقال الحسن البصري : لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، ولذلك فسر عطاء وقتادة والزهري قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أنه عنى بالمسيس الجماع في هذه الآية .
( باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها ) أي هذا باب في بيع السلاح في أيام الفتنة ؛ هل يمنع أم لا ؟ وأيام الفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين ، ولم يذكر الحكم على عادته اكتفاء بما ذكره في الباب من الحديث والأثر . قوله : " وغيرها " أي وغير أيام الفتنة ، والحكم فيه على التفصيل ، وهو أن بيع السلاح في أيام الفتنة مكروه ؛ لأنه إعانة لمن اشتراه ، وهذا إذا اشتبه عليه الحال ، أما إذا تحقق الباغي فالبيع لمن كان في الجانب الذي على الحق لا بأس به ، وأما البيع في غير أيام الفتنة فلا يمنع لحديث الباب ، فافهم . وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة . أي كره بيع السلاح في أيام الفتنة ، وهذا وصله ابن عدي في الكامل من طريق أبي الأشهب عن أبي رجاء ، عن عمران . ورواه الطبراني في ( الكبير ) من وجه آخر ، عن أبي رجاء ، عن عمران مرفوعا وإسناده ضعيف . 52 - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن أفلح ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة ، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام حنين ، فأعطاه - يعني درعا - فبعت الدرع ، فابتعت به مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ، وهو قوله : " وغيرها " أي وغير الفتنة ؛ فإن بيع أبي قتادة درعه كان في غير أيام الفتنة ، وبهذا يرد على الإسماعيلي في قوله : هذا الحديث ليس في شيء من ترجمة الباب . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري . الرابع : ابن أفلح ، واسمه عمر بن كثير - ضد القليل - مولى أبي أيوب الأنصاري . الخامس : أبو محمد ، واسمه نافع بن عياش الأقرع ، مولى أبي قتادة . السادس : أبو قتادة ، واسمه الحارث بن ربعي الأنصاري . ولطائف إسناده أن رواته كلهم مدنيون . وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد ، أولهم يحيى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الخمس ، عن القعنبي ، وفي المغازي عن عبد الله بن ابن يوسف ، وفي الأحكام عن قتيبة ، عن ليث به . وأخرجه مسلم في المغازي ، عن قتيبة به . وعن يحيى بن يحيى ، عن هشيم . وعن أبي الطاهر ، عن ابن وهب . وأخرجه أبو داود في الجهاد ، عن القعنبي به . وأخرجه الترمذي في السير عن إسحاق بن موسى الأنصاري . وعن ابن أبي عمر . وأخرجه ابن ماجه في الجهاد ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ببعضه . ( ذكر معناه ) : قوله : " خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام حنين " ، وكان عام حنين في السنة الثامنة من الهجرة ، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال ، وهذا الحديث وقع هنا مختصرا ، وقال الخطابي : سقط من الحديث شيء لا يتم الكلام إلا به ، وهو " أنه - يعني أبا قتادة - قتل رجلا من الكفار ، فأعطاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلبه " ، وكان الدرع من سلبه . ورد عليه ابن التين بأنه تعسف في الرد على البخاري ؛ لأنه إنما أراد جواز بيع الدرع ، فذكر موضعه من الحديث ، وحذف سائره ، وهكذا يفعل كثيرا . قوله : " فأعطاه " أي فأعطى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا قتادة ، وكان مقتضى الحال أن يقول فأعطاني ، ولكنه من باب الالتفات ، وكان الدرع من سلب كافر قتله أبو قتادة ، والذي شهد له بالقتل - الأسودُ بن خزاعي وعبيد الله بن أنيس ، قاله المنذري . قوله : " فابتعت به " أي اشتريت به ، أي بثمن الدرع . قوله : " مخرفا " بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء بعدها فاء ، وهو البستان ، وبكسر الميم : الوعاء الذي يجمع فيه الثمار . وقيل : الحائط من النخل ، يخرف فيه الرطب ، أي يجتنى . وقيل للنخلة : مخرف ، وللطريق : مخرف ، وفي ( المحكم ) : المخرف القطعة الصغيرة من النخل ، ست أو سبع ، يشترى بها الرجل للخرفة . قوله : " في بني سلمة " بكسر اللام ؛ بطن من الأنصار . قوله : " فإنه " أي فإن المخرف " لأول مال " بفتح اللام للتأكيد . قوله : " تأثلته " أي جمعته ، وهو من باب التفعل ، فيه معنى التكلف ، مأخوذ من الأثلة ، وهو الأصل ، أي اتخذته أصلا للمال ، ومادته همزة وثاء مثلثة ولام ، يقال : مال مؤثل ، ومجد مؤثل أي مجموع ذو أصل .
باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام أي هذا باب في حكم بيع الزبيب إلى آخره . 120 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة ، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا ، وبيع الزبيب بالكرم كيلا . مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث المعنى ، وقال الإسماعيلي : ليس في الحديث الذي ذكره البخاري من جهة النص الزبيب بالزبيب ، ولا الطعام بالطعام فلو حقق الحديث ببيع التمر في رؤوس الشجر بمثله من جنسه يابسا ، أو صحح الكلام على قدر ما ورد به لفظ الخبر كان أولى ، وقال بعضهم : كأن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطعام ، وهو في رواية الليث ، عن نافع ، كما سيأتي . انتهى . قلت : هذا الذي قاله لا يساعد البخاري ، والوجه ما ذكرناه من أنه أخذ في الترجمة من حيث المعنى ، وهذا المقدار كاف في المطابقة ، وربما يأتي بعض الأبواب لا توجد المطابقة فيه إلا بأدنى من هذا المقدار ، والغرض وجود شيء ما من المناسبة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن عبد الله بن يوسف ، فرقهما ، وأخرجه مسلم فيه ، عن يحيى بن يحيى ، والنسائي فيه عن قتيبة به . والمزابنة مفاعلة لا تكون إلا بين اثنين وأصلها الدفع الشديد ، قال الداودي : كانوا قد كثرت فيهم المدافعة بالخصام ، فسميت بالمزابنة ، ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المبايعة عن حقه سميت بذلك ، وقال ابن سيده : الزبن دفع الشيء عن الشيء ، زبن الشيء يزبنه زبنا وزبن به ، وفي الجامع للقزاز : المزابنة كل بيع فيه غرر ، وهو بيع كل جزاف لا يعلم كيله ، ولا وزنه ، ولا عدده ، وأصله أن المغبون يريد أن يفسخ البيع ويريد الغابن أن لا يفسخه فيتزابنان عليه ، أي : يتدافعان ، وعند الشافعي : هو بيع مجهول بمجهول أو معلوم من جنس تحريم الربا في نقده ، وخالفه مالك في هذا القيد سواء كان مما يحرم الربا في نقده أو لا ، مطعوما كان أو غير مطعوم . قوله : والمزابنة بيع الثمر إلى آخره ، قال أبو عمر : لا خلاف بين العلماء أن تفسير المزابنة في هذا الحديث من قول ابن عمر أو مرفوعه ، وأقل ذلك أن يكون من قوله وهو راوي الحديث فيسلم له ، وكيف ولا مخالف في ذلك . قوله : بيع الثمر بالتمر قال الكرماني : بيع الثمر بالمثلثة ، بالتمر بالفوقية ، ومعناه الرطب بالتمر ، وليس المراد كل الثمار ، فإن سائر الثمار يجوز بيعها بالتمر . قوله : كيلا أي : من حيث الكيل ، نصب على التمييز . قوله : بالكرم بسكون الراء شجر العنب ، لكن المراد هنا نفس العنب ، قال الكرماني : وهو من باب القلب ؛ إذ المناسب لقرينته أن يدخل الجار على الزبيب لا على الكرم ، وقال أبو عمر : وأجمعوا على تحريم بيع العنب بالزبيب ، وعلى تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ، وهو المحاقلة ، وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعا ، وقال أبو حنيفة : إن كان مقطوعا جاز بيعه بمثله من اليابس ، وقال ابن بطال : أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر لأنه مزابنة ، وقد نهي عنه ، وأما رطب ذلك مع يابسه إذا كان مقطوعا وأمكن فيه المماثلة فجمهور العلماء لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متماثلا ولا متفاضلا ، وبه قال أبو يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة والتمر بالرطب مثلا بمثل ، ولا يجيزه متفاضلا ، قال ابن المنذر : وأظن أن أبا ثور وافقه .
121 - حدثنا أبو النعمان قال : أخبرنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة ، قال : والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل ، إن زاد فلي ، وإن نقص فعلي . مطابقته للترجمة نحو مطابقة الحديث السابق للترجمة . ورجاله قد ذكروا كلهم ، وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، وأيوب هو السختياني . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي الربيع الزهراني وأبي كامل الجحدري ، كلاهما عن حماد مقطعا ، وعن علي بن حجر وزهير بن حرب ، كلاهما عن إسماعيل بن علية عنه به مقطعا أيضا ، وأخرجه النسائي فيه ، عن زياد بن أيوب ، عن ابن علية به . قوله : قال أي : عبد الله بن عمر . قوله : أن يبيع بدل أو بيان لقوله المزابنة ، كذا قيل ، قلت : كلمة أن مصدرية في محل الرفع على الخبرية ، وتقديره : المزابنة بيع التمر بكيل . قوله : بكيل أي : من الزبيب أو التمر . قوله : إن زاد حال من فاعل يبيع بتقدير القول ، أي : ببيعه قائلا : إن زاد التمر المخروص على ما يساوي الكيل فهو لي ، وإن نقص فعلي بتشديد الياء . قال : وحدثني زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا بخرصها . أي قال عبد الله بن عمر : وحدثني زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - وهذا أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، وعن القعنبي ، عن مالك ، وعن محمد بن عبد الله بن المبارك ، وفي الشرب ، عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن يحيى ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب ، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن رافع ، وعن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن المثنى ، عن سليمان بن بلال وهشيم ، فرقهما ، وعن محمد بن رمح ، وعن أبي الربيع وأبي كامل ، وعن علي بن حجر ، وعن محمد بن المثنى ، عن يحيى بن القطان ، وأخرجه الترمذي في البيوع ، عن هناد ، وعن قتيبة ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وعن أبي قدامة ، وفيه ، وفي الشروط ، عن عيسى بن حماد ، وعن أبي داود الحراني ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن رمح به ، وعن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح . ( ذكر معناه ) قوله : في العرايا جمع عرية فعيلة بمعنى مفعولة ، من عراه يعروه إذا قصده ، ويحتمل أن تكون فعيلة بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا قلع ثوبه ، كأنها عريت من جملة التحريم ، وفي التلويح : العرية النخلة المعراة ، وهي التي وهبت تمرة عامها ، والعرية أيضا التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل ، وقيل : هي النخلة التي قد أكل ما عليها ، واستعرى الناس في كل وجه أكلوا الرطب من ذلك ، وفي الجامع : وأنت معر ، وفي الصحاح : فيعروها الذي أعطيته ، أي : يأتيها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة ، ولو جئت بها مع النخلة . قلت : نخلة عري ، وقيل : عراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية فأعراه ، أي : إياها ، كما يقال : سألني فأسألته ، فالعرية اسم للنخلة المعطى ثمرها ، فهي اسم لعطية خاصة ، وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة ، كالمنيحة لعطية الشاة ، والإفقار لما ركب فقاره ، فعلى هذا إن العرية عطية لا بيع ، ثم اختلفوا في تفسير العرية شرعا ، فقال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق : العرية المذكورة في الحديث هي إعطاء الرجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عاما ، وقال قوم : العرية النخلة والنخلتان والثلاث يجعل للقوم فيبيعون ثمرها بخرصها تمرا ، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق ، وروي عن زيد بن ثابت ، وقال قوم مثل هذا ، إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم تمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها ، فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاءوا من التمر ، وهو قول سفيان بن حسين وسفيان بن عيينة ، وقال قوم : العرية الرجل يعري النخلة أو يستثني من ماله النخلة أو النخلتين يأكلها فيبيعها بمثل خرصها ، وهو قول عبد ربه بن سعيد الأنصاري ، وقال قوم : العرية أن يأتي أوان الرطب وهناك قوم فقراء لا مال لهم يريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم ، فإن لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، ولا عرية عندهما في غير النخل والعنب . وقال الطحاوي : وكان أبو حنيفة يقول فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر أنه سمع محمد بن سماعة ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة قال : معنى ذلك عندنا أن يعري الرجل الرجل تمر نخلة من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتى يبدو له يعني يظهر له أن لا يمكنه من ذلك فيعطيه مكانه خرصه تمرا ، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد ، وقال ابن الأثير : العرية هي أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب ، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله ، ولا نخل لهم يطعمهم منه ، ويكون قد فضل له تمر من قوته فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له : بعني تمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر ، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بتمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس ، فرخص فيه إذا كان دون خمسة أوسق ، وقال ابن زرقون : هي عطية ثمر النخل دون الرقاب ، كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الإفقار والمنحة والعمرى ، وكانت العرب تتمدح بالأعراء ، وقال النووي رحمه الله : العرية هي أن يخرص الخارص نخلات فيقول : هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا ، فيعطيه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق ويتقاصان في المجلس فيتسلم الثمن ويتسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية ، وهذا جائز فيما دون خمسة أوسق ، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق ، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشافعي ، أصحهما لا يجوز ، والأصح أنه يجوز ذلك للفقراء والأغنياء ، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب ، وبه قال أحمد ، وقال أبو عمر : فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا أن العراية هي أن يهب الرجل حائطه خمسة أوسق فما دونها ، ثم يريد أن يشتريها من المعري عند طيب الثمرة ، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ ، وإن عجل له لم يجز ، ولا يجوز ذلك لغير المعري ؛ لأن الرخصة وردت فيه ، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض ، وقال أيضا : ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين ، إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري : وإما لأن يرفق المعرى فتكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرا إلى الجذاذ ، وفي الاستذكار يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا ، وفي القثاء والموز والبطيخ ، قاله ابن حبيب ، قبل الإبار وبعده لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه ، وقال عبد الوهاب : بيع العارية جائز بأربعة شروط أحدها : أن يزهي ، وهو قول جمهور الفقهاء ، وقال يزيد بن حبيب : يجوز وقبل بدو الصلاح ، والثاني : أن يكون خمسة أوسق فأدنى ، وهو رواية المصريين عن مالك ، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد أنه لا يجوز إلا في خمسة أوسق ، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر ، ففي المدونة روى صدقة بن حبيب عن مالك أن الفضل لصاحب العارية ، ولو أقل من الخرص ضمن الخرص ، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص ، والثالث : أن يعطيه خرصها عند الجذاذ ، ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرا خلافا للشافعي في قوله : إنه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرا ، ولا يجوز أن يفترقا حتى يتقابضا ، والشرط الرابع : أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ ، ثم أراد تعجيل الخرص جاز ، قاله ابن حبيب ، وعن مالك فيما يصح ذلك فيه من الثمار روايتان إحداهما : أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب ، وبه قال الشافعي ، والثانية : أنه يجوز في كل ما ييبس ويدخر من الثمار كالجوز واللوز والتين والزيتون والفستق ، رواه أحمد ، وقال أشهب : في الزيتون يجوز إذا كان ييبس ويدخر ، وأما النخل الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب ، فعلى اشتراط التيبيس يجب أن لا يجوز .
( باب في العطار وبيع المسك ) أي هذا باب في العطار على وزن فعال بالتشديد ، وهو الذي يبيع العطر ، وهو الطيب . قوله : " وبيع المسك " عطف على ما قبله . 53 - حدثني موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا أبو بردة بن عبد الله قال : سمعت أبا بردة بن أبي موسى ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مثل الجليس الصالح ، والجليس السوء ، كمثل صاحب المسك ، وكير الحداد ؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه ، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة . مطابقته للترجمة للجزء الثاني منها ، وهو بيع المسك ، وقال بعضهم : وبيع المسك ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك ، وكأنه ألحق العطار به ؛ لاشتراكهما في الرائحة الطيبة . ( قلت ) : صاحب المسك أعم من أن يكون حامله أو بائعه ، ولكن القرينة الحالية تدل على أن المراد منه بائعه ، فتقع المطابقة بين الحديث والترجمة ، وأما أنه ذكر العطار - وإن لم يكن له ذكر في الحديث - فلأنه قال : " وبيع المسك " وهو يستلزم البائع ، وبائع المسك يسمى العطار ، وإن كان يبيع غير المسك من أنواع الطيب . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي . الثاني : عبد الواحد بن زياد العبدي . الثالث : أبو بردة بضم الباء الموحدة ، واسمه بريد - مصغر البرد - ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى . الرابع : أبو بردة بالضم أيضا ، واسمه عامر بن أبي موسى . الخامس : أبوه أبو موسى الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه السماع . وفيه العنعنة في موضع . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه وشيخ شيخه بصريان ، والبقية كوفيون . وفيه رواية الابن عن الأب ، وعن الجد على ما لا يخفى . وأخرجه البخاري أيضا ، عن أبي كريب . وأخرجه مسلم في الأدب ، عن أبي بكر بن أبي شيبة . وعن أبي كريب ، عن أبي أسامة . ( ذكر معناه ) : قوله : " مثل الجليس " الجليس على وزن فعيل هو الذي يجالس الرجل ، يقال : جالسته فهو جليسي وجلسي . قوله : " كير الحداد " بكسر الكاف وسكون الياء ، هو زق أو جلد غليظ ينفخ به النار ، وفي رواية أسامة " كحامل المسك ونافخ الكير " وفي الكلام لف ونشر ، وقال الكرماني : المشبه به الكير ، أو صاحب الكير ؛ لاحتمال عطف الكير على الصاحب وعلى المسك ، فأجاب بأن ظاهر اللفظ أنه الكير ، والمناسب للتشبيه أنه صاحبه . قوله : " لا يعدمك " بفتح الياء وفتح الدال من عدمت الشيء - بالكسر - أعدمه أي فقدته ، وقال ابن التين : وضبط في البخاري بضم الياء وكسر الدال من عدمت الشيء - بالكسر - أعدمه ، ومعناه ليس يعدوك . ( قلت ) : هو رواية أبي ذر فيكون من الإعدام ، وفاعل " لا يعدمك " قوله : " تشتريه " وأصله أن تشتريه ، وكلمة " إما " زائدة ، ويجوز أن يكون الفاعل ما يدل عليه إما ، أي لا يعدمك أحد الأمرين . قوله : " إما تشتريه أو تجد ريحه " وفي رواية أبي أسامة " إما أن يجديك ، وإما أن تبتاع منه " ورواية عبد الواحد أرجح ؛ لأن الإجداء - وهو الإعطاء - لا يتعين ، بخلاف الرائحة فإنها لازمة ، سواء وجد البيع ، أو لم يوجد . قوله : " وكير الحداد " إلى آخره ، وفي رواية أبي أسامة " ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك " . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته ، كالمغتاب ، والخائض في الباطل . والندب إلي من ينال بمجالسته الخير ، من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها ؛ وفي الحديث " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " . وفيه دليل على إباحة المقايسات في الدين ، قاله ابن حبان عند ذكر هذا الحديث . وفيه جواز ضرب الأمثال . وفيه دليل على طهارة المسك . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " المسك أطيب الطيب " وفي كتاب الأشراف : روينا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسند جيد " أنه كان له مسك يتطيب به " وعلى هذا جل العلماء من الصحابة وغيرهم ، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأنس وسلمان رضي الله عنهم ، ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والشافعي ومالك والليث وأحمد وإسحاق . وخالف في ذلك آخرون ، فذكر ابن أبي شيبة : قال عمر رضي الله تعالى عنه : لا تحنطوني به ، وكرهه . وكذا عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن ومجاهد والضحاك ، وقال أكثرهم : لا يصلح للحي ولا للميت ؛ لأنه ميتة ، وهو عندهم بمنزلة ما أبين من الحيوان ، قال ابن المنذر : لا يصح ذلك إلا عن عطاء . ( قلت ) : روى ابن أبي شيبة ، عن عطاء من طريق جيدة أنه سئل : أطيب الميت بالمسك ؟ قال : نعم ، أوليس الذي تخمرون به المسك ؟ فهو خلاف ما قاله ابن المنذر عنه ، وقولهم : إنه بمنزلة ما أبين من الحيوان - قياس غير صحيح ؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم ، وهذا ليس سبيل نافجة المسك ؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعرة . وقال أبو الفضل عياض : وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله . وقال أصحابنا : المسك حلال بالإجماع يحل استعماله للرجال والنساء ، ويقال : انقرض الخلاف الذي كان فيه ، واستقر الإجماع على طهارته وجواز بيعه . وقال المهلب : أصل المسك التحريم ؛ لأنه دم ، فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم - وهي الزهم وفاح الرائحة - صار حلالا بطيب الرائحة ، وانتقلت حاله كالخمر تتخل فتحل بعد أن كانت حراما بانتقال الحال ، وفي ( شرح المهذب ) : نقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبا باطلا ، وهو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أُبِينَ من حي فهو ميت ، أو يقال : هو في معنى الجنين والبيض واللبن . وذكر المسعودي في ( مروج الذهب ) أنه تدفع مواد الدم إلى سرة الغزال ، فإذا استحكم لون الدم فيها ونضح آذاه ذلك وحكه ، فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس ، فيحت بها ملتذا بذلك ، فينفجر حينئذ ، وتسيل على تلك الأحجار كانفجار الجراح والدمل ، ويجد بخروجه لذة ، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم تجتمع ثانية ، فيخرج رجال نبت يقصدون تلك الحجارة والجبال ، فيجدونه قد جف بعد إحكام المواد ونضج الطبيعة ، وجففته الشمس ، وأثر فيه الهوى ، فيودعونه في نوافج معهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها معدة معهم . ولغزاله نابان صغيران محدودان ، الأعلى منها مدلى على أسنانه السفلى ، ويداه قصيرتان ، ورجلاه طويلتان ، وربما رموها بالسهام فيصرعونها ويقطعون عنها نوافجها ، والدم في سررها خام لم ينضج ، وطري لم يدرك ، فيكون لرائحته سهولة ، فيبقى زمانا حتى تزول عنه تلك الروائح السهلة الكريهة ، وتكتسب موادا من الهوى وتصير مسكا .
125 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تبيعوا الورق بالورق والورق بكسر الراء هو الفضة . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وعن قتيبة ومحمد بن رمح ، وعن شيبان بن فروخ ، وعن أبي موسى ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، عن مالك به ، وعن حميد بن مسعدة وإسماعيل بن مسعود . قوله : إلا مثلا بمثل أي : إلا حال كونهما متماثلين أي : متساويين . قوله : ولا تشفوا بضم التاء من الإشفاف ، وهو التفضيل ، وقال بعضهم : هو رباعي من أشف ( قلت ) : لا ، بل هو ثلاثي مزيد ، فيه يقال : شف الدرهم يشف إذا زاد وإذا نقص من الأضداد ، وأشفه غيره يشفه ، وفي الحديث : نهى عن شف ما لم يضمن ، بكسر الشين ، وهو الزيادة والربح . قوله : بناجز من النجز بالنون والجيم والزاي ، والمراد بالغائب المؤجل ، وبالناجز الحاضر ، يعني لا بد من التقابض في المجلس . وقال ابن بطال : فيه حجة للشافعي في قوله : من كان له على آخر دراهم والآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاضي أحدهما الآخر بماله لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق دينا ، لأنه إذا لم يجز غائب بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب . ( فإن قلت ) : روى الترمذي من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عمر قال : كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق ، وأبيع بالورق فآخذ مكانها الدنانير ، فأتيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فوجدته خارجا من بيت حفصة فسألته عن ذلك ، فقال : لا بأس به بالقيمة ( قلت ) : قال ابن بطال : لا يدخل هذا في بيع الذهب بالورق دينا ؛ لأن النهي الذي بقبض الدراهم عن الدنانير لم يقصد إلى التأخير في الصرف ( قلت ) : قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر موقوفا ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنه لا بأس أن يقبض عن الذهب من الورق والورق من الذهب ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقد كره بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ذلك .
باب بيع الفضة بالفضة أي هذا باب في بيان حكم بيع الفضة بالفضة ما حكمه ، يعني يجوز متساويتين في المجلس . 124 - حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمي ، قال : حدثنا ابن أخي الزهري ، عن عمه قال : حدثني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن أبا سعيد حدثه مثل ذلك حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيه عبد الله بن عمر فقال : يا أبا سعيد ، ما هذا الذي تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو سعيد : في الصرف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والورق بالورق مثلا بمثل . مطابقته للترجمة في قوله : والورق بالورق مثلا بمثل والورق بكسر الراء الفضة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة . الأول : عبيد الله بضم العين ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الثاني : عمه يعقوب بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الثالث : محمد بن عبد الله بن مسلم . الرابع : عمه محمد بن مسلم الزهري . الخامس : سالم بن عبد الله بن عمر . السادس : عبد الله بن عمر بن الخطاب . السابع : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك - رضي الله تعالى عنه ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه اللقى ، وفيه السماع ، وهو عمه ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رجال الإسناد كلهم مدنيون ، وأن شيخ البخاري من أفراده ، وابن أخي الزهري كلهم زهريون ، وأن شيخه مات ببغداد سنة ستين ومائتين ، وفيه رواية الراوي عن عمه في موضعين ، وفيه رواية الراوي عن أبيه الصحابي ، ورواية الصحابي عن الصحابي . قوله : إن أبا سعيد حدثه أي : حدث عبد الله بن عمر . قوله : مثل ذلك قال الكرماني : أي مثل حديث أبي بكرة في وجوب المساواة ( فإن قلت ) : ما وجه فلقيه إذ الكلام يتم بدونه ؟ ( قلت ) : يعني فلقيه بعد ذلك مرة أخرى . انتهى . وقيل : هذا الحديث أخرجه الإسماعيلي من وجهين ، عن يعقوب بن إبراهيم شيخ شيخ البخاري بلفظ : إن أبا سعيد حدثه حديثا مثل حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصرف ، قال أبو سعيد ، فذكره ، فظهر بهذه الرواية معنى قوله : مثل ذلك أي : مثل حديث عمر أي : حديث عمر الماضي قريبا في قصة طلحة بن عبيد الله . انتهى . قلت : حديث عمر الذي ذكره مضى في باب ما يذكر في بيع الطعام ، والذي قاله الكرماني أقرب لأنه مذكور في الباب الذي قبله وليس بينهما باب آخر . قوله : ما هذا أي : ما هذا الذي تحدثه ، وإنما قال ما هذا لأنه كان يعتقد قبل ذلك جواز المفاضلة . قوله : في الصرف أي : في شأن الصرف ، وهو بيع الذهب بالفضة وبالعكس . قوله : الذهب بالذهب يجوز في الذهب الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ خبره محذوف أي : الذهب يباع بالذهب ، أو يكون مرفوعا بإسناد الفعل المبني للمفعول إليه ، تقديره : يباع الذهب ، وأما النصب فعلى أنه مفعول لفعل مقدر تقديره : بيعوا الذهب بالذهب ، وقوله : الذهب ، يتناول جميع أنواعه من مضروب وغير مضروب وصحيح ومكسور وجيد ورديء ، وقال بعضهم : وخالص ومغشوش قلت : قوله : ومغشوش ، ليس على إطلاقه ، فإنه إذا كان غشه كثيرا غالبا على الذهب يكون حكمه حكم العروض . قوله : مثلا بمثل بالنصب في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر بالرفع مثل بمثل ، فوجهه بإسناد الفعل المبني للمفعول إليه ، تقديره : يباع مثل بمثل ، وأما وجه النصب فعلى أنه حال تقديره : الذهب يباع بالذهب حال كونهما متماثلين يعني متساويين ، وقال بعضهم : هو مصدر في موضع الحال قلت : قوله : مصدر ، ليس بصحيح على ما لا يخفى .
55 - حدثنا مسدد قال : حدثنا خالد - هو ابن عبد الله - قال : حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : احتجم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأعطى الذي حجمه ، ولو كان حراما لم يعطه . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن قوله : حجمه يقتضي الحجام . وخالد بن عبد الله هو الطحان الواسطي ، وخالد الثاني هو خالد بن مهران الحذاء البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الإجارة ، عن مسدد ، عن يزيد بن زريع . وأخرجه أبو داود في البيوع ، عن مسدد به . قوله : أعطى الذي حجمه لم يذكر المفعول الثاني ، وهو نحو شيئا أو صاعا من تمر بقرينة الحديث السابق . قوله : ولو كان أي الذي أعطاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له حراما - لم يعطه وهذا نص في إباحة أجر الحجام . وفيه استعمال الأجير من غير تسمية أجره ، وإعطاؤه قدرها وأكثر ، قاله الداودي ، ولعل محمل الحديث أنهم كانوا يعلمون مقدارها ، فدخلوا على العادة .
( باب ذكر الحجام ) أي هذا باب فيما جاء من ذكر الحجام ، ولما ذكر في باب مؤكل الربا النهي عن ثمن الدم الذي هو الحجامة وظاهره التحريم ، عقد هذا الباب هنا ، وفيه حديثان يدلان على جواز الحجامة وأخذ الأجرة ، فذكرهما ليدل على أن النهي المذكور فيه إما منسوخ كما ذهب إليه البعض ، وإما أنه محمول على التنزيه كما ذهب إليه آخرون ، وهذا الذي يذكر هاهنا هو الوجه لا ما ذكره بعضهم بما لا طائل تحته . 54 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن حميد ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : حجم أبو طيبة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمر له بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه . مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه أن أبا طيبة حجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيطلق عليه أنه حجام . ورجاله قد ذكروا غير مرة . والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا عن القعنبي ، وأبو طيبة بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، قيل : اسمه دينار . وقيل : نافع . وقيل : ميسرة ، وقال ابن الحذاء : عاش مائة وثلاثا وأربعين سنة ، وهو مولى محيصة - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالصاد المهملة - ابن مسعود الأنصاري ، وأهله هم بنو بياضة . قوله : " من خراجه " بفتح الخاء المعجمة ، وهو ما يقرره السيد على عبده أن يؤديه إليه كل يوم . وفيه دليل على جواز الحجامة ، وجواز أخذ الأجرة عليها . وفيه دليل على إباحة مقاطعة المولى عبده على خراج معلوم مياومة أو مشاهرة . وفيه جواز وضع الضريبة عنه ، والتخفيف عليه . وروي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سأله : كم ضريبتك ؟ فقال : ثلاثة آصع ، فوضع عنه صاعا ، وإنما أضيف الوضع إليه ؛ لأنه كان هو الآمر به ، وهذا رواه الطحاوي ، فقال : حدثنا فهد قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا أبا طيبة ، فحجمه ، فسأله : كم ضريبتك ؟ فقال : ثلاثة آصع ، فوضع عنه صاعا " . وأخرجه أبو يعلى في ( مسنده ) بإسناده إلى جابر ، ولفظه : قال : " بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أبي طيبة ، فحجمه " إلى آخره نحوه ، وأبو بشر اسمه جعفر بن إياس اليشكري ، وعلل بعضهم الحديث بأنه لم يسمع من سليمان بن قيس . وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي جميلة ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : " احتجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأعطى أجره " ولو كان به بأس لم يعطه . وأخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) ، وأبو جميلة اسمه ميسرة وثقه ابن حبان . ( فإن قلت ) : روى الطحاوي عن المزني ، عن الشافعي ، عن ابن أبي فديك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة - أحد بني حارثة - عن أبيه " أنه سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كسب الحجام ، فنهاه أن يأكل من كسبه ، ثم عاد فنهاه ، ثم عاد فنهاه ، فلم يزل يراجعه ، حتى قال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعلف كسبه ناضحك ، وأطعمه رقيقك " . ( قلت ) : في إباحته - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطعمه الرقيق والناضح - دليل على أنه ليس بحرام ، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل لا يحل له أيضا أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه ؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قال في الرقيق : " أطعموهم مما تأكلون " فلما ثبت إباحة النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمحيصة أن يعلف ذلك ناضحه ويطعم رقيقه من كسب حجامه ، دل ذلك على نسخ ما تقدم من نهيه عن ذلك ، وثبت حل ذلك له ولغيره ، قاله الطحاوي ، ثم قال : وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى .
باب بيع التمر بالتمر أي هذا باب في بيان حكم بيع التمر بالتمر . 119 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أويس قال : سمع عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : البر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء . هذا الحديث قد مر من رواية عمرو بن دينار ، عن الزهري ، عن مالك بن أويس ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة ، ومر الكلام فيه مستوفى ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي .
باب بيع الدينار بالدينار نساء أي هذا باب في بيان حكم بيع الدينار بالدينار حال كونه نساء بفتح النون والسين المهملة وبالمد ، ومعناه مؤخرا ، وقال ابن الأثير : النساء التأخير ، يقال : نسأت الشيء نساء وأنسأته إنساء ( قلت ) : مادته من النون والسين والهمزة ، وفي الحديث : من أحب أن ينسأ في أجله ، أي : يؤخر . 126 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا الضحاك بن مخلد ، قال : حدثنا ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار ، أن أبا صالح الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم ، فقلت له : فإن ابن عباس لا يقوله ، فقال أبو سعيد : سألته فقلت : سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو وجدته في كتاب الله ؟ قال : كل ذلك لا أقول ، وأنتم أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني ، ولكنني أخبرني أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا ربا إلا في النسيئة . مطابقته للترجمة في قوله : الدينار بالدينار . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية . الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني : أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، وهو شيخ البخاري ، حدث عنه بالواسطة ، وفي مواضع أخر حدث عنه بغير واسطة . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الرابع : عمرو بن دينار . الخامس : أبو صالح واسمه ذكوان الزيات السمان ، كان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة . السادس : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك . السابع : عبد الله بن عباس . الثامن : أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه السؤال ، وفيه القول في سبعة مواضع ، وفيه أن شيخه والضحاك بصريان ، وابن جريج وعمرو مكيان ، وأبو صالح مدني سكن الكوفة ، وفيه ثلاثة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن محمد بن حاتم ومحمد بن عباد وابن أبي عمر ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن محمد بن الصباح ، خمستهم عن سفيان ، عن عمرو بن دينار عنه به . ( ذكر معناه ) قوله : سمع أبا سعيد الخدري يقول : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم كذا وقع في هذا الطريق ، وفي رواية مسلم من طريق ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي صالح قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم مثل بمثل ، من زاد أو ازداد فقد أربى ، فقلت : أرأيت هذا الذي يقول ، أشيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو وجدته في كتاب الله تعالى ؟ فقال : لم أسمعه من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ولم أجده في كتاب الله تعالى ، ولكن حدثني أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : الربا في النسيئة . قوله : إن ابن عباس لا يقول ، وفي رواية مسلم يقول غير هذا . قوله : قال أبو سعيد : سألته ، وفي رواية مسلم قد لقيت ابن عباس فقلت له . قوله : كل ذلك بالرفع أي : لم يكن لا السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الوجدان في كتاب الله تعالى ، ويجوز بالنصب على أنه مفعول مقدم وفاعله قوله : لا أقول والفرق بين الإعرابين أن المرفوع هو السلب الكلي والمنصوب لسلب الكل ، والأول أبلغ وأعم ، وإن كان أخص من وجه آخر ، وفي رواية مسلم لم أسمعه من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ولم أجده في كتاب الله تعالى كما ذكرناه الآن ، وفي رواية أخرى لمسلم - رضي الله تعالى عنه - عن عطاء أن أبا سعيد لقي ابن عباس فذكر نحوه ، وفيه فقال : كل لا أقول ، أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنتم أعلم به ، وأما كتاب الله فلا أعلمه أي : لا أعلم هذا الحكم فيه ، ومعنى قوله : أنتم أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنكم كنتم بالغين كاملين عند ملازمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا كنت صغيرا . قوله : لا ربا إلا في النسيئة ، وفي رواية مسلم : الربا في النسيئة ، وفي رواية لمسلم ، عن ابن عباس : إنما الربا في النسيئة ، وفي رواية عطاء عنه : ألا إنما الربا ، وفي رواية طاوس عنه : لا ربا فيما كان يدا بيد ، وروى الحاكم من طريق حبان العدوي بالحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف : سألت أبا مجلز عن الصرف فقال : كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد ، وكان يقول : إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد بالشعير ، فذكر القصة والحديث ، وفيه : التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل ، فمن زاد فهو ربا ، فقال ابن عباس : أستغفر الله وأتوب إليه ، فكان ينهى عنه أشد النهي . واتفق العلماء على صحة حديث أسامة ، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل : منسوخ ، وقيل : معنى لا ربا لا ربا أغلظ شديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد ، كما تقول العرب : لا عالم في البلد إلا زيد ، مع أن فيها علماء غيره ، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل ، وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد ؛ لأن دلالته بالمنطوق ، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر ، وقال الطبري : معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة إذا اختلف أنواع المبيع ، والفضل فيه يدا بيد ربا ، جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما التلفيق بين حديث أسامة وحديث أبي سعيد ( قلت ) : الحصر إنما يختلف بحسب اختلاف اعتقاد السامع ، فلعله كان يعتقد الربا في غير الجنس حالا ، فقيل ردا لاعتقاده : لا ربا إلا في النسيئة أي : فيه مطلقا ، وقد أوله العلماء بأنه محمول على غير الربويات ، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلا بأن يكون له ثوب موصوف فيبيعه بعبد موصوف مؤجلا ، وإن باعه به حالا يجوز ، أو محمول على الأجناس المختلفة فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل ، بل يجوز متفاضلا يدا بيد ، وهو مجمل ، وحديث أبي سعيد مبين ، فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه ، أو هو منسوخ ، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره .
( باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء ) أي هذا باب في بيان حكم التجارة في الشيء الذي يكره لبسه للرجال والنساء ، والمراد من قوله : " لبسه " يعني استعماله ، ويذكر اللبس ويراد به الاستعمال كما في حديث أنس : " فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس " أي من طول ما استعمل . والذي يكره استعماله للرجال والنساء مثل النمرقة التي فيها تصاوير ؛ فإن استعمالها يكره للرجال والنساء جميعا ، وبهذا يندفع اعتراض من قال جعل البخاري هذه الترجمة فيما يكره لبسه للرجال والنساء ، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة علي رضي الله عنه : " شققها خمرا بين الفواطم " وكان على زينب بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلة سيراء ، فإنما المعنى من لا خلاق له من الرجال ، فأما النساء فلا ، فإن أراد شراء ما فيه تصاوير فحديث عمر لا يدخل في هذه الترجمة . انتهى . ( قلت ) : بل يدخل ؛ لأن الترجمة لها جزآن ، أحدهما : قوله : " للرجال " والآخر قوله : " للنساء " فحديث عمر يدخل في الجزء الأول ، وحديث عائشة يدخل في الجزء الثاني إن كان اللبس على معناه الأصلي ، وإن جعلناه بمعنى الاستعمال كما ذكرناه يدخل في الجزأين جميعا ، فافهم ؛ فإنه موضعٌ تعَسَّف فيه الشراح ، وهذا الذي ذكرته فتح لي من الأنوار الإلهية ، والفيوض الربانية . 56 - حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو بكر بن حفص ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : أرسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عمر رضي الله عنه بحلة حرير - أو سيراء - فرآها عليه ، فقال : إني لم أرسل بها إليك لتلبسها ، إنما يلبسها من لا خلاق له ، إنما بعثت إليك لتستمتع بها ، يعني تبيعها . مطابقته للجزء الأول من الترجمة ، وقد ذكرناه الآن . ورجاله قد ذكروا ، وأبو بكر بن حفص هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري ، مر في أول الغسل . والحديث أخرجه مسلم بألفاظ مختلفة ففي لفظ " إني لم أبعث بها لتلبسها ، ولكن بعثت إليك بها لتصيب بها " وفي لفظ " تبيعها وتصيب بها حاجتك " وفي لفظ " إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها " وفي لفظ " إنما بعث بها إليك لتنتفع بها ، ولم أبعث إليك لتلبسها " وفي لفظ " إنما بعث بها إليك لتصيب بها مالا " . قوله : " بحلة " بضم الحاء المهملة ، وهي واحدة الحلل ، وهي برود اليمن ، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد . قوله : " أو سيراء " بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف وبالمد ، وهو برد فيه خطوط صفر . وقيل : هي المضلعة بالحرير . وقيل : إنها حرير محض ، وقال ابن الأثير : هو نوع من البرد يخالطه حرير كالسيور ، فهو فعلاء من السير القد ، هكذا يروى على الصفة ، وقال بعض المتأخرين : إنما هو حلةُ سيراءَ على الإضافة ، واحتج بأن سيبويه قال : لم يأت فعلاء صفة لكن اسما ، وقد مر في كتاب الجمعة حديث عمر بأطول من هذا من وجه آخر .
57 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام على الباب فلم يدخله ، فعرفت في وجهه الكراهية ، فقلت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله وإلى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ما بال هذه النمرقة ؟ قلت : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون ، فيقال لهم : أحيوا ما خلقتم . وقال : إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة . وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قد مر في أول الباب ، وقال الكرماني : الاشتراء أعم من التجارة فكيف يدل على الخاص الذي هو التجارة التي عقد عليها الباب ؟ فأجاب بأن حرمة الجزء مستلزمة لحرمة الكل ، وهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء . ورجاله مشهورون ، مذكورون غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في النكاح ، عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي اللباس عن القعنبي ، وفي اللباس أيضا عن حجاج بن منهال ، وفي بدء الخلق ، عن محمد هو ابن سلام ، عن مخلد هو ابن يزيد . وأخرجه مسلم في اللباس ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به . وعن إسحاق بن إبراهيم . وعن عبد الوارث بن عبد الصمد . وعن قتيبة بن سعيد . وعن محمد بن رمح . وعن هارون بن سعيد . وعن أبي بكر بن إسحاق . قوله : نمرقة بضم النون والراء ، ضبطه ابن السكيت هكذا ، وضبطها أيضا بكسر النون والراء وبغير هاء ، وجمعها نمارق ، وقال ابن التين : ضبطناها في الكتب بفتح النون وضم الراء ، وقال عياض وغيره : هي وسادة . وقيل : مرفقة . وقيل : هي المجالس ، ولعله يعني الطنافس ، وفي ( المحكم ) : النمرق والنمرقة قد قيل : هي التي يلبسها الرجل ، وفي ( الجامع ) : النمرق تجعل تحت الرحل ، وفي ( الصحاح ) : النمرقة وسادة صغيرة ، وربما سموا الطنفسة التي تحت الرحل نمرقة . قوله : الصور بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة ، الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها ، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته ، وعلى معنى صفته ، يقال : صورة الفعل كذا وكذا ، أي هيئته ، وصورة الأمر كذا وكذا ، أي صفته . قوله : أحيوا بفتح الهمزة أمر تعجيز من الإحياء . قوله : ما خلقتم أي صورتم كصورة الحيوان . قوله : لا تدخله الملائكة أي غير الحفظة . وقيل : ملائكة الوحي ، وأما الحفظة فلا تفارقه إلا عند الجماع والخلاء ، كما أخرجه ابن عدي وضعفه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : أن بيع الثياب التي فيها الصور المكروهة ، فظاهر حديث عائشة أن بيعها لا يجوز ، لكن قد جاءت آثار مرفوعة ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تدل على جواز بيع ما تمتهن فيها الصورة ، منها ستر عائشة فيه تصاوير ، فهتكه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعلته قطعتين ، فاتكأ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إحداهما ، رواه وكيع عن أسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، فإذا تعارضت الآثار فالأصل الإباحة حتى يرد الحظر ، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة في النمرقة - لو لم يعارضه غيره - محمولا على الكراهة دون التحريم ، بدليل أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفسخ البيع في النمرقة التي اشترتها عائشة . الثاني : أن تصوير الحيوان حرام ، واختلفوا في هذا الباب : فقال قوم من أهل الحديث وطائفة من الظاهرية : التصوير حرام ، سواء في ذلك تصوير ذي روح وغيره ، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث عبد الله قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون رواه مسلم وغيره . وقال الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث : كل صورة لا تشبه صورة الحيوان كصور الشجر والحجر والجبل ونحو ذلك ، فلا بأس بها ، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم قال : قرأت على نصر بن علي الجهضمي ، عن عبد الأعلى قال : حدثنا يحيى بن إسحاق عن سعيد بن أبي الحسن قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : إني رجل أصور هذه الصور ، فأفتني فيها ، فقال : ادن مني ، ثم قال : ادن مني ، فدنا منه ، حتى وضع يده على رأسه قال : أنبئك بما سمعت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفسا ، فيعذبه في جهنم ، وقال : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له فأقر به نصر بن علي . والدليل على ذلك ما رواه الطحاوي من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال : استأذن جبريل عليه السلام على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ادخل ، فقال : كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال ؟ فإما أن تقطع رؤوسها وإما أن تجعلها بساطا ؛ فإنا - معشر الملائكة - لا ندخل بيتا فيه تماثيل قال الطحاوي : فلما أبيحت التماثيل بعد قطع رؤوسها الذي لو قطع من ذي الروح لم يبق ، دل ذلك على إباحة تصوير ما لا روح له ، وعلى خروج ما لا روح لمثله من الصور مما قد نهي عنه في الآثار . الثالث : فيه أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ، وقد مر عن قريب أن المراد من الملائكة غير الحفظة ، وقال النووي : أما الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والاستغفار ، وقال الخطابي : إنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور ، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما ، فلا يمنع دخول الملائكة بسببه . وأشار القاضي إلى نحو ما قال الخطابي . والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة ، وأنهم يمنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ، قاله النووي ، وقال أيضا : ولأن الجرو الذي كانت في بيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر ؛ فإنه لم يعلم به ، ومع هذا امتنع جبريل عليه السلام من دخول البيت ، وعلل بالجرو ، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل عليه السلام . انتهى . ( قلت ) : العلم وعدمه لا يؤثر في هذا الأمر ، والعلة في امتناعهم عن الدخول وجود الصورة والكلب مطلقا ، والله أعلم .
176 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : أخبرني الليث عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ، ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب ، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» . هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن أبي هريرة وحده ، أخرجه عن عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبي القاسم القرشي العامري الأويسي المدني ، وهو من أفراده ، عن الليث بن سعد ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه أبي سعيد كيسان مولى بني ليث ، وهذا أخرجه البخاري أيضا في المحاربين عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الحدود ، والنسائي في الرحم جميعا عن عيسى بن حماد ، كلاهما عن الليث به . قوله « فتبين » ، أي : ظهر زناها وثبت . قوله : « ولا يثرب » ، أي : ولا يوبخها بالزنا بعد الضرب ، والتثريب اللوم ، وقيل : أراد لا يقع في عقوبتها التثريب ، بل يضربها الحد ، فإن زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروها ولا منكرا ، فأمرهم بحد الإماء كما أمرهم بحد الحرائر ، ومادته ثاء مثلثة وراء وباء موحدة . قوله : « ولو بحبل » ، أي : ولو كان بحبل من شعر .
175 - حدثني زهير بن حرب قال : حدثنا يعقوب قال : حدثنا أبي عن صالح قال : حدث ابن شهاب أن عبيد الله أخبره ، أن زيد بن خالد وأبا هريرة - رضي الله عنهما - أخبراه أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن الأمة تزني ولم تحصن ، قال : اجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها بعد الثالثة أو الرابعة . قيل : لا معنى لإدخال هذا في بيع المدبر ؛ ولهذا أسقط هذا الباب ابن التين وأدخله ابن بطال في الباب الذي قبله ، وهو باب بيع الرقيق ، وقال بعضهم : وجه دخول هذا في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت ، فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة ، فيؤخذ منه جواز بيع المدبرة في الجملة ، انتهى . قلت : أخذ هذا القائل بعض كلامه هذا من الكرماني ، وزاد عليه من عنده ، فإن الكرماني قال : فإن قلت : ما وجه تعلقه بالمدبر ؟ قلت : لفظ الأمة المطلقة شامل للمدبرة وغيرها ، انتهى . قلت : هذا الكلام كله ليس بموجه ؛ لأن الأمة المذكورة في الحديث إنما أمر - صلى الله عليه وسلم - ببيعها لأجل تكرر زناها ، والأمة المدبرة يجوز بيعها عندهم مطلقا ، سواء تكرر الزنا منها أو لم يتكرر ، أو لم تزن أصلا ، وقول هذا القائل فيؤخذ منه جواز بيع المدبرة في الجملة كلام واه ؛ لأن الأخذ الذي ذكره لا يكون إلا بدلالة من اللفظ من أقسام الدلالة الثلاثة ، ولا يصح أيضا على رأي أهل الأصول ، فإن الذي يدل لا يخلو إما أن يكون بعبارة النص أو بإشارته أو بدلالته ، فأي ذلك أراد هذا القائل فلا يدرى ما قاله ، والصواب مع ابن بطال وابن التين . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول : زهير مصغر زهر بن حرب ضد الصلح ، الثاني : يعقوب بن إبراهيم ، الثالث أبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري ، الرابع صالح بن كيسان ، الخامس محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، السادس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة ، السابع زيد بن خالد الجهني ، الثامن أبو هريرة . وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب بيع العبد الزاني ، فإنه أخرجه هناك من وجه آخر عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه عن إسماعيل عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنهما قوله : « لم تحصن » بفتح الصاد وكسرها .
( باب بيع المدبر ) أي هذا باب في بيان حكم بيع المدبر ، وهو المعلق عتقه بموت سيده ، كذا قالوا . قلت : التدبير لغة : النظر فيما يؤول إليه عاقبته ، وشرعا : التدبير تعليق العتق بمطلق موته ، كقوله : إذا مت فأنت حر ، أو أنت حر يوم أموت ، أو أنت حر عن دبر مني ، أو أنت مدبر أو دبرتك ، أو قال : أعتقتك بعد موتي ، أو أنت عتيق ، أو معتق ، أو محرر بعد موتي ، أو إن مت فأنت حر ، أو إن حدث لي حدث فأنت حر ؛ لأن الحدث يراد به الموت عادة ، وكذا إذا قال : أنت حر مع موتي أو في موتي ، فهذه كلها ألفاظ التدبير المطلق ، فالحكم فيها أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ، ولكنه يستخدم ويؤجر . والأمة توطأ وتنكح وتعتق بموت المولى من ثلثه ، وإن مات فقيرا يسعى في ثلثي قيمته ، ويسعى في جميع قيمته إن مات المولى مديونا مستغرقا . وأما ألفاظ التدبير المقيد فهي كقوله : إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا ، فأنت حر ، فحكمه أنه يجوز بيعه بالإجماع ، فإن وجد الشرط عتق ، وقال الشافعي وأحمد : يجوز بيع المدبر بكل حال ، وقال القرطبي وغيره : اتفقوا على مشروعية التدبير ، واتفقوا على أنه من الثلث ، غير الليث بن سعد وزفر ، فإنهما قالا : من رأس المال . واختلفوا هل هو عقد جائز أو لازم ؟ فمن قال : لازم ، منع التصرف فيه إلا بالعتق ، ومن قال : جائز ، أجاز ، وبالأول قال مالك والأوزاعي والكوفيون ، وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث . 173 - حدثنا ابن نمير قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا إسماعيل ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : باع النبي - صلى الله عليه وسلم - المدبر . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمد بن عبد الله بن نمير ، بضم النون وفتح الميم ، وهو مصغر نمر الحيوان المشهور . الثاني : وكيع بن الجراح الرواسي . الثالث : إسماعيل بن أبي خالد ، واسم أبي خالد سعد ، ويقال هرمز ، ويقال كثير . الرابع : سلمة بن كهيل ، مصغر كهل ، الحضرمي ، كان ركنا من الأركان ، مات سنة إحدى وعشرين ومائة . الخامس : عطاء بن أبي رباح . السادس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه ووكيعا وإسماعيل وسلمة كلهم كوفيون ، وأن عطاء مكي ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم : إسماعيل ، وسلمة ، وعطاء ، فإسماعيل وسلمة قريبان من صغار التابعين ، وعطاء من أوساطهم ، وفيه ثلاثة ذكروا مجردين بلا نسبة ، وفيه أن شيخه ذكر منسوبا إلى جده . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في العتق عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني ، وفيه وفي البيوع عن محمود بن غيلان ، وفيه وفي القضاء عن عبد الأعلى بن واصل ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، كلاهما عن وكيع عن إسماعيل به . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به الشافعي وأحمد لما ذهبا إليه من جواز بيع المدبر بكل حال ، وقد مر الكلام فيه مستوفى بما فيه الكفاية في باب بيع المزايدة . قوله : « المدبر » ، أي : المدبر الذي كان للرجل المحتاج قد ذكرنا هناك أن الذي اشتراه نعيم ، واسم المدبر يعقوب ، واسم سيده أبو مذكور ، والثمن ثمانمائة درهم .
174 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يقول : باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا طريق آخر أخرجه عن قتيبة بن سعيد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وفي رواية الحميدي : حدثنا عمرو بن دينار ، هكذا أورده مختصرا ولم يذكر من يعود عليه الضمير ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن سفيان ، فزاد في آخره يعني المدبر ، وأخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم ، وأبي بكر بن أبي شيبة جميعا عن سفيان ، بلفظ : دبر رجل من الأنصار غلاما له لم يكن له مال غيره ، فباعه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاشتراه ابن النحام عبدا قبطيا . مات عام أول في إمارة ابن الزبير ، وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه ، وقد أخرجه البخاري - رضي الله تعالى عنه - في كفارات الأيمان ، من طريق حماد بن زيد ، عن عمرو نحوه ، ولم يقل فيه : في إمارات ابن الزبير ولا عين الثمن .
باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات أي : هذا باب يذكر فيه الحلال بين إلى آخره . 5 - حدثني محمد بن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن الشعبي قال : سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ح ، وحدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا ابن عيينة ، عن أبي فروة ، عن الشعبي قال : سمعت النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ح وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا ابن عيينة ، عن أبي فروة قال : سمعت الشعبي قال : سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ح وحدثنا محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان ، عن أبي فروة ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه . مطابقته للترجمة من حيث إنها جزء من الحديث . ( ذكر رجاله ) وهم أحد عشر رجلا ؛ لأنه أخرجه من أربع طرق : الأول : عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن أبي عدي بفتح العين المهملة وكسر الدال ، واسم أبي عدي إبراهيم مولى بني سليم بن القساملة ، عن عبد الله بن عون بفتح العين المهملة وسكون الواو ابن أرطبان ، عن عامر بن شراحيل الشعبي ، عن النعمان بن بشير . الثاني : عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي فروة بفتح الفاء وسكون الراء واسمه عروة بن الحارث المشهور بأبي فروة الكبير ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير . الثالث : عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، عن سفيان بن عيينة إلى آخره . الرابع : عن محمد بن كثير ضد القليل ، عن سفيان الثوري ، عن أبي فروة إلى آخره . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في ثمانية مواضع ، وفيه السماع في أربعة مواضع ، وفيه القول عن الراوي في موضع ، وفيه أن هذه الطرق والتحويلات للتقوية والتأكيد سيما إذا كان فيه لفظ سمعت ، وفيه أن محمد بن المثنى وابن أبي عدي ، ومحمد بن كثير ، وابن عون بصريون ، وعبد الله بن محمد بخاري ، وابن عيينة مكي ، والشعبي وأبو فروة وسفيان الثوري كوفيون . وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره في كتاب الإيمان في باب من استبرأ لدينه فإنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن زكريا ، عن عامر ، عن النعمان بن بشير ، وقد مر الكلام فيه مستقصى غاية الاستقصاء .
( باب صاحب السلعة أحق بالسوم ) أي هذا باب في بيان أن صاحب السلعة أي المتاع أحق بالسوم بفتح السين وسكون الواو ، أي أحق بذكر قدر الثمن وتقديره ، يقال : سام البائع السلعة عرضها على البيع ، وذكر ثمنها ، وسامها المشتري بمعنى استامها سوما يعني يسأل شراءها ، وقال ابن بطال : لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة ، وأن متولي السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم من طالب شرائها ، وبعضهم نقل كلام ابن بطال هذا ، ثم قال : لكنه ليس ذلك بواجب . انتهى . ( قلت ) : لا معنى لهذا الاستدراك ؛ لأن ابن بطال قد صرح بالأولوية ، وهو لا يفهم منه الوجوب أصلا ، حتى يقال : لكن كذا . 58 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم . وفيه خرب ونخل . مطابقته للترجمة في قوله : " ثامنوني " ؛ لأن معناه قدروا لي ثمن حائطكم أي قيمته ، وثامنه بكذا أي قدر معه الثمن . وعبد الوارث هو ابن سعيد ، والتياح بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة ، واسمه يزيد بن حميد ، والإسناد كله بصريون . وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب نبش قبور المشركين ؛ فإنه أخرجه هناك مطولا ، عن مسدد ، عن عبد الوارث الخ ، وهاهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري ، عن عبد الوارث ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " يا بني النجار " هم قبيلة من الأنصار . قوله : " بحائطكم " وهذا الحائط الذي بني فيه مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : " وفيه خرب "
( باب بيع الرقيق ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الرقيق . 172 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرنا ابن محيريز أن أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - أخبره ، أنه بينما هو جالس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا رسول الله إنا نصيب سبيا فنحب الأثمان ، فكيف ترى في العزل ؟ فقال : أو إنكم تفعلون ذلك ؟ لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم ، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع عن بيع السبي لما قالوا : « إنا نصيب السبي فنحب الأثمان » ، والأثمان لا تجيء إلا بالبيع ، والسبي فيه الرقيق وغيره . وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن حمزة الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم ، وقد تكرر ذكرهم ، وابن محيريز بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وكسر الراء ، وفي آخره زاي ، وهو عبد الله بن محيريز الجمحي القرشي اليمامي ، يكنى أبا محيريز ، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في النكاح عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل ، عن جويرية ، عن مالك ، وفي القدر عن حبان بن موسى ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، كلاهما عن الزهري عنه به ، وفي المغازي عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، وفي العتق عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، كلاهما عن ربيعة بن عبد الرحمن ، وفي التوحيد عن إسحاق بن عفان ، وأخرجه مسلم في النكاح عن عبد الله بن محمد به ، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر ، وعن محمد بن الفرج ، وفيه قصة لأبي صرمة ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك ، وأخرجه النسائي في العتق عن علي بن حجر به ، وعن عمرو بن منصور ، وعن هارون بن سعيد الأيلي ، وعن عبد الملك بن شعيب ، وعن يحيى بن أيوب ، وفي عشرة النساء عن عباس بن عبد العظيم ، وعن كثير بن عبيد ، وفيه وفي النعوت عن هارون بن عبد الله . ( ذكر معناه ) قوله : « إنا نصيب سيبا » ، أي : نجامع الإماء المسبية ونحن نريد أن نبيعهن ، فنعزل الذكر عن الفرج وقت الإنزال حتى لا ينزل فيه دفعا لحصول الولد المانع من البيع ، إذ أمهات الأولاد حرام بيعها ، وكيف تحكم في العزل أهو جائز أم لا ؟ واختلف فيه : أهل كانوا أهل كتاب أم لا ؟ على قولين . وقال أبو محمد الأصيلي : كانوا عبدة أوثان ، وإنما جاز وطؤهن قبل نزول وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، وقال الداودي : كانوا أهل كتاب فلم يحتج فيهن إلى ذكر الإسلام . وقال ابن التين : والظاهر الأول لقوله في بعض طرقه « فأصبنا سبيا من سبي العرب » ، ثم نقل عن الشيخ أبي محمد أنه كان أسر في بني المصطلق أكثر من سبعمائة ، ومنهم جويرية بنت الحارث أعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها ، ولما دخل بها سألته في الأسرى فوهبهم لها رضي الله تعالى عنها . قوله : « أو أنكم تفعلون ذلك » على التعجب منه ، وذلك إشارة إلى العزل . قوله : « لا عليكم أن لا تفعلوا » ، أي : ليس عدم الفعل واجبا عليكم ، وقال المبرد : كلمة « لا » زائدة ، أي : لا بأس عليكم في فعله ، وأما من لم يجوز العزل فقال : لا نفي لما سألوه . « وعليكم أن لا تفعلوا كلام » مستأنف مؤكد له . وقال النووي : معناه ما عليكم ضرر في ترك العزل ؛ لأن كل نفس قدر الله تعالى خلقها لا بد أن يخلقها سواء عزلتم أم لا. قوله : « نسمة » بفتح النون والسين المهملة ، وهو كل ذات روح ، ويقال : النسمة النفس والإنسان ، ويراد بها الذكر والأنثى ، والنسم الأرواح ، والنسيم الريح الطيبة . قوله : « إلا هي خارجة » ويروى : إلا وهي خارجة ، بالواو ، أي : جف القلم بما يكون . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه السؤال عن العزل من الإماء ، وأجاب بأن ما قدر من النسمة يكون ، وفي حديث النسائي : سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العزل ، فقال : إن امرأتي مرضع وأنا أكره أن تحمل ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "ما قدر في الرحم سيكون" . وروى أبو داود من حديث جابر ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إن لي جارية أطوف عليها وأكره أن تحمل ، فقال : اعزل عنها إن شئت ، فإنه سيأتيها ما قدر لها . وروى الترمذي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه : قلنا يا رسول الله إنا كنا نعزل ، فزعمت اليهود أنها الموؤودة الصغرى ، فقال :« كذبت اليهود ؛ إن الله إذا أراد أن يخلقه لم تمنعه» . ثم إن هذا السبي المذكور في الحديث كان من سبي هوازن ، وذلك يوم حنين سنة ثمان ؛ لأن موسى بن عقبة روى هذا الحديث عن ابن محيريز عن أبي سعيد ، فقال : أصبنا سبيا من سبي هوازن ، وذلك يوم حنين سنة ثمان ، قال القرطبي : وهم موسى بن عقبة في ذلك ، ورواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال : لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العزل ، فقال :« ليس من كل الماء يكون الولد» . وروى من حديث ابن محيريز قال : دخلت أنا وأبو الصرمة على أبي سعيد الخدري ، فسأله أبو الصرمة ، فقال : يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر العزل ، فقال : نعم ، غزونا مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - غزوة المصطلق ، فسبينا كرائم العرب ، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء ، فأردنا أن نستمتع ونعزل ، فقلنا نفعل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا لا نسأله ؟! فسألنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم فقال :« لا عليكم أن لا تفعلوا ؛ ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون» . قوله : « غزوة المصطلق » ، أي : بني المصطلق ، وهي غزوة المريسيع ، قال القاضي : قال أهل الحديث : هذا أولى من رواية موسى بن عقبة أنه في غزوة أوطاس ، وكانت غزوة بني المصطلق في سنة ست أو خمس أو أربع ، وفيه في قوله :« فنحب الأثمان» دلالة على عدم جواز بيع أمهات الأولاد ، وهو حجة على داود وغيره ممن يجوز بيعهن . وفيه إباحة العزل عن الأمة ، قال الرافعي : يجوز العزل في الأمة قطعا ، وحكي في البحر فيه وجهان . وأما الزوجة فالأصح جوازه عند الشافعية ولكنه يكره ، ومنهم من جوزه عند إذنها ومنعه عند عدمه ، وهو مذهب الحنفية أيضا . وذكر بعض العلماء أربعة أقوال الجواز وعدمه ، ومذهب مالك جوازه في التسري ، وفي الحرة موقوف على إذنها وإذن سيدها إن كانت للغير ، ورابعها يجوز برضى الموطوءة كيف ما كانت ، وحجة من أجاز حديث جابر : « كنا نعزل والقرآن ينزل فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينهنا » ، وحجة من منع : أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما سئل عنه قال :« ذلك الوأد الخفي» . وفيه دلالة على أن الولد يكون مع العزل ، وفي التوضيح : ولهذا صحح أصحابنا أنه لو قال : وطئت وعزلت ، لحقه الولد على الأصح .
( باب كم يجوز الخيار ) أي هذا باب يذكر فيه كم يجوز الخيار ، هكذا هو التقدير ؛ لأن الباب منون ، ولكن ليس في حديثي الباب بيان لذلك ، قيل : لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يعرض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك . ( قلت ) : فعلى هذا كان ينبغي أن لا يذكر في الترجمة لفظة كم التي هي استفهامية بمعنى أي عدد ، ثم معنى الخيار ، قال ابن الأثير : الخيار اسم من الاختيار ، وهو طلب خير الأمرين ، إما إمضاء البيع أو فسخه ، قال بعضهم : وهو خياران خيار المجلس وخيار الشرط . ( قلت ) : قال ابن الأثير : الخيار على ثلاثة أضرب ؛ خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار النقيصة . وبيَّن الكل ، فقال : وأما خيار النقيصة فأن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد ، أو يلتزم البائع فيه شرطا لم يكن فيه . انتهى . 59 - حدثنا صدقة قال : أخبرنا عبد الوهاب قال : سمعت يحيى قال : سمعت نافعا ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا ، قال نافع : وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه . قد ذكرنا الآن أنه ليس في هذا الحديث ولا في الذي بعده بيان مقدار مدة الخيار ، وليس فيهما إلا بيان ثبوت الخيار ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله : " كم يجوز الخيار " أي كم يخير أحد المتبايعين الآخر مرة ، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام " ويختار ثلاث مرار " ، لكنه لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته . انتهى . ( قلت ) : هذا الاحتمال الذي ذكره لا يساعد البخاري في ذكره لفظة كم ؛ لأن موضوعها للعدد ، والعدد في مدة الخيار ، لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر ، وليس في حديثي الباب ما يدل على هذا ، وقوله : " وأشار إلى زيادة همام " لا يفيد ؛ لأنه يعقد ترجمة ، ثم يشير إلى ما تتضمنه الترجمة في باب آخر ، وهذا مما لا يفيده . ورجال الحديث كلهم ذكروا ، وصدقة - بالفتحات - هو ابن الفضل المروزي ، من أفراده ، ومضى ذكره في باب العلم بالليل . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، ويحيى بن سعيد الأنصاري . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن محمد بن المثنى وابن أبي عمر ، كلاهما عن عبد الوهاب . وأخرجه الترمذي فيه عن واصل بن عبد الأعلى . وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن علي ، عن الثقفي . وعن علي بن حجر . ( ذكر معناه ) : قوله : " إن المتبايعين بالخيار " هكذا في رواية الأكثرين على الأصل ، وحكى ابن التين عن القابسي " إن المتبايعان " قال : وهي لغة . ( قلت ) : هذه لغة بلحارث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائما . وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه " البيعان " بتشديد الياء آخر الحروف ، وقد ذكرنا في باب إذا بين البائعان أن البيع بمعنى البائع كالضيق بمعنى الضائق . قوله : " ما لم يتفرقا " مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : " أو يكون البيع خيارا " كلمة " أو " بمعنى إلا أن ، و " يكون " بالنصب ، أراد أن يكون البيع بخيار ، وقال الترمذي : معناه أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا خيره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيار في فسخ البيع وإن لم يتفرقا ، ثم قال الترمذي : وهكذا فسره الشافعي وغيره . ( قلت ) : وممن فسره بذلك الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه ، حكاه ابن المنذر في ( الأشراف ) عنهم . وقال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : وفي تأويل ذلك قولان : أحدهما : أن المراد إلا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ، فلا ينقضي الخيار بفراق المجلس ، بل يمتد إلى انقضاء خيار الشرط . والقول الثاني : أن المراد إلا بيعا شرط فيه نفي خيار المجلس ؛ فإنه ينعقد في الحال وينقضي خيار المجلس . قال : وهذا وجه لأصحابنا ، والصحيح الذي ذكره الترمذي . ( قلت ) : روى الطحاوي حديث ابن عمر هذا ، ولفظه : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، وربما قال : أو يكون بيع خيار ، وقال أصحابنا : المعنى كل بيعين فلا بيع بينهما حاصل ، إلا في صورتين ، إحداهما عند التفرق ، إما بالأقوال وإما بالأبدان ، والأخرى عند وجود شرط الخيار لأحد المتبايعين بأن يشترط أحدهما الخيار ثلاثة أيام أو نحوها ، وإلى هذا ذهب الليث وأبو ثور . وقالت طائفة : معنى هذا الكلام أن يقول أحد المتبايعين بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه ، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهما ، وإن لم يتفرقا ، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ، وروي ذلك عن الشافعي ، وكان أحمد يقول : هما بالخيار أبدا ، قالا هذا القول أو لم يقولا ، حتى يتفرقا بأبدانهما من مكانهما . قوله : " قال نافع " إلى آخره هو موصول بالإسناد المذكور ، وإنما كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم العقد ، وقد ذكره مسلم أيضا ، فقال : قال نافع : فكان - يعني ابن عمر - إذا بايع رجلا وأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هنيهة ، ثم رجع إليه ، وذكره الترمذي أيضا ، فقال : قال - أي نافع - : كان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد ، قام ليجب له .
60 - حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يفترقا . قد ذكرنا ما يتعلق بالترجمة عن قريب ، وقد مضى هذا الحديث عن قريب في باب إذا بين البائعان ؛ فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل إلى آخره ، وهنا أخرجه عن حفص بن عمر بن الحارث الأزدي - وهو من أفراده - عن همام بن يحيى الأزدي البصري ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، واسمه صالح بن أبي مريم . قوله : عن أبي الخليل وفي رواية شعبة التي تأتي بعد باب عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل وفي رواية أحمد ، عن غندر ، عن شعبة عن قتادة : سمعت أبا الخليل .
وزاد أحمد قال : حدثنا بهز . قال : قال همام : فذكرت ذلك لأبي التياح ، فقال : كنت مع أبي الخليل لما حدثه عبد الله بن الحارث بهذا الحديث . ذكر عن أبي المعالي أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع أن أحمد هذا هو ابن حنبل ، وبهز - بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي - ابن راشد مر في باب الغسل بالصاع ، وهمام هو ابن يحيى ، وأبو التياح اسمه يزيد ، وقد مر عن قريب ، وهذا الطريق وصله أبو عوانة في ( صحيحه ، عن أبي جعفر الدارمي ، واسمه أحمد بن سعيد ، عن بهز به .
باب بيع الورق بالذهب نسيئة أي هذا باب في بيان حكم بيع الورق أي : الفضة بالذهب حال كونه نسيئة أي : مؤجلا . 127 - حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني حبيب بن أبي ثابت قال : سمعت أبا المنهال قال : سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم - رضي الله عنهم - عن الصرف ، فكل واحد منهما يقول : هذا خير مني ، فكلاهما يقول : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالورق دينا . مطابقته للترجمة في قوله : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالورق دينا أي : نسيئة ( فإن قلت ) : كيف هذه المطابقة والترجمة : بيع الورق بالذهب ، والحديث عكسه ، وهو بيع الذهب بالورق ( قلت ) : الباء تدخل على الثمن إذا كان العوضان غير النقدين اللذين هما للثمنية ، أما إذا كانا نقدين فلا تفاوت في أيهما دخلت ، فهما في المعنى سواء ، وقد مضى الحديث في باب التجارة في البر ، فإنه أخرجه هناك ، عن الفضل بن يعقوب ، عن الحجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار وعامر بن مصعب ، كلاهما عن أبي المنهال يقول : سألت البراء بن العازب وزيد بن أرقم ، الحديث . قوله : عن الصرف أي : بيع الدراهم بالذهب أو عكسه . قوله : هذا خير مني ، وفي رواية سفيان قال : والق زيد بن أرقم فاسأله فإنه كان أعظمنا تجارة ، فسألته ، الحديث . وفي الحديث ما كانت الصحابة عليه من التواضع وإنصاف بعضهم بعضا ومعرفة بعضهم حق الآخر .
باب تفسير المشبهات أي : هذا باب في بيان تفسير المشبهات بضم الميم وفتح الشين المعجمة والباء الموحدة المشددة المفتوحة جمع مشبهة ، وهي التي يأتي فيها من شبه طرفين متخالفين فيشبه مرة هذا ومرة هذا ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أي : اشتبه ، وفي بعض النسخ : باب تفسير المشتبهات من اشتبه من باب الافتعال ، وفي بعضها : باب تفسير الشبهات بضم الشين والباء جمع شبهة . وقال الخطابي : كل شيء يشبه الحلال من وجه والحرام من وجه هو شبهة ، والحلال اليقين ما علم ملكه يقينا لنفسه والحرام البين ما علم ملكه لغيره يقينا ، والشبهة ما لا يدري أهو له أو لغيره فالورع اجتنابه . ثم الورع على أقسام واجب كالذي قلناه ، ومستحب كاجتناب معاملة من أكثر ماله حرام ، ومكروه كالاجتناب عن قبول رخص الله والهدايا ومن جملته أن يدخل الرجل الخراساني مثلا بغداد ويمتنع من التزوج بها مع الحاجة إليه يزعم أن أباه كان ببغداد فربما تزوج بها وولد له بنت فتكون هذه المنكوحة أختا له . وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . حسان بن الحسن أو الحسين بن أبي سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون ينصرف ولا ينصرف هذا التعليق رواه أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا محمد بن أحمد بن أحمد بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو رسته قال : حدثنا زهير بن نعيم البابي قال : اجتمع يونس بن عبيد ، وحسان بن أبي سنان يعني أبا عبد الله عابد أهل البصرة فقال يونس : ما عالجت شيئا أشد علي من الورع فقال حسان : ما عالجت شيئا أهون علي منه ، قال يونس : كيف قال حسان : تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت ، وأيضا قال : حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي قال : كتب إلينا ضمرة عن عبد الله بن شوذب قال : قال حسان بن أبي سنان ما أيسر الورع إذا شككت في شيء فاتركه . قلت : لفظ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك صح من حديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد وشاهده حديث أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما الإيمان ؟ قال : إذا سرتك حسنة وساءتك سيئة فأنت مؤمن ، قال : يا رسول الله ما الإثم ؟ قال : إذا حك في صدرك شيء فدعه قوله : يريبك من الريب وهو الشك ورابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك . 6 - حدثنا محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان قال : أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال : حدثنا عبد الله بن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها أرضعتهما فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ، وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال : كيف وقد قيل : وقد كانت تحته ابنة أبي إهاب التميمي . مطابقته للترجمة في قوله : كيف وقد قيل : لأنه مشعر بإشارته صلى الله عليه وسلم إلى تركها ورعا ولهذا فارقها ففيه توضيح الشبهة وحكمها وهو الاجتناب عنها ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي وسفيان هو الثوري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب العلم في باب الرحلة في المسألة النازلة ، وأخرجه هناك عن محمد بن مقاتل عن عبد الله ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين ، عن عبد الله بن أبي مليكة إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : أرضعتهما أي : أرضعت عقبة وامرأته ابنة أبي إهاب بكسر الهمزة وتخفيف الهاء وبالباء الموحدة ، واسم هذه المرأة غنية بنت أبي إهاب ذكره الزبير ، وروى الترمذي هذا الحديث ولفظه : قال عقبة : تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت : إني أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت : إني أرضعتكما ، وهي كاذبة ، قال : فأعرض عني فقال : فأتيته من قبل وجهه فقلت : إنها كاذبة قال : وكيف بها فقد زعمت أنها أرضعتكما دعها عنك ثم قال الترمذي : والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وغيرهم أجازوا شهادة المرأة الواحدة في الرضاع ، وقال ابن عباس : تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع ويؤخذ بيمينها ، وبه يقول أحمد وإسحاق : وقد قال بعض أهل العلم : لا تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع حتى يكون أكثر ، وهو قول الشافعي . وقال صاحب التلويح : ذهب جمهور العلماء إلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أفتاه بالتحرز من الشبهة وأمره بمجانبة الريبة خوفا من الإقدام على فرج يخاف أن يكون الإقدام عليه ذريعة إلى الحرام ؛ لأنه قد قام دليل التحريم بقول المرأة لكن لم يكن قاطعا ولا قويا لإجماع العلماء على أن شهادة امرأة واحدة لا تجوز في مثل ذلك لكنه أشار عليه بالأحوط يدل عليه أنه لما أخبره أعرض عنه فلو كان حراما لما أعرض عنه بل كان يجيبه بالتحريم لكنه لما كرر عليه مرة بعد أخرى أجابه بالورع انتهى قلت : قوله : لإجماع العلماء على أن شهادة امرأة واحدة لا تجوز في مثل ذلك غلط يظهر من كلام الترمذي ، وأنه متبع في ذلك ابن بطال .
8 - حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني عبد الله بن أبي السفر ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال : إذا أصاب بحده فكل ، وإذا أصاب بعرضه فقتل فلا تأكل فإنه وقيذ قلت : يا رسول الله أرسل كلبي واسمي فأجد معه على الصيد كلبا آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما أخذ قال : لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر . مطابقته للترجمة من حيث إنه لا يدرى حله أو حرمته ويحتملان فلما كان له شبها بكل واحد منهما كان الأحسن التنزه كما فعل الشارع في التمرة الساقطة ، وقد مضى الحديث في كتاب الوضوء في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان فإنه أخرجه هناك عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن ابن أبي السفر ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم إلى آخره ، وهنا أخرجه ، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن شعبة بن الحجاج ، عن ابن أبي السفر ضد الحضر ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى ، والمعراض بكسر الميم ضد المطوال وهو سهم لا ريش عليه ، وفيه خشبة ، وقيل : ثقيلة أو عصى ، وقيل : هو عود دقيق الطرفين غليظ الوسط إذا رمى به ذهب مستويا . قوله : « وقيذ » فعيل بمعنى الموقوذ بالذال المعجمة وهو المقتول بالخشب ، وقيل : هو الذي يقتل بغير محدد من عصى أو حجر أو غيرهما والله أعلم .
7 - حدثنا يحيى بن قزعة قال : حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت : فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص ، وقال : ابن أخي قد عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال : أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد : يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إلي فيه فقال عبد بن زمعة : أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه توضيح الشبهة والاجتناب عنها ولذلك قال لسودة احتجبي منه . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا كلهم ، ويحيى بن قزعة بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات قد مر في آخر الصلاة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الفرائض ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي الأحكام عن إسماعيل بن عبد الله وفي الوصايا ، وفي المغازي عن القعنبي كلهم عن مالك به ، وأخرجه أيضا في باب شراء المملوك من الحربي عن قتيبة بن سعيد ، وأخرجه مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث ، وحدثنا محمد بن رمح قال : أخبرنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد : هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال : هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة فلم ير سودة قط وأخرجه النسائي في الطلاق عن قتيبة . ( ذكر بيان الأسامي الواقعة فيه ) عتبة بضم العين وسكون التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة ابن أبي وقاص ذكره العسكري في الصحابة ، وقال : كان أصاب دما في قريش وانتقل إلى المدينة قبل الهجرة ومات في الإسلام وكذا قال أبو عمر وجزم به الذهبي في معجمه فأخطأ ، ولم يذكره الجمهور في الصحابة وذكره ابن منده فيهم واحتج بوصيته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة ، وأنكره أبو نعيم وقال : هو الذي شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته يوم أحد وما علمت له إسلاما ولم يذكره أحد من المتقدمين في الصحابة ، وقيل : إنه مات كافرا ، وروى معمر عن عثمان الجزري ، عن مقسم أن عتبة لما كسر رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليه فقال : اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا ، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة ، وعتبة هذا أخو سعد بن أبي وقاص لأخيه وأبو وقاص اسمه مالك بن أهيب ، ويقال : وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي أبو إسحاق الزهري أحد العشرة المبشرة بالجنة يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة ، ويقال له : فارس الإسلام ، مات سنة خمس وخمسين وهو المشهور في قصره بالعقيق ، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة ودفن بالبقيع وهو آخر العشرة وفاة ، وكان عمره حين مات بضعا وسبعين سنة ، وقيل : ثلاثا وثمانين ، وقيل : غير ذلك ، وأمه حمنة بنت سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس ، وقيل : بنت أبي سفيان ، وقيل : بنت أبي أسد ، وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر ، وقال أبو نعيم : عبد زمعة بن الأسود العامري أخو سودة أم المؤمنين كان شريفا سيدا من سادات الصحابة ، قال الذهبي : كذا نسبه أبو نعيم فوهم إنما هو ابن زمعة بن قيس وزمعة بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات ، وقيل : بسكون الميم والولد المتنازع فيه : اسمه عبد الرحمن بن زمعة بن قيس ، وكانت أمه من موالي اليمن ولعبد الرحمن هذا عقب بالمدينة ، وله ذكر في الصحابة ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري هو ابن وليد زمعة صاحب القصة ، وسودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية أم المؤمنين ، يقال : كنيتها أم الأسود ، وأمها الشموس بنت قيس تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة رضي الله عنها ، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهل بن عمرو روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنها عبد الله بن عباس ، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد ، ويقال ابن أسعد بن زرارة الأنصاري ، ماتت في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ( ذكر معناه ) قوله : عهد إليه : أي أوصى إليه ، قوله : وابن وليدة الوليدة الجارية ، وجمعا ولائد ، وقال الجوهري : الوليدة الصبية ، وقال ابن الأثير : تطلق الوليدة على الجارية والأمة ، وإن كانت كبيرة والوليد الطفل ، ويجمع على ولدان ، والأنثى وليدة ، وفي الحديث : تصدقت أمي بوليدة : أي جارية ، قوله: فاقبضه من جملة كلام عتبة لأخيه سعد : أي فاقبض ابن وليدة زمعة ، وقوله : ابن أخي : أي هو ابن أخي عتبة ، قد عهد إلي فيه : أي في الابن المذكور ، قوله : فقال عبيد بن زمعة : أخي : أي هو أخي وابن وليدة أبي : أي ابن جاريته ولد على فراشه ، قوله : فتساوقا : أي بعد أن تنازعا وتخاصما فيه ذهبا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سائقين . قوله : هو لك اختلف في معناه على قولين : أحدهما : معناه هو أخوك قضاء منه - صلى الله عليه وسلم - بعلمه لا بالاستلحاق ؛ لأن زمعة كان صهره - صلى الله عليه وسلم - وسودة ابنته كانت زوجته - صلى الله عليه وسلم - فيمكن أن يكون - صلى الله عليه وسلم - علم أن زمعة كان يمسها . والثاني : معناه هو لك يا عبد ملكا ؛ لأنه ابن وليدة زمعة ، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد ، ولم يقر زمعة ولا شهد عليه والأصول تدفع قول أبيه فلم يبق إلا أنه عبد تبعا لأمه قاله ابن جرير ، وقال الطحاوي : معنى هو لك : أي بيدك لا ملك له ، لكنك تمنع منه غيرك ، كما قال للملتقط : أي في اللقطة : هي لك : أي بيدك تدفع عنها حتى تأتيها صاحبها إلا أنها ملك لك ، ولا يجوز أن يضاف إلى الرسول أنه جعله ابنا لزمعة ، وأمر أخته أن تحتجب منه ، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه وهو سودة لم يجعله أخاها وأمرها أن تحتجب منه انتهى . ( قيل ) : فيه نظر ؛ لأن في رواية البخاري في المغازي : هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه ؟ ( قلت ) : في مسند أحمد وسنن النسائي ليس لك بأخ ، ( فإن قلت ) : أعل هذه الزيادة البيهقي والمنذري والمازري ، ( قلت ) : الحاكم استدركها وصحح إسنادها ، قوله : يا عبد بن زمعة ، يجوز رفعه على النعت ، ونصبه على الموضع ويجوز في عبد ضم داله على الأصل وفتحه إتباعا لنون ابن ، وقيل : الرواية فيه هو لك عبد بإسقاط حرف النداء الذي هو يا ، ونسب القرطبي هذا القول إلى بعض الحنفية ، فقال : قد وقع لبعض الحنفية عبد بغير ياء ، ومعناه : هو لك ؛ لأنه ابن أمة أبيك فترث هذا الولد وأمه ثم رده القرطبي بقوله : الرواية بإثبات ياء النداء وعبد هنا اسم علم منادى يريد به عبد الذي هو ابن زمعة ، وليئن سلمنا الرواية بغير ياء فالمخاطب هو عبد بن زمعة وهو بلا شك منادى إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام كما في قوله تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وهذا كثير . قوله : الولد للفراش : أي لصاحب الفراش ، إنما قال - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذلك عقيب حكمه لعبد بن زمعة ، إشارة بأن حكمه لم يكن بمجرد الاستلحاق بل بالفراش ، فقال : الولد للفراش وأجمعت جماعة من العلماء بأن الحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء ، وإمكان الحمل ، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء ، والحمل فالولد لصاحب الفراش ، لا ينتفي عنه أبدا بدعوى غيره ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان . واختلف الفقهاء في المرأة يطلقها زوجها من حين العقد عليها بحضرة الحاكم والشهود فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدا من ذلك الوقت عقيب العقد فقال مالك ، والشافعي : لا يلحق به لأنها ليست بفراش له إذا لم يتمكن من الوطء في العصمة وهو كالصغير أو الصغيرة اللذين لا يمكن منهما الولد . وقال أبو حنيفة وأصحابه : هي فراش له ويلحق به ولدها واختلفوا في الأمة فقال مالك : إذا أقر بوطئها صارت فراشا إن لم يدع استبراء ألحق به ولدها وإن ادعى استبراء حلفه وبرئ من ولدها . وقال العراقيون : لا تكون الأمة فراشا بالوطء إلا بأن يدعي سيدها ولدها ، وأما إن نفاه فلا يلحق به سواء أقر بوطئها أو لم يقر وسواء استبرأ أو لم يستبرئ . قوله : وللعاهر الحجر العاهر الزاني وقد عهر يعهر عهرا وعهورا إذا أتى المرأة ليلا للفجور بها ثم غلب على الزنا مطلقا ، وقد عهر الرجل إلى المرأة ويعهر إذا أتاها للفجور وقد عيهرت هي وتعيهر إذا زنت والعهر الزنا ، ومنه الحديث : اللهم أبدله بالعهر العفة ثم معنى قوله : وللعاهر الحجر أن الزاني له الخيبة ولا حظ له في الولد والعرب تجعل هذا مثلا في الخيبة كما يقال : له التراب إذا أرادوا له الخيبة ، وقيل : الولد لصاحب الفراش من الزوج أو السيد وللزاني الخيبة والحرمان كقولك : ما لك عندي شيء غير التراب ، وما بيدك غير الحجر . وقال بعضهم : كني بالحجر عن الرجم ، وليس كذلك لأنه ليس كل زان يرجم ، وإنما يرجم المحصن خاصة ، قوله : احتجبي منه أشكل معناه قديما على العلماء فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرم الحلال ، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم ، وهو قول عبد الملك بن الماجشون إلا أن قوله : كان ذلك منه على وجه الاختيار والتنزه ، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها هذا قول الشافعي : وقالت طائفة : كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر فكأنه حكم بحكمين حكم ظاهر وهو الولد للفراش ، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبه كأنه قال : ليس بأخ لك يا سودة إلا في حكم الله تعالى فأمرها بالاحتجاب منه ، قوله : لما رأى من شبهه بعتبة هو بفتح الشين والباء وبكسر الشين مع سكون الباء . ( ذكر ما يستفاد منه ) أصل القضية فيه أنهم كانت لهم في الجاهلية إماء يبغين أي يزنين وكانت السادة تأتيهن في خلال ذلك فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدعيه السيد وربما يدعيه الزاني فإن مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره فادعاه ورثته به ولحق إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القسمة ، وإن كان السيد أنكره لم يلحق به وكان لزمعة بن قيس والد سودة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمة على ما وصف من أن عليها ضريبة وهو يلم بها فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة أخي سعد بن أبي وقاص وهلك كافرا فعهد إلى أخيه سعد قبل موته فقال : استلحق الحمل الذي بأمة زمعة فلما استلحقه سعد خاصمه عبد بن زمعة فقال سعد : هو ابن أخي يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ، وقال عبد بن زمعة : بل هو أخي ولد على فراش أبي يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام فقضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعبد بن زمعة إبطالا لحكم الجاهلية ثم الذي يستفاد منها على أنواع . منها أن أبا حنيفة أخذ من قوله : احتجبي منه أن من فجر بامرأة حرمت على أولاده ، وبه قال : أحمد وهو مذهب الأوزاعي والثوري ، وقال مالك ، والشافعي ، وأبو ثور : لا يحرم ، والاحتجاب للتنزيه ، وقال أصحابنا : الأمر للوجوب والحديث حجة عليهم ، ومنها ما قال أبو عمر الحكم للظاهر لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم حكم للولد بالفراش ولم يلتفت إلى الشبه ، وكذلك حكم في اللعان بظاهر الحكم ولم يلتفت إلى ما جاءت به على النعت المكروه وحكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطل لأمره سودة بالاحتجاب . ومنها أن الشافعي تمسك بقول عبد أخي على أن الأخ يجوز أن يستلحق الوارث نسبا للورثة بشرط أن يكون حائزا للإرث أو يستلحقه كل الورثة ، وبشرط أن يمكن كون المستلحق ولدا للميت ، وبشرط أن لا يكون معروف النسب من غيره ، وبشرط أن يصدقه المستلحق إن كان بالغا عاقلا ، وقال النووي : وهذه الشروط كلها موجودة في هذا الولد الذي ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم بزمعة حين استلحقه عبد قال : وتأول أصحابنا هذا بتأويلين أحدهما : أن سودة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذلك حتى يكون كل الورثة مستلحقين . والتأويل الثاني : أن زمعة مات كافرا فلم ترثه سودة لكونها مسلمة وورثه عبد وقال مالك : لا يستلحق إلا الأب خاصة لأنه لا ينزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته . ومنها أن الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة احتجوا بقوله : الولد للفراش أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به قالوا : لأن الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة فليس لهما إخراجه منه بلعان ولا غيره . وقال جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم : إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه ويلزم أمه ، وفيه تفصيل يعرف في الفروع واحتجوا في ذلك بما رواه نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين وألزم الولد أمه وهذا أخرجه الجماعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . فائدة حديث : الولد للفراش وللعاهر الحجر روي عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها رواه البخاري ومسلم والنسائي ، وعن عثمان بن عفان روى عنه الطحاوي أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد للفراش وأخرجه أبو داود في حديث طويل ، وعن أبي هريرة أخرجه مسلم من حديث ابن المسيب ، وأبي سلمة عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ورواه الترمذي والطحاوي أيضا . وعن أبي أمامة أخرجه ابن ماجه عنه مثله وأخرجه الطحاوي أيضا ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخرجه الشافعي في مسنده وابن ماجه في سننه من حديث عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالولد للفراش . وعن عمرو بن خارجة أخرجه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن غنم عنه أنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمنى الحديث ، وفيه : ألا لا وصية لوارث الولد للفراش وللعاهر الحجر . وعن عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قام رجل فقال : يا رسول الله إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وعن البراء وزيد بن أرقم أخرجه الطبراني من حديث أبي إسحاق عنهما قالا : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم الحديث ، وفي آخره : الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر ليس لوارث وصية . وعن عبد الله بن الزبير أخرجه النسائي وقد ذكرناه عن قريب ، وعن عبد الله بن مسعود أخرجه النسائي أيضا من حديث أبي وائل عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر .
118 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية فتعتقها ، فقال أهلها : نبيعكها على أن ولاءها لنا ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا يمنعك ذلك ، فإنما الولاء لمن أعتق . مطابقته للترجمة ظاهرة وهي في قوله : نبيعكها على أن ولاءها لنا ، وهذا الشرط باطل والترجمة فيه . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الفرائض ، عن إسماعيل وقتيبة ، فرقهما ، وأخرجه مسلم في العتق ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود في الفرائض ، والنسائي في البيوع ، جميعا عن قتيبة به ، والكلام فيه قد مر في الحديث الذي قبله ، وفي الباب الذي فيه الترجمة البيع والشراء مع النساء .
باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل أي هذا باب يذكر فيه إذا اشترط الشخص في البيع شروطا لا تحل . قوله : لا تحل صفة شروطا ، وليس هو جواب إذا ، وجواب إذا محذوف تقديره : لا يفسد البيع بذلك . 117 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : جاءتني بريرة فقالت : كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كل عام وقية ، فأعينيني ، فقلت : إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت ، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها ، فجاءت من عندهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فقالت : إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنما الولاء لمن أعتق ، ففعلت عائشة ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق . مطابقته للترجمة في قوله : ما بال رجال يشترطون إلى آخره ، وقد مضى هذا الحديث مختصرا في باب البيع والشراء مع النساء ، ومضى مطولا في كتاب الصلاة في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ، رواه عن عمرة ، عن عائشة ، وقد مر البحث فيه هناك مستقصى ، ولكن نذكر بعض شيء . قوله : أواق جمع أوقية وأصلها أواقي بتشديد الياء فحذفت إحدى الياءين تخفيفا والثانية على طريقة قاض ، وفي مقدار الأوقية خلاف . قوله : أن أعدها لهم أي : أعد تسع أواق لأهلك وأعتقك ويكون ولاؤك لي بأن يفسخ الكتابة لعجز المكاتب عن أداء النجوم . قوله : من عندهم ويروى : من عندها ، أي : من عند أهلها . قوله : جالس أي : عند عائشة . قوله : فقالت أي : بريرة . قوله : عرضت ذلك أي : ما قالته لها عائشة . قوله : فأبوا أي : امتنعوا . قوله : فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم – أي : ما قالته بريرة . قوله : فأخبرت عائشة قيل : ما الفائدة في إخبار عائشة حيث سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وأجيب بأنه سمع شيئا مجملا فأخبرته عائشة به مفصلا . قوله : فقال : خذيها أي : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذي بريرة أي : اشتريها . قوله : أما بعد أي : بعد حمد الله والثناء عليه . قوله : ما بال رجال هذا جواب أما ، والأصل فيه أن يكون بالفاء ، وقد تحذف . قوله : ما كان كلمة ما موصولة متضمنة معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في جوابه ، وهو قوله : فهو باطل . قوله : وإن كان مائة شرط مبالغة ، وقوله : شرط مصدر ليكون معناه مائة مرة ، حتى يوافق الرواية المصرحة بلفظ المرة . قوله : وشرط الله أوثق فيه سجع ، وهو من محسنات الكلام إذا لم يكن فيه تكلف ، وإنما نهى عن سجع الكهان لما فيه من التكلف . وقال النووي رحمه الله : هذا حديث عظيم كثير الأحكام والقواعد ، وفيه مواضع تشعبت فيها المذاهب . أحدها : أنها كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعها ، فاحتجت به طائفة من العلماء أنه يجوز بيع المكاتب ، وممن جوزه عطاء والنخعي وأحمد ، وقال ابن مسعود وربيعة وأبو حنيفة والشافعي وبعض المالكية ومالك في رواية عنه : لا يجوز بيعه ، وقال بعض العلماء : يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام ، وأجاب من أبطل بيعه عن حديث بريرة أنها عجزت نفسها وفسخوا الكتابة . الموضع الثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : اشتريها إلى آخره مشكل من حيث الشراء وشرط الولاء لهم وإفساد البيع بهذا الشرط ومخادعة البائعين وشرط ما لا يصح لهم ولا يحصل لهم وكيفية الإذن لعائشة ، ولهذا الإشكال أنكر بعض العلماء هذا الحديث بجملته ، وهذا منقول عن يحيى بن أكثم ، والجمهور على صحته ، واختلفوا في تأويله فقيل : اشترطي لهم الولاء أي : عليهم كما في قوله تعالى : وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي : وعليهم ، نقل هذا عن الشافعي والمزني ، وقيل : معنى اشترطي أظهري لهم حكم الولاء ، وقيل : المراد الزجر والتوبيخ لهم لأنهم لما ألحوا في اشتراطه ومخالفة الأمر قال لعائشة هذا بمعنى : لا تبالي سواء شرطته أم لا فإنه شرط باطل مردود ، وقيل : هذا الشرط خاص في قصة عائشة وهي قضية عين لا عموم لها . الثالث : أن الولاء لمن أعتق ، وقد أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه وأن يرث به ، وأما العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير ، وقال جماعة من التابعين : يرثه كعكسه . الرابع : أنه - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة في فسخ نكاحها ، وأجمعت الأمة على أنه إذا أعتقت كلها تحت زوجها ، وهو عبد ، كان لها خيار في فسخ النكاح ، فإن كان حرا فلا خيار لها عند الشافعي ومالك ، وقال أبو حنيفة : لها الخيار . الخامس : أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : كل شرط إلى آخره صريح في إبطال كل شرط ليس له أصل في كتاب الله تعالى ، وقام الإجماع على أن من شرط في البيع شرطا لا يحل أنه لا يجوز عملا بهذا الحديث ، واختلفوا في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة . فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز والشرط باطل ، على نص حديث بريرة ، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير وأبو ثور . وذهبت طائفة أخرى إلى جوازهما ، واحتجوا بحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في بيعه جمله واستثنائه حمله إلى المدينة ، وروي ذلك عن حماد وابن شبرمة وبعض التابعين . وذهبت طائفة ثالثة إلى بطلانهما ، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط ، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي ، وقد يجوز عند مالك البيع والشرط ، مثل أن يشترط البائع ما لم يدخل في صفقة البيع ، مثل أن يشتري زرعا ويشترط على البائع حصده ، أو دارا ويشترط سكناها مدة يسيرة ، أو يشترط ركوب الدابة يوما أو يومين ، وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع كله ، ومما أجازه مالك فيه البيع والشرط شراء العبد بشرط عتقه اتباعا للسنة في بريرة ، وبه قال الليث والشافعي في رواية الربيع ، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشرط ، وبه قال أبو ثور ، وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط ، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط ، ومما أجازه مالك فيه البيع وأبطل الشرط كشراء العبد على أن يكون الولاء للبائع ، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة ، وكذلك من باع سلعة وشرط أن لا ينقد المشتري الثمن إلى ثلاثة أيام ونحوها فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك ، وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط ، وممن أجاز هذا البيع الثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق ، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام وأكثر منها ، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام ، وإن قال إلى أربعة أيام بطل البيع ؛ لأن اشتراط الخيار بأكثر من ثلاثة أيام لا يجوز عنده ، وبه قال أبو ثور . ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط مثل أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها ، على أن يتخذها أم ولد ، فالبيع عنده فاسد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط ، وهذا قول الشعبي والنخعي والحسن وابن أبي ليلى وأبي ثور ، وقال حماد الكوفي : البيع جائز والشرط لازم ، ومما يبطل فيه البيع والشرط عند مالك والشافعي والكوفيين نحو بيع الأمة والناقة واستثناء ما في بطنها ، وهو عندهم من بيوع الغرر ، وقد أجاز هذا البيع والشرط النخعي والحسن وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها . ومما حكي عن عبد الوارث بن سعيد قال : قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، فسألت أبا حنيفة فقلت : ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا فقال : البيع باطل والشرط باطل ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال : البيع جائز والشرط باطل ، ثم أتيت ابن شبرمة فقال : البيع جائز والشرط جائز ، فقلت : سبحان الله ، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة ، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال : ما أدري ما قالا ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال : ما أدري ما قالا ، حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أشتري بريرة ، فاعتقيها ، البيع جائز والشرط باطل ، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال : ما أدري ما قالا ، حدثني مسعر بن كدام ، عن محارب بن دثار ، عن جابر بن عبد الله قال : بعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة فاشترط لي حملانها إلى المدينة ، البيع جائز والشرط جائز .
( باب إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع ) أي هذا باب يذكر فيه الخيار ، ولكن إذا لم يؤقت البائع أو المشتري زمانا في الخيار بيوم أو نحوه ، هل يجوز ذلك البيع ، وقال الكرماني : يعني إذا لم يوقت في البيع زمان الخيار بمدة هل يكون ذلك البيع لازما في تلك الحال أو جائزا ، ومعنى اللزوم أن لا يسعه الفسخ ، والجواز ضد ذلك . انتهى . ( قلت ) : لم يذكر جواب الاستفهام لما فيه من الخلاف . 61 - حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر . وربما قال : أو يكون بيع خيار . مطابقته للترجمة في مجرد ذكر الخيار ، ولكنه عن التوقيت ساكت ، وهو وجه آخر في حديث ابن عمر ، رواه عن أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني إلى آخره . وأخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه ، عن أبي الربيع وأبي كامل ، كلاهما عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، الحديث . قوله : " أو يقول أحدهما " معناه إلا أن يقول أحد البيعين لصاحبه : " اختر " بلفظ الأمر من الاختيار ، ولفظ " يقول " منصوب بأن ، وقال بعضهم : في إثبات الواو في " يقول " نظر ؛ لأنه مجزوم عطفا على قوله : " ما لم يتفرقا " . ( قلت ) : ظن هذا أن كلمة " أو " للعطف ، وليس كذلك ، بل بمعنى إلا أن كما ذكرنا ، ولم ينحصر معنى أو للعطف ، بل تأتي لاثني عشر معنى كما ذكره النحاة ، منها أنها تكون بمعنى إلى وينتصب المضارع بعدها بأن مضمرة ، نحو : لألزمنك أو تقضيني حقي ، والعجب من هذا القائل أنه لم يكتف بما تعسف في ظنه ، ثم وجهه بقوله : فلعل الضمة أشبعت ، كما أشبعت الياء في قراءة من قرأ إنه من يتقي ويصبر ، وترك المعنى الصحيح وذكره بالاحتمال ، فقال : ويحتمل أن يكون بمعنى " إلا أن " . قوله : " أو يكون بيع خيار " أي إلا أن يكون بيع خيار ، يعني بيع شرط الخيار فيه فلا يبطل بالتفرق .
باب بيع الذهب بالورق يدا بيد أي هذا باب في بيان حكم بيع الذهب بالورق حال كونه يدا بيد ، وهذه الترجمة عكس الترجمة السابقة ( فإن قلت ) : ذكر في تلك الترجمة نسيئة ، وفي هذه يدا بيد ، هل فيه زيادة نكتة ؟ ( قلت ) : نعم ، أما في تلك الترجمة فلأنه أخرجه هناك من وجه آخر ، عن أبي المنهال بلفظ : إن كان يدا بيد فلا بأس ، وإن كان نساء فلا يصلح ، وأما هنا فلأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي فيه ، فقد أخرجه مسلم ، عن أبي الربيع ، عن عباد الذي أخرجه البخاري من طريقه ، وفيه : فسأله رجل فقال : يدا بيد ، فلأجل هذه النكتة قال هناك نسيئة وقال هنا يدا بيد . 128 - حدثنا عمران بن ميسرة ، قال : حدثنا عباد بن العوام قال : أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء ، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا والفضة بالذهب كيف شئنا . مطابقته للترجمة من حيث إنه مختصر من الحديث الذي فيه ذكر يدا بيد كما ذكرنا الآن ، فاندفع قول من قال : ذكر في الترجمة يدا بيد وليس في الحديث ذلك ، وقد مضى هذا الحديث قبله بثلاثة أبواب في باب بيع الذهب بالذهب فإنه أخرجه هناك ، عن صدقة بن الفضل ، عن إسماعيل بن علية ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، وهنا أخرجه عن عمران بن ميسرة ضد الميمنة ، وهو من أفراده ، عن عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة ابن العوام بفتح العين المهملة وتشديد الواو ، عن يحيى بن أبي إسحاق إلى آخره . قوله : إلا سواء بسواء أي : متساويين . قوله : وأمرنا هو أمر إباحة . قوله : أن نبتاع أي : نشتري ، واحتج به على جواز بيع الربويات بعضها ببعض إذا كان سواء بسواء ويدا بيد ، وعند اختلاف الجنس يجوز كيف كان إذا كان يدا بيد ، وروى مسلم إذا اختلف الأجناس فبيعوا كيف شئتم .
( باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) أي هذا باب يذكر فيه البيعان بالخيار . وبه قال ابن عمر رضي الله عنهما . أي بخيار البيعين ما لم يتفرقا قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وقد مضى أن ابن عمر كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه ، وروى الترمذي من طريق ابن فضيل ، عن يحيى بن سعيد ، وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا ، وهو قاعد قام ليجب له ، وقد ذكرنا عن مسلم نحوه . وشريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة . " وشريح " بالرفع عطف على قوله : " ابن عمر " وما بعده عطف عليه ، وشريح - بضم الشين المعجمة وفي آخره حاء مهملة - ابن الحارث الكندي أبو أمية الكوفي ، أدرك النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يلقه ، استقضاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الكوفة ، وأقره علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأقام على القضاء ستين سنة ، مات سنة ثمان وسبعين . وقيل : سنة ثمانين ، وكان له عشرون ومائة سنة . وتعليق شريح وصله سعيد بن منصور عن هشيم ، عن محمد بن علي ، سمعت أبا الضحى يحدث أنه شهد شريحا واختصم إليه رجلان اشترى أحدهما من الآخر دارا بأربعة آلاف ، فأوجبها له ، ثم بدا له في بيعها قبل أن يفارق صاحبه ، فقال : لا حاجة لي فيها ، فقال البائع : قد بعتك فأوجبت لك - فاختصما إلى شريح ، فقال : هو بالخيار ما لم يتفرقا . قال محمد : وشهدت الشعبي قضى بذلك . قوله : " والشعبي " هو عامر بن شراحيل ، ووصل تعليقه ابن أبي شيبة ، فقال : حدثنا جرير عن مغيرة ، عن الشعبي في رجل اشترى من رجل برذونا ، فأراد أن يرد قبل أن يتفرقا ، فقضى الشعبي أنه قد وجب عليه ، فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى مثل ذلك فرده على البائع فرجع الشعبي إلى قول شريح . قوله : " وطاوس " هو ابن كيسان اليمان ، ووصل الشافعي في ( الأم ) تعليقه ، فقال : أخبرنا ابن عيينة ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه قال : خَير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا بعد البيع ، وقال : وكان أبي يحلف ما الخيار إلا بعد البيع . قوله : " وعطاء " هو ابن أبي رباح المكي " وابن أبي مليكة " بضم الميم هو عبد الله بن أبي مليكة ، ووصل تعليقهما ابن أبي شيبة ، عن جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة وعطاء قالا : البيعان بالخيار حتى يتفرقا عن رضًى . 62 - حدثني إسحاق قال : أخبرنا حبان قال : حدثنا شعبة قال قتادة : أخبرني عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث قال : سمعت حكيم بن حزام رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما . مطابقته للترجمة ظاهرة . وقد مضى الحديث في باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا ؛ فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن قتادة إلى آخره . وأخرجه أيضا عن قريب في باب كم يجوز الخيار ، عن حفص بن عمر ، عن همام ، عن قتادة إلى آخره . وأخرجه هنا عن إسحاق قال الغساني : لم أجد إسحاق هذا منسوبا عند أحد من رواة ( الجامع ) ولعله إسحاق بن منصور ، فقد روى مسلم في ( صحيحه ) عنه ، عن حبان بن هلال ، وحبان - بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة - ابن هلال ، وقد مضى البحث فيه مستوفى في باب إذا بين البيعان .
63 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . هذا الحديث رواه البخاري أولا من طريق يحيى ، عن نافع ، ثم من طريق أيوب ، عن نافع ، ثم من طريق الليث ، عن نافع - على ما يأتي . وكذلك أخرجه مسلم من هذه الطرق . وأخرجه ابن جريج أيضا عن نافع ، ومن طريق عبيد الله ، عن نافع أيضا ، وروى أيضا من طريق الضحاك بن عثمان ، عن نافع ، وروى إسماعيل أيضا ، عن نافع ، وإسماعيل هذا قال أبو العباس الطرقي : وأظنه ابن إبراهيم بن عقبة ، وقال ابن عساكر : هو إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص ، وأخرج من طريقه النسائي قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، حدثنا محيريز بن الوضاح ، عن إسماعيل ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون بيع دن خيار ، فإذا كان البيع عن خيار فقد وجب البيع . قال الكرماني : قوله : إلا بيع الخيار فيه ثلاثة أقوال ؛ أصحها أنه استثناء من أصل الحكم ، أي هما بالخيار ، إلا بيعا جرى فيه التخاير ، وهو اختيار إمضاء العقد ؛ فإن العقد يلزم به ، وإن لم يتفرقا بعد . والثاني أن الاستثناء من مفهوم الغاية ، أي أنهما بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا بيعا شرط فيه خيار يوم مثلا ؛ فإن الخيار باق بعد التفرق إلى مضي الأمد المشروط . والثالث : أن معناه إلا البيع الذي شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس ، فيلزم البيع بنفس العقد ، ولا يكون فيه خيار أصلا . ( قلت ) : قد ذكرنا هذا فيما مضى عن قريب بما فيه الكفاية .
باب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا أي هذا باب في بيان حكم بيع المزابنة ، وقد مر الكلام فيها وفي العرايا في باب بيع الزبيب بالزبيب مستوفى . قوله : وهي أي : المزابنة ، بيع التمر بالتاء المثناة من فوق . قوله : بالثمر بالثاء المثلثة وفتح الميم ، وأراد به الرطب ، يعني بيع التمر اليابس بالرطب . قوله : بالكرم أي : بالعنب . قال أنس : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة والمحاقلة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسيأتي هذا التعليق موصولا في باب المخاصرة والمحاقلة مفاعلة من الحقل بالحاء المهملة والقاف ، وهو الزرع وموضعه ، وهي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ، وقيل : هي المزارعة بالثلث أو الربع أو نحوه مما يخرج منها فيكون كالمخابرة ، وروى جابر أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن المخابرة والمحاقلة والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع قبل إدراكه ، وقال الليث بمائة فرق من الحنطة ، والمخابرة كراء الأرض بالثلث أو الربع ، وقيل : هي بيع الزرع قبل إدراكه ، وقال الليث : الحقل الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ ، وقال الهروي : إذا كانت المحاقلة مأخوذة من هذا فهو بيع الزرع قبل إدراكه ، قال : والمحقلة المزرعة ، وقيل : لا تنبت البقلة إلا الحقلة ، وقال أبو عبيد : المحاقلة مأخوذة من الحقل ، وهو الذي يسميه الناس القراح بالعراق ، وفي الحديث ما تصنعون بمحاقلكم أي : بمزارعكم ، وتقول للرجل : احقل أي : ازرع ، وإنما وقع الخطر في المحاقلة والمزابنة لأنهما من الكيل ، وليس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من جنس واحد إلا يدا بيد ومثلا بمثل ، وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر . 129 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تبيعوا الثمر بالتمر فإنه بيع المزابنة . قوله : التمر بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وقوله : بالثمر بالثاء المثلثة وفتح الميم ، وهو الرطب . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ، والحديث أخرجه مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن حجين بن المثنى ، عن الليث . قوله : يبدو صلاحه أي : يظهر ، قال النووي : يبدو بلا همز ، ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه يقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم حتى يبدوا هكذا بألف في الخط ، وهو خطأ ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب ، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب ، مثل زيد يبدوا ، والاختيار حذفها أيضا ، ويقع مثله في حتى تزهوا ، وصوابه حذف الألف . قوله : صلاحه هو ظهور حمرته أو صفرته ، وفي رواية لمسلم في حديث جابر : حتى يطعم ، وفي رواية : حتى يشقه ، والإشقاق أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء ، وفي رواية : حتى تشقح ، وقال سعيد بن مينا الراوي عن جابر : يحمار ويصفار ويؤكل منها ، وفي رواية للطحاوي في حديث ابن عباس : حتى يؤكل منه ، وفي رواية له في حديث جابر : حتى يطيب ، وفي رواية له في حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - : حتى يصلح ، وفي رواية لمسلم في حديث ابن عمر : ما صلاحه ؟ قال : تذهب عاهته . ثم اعلم أن بدو الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار ، فبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه ، وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النضج ، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد ، وبدو صلاح القثاء والفقوص أن ينعقد ويبلغ مبلغا يوجد له طعم ، وأما البطيخ فأن ينحو ناحية الاصفرار والطيب ، وأما اللوز فروى أشهب وابن نافع ، عن مالك أنه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب ، فإنه لا يطيب حتى ينزع ، وأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استقل ورقه وتم وانتفع به ، ولم يكن في قلعه فساد ، والبر والفول والجلبان والحمص والعدس إذا يبس ، والياسمين وسائر الأنوار أن يفتح أكمامه ويظهر نوره ، والقصيل والقصب والقرطم إذا بلغ أنه يرعى دون فساد . ( ذكر مذاهب العلماء في هذا الباب ) قال النووي : فإن باع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط القطع صح بالإجماع ، قال أصحابنا : ولو شرط القطع ثم لم يقطع فالبيع صحيح ويلزمه البائع بالقطع ، فإن تراضيا على إبقائه جاز ، وإن باع بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع لأنه ربما تتلف الثمرة قبل إدراكها ، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل ، وأما إذا شرط القطع فقد انتفى هذا الضرر ، وإن باعها مطلقا بلا شرط القطع فمذهبنا ومذهب الجمهور أن البيع باطل ، وبه قال مالك ، وقال أبو حنيفة : يجب شرط القطع . انتهى . قلت : مذهب الثوري وابن أبي ليلى والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق عدم جواز بيع الثمار في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر . ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد جواز بيع الثمار على الأشجار بعد ظهورها ، وبه قال مالك في رواية ، وأحمد في قول ، وحجتهم في هذا ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع وزاد الترمذي : ومن باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وجه التمسك به أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - جعل فيه تمر النخل لبائعها إلا أن يشترط المبتاع فيكون له باشتراطه إياها ويكون ذلك مبتاعا لها ، وفي هذا إباحة بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ؛ لأن كل ما لا يدخل في بيع غيره إلا بالاشتراط هو الذي يكون مبيعا وحده وما لا يدخل في بيع غيره من غير اشتراط هو الذي لا يجوز أن يكون مبيعا وحده . قوله : قد أبرت ، من قولهم : فلان أبر نخله إذا لقحه ، والاسم منه الإبار كالإزار ، وأجابوا عن الحديث المذكور أن المراد منه البيع قبل أن يتكون ، فيكون بائعها بائعا بما ليس عنده ، وقد نهى رسول الله عن ذلك ، وقال الطحاوي رحمه الله ما ملخصه : إن قوما قالوا : إن النهي المذكور ليس للتحريم ولكنه على المشورة منه عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه ، ورووا في ذلك عن زيد بن ثابت قال : كان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار ، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر العفن والدمان وأصابه قشام عاهات يحتجون بها فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : لا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم ، فكان نهيه عن ذلك على هذا المعنى ، وأخرج الطحاوي حديث زيد هذا بإسناد صحيح ، وأخرجه النسائي أيضا والبيهقي . قوله : العفن بفتحتين الفساد ، وأما بكسر الفاء فهو من الصفات المشبهة ، والدمان بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم ، وفي آخره نون ، هو فساد التمر قبل إدراكه حتى يسود ، ويروى باللام وبالراء في موضع النون ، والقشام بضم القاف داء يقع في الثمرة فتهلك .
133 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : حدثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها . مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه قد ذكر حديث عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت في ضمن حديث أخرجه عن عبد الله بن عمر برواية سالم عنه ، وهنا ذكره بإسناد مستقل عن ابن عمر عن زيد برواية نافع عن مولاه عبد الله . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن أبي النعمان ، وفي الشرب عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن يحيى بن يحيى ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب ومحمد بن رافع ومحمد بن المثنى ومحمد بن رمح وأبي الربيع الزهراني وأبي كامل الجحدري وعلي بن حجر ، وأخرجه الترمذي ، عن هناد بن السري ، وعن قتيبة ، عن حماد بن زيد به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وعن أبي قدامة ، وفي الشروط ، عن عيسى بن حماد ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن رمح به ، وعن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح . قوله : أرخص لصاحب العرية بفتح العين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف ، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى عن قريب . قوله : أن يبيعها بخرصها بفتح الخاء مصدر وبكسرها اسم للشيء المخروص ، ومعناه بقدر ما فيها إذا صار تمرا ، وزاد الطبراني عن علي بن عبد العزيز ، عن القعنبي شيخ البخاري فيه كيلا ، ومثله للبخاري من رواية موسى بن عقبة عن نافع ، وسيأتي بعد باب ، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك فقال : بخرصها من التمر ، ونحوه للبخاري من رواية يحيى بن سعيد عن نافع في كتاب الشرب ، ولمسلم من رواية سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد بلفظ : رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ، ومن طريق الليث عن يحيى بن سعيد بلفظ : رخص في بيع العرية بخرصها تمرا .
132 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الشيباني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير ، وقد تقدم ، والشيباني بالشين المعجمة هو سليمان أبو إسحاق ، وقد تقدم ، وهذا الحديث من أفراده . وفي الباب عن أبي هريرة ، أخرجه مسلم والترمذي من حديث قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة ، وعن زيد بن ثابت ، أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة والمزابنة ، وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - أخرجه أبو داود من حديث أبي عياش عنه ، سمع عنه يقول : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر نسيئة .
131 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة والمحاقلة ، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر في رؤوس النخل . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وداود بن الحصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة مولى عمرو بن عثمان بن عفان ، مات سنة خمس وثلاثين ومائة ، وأبو سفيان مشهور بكنيته حتى قال الحاكم : لا يعرف اسمه ، وقال الكلاباذي : اسمه قزمان بضم القاف وسكون الزاي ، وكذا روى أبو داود عن شيخه القعنبي في سننه ، وابن أبي أحمد هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي ابن أخي زينب بنت جحش أم المؤمنين ، وحكى الواقدي أن أبا سفيان كان مولى لبني عبد الأشهل ، وكان يجالس عبد الله بن أبي أحمد فنسب إليه . ورجال هذا الحديث كلهم مدنيون إلا شيخ البخاري ، وليس لداود هذا ولا لشيخه في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الباب الذي يليه . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي الطاهر بن السرح ، عن ابن وهب ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن محمد بن يحيى . قوله : نهى عن المزابنة والمحاقلة قد مر تفسيرهما عن قريب ، وفسر هنا المزابنة بقوله : والمزابنة اشتراء الثمر بالثاء المثلثة بالتمر بالتاء المثناة من فوق ، في رؤوس النخل ، وزاد ابن مهدي عن مالك عند الإسماعيلي لفظ كيلا ، وهو موافق لحديث ابن عمر الذي قبله ، وقال بعضهم : ذكر الكيل ليس بقيد ( قلت ) : لا نسلم ذلك ؛ لأن الاشتراء بماذا يكون ، ومعيار الزبيب والتمر هو الكيل ، ووقع في الموطأ في هذا الحديث تفسير المحاقلة بقوله : والمحاقلة كراء الأرض ، وكذا وقع في رواية مسلم .
130 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة ، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر كيلا ، وبيع الكرم بالزبيب كيلا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث مضى في باب بيع الزبيب بالزبيب ، فإنه أخرجه هناك ، عن إسماعيل ، عن مالك ، وهنا عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك . قوله : اشتراء الثمر بالثاء المثلثة . قوله : بالتمر بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم . قوله : وبيع الكرم أي : العنب ، وكيلا في الموضعين منصوب على التمييز .
قال سالم : وأخبرني عبد الله ، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ، ولم يرخص في غيره هذا موصول بالإسناد المذكور ، وسيأتي في آخر الباب أنه أفرد حديث زيد بن ثابت من طريق نافع عن ابن عمر ، وقد ذكر في باب بيع الزبيب بالزبيب من وجه آخر عن نافع مضموما في سياق واحد ، وأخرجه الترمذي ولم يفصل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت ، وأشار إلى أنه وهم فيه ، والصواب التفصيل . قوله : رخص بعد ذلك أي : بعد النهي عن بيع التمر بالثمر في بيع العرايا ، وقال بعضهم : وهذا من أصرح ما ورد في الرد على من حمل من الحنفية النهي عن بيع التمر بالثمر على عمومه ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه ، وزعموا أنهما حكمان وردا في سياق واحد ، وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع التمر بالثمر ؛ لأن المنسوخ لا يكون إلا بعد الناسخ . انتهى . قلت : إبقاء النهي على العموم أولى من إبطال شيء منه ، ولا منع من أن يكون النهي عن بيع الثمر بالتمر وبيع العرايا حكمين واردين في سياق واحد ، وعموم النهي ثابت بيقين ، وقول زيد بن ثابت إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - رخص بعد ذلك لا يخرجه عن عمومه المتيقن ؛ لأن معنى كلامه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أظهر بعد نهيه عن بيع التمر بالثمر أن بيع العرية رخصة لا أنه مستثنى منه ، على أن العرية في الأصل عطية وهبة . فإن ( قلت ) : الرخصة لا دخل لها في العطايا والهبات ، ولا تكون الرخصة إلا في شيء محرم ، ولو كانت العرية رخصة لم يكن لقوله ورخص بعد ذلك في بيع العرية فائدة ولا معنى . ( قلت ) : معنى الرخصة فيه أن الرجل إذا أعرى الرجل شيئا من ثمره فقد وعد أن يسلمه إليه ليملكه المسلم إليه بقبضه إياه ، وعلى الرجل أن يفي بوعده ، وإن كان غير مأخوذ به في الحكم ، فرخص للمعري أن يحبس ما أعرى بأن يعطي المعرى خرصه تمرا بدلا منه من غير أن يكون إثما ، ولا في حكم من أخلف موعدا ، فهذا موضع الرخصة . فإن ( قلت ) : كيف سميت العرية بيعا ( قلت ) : سميت بذلك لتصورها بصورة البيع لا أن يكون بيعا حقيقة ، ألا ترى أنه لم يملكها المعرى له لانعدام القبض ، ولأنه لو كانت بيعا لكانت بيع التمر بالثمر إلى أجل ، وأنه لا يجوز بلا خلاف ، فدل ذلك على أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة ، بل هي عطية كما نص عليه أبو حنيفة في تفسيره العرية ، ونقل ابن المنذر عن بعض الحنفية غير صحيح . قوله : بالرطب أو التمر كلمة أو تحتمل أن تكون للتخيير وتحتمل أن تكون للشك ، ولكن يؤيد كونها للتخيير ما رواه النسائي والطبراني من طريق صالح بن كيسان والبيهقي من طريق الأوزاعي ، كلاهما عن الزهري بلفظ : بالرطب وبالتمر ، ولم يرخص في غير ذلك ، هكذا ذكره بالواو .
باب ما يتنزه من الشبهات أي : هذا باب في بيان ما يتنزه من التنزه يقال : تنزه تنزها إذا بعد وأصله من نزه نزاهة ، ومنه تنزيه الله وهو تبعيده عما لا يجوز عليه من النقائص . قوله : من الشبهات بضم الشين والباء وهو جمع شبهة . 9 - حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة مسقطة فقال : لولا أن تكون صدقة لأكلتها . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه التنزه عن الشبهة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزه من أكل مثل هذه التمرة الساقطة لأجل الشبهة ، وهو احتمال كونها من الصدقة . ورجاله خمسة : قبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة ابن عقبة بن عامر السوائي العامري الكوفي ، وسفيان الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وطلحة هو ابن مصرف على وزن اسم الفاعل من التصريف اليامي بالياء آخر الحروف الكوفي ، كان يقال له سيد القراء ، مات سنة ثنتي عشرة ومائة ، وأخرجه البخاري أيضا في المظالم عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي كريب ، وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمود بن غيلان . قوله : مسقطة على صيغة المفعول من الإسقاط ، والقياس أن يقال ساقطة لكنه قد يجعل اللازم كالمتعدي بتأويل كقراءة من قرأ فعموا وصموا بلفظ المجهول ، وقال التيمي : هو كلمة غريبة ؛ لأن المشهور إن سقط لازم على أن العرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول ، وبالعكس إذا كان المعنى مفهوما ، ويجوز أن يقال جاء سقط متعديا أيضا بدليل قوله تعالى : سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وقال الخطابي : يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى: كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي : أتيا ، وقال المهلب : إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل التمرة تنزها عنها لجواز أن تكون من تمر الصدقة وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات ؛ لأن الأشياء مباحة حتى يقوم الدليل على الحظر ، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره ولا يدرى أحلال هو أم حرام ، واحتمل المعنيين ولا دليل على أحدهما ، ولا يجوز أن يحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراما لاحتمال أن يكون حلالا ، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل في التمرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد : البر ما اطمأنت إليه نفسك والإثم ما حاك في الصدر وقال أبو عمر : لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدور ، وقال أبو الحسن القابسي : إن قال قائل : إذا وجد التمرة في بيته فقد بلغت محلها ، وليست من الصدقة ، قيل له : يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله ، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت على فراشه فصارت شبهة انتهى . وقيل : في هذا الحديث تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح في مثله ، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة وما أشبهها ، فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها استدلالا بقوله : لأكلتها وأنها مخالفة لحكم اللقطة ، وقال الخطابي : وفيه أنه لا يجب على آخذها التصدق بها ؛ لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل لأكلتها ، وفي المدونة : يتصدق بالطعام تافها كان أو غير تافه أعجب إلي إذا خشي عليه بالفساد بوطء أو شبهة ، وعن مطرف : إذا أكله غرمه وإن كان تافها ، وهذا الحديث حجة عليه قال : وإن تصدق به فلا شيء عليه . وقال همام : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أجد تمرة ساقطة على فراشي . همام على وزن فعال بالتشديد هو ابن منبه بن كامل يكنى أبا عتبة الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه ، وهذا التعليق ذكره البخاري مسندا في كتاب اللقطة عن محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة يرفعه : إني لأنقلب إلى أهلي فأجد تمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها . قوله : أجد ذكر بلفظ المضارع استحضارا للصورة الماضية ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما تعلقه بهذا الباب ؟ قلت : تمام الحديث غير مذكور وهو : لولا أن تكون صدقة لأكلتها ، ارتاب صلى الله عليه وسلم في تلك التمرة فتركها تنزها انتهى ، قلت : لم يقف الكرماني على تمام الحديث في اللقطة ولو وقف لما احتاج إلى هذا التكلف ولا ذكر بقية الحديث على غير ما هي في رواية البخاري .
( باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع ) أي هذا باب يذكر فيه إذا خير أحد المتابعين صاحبه بعد البيع قبل التفرق فقد وجب البيع أي لزم . 64 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ، ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع . مطابقته للترجمة في قوله : " أن يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع " . وأخرجه مسلم أيضا في البيوع ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع إلى آخره نحو رواية البخاري سندا ومتنا . وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط . وأخرجه ابن ماجه في التجارات جميعا بإسناده الذي قبله . قوله : " إذا تبايع " تفاعل ، وباب التفاعل يأتي بمعنى المفاعلة ، " وكانا جميعا " تأكيد لما قبله . قوله : " أو يخير أحدهما الآخر " قال بعضهم : يخير بإسكان الراء عطفا على قوله : " ما لم يتفرقا " ، ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى إلا أن . انتهى . ( قلت ) : قد ذكرت عن قريب أن هذا القائل ظن أن أو حرف العطف ، وليس كذلك بل هو بمعنى إلا ، وتضمر أن بعدها ، والمعنى إلا أن يخير أحدهما الآخر . قال النووي : معنى " أو يخير أحدهما الآخر " يقول له : اختر أي إمضاء البيع ، فإذا اختار وجب البيع أي لزم وانبرم ، فإن خير أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار الساكت ، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا ، أصحهما : الانقطاع ؛ لظاهر لفظ الحديث ، وقال الخطابي : هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس ، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الأحاديث ، وكذلك قوله في آخره : " وإن تفرقا بعد أن تبايعا " فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار ، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة . انتهى . ( قلت ) : قوله : أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس فيما إذا أوجب أحد المتبايعين ، والآخر مخير إن شاء قبله ، وإن شاء رده ، وأما إذا حصل الإيجاب والقبول في الطرفين فقد تم العقد ، فلا خيار بعد ذلك ، إلا بشرط شرط فيه أو خيار العيب ، والدليل عليه حديث سمرة أخرجه النسائي ، ولفظه : " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى ويتخيران ثلاث مرات " قال الطحاوي : قوله في هذا الحديث : " ويأخذ كل منهما ما هوى " يدل على أن الخيار الذي للمتبايعين إنما هو قبل انعقاد البيع بينهما فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاه منه لا فيما سواه مما لا يرضاه ؛ إذ لا خلاف بين القائلين في هذا الباب بأن الافتراق المذكور في الحديث هو بعد البيع بالأبدان أنه ليس للمبتاع أن يأخذ ما رضي به من المبيع ويترك بقيته ، وإنما له عنده أن يأخذه كله أو يدعه كله . انتهى . ( قلت ) : فدل هذا أن التفرق بالقول لا بالأبدان ، وقول الخطابي : وهو مبطل لكل تأويل إلى آخره - غير مسلَّم ؛ لأن التأويلين إذا تقابلا وقف الحديث ويعمل بالقياس ، وهو أن تقاس العقود من البيع ونحوها التي تكون بالمنافع كالإجارات - على ما كان يملك من الإبضاع كالأنكحة ، فكما لا تشترط فيها الفرقة بالأبدان بعد العقد فكذلك لا تشترط في عقود البيع ، والجامع كون كل منهما عقدا يتم بالإيجاب والقبول ، وقال مالك : ليس لفرقتهما حد معروف ، ولا وقت معلوم ، وهذه جهالة وقف البيع عليها ، كبيع الملامسة ، والمنابذة ، وكبيع بخيار إلى أجل مجهول ، وما كان كذلك فهو فاسد قطعا .
( باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة ) أي هذا باب في بيان حكم بيع العبد نسيئة ، وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة هذا تقدير الكلام ، وقوله : « والحيوان بالحيوان » من عطف العام على الخاص . قوله : « نسيئة » بفتح النون وكسر السين المهملة وفتح الهمزة ، أي : مؤجلا ، وانتصابه على التمييز ، وقال بعضهم : وكأنه أراد بالعبد جنس ما يستعبد فيدخل الذكر والأنثى . قلت : لا نسلم أن يكون المراد بالعبد جنس ما يستعبد ، وليس هذا موضوعه في اللغة ، وإنما هو خلاف الأمة كما نص عليه أهل اللغة ، ولا حاجة لإدخال الأنثى فيه إلى هذا التكلف والتعسف ، وقد علم أنه إذا أورد حكم في الذكور يدخل فيه الإناث إلا بدليل يخص الذكور . واعلم أن هذه الترجمة مشتملة على حكمين : الأول : في بيع العبد بالعبد نسيئة ، وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئة ، فإنه يجوز عند الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال مالك : إنما يجوز إذا اختلف الجنس ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون : لا يجوز ذلك ، وقال الترمذي : باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين : حدثنا قتيبة ، أخبرنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : جاء عبد يبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة ، ولا يشعر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عبد ، فجاء سيده يريده ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بعنيه ، فاشتراه بعبدين أسودين ، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله أعبد هو ، ثم قال : والعمل على هذا عند أهل العلم ، أنه لا بأس عبد بعبدين يدا بيد ، واختلفوا فيه إذا كان نسأ ، وأخرجه مسلم وبقية أصحاب السنن . الحكم الثاني : في بيع الحيوان بالحيوان ، فالعلماء اختلفوا فيه ، فقالت طائفة : لا ربا في الحيوان ، وجائز بعضه ببعض نقدا ونسيئة ، اختلف أو لم يختلف ، هذا مذهب علي وابن عمر وابن المسيب ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ، وقال مالك : لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة ، وإن كانت من نعم واحدة إذا اختلفت وبان اختلافها ، وإن اشتبه بعضها بعضا واتفقت أجناسها ، فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل ويؤخذ يدا بيد ، وهو قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد ، وقال الثوري والكوفيون وأحمد : لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة اختلفت أجناسها أو لم تختلف ، واحتجوا في ذلك بما رواه الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، وقال الترمذي : باب ما جاء في كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، ثم روى حديث سمرة هذا ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وسماع الحسن من سمرة صحيح ، هكذا قال علي بن المديني وغيره ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول أحمد . وقال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس وجابر وابن عمر رضي الله تعالى عنهم . قلت : حديث ابن عمر أخرجه الترمذي في كتاب العلل : حدثنا محمد بن عمرو المقدمي ، عن زياد بن جبير ، عن ابن عمر قال : « نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة » وحديث جابر أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشج ، عن حفص بن غياث وأبي خالد ، عن حجاج ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا بأس بالحيوان بالحيوان واحد باثنين يدا بيد ، وكرهه نسيئة ، وحديث ابن عباس أخرجه الترمذي في العلل : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا محمد بن حميد هو الأحمري ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس « أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» . فإن قلت : قال البيهقي بعد تخريجه حديث سمرة : أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة . قلت : قول الحافظين الكبيرين الحجتين الترمذي وعلي بن المديني كاف في هذا ، مع أنهما مثبتان ، والبيهقي ينقل النفي فلا يفيد شيئا ، فإن قلت : حديث ابن عمر قال فيه الترمذي : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : إنما يروى عن زياد بن جبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . قلت : رواه الطحاوي موصولا بإسناد جيد قال : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ، وعبيد الله بن محمد بن حشيش ، وإبراهيم بن محمد الصيرفي قالوا : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن دينار ، عن موسى بن عبد ، عن زياد بن جبير ، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما أن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . فإن قلت : قال البيهقي : هذا الحديث ضعيف بمحمد بن دينار الطاحي البصري بما روي عن ابن معين أنه ضعيف ، قلت : البيهقي لتحامله على أصحابنا يثبت بما لا يثبت ، وقد روى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال : ليس به بأس . وكذا قاله النسائي ، وقال أبو زرعة : صدوق ، وقال ابن عدي : حسن الحديث . فإن قلت : حديث جابر فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ، قلت : قال ابن حبان : صدوق يكتب حديثه ، وقال الذهبي في الميزان : أحد الأعلام على لين في حديثه ، روى له مسلم مقرونا بغيره ، وروى له الأربعة . فإن قلت : حديث ابن عباس قال فيه البيهقي : إنه عن عكرمة ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرسل ، قلت : أخرجه الطحاوي من طريقين متصلين ، وأخرجه البزار أيضا متصلا ، ثم قال : ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادا منه ، وهذه الأحاديث مع اختلاف طرقها يؤيد بعضها بعضا ، ويرد قول الشافعي أنه لا يثبت الحديث في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، ثم إن الشافعي ومن معه احتجوا لما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود : حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، وعن يزيد بن أبي حبيب ، عن مسلم بن جبير ، عن أبي سفيان ، عن عمرو بن حريش ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة ، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة ، ورواه الطحاوي أيضا ، وفي روايته : في قلاص الصدقة ، والقلاص بكسر القاف جمع قلص بضم القاف واللام ، وهو جمع قلوص ، فيكون القلاص جمع الجمع ، وقال : القلوص يجمع على قلص وقلائص ، وجمع القلص قلاص ، والقلوص من النوق الشابة ، وهي بمنزلة الجارية من النساء ، وأجابوا عنه بأن في إسناده اختلافا كثيرا . وذكر عبد الغني في الكمال في باب الكنى : أبو سفيان روى عن عمر بن حريش ، روى عنه مسلم بن جبير ، ولم يذكر شيئا غير ذلك . وقال الذهبي في ترجمة عمرو بن حريش : ما روى عنه سوى أبي سفيان ، ولا يدرى من أبو سفيان ؟ وقال الطحاوي بعد أن رواه ثم نسخ ذلك بآية الربا : بيان ذلك أن آية الربا تحرم كل فضل خال عن العوض ، ففي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة يوجد المعنى الذي حرم به الربا ، فنسخ كما نسخ بآية الربا استقراض الحيوان ؛ لأن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة ، ومثل هذا النسخ يكون بدلالة التاريخ ، فيندفع بهذا قول النووي وأمثاله أن النسخ لا يكون إلا بمعرفة التاريخ ، وأن حديث أبي رافع الذي رواه مسلم وغيره ، أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء . احتج به الأوزاعي ، والليث ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق فيما ذهبوا إليه من جواز استقراض الحيوان ، قالوا : وهو حجة على من منع ذلك ، وأجاب المانعون عن ذلك بأنه منسوخ بآية الربا بالوجه الذي ذكرناه الآن ، ومع هذا ليس فيه إلا الثناء على من أحسن القضاء ، فأطلق ذلك ولم يقيده بصفة ، ولم يكن ذلك بشرط الزيادة ، وقد أجمع المسلمون بالنقل عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام ، وكذلك أجابوا عن كل حديث يشبه حديث أبي رافع بأنه كان قبل آية الربا . وعن هذا قال أبو حنيفة وأصحابه وفقهاء الكوفة والثوري والحسن بن صالح : إن استقراض الحيوان لا يجوز ، ولا يجوز الاستقراض إلا مما له مثل : كالمكيلات ، والموزونات ، والعدديات المتقاربة ، فلا يجوز قرض ما لا مثل له من المزروعات والعدديات المتفاوتة ؛ لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين ، ولا إلى إيجاب القيمة ؛ لاختلاف تقويم المقومين ، فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل ، فيختص جوازه بما له مثل ، وعن هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يجوز القرض في الخبز ، لا وزنا ولا عددا ، وقال محمد : يجوز عددا . واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه بيع الحيوان بالحيوان ، وهذا التعليق رواه مالك في الموطأ عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما ورواه الشافعي أيضا عن مالك ، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر ، عن نافع ، أن ابن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة ، فقال لصاحب الناقة : اذهب فانظر ، فإن رضيت فقد وجب البيع . وأجيب عن هذا بأن ابن أبي شيبة روى عن ابن عمر خلاف ذلك ، فقال : حدثنا ابن أبي زائدة ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، قلت لابن عمر : البعير بالبعيرين إلى أجل ، فكرهه . قوله : « راحلة » هي ما أمكن ركوبها من الإبل ، سواء كانت ذكرا أو أنثى ، وقال ابن الأثير : الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والتاء فيه للمبالغة يستوي فيها الذكر والأنثى ، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت ، والأبعرة جمع بعير ويجمع أيضا على بعران ، وهو أيضا يقع على الذكر والأنثى . قوله : « مضمونة عليه » ، أي : تكون تلك الراحلة في ضمان البائع . قوله : « يوفيها صاحبها » ، أي : يسلمها صاحب الراحلة إلى المشتري . قوله : « بالربذة » ، أي : في الربذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة ، وفي آخره تاء ، قال بعضهم : هو مكان معروف بين مكة والمدينة . قلت : هي قرية معروفة قرب المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري - رضي الله تعالى عنه وقال ابن قرقول : وهي على ثلاث مراحل من المدينة قريب من ذات عرق ، وقال القرطبي : ذات عرق ثنية أو هضبة بينها وبين مكة يومان وبعض يوم ، وقال الكرماني : ذات عرق أول بلاد تهامة .
171 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان في السبي صفية ، فصارت إلى دحية الكلبي ، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة من حيث إن في بعض طرق هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى صفية من دحية بسبعة أرؤس ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما جمع في خيبر السبي ، جاء دحية فقال : أعطني جارية منه ، قال : اذهب فخذ جارية ، فأخذ صفية ، فقيل : يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير ، ما تصلح إلا لك ، فأخذها منه كما ذكرنا . وفي رواية للبخاري : فقال لدحية : خذ جارية من السبي غيرها . وقال ابن بطال : ينزل تبديلها بجارية غير معينة منزلة بيع جارية بجارية نسيئة . والذي ذكره البخاري هنا مختصر من حديث خيبر ، أخرجه في النكاح عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، عن ثابت وشعيب بن الحبحاب ، كلاهما عن أنس به ، وعن مسدد ، عن حماد ، عن ثابت ، عن عبد العزيز بن صهيب ، كلاهما عن أنس به ، وأخرجه عن مسدد في النكاح أيضا عن قتيبة به ، وعن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد ، عن ثابت وعبد العزيز بن صهيب ، كلاهما عن أنس به . وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن عبدة ، عن حماد عن ثابت وعبد العزيز به ، ومن حديث شعيب بن الحبحاب أخرجه مسلم أيضا ، وأخرجه النسائي أيضا في النكاح عن عمرو بن منصور ومحمد بن رافع ، وفي الوليمة أيضا عن عمران بن موسى ، عن عبد الوارث به ، ومن حديث عبد العزيز أخرجه أبو داود في الخراج عن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن عبد العزيز عن أنس مختصرا . وصفية بنت حيي بن أخطب بن سفنة بن ثعلبة النضيرية أم المؤمنين ، من بنات هارون بن عمران أخي موسى بن عمران - عليهما السلام وأمها برة بنت سموءل ، سباها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عام خيبر في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة ، ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها . وروي لها عشرة أحاديث اتفقا على حديث واحد ، ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين ، قاله الواقدي ، ودحية بكسر الدال وفتحها ، ابن خليفة بن فروة الكلبي رسول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى قيصر ، وقد مر ذكره في أول الكتاب .
وقال ابن سيرين : لا بأس بعير ببعيرين نسيئة ، ودرهم بدرهم . مطابقته للترجمة في قوله : « بعير ببعيرين » ، وابن سيرين هو محمد بن سيرين من كبار التابعين ، وهذا التعليق رواه عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة ، عن أيوب عن ابن سيرين قال : لا بأس بعير ببعيرين ، ودرهم بدرهم نسيئة ، وإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه . قوله : « ودرهم بدرهم » كذا هو في معظم الروايات ، ووقع في بعضها « ودرهم بدرهمين نسيئة » قال ابن بطال : هذا خطأ ، والصواب ما ذكره عبد الرزاق .
وقال ابن عباس : قد يكون البعير خيرا من البعيرين مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا التعليق وصله الشافعي قال : أخبرنا ابن علية عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن بعير ببعيرين ، فقال : قد يكون البعير خيرا من البعيرين . قلت : فإن استدل به من يجوز بيع الحيوان بالحيوان ، فلا يتم الاستدلال به ؛ لأنه يحتمل أنه كرهه لأجل الفضل الذي ليس في مقابلته شيء .
وقال ابن المسيب : لا ربا في الحيوان ، البعير بالبعيرين ، والشاة بالشاتين إلى أجل . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب من كبار التابعين ، وقد تكرر ذكره . قوله : « لا ربا في الحيوان » وصله مالك عن ابن شهاب عنه لا ربا في الحيوان ، والباقي وصله ابن أبي شيبة من طريق آخر عن الزهري عنه : لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة . ورواه عبد الرزاق في مصنفه أنبأنا معمر عن الزهري ، سئل سعيد فذكره .
واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين ، فأعطاه أحدهما وقال : آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا ؛ لأنه اشترى بعيرا ببعيرين نسيئة ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه ، فقال : أخبرنا معمر ، عن بديل العقيلي ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، أن رافع بن خديج اشترى فذكره ، ورافع بكسر الفاء ، ابن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة ، وفي آخره جيم ، الأنصاري الحارثي . قوله « رهوا » بفتح الراء وسكون الهاء ، وهو في الأصل السير السهل ، والمراد به هنا : أنا آتيك به سهلا بلا شدة ولا مماطلة ، وأن المأتي به يكون سهل السير رفيقا غير خشن ، فإن قلت : بم انتصاب رهوا ؟ قلت : على التفسير الأول يكون منصوبا على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : أنا آتيك به إتيانا رهوا ، وعلى الثاني يكون حالا عن قوله : بالآخر بالتأويل ، فافهم .
قال : وحدثنا همام قال : حدثنا أبو التياح أنه سمع عبد الله بن الحارث يحدث بهذا الحديث ، عن حكيم بن حزام ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي قال حبان بن هلال المذكور : وحدثنا همام بن يحيى المذكور ، حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد - إلى آخره ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم قال هاهنا حدثنا ، وقال فيما قبله : قال همام ؟ ( قلت ) : الثاني فيما سمع منه في مقام النقل والتحمل ، والأول في مقام المذاكرة والمحاورة ، وقال بعضهم : وفي جزمه بذلك نظر ، والذي يظهر أنه من حديث ساقه بالإسناد عبر بقوله : حدثنا وحيث ذكر كلام همام عبر عنه بقوله : قال . انتهى . ( قلت ) : الكرماني لم يجزم بما قاله ، والجزم بالشيء القطع به ، وقوله : والذي يظهر إلى آخره - هو حاصل كلام الكرماني على ما لا يخفى ، والله أعلم .
( باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ) أي هذا باب يذكر فيه إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ، أي هل يكون العقد جائزا حينئذ أم لازما ، ولم يذكر الجواب اكتفاء بما في الحديث ، وهو قوله : " لا بيع بينهما " أي بين المتبايعين ما داما في المجلس ، سواء كان البائع بالخيار أو المشتري ، إلا بيع الخيار إذا شرط فيه . ( فإن قلت ) : كيف خص البائع بالخيار إذا كان المشتري كذلك أيضا ؟ ( قلت ) : كأنه ، أراد به الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع ؛ فإن الحديث سوى بينهما في ذلك . 65 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . مطابقته للترجمة في قوله : " لا بيع بينهما " أي لا بيع لازما حتى يتفرقا " إلا بيع الخيار " يعني فيلزم باشتراطه كما ذكرناه ، واعترض ابن التين على هذا التبويب ، فقال : لو يأت فيه هنا بما يدل على خيار البائع وحده ( قلت ) : قوله : " كل بيعين لا بيع بينهما " أعم من أن يكون الخيار للبائع أو للمشتري ؛ فإنه غير لازم ، إلا إذا شرط الخيار كما ذكرناه الآن . وسفيان هو الثوري نص عليه المزي في ( الأطراف ) ، والحديث أخرجه النسائي في البيوع ، وفي الشروط عن عبد الحميد بن محمد الحراني ، وقد مر وجه الاستثناء عن قريب .
66 - حدثني إسحاق قال : حدثنا حبان قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا . هذا الحديث قد مر غير مرة في كتاب البيوع ، وإسحاق هو ابن منصور ، وحبان بالفتح هو ابن هلال ، وأبو الخليل هو صالح بن أبي مريم . قوله : حدثني وفي بعض النسخ بصيغة الجمع ، وهو الأكثر . قوله : ما لم يتفرقا هو رواية الكشميهني . وفي رواية غيره حتى يتفرقا . قال همام : وجدت في كتابي : يختار ثلاث مرار ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما . همام هو ابن يحيى . قوله : وجدت في كتابي يعني المحفوظ هو الذي رويته ، لكن الموجود في كتابي بخيار منكرا بدون الألف واللام ، وهو مكتوب ثلاث مرات ، وفي بعضها بإضافته إلى ثلاث مرار ، وفي بعضها يختار بلفظ الفعل ، وحينئذ يحتمل أن يكون ثلاث مرار متعلقا بقوله : يختار وقال ابن التين : وقول همام إلى آخره غير محفوظ ، والرواة على خلافه ، وإذا خالف الواحد الرواة جميعا لم يقبل قوله ، سيما أنه وجده في كتابه ، وربما أدخل على الرجل في كتبه إذا لم يكن شديد الضبط ، وقال أبو داود : إن هماما تفرد بذلك عن أصحاب قتادة . ووقع في رواية أحمد عن عثمان ، عن همام قال : وجدت في كتابي الخيار ثلاث مرار ، ولم يصرح همام عمن حدثه بهذه الزيادة . ( قلت ) : فرجع الأمر إلى ما قاله ابن التين . قوله : فإن صدقا إلى آخره من تتمة حديث حكيم بن حزام ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : صدقا إلى آخره هل هو داخل تحت الموجود في كتابه ، أو هو مروي من الحفظ متعلق بما قبله . ( قلت ) : يحتملهما ، والظاهر هو الثاني . ( قلت ) : لا شك أنه من جملة حديث حكيم كما ذكرناه ، وقوله : قال همام إلى قوله : مرارا معترض في أثناء حديث حكيم ، وقد مر حديثه في باب إذا بين البيعان ، وقد مر الكلام فيه مستقصى .
باب منتهى التلقي أي هذا باب في بيان منتهى جواز التلقي وهو إلى أعلى سوق البلد ، وأما التلقي المحرم فهو ما كان إلى خارج البلد ، واعلم أن التلقي له ابتداء وانتهاء ، أما ابتداؤه فهو من الخروج من منزله إلى السوق ، وأما انتهاؤه فهو من جهة البلد لا حد له ، وأما من جهة التلقي فهو أن يخرج من أعلى السوق ، وأما التلقي في أعلى السوق فهو جائز لما في حديث ابن عمر : كانوا يتبايعون في أعلاه ، وأما ما كان خارجا من السوق في الحاضرة أو قريبا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها فهذا يكره له أن يشتري هناك لأنه داخل في معنى التلقي ، وإن خرج من السوق ولم يخرج عن البلد فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي ، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع وليس بتلق ، قال مالك : وأكره أن يشترى في نواحي المصر حتى يهبط إلى السوق ، وقال ابن المنذر : بلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا في ذلك في أعلاه ، ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة ، روي عن يحيى بن سعيد أنه قال : في مقدار الميل من المدينة أو آخر منازلها هو من تلقي البيوع المنهي عنه ، وروى ابن القاسم عن مالك أن الميل من المدينة ليس بتلق ، وقيل له : فإن كان على ستة أميال ؟ قال : لا بأس بالشراء وليس بتلق ، وعلم من ذلك أن التلقي الممنوع عنده إذا خرج من مقدار ستة أميال ، وروى أشهب عنه في الذين يخرجون ويشترون الفاكهة من مواضعها أنه لا بأس به لأنه ليس بتلق لأنهم يشترون من غير جالب ، وقال ابن حبيب : لا يجوز للرجل في الحضر أن يشتري ما مر به من السلع ، وإن كان على بابه ، إذا كان لها مواقف في السوق يباع فيها ، وهو متلق إن فعل ذلك ، وما لم يكن لها موقف وإنما يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة فلا بأس أن يشتري ، وإن لم يبلغ السوق ، وقال الليث : من كان على بابه أو في طريقه فمرت به سلعة فاشتراها فلا بأس بذلك ، والمتلقي عنده الخارج القاصد إليه ، وقال ابن حبيب : ومن كان موضعه غير الحاضرة قريبا منها أو بعيدا لا بأس أن يشتري ما مر به للأكل خاصة لا للبيع ، ورواه أشهب ، عن مالك رحمه الله . 115 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا جويرية ، عن نافع ، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام ، فنهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام . مطابقته للترجمة من حيث إنه لم يذكر منع النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم إلا عن بيعهم في مكانه ، فعلم أن مثل ذلك التلقي كان غير منهي مقررا على حاله ، وقوله : نبلغ به سوق الطعام ، يدل على أن منتهى التلقي هو أن يخرج عن أعلى السوق على ما يجيء الآن مشروحا بأوضح منه . ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم ، وجويرية تصغير جارية هو ابن أسماء بن عبيد الضبعي . وقال المازري : فإن قيل : المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق لأهل البلد ، واحتمل فيه غبن البادي ، والمنع من التلقي أن لا يغبن البادي ، فالجواب أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس ، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد ، لا للواحد على الواحد ، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق واشتروا رخيصا فانتفع به جميع سكان البلد ، نظر الشرع لأهل البلد على البادي ، ولما كان في التلقي إنما ينفع المتلقي خاصة ، وهو واحد في قبالة واحد ، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة ، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية ، وهو لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص وقطع الموارد عنهم وهم أكثر من المتلقي ، فنظر الشرع لهم عليه ، فلا تناقض في المسألتين ، بل هما متفقان في الحكمة والمصلحة . قال أبو عبد الله : هذا في أعلى السوق يبينه حديث عبيد الله . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وأشار بهذا إلى حديث جويرية المذكور ، وأراد به أن التلقي المذكور فيه كان إلى أعلى السوق بينه حديث عبيد الله العمري الذي يأتي بعده ، حيث قال : كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق ، ففهم منه أن التلقي إلى خارج البلد هو المنهي لا غير ، وقول البخاري هذا وقع عقيب رواية عبد الله بن عمر في رواية أبي ذر ، ووقع في رواية غيره عقيب حديث جويرية .
116 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله قال : حدثني نافع ، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانهم ، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه . هذا لبيان الموعود الذي وعده بقوله : بينه حديث عبيد الله العمري ، عن نافع الذي روى عنه يحيى القطان ، وقال بعضهم : أراد البخاري بذلك الرد على من استدل به على جواز تلقي الركبان لإطلاق قول ابن عمر : كنا نتلقى الركبان ، ولا دلالة فيه ؛ لأن معناه أنهم كانوا يتلقونهم في أعلى السوق كما في رواية عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، وقد صرح مالك في روايته عن نافع بقوله : ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق ، فدل على أن التلقي الذي لم ينه عنه إنما هو ما بلغ السوق . انتهى . قلت : البخاري لم يورد هذا الحديث لما ذكره هذا القائل لأنه صرح بأنه لبيان المراد من حديث جويرية عن نافع ، ولو أراد هذا الذي ذكره لكان ترجم له ، ووجه بيانه هو أن التلقي المذكور في حديث جويرية كان إلى أعلى السوق ، بينه حديث عبيد الله ، حيث قال : كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق ، ففهم منه أن التلقي إلى خارج البلد هو المنهي عنه لا غير . قوله : حتى ينقلوه الغرض منه حتى يقبضوه ؛ لأن العرف في قبض المنقول أن ينقل عن مكانه .
( باب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود ببيع أرضيهم ودمنهم حين أجلاهم فيه المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه ) أي هذا باب في بيان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود في بيع أرضيهم ، كذا وقع في رواية أبي ذر بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة ، وفيه شذوذان ، أحدهما أنه جمع سلامة وليس من العقلاء ، والآخر أنه لم يبق مفرده سالما لتحريك الراء . قوله : « حين أجلاهم » ، أي : من المدينة . قوله : « فيه المقبري » ، أي : في أمره - صلى الله عليه وسلم - اليهود حديث سعيد المقبري ، بفتح الباء وضمها ، وجاء الكسر أيضا ، وأشار البخاري بهذا إلى ما أخرجه في الجهاد في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : بينا نحن في المسجد إذ خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : « انطلقوا إلى اليهود » ، وفيه فقال : « إني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله » ، قال ابن إسحاق : فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم لا الحلقة ، فاحتملوا ذلك وخرجوا إلى خيبر ، وخلوا الأموال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم فكانت له خاصة يضعها حيث يشاء ، فقسمها سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المهاجرين ، وهؤلاء اليهود الذين أجلاهم هم بنو النضير ، وذلك أنهم أرادوا الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم وأن يلقوا عليه حجرا ، فأوحى الله تعالى إليه بذلك فأمره بإجلائهم ، وأمرهم أن يسيروا حيث شاءوا ، فلما سمع المنافقون بذلك بعثوا إلى بني النضير : اثبتوا وتمتعوا ، فإنا لم نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن خرجتم خرجنا معكم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، فأجابهم بما ذكرناه . فإن قلت : هذا يعارض حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة ؛ لأن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم ببيع أرضيهم ، قلت : أمره بذلك كان قبل أن يكونوا حربا ، ثم أطلعه الله على الغدر منهم ، وكان قبل ذلك أمرهم ببيع أرضيهم وإجلائهم ، فلم يفعلوا لأجل قول المنافقين لهم : اثبتوا ، فعزموا على مقاتلته - صلى الله عليه وسلم - فصاروا حربا ، فحلت بذلك دماؤهم وأموالهم ، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السلاح وحاصرهم ، فلما يئسوا من عون المنافقين ألقى الله في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان عرض عليهم قبل ذلك ، فلم يبح لهم بيع الأرض ، وقاضاهم أن يجليهم ويحملوا ما استقلت به الإبل على أن يكف عن دمائهم وأموالهم ، فجلوا عن ديارهم وكفى الله المؤمنين القتال ، وكانت أرضهم وأموالهم مما لم يوجف عليها بقتال ، فصارت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث يشاء . وقال ابن إسحاق : ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها ، قال : ونزلت في بني النضير سورة الحشر إلى قوله تعالى : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الآية ، وقال الكرماني : فإن قلت : لم عبر عما رواه بهذه العبارة ولم يذكر الحديث بعينه ؟ قلت : لأن الحديث لم يثبت على شرطه ، انتهى . ورد عليه بعضهم بأنه غفلة منه ؛ لأنه غفل عن الإشارة إلى هذا الحديث ، غاية ما في الباب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ، ففر من تكراره على صورته بغير فائدة زائدة ، كما هو الغالب من عادته ، انتهى . قلت : التكرار حاصل على ما لا يخفى ، مع أن ذكر هذا لا دخل له في كتاب البيوع ، ولهذا سقط هذا في بعض النسخ .
11 - حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سموا الله عليه وكلوه . مطابقته للترجمة تؤخذ من مطابقته الحديث السابق للترجمة . ورجاله خمسة : أحمد بن المقدام بكسر الميم للمبالغة العجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم البصري الحافظ المجود ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين ، والطفاوي بضم الطاء المهملة وخفة الفاء نسبة إلى الطفاوة بنت جرم بن ريان بن الحاف بن قضاعة ، وقيل : الطفاوة موضع بالبصرة ، قلت : يحتمل أن يكون هذا الموضع نزله بنو طفاوة فسمي بهم ، وهذا كثير فيهم والطفاوي هذا مات في سنة سبع وثمانين ومائة . والحديث انفرد به البخاري وقال الكرماني : قوله : سموا أي اذكروا اسم الله عليه ، وفيه دليل على أن التسمية عند الذبح غير واجبة إذ هذه التسمية هي المأمور بها عند أكل الطعام وشرب الشراب ، انتهى . قلت : كيف غفل الكرماني عن هذه الآية : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهذا عام في كل ذبيح ترك عليه التسمية ، لكن المتروك سهوا صار مستثنى بالإجماع ، فبقي الباقي تحت العموم ولا يجوز حمل الآية على تحريم الميتة ؛ لأنه صرف الكلام إلى مجازه مع إمكان الإجراء على حقيقته كيف وتحريم الميتة منصوص عليه في الآية ، وقد قيل في معنى هذا الحديث : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقال ابن التين : وهذا القول ذكره مالك في الموطأ ، وقد روي ذلك مبينا في حديث عائشة من أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام ممن يصح أن لا يعلموا أن مثل هذا شرع ، وأما الآن فقد بان ذلك حتى لا تجد أحدا أنه لا يعلم أن التسمية مشروعة ولا يظن بالمسلمين تعمد تركها ، وأما الساهي فليسم إذا ذكرها ويسمي الآكل لما يخشى من النسيان فإن قلت : قال أبو عمر : مما يدل على بطلان قول من قال إن ذلك كان قبل نزول : وَلا تَأْكُلُوا إن هذا الحديث كان بالمدينة وأن أهل باديتها هم الذين أشير إليهم بالذكر في الحديث ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في الأنعام بمكة والأنعام مكية قلت : ذكر أبو العباس الضرير في كتابه مقامات التنزيل والثعلبي وغيرهما أن في الأنعام آيات ست مدنيات نزلن بها فإطلاق أبي عمر كلامه بأن كلها مكية غير صحيح ، وقال ابن الجوزي : سموا أنتم وكلوا ليس معنى أنه يجزئ عما لم يسم عليه ، ولكن لأن التسمية على الطعام سنة ، وقال ابن التين : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا السؤال وجوابه لهم بما جاء بهم يدل على اعتبار التسمية في الذبائح والله أعلم بحقيقة الحال .
باب من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات أي : هذا باب في بيان حال من لم ير الوسواس ، وهو ما يلقيه الشيطان في القلب وكذلك الوسوسة والوسواس الشيطان أيضا وأصله الحركة الخفيفة ويقال : الوسواس والوسوسة الحديث الخفي لقوله تعالى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ وصوت الحلي يسمى وسواسا ، والموسوس هو الذي يكثر الحديث في نفسه ، ووسوسة الشيطان تصل إلى القلب في خفاء ووسواس الناس من نفسه وهي وسوسته التي يحدث بها نفسه . قوله : من الشبهات وفي بعض النسخ : من المشبهات وفي بعضها : من المشتبهات . 10 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه قال : شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة ؟ قال : لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن الشخص إذا كان في شيء بيقين ثم عرضت له وسوسة لا يرى تلك الوسوسة من الشبهات التي ترفع حكم ذلك الشيء ، ألا يرى أن البخاري ترجم على هذا الحديث في كتاب الوضوء بقوله : لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن ثم أخرج هذا الحديث عن علي ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وعن عباد بن تميم ، عن عمه أنه شكى الحديث ، وقد مر الكلام فيه هناك ، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين وابن عيينة هو سفيان ، وعباد على وزن فعال بالتشديد ، وعمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، قوله : شيئا أي : وسوسة في بطلان الوضوء ، وحاصله أن يقين الطهارة لا يزول بالشك بل يزول بيقين الحدث . وقال ابن أبي حفصة ، عن الزهري : لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت . ابن أبي حفصة هذا هو أبو سلمة محمد بن أبي حفصة ميسرة البصري ، وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري . قوله : لا وضوء إلى آخره ، والأصل في هذا الباب أن الوسواس لا يدخل في حكم الشبهات المأمور باجتنابها لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم فالوسوسة ملغاة مطرحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت .
( باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشتري أو اشترى عبدا فأعتقه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا اشترى إلى آخره ، أي إذا اشترى شخص شيئا فوهبه من ساعته ، يعني على الفور قبل أن يتفرقا ، والحال أن البائع لم ينكر على المشتري . قوله : " أو اشترى عبدا فأعتقه قبل أن يتفرقا " ، وقال الكرماني : هذا مما ثبت بالقياس على الهبة الثابتة بالحديث ، وإنما لم يذكر جواب إذا لمكان الاختلاف فيه ؛ فإن المالكية والحنفية جعلوا القبض في جميع الأشياء بالتخلية ، وعند الشافعية والحنابلة : تكفي التخلية في الدور والعقار المنقولات . وقال طاوس فيمن يشتري السلعة على الرضا ، ثم باعها : وجبت له ، والربح له . مطابقته للترجمة ظاهرة ، تظهر بالتأمل ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق ابن طاوس ، عن أبيه نحوه ، وزاد عبد الرزاق : وعن معمر ، عن أيوب بن سيرين إذا بعت شيئا على الرضى قال : الخيار لهما حتى يتفرقا عن رضى . قوله : " على الرضى " أي على شرط أنه لو رضي به أجاز العقد . قوله : " وجبت " أي المبايعة أو السلعة قاله الكرماني . ( قلت ) : رجوع الضمير الذي في " وجبت " إلى السلعة ظاهر ، وأما رجوعه إلى المبايعة فبالقرينة الدالة عليه . 67 - وقال الحميدي : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فكنت على بكر صعب لعمر ، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم ، فيزجره عمر ويرده ، ثم يتقدم ، فيزجره عمر ويرده ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر : بعنيه ، قال : هو لك ، يا رسول الله ، قال : بعنيه ، فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هو لك ، يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت . مطابقته للترجمة في قوله : " فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إلى آخره ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - اشترى ذلك البكر فوهبه لعبد الله بن عمر من ساعته . ورجاله أربعة : الأول : الحميدي بضم الحاء المهملة ، هو عبد الله بن الزبير بن عيسى ، وقد مر غير مرة . وسفيان هو ابن عيينة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة عن عبد الله بن محمد . قوله : " قال الحميدي " تعليق ، وبه جزم الإسماعيلي ، وأبو نعيم . وفي رواية ابن عساكر بإسناد البخاري : " قال لنا الحميدي " ، وتعليق الحميدي روى البخاري منه قطعة في باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه ، فقال : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا ابن عيينة . وأخرجه الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر ، وهارون عنه . وأخرجه أبو نعيم من حديث بشر بن موسى عنه . قوله : " في سفر " لم يدر أي سفر كان . قوله : " على بكر " بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ولد الناقة أولَ ما يركب ، وقال ابن الأثير : البكر - بالفتح - الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الناس ، والأنثى بكرة . قوله : " صعب " صفة بكر ، وأراد به النفور ؛ لأنه لم يذلل بالركوب . قوله : " فكان " إلى قوله : " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " بيان لصعوبة هذا البكر فلذلك ذكره بالفاء . قوله : " فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وفي الهبة " فاشتراه النبي - صلى الله عليه وسلم - " قوله : " ما شئت " يعني من التصرفات . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه حجة لمن يقول : الافتراق بالكلام ، ألا ترى أن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق ؟ ولو لم يكن الجمل له لما وهبه حتى يهب له بافتراق الأبدان . وفيه ما كانت الصحابة عليه من توقيرهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأن لا يتقدموه في المشي . وفيه جواز زجر الدواب . وفيه أنه لا يشترط في البيع عرض صاحب السلعة سلعته ، بل يجوز أن يسأل في بيعها . وفيه جواز التصرف في المبيع قبل بذل الثمن . وفيه مراعاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحوال أصحابه ، وحرصه على ما يدخل عليهم السرور ، وبه احتج محمد فيما إذا وهب المبيع قبل القبض أو تصدق به ورهنه من غير البائع ، وهو الأصح ، خلافا لأبي يوسف ، ولو وهبه من البائع قبل القبض فقبله البائع انتقض البيع ، ولو باعه منه لم يصح هذا البيع ولم ينتقض البيع الأول ؛ لأن الهبة مجاز عن الإقالة بخلاف البيع ، وإن كاتب العبد المبيع قبل القبض توقفت كتابته وكان للبائع حبسه بالثمن ، وإن نقد الثمن نفذت الكتابة .
قال أبو عبد الله : وقال الليث : حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله عمر رضي الله عنهما قال : بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي ، حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع ، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال عبد الله : فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال . مطابقته للترجمة من حيث إن للبايعين التصرفَ على حسب إرادتهما قبل التفرق إجازة وفسخا . قوله : قال أبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : وقال الليث أي ابن سعد المصري : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي المصري واليها ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي ، عن أبي عمران ، حدثنا الرمادي ، قال : وأخبرني يعقوب بن سفيان قال : وأنبأنا القاسم ، حدثنا ابن زنجويه قالوا : حدثنا أبو صالح ، حدثنا الليث ، حدثني عبد الرحمن بن خالد بهذا . وقال أبو نعيم : ذكره البخاري ، فقال : وقال الليث ولم يذكر من دونه ، وقد دل على أن الحديث لأبي صالح ، وأبو صالح ليس من شرطه . قوله : مالا أي أرضا أو عقارا . قوله : بالوادي قال الكرماني : اللام للعهد ، وهو عبارة عن واد معهود عندهم . وقيل : هو وادي القرى . ( قلت ) : وادي القرى من أعمال المدينة . قوله : بخيبر وهو بلدة عنزة في جهة الشمال والشروق عن المدينة ، على نحو ست مراحل ، وخيبر بلغة اليهود حصن . قوله : فلما تبايعا رجعت على عقبي . وفي رواية أيوب بن سويد طفقت أنكص على عقبي القهقرى وعقبي بلفظ المفرد والمثنى . قوله : خشية أن يرادني خشية منصوب على أنه مفعول له ، ومعنى أن يرادني أن يطلب استرداده مني ، وهو بتشديد الدال ، وأصله يراددني . قوله : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا أراد أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ذلك ليجب البيع ، ولا يبقى خيار في فسخه ( قلت ) : قوله وكانت السنة - تدل على أنه كان هكذا في أول الأمر . وعن هذا قال ابن بطال : وكانت السنة تدل على أن ذلك كان في أول الأمر ، فأما في الزمن الذي فعل ابن عمر ذلك فكان التفرق بالأبدان متروكا ، فلذلك فعله ابن عمر ؛ لأنه كان شديد الاتباع . واعترض بعضهم على هذا بقوله وقد وقع في رواية أيوب بن سويد : كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان ، فتبايعت أنا وعثمان - فساق القصة ، قال : وفيها إشعار باستمرار ذلك . انتهى . ( قلت ) : القول فيه مثل ما قال ابن بطال : في حديث الباب ، وقوله : وفيها إشعار باستمرار ذلك - غير مسلم ؛ لأن هذه دعوى بلا برهان ، على أنا نقول : ذكر ابن رشد في ( المقدمات ) له أن عثمان قال لابن عمر : ليست السنة بافتراق الأبدان ، قد انتسخ ذلك . وقد اعترض عليه بعضهم بقوله : هذه الزيادة لم أر لها إسنادا . ( قلت ) : لا يلزم من عدم رؤيته إسناده عدم رؤية قائله أو غيره ، فهذا لا يشفي العليل ، ولا يروى الغليل . قوله : قال عبد الله يعني ابن عمر . قوله : إلى أرض ثمود وهم قبيلة من العرب الأولى ، وهم قوم صالح عليه السلام ، يصرف ولا يصرف ، وأرضهم قريبة من تبوك . وحاصل المعنى أنه يبين وجه غبنه عثمان بقوله سقته يعني زدت المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها بثلاث ليال ، وأنه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذتها - عن المسافة التي كانت بيني وبين الأرض التي بعتها بثلاث ليال ، وإنما قال : إلى المدينة ؛ لأنهما جميعا كانا بها ، فرأى ابن عمر الغبطة في القرب من المدينة ؛ فلذلك قال : رأيت قد غبنته . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به من قال : إن الافتراق بالكلام ، وقالوا : لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان لكان المراد منه الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم ، ألا ترى إلى قول ابن عمر : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار قال ذلك لما ذكرنا ، وقال ابن التين : وذكر عبد الملك أن في بعض الروايات وكانت السنة يومئذ قال : ولو كان على الإلزام لقال : كانت السنة ، وتكون إلى يوم الدين . قال ابن بطال : حكى ابن عمر أن الناس كانوا يلتزمون حينئذ الندب ؛ لأنه كان زمن مكارمة ، وإن الوقت الذي حكى فيه التفرق بالأبدان كان التفرق بالأبدان متروكا ، ولو كان على الوجوب ما قال : وكانت السنة ؛ فلذلك جاز أن يرجع على عقبه ؛ لأنه فهم أن المراد بذلك الحض والندب ، لا سيما هو الذي حضر فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق ، وقال الطحاوي : روينا عن ابن عمر ما يدل على أن رأيه كان في الفرقة بخلاف ما ذهب إليه من قال : إن البيع لا يتم إلا بها ، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع ، قال ابن حزم : صح هذا عن ابن عمر ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة ، وقال ابن المنذر : يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها المشتري بعد تمام البيع ، قال ابن المنذر : هي من مال المشتري ؛ لأنه لو كان عبدا فأعتقه المشتري كان عتقه جائزا ، ولو أعتقه البائع لم يجز عتقه ، قال الطحاوي : فهذا ابن عمر يذهب فيما أدركت الصفقة حيا فهلك بعدها - أنه من مال المشتري ، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك ، وأن المبيع ينتقل من ملك البائع إلى ملك المبتاع ، حتى يهلك من ماله إن هلك . وفيه جواز بيع الأرض بالأرض . وفيه جواز بيع العين الغائبة على الصفة ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى . وفيه أن الغبن لا يرد به البيع .
( باب إثم من باع حرا ) أي هذا باب في بيان إثم من باع حرا ، يعني عالما بذلك متعمدا ، والحر يستعمل في بني آدم على الحقيقة ، وقد يستعمل في غيرهم مجازا ، كما يقال في الوقف ، وقال بعضهم : والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم ، ويحتمل ما هو أعم من ذلك فيدخل فيه مثل الموقوف ، انتهى . قلت : لا معنى لقوله : والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم ؛ لأن لفظ الحر موضوع في اللغة لمن لم يمسه رق ، وعن هذا قال الجوهري : الحر خلاف العبد ، والحرة خلاف الأمة ، وقوله أعم من ذلك إن أراد به عموم لفظ حر ، فإنه في أفراده ، ولا يدخل فيه شيء خارج عنها ، وإن أراد به أن لفظ حر يستعمل لمعان كثيرة مثل ما يقال : حر الرمل ، وحر الدار ، يعني وسطها ، وحر الوجه ما بدا من الوجنة ، والحر فرخ الحمامة وولد الظبية والحية ، وطين حر لا رمل فيه وغير ذلك ، فلا هموم في كل واحد منها بلا شك، وعند إطلاقه يراد به الحر خلاف العبد ، فكيف يقول : "ويحتمل ما هو أعم من ذلك" وهذا كلام لا طائل تحته . 170 - حدثني بشر بن مرحوم قال : حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره . مطابقته للترجمة في قوله :« ورجل باع حرا فأكل ثمنه» . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول بشر ، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، ابن مرحوم ضد المعذب ، وهو بشر بن عبيس بن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران ، مولى آل معاوية بن أبي سفيان القرشي العطار ، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، وعبيس بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة . الثاني يحيى بن سليم ، بضم السين المهملة ، القرشي الخراز الحذاء ، يكنى أبا زكريا ويقال أبو محمد ، مات سنة خمس وتسعين ومائة . الثالث إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة . الرابع سعيد المقبري ، وقد تكرر ذكره . الخامس أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وبصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه طائفي نزل مكة مختلف في توثيقه ، وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث ، وذكره في الإجارة من وجه آخر عنه ، وفيه أن يحيى وإسماعيل مكيان وسعيد مدني ، روى الحديث المذكور عن أبي هريرة ، وقال البيهقي : رواه أبو جعفر النفيلي عن يحيى بن سليم ، فقال : عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ، والمحفوظ قول الجماعة ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : « ثلاثة » ، أي : ثلاثة أنفس ، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص ؛ لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين ، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة صرح بها . قوله : « خصمهم » الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وزعم الهروي أن الخصم بالفتح الجماعة من الخصوم ، والخصم بكسر الخاء الواحد ، وقال الخطابي : الخصم هو المولع بالخصومة الماهر فيها ، وعن يعقوب : يقال للخصم خصيم ، وفي ( الواعي ) : خصيم للمخاصم والمخاصم ، وعن الفراء كلام العرب الفصحاء أن الاسم إذا كان مصدرا في الأصل لا يثنونه ولا يجمعونه ، ومنهم من يثنيه ويجمعه ، فالفصحاء يقولون : هذا خصم في جميع الأحوال ، والآخرون يقولون : هذان خصمان وهم خصوم وخصماء ، وكذا ما أشبهه . قوله : « أعطى بي » حذف فيه المفعول ، تقديره : أعطى العهد باسمي واليمين به ، ثم نقض العهد ولم يف به ، وقال ابن الجوزي : معناه حلف في قوله ثم غدر ، يعني نقض العهد الذي عهد عليه واجترأ على الله تعالى . قوله : « باع حرا » ، أي : عالما متعمدا ، فإن كان جاهلا فلا يدخل في هذا القول . قوله : « فأكل ثمنه » خص الأكل بالذكر ؛ لأنه أعظم مقصود . قوله : « فاستوفى منه » ، أي : استوفى العمل منه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن العذاب الشديد على الثلاثة المذكورين : أما الأول فلأنه هتك حرمة اسم الله تعالى ، وأما الثاني فلأن المسلمين أكفاء في الحرية والذمة ، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه ، وأن ينصحه ولا يغشه ، وليس في الظلم أعظم ممن يستعبده أو يعرضه على ذلك ، ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه حال الذلة والصغار ، فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده ، وأما الثالث فهو داخل في بيع حر ؛ لأنه استخدمه بغير عوض ، وهذا عين الظلم . وقال ابن المنذر : وكل من لقيت من أهل العلم على أن من باع حرا لا قطع عليه ويعاقب ، ويروى عن ابن عباس يرد البيع ويعاقبان ، وروى حلاس عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال : تقطع يده ، والصواب قول الجماعة ؛ لأنه ليس بسارق ، ولا يجوز قطع غير السارق . وذكر ابن حزم عن عبد الله بن بريدة أن رجلا باع نفسه ، فقضى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - بأنه عبد كما أقر ، وجعل ثمنه في سبيل الله تعالى ، وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن الشعبي عن علي - رضي الله عنه - قال : « إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد » ، وروى سعيد بن منصور ، فقال : حدثنا هشيم ، أنبأنا مغيرة بن مقسم ، عن النخعي فيمن ساق إلى امرأة رجلا ، فقال إبراهيم : هو رهن بما جعل فيه حتى يفتك نفسه ، وعن زرارة بن أوفى قاضي البصرة التابعي أنه باع حرا في دين عليه ، قال ابن حزم : وروينا هذا القول عن الشافعي ، وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الآثار ، قال : وهذا قضاء عمر وعلي بحضرة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ولم يعترضهما معترض ، قال : وقد جاء أثر بأن الحر يباع في دينه في صدر الإسلام إلى أن أنزل الله : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ، وروي عن أبي سعيد الخدري « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باع حرا أفلس » ، ورواه الدارقطني من حديث حجاج ، عن ابن جريج ، فقال : عن أبي سعيد أو سعد على الشك ، ورواه البزار من حديث مسلم بن خالد الزنجي ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن سرق ، أنه اشترى من أعرابي بعيرين فباعهما ، فقال - صلى الله عليه وسلم - :« يا أعرابي ، اذهب فبعه حتى تستوفي حقك » فأعتقه الأعرابي . ورواه ابن سعد عن أبي الوليد الأزرقي ، عن مسلم ، وهو سند صحيح وضعفه عبد الحق ، بأن قال : مسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفان وليس بجيد ؛ لأن مسلما وثقه غير واحد وصحح حديثه ، وعبد الرحمن لا مدخل له في هذا لا جرم ، وأخرجه الحاكم من حديث بندار : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، حدثنا زيد بن أسلم ، ثم قال : على شرط البخاري ، وفي ( التوضيح ) ويعارضه في ( مراسيل ) أبي داود عن الزهري : كان يكون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ديون على رجال ، ما علمنا حرا بيع في دين .
135 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال : سمعت مالكا وسأله عبيد الله بن الربيع قال : أحدثك داود ، عن أبي سفيان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق ؟ قال : نعم . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث السابق فيه ذكر العرايا ، وهذا الحديث في العرايا فهو مطابق له من هذه الحيثية ، والمطابق للمطابق مطابق لذلك المطابق ، والحديث السابق فيه ذكر العرايا مطلقا ، وهذا الحديث يشعر أن المراد من ذلك المطلق هو المقيد بخمسة أوسق كما يجيء بيانه مفصلا إن شاء الله تعالى . ( ذكر رجاله ) وهم ستة . الأول : عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : عبيد الله بتصغير العبد ابن الربيع ، وكان الربيع حاجبا للخليفة أبي جعفر المنصور ، وهو والد الفضل وزير الخليفة هارون الرشيد . الرابع : داود بن الحصين بضم الحاء ، وقد مضى في الباب الذي قبله . الخامس : أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد ، وقد مضى هو أيضا مع داود هناك . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد بصيغة الاستفهام في موضع ، وفيه السماع والسؤال ، وهو إطلاق السماع على ما قرئ على الشيخ فأقر به بقوله نعم ، والاصطلاح عند المحدثين على أن السماع مخصوص بما حدث به الشيخ لفظا ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو بصري ، وداود وأبو سفيان مدنيان ، وقد ذكرنا أنه ليس لداود ولا لأبي سفيان حديث في البخاري سوى حديثين أحدهما هذا ، والآخر عن أبي سعيد المذكور في الباب الذي قبله . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشروط ، عن يحيى بن قزعة ، عن مالك به ، وأخرجه مسلم في البيوع ، عن القعنبي ويحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك به ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي به ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة ، وعن أبي كريب ، عن زيد بن وهب ، كلاهما عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط ، عن إسحاق بن منصور الكوسج ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك به . ( ذكر معناه ) قوله : رخص بالتشديد من الترخيص ، كذا هو عند الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني أرخص من الإرخاص . قوله : في بيع العرايا أي : في بيع ثمر العرايا ؛ لأن العرايا هي النخل . قوله : في خمسة أوسق ، وهو وسق بفتح الواو ، وقيل : بالكسر أيضا ، والفتح أفصح ، وهو ستون صاعا ، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد ، والأصل في الوسق الحمل ، وكل شيء وسقته فقد حملته . قوله : أو دون خمسة أوسق شك من الراوي ، وقد بينه مسلم في روايته أن الشك من داود بن الحصين ، ولفظه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة ، شك داود قال : خمسة أو دون خمسة ، والحديث رواه الطحاوي أيضا : حدثنا ابن مرزوق ، قال : حدثنا القعنبي وعثمان بن عمر قالا : حدثنا مالك بن أنس ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق ، شك داود في خمسة أو فيما دون خمسة . قوله : قال : نعم القائل هو مالك ، وهذا التحمل يسمى عرض السماع ، وكان مالك يختاره على التحديث في لفظه ، واختلف المحدثون فيما إذا سكت الشيخ فالصحيح أنه ينزل منزلة الإقرار إذا كان عارفا ولم يمنعه مانع ، والأولى أن يقول : نعم ، لما فيه من قطع النزاع . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن قدامة في المغني : العرايا لا تجوز إلا فيما دون خمسة أوسق ، وبهذا قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه ، وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : تجوز في الخمسة ، ورواه الجوزجاني ، عن إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد ، واتفقا على أنها لا تجوز في الزيادة على خمسة أوسق ، وقال أيضا : إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر ، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل ، ولا يجوز جزافا ، ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا ، واختلف في معنى خرصها من التمر فقيل : معناه أن يطيف الخارص بالعرية فينظر كم يجيء منها تمرا فيشتريها بمثله من التمر ، وهذا مذهب الشافعي ، ونقل حنبل ، عن أحمد أنه قال بخرصها رطبا ويعطى تمرا ، ولا يجوز أن يشتريها بخرصها رطبا ، وهو أحد الوجوه لأصحاب الشافعي ، والثاني : يجوز ، والثالث : يجوز مع اختلاف النوع ، ولا يجوز مع اتفاقه ، ولا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا ، ولا يجوز بيعها لغني ، وهذا أحد قولي الشافعي ، وأباحها في القول الآخر مطلقا للغني والمحتاج ، ولا يجوز بيعها في غير النخل ، وهو مذهب الليث ، وقال القاضي : يجوز في بقية الثمار من العنب والتين وغيرهما ، وهو قول مالك والأوزاعي وأجازه الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما . انتهى . وقال القاضي : قوله : فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ما يدل أنه يختص بما يوسق ويكال ، وقال الكرماني : قال الشافعي : الأصل تحريم بيع المزابنة ، وجاءت العرايا رخصة ، والراوي شك في الخمسة فوجب الأخذ باليقين وطرح المشكوك ، فبقيت الخمسة على التحريم الذي هو الأصل . انتهى . ( قلت ) : يرد عليه ما رواه أحمد والطحاوي والبيهقي من حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن الواسع بن حبان ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ، وقال : في كل عشرة أقناء قنو يوضع في المسجد للمساكين ، هذا لفظ الطحاوي ، والأقناء جمع قنو بكسر القاف وسكون النون ، وهو العذق بما فيه من الرطب ، وقال المازري : ذهب ابن المنذر إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شك فيه ، فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك والأخذ بالرواية المتيقنة ، قال : وألزم المزني الشافعي - رضي الله تعالى عنه - القول به . انتهى . ( قلت ) : الإلزام موجود فيما رواه أحمد والطحاوي - رضي الله تعالى عنهما - أيضا ، وقال بعضهم : وفيما نقله المازري نظر ؛ لأن ما نقله ليس في شيء من كتب ابن المنذر . انتهى . ( قلت ) : هذه مدافعة بغير وجه لأنه لا يلزم من نفي كون هذا في كتبه بدعواه أن يرد ما نقله المازري لإمكان اطلاعه فيما لم يطلع عليه هذا القائل ، واحتج بعض المالكية بأن لفظة دون خمسة أوسق صالحة لجميع ما تحت الخمسة ، فلو علمنا بها للزم رفع هذه الرخصة ، ورد بأن العمل بها ممكن بأن يحمل على أقل ما تصدق عليه ، قيل : وهو المفتى به في مذهب الشافعي .
136 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان قال : قال يحيى بن سعيد : سمعت بشيرا قال : سمعت سهل بن أبي حثمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمر بالتمر ، ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا ، وقال سفيان مرة أخرى : إلا أنه رخص في العرية يبيعها أهلها بخرصها يأكلونها رطبا ، قال : هو سواء ، قال سفيان : فقلت ليحيى وأنا غلام : إن أهل مكة يقولون : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لهم في بيع العرايا فقال : وما يدري أهل مكة ؟ قلت : إنهم يروونه عن جابر ، فسكت ، قال سفيان : إنما أردت أن جابرا من أهل المدينة ، قيل لسفيان : وليس فيه نهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ؟ قال : لا . مطابقته للترجمة في قوله : نهى عن بيع الثمر ، بالثاء المثلثة ، بالتمر ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وبشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة ضد اليمين ، الأنصاري المديني ، وقد مر في كتاب الوضوء في باب من تمضمض من السويق ، وسهل بن أبي حثمة بفتح المهملة وسكون الثاء المثلثة ، وهو سهل بن أبي حثمة واسمه عامر بن ساعدة الأنصاري وكنيته أبو يحيى ، وقيل : أبو محمد . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشرب ، عن زكريا ، عن أبي أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن بشير بن يسار ، عن رافع وسهل به ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي بكر بن أبي شيبة والحسن بن علي والقعنبي وقتيبة ومحمد بن رمح ومحمد بن المثنى وإسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن الحسن بن علي به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة به ، وعن الحسين بن عيسى ، وفيه وفي الشروط ، عن عبد الله بن محمد . قوله : قال : قال يحيى وسيأتي في آخر الباب ما يدل على أن سفيان صرح بتحديث يحيى بن سعيد له به . قوله : سمعت سهل بن أبي حثمة ، وفي رواية مسلم من حديث الوليد بن كثير ، عن بشير بن يسار بن رافع بن خديج ، وسهل بن حثمة حدثناه ، وفي رواية لمسلم من طريق سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - سهل بن أبي حثمة . قوله : أن تباع بدل من العارية . قوله : بخرصها قد ذكرنا عن قريب أنه بفتح الخاء وكسرها ، وأنكر ابن العربي الفتح وجوزهما النووي ، قال : ومعناه بقدر ما فيها إذا صار تمرا ، والخرص هو التخمين والحدس . قوله : رطبا بضم الراء ، وقال الكرماني : وروي بفتحها ، فهو متناول للعنب ، وقال : أهل النخلة هم البائعون لا المشتري ، والآكل هو المشتري لا البائع ، ثم قال : قلت : الضمير في يأكلها أهلها راجع إلى الثمار التي يدل عليها الخرص ، وأهل الثمار هم المشترون ، وذكر الأكل ليس بقيد ، بل هو لبيان الواقع ، وعن أبي عبيد أنه شرطه . قوله : هو سواء أي : هذا القول الأول سواء بلا تفاوت بينهما ، إذ الضمير المنصوب في يأكلها عائد إلى الثمار كما في الأول ، والمرفوع إلى أهل المخروص ، فحاصلها واحد ، ويحتمل أن يراد بسواء المساواة بين الثمر والرطب على تقدير الجفاف . قوله : قال سفيان مرة أخرى إلى آخره ، هو من كلام علي بن عبد الله وسفيان هو ابن عيينة ، والغرض أن سفيان بن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين ، والمعنى واحد ، قيل : أشار بقوله : هو سواء إليه أي : المعنى واحد . قوله : قال سفيان ليحيى أي : بالإسناد المذكور ، قلت ليحيى هو ابن سعيد المذكور لما حدثه به . قوله : وأنا غلام جملة اسمية وقعت حالا ، وفيه أشار سفيان إلى قدم طلبه وأنه كان في سن الصبى يناظر شيوخه ويباحثهم . قوله : وما يدري أهل مكة بضم الياء ، وأهل مكة كلام إضافي منصوب به . قوله : إنهم أي : أهل مكة يروون هذا الحديث عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه قوله : قال سفيان أي : قال بالإسناد المذكور . قوله : إنما أردت أي : إنما كان الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد : إنهم يروون عن جابر أن جابرا من أهل المدينة ، فرجع الحديث إلى أهل المدينة . قوله : قيل لسفيان بلفظ قيل ، هو علي بن عبد الله المذكور في أول الحديث ، ولكن لم يعرف القائل من هو ، قوله : وليس فيه أي : في هذا الحديث . قوله : قال : لا أي : ليس فيه نهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ، وإن كان هو صحيحا من رواية غيره .
باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة أي هذا باب في بيان حكم بيع الثمر بالثاء المثلثة والميم المفتوحتين . قوله : على رؤوس النخل جملة وقعت حالا من الثمر ، والباء في بالذهب تتعلق بلفظ بيع الثمر ، وذكر الذهب والفضة ليس بقيد لأنه يجوز بيعه بالعروض أيضا ، ولكن لما كان غالب ما يتعامل به الناس هو الذهب والفضة ، فلذلك ذكرهما ، وأيضا فيه اتباع لظاهر لفظ الحديث ؛ لأن المذكور فيه الدينار والدرهم وهما الذهب والفضة . 134 - حدثنا يحيى بن سليمان ، قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يطيب ، ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم ، إلا العرايا . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم وهما الذهب والفضة ( فإن قلت ) : ليس في الحديث ذكر رؤوس النخل ( قلت ) : المراد من قوله : بيع الثمر أي : الثمر الكائن على رؤوس الشجر ، يدل عليه قوله : حتى يطيب ، فإن الثمر الذي هو الرطب لا يطيب إلا على رؤوس الشجر . ويحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي ولكنه سكن مصر ، سمع عبد الله بن وهب ، وهو من أفراده ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز ، وقد تكرر ذكره ، وأبو الزبير بضم الزاي وفتح الباء الموحدة واسمه محمد بن مسلم بن تدرس بلفظ مخاطب مضارع الدرس ، والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن إسحاق بن إسماعيل ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن هشام بن عمار . قوله : عن عطاء وأبي الزبير كذا جمع بينهما عبد الله بن وهب وتابعه أبو عاصم عند مسلم ويحيى بن أيوب عند الطحاوي ، كلاهما عن ابن جريج ، ورواه سفيان بن عيينة عند مسلم عن ابن جريج : أخبرني عطاء . قوله : عن جابر ، وفي رواية أبي عاصم المذكور أنهما سمعا جابر بن عبد الله . قوله : عن بيع الثمر بالثاء المثلثة أي : الرطب . قوله : حتى يطيب أي : طعمه ، والغرض منه أن يبدو صلاحه . قوله : ولا يباع شيء منه أي : من الثمر . قوله : إلا بالدينار والدرهم ، وقد ذكرنا الآن وجه ذكرهما . قوله : إلا العرايا أي : إلا العرايا بالابتياع بالدينار والدرهم ، ويفسر هذا رواية يحيى بن أيوب ، فإن في روايته أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - رخص فيها أي : في العرايا ، وهي بيع الرطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من التمر ، وقد مر أن قوما منهم الأئمة الثلاثة احتجوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم جواز بيع الثمار على رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر ، وأجاز ذلك قوم بعد ظهورها ومنهم أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأصحابه ، وقال ابن المنذر : ادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر بالتمر ، وهذا مردود ؛ لأن الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر هو الذي روى الرخصة في العرايا ، وقال بعضهم : ورواية سالم الماضية في الباب الذي قبله تدل على أن الرخصة في بيع العرايا وقع بعد النهي عن بيع التمر بالثمر ، ولفظه عن ابن عمر مرفوعا : ولا تبيعوا الثمر بالتمر ، قال : وعن زيد بن ثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بيع العرية ، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة فإنها تكون بعد منع . انتهى . قلت : أما قول ابن المنذر فإنه مردود ؛ لأن رواية من روى النهي عن بيع الثمر بالتمر وروى الرخصة في العرايا لا يستلزم منع النسخ ، على أنا قد ذكرنا فيما مضى أن هذا النقل عن الكوفيين الحنفية غير صحيح ، وأما قول هذا القائل الذي قال : ورواية مسلم إلى آخره فقد رويناه فيما مضى في الباب الذي قبله ، ولأن هذا الحديث مشتمل على حكمين مقرونين أحدهما النهي عن بيع الثمر بالتمر والآخر الترخيص في العرايا ، ولا يلزم من ذكرهما مقرونين أن يكون حكمهما واحدا ، ثم خرج أحدهما عن الآخر ؛ لأن كلا منهما كلام مستقل بذاته ، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما مختلف ، ونظائر هذا كثيرة ، وقد ذكر أهل التحقيق من الأصوليين أن من العمل بالوجوه الفاسدة ما قال بعضهم : إن القران في النظم يوجب القران في الحكم ، وقول زيد بن ثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرية كلام تام لا يفتقر إلى ما يتم به . ( فإن قلت ) : الاستثناء في الحديث يقتضي أن العرايا قد خرجت من صدر الكلام ، فيقتضي أن تكون الرخصة بعد المنع ( قلت ) : الاستثناء من قوله : ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم ، ولم تكن العرية داخلة في صدر الكلام الذي هو النهي عن بيع التمر بالثمر ؛ لأنها عطية وهبة فلا تدخل تحت البيع حتى يستثنى منه ، ولما لم يكن بيعا بين بالاستثناء أنه لا يجعل فيها الدينار والدرهم كما في البيع ، والدليل على كونها هبة ما رواه الطحاوي فقال : حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا محمد بن عون ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى البائع والمبتاع عن المزابنة ، قال : وقال زيد بن ثابت : رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمرا ، ورواه الطبراني أيضا في الكبير ، ثم قال الطحاوي : فهذا زيد بن ثابت ، وهو أحد من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرخصة في العرية ، فقد أخبر أنها الهبة ، وقال الطحاوي أيضا : وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : خففوا في الصدقات فإن في المال العرية والوصية حدثنا بذلك أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير قال : أخبرنا جرير بن خازم قال : سمعت قيس بن سعد يحدث عن مكحول الشامي ، عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك ، فدل على أن العرية إنما هي شيء يملكه أرباب الأموال قوما في حياتهم كما يملكون الوصايا بعد مماتهم . ( قلت ) : إسناده صحيح ، وهو مرسل ، والمرسل حجة عندنا . ( فإن قلت ) : زيد بن ثابت سمى العرية بيعا حيث قال : ورخص بعد ذلك في بيع العرية ( قلت ) : سماها بيعا لتصورها بصورة البيع لا أنها بيع حقيقة لانعدام القبض ، ولأنها لو جعلت بيعا حقيقة لكان بيع الثمر بالتمر إلى أجل ، وأنه لا يجوز بلا خلاف ، وقد ذكرنا هذا مرة فيما مضى .
( باب ما يكره من الخداع في البيع ) أي هذا باب في بيان كراهة الخداع في البيع ، ولكن الخداع لا ينسخ به البيع . وفيه خلاف نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى . 68 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن عبد الله ابن دينار ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا ذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يخدع في البيوع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة . مطابقته للترجمة من حيث إن الخداع لو لم يكن مكروها لما قال - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذلك المخدوع : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، أي لا خديعة على ما يجيء تفسيرها كما ينبغي عن قريب . والحديث أخرجه البخاري أيضا في تلك الحيل ، عن إسماعيل . وأخرجه أبو داود في البيوع ، عن القعنبي . وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة . ( ذكر معناه ) : قوله : " إن رجلا " هو حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، ومنقذ اسم فاعل من الإنقاذ ، وهو التخليص ، الصحابي ابن الصحابي الأنصاري المازني ، شهد أحدا وما بعدها ، ومات في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد شج في بعض مغازيه مع النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحجر ببعض الحصون ، فأصابته في رأسه مأمومة ، فتغير بها لسانه وعقله ، لكنه لم يخرج عن التمييز . وروى الدارقطني من حديث ابن إسحاق عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا من الأنصار كانت بلسانه لوثة ، وكان لا يزال يغبن في البيوع ، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فقال : إذا بعت فقل : لا خلابة مرتين ، وقال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : هو جدي منقذ بن عمرو ، وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه ، فكسرت لسانه ونازعته عقله ، وكان لا يدع التجارة ، وكان لا يزال يغبن . وفيه : وكان عُمِّر عمرا طويلا ، عاش ثلاثين ومائة سنة ، وفي لفظ عن ابن عمر : كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ، وكان قد سقع في رأسه مأمومة فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له الخيار فيما يشتري ثلاثا ، وكان قد ثقل لسانه ، فكنت أسمعه يقول : لا حذابة لا حذابة ، وقال الدارقطني : وكان ضرير البصر . وفي الطبراني : لما عمي قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك ، وقال ابن قرقول : إن هذا الرجل كان ألثغ ، ولا يعطيه لسانه إخراج الكلام ، وكان ينطق " يا " باثنتين من تحت ، أو ذالا معجمة . قوله : " ذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " . وفي رواية إبن إسحاق " فشكى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يلقى من الغبن " . قوله : " لا خلابة " بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام ، أي لا خديعة ، يقال : خلبه يخلبه خلبا وخلابة وخالبة ، ورجل خالب وخلاب وخلبوت وخلبوب : خداع ، الأخيرة عن كراع يعني خلبوب بالبائين الموحدتين ، وقال الجوهري : خداع كذاب ، وامرأة خلبوت على مثال جبروت ، وخلوب وخالبة وخلابة ، وفي ( المنتهى ) الخلب القطع والخديعة باللسان ، خلبه يخلبه من باب نصره ينصره ، وخلبه يخلبه من باب ضربه يضربه ، واختلبه اختلابا ، والخلوب الخادع ، والخلابة الخداعة من النساء . وعن أبي جعفر ، عن بعض شيوخه " لا خيانة " بالنون ، وهو تصحيف . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : مذهب الحنفية والشافعية على أن العين غير لازم ، فلا خيار للمغبون ، سواء قل الغبن أو كثر ، وهو الأصح من روايتي مالك ، وقال البغداديون من أصحابه : للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة ، وإن كان دونه فلا ، هكذا حده أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة . وقيل : السدس . وعن داود العقد باطل . وعن مالك إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع ، كثيرا كان الغبن أو قليلا ، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع ، إلا أن يريد أن يمضيه ، ولم يحد مالك حدا ، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور . وأجاب الحنفية والشافعية وجمهور العلماء عن الحديث بأنها واقعة عين وحكاية حال ، وقال ابن العربي : ينبغي أن يقال : إنه كله مخصوص بصاحبه لا يتعدى إلى غيره ، فإن كان يخدع في البيوع فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في العين أو في الكذب أو في الغبن في الثمن ، وليست قضية عامة فتحمل على العموم ، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال ، فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد ، ثم أورد ابن العربي على نفسه قول عمر رضي الله تعالى عنه فيما رواه الدارقطني من طريق ابن أبي لهيعة : حدثنا حبان بن واسع ، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم في البيوع ، فقال : ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحبان بن منقذ . فذكر الحديث ، فلم يجعل عمر خاصا به ، ثم أجاب عنه بضعف الحديث من أجل ابن لهيعة . انتهى . وقال الجمهور أيضا : لو كان الغبن مثبتا للخيار لما احتاج إلى اشتراط الخيار كما رواه البيهقي والدارقطني في بعض طرق الحديث : أنه اشترط الخيار ثلاثا ، ولا احتاج أيضا إلى قوله : " لا خلابة " . الثاني : استدل به الشافعي وأحمد وإسحاق رضي الله تعالى عنهم على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف ، ووجه ذلك أنه لما طلب أهله إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحجر عليه دعاه ، فنهاه عن البيع ، وهذا هو الحجر ، وهو المنع . قلنا : هذا نهي خاص به لضعف عقله ، ولا يسري هذا في الحجر على الحر العاقل البالغ ؛ لأن في حقه إهدار الآدمية ، وقد روى الترمذي من حديث أنس أن رجلا كان في عقدته ضعف ، وكان يبايع ، وإن أهله أتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا : يا رسول الله ، احجر عليه ، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنهاه ، قال : يا رسول الله ، إني لا أصبر عن البيع ، فقال : إذا بايعت فقل : ها ولا خلابة . ورواه بقية أصحاب السنن ، وقال النووي : هذا الرجل المبهم هو حبان بن منقذ ، وقال ابن العربي : هو منقذ بن عمرو ، والأول أرجح . قوله : " في عقدته ضعف " أراد ضعف العقل ، وعقدة الرجل ما عقد عليه ضميره ونيته ، أي عزم عليه ونواه . الثالث : استدل به أبو حنيفة إلى أن ضعيف العقل لا يحجر عليه ؛ لأنه لما قال له : إنه لا يصبر على البيع أذن له فيه بالصفة التي ذكرها ، فهذا دال على عدم الحجر . الرابع : استدل به ابن حزم على أنه يتعين في اللفظ الموجب للخيار ذكر الخلابة دون غيره من الألفاظ ، فلو كان لا خديعة أو غش أو لا كيد أو لا مكر أو لا عيب أو لا ضرر أو لا داء أو لا غائلة أو لا خبث أو على السلامة ، أو نحو هذا - لم يكن له الخيار المجعول لمن قال لا خلابة ، إلا أن يكون في لسانه خلل يعجز عن اللفظ بها ، فيكفي أن يأتي بما يقدر عليه من هذا للفظ ، كما كان يفعل هذا الرجل المذكور من قوله : " لا خيابة " بالياء آخر الحروف أو " لا خذابة " بالذال على اختلاف الروايتين ، وكذلك إن لم يكن يحسن العربية ، فقال معناها باللسان الذي يحسنه ؛ فإنه يثبت له الخيار ، وقال بعضهم : ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في صحيح مسلم أنه كان يقول لا خيابة بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا ، وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعله بالخيار ، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى . انتهى . ( قلت ) : هذا عجيب ، وكيف يكون هذا أسهل ما يرد به عليه ، وهو قائل بما ذكره هذا القائل عند العجز ، وكلامه عند القدرة ؟ الخامس : قال بعضهم : استدل به على أن أمد خيار الشرط ثلاثة أيام من غير زيادة ؛ لأنه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه ، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع . انتهى . قلت : هذا الباب فيه اختلاف الفقهاء ، فقالت طائفة : البيع بشرط الخيار جائز ، والشرط لازم إلى الأمد الذي اشترط إليه الخيار ، وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن المنذر ، وقال الليث : يجوز الخيار إلى ثلاثة أيام فأقل ، وقال عبيد الله بن الحسن : لا يعجبني شرط الخيار الطويل ، إلا أن الخيار للمشتري ما رضي البائع ، وقال ابن شبرمة والثوري : لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع أو لهما ، وقال سفيان : البيع فاسد بذلك ؛ فإن شرط الخيار للمشتري عشرة أيام أو أكثر جاز ، وقال مالك : يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين ، والجارية إلى خمسة أيام ، والجمعة ، والدابة تركب اليوم وشبهه ، ويسار عليها البريد ونحوه ، وفي الدار الشهر ليختبر ويشاور فيها ، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري . وقال الأوزاعي : يجوز أن يشترط شهرا أو أكثر ، وقال أبو حنيفة والشافعي وزفر : الخيار في البيع ثلاثة أيام ، ولا يجوز الزيادة عليها ، فإن زاد فسد البيع ، وروي أيضا عن ابن شبرمة ، وفي ( شرح المهذب ) : ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها ، فأما البيوع التي فيها ربا ، وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام ، فلا يجوز فيها شرط الخيار ؛ فإنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع ، وروى ابن ماجه بسند جيد حسن من حديث يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني نافع " عن ابن عمر قال : سمعت رجلا من الأنصار يشكو إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يغبن في البيوع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة ، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال " ولما رواه البخاري في ( تاريخه ) بسند صحيح إلى ابن إسحاق ، جعله عن منقذ بن عمرو ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) حدثنا عباد بن العوام ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان قال : " قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمنقذ بن عمرو : قل : لا خلابة ، إذا بعت بيعا فأنت بالخيار ثلاثا " وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) من حديث أبان بن أبي عياش " عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا اشترى من رجل بعيرا واشترط عليه الخيار أربعة أيام ، فأبطل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البيع ، وقال : الخيار ثلاثة أيام " وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة عبد الرزاق ، وأعله بابن أبي عياش ، وقال : إنه لا يحتج بحديثه مع أنه كان رجلا صالحا ، وروى الدارقطني في سننه ، عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة حدثنا أبو علقمة حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الخيار ثلاثة أيام " وأحمد بن عبد الله بن ميسرة إن كان هو الحراني فهو متروك ، وقال ابن حيان : ثم التقدير بالثلاث خرج مخرج الغالب ؛ لأن النظر يحصل فيها غالبا ، وهذا لا يمنع من الزيادة عند الحاجة كما قدرت حجارة الاستنجاء بالثلاث ، ثم تجب الزيادة عند الحاجة ، والله أعلم .
( باب تحريم التجارة في الخمر ) أي هذا باب في بيان تحريم التجارة في الخمر ، وذكر البخاري - رضي الله تعالى عنه - هذه الترجمة في أبواب المسجد، لكن بقيد المسجد حيث قال : "باب تحريم تجارة الخمر في المسجد" ، وهذه الترجمة أعم من تلك الترجمة ؛ لأنها غير مقيدة بشيء . وقال جابر - رضي الله عنه - حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع الخمر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ووصله البخاري في باب بيع الميتة والأصنام ، وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . 169 - حدثنا مسلم قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - : لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : "حرمت التجارة في الخمر" . مطابقته للترجمة في قوله : « حرمت التجارة في الخمر » ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي القصاب البصري ، والأعمش هو سليمان ، وأبو الضحى مسلم بن صبيح الكوفي ، وقد مضى الحديث في باب تحريم تجارة الخمر في المسجد ، فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن أبي جمرة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق عن عائشة - رضي الله تعالى عنها وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : « لما نزلت آيات سورة البقرة » ، أي : من أول آية الربا إلى آخر السورة ، ولفظه هناك : لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا . قوله : « خرج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - » ، أي : من البيت إلى المسجد ، وكذا هو هناك ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا .
70 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صلاة أحدكم في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة ؛ وذلك بأنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة ، لا ينهزه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة ، أو حطت عنه بها خطيئة ، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه : اللهم صل عليه ، اللهم ارحمه ، ما لم يحدث فيه ، ما لم يؤذ فيه . وقال : أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه . مطابقته للترجمة في قوله : في سوقه والغرض من إيراد هذا الحديث هنا ذكر السوق وجواز الصلاة فيه ، مع أنه أخرج هذا الحديث في أبواب الجماعة في باب فضل الجماعة ، عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش قال : سمعت أبا صالح يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديث . وهنا أخرجه عن قتيبة ، عن سعيد ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان الزيات السمان ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . قوله : لا ينهزه بضم الياء آخر الحروف وسكون النون وكسر الهاء بعدها زاي ، أي ينهضه وزنا ومعنى ، وهذه الجملة كالبيان للجملة السابقة عليها . قوله : اللهم صل عليه أي يقول : اللهم صل عليه ، وهو أيضا بيان لقوله : تصلي وكذلك قوله : اللهم ارحمه لقوله : اللهم صل عليه ، وكذا قوله : ما لم يؤذ فيه ، ما لم يحدث فيه ومعناه : ما لم يؤذ أحدكم الملائكة بنتن الحدث .
74 - حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا أبو ضمرة قال : حدثنا موسى ، عن نافع قال : حدثنا ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه ، حتى ينقلوه حيث يباع الطعام . قال : وحدثنا ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يباع الطعام إذا اشتراه ، حتى يستوفيه . قيل ليس لذكر هذا الحديث هاهنا وجه ( قلت ) : يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة من لفظ الركبان ؛ لأن الشراء منهم يكون باستقبال الناس إياهم في موضع ، وهذا الموضع يطلق عليه السوق ؛ لأن السوق في اللغة موضع البياعات ، وهذا - وإن كان فيه نوع تعسف - فيستأنس به في وجه المطابقة ، فافهم . وإبراهيم بن المنذر - على لفظ اسم الفاعل من الإنذار - أبو إسحاق الحزامي المدني ، وهو من أفراد البخاري . وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء اسمه أنس بن عياض ، وقد مر في باب التبرز في البيوت . وموسى بن عقبة - بالقاف - ابن أبي عياش المدني مولى الزبير بن العوام مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، والإسناد كله مدنيون ، والحديث المذكور من أفراده ، وحديث بيع الطعام قبل القبض أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة . قوله : من الركبان وهم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر ، وهو جمع راكب ، وهو في الأصل يطلق على راكب الإبل خاصة ، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة . قوله : على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أي على زمنه . قوله : فيبعث أي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : من يمنعهم في محل النصب ؛ لأنه مفعول يبعث . قوله : أن يبيعوه أي بأن يبيعوه فكلمة أن مصدرية ، أي من البيع في مكان اشتروه ، حتى ينقلوه ويبيعوه حيث يباع الطعام في الأسواق ؛ لأن القبض شرط ، وبالنقل المذكور يحصل القبض ، ووجه نهيه عن بيع ما يشترى من الركبان - إلا بعد التحويل إلى موضع يريد أن يبيع فيه - الرفق بالناس ، ولذلك ورد النهي عن تلقي الركبان ؛ لأن فيه ضررا لغيرهم من حيث السعر ، فلذلك أمرهم بالنقل عند تلقي الركبان ليوسعوا على أهل الأسواق . قوله : ثم قال أي ثم قال نافع : وحدثنا عبد الله بن عمر ، وهذا داخل في الإسناد الأول . قوله : حتى يستوفيه أي يقبضه . وفي رواية مسلم حتى يكتاله ، والقبض والاستيفاء سواء . والذي يستفاد من الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الطعام إلا بعد القبض . وهذا الباب فيه خلاف ؛ قال القاضي عياض في شرح مسلم : اختلف الناس في جواز بيع المشتريات قبل قبضها ، فمنعه الشافعي في كل شيء ، وانفرد عثمان التيمي فأجازه في كل شيء ، ومنعه أبو حنيفة في كل شيء ، إلا العقار وما لا ينقل ، ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات ، ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت طعاما ، وقال ابن قدامة في المغني : ومن اشترى ما يحتاج إلى القبض لم يجز بيعه ، حتى يقبضه ، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافا ، إلا ما حكي عن عثمان التيمي أنه قال : لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه ، وقال ابن عبد البر : هذا قول مردود بالسنة ، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ، ونحوه قول مالك وابن المنذر . انتهى . وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في الجديد ومالك في رواية وأحمد في رواية وأبو ثور وداود : النهي الذي ورد في البيع قبل القبض قد وقع على الطعام وغيره ، وهو مذهب ابن عباس أيضا ، ولكنْ أبو حنيفة قال : لا بأس ببيع الدور والأرضين قبل القبض ؛ لأنها لا تنقل ولا تحول ، وقال الشافعي : هو في كل مبيع عقارا أو غيره ، وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن ، وهو مذهب جابر أيضا .
( باب ما ذكر في الأسواق ) أي هذا باب في بيان ما ذكر في الأسواق ، وهو جمع سوق ، وهي موضع البياعات ، وهي مؤنثة ، وقد تذكر . وقال عبد الرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة قلت: هل من سوق فيه تجارة ؟ قال : سوق قينقاع . مطابقته للترجمة في قوله : " سوق بني قينقاع " وهذا قطعة من حديث أنس أخرجه موصولا قال : لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة ، الحديث ، وقد ذكره في أول كتاب البيوع ومر الكلام فيه مستوفى ، وقال ابن بطال : أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء . ( فإن قلت ) : روى أحمد والبزاز والحاكم وصححه من حديث جبير بن مطعم " أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : أحب البقاع إلى الله تعالى المساجد ، وأبغض البقاع إلى الله تعالى الأسواق " . وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر نحوه . ( قلت ) : هذا لم يثبت على شرطه من أنها شر البقاع ، فكأنه أشار بهذه الترجمة إلى هذا ، ولكن لا يعلم إلا من الخارج ، وقال ابن بطال : وهذا أخرج على الغالب ، والأقرب : سوقٌ يُذكر الله فيها أكثر من كثير من المساجد . وقال أنس : قال عبد الرحمن : دلوني على السوق . هذا أيضا في نفس حديث أنس المذكور في أول كتاب البيوع . وقال عمر : ألهاني الصفق بالأسواق . هذا التعليق أيضا وصله البخاري في أثناء حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في باب الخروج في التجارة في كتاب البيوع . 69 - حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، عن محمد بن سوقة ، عن نافع بن جبير بن مطعم قال : حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يغزو جيشٌ الكعبةَ فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ، قالت : قلت : يا رسول الله ، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال : يخسف بأولهم وآخرهم ، ثم يبعثون على نياتهم . مطابقته للترجمة في قوله : " وفيهم أسواقهم " حيث ذكر هذا اللفظ في الحديث . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : محمد بن الصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة قد مر في باب من استوى قاعدا في صلاته . الثاني : إسماعيل بن زكريا ، أبو زياد الأسدي مولاهم الخلقاني ، قال البخاري : جاء نعيه إلى أهله سنة أربع وسبعين ومائة . الثالث : محمد بن سوقة بضم السين المهملة وسكون الواو وبالقاف أبو بكر الغنوي ، مر في كتاب العيد . الرابع : نافع بن جبير - مصغر الجبر ضد الكسر - ابن مطعم بلفظ اسم الفاعل من الإطعام ، مر في باب الرجل يوصي صاحبه . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه بغدادي أصله هروي نزل بغداد ، وأن إسماعيل ومحمد بن سوقة كوفيان ، وأن نافعًا مدني . وفيه رواية التابعي عن التابعي ، عن الصحابية ؛ فإن محمد بن سوقة من صغارالتابعين ، وكان ثقة عابدا صالحا ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم في العيدين . وفيه أن نافعا هذا ليس له في البخاري ، عن عائشة سوى هذا الحديث . ووقع في رواية محمد بن بكار ، عن إسماعيل بن زكريا ، عن محمد بن سوقة سمعت نافع بن جبير . أخرجه الإسماعيلي . وفيه حدثتني عائشة ، هكذا قال إسماعيل بن زكريا ، عن محمد بن سوقة وخالفه سفيان بن عيينة ، فقال : عن محمد بن سوقة ، عن نافع بن جبير ، عن أم سلمة أخرجه الترمذي ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما ؛ فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة . وأخرجه مسلم من وجه آخر ، عن عائشة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد حدثنا القاسم بن الفضل الحراني ، عن محمد بن زياد " عن عبد الله بن الزبير أن عائشة قالت : عبث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منامه ، فقلنا : يا رسول الله ، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : العجب أن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت ، حتى إذا كان بالبيداء خسف بهم ، فقلنا : يا رسول الله ، إن الطريق قد يجمع الناس ، قال : نعم ، فيهم المستبصر والمخبور وابن السبيل ، يهلكون مهلكا واحدا ، ويصدرون مصادر شتى ؛ يبعثهم الله على نياتهم " . ( ذكر معناه ) : قوله : " يغزو جيش الكعبة " أي يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة . قوله : " ببيداء من الأرض " وفي رواية مسلم " بالبيداء " وفي رواية لمسلم ، عن أبي جعفر الباقر قال : " هي بيداء المدينة " . وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ممدودة ، وهي في الأصل المفازة التي لا شيء فيها ، وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة . قوله : " يخسف بأولهم وآخرهم " وزاد الترمذي في حديث صفية " ولم ينج أوسطهم " وفي مسلم أيضا في حديث حفصة " فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم " . قوله : " وفيهم أسواقهم " جملة حالية ، وهو جمع سوق ، والتقدير أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن ، وفي ( مستخرج ) أبي نعيم " وفيهم أشرافهم " بالشين المعجمة ، والراء والفاء . وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيلي " وفيه سواهم " وقال : وقع في رواية البخاري " وفيهم أسواقهم " وليس هذا الحرف في حديثنا ، وأظن أن أسواقهم تصحيف ؛ فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق ، وقال بعضهم : بل لفظ سواهم تصحيف ؛ فإنه بمعنى قوله : ومن ليس منهم ، فيلزم منه التكرار ، بخلاف رواية البخاري رضي الله تعالى عنه ، نعم ، أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم . انتهى . ( قلت ) : لا نسلم لزوم التكرار ؛ لأن معنى أسواقهم أهل أسواقهم كما ذكرنا ، والمراد بقوله ومن ليس منهم الضعفاء والأسارى الذين لا يقصدون التخريب ، ولا نسلم أيضا أن أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم ؛ لأن أشرافهم هم عظماء الجيش الذي يقصدون التخريب ، ورواية البخاري على حالها صحيحة على التفسير الذي ذكرنا ، وقوله : بل لفظ سواهم تصحيف - غير صحيح ؛ لأن معناه وفي الجيش الذين يقصدون التخريب سواهم ممن لا يقصد ولا يقدر . قوله : " قال : يخسف بأولهم وآخرهم " أي قال عليه الصلاة والسلام في جواب عائشة : يخسف بأولهم وآخرهم ، يعني كلهم ، هذا الذي يفهم منه بحسب العرف ، قال الكرماني : لم يعلم منه العموم ؛ إذ حكم الوسط غير مذكور ، والجواب ما قلنا ، أو نقول : إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول ، وأول بالنسبة إلى الآخر ، على أنا قد ذكرنا الآن أن في رواية صفية " ولم ينج أوسطهم " وهذا يغني عن تكلف الجواب . قوله : " ثم يبعثون على نياتهم " أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار ، ثم إنه تعالى يبعث لكل منهم في الحشر بحسب قصده ؛ إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ( ذكر ما يستفاد منه ) : يستفاد منه قطعا قصد هذا الجيش تخريب الكعبة ، ثم خسفهم بالبيداء وعدم وصولهم إلى الكعبة لإخبار لمخبر الصادق بذلك ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة ، فينتقم منهم ، فيخسف بهم . رد عليه بوجهين ، أحدهما : أن في بعض طرق الحديث عند مسلم " أن ناسا من أمتي " والذين يهدمونها من كفار الحبشة . والآخر : أن مقتضى كلامه يخسف بهم بعد الهدم ، وليس كذلك ، بل خسفهم قبل الوصول إلى مكة ، فضلا عن هدمها . ومما يستفاد منه أن من كثر سواد قوم في معصية وفتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك . ومن ذلك أن مالكا استنبط من هذا أن من وجد مع قوم يشربون الخمر ، وهو لا يشرب أنه يعاقب . واعترض عليه بعضهم بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية ، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية . وفيه نظر ؛ لأن العقوبات الشرعية أيضا بالأمور السماوية . ومن ذلك أن الأعمال تعتبر بنية العامل ، والشارع أيضا قال : " ولكل امرئ ما نوى " . ومن ذلك وجوب التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم ، إلا لمن اضطر . ( فإن قلت ) : ما تقول في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة ، هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي من ضرورات البشرية ؟ ( قلت ) : ظاهر الحديث يدل على الثاني ، والله أعلم . ( فإن قلت ) : ما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعه وإياهم الطريق ؟ ( قلت ) : إن عائشة لما سألت وأم سلمة أيضا سألت " قالت : فقلت : يا رسول الله ، فكيف بمن كان كارها ؟ " رواه مسلم ، أجاب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله : " يبعثون على نياتهم " بها ، فماتوا حين حضرت آجالهم ، ويبعثون على نياتهم .
71 - حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا شعبة ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السوق ، فقال رجل : يا أبا القاسم ، فالتفت إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : إنما دعوت هذا ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي . مطابقته للترجمة في قوله : في السوق . وأخرجه البخاري أيضا في صفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حفص بن عمر ، وروى عن جماعة من الصحابة في هذا الباب ، منهم علي رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه أبو داود : حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا : حدثنا أبو أسامة ، عن فطر بن خليفة ، عن المنذر ، عن محمد بن الحنفية قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي بعدك ولد ، أؤسميه باسمك وأكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم ولم يقل أبو بكر : قال علي للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وأخرجه الترمذي ، عن ابن بشار ، عن يحيى بن سعيد ، عن فطر بن خليفة إلى آخره نحوه ، وقال : حديث صحيح . وأخرجه الطحاوي حدثنا أبو أمية قال : حدثنا علي بن قادم قال : حدثنا فطر ، عن المنذر الثوري ، عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي ابن أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم ، وكانت رخصة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي رضي الله تعالى عنه ثم قال الطحاوي : فذهب قوم إلى أنه لا بأس بأن تكنى الرجال بأبي القاسم ، وأن يتسمى مع ذلك بمحمد واحتجوا في ذلك بهذا الحديث . قلت : أراد بالقوم هؤلاء محمد بن الحنفية ومالكا وأحمد في رواية ؛ فإنهم قالوا : لا بأس للرجل أن يجمع بين التكني بأبي القاسم ، والتسمي بمحمد ، وهو مذهب الجمهور . وأجيب عن حديث الباب بأجوبة : الأول : أنه منسوخ ، والثاني : أنه نهي تنزيه ، والثالث : أن النهي عن التكني بأبي القاسم يختص بمن اسمه محمد أو أحمد ، ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذلك . وقال الطحاوي : وكان في زمن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جماعة قد كانوا متسمين بمحمد مكتنين بأبي القاسم ، منهم محمد بن طلحة ومحمد بن الأشعث ومحمد بن أبي حذيفة . ( قلت ) : محمد بن طلحة هو محمد بن طلحة بن عبد الله ، وذكره ابن الأثير في الصحابة ، وقال : حمله أبوه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمسح رأسه وسماه محمدا ، وكان يكنى أبا القاسم ، وكان محمد هذا يلقب بالسجاد ؛ لكثرة صلاته وشدة اجتهاده في العبادة ، قتل يوم الجمل مع أبيه سنة ست وثلاثين ، وكان هواه مع علي رضي الله عنه ، إلا أنه أطاع أباه ، فلما رآه علي قال : هذا السجاد قتله بر أبيه . ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، قيل : إنه ولد على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال أبو نعيم : لا تصح له صحبة ، وروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها . ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي ، كنيته أبو القاسم ، ولد بأرض الحبشة على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان ، ولما قتل أبوه أبو حذيفة أخذه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكفله إلى أن كبر ، ثم سار إلى مصر ، فصار من أشد الناس على عثمان ، وقال أبو نعيم : هو أحد من دخل على عثمان حين حوصر فقتل ، ولما استولى معاوية على مصر أخذه وحبسه ، فهرب من السجن ، فظفر به رشد بن مولى معاوية ، فقتله . ( قلت ) : ومن جملة من تسمى بمحمد وتكنى بأبي القاسم من أبناء وجوه الصحابة : محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن سعيد بن أبي وقاص ومحمد بن حاطب ومحمد بن المنتشر ، ذكرهم البيهقي في ( سننه ) في باب من رخص في الجمع بين التسمي بمحمد والتكني بأبي القاسم ، وقال محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والشافعي : لا ينبغي لأحد أن يتكنى بأبي القاسم ؛ كان اسمه محمدا أو لم يكن . وفي ( التوضيح ) : ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلا سواء كان اسمه محمدا أو أحمد أم لم يكن ؛ لظاهر الحديث - أي حديث الباب ، وهو حديث أنس المذكور وقال أحمد وطائفة من الظاهرية : لا ينبغي لأحد اسمه محمد أن يتكنى بأبي القاسم ، ولا بأس لمن لم يكن اسمه محمدا أن يكنى بأبي القاسم ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : تسموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي . ورواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه بأسانيد مختلفة وألفاظ متغايرة ، وروى الطحاوي أيضا من حديث جابر نحوه . وأخرجه ابن ماجه أيضا ، وروى محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة يرفعه لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي ، أنا أبو القاسم ؛ الله يعطي ، وأنا أقسم وروى مسلم عن عبد الرحمن ، عن أبي زرعة عنه من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي ، ومن تكن بكنيتي فلا يتسم باسمي وروى ابن أبي ليلى من حديث أم حفصة بنت عبيد ، عن عمها البراء بن عازب من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي وفي لفظ لا تجمعوا بين كنيتي واسمي . قوله : سموا أمر من سمى يسمي تسمية . قوله : ولا تكنوا قال ابن التين : ضبط في أكثر الكتب بفتح التاء وضم النون المشددة ، وفي بعضها بضم التاء والنون ، وفي بعضها بفتح التاء والنون مشددة مفتوحة على حذف إحدى التاءين . ( قلت ) : لأن أصله لا تتكنوا .
72 - حدثنا مالك بن إسماعيل قال : حدثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس رضي الله عنه قال : دعا رجل بالبقيع : يا أبا القاسم ، فالتفت إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : لم أعنك ، قال : سموا باسمي ، ولا تكتنوا بكنيتي . هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة السابق ، وقال ابن التين : ليس هذا الحديث مما يدخل في هذا التبويب ؛ لأنه ليس فيه ذكر السوق ، وقال بعضهم : وفائدة إيراد الطريق الثانية قوله فيها إنه كان بالبقيع فأشار إلى أن المراد بالسوق في الرواية الأولى السوق الذي كان بالبقيع . انتهى . ( قلت ) : هذا يحتاج إلى دليل على أن المراد ما ذكره ، والبقيع في الأصل من الأرض المكان المتسع ، ولا يسمى بقيعا إلا وفيه شجر أو أصولها ، وبقيع الغرقد موضع بظاهر المدينة ، فيه قبور أهلها ، كان به شجر الغرقد ، فذهب وبقي اسمه . وفائدة إيراد هذا الطريق - وإن لم يكن فيه ذكر السوق - التنبيه على أنه رواه من طريقين ، فالمطابقة للترجمة في الطريق الأولى ظاهرة ، وأما الطريق الثانية ففي الحقيقة تبع للطريق الأول ، فيدخل في حكمه ، وقال الكرماني : ما وجه تعلقه بالترجمة ؟ ( قلت ) : كان في البقيع سوق في ذلك الوقت . ( قلت ) : هذا يحتاج إلى الدليل كما ذكرناه عند قول بعضهم ، والظاهر أنه أخذ ما قاله الكرماني . ومالك بن إسماعيل بن زياد أبو غسان النهدي الكوفي ، وزهير هو ابن معاوية . قوله : لم أعنك أي لم أقصدك ، وقال الكرماني : الأمر للوجوب أولا ، والنهي للتحريم آخرا . ( قلت ) : قد ذكرنا جوابه عن قريب .
73 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال : خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه ، حتى أتى سوق بني قينقاع ، فجلس بفناء بيت فاطمة ، فقال : أثم لكع ، أثم لكع ؟ فحبسته شيئا ، فظننت أنها تلبسه سخابا أو تغسله ، فجاء يشتد ، حتى عانقه وقبله ، وقال : اللهم أحببه ، وأحب من يحبه . مطابقته للترجمة في قوله : حتى أتى سوق بني قينقاع . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعبيد الله بن أبي يزيد - من الزيادة - قد مر في باب وضع الماء عند الخلاء . والحديث أخرجه البخاري أيضا في للباس ، عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي . وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان به . وعن أحمد بن حنبل عنه ببعضه . وأخرجه النسائي في المناقب ، عن حسين بن حرب . وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن أحمد بن عبدة ، عن سفيان نحوه مختصرا . ( ذكر معناه ) : قوله : عن عبيد الله وفي رواية مسلم عن سفيان ، حدثني عبيد الله . قوله : نافع بن جبير هو المذكور في الحديث الأول ، وليس له عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث . قوله : الدوسي بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة : نسبة أبي هريرة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله ، قبيلة في الأزد . قوله : في طائفة النهار أي في قطعة منه ، قال الكرماني : وفي بعضها في صائفة النهار أي حر النهار ، يقال : يوم صائف أي حار . ( قلت ) : هذا هو الأوجه . قوله : لا يكلمني ولا أكلمه أما من جانب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلعله كان مشغول الفكر بوحي أو غيره ، وأما من جانب أبي هريرة فللتوقير ، وكان ذلك شأن الصحابة إذا لم يروا منه نشاطا . قوله : فجلس بفناء بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها الفناء - بكسر الفاء بعدها نون ممدودة - اسم للموضع المتسع الذي أمام البيت ، وقال الداودي : سقط بعض الحديث عن الناقل ، وإنما أُدخل حديث في حديث ؛ إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع ، إنما بيتها بين بيوت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل : ليس فيه إدخال حديث في حديث ، ولكن فيه بعض سقط ، ورواية مسلم تبينه ، ولفظه : عن سفيان حتى جاء سوق بني قينقاع ، ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة رضي الله تعالى عنها . وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان ، فقال فيه : حتى إذا أتى فناء بيت عائشة ، فجلس فيه ، والأول أرجح . قوله : فقال : أثم لكع أي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأراد به الحسن ، وقيل : الحسين ، على ما سيأتي ، والهمزة في أثم للاستفهام ، و ثم بفتح الثاء المثلثة اسم يشار به إلى المكان البعيد ، وهو ظرف لا يتصرف ؛ فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ و لكع بضم اللام وفتح الكاف وبالعين المهملة قال الأصمعي : الكلع العيس الذي لا يتجه لنظر ولا لغيره ، مأخوذ من الملاكيع ، وهو الذي يخرج مع السلا من البطن ، وقال الأزهري : القول قول الأصمعي ، ألا ترى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للحسن وهو صغير : أين لكع ؟ أراد أنه لصغره لا يتجه لمنطق ، ولا ما يصلحه ، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد . وعلم منه أن اللئيم يسمى لكعا أيضا ، وكذلك العبد يسمى به ، وفي ( التلويح ) : الأشبه والأجود أن يحمل الحديث على ما قاله بلال بن جرير الخطفي - وسئل عن اللكع ، فقال - : في لغتنا هو الصغير ، قال الهروي : وإلى هذا ذهب الحسن إذا قال الإنسان : يا لكع ، يريد : يا صغير ، ويقال للمرأة : لكيعة ولكعاء ولكاع وملكعانة ، ذكره في ( الموعب ) ، وقال سيبويه : لا يقال : ملكعانة إلا في النداء . وعن ابن يزيد : اللكع الفلو ، والأنثى لكعة ، وفي ( المحكم ) اللكع المهر ، وفي ( الجامع ) أصل اللكع من الكلع ، ولكن قلب . قوله : فحسبته شيئا أي فحبست فاطمةُ الحسَنَ ، أي منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلا . قوله : فظننت قائله أبو هريرة أنها أي أن فاطمة تلبسه بضم التاء من الإلباس أي تلبس الصغير سخابا بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف باء موحدة ، قال الخطابي : هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة ، وقال الداودي : من قرنفل ، وقال الهروي : هي قلادة من خيط فيها خرز ، تلبسه الصبيان والجواري ، وروى الإسماعيلي ، عن ابن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال : السخاب شيء يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح . قوله : أو تغسله بالتشديد . وفي رواية الحميدي وتغسله بالواو . قوله : فجاء يشتد أي يسرع في المشي . وفي رواية عمر بن موسى عند الإسماعيلي فجاء الحسن أو الحسين وقد أخرجه مسلم ، عن ابن أبي عمر ، فقال في روايته : أثم لكع يعني حسنا ، وكذا قال الحميدي في ( مسنده ) وسيأتي في اللباس من طريق ورقاء ، عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ فقال : أين لكع ؟ ادع لي الحسن بن علي ، فقام الحسن بن علي يمشي . قوله : حتى عانقه وفي رواية ورقاء ، عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده هكذا أي مدها فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه . قوله : اللهم أحبه بلفظ الدعاء وبالإدغام . وفي رواية الكشميهني أحببه بفك الإدغام ، وزاد مسلم عن ابن أبي عمر فقال : اللهم إني أحبه فأحبه . قوله : وأحب أمر أيضا وقوله : من يحبه في محل النصب مفعوله . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه بيان ما كان الصحابة عليه من توقير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمشي معه . وفيه ما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه من التواضع من الدخول في السوق ، والجلوس بفناء الدار ، ورحمته الصغير ، والمزاح معه ، وقال السهيلي : وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمزح ، ولا يقول إلا حقا ، وهاهنا أراد تشبيهه بالفلو والمهر ؛ لأنه طفل ، وإذا قصد بالكلام التشبيه لم يكن إلا صدقا . وفيه جواز المعانقة وفيها خلاف ، فقال محمد بن سيرين وعبد الله بن عون وأبو حنيفة ومحمد : المعانقة مكروهة ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي حدثنا سويد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا حنظلة بن عبيد الله عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله ، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه ، أفينحني له ؟ فقال : لا ، قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا ، قال : أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال الشعبي وأبو مجلز لاحق بن حميد وعمرو بن ميمون والأسود بن هلال وأبو يوسف : لا بأس بالمعانقة ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي حدثنا فهد قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، وقال : حدثنا أسد بن عمرو ، عن مجالد بن سعيد ، عن عامر ، عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال : لما قدمنا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عند النجاشي تلقاني ، فاعتنقني ورجاله ثقات ، ومجالد بن سعيد وثقه النسائي ، وروى له الأربعة . وروى الطحاوي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يتعانقون ، قال : فدل ذلك على أن ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إباحة المعانقة كان متأخرا عما روي عنه من النهي عن ذلك ، وفي ( التلويح ) : معانقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحسن إباحة ذلك ، وأما معانقة الرجل للرجل فاستحبها سفيان ، وكرهها مالك قال : هي بدعة . وتناظر مالك وسفيان في ذلك ، فاحتج سفيان بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك بجعفر ، قال مالك : هو خاص له ، فقال : ما يخصه بغير ذلك ؟ فسكت مالك . وقال صاحب ( الهداية ) : الخلاف في المعانقة في إزار واحد ، وأما إذا كان على المعانق قميص أو جبة لا بأس باتفاق أصحابنا ، وهو الصحيح . وفيه جواز التقبيل . قال الفقيه أبو الليث في ( شرح الجامع الصغير ) : القبلة على خمسة أوجه : قبلة تحية ، وقبلة شفقة ، وقبلة رحمة ، وقبلة شهوة ، وقبلة مودة ؛ فأما قبلة التحية فكالمؤمِنَيْنِ يقبل بعضهما بعضا على اليد ، وقبلة الشفقة قبلة الولد لوالده أو لوالدته ، وقبلة الرحمة قبلة الوالد لولده والوالدة لولدها على الخد ، وقبلة الشهوة قبلة الزوج لزوجته على الفم ، وقبلة المودة قبلة الأخ والأخت على الخد . وزاد بعضهم من أصحابنا : قبلة ديانة ، وهي القبلة على الحجر الأسود . وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في جواز التقبيل ، ولكن محل ذلك إذا كان على وجه المبرة والإكرام ، وأما إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز ، إلا في حق الزوجين ، وأما المصافحة فلا بأس بها بلا خلاف ؛ لأنها سنة قديمة وروى الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة بن اليمان ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه ، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر . قال سفيان : قال عبيد الله : أخبرني أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة . هذا موصول بالإسناد المذكور . وسفيان هو ابن عيينة ، وعبيد الله هو ابن أبي يزيد المذكور في الحديث . وقد تقدم الراوي على قوله : أخبرني أنه وهذا لا يضر ، وفائدة إيراد هذه الزيادة التنبيه على لقي عبيد الله لنافع بن جبير ، فلا تضر العنعنة في الطريق الموصول ؛ لأن ما ثبت لقاؤه لمن حدث عنه ولم يكن مدلسا حملت عنعنته على السماع اتفاقا ، وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه . وقال الكرماني : ما وجه ذكر الوتر في هذا الباب ؟ ثم أجاب بأنه لما روى عن نافع انتهز الفرصة لبيان من ثبت منه مما اختلف في جوازه . انتهى . ( قلت ) : لا وجه لما ذكره أصلا ، والوجه ما ذكرناه .
باب بيع الشعير بالشعير أي هذا باب في بيان حكم بيع الشعير بالشعير كيف هو ، وهو أنه يجوز إذا كانا متساويين يدا بيد على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . 122 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس قال : أخبره أنه التمس صرفا بمائة دينار ، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني ، فأخذ الذهب يقلبها في يده ، ثم قال : حتى يأتي خازني من الغابة ، وعمر يسمع ذلك ، فقال : والله لا تفارقه حتى تأخذ منه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء مطابقته للترجمة في قوله : والشعير بالشعير والحديث مضى في باب ما يذكر في بيع الطعام . قوله : صرفا قال العلماء : بيع الذهب بالفضة يسمى صرفا لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفرق قبل التقابض ، وقيل : من صريفهما ، وهو تصويتهما في الميزان ، كما أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة يسمى مراطلة . قوله : فتراوضنا بالضاد المعجمة ، يقال : فلان يراوض فلانا على أمر كذا أي : يداريه ليدخله فيه . قوله : حتى يأتي أي : اصبر حتى يأتي ، وإنما قال له ذلك لأنه ظن جوازه كسائر البيوع ، وما كان بلغه حكم المسألة ، فلما أبلغه عمر - رضي الله عنه - ترك المصارفة .
( باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك ) أي هذا باب في بيان حكم التصاوير ، أي : المصورات التي ليس فيها روح ، كالأشجار ونحوها . قوله : « وما يكره » ، أي : وفي بيان ما يكره من ذلك من اتخاذ أو عمل أو بيع أو نحو ذلك . 168 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : أخبرنا عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند ابن عباس - رضي الله عنهما - إذا أتاه رجل ، فقال : يا أبا عباس ، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي ، وإني أصنع هذه التصاوير ، فقال ابن عباس : لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم سمعته يقول : من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا . فربا الرجل ربوة شديدة ، واصفر وجهه ، فقال : ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر ، كل شيء ليس فيه روح . مطابقته للترجمة في قوله : « فعليك بهذا الشجر » ، وكأن البخاري فهم من قوله في الحديث " إنما معيشتي من صنعة يدي" وإجابة ابن عباس بإباحة صور الشجر وشبهه - إباحة البيع وجوازه ، فترجم عليه . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي . الثاني يزيد من الزيادة ابن زريع مصغر زرع ، وقد تكرر ذكره . الثالث عوف بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره فاء ابن أبي حميد الأعرابي ، يعرف به وليس بأعرابي الأصل ، يكنى أبا سهل ويقال أبو عبد الله . الرابع سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن البصري ، واسم أبي الحسن يسار بالياء آخر الحروف والسين المهملة . الخامس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن هؤلاء كلهم بصريون ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن سعيد بن أبي الحسن ليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في اللباس عن نصر بن علي ، وأخرجه النسائي في الزينة عن محمد بن الحسين بن إبراهيم ، وفي الباب عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما أخرجه الطحاوي ، حدثنا فهد قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "المصورون يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم" ، ورواه مسلم أيضا وغيره ، وعن أبي هريرة أخرجه النسائي قال : أخبرنا عمرو بن علي ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" ، وأخرجه الطحاوي أيضا . ( ذكر معناه ) قوله : إذ أتاه رجل كلمة إذ للمفاجأة ، وقد ذكرنا غير مرة أن إذ وإذا يضافان إلى جملة ، فقوله : "أتاه رجل" جملة فعلية ، وقوله: فقال ابن عباس جواب إذ . قوله : « إنما معيشتي من صنعة يدي » يعني ما معيشتي إلا من عمل يدي . قوله : « حتى ينفخ فيها » ، أي : إلى أن ينفخ في الصورة . قوله : « وليس بنافخ » ، أي : لا يمكن له النفخ قط فيعذب أبدا . قوله : « فربا » ، أي : فربا الرجل ، أي أصابه الربو ، وهو مرض يحصل للرجل يعلو نفسه ويضيق صدره ، وقال ابن قرقول : أي ذعر وامتلأ خوفا ، وعن صاحب العين : ربا الرجل أصابه نفس في جوفه ، وهو الربو والربوة والربوة وهو نهج ونفس متواتر ، وقال ابن التين : معناه انتفخ كأنه خجل من ذلك . قوله : « ويحك » كلمة ترحم كما أن ويلك كلمة عذاب . قوله : « كل شيء » بالجر بدل الكل عن البعض وهذا جائز عند بعض النحاة ، وهو قسم خامس من الإبدال كقول الشاعر : رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات ويروى : نضر الله أعظما . ويجوز أن يكون فيه مضاف محذوف ، والتقدير : عليك بمثل الشجر ، أو يكون واو العطف فيه مقدرة ، تقديره : وكل شيء ، كما في التحيات المباركات الصلوات الطيبات ، فإن معناه والصلوات وبواو العطف جاء في رواية أبي نعيم من طريق خودة عن عوف : فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح . وفي رواية مسلم والإسماعيلي بلفظ : فاصنع الشجر وما لا نفس له . وقال الطيبي : هو بيان للشجر ؛ لأنه لما منعه عن التصوير وأرشده إلى جنس الشجر ، رأى أنه غير واف بالمقصود فأوضحه به ، ويجوز النصب على التفسير . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن تصوير ذي روح حرام ، وأن مصوره توعد بعذاب شديد ، وهو قوله : "فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها" ، وفي رواية لمسلم : "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فيعذبه في جهنم" ، وروى الطحاوي من حديث أبي جحيفة : لعن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - المصورين . وعن عمير ، عن أسامة بن زيد يرفعه : قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون . وقال المهلب : إنما كره هذا من أجل أن الصورة التي فيها الروح كانت تعبد في الجاهلية فكرهت كل صورة وإن كانت لا فيء لها ولا جسم ؛ قطعا للذريعة . وقال القرطبي في حديث مسلم : "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون" وهذا يقتضي أن لا يكون في النار أحد يزيد عذابه على عذاب المصورين ، وهذا يعارضه قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ، وقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : "أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة" ، وقوله : "أشد الناس عذابا عالم لم ينفعه الله بعلمه" وأشباه ذلك ، ووجه التوفيق أن الناس الذين أضيف إليهم "أشد" لا يراد بهم كل نوع الناس ، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد المدعين للإلهية عذابا ، ومن يقتدي به في ضلالة كفر أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة ، ومن صور صورا ذات أرواح أشد عذابا ممن يصور ما ليس بذي روح ، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصورون الأصنام للعبادة كما كانت الجاهلية تفعل وكما يفعل النصارى ، فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة ، انتهى . ولقائل أن يقول : أشد الناس عذابا بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار ، فإن صورها لتعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى فهو كافر قبيح الكفر ، فلذلك زيد في عذابه . قلت : قول القرطبي : "ومن صور صورا ذات أرواح أشد عذابا ممن يصور ما ليس بذي روح" فيه نظر لا يخفى ، وفيه إباحة تصوير ما لا روح له كالشجر ونحوه ، وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث ، فإنهم استدلوا على ذلك بقول ابن عباس : فعليك بهذا الشجر إلى آخره ، فإن ابن عباس استنبط قوله من قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها ، أي : الروح . فدل هذا على أن المصور إنما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشر تصوير حيوان مختص بالله تعالى ، وتصوير جماد ليس له في معنى ذلك ، فلا بأس به . وذهب جماعة منهم الليث بن سعيد ، والحسن بن حي ، وبعض الشافعية ، إلى كراهة التصوير مطلقا ، سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها ، واحتجوا بعموم قوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب » ، رواه أبو داود من حديث علي - رضي الله تعالى عنه وقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ، ولا صورة » أخرجه مسلم من حديث ابن عباس عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه وأخرجه الطحاوي والطبراني نحوه من حديث أبي أيوب عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي سلمة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - قال لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : « إنا لا ندخل بيتا فيه صورة » ، وأخرجه مسلم مطولا ، وأخرج الطحاوي أيضا من حديث عائشة قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مستترة بقرام ستر فيه صورة فهتكه ، ثم قال : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله تعالى » ، وأخرجه مسلم بأتم منه ، وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أسامة بن زيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ، وأخرجه الطبراني مطولا ، وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي الزبير قال : سألت جابرا عن الصور في البيت ، وعن الرجل يفعل ذلك ، فقال : زجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك . وخالف الآخرون هؤلاء المذكورين ، وهم النخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية ، وقالوا : إذا كانت الصور على البسط والفرش التي توطأ بالأقدام ، فلا بأس بها ، وأما إذا كانت على الثياب والستائر ونحوهما فإنها تحرم ، وقال أبو عمر : ذكر ابن القاسم قال : كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب ، وأما البسط والوسائد والثياب ، فلا بأس به وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل ، وقال الثوري : لا بأس بالصور في الوسائد ؛ لأنها توطأ ويجلس عليها ، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال ، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط ، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة ، وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء . وقال المزني عن الشافعي : وإن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح ، لم يدخل إن كانت منصوبة ، وإن كانت توطأ فلا بأس ، وإن كانت صورة الشجر . وقال قوم : إنما كره من ذلك ما له ظل ، وما لا ظل له فليس به بأس . وقال عياض : وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره ، إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك ، وكره مالك شراء ذلك لابنته ، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب للبنات منسوخ ، وقال القرطبي : واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك ، وهو مطالب بدليل التخصيص ، وكانت الجاهلية تعمل أصناما من العجوة ، حتى إن بعضهم جاع فأكل صنمه ، قلت : بنو باهلة كانوا يصنعون الأصنام من العجوة فوقع فيهم الغلاء فأكلوها ، وقالوا : بنو باهلة أكلوا آلهتهم . وحجة المخالفين لأهل المقالة الأولى حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي نمط لي فيه صورة ، فوضعته على سهوتي ، فاجتذبه فقال : لا تستروا الجدار ، قالت : فصنعته وسادتين . أخرجه الطحاوي ، وأخرجه مسلم بأتم منه ، والنمط بفتح النون والميم هو ضرب من البسط له خمل رقيق ، ويجمع على أنماط ، والسهوة بالسين المهملة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة ، وقيل : هو كالصفة تكون بين يدي البيت ، وقيل : شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء ، والوسادة المخدة . وأجابوا عن الأحاديث التي مضت بأنا عملنا بها على عمومها ، وعملنا بحديث عائشة أيضا ، وبأمثاله التي رويت في هذا الباب فيما إذا كانت الصور مما كان يوطأ ويهان ، فإذن نحن عملنا بأحاديث الباب كلها ، بخلاف هؤلاء فإنهم عملوا ببعضها وأهملوا بعضها . وفيه ما قاله القرطبي : يستفاد من قوله : « وليس بنافخ » جواز التكليف بما لا يقدر عليه ، قال : ولكن ليس مقصود الحديث التكليف ، وإنما المقصود منه تعذيب المكلف وإظهار عجزه عما تعاطاه مبالغة في توبيخه وإظهار قبح فعله . قال أبو عبد الله : سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر بن أنس هذا الواحد أبو عبد الله هو البخاري - رحمه الله والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هو النضر بن أنس بن مالك البخاري الأنصاري يكنى أبا مالك ، عداده في أهل البصرة ، ولم يسمع سعيد هذا من النضر إلا هذا الحديث الواحد الذي رواه عوف الأعرابي ، وهو معنى قوله : هذا الواحد ، أي : هذا الحديث الواحد . أخرج البخاري هذا في كتاب اللباس عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن أبي عروبة ، سمعت النضر بحديث قتادة قال : كنت عند ابن عباس فذكره ، وروى مسلم فأدخل بين سعيد والنضر قتادة ، قال الجياني : وليس بشيء ؛ لتصريح البخاري وغيره بسماع سعيد من النضر هذا الحديث وحده ، ورواه مسلم أيضا عن أبي غسان ، وعن أبي موسى عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن النضر مثله .
باب قول الله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا أي : هذا باب في بيان سبب نزول قول الله عز وجل : وإذا رأوا الآية ، وقد ذكر هذه الآية في أول كتاب البيوع في باب ما جاء في قول الله عز وجل : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ الآية ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى وكان قصده من إعادتها هنا إشارة بأن التجارة وإن كانت في نفسها ممدوحة باعتبار كونها من المكاسب الحلال فإنها قد تذم إذا ما قدمت على ما يجب تقديمه عليها وكان من الواجب المقدم عليها إثباتهم مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين كان يخطب يوم الجمعة إلى أن يفرغ من الصلاة فلما تفرقوا حين أقبلت العير ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا أنزل الله تعالى هذه الآية ، وفيها عتب عليهم وإنكار وأخبر بأن كونهم مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان خيرا لهم من التجارة . 12 - حدثنا طلق بن غنام ، قال : حدثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم قال : حدثني جابر - رضي الله عنه - قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فنزلت : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا مطابقته للترجمة في قوله : فنزلت : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الآية ، فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الباب في كتاب البيوع ؟ قلت : فيها ذكر التجارة وهي من أنواع البيوع ، والحديث قد مضى في كتاب الجمعة في باب إذا نفر الإمام في صلاة الجمعة فإنه أخرجه هناك عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر إلى آخره ، وهنا أخرجه عن طلق بن غنام على وزن فعال بالتشديد وهو بالغين المعجمة ، وبالنون ابن طلق بن معاوية أبو محمد النخعي الكوفي وهو من أفراده ، وزائدة هو ابن قدامة أبو الصلت الكوفي ، وحصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي ، وسالم هو ابن أبي الجعد ، واسمه رافع الأشجعي الكوفي وهؤلاء كلهم كوفيون . قوله : يصلي : أي صلاة الجمعة ، قيل : كانت التفرقة في الخطبة وأجيب بأن المنتظر للصلاة كالمصلي وقد مر الكلام فيه مستوفى والله أعلم .
167 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال : سمعت سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قاتل الله يهود ؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني . والحديث أخرجه مسلم بإسناد البخاري . قوله : « يهود » يغير تنوين ؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث ؛ لأنه علم للقبيلة ، ويروى يهودا بالتنوين ، ووجهه أن يكون باعتبار الحي ، فيبقى بعلة واحدة فينصرف . ( قال أبو عبد الله : قاتلهم الله لعنهم ، قتل : لعن الخراصون : الكذابون ) هذا وقع في رواية المستملي ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وقال : تفسير قاتلهم لعنهم ، واستشهد على ذلك بقوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ يعني لعن الخراصون ، وهو تفسير ابن عباس في قوله : قتل . رواه الطبري عنه في تفسيره ، والخراصون الكذابون ، رواه الطبري أيضا عن مجاهد ، وقد مر الكلام فيه في معنى اللعن عن قريب .
( باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه ) أي هذا باب يذكر فيه لا يذاب شحم الميتة ، ولا يذاب مجهول من يذيب إذابة ، من ذاب الشيء ذوبا ضد جمد . قوله : « ودكه » بفتح الواو والدال ، وفي المغرب : الودك من اللحم والشحم ما يتحلب منه ، وقول الفقهاء ودك الميتة من ذلك ، وقال ابن الأثير : الودك هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه . رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي روى المذكور من ترك إذابة شحم الميتة وترك بيع الودك جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا تعليق أسنده البخاري في باب بيع الميتة والأصنام ، يأتي بعد ثمانية أبواب . 166 - ( حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو بن دينار قال : أخبرني طاوس أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : بلغ عمر أن فلانا باع خمرا ، فقال : قاتل الله فلانا ، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قاتل الله اليهود ؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) . مطابقته للترجمة في قوله : حرمت عليهم الشحوم فجملوها ، بالجيم ، والحميدي بضم الحاء المهملة هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي ، وهو من أفراد البخاري ، وسفيان هو ابن عيينة ، وكان الحميدي أثبت الناس فيه ، وقال : جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في ذكر بني إسرائيل عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن ابن عيينة به ، وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع ، وأخرجه النسائي في الذبائح ، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم به ، وأخرجه ابن ماجة في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : « قاتل الله فلانا » قال البيضاوي : أي عاداهم ، وقيل : قتلهم ، فأخرج في صورة المبالغة أو عبر عنه بما هو سبب عنه ، فإنهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته ، ومن قاتله قتله . وقال الخطابي : قيل : إن الذي فيه عمر - رضي الله تعالى عنه - هذا القول سمرة ، فإنه خللها ثم باعها ، وكيف يجوز على مثل سمرة أن يبيع عين الخمر وقد شاع تحريمها ؟! لكنه أول فيها بأن خللها وغير اسمها كما أولوه بالإذابة في الشحم ، فعابه عمر على ذلك ، انتهى . قلت : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، واللفظ لأبي بكر قال : حدثنا سفيان عن عمرو ، وعن طاوس ، عن ابن عباس قال : بلغ عمر - رضي الله تعالى عنه - أن سمرة باع خمرا ، فقال : قاتل الله سمرة ، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" ، ورواه البيهقي من طريق الزعفراني عن سفيان ، وزاد في روايته سمرة بن جندب . وقال القرطبي وغيره : اختلف في تفسيره بيع سمرة الخمر على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم ، معتقدا جواز ذلك . والثاني : أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرا ، والعصير يسمى خمرا كما يسمى العنب به ؛ لأنه يؤول إليه ، قال الخطابي : ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها ، وإنما باع العصير . والثالث : أن يكون خلل الخمر وباعها لما ذكرنا آنفا . وقال الإسماعيلي في كتابه المدخل : يجوز أن سمرة علم بتحريمها ولم يعلم بحرمة بيعها ، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله ، ولعزله لو فعله عن علم ، انتهى . وهذا يرد قول بعضهم : ولم أر في شيء من الأخبار أن سمرة كان واليا لعمر على شيء من أعماله ، انتهى ، لأن قول الذي اطلع على شيء حجة على قول من يدعي عدم الاطلاع عليه ، وأيضا الدعوى بعدم رؤية شيء في الأخبار الذي نقله غير واحد من الحفاظ غير مسموعة ؛ لأنه يبعد أن يطلع أحد على جميع ما وقع في قضية من الأخبار . قوله : « قاتل الله اليهود » فسره البخاري من رواية أبي ذر باللعنة ، وهو قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما وقال الهروي : معناه قتلهم الله ، وحكي عن بعضهم : عاداهم ، والأصل في فاعل أن يكون من اثنين ، وربما يكون من واحد ، مثل سافرت وطارقت . قوله : « فجملوها » بالجيم ، أي : أذابوها ، يقال : جمل الشحم يجمله ، من باب نصر ينصر إذا أذابه ، ومنه الجميل ، وهو الشحم المذاب ، وقال الداودي : ومنه سمي الجمال ؛ لأنه يكون عن الشحم وليس هذا بين ؛ لأنه قد يكون بعد الهزال . وقال بعضهم : وجه تشبيه عمر - رضي الله تعالى عنه - بيع المسلمين الخمر ببيع اليهودي المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما . قلت : هذا لا يسمى تشبيها لعدم شروط التشبيه فيه ، وإنما هو تمثيل ، يعني بيع فلان الخمر مثل بيع اليهودي الشحم المذاب ، والمعنى حال هذا الرجل الذي باع الخمر العجيبة الشأن ، كحال اليهود الذين حرم عليهم الشحم ، ثم جملوه فباعوه ، وعلماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل ، وجعلوا لكل واحد بابا مفردا ، نعم إذا كان وجه التشبيه منتزعا من أمور يسمى تمثيلا كما في تشبيه : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فإن تشبيه مثل اليهود الذين كلفوا بالعمل بما في التوراة ، ثم لم يعملوا بذلك بمثل الحمار الحامل للأسفار ، فإن وجه التشبيه بينهما وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد والتعب في استصحابه لا يخفي كونه منتزعا من عدة أمور . وقال هذا القائل أيضا : كل ما حرم تناوله حرم بيعه . قلت : قد ذكرنا فيما مضى أن هذا ليس بكلي ، فإن الحية يحرم تناولها ولا يحرم بيعها للضرورة للتداوي ، وقال أيضا : وتناول الخمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله ، إنما يتأتى بعد ذبحه ، وهو بالذبح يصير ميتة ؛ لأنه لا ذكاة له ، وإذا صارت ميتة صار نجسا ولم يجز بيعه ، انتهى . قلت : كان ينبغي له أن يقول هذا في مذهبنا ؛ لأن من لم يقف على مذاهب العلماء في مثل هذا ، يعتقد أنه أمر مجمع عليه ، وليس كذلك ، فإن عندنا ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح يطهر لحمه حتى إذا صلى ومعه من ذلك أكثر من قدر الدرهم تصح صلاته ، ولو وقع في الماء لا ينجسه ؛ لأنه بالذكاة يطهر ؛ لأن الذكاة أبلغ من الدباغ في إزالة الدماء والرطوبات ، وقال الكرخي : كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة ، فهذا يدل على أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه ، وفي البدائع : الذكاة تطهر المذكي بجميع أجزائه إلا الدم المسفوح هو الصحيح ، وقال ابن بطال : أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة بتحريم الله تعالى لها ، قال تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ واعترض بعض الملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطأها ، فإنها تحرم على الابن ، ويحل له بيعها بالإجماع وأكل ثمنها . وقال القاضي : هذا تمويه على من لا علم عنده ؛ لأن جارية الأب لم يحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غيره من الناس ، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع ، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره ، بخلاف الشحوم فإنها محرمة ، المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود ، وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل على كل أحد ، فكان ما عدا الأكل تابعا ، بخلاف موطوءة الأب . وفي الحديث لعن العاصي المعين ، ولكن يحتمل أن قول عمر كان للتغليظ ؛ لأن هذا كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر ، وليست على حقيقتها ، وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم . وفيه تحريم بيع الخمر ، وقال ابن المنذر وغيره : فيه الإجماع ، وشذ من قال : يجوز بيعها ، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرا . وقال بعضهم : فيه أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه ، قلت : هذا ليس بكلي ، وقال أيضا : فيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي لا يجوز ، وكذا توكيل الذمي المسلم في بيع الخمر ، قلت : لا خلاف في المسألة الأولى ولا في الثانية ، ولكن الخلاف فيما إذا وكل الذمي المسلم ببيع الخمر ، والحديث لا يدل على مسألة التوكيل من الجانبين . وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر ، وقال بعضهم : واستدل به على تحريم جثة الكافر إذا قتلناه وأراد الكفار شراءه . قلت : وجه هذا الاستدلال من هذا الحديث غير ظاهرة .
وقال ابن إسحاق في حديثه ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : كانت العرايا أن يعري الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين . أي قال محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ، وحديثه عن نافع وصله الترمذي ، قال : حدثنا هناد ، حدثنا عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة والمزابنة ، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها . انتهى . وأما تفسيره فوصله أبو داود عنه ، قال : حدثنا هناد ، حدثنا عبدة ، عن ابن إسحاق قال : العرايا أن يهب الرجل للرجل النخلات فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل خرصها .
وقال يزيد ، عن سفيان بن حسين : العرايا نخل كانت توهب للمساكين ، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها ، رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر . يزيد من الزيادة ، هو ابن هارون الواسطي ، أحد الأعلام ، وسفيان بن حسين الواسطي من أتباع التابعين . قوله : أن ينتظروا بها أي : جذاذها ، والجمهور على أنه بعكس هذا ، قالوا : كان سبب الرخصة أن المساكين الذين ما كان لهم نخلات ولا نقود يشترون بها الرطب ، وقد فضل من قوتهم التمر ، كانوا وعيالهم يشتهون الرطب ، فرخص لهم في شراء الرطب بالتمر ، وهذا التعليق وصله الإمام أحمد في حديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت مرفوعا في العرايا ، قال سفيان بن حسين ، فذكره ، وحكي عن الشافعي أنه قيد العرية بالمساكين محتجا بحديث سفيان بن حسين هذا ، وهو اختيار المزني ، وأنكره الشيخ أبو حامد ، نقله عن الشافعي ، قيل : لعل مستند الشافعي ما ذكره في اختلاف الحديث عن محمود بن لبيد قال : قلت لزيد بن ثابت : ما عراياكم هذه ؟ قال : فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه ، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم ، فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا .
137 - حدثنا محمد قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا . محمد وقع كذا غير منسوب في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية أبي ذر : حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي المجاور بمكة ، وهو من أفراده ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وموسى بن عقبة بضم العين وسكون القاف ابن أبي عياش الأسدي المديني ، وقد مر الكلام فيه في باب بيع الزبيب بالزبيب . قوله : كيلا نصب على التمييز أي : من حيث الكيل . قال موسى بن عقبة : والعرايا نخلات معلومات تأتيها فتشتريها . هذا تفسيره للعرايا ، قال الكرماني : كيف صح كلامه تفسيرا للعرايا ، وهو صادق على كل ما يباع في الدنيا من النخلات بأي غرض كان ، قلت : غرضه بيان أنها مشتقة من عروت إذا أتيت وترددت إليه ، لا من العري بمعنى التجرد . انتهى . قلت : وتبعه بعضهم ، بل أخذ منه بقوله : لعله أراد أن يبين أنها مشتقة من عروت إلى آخره ، نحو ما قاله الكرماني ( قلت ) : هذا توجيه بعيد جدا ، فأي شيء من كلامه هذا يوضح أن غرضه بيان الاشتقاق ؟ ويمكن أن يقال : إنه اختصره للعلم به .
باب تفسير العرايا أي هذا باب في بيان تفسير العرايا ، وهو جمع عارية ، وقد استقصينا الكلام في هذا الباب في باب بيع الزبيب بالزبيب . وقال مالك : العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة ، ثم يتأذى بدخوله عليه ، فرخص له أن يشتريها منه بتمر . مالك هو ابن أنس صاحب المذهب . قوله : أن يعري بضم الياء من الإعراء ، وهو الإعطاء ، يقال : عروت الرجل إذا أتيته تسأله معروفه فأعراه أي : أعطاه ، فالرجل الأول مرفوع لأنه فاعل ، والرجل الثاني منصوب لأنه مفعول ، وقوله : النخلة منصوب أيضا على المفعولية . قوله : بتمر بالتاء المثناة من فوق ، وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن مالك ، وروى الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره ، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهلهم في وقت الثمار إلى البساتين ، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول : أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا ، فرخص له في ذلك . وقال ابن إدريس : العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد ، لا يكون بالجزاف ، ومما يقويه قول سهل ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة . ابن إدريس هذا هو عبد الله الأودي الكوفي ، كذا قاله ابن التين وعليه الأكثرون ، وتردد ابن بطال فيه ، وجزم المزي في التهذيب بأنه الشافعي حيث قال : هذا الكلام كله قول محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله تعالى عنه وأن له هذا الموضع في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري وموضع آخر في كتاب الزكاة ، وكلام ابن بطال يدل على أن قوله : ومما يقويه إلى آخره من كلام البخاري لا من كلام ابن إدريس ، وقال ابن بطال : هذا إجماع فلا يحتاج إلى تقوية ، ولم يأت ذكر الأوساق الموسقة إلا في حديث مالك ، عن داود بن الحصين ، وفي حديث جابر من رواية ابن إسحاق لا في رواية ابن أبي حثمة ، وإنما يروى عن سهل من قوله من رواية الليث ، عن جعفر بن أبي ربيعة ، عن الأعرج قال : سمعت سهل بن أبي حثمة قال : لا يباع التمر في رؤوس النخل بالأوسق الموسقة إلا أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة فيأكلها الناس وهي المزابنة . قوله : لا يكون إلا بالكيل أي : لا بد أن يكون معلوم القدر إذ لا بد من العلم بالمساواة . قوله : يدا بيد أي : لا بد من التقابض في المجلس . قوله : بالجزاف بضم الجيم وفتحها وكسرها ، وهو معرب كزاف . قوله : ومما يقويه أي : ومما يقوي كلام ابن إدريس بأنه لا يكون جزافا قول سهل بن أبي حثمة ، يعني في كونه مكيلا معلوم المقدار . قوله : بالأوسق جمع وسق ، جمع قلة ، وقوله : الموسقة تأكيد كقوله تعالى : وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ وكقول الناس : آلاف مؤلفة .
( باب قتل الخنزير ) أي هذا باب في بيان قتل الخنزير هل هو مشروع كما شرع تحريم أكله ، أي : مشروع ، والجمهور على جواز قتله مطلقا ، إلا ما روي شاذا من بعض الشافعية ، أنه يترك الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة ، وقال ابن التين : ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها ، وتمكنا من قتله قتلناه . قلت : ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة ؛ لأنه مال عندهم ، ونحن نهينا عن التعرض إلى أموالهم ، فإن قلت : يأتي عن قريب أن عيسى - عليه السلام - حين ينزل يقتل الخنزير مطلقا ، قلت : يقتل الخنزير بعد قتل أهله ، كما أنه يكسر الصليب ؛ لأنه ينزل ويحمل الناس كلهم على الإسلام لتقرير شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم فإذا جاز قتل أهل الكفر حينئذ سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب ، فقتل خنزيرهم وكسر صليبهم بطريق الأولى والأحق ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - « يضع الجزية » يعني يرفعها ؛ لأن الناس كلهم يسلمون ، فمن لم يدخل في الإسلام يقتله ، فلا يبقى وجه لأخذ الجزية ؛ لأن الجزية إنما تؤخذ في هذه الأيام لتصرف في مصالح المسلمين منها دفع أعدائهم ، وفي زمن عيسى - عليه الصلاة والسلام - لا يبقى عدو للدين ؛ لأن الناس كلهم مسلمون ، ويفيض المال بينهم ، فلا يحتاج أحد إلى شيء من الجزية لارتفاعها بذهاب أهلها . فإن قلت : ما وجه دخول هذا الباب في أبواب البيوع ؟ قلت : كأن البخاري فهم أن كل ما حرم ولم يجز بيعه يجوز قتله فالخنزير حرم الشارع بيعه كما في حديث جابر الآتي ، فجاز قتله ، فمن هذه الحيثية أدخل هذا الباب في أبواب البيوع ، وقال بعضهم : ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه ، قلت : فيه نظر من وجهين : أحدهما أنه يحتاج إلى بيان الموضع الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الخنزير ، وتحريم بيعه لا يستلزم جواز قتله ، والآخر أن قوله : « ما أمر بقتله لا يجوز بيعه » ليس بكلي ، فإن الشارع أمر بقتل الحيات صريحا ، مع أن جماعة من العلماء منهم أبو الليث قالوا : يجوز بيع الحيات إذا كانت ينتفع بها للأدوية . وقال جابر حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع الخنزير مطابقته للترجمة من حيث إن مشروعية قتل الخنزير كان مبنيا على كونه محرما أكله ، فهذا القدر بهذه الحيثية يكفي لوجود المطابقة ، وهذا التعليق طرف من حديث البخاري بإسناده عن جابر بلفظ : سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول : "إن الله تعالى ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" بعد تسعة أبواب . 165 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد . مطابقته للترجمة في قوله : « ويقتل الخنزير » ، والحديث أخرجه مسلم أيضا في الإيمان عن قتيبة ومحمد بن رمح ، كلاهما عن الليث به ، وأخرجه الترمذي في الفتن عن قتيبة به ، وقال : حسن صحيح . ( ذكر معناه ) قوله : « ليوشكن » اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، ويوشكن من أفعال المقاربة ، وهو مضارع دخلت عليه نون التأكيد ، وماضيه أوشك ، وأنكر الأصمعي مجيء الماضي منه ، وحكى الخليل استعمال الماضي في قول الشاعر : ولو سألوا الشراب لأوشكونا وأفعال المقاربة أنواع ، نوع منها ما وضع للدلالة على دنو الخبر ، وهو ثلاثة : كاد ، وكرب ، وأوشك ، ومعناه هنا ليسرعن ، وقال الداودي : معناه ليكونن ، قال : وجاء يوشك بمعنى يكون ومعنى يقرب . قوله : « أن ينزل » كلمة أن مصدرية في محل الرفع على الفاعلية ، والمعنى ليسرعن نزول ابن مريم فيكم ونزوله من السماء ، فإن الله رفعه إليها وهو حي ، ينزل عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين ، وكان نزوله عند انفجار الصبح . قوله : « حكما » بفتحتين بمعنى الحاكم . قوله : « مقسطا » ، أي : عادلا من الإقساط ، يقال : أقسط إذا عدل ، وقسط إذا ظلم ، فكأن الهمزة فيه للسلب ، كما يقال شكا إليه فأشكاه . قوله : « فيكسر الصليب » الفاء فيه تفصيلية لقوله حكما مقسطا ، ويروى : حكما عدلا . قال الطيبي : يريد بقوله "يكسر الصليب" إبطال النصرانية والحكم بشرع الإسلام ، وفي التوضيح : يكسر الصليب ، أي : بعد قتل أهله . قلت : فتح لي هنا معنى من الفيض الإلهي ، وهو أن المراد من كسر الصليب إظهار كذب النصارى ، حيث ادعوا أن اليهود صلبوا عيسى - عليه الصلاة والسلام - على خشب ، فأخبر الله تعالى في كتابه العزيز بكذبهم وافترائهم ، فقال : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، وذلك أنهم لما نصبوا له خشبة ليصلبوا عليها ألقى الله تعالى شبه عيسى على الذي دلهم عليه ، واسمه يهوذا ، وصلبوه مكانه وهم يظنون أنه عيسى ، ورفع الله عيسى إلى السماء ، ثم تسلطوا على أصحابه بالقتل والصلب والحبس ، حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم ، فقيل له : إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله ، وكان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويفعل العجائب ، فعدوا عليه وقتلوه وصلبوه ، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه ، وجيء بالجذع الذي صلب عليه فعظمه صاحب الروم ، وجعلوا منه صلبانا ، فمن ثم عظمت النصارى الصلبان ، ومن ذلك الوقت دخل دين النصرانية في الروم ، ثم يكون كسر عيسى الصليب حين ينزل ؛ إشارة إلى كذبهم في دعواهم أنه قتل وصلب ، وإلى بطلان دينهم وأن الدين الحق هو الدين الذي هو عليه ، وهو دين الإسلام ، دين محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي هو نزل لإظهاره وإبطال بقية الأديان بقتل النصارى واليهود ، وكسر الأصنام ، وقتل الخنزير وغير ذلك . قوله : « ويقتل الخنزير » قال الطيبي : ومعنى قتل الخنزير تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله . وفيه بيان أن أعيانها نجسة ؛ لأن عيسى - عليه السلام - إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام ، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه ، انتهى . وقيل : يحتمل أنه لتضعيف أهل الكفر عندما يريد قتالهم ، ويحتمل أنه يقتله بعدما يقتلهم . قوله : « ويضع الجزية » ، وقد مر تفسيره في أول الباب . قوله : « ويفيض المال » ، أي : يكثر ويتسع ، من فاض الماء إذا سال وارتفع ، وضبطه الدمياطي بالنصب عطفا على ما قبله من المنصوبات ، وقال ابن التين : إعرابه بالضم لأنه كلام مستأنف غير معطوف ؛ لأنه ليس من فعل عيسى عليه السلام . قوله : « حتى لا يقبله أحد » لكثرته واستغناء كل واحد بما في يده ، ويقال : يكثر المال حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به ، فيدور واحد منهم على من يقبل شيئا منه ، فلا يجده . ( ومما يستفاد من الحديث ) ما فيه قاله ابن بطال دليل على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى - عليه السلام وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم . واختلف العلماء في الانتفاع بشعره ، فكرهه ابن سيرين والحكم ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال الطحاوي : لا ينتفع من الخنزير بشيء ، ولا يجوز بيع شيء منه ، ويجوز للخرازين أن يبيعوا شعرة أو شعرتين للخرازة ، ورخص فيه الحسن وطائفة ، وذكر عن مالك أنه لا بأس بالخرازة بشعره ، وأنه لا بأس ببيعه وشرائه ، وقال الأوزاعي : يجوز للخراز أن يشتريه ، ولا يجوز له أن يبيعه ، ومنه ما قاله البيهقي في ( سننه ) أن الخنزير أسوأ حالا من الكلب ؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه . قلت : الخنزير نجس العين حتى لا يجوز دباغة جلده ، بخلاف الكلب على ما عرف في الفروع .
( باب كراهية السخب في السوق ) أي هذا باب في بيان كراهية السخب ، وهو رفع الصوت بالخصام ، وهو بفتح السين المهملة والخاء المعجمة والباء الموحدة ، ويروى الصخب بالصاد المهملة ، والصاد والسين يتقاربان في المخرج ويبدل أحدهما عن الآخر . قوله : " في السوق " وفي بعض النسخ " في الأسواق " . 75 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التوراة ، قال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا . مطابقته للترجمة في قوله : " ولا سخاب في الأسواق " فالسخب مذموم في نفسه ، ولا سيما إذا كان في الأسواق ، وهي مجمع الناس من كل جنس ، ولا يسخب فيها إلا كل فاجر شرير ، ولو لم يكن السخب مذموما مكروها لما قال الله في التوراة في حق سيد الخلق : " ولا سخاب في الأسواق " ، ولا كان بسخاب في غير الأسواق . ورجاله كلهم تقدموا في أول كتاب العلم ، ومحمد بن سنان - بكسر السين المهملة وبالنون - أبو بكر العوفي ، وهو من أفراده . وفليح - بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة - ابن سليمان أبو يحيى الخزاعي ، وكان اسمه عبد الملك ، وفليح لقبه وغلب على اسمه . وهلال - بكسر الهاء - ابن علي في الأصح ، ويقال : هلال بن أبي هلال الفهري المديني . وعطاء بن يسار - ضد اليمين - أبو محمد الهلالي ، وليس لهلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو في الصحيح - غير هذا الحديث . ( ذكر معناه ) : قوله : " قال : أخبرني عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التوراة " . ( فإن قلت ) : هل قرأ عبد الله بن عمرو التوراة حتى سأل عنه عطاء بن يسار عن صفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها ؟ ( قلت ) : نعم ، كما روى البزار من حديث ابن لهيعة عن وهب عنه أنه رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلا وفي الأخرى سمنا ، وكأنه يلعقهما ، فأصبح ، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : تقرأ الكتابين التوراة والقرآن ، فكان يقرؤهما . قوله : " قال : أجل " بفتح الهمزة والجيم وباللام من حروف الإيحاب ، جواب مثل نعم ، فيكون تصديقا للمخبر وإعلاما للمستخبر ووعدا للطالب ، ومن يجيب عن قول الكرماني شرطه أن يكون تصديقا للمخبر ، وهنا ليس كذلك . قوله : " والله ، إنه لموصوف " أكد كلامه بالمؤكدات ، وهي الحلف بالله وبالجملة الاسمية وبدخول إن عليها وبدخول لام التأكيد على الخبر . قوله : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا " هذا كله في القرآن في سورة الأحزاب ، وتمام الآية : وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا قوله : " شَاهِدًا " أي لأمتك المؤمنين بتصديقهم ، وعلى الكافرين بتكذيبهم ، أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم ، كما يقبل قول شاهد العدل في الحكم . ( فإن قلت ) : انتصاب " شاهدا " بماذا ؟ ( قلت ) : على الحال المقدرة ، كما في قولك : مررت برجل معه صقر صائدا غدا ، أي مقدرا به الصيد غدا . قوله : " وَمُبَشِّرًا " أي للمؤمنين " نذيرا " للكافرين " وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ " أي إلى توحيده . قوله : " بِإِذْنِهِ " أي بأمره لك بالدعاء ، وقيل : بإذنه بتوفيقه " وَسِرَاجًا " جلى به الله ظلمات الكفر ، فاهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به ، وصفه بالإنارة ؛ لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه ، أي زيته ، ودقت فتيلته . قوله : " وحرزا " بكسر الحاء المهملة أي حافظا ، والحرز في الأصل الموضع الحصين ، فاستعير لغيره ، وسمي التعويذ أيضا حرزا ، والمعنى حافظا لدين الأميين ، يقال : حرزت الشيء أحرزه حرزا إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ ، والأميون العرب ؛ لأن الكتابة كانت عندهم قليلة . قوله : " سميتك المتوكل " يعني لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله تعالى في الرزق والنصر ، والصبر على انتظار الفرج ، والأخذ بمحاسن الأخلاق ، واليقين بتمام وعد الله ، فتوكل عليه ، فسمي المتوكل . قوله : " ليس بفظ " أي سيئ الخلق ، " ولا غليظ " أي شديد في القول ، وقول القائل لعمر رضي الله تعالى عنه : أنت أفظ وأغلظ من رسول قيل : لم يأت أفعل هنا للمفاضلة بينه وبين من أشرك معه ، بل بمعنى أنت فظ غليظ على الجملة لا على التفصيل . وهاهنا التفات ؛ لأن القياس يقتضي الخطاب بأن يقال : ولست ، ولكن التفت من الخطاب إلى الغيبة . قوله : " ولا سخاب " على وزن فعال بالتشديد من السخب ، وفي ( التلويح ) : وفيه ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصفة المذمومة من الصخب واللغط ، والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه ، والأيمان الحانثة ؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " شر البقاع الأسواق " لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة . انتهى . ( قلت ) : ليس فيه الذم ، إلا لأهل السوق الموصوفين بهذه الصفات ، وليس فيه الذم لنفس الأسواق ظاهرا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : " ولا يدفع بالسيئة السيئة " أي لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك حرمة الله تعالى ، لكن يأخذ بالفضل . قوله : " حتى يقيم به " أي حتى ينقى به الشرك ويثبت التوحيد . قوله : " الملة العوجاء " هي ملة العرب ، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام ، وتغييرهم ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن استقامتها ، وإمالتهم بعد قوامها ، والمراد من إقامتها إخراجها من الكفر إلى الإيمان . قوله : " أعينا عميا " الأعين جمع عين ، والعمي بضم العين جمع عمياء ، قال ابن التين : كذا للأصيلي ، يعني جعل عميا صفة للأعين ، وفي بعض روايات الشيخ أبي الحسن " أعين عمي " بالإضافة ، و " عمي " على هذه الرواية جمع أعمى . قوله : " وآذانا صما " كذلك بالروايتين ، إحداهما يكون الصم جمع صماء صفة للآذان ، والأخرى يكون " وآذان صم " بالإضافة ، فعلى هذه يكون الصم جمع أصم . قوله : " وقلوبا غلفا " وقع في رواية النسفي والمستملي : والغلف بضم الغين المعجمة جمع أغلف ، سواء كان مضافا أو غير مضاف ، وترك الإضافة فيه بين ، والآن يجيء تفسيره . تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال . أي تابع فليحا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال في روايته عن عطاء ، وأخرج البخاري هذه المتابعة مسندة ، فقال : حدثنا عبد الله حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال بن أبي هلال ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص : إن هذه الآية التي في القرآن يا أيها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنا أرسلناك ، الحديث ، أخرجه في سورة الفتح ، وعبد الله شيخه هو ابن سلمة ، قاله أبو علي بن السكن ، وقال أبو مسعود الدمشقي : هو عبد الله بن محمد بن رجاء ، وقال الجياني : هو عبد الله بن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، والحاكم قطع على أن البخاري لم يخرج في صحيحه ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، نعم ، أخرج هذا الحديث في كتاب الأدب ، عن عبد الله بن صالح . وقال سعيد : عن هلال ، عن عطاء ، عن ابن سلام . سعيد هذا هو ابن أبي هلال ، هو المذكور في سند الحديث عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن سلام الصحابي ، وقد خالف سعيد هذا عبد العزيز وفليحا في تعيين الصحابي ، وهذه الطريقة وصلها الدارمي في ( مسنده ) ويعقوب بن سفيان في ( تاريخه ) ، والطبراني جميعا بإسناد واحد عنه ، ولا مانع أن يكون عطاء حمل الحديث عن كل من عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سلام . ورواه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن جده قال : مكتوب في التوراة صفة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلف كل شيء في غلاف ، وسيف أغلف ، وقوس غلفاء ، ورجل أغلف إذا لم يكن مختونا ، قاله أبو عبد الله . غلف كل شيء بإضافة غلف إلى كل شيء ، وهو مبتدأ ، وقوله : في غلاف خبره ، يعني أنه مستور عن الفهم والتمييز ، يقال : سيف أغلف إذا كان في غلاف ، وكذا يقال : قوس غلفاء إذا كانت في غلاف يصنع له مثل الجعبة ونحوها . قوله : " قاله أبو عبد الله " هو البخاري نفسه .
باب من لم يبال من حيث كسب المال أي : هذا باب في بيان حال من لم يبال من حيث كسب المال وأشار بهذه الترجمة إلى ذم من لم يبال في مكاسبه من أين يكسب 13 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام ؟ مطابقته للترجمة في قوله : لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام ، وآدم هو ابن إياس ، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، والحديث أخرجه النسائي أيضا في البيوع عن القاسم بن زكريا بن دينار . قوله : يأتي على الناس وفي رواية أحمد ، عن يزيد ، عن ابن أبي ذئب بسنده : ليأتين على الناس زمان وفي رواية النسائي من وجه آخر : يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصابه المال من حل أو حرام . وروى الحاكم من حديث الحسن عن أبي هريرة يرفعه : يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره وقال : إن صح سماع الحسن عن أبي هريرة فهذا حديث صحيح ، وقال ابن بطال : هذا يكون لضعف الدين وعموم الفتن ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم : بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا وروي عنه أنه قال : من بات أكالا من عمل الحلال بات والله عنه راض وأصبح مغفورا له وطلب الحلال فريضة على كل مؤمن ذكره ابن الجوزي في كتاب الترغيب والترهيب من حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ابن عباس مرفوعا مختصرا وقال ابن التين : أخبر بهذا تحذيرا ؛ لأن فتنة المال شديدة وقد دعي أبو هريرة إلى طعام فلما أكل لم ير نكاحا ولا ختانا ولا مولودا قال : ما هذا ؟ قيل : خفضوا جارية فقال : هذا طعام ما كنا نعرفه ثم قاءه ، قال : يقال : أول ما ينتن من الإنسان بطنه ، وروى أبان بن أبي عياش : عن أنس قال : قلت يا رسول الله اجعلني مستجاب الدعوة قال : يا أنس أطب كسبك تستجاب دعوتك ، فإن الرجل ليرفع إلى فيه اللقمة من حرام فلا تستجاب له دعوته أربعين يوما .
( باب الكيل على البائع والمعطي ) هذا باب في بيان مؤنة الكيل على البائع ، وكذا مؤنة الوزن أي فيما يوزن على البائع . قوله : " والمعطي " أي ومؤنة الكيل على المعطي أيضا ، سواء كان بائعا أو موفيا للدين أو غير ذلك . وقال الفقهاء : إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع ، ومن عليه الكيل والوزن فعليه أجرة ذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور ، وقال الثوري : كل بيع فيه كيل أو وزن أو عدد فهو على البائع حتى يوفيه إياه ، فإن قال : أبيعك النخلة ، فجذاذها على المشتري ، وفي ( التوضيح ) : وعندنا أن مؤنة الكيل على البائع ، ووزن الثمن على المشتري . وفي أجرة النقاد وجهان ، وينبغي أن يكون على البائع وأجرة النقل المحتاج إليه في تسليم المنقول على المشتري ، صرح به المتولي ، وقال بعض أصحابنا : على الإمام أن ينصب كيالا ووزانا في الأسواق ويرزقهما من سهم المصالح . وقالت الحنفية : وأجرة نقد الثمن ووزنه على المشتري . وعن محمد بن الحسن : أجرة نقد الثمن على البائع ، وعنه : أن أجرة النقد على رب الدين بعد القبض ، وقبله على المدين ، وأجرة الكيال على البائع فيما إذا كان البيع مكايلة ، وكذا أجرة وزن المبيع وذرعه وعده على البائع ؛ لأن هذه الأشياء من تمام التسليم ، وهو على البائع ، وكذا إتمامه . وقول الله تعالى : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ يعني كالوا لهم ووزنوا لهم ، كقوله يسمعونكم يسمعون لكم . " قولِ الله " بالجر عطفا على قوله : " الكيل " ، والتقدير باب في بيان الكيل وفي بيان معنى قوله : " وَإِذَا كَالُوهُمْ " وقد بينه بقوله يعني كالوهم إلى آخره ، وفي بعض النسخ لقول الله تعالى وإذا كالوهم ، فعلى هذه يقع هذا تعليلا للترجمة ، فوجهه أنه لما كان الكيل على البائع وعلى المعطي بالتفسير الذي ذكرناه وجب عليهما توفية الحق الذي عليهما في الكيل والوزن ، فإذا خانوا فيهما بزيادة أو نقصان فقد دخلا تحت قوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الذين إلى قوله يُخْسِرُونَ وعلى النسخة المشهورة تكون الآية من الترجمة ، وهذه السورة مكية في رواية همام وقتادة ومحمد بن ثور ، عن معمر ، وقال السدي : مدنية ، وقال الكلبي : نزلت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طريقه من مكة إلى المدينة ، وقال أبو العباس في ( مقامات التنزيل ) : نظرت في اختلافهم فوجدت أول السورة مدنيا كما قال السدي ، وآخرها مكيا كما قال قتادة ، وقال الواحدي ، عن السدي : قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة وبها رجل ، يقال : له أبو جهينة ومعه صاعان ، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر ، فأنزل الله هذه الآية ، وفي ( تفسير ) الطبري : كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ، ويقف على " كالوا " وعلى " وزنوا " فيما ذكر ، ثم يبتدئ فيقول : هم يخسرون ، والصواب عندنا في ذلك الوقف على هم ، يعني كالوهم . قوله : " يعني كالوا لهم " حذف الجار وأوصل الفعل . وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون على حذف المضاف ، وهو المكيل والموزون ، أي كالوا مكيلهم . وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اكتالوا حتى تستوفوا . هذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بسند صحيح . قوله : " اكتالوا " أمر للجماعة من الاكتيال ، والفرق بين الكيل والاكتيال أن الاكتيال إنما يستعمل إذا كان الكيل لنفسه كما يقال : فلان مكتسب لنفسه وكاسب لنفسه ولغيره ، وكما يقال : اشتوى إذا اتخذ الشواء لنفسه ، وإذا قيل : شوى هو أعم من أن يكون لنفسه ولغيره . ويذكر عن عثمان رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له : إذا بعت فكل ، وإذا ابتعت فاكتل . مطابقته للترجمة من حيث إن معنى قوله : " إذا بعت فكل " هو معنى قوله في الترجمة : باب الكيل على البائع ، وقال ابن التين : هذا لا يطابق الترجمة ؛ لأن معنى قوله : " إذا بعت فكل " أي فأوف ، " وإذا ابتعت فاكتل " أي استوف ، قال : والمعنى أنه إذا أعطى أو أخذ لا يزيد ولا ينقص ، أي لا لك ولا عليك . ( قلت ) : لا ينحصر معناه على ما ذكره ؛ لأنه جاء في حديث رواه الليث ، ولفظه : " أن عثمان قال : كنت أشتري التمر من سوق بني قينقاع ، ثم أجلبه إلى المدينة ، ثم أفرغه لهم ، وأخبرهم بما فيه من المكيلة ، فيعطوني ما رضيت به من الربح ويأخذونه بخبري ، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له : إذا بعت فكل " فظهر من ذلك أن معناه إعطاء الكيل حقه ، وهو أن يكون الكيل عليه ، وليس المراد منه طلب عدم الزيادة أو نقصانه ، فظهر من ذلك أن وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ما ذكرناه . وهذا التعليق وصله الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة ، عن منقذ مولى سراقة ، عن عثمان بهذا ، ومنقذ مجهول الحال ، لكن له طريق آخر أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار من طريق موسى بن وردان ، عن سعيد بن المسيب ، عن عثمان به . ( فإن قلت ) : في طريقه ابن لهيعة . ( قلت ) : هو من قديم حديثه ؛ لأن ابن عبد الحكم أورده في ( فتوح مصر ) من طريق الليث عنه . 76 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه النهي عن بيع الطعام ، إلا بعد الاستيفاء ، وهو القبض ، وإذا أراد البيع بعده يكون الكيل عليه ، وهو معنى الترجمة ، وقد مضى معنى هذا الحديث في آخر حديث ، عن ابن عمر أيضا في آخر باب ما ذكر في الأسواق . والحديث رواه البخاري أيضا عن عبد الله بن سلمة ، عن نافع ، عن ابن عمر على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وأخرجه مسلم في حديث نافع في لفظ " فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه ، حتى ننقله من مكانه " وفي لفظ " حتى يستوفيه ويقبضه " . وروي من حديث عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، ولفظه : " فلا يبعه حتى يقبضه " وروي من حديث سالم ، عن ابن عمر ، ولفظه : " أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه ، حتى يحولوه " وفي لفظ " حتى يؤووه إلى رحالهم " وروي أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله " وروي أيضا من حديث جابر بن عبد الله يقول : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : إذا ابتعت الطعام فلا تبعه حتى تستوفيه " . ورواه أبو داود من حديث ابن عمر ، ولفظه : " نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه " وروي أيضا من حديث ابن عباس " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه " وروي أيضا من حديث زيد بن ثابت " نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزوها إلى رحالهم " ، وقد مضى الكلام فيه مستوفى في آخر باب الأسواق .
77 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن جابر رضي الله عنه قال : توفي عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين ، فاستعنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غرمائه أن يضعوا من دينه ، فطلب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم ، فلم يفعلوا ، فقال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اذهب فصنف تمرك أصنافا ؛ العجوة على حدة ، وعذق زيد على حدة ، ثم أرسل إلي . ففعلت ، ثم أرسلت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجلس على أعلاه - أو في وسطه - ثم قال : كل للقوم ، فكلتهم حتى أوفيتهم الذي لهم ، وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء . مطابقته للترجمة في قوله : كل للقوم فإنه يعطي ، والترجمة باب الكيل على البائع والمعطي . وعبدان هو عبد الله بن عثمان ، وقد تكرر ذكره ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومغيرة بضم الميم وكسرها ، هو ابن مقسم - بكسر الميم - أبو هشام الضبي الكوفي ، والشعبي هو عامر بن شراحيل . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاستقراض ، عن موسى ، وفي الوصايا حدثنا محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب ، وفي المغازي عن أحمد بن أبي شريح ، وفي علامات النبوة ، عن أبي نعيم . وأخرجه النسائي في الوصايا ، عن القاسم بن زكريا . وعن علي بن حجر به . وعن عبد الرحمن بن محمد . ( ذكر معناه ) : قوله : عبد الله بن عمرو بن حرام هو والد جابر بن عبد الله الصحابي ، وحرام بفتح المهملتين . قوله : وعليه دين الواو فيه للحال . قوله : فاستعنت من الاستعانة ، وهو طلب العون . قوله : أن يضعوا من دينه أي أن يتركوا منه شيئا . قوله : فلم يفعلوا أي لم يتركوا شيئا ، وكانوا يهودا . قوله : فصنف تمرك أصنافا أي اعزل كل صنف منه على حدة . قوله : العجوة على حدة منصوب بعامل محذوف ، تقديره : ضع العجوة وحدها ، وهو ضرب من أجود التمر بالمدينة . قوله : وعذق زيد على حدة بالنصب أيضا عطف على العجوة ، أي ضع عذق زيد وحده ، والعذق : بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة ، وزيد علم شخص نسب إليه هذا النوع من التمر ، وفي ( التوضيح ) نوع من التمر رديء ، وفي ( الصحاح ) العذق بالفتح النخلة ، وبالكسر الكباسة . قوله : ففعلت أي ما أمر به النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : فجلس أعلاه أي فجلس النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعلى التمر . وفيه حذف ، وهو فجاء فجلس . قوله : ثم قال : كل بكسر الكاف وسكون اللام ؛ لأنه أمر من كال يكيل . قوله : وبقي تمري إلى آخره فيه معجزة ظاهرة للنبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وظهور بركته .
وقال هشام ، عن وهب ، عن جابر قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جذ له فأوف له . هشام هو ابن عروة ، ووهب هو ابن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام ، مات سنة تسع وعشرين ومائة ، وقد وصل البخاري هذا التعليق في الاستقراض . قوله : جذ بضم الجيم وتشديد الذال المعجمة ، ويجوز فيها الحركات الثلاث ، وهو أمر من الجذاذ ، وهو قطع العراجين . قوله : له أي للغريم في الموضعين . ومما يستفاد من الحديث أن بعض الورثة يقوم مقام البعض .
وقال فراس عن الشعبي قال : حدثني جابر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فما زال يكيل لهم حتى أداه . فراس - بكسر الفاء وتخفيف الراء وفي آخره سين مهملة - ابن يحيى المكتب ، وقد مر في الزكاة ، وهذا طرف من الحديث المذكور وصله البخاري في آخر أبواب الوصايا بتمامه . وفيه اللفظ المذكور .
( باب جلود الميتة قبل أن تدبغ ) أي هذا باب في بيان حكم جلود الميتة قبل دباغها ، هل يصح بيعها أم لا ؟ وسنوضح في الحديث جواز بيعها . 164 - حدثنا زهير بن حرب قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا أبي عن صالح قال : حدثني ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله قال : أخبره أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة ميتة ، فقال : هلا انتفعتم بإهابها ؟ قالوا : إنها ميتة ، قال : إنما حرم أكلها . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : « هلا انتفعتم بإهابها » ؛ لأنه يدل على أنه ينتفع بجلد الميت ، والانتفاع به يدل على جواز بيعه ؛ لأن الشارع خص الحرمة فيها بغير الأكل ، وغير الأكل أعم من أن يكون بالبيع وغيره ، وظاهره جواز الانتفاع به سواء دبغ أو لم يدبغ ، وهو مذهب الزهري ، وكان البخاري أيضا اختار هذا المذهب ، وبما ذكرناه يسقط اعتراض من يورد عليه بأنه ليس في الحديث الذي أورده تعرض للبيع ، والحديث أيضا أوضح الإبهام الذي في الترجمة . ورجاله سبعة : زهير مصغر زهر ابن حرب ضد الصلح ابن شداد أبو خيثمة ، ويعقوب ابن إبراهيم بن سعد ، وأبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وصالح هو ابن كيسان ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن وتكبير الأب ابن عتبة بن مسعود ، أحد الفقهاء السبعة ، والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم فإنه أخرجه هناك عن سعيد بن عفير ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وقد مر الكلام فيه مستقصى .
بسم الله الرحمن الرحيم ( باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الثمار - بكسر الثاء المثلثة - جمع ثمرة - بفتح الميم وهو يتناول الرطب وغيره ، قوله : «قبل أن يبدو» بنصب الواو ، أي : قبل أن يظهر ، ولا يهمز كما ذكرناه عن قريب ، وإنما لم يجزم بحكم المسألة بالنفي أو بالإثبات لقوة الخلاف فيها بين العلماء ، فقال ابن أبي ليلى والثوري : لا يجوز بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها مطلقا ، ومن نقل فيه الإجماع فقد وهم . وقال يزيد بن أبي حبيب : يجوز مطلقا ، ولو شرط التبقية ، ومن نقل فيه الإجماع أيضا فقد وهم . وقال الشافعي وأحمد ومالك في رواية : إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل . وقالت الحنفية : يصح إن لم يشترط التبقية ، والنهي محمول على بيع الثمار قبل أن يوجد أصلا ، وقيل : هو على ظاهره، لكن النهي فيه للتنزيه . وقد ذكرنا مذهب أصحابنا ومذهب مخالفيهم في باب بيع المزابنة بدلائلهم . 138 - ( وقال الليث عن أبي الزناد : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري من بني حارثة ، أنه حدثه عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال : كان الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار ، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع : إنه أصاب الثمر الدمان أصابه مراض أصابه قشام ، عاهات يحتجون بها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر ، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم ، قال : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر ) . مطابقته للترجمة في قوله : «فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر» والليث هو ابن سعد ، وأبو الزناد - بكسر الزاي وتخفيف النون - هو عبد الله بن ذكوان ، وهذا كما رأيت غير موصول . وأخرجه أبو داود . حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عنبسة بن خالد قال : حدثني يونس قال : سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وما ذكر في ذلك ، فقال : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت قال : كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع : قد أصاب الثمر الدمان وأصابه قشام وأصابه مراض ، عاهات يحتجون بها ، فلما كثرت خصومتهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالمشورة يشير بها : فأما لا فلا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ؛ لكثرة خصومتهم واختلافهم ، وأخرجه البيهقي أيضا في سننه موصولا ، وأخرجه الطحاوي في معرض الجواب عن الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها التي احتجت بها الشافعية والمالكية والحنابلة ، حيث قالوا : لا يجوز بيع الثمار في رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر ، فقال الطحاوي : وقد قال قوم : إن النهي الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه تحريم ذلك ، ولكنه على المشورة منه عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه ، ورووا في ذلك عن زيد بن ثابت ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : حدثنا أبو زرعة وهب الله ، عن يونس بن زيد قال : قال أبو الزناد : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري ، أنه أخبره أن زيد بن ثابت كان يقول : كان الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار ، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع : إنه أصاب الثمر العفن والدمان وأصابه مراق . قال أبو جعفر : الصواب هو مراق وأصابه قشام عاهات يحتجون بها ، والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب ، قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر . كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم ، فدل ما ذكرنا أن أول ما روينا في أول هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، إنما كان على هذا المعنى لا على ما سواه . ( ذكر معناه ) قوله : « من بني حارثة » بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله ، عن صحابي عن مثله ، والأربعة مدنيون . قوله : « في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم » ، أي : في زمنه وأيامه . قوله : « فإذا جذ الناس » بالجيم والذال المعجمة المشددة ، أي : فإذا قطعوا ثمر النخل ، ومنه الجذاذ وهو المبالغة في الأمر ، كذا في الرواية « جذ » على صيغة الثلاثي ، وفي رواية ابن ذر عن المستملي والسرخسي « أجذ » بزيادة ألف على صيغة الثلاثي المزيد فيه ، ومثله قال النسفي ، وقال ابن التين : أكثر الروايات « أجذ » ، قال : ومعناه دخلوا في زمن الجذاذ ، مثل أظلم دخل في الظلام ، وفي المحكم : جذ النخل يجذه جذا وجذاذا وجذاذا صرمه ، قوله : « تقاضيهم » بالضاد المعجمة ، يقال : تقاضيت ديني وبديني ، واستقضيته طلبت قضاه . قوله : « قال المبتاع » ، أي : المشتري ، وهو من الصيغ التي يشترك فيها الفاعل والمفعول والفرق بالقرينة ، قوله : « الدمان » بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم ، ضبطه أبو عبيد ، وضبط الخطابي بضم أوله ، وقال عياض : هما صحيحان والضم رواية القابسي ، والفتح رواية السرخسي ، قال : ورواها بعضهم بالكسر ، وذكره أبو عبيد عن ابن أبي الزناد بلفظ الإدمان ، زاد في أوله الألف وفتحها وفتح الدال ، وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده ، وقال الأصمعي : الدمال باللام العفن ، وقال القزاز : الدمان فساد النخل قبل إدراكه ، وإنما يقع ذلك في الطلع ، يخرج قلب النخلة أسود معفونا ، ووقع في رواية يونس الدمار بالراء بدل النون ، وهو تصحيف ، قاله عياض ، ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك ، كأنه قرأه بفتح أوله ، وفي التلويح وعند أبي داود في رواية ابن داسة : الدمار بالراء ، كأنه ذهب إلى الفساد المهلك لجميعه المذهب له ، وقال الخطابي : لا معنى له ، وقال الأصمعي : الدمال باللام في آخره التمر المتعفن ، وزعم بعضهم أنه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى تسود من الدمن ، وهو السرقين ، والذي في غريب الخطابي بالضم وكأنه الأشبه ؛ لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم : كالسعال ، والزكام ، والصداع . قوله : « أصابه مراض » كذا هو بضم الميم عند الأكثر ، قاله الخطابي ، لأنه اسم لجميع الأمراض ، وفي رواية الكشميهني والنسفي : مراض بكسر الميم ، ويروى أصابه مرض ، قوله : « قشام » بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة قال الأصمعي : هو أن ينتفض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا ، وقيل : هو أكال يقع في الثمر ، وقال الطحاوي في روايته : والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب . قوله : « أصابه ثالثا » بدل من أصابه ثانيا ، وهو بدل من الأول ، قوله : « عاهات » مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذه الأمور الثلاثة . عاهات أي : آفات وأمراض ، وهو جمع عاهة ، وأصلها عوهة قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وذكره الجوهري في الأجوف الواوي ، وقال : العاهة الآفة ، يقال : عيه الزرع وإيف ، وأرض معيوهة ، وأعاه القوم أصابت ماشيتهم العاهة ، وقال الأموي : أعوه القوم مثله ، قوله : « يحتجون بها » قال الكرماني : جمع لفظ يحتجون نظرا إلى أن لفظ المبتاع جنس صالح للقليل والكثير ، انتهى . قلت : فيه نظر لا يخفى ، وإنما جمعه باعتبار المبتاع ومن معه من أهل الخصومات بقرينة قوله :« يتبايعون» . قوله : « فأما لا » أصله فإن لا تتركوا هذه المبايعة ، فزيدت كلمة « ما » للتوكيد ، وأدغمت النون في الميم وحذف الفعل ، وقال الجواليقي : العوام يفتحون الألف والصواب كسرها ، وأصله أن لا يكون كذلك الأمر فافعل هذا ، وما زائدة ، وعن سيبويه : افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره ، لكنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه ، وقال ابن الأنباري : دخلت « ما » صلة كقوله - عز وجل - : ( فإما ترين من البشر أحدا ) ، فاكتفى بلا من الفعل كما تقول العرب : من سلم عليك فسلم عليه ، ومن لا . يعني ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه ، فاكتفى بلا من الفعل ، وأجاز من أكرمني أكرمته ، ومن لا معناه : من لم يكرمني لم أكرمه . وقد أمالت العرب « لا » إمالة خفيفة ، والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء ، وهو خطأ ، ومعناه : إن لم يكن هذا فليكن هذا ، قيل : وإنما يجوز إمالتها لتضمنها الجملة ، وإلا فالقياس أن لا تمال الحروف . وقال التيمي : قد تكتب « لا » هذه بلام وياء وتكون « لا » ممالة ، ومنهم من يكتبها بالألف ويجعل عليها فتحة محرفة علامة للإمالة ، فمن كتب بالياء تبع لفظ الإمالة ، ومن كتب بالألف تبع أصل الكلمة . قوله : « حتى يبدو صلاح الثمر » صلاح الثمر هو أن يصير إلى الصفة التي يطلب كونه على تلك الصفة ، وهو بظهور النضج والحلاوة ، وزوال العفوصة وبالتموه واللين وبالتلون وبطيب الأكل ، وقيل : هو بطلوع الثريا وهما متلازمان ، قوله : « كالمشورة » بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو على وزن فعولة ، ويقال بسكون الشين وفتح الواو على وزن مفعلة ، وقال ابن سيده : هي مفعلة لا مفعولة لأنها مصدر ، والمصادر لا تجيء على مثال مفعولة ، وقال الفراء : مشورة قليلة ، وزعم صاحب الثقيف والحريري في آخرين أن تسكين الشين وفتح الواو مما لحن فيه العامة ، ولكن الفراء نقله ، وهي مشتقة من شرت العسل إذا اجتنيته ، فكأن المستشير يجتني الرأي من المشير ، وقيل : أخذ من قولك : شرت الدابة ، إذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتسبر جريها وتختبر جوهرها ، فكأن المستشير يستخرج الرأي الذي عند المشير ، وكلا الاشتقاقين متقارب معناه من الآخر ، والمراد بهذه المشورة أن لا يشتروا شيئا حتى يتكامل صلاح جميع هذه الثمرة لئلا تجري منازعة . قوله « وأخبرني » ، أي : قال أبو الزناد : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، وإنما قال بالواو عطفا على كلامه السابق ، وخارجة بالخاء المعجمة والجيم هو أحد الفقهاء السبعة ، قوله : « حتى تطلع الثريا » ، وهو مصغر الثروى وصار علما للنجم المخصوص ، والمعنى : حتى تطلع مع الفجر ، وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا : إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد ، وفي رواية أبي حنيفة عن عطاء : رفعت العاهة من الثمار ، والنجم هو الثريا ، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف ، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ، والمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له ، وقد بينه في الحديث بقوله : ويتبين الأصفر من الأحمر .
( قال أبو عبد الله رواه علي بن بحر قال : حدثنا حكام قال : حدثنا عنبسة ، عن زكرياء ، عن أبي الزناد ، عن عروة ، عن سهل ، عن زيد ) . أبو عبد الله هو البخاري - رحمه الله تعالى قوله : « رواه » ، أي : روى الحديث المذكور علي بن بحر ضد البر القطان الرازي ، وهو أحد شيوخ البخاري ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين ، وحكام على وزن فعال بالتشديد للمبالغة ، ابن سلم بفتح السين المهملة وسكون اللام ، وهو أيضا رازي توفي سنة تسعين ومائة ، وعنبسة بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة والسين المهملة ، ابن سعيد بن ضريس بالضاد المعجمة مصغر ضرس ، كوفي ولي قضاء الري فعرف بالرازي ، وليس لعنبسة هذا في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف ، كذا لشيخه زكريا بن خالد الرازي ، ولا يعرف له راو غير عنبسة وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، وعروة هو ابن الزبير بن العوام ، وسهل هو ابن أبي حثمة ، وزيد هو ابن ثابت الأنصاري . وقد روى أبو داود حديث الباب من طريق عنبسة بن خالد ، عن يونس بن يزيد قال : سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وما ذكر في ذلك ، فقال : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت قال : كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها الحديث ، فذكره نحو حديث الباب ، وعنبسة بن خالد هذا غير عنبسة بن سعيد ، فافهم .
139 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه مسلم وأبو داود جميعا بإسناد مثل إسناد البخاري . قوله : « نهى عن بيع الثمار » وذلك لأنه لا يؤمن أن تصيبها آفة فتتلف فيضيع مال صاحبه ، قوله : « نهى البائع » لأنه يريد أكل المال بالباطل ، ونهى المبتاع أي المشتري ؛ لأنه يوافقه على حرام ، ولأنه بصدد تضييع لماله ، وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم ، ومقتضى الحديث جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا ، سواء شرط الإبقاء أو لم يشترط ؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح ، والمعنى فيه أن يؤمن فيها العاهة وتغلب السلامة ، فيثق المشتري بحصولها ، بخلاف ما قبل بدو الصلاح ، فإنه بصدد الغرر . واختلف السلف في قوله : حتى يبدو صلاحها هل المراد منه جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا جاز بيع ثمرة جميع البساتين ، وإن لم يبد الصلاح فيها ، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة ، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة ، أو في كل شجرة على حدة ، على أقوال : والأول قول الليث ، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا ، والثاني قول أحمد وعنه في رواية كالرابع ، والثالث قول الشافعية ، قلت : هذا كله غير محتاج إليه عند الحنفية .
140 - ( حدثنا ابن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا حميد الطويل عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع ثمرة النخل حتى تزهو . قال أبو عبد الله : يعني حتى تحمر ) . مطابقته للترجمة ظاهرة وابن مقاتل هو محمد بن مقاتل - بكسر التاء المثناة من فوق - أبو الحسن المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وهذا الحديث من أفراده . قوله : « ثمرة النخل » ذكر النخل ليس بقيد ، وإنما ذكره لكونه الغالب عندهم ، قوله : « حتى تزهو » قال ابن الأعرابي : زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته ، وأزهي إذا احمر واصفر ، وقال غيره : يزهو خطأ ، وإنما يقال : يزهي ، وقد حكاهما أبو زيد الأنصاري ، وقال الخليل : أزهي الثمر ، وفي المحكم الزهو ، والزهو البسر إذا ظهرت فيه الحمرة ، وقيل : إذا لون ، واحدته زهوة ، وأزهي النخل وزهي : تلون بحمرة وصفرة ، وقال الخطابي : الصواب في العربية يزهى ، وقال القرطبي : هل حديث الباب وغيره يدل على التحريم أو الكراهة ، فبالأول قال الجمهور ، وإلى الثاني صار أبو حنيفة . قوله : « قال أبو عبد الله » هو البخاري نفسه ، فسر لفظ تزهو بقوله تحمر ، قيل : رواية الإسماعيلي تشعر بأن قائل ذلك هو عبد الله بن المبارك ، فإذا صح هذا يكون لفظ أبو زائدا ليبقى ، قال عبد الله : ويكون المراد به عبد الله بن المبارك أحد رواة الحديث المذكور .
141 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سليم بن حيان قال : حدثنا سعيد بن ميناء قال : سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الثمرة حتى تشقح ، فقيل : وما تشقح ؟ قال : تحمار وتصفار ويؤكل منها ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن سعيد القطان وسليم بفتح السين المهملة وكسر اللام ، ابن حيان من الحياة ، وسعيد بن ميناء بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف ، وبالنون ممدودا ومقصورا ، تقدم في باب التكبير على الجنازة . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن عبد الله بن هشام ، وأخرجه أبو داود فيه عن أبي بكر بن محمد بن خلاد الباهلي عن يحيى . قوله : « حتى تشقح » بضم أوله وسكون ثانيه قال بعضهم : من أشقح يشقح إشقاحا ، إذا احمر أو اصفر ، والاسم الشقحة بضم الشين المعجمة وسكون القاف بعدها حاء مهملة ، وقال الكرماني : التشقح تغير اللون إلى الصفرة أو الحمرة ، والشقحة لون خلص في الحمرة ، انتهى . ( قلت ) : هذا كما ترى جعله بعضهم من باب الأفعال ، وجعله الكرماني من باب التفعيل ، وقال ابن الأثير : نهى عن بيع الثمر حتى تشقح ، هو أن يحمر أو يصفر ، يقال : أشقحت البسرة وشقحت إشقاحا وتشقيحا ، والاسم الشقحة ، قوله : « قيل ما تشقح » إلى آخره ، هذا التفسير من قول سعيد بن ميناء راوي الحديث ، بين ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسد عن سليم بن حيان ، أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك ، وكذلك أخرجه مسلم من طريق بهز قال : حدثنا سليم بن حيان ، حدثنا سعيد بن ميناء ، عن جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن المزابنة والمحاقلة والمخابرة ، وعن بيع الثمرة حتى تشقح ، قال : قلت لسعيد : ما تشقح ؟ قال : تحمار وتصفار ويؤكل منها . وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن سليم بن حيان ، فقال في روايته : قلت لجابر : ما تشقح الحديث . قلت : هذا يدل على أن السائل عن ذلك هو سعيد بن ميناء ، والذي فسره هو جابر . قوله : « تحمار وتصفار » كلاهما من باب الافعيلال من الثلاثي الذي زيدت فيه الألف والتضعيف ؛ لأن أصلهما حمر وصفر ، وقال الخطابي : أراد بالاحمرار والاصفرار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن يشبع ، وإنما يقال : تفعال من اللون الغير المتمكن . ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأنهم إذا أرادوا في لفظ حمر مبالغة يقولون : احمر ، فيزيدون على أصل الكلمة الألف والتضعيف ، ثم إذا أرادوا المبالغة فيه يقولون : احمار فيزيدون فيه ألفين والتضعيف ، واللون الغير المتمكن هو الثلاثي المجرد أعني حمر ، فإذا تمكن يقال : احمر ، وإذا ازداد في التمكن يقال : احمار ؛ لأن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة ، وقال بعضهم : وإنما يقال يفعال في اللون الغير المتمكن إذا كان يتلون . وأنكر هذا بعض أهل اللغة ، وقال : لا فرق بين يحمر ويحمار ، انتهى . قلت : قائل هذا ما مس شيئا من علم الصرف ، والتحقيق فيه ما ذكرناه .
باب التجارة في البر وغيره أي : هذا باب في بيان إباحة التجارة قوله : في البر بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء ، وقيل : بفتح الباء وتشديد الزاي ، قال ابن دريد : البز متاع البيت من الثياب خاصة ، وعن الليث ضرب من الثياب ، وعن الجوهري : هو من الثياب أمتعة البزاز والبزازة حرفته ، وقال محمد في السير الكبير : البز عند أهل الكوفة ثياب الكتان والقطن لا ثياب الصوف والخز وقيل : هي السلاح والثياب ، وقيل : بضم الباء وتشديد الراء قيل : الأكثر على أنه بالزاي وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه وكذلك ليس في الحديث ما يقتضي تعيين البر بضم الباء وتشديد الراء والأقرب أن يكون بفتح الباء وتشديد الراء ؛ لأنه أليق بمؤاخاة الترجمة التي تأتي بعدها بباب وهي قوله : باب التجارة في البحر ، وإلى هذا مال ابن عساكر قوله : وغيره ليس هذا اللفظ بموجود في رواية الأكثر وإنما هو عند الإسماعيلي وكريمة قلت : على تقدير وجود هذه اللفظة الأصوب أن البز بالزاي ويكون المعنى وغير البز من أنواع الأمتعة . وقوله عز وجل : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . وقوله : بالجر عطف على التجارة تقديره ، وفي تفسير قوله تعالى : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ وأول الآية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ قرأ ابن عامر وأبو بكر ، عن عاصم بفتح الباء على ما لم يسم فاعله ، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعني : لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ورجال مرفوع بما دل عليه يسبح وهو يسبح له ، والباقون بكسر الباء جعلوا التسبيح فعلا للرجال ورجال فاعل لقوله : يسبح ، فإن قيل : التجارة اسم يقع على البيع والشراء فما معنى ضم ذكر البيع إلى التجارة ( والجواب عنه ) قيل : التجارة في السفر والبيع في الحضر ، وقيل : التجارة الشراء ، وأيضا البيع في الإلهاء أدخل لكثرته بالنسبة إلى التجارة . وقال قتادة : كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله أراد بالقوم الصحابة فإنهم كانوا في بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادرون إليها لأداء حقوق الله ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر : فيهم نزلت فذكر الآية ، وقال ابن بطال : ورأيت في تفسير الآية قال : كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج الإشفى من الغررة ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة ، وفي الآية نعت تجار الأمة السالفة ، وما كانوا عليه من مراعاة حقوق الله تعالى والمحافظة عليها والتزام ذكر الله في حال تجاراتهم وصبرهم على أداء الفرائض وإقامتها وخوفهم سوء الحساب والسؤال يوم القيامة . 14 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار ، عن أبي المنهال قال : كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم رضي الله عنه فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ح وحدثني الفضل بن يعقوب قال : حدثنا الحجاج بن محمد قال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، وعامر بن مصعب أنهما سمعا أبا المنهال يقول : سألت البراء بن عازب ، وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا : كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال : إن كان يدا بيد فلا بأس ، وإن كان نساء فلا يصلح . مطابقته للترجمة في قوله : كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( ذكر رجاله ) وهم تسعة : لأنه روي من طريقين . الأول : أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد . الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الثالث : عمرو بفتح العين ابن دينار . الرابع : أبو المنهال بكسر الميم وسكون النون وفي آخره لام اسمه عبد الرحمن بن مطعم ، ولهم أبو المنهال الآخر صاحب أبي برزة واسمه سيار بن سلامة . الخامس : الفضل بن يعقوب الرخامي . السادس : الحجاج بن محمد الأعور . السابع : عامر بن مصعب بضم الميم وفتح العين المهملة . الثامن : البراء بن عازب الأنصاري . التاسع : زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السؤال ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أبو عاصم شيخه بصري ، وابن جريج وعمرو بن دينار مكيان وأبو المنهال كوفي وفضل بن يعقوب شيخه بغددي وهو من أفراده والحجاج بن محمد أصله ترمذي سكن المصيصة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن عمرو بن علي ، وعن حفص بن عمر وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم عن علي بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن محمد بن حاتم ، وعن عبيد الله بن معاذ . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور ، وعن إبراهيم بن الحسن ، وعن أحمد بن عبد الله وذكر كلهم في حديثهم زيد بن أرقم سوى عمرو بن علي . قوله : عن الصرف قال الداودي : يعني عن الذهب والفضة ، وقال الخليل : الصرف فضل الدرهم على الدرهم ومنه اشتق اسم الصيرفي لتصريفه بعض ذلك في بعض ، قلت : الصرف من أنواع البيع ، وهو بيع الثمن بالثمن . قوله : إن كان يدا بيد يعني متقابضين في المجلس ، قوله : وإن كان نساء بفتح النون وبالمد وهو رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : نسيئا بفتح النون وكسر السين وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة ، وفي المطالع : وإن كان نسيئا على وزن فعيل ، وعند الأصيلي : نساء مثل فعال وكلاهما صحيح بمعنى التأخر والنسيء اسم وضع موضع المصدر الحقيقي ومثله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يقال : أنسأت الشيء إنساء ونساء ، وسيأتي الكلام في هذا الباب مفصلا إن شاء الله تعالى .
( باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها ) أي هذا باب في بيان حكم بيع ثمر النخل ، وقال بعضهم : هذه الترجمة معقودة لحكم بيع الأصول ، والتي قبلها لحكم بيع الثمار ، انتهى . قلت : هذا كلام فاسد غير صحيح ، بل كل من الترجمتين معقودة لبيع الثمار ، أما الترجمة الأولى فهي قوله : "باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" ، ولم يذكر فيه النخل ليشمل ثمار جميع الأشجار المثمرة ، وههنا ذكر النخل ، والمراد ثمرته ، وليس المراد عين النخل ؛ لأن بيع عين النخل لا يحتاج أن يقيد ببدو الصلاح أو بعدمه ، ألا ترى في الحديث يقول : "وعن النخل حتى تزهو" ، والزهو صفة الثمرة لا صفة عين النخل ، والتقدير : عن ثمر النخل ، فافهم ( حدثني علي بن الهيثم قال : حدثنا معلى ، حدثنا هشيم قال : أخبرنا حميد قال : حدثنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ، وعن النخل حتى يزهو ، قيل : وما يزهو ؟ قال : يحمار أو يصفار ). مطابقته للترجمة في قوله : « وعن النخل » ، أي : وعن ثمر النخل كما ذكرنا ، وعلي بن الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء المثلثة البغدادي ، وهو من أفراده ، ومعلى بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة ابن منصور الرازي الحافظ ، طلبوه على القضاء فامتنع ، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ، وهو من كبار شيوخ البخاري ، وإنما روى عنه في الجامع بواسطة ، وهشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير الوسطي مر في التيمم ، والحديث من أفراده . قوله : « حدثني » وفي بعض النسخ "حدثنا علي" ، قوله : « وعن النخل » ، أي : عن بيع ثمر النخل وهذا ليس بتكرار ؛ لأن المراد بقوله « نهى عن بيع الثمرة » غير ثمر النخل بقرينة عطفه عليه ، ولأن الزهو مخصوص بالرطب ، والباقي قد شرح عن قريب ، ولم يسم السائل عن ذلك في هذه الرواية ولا المسؤول ، وسيأتي بعد خمسة أبواب عن حميد برواية إسماعيل بن جعفر عنه ، وفيه : قلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : تحمر .
( باب ما يستحب من الكيل ) أي هذا باب في بيان استحباب الكيل في المبيعات ، وقال ابن بطال : مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله . 78 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : حدثنا الوليد ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : كيلوا طعامكم يبارك لكم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الأمر على وجه الاستحباب في كيل الطعام عند الإنفاق ، على ما نذكره في معنى الحديث . وإبراهيم بن موسى بن يزيد أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير ، والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي ، وثور - باسم الحيوان المشهور - ابن يزيد - من الزيادة - الحمصي ، وخالد بن معدان - بفتح الميم - الكلاعي - بفتح الكاف وتخفيف اللام وبالعين المهملة - أبو كريب الحمصي ، والمقدام - بكسر الميم - ابن معدي كرب ، أبو يحيى الكندي ، نزل الشام ، وسكن حمص . وهذا الحديث من أفراد البخاري . قوله : " عن ثور " وفي رواية الإسماعيلي " حدثنا ثور " . قوله : " عن خالد بن معدان ، عن المقدام " هكذا رواه الوليد وغيره ، وروى أبو الربيع الزهراني " عن المقدام بن المبارك " فأدخل بين خالد جبير بن نفير ، وهكذا رواه الإسماعيلي ، ورواه ابن ماجه . وفي رواية " عن خالد ، عن المقدام ، عن أبي أيوب الأنصاري " ، فذكره من مسند أبي أيوب ، ورجح الدارقطني هذه الزيادة . قوله : " كيلوا " أمر للجماعة و " يبارك لكم " بالجزم جوابه ، ويروى " يبارك لكم فيه " ، ثم السر في الكيل لأنه يتعرف به ما يقوته وما يستعده ، وقال ابن بطال : لأنهم إذا اكتالوا يزيدون في الأكل فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها ، وقال عليه الصلاة والسلام : " كيلوا " أي أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله عز وجل من البركة في مد المدينة بدعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال أبو الفرج البغدادي : يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه في الكيل . ( فإن قلت ) : هذا يعارضه حديث عائشة " كان عندي شطر شعير فأكلت منه ، حتى طال علي فكلته ، ففني " . ( قلت ) : كانت تخرج قوتها بغير كيل ، وهي متقوتة باليسير ، فبورك لها فيه مع بركة النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الباقية عليها وفي بيتها ، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها . ( فإن قلت ) : يعارضه أيضا ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل على حفصة فوجدها تكتال على خادمها ، فقال : " لا توكي فيوكي الله عليك " . ( قلت ) : كان ذلك لأنه في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق ، أما إذا اكتال على معنى معرفة المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب ، وقد كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخر لأهله قوت سنة ، ولم يكن ذاك إلا بعد معرفة الكيل ، وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع ، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان ، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار ، فلذلك دخله النقص . انتهى . ( قلت ) : هذا ليس بظهور ، فكيف يقول : حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشترى ؟ وهذا غير صحيح ؛ لأن البخاري ترجم على حديث المقدام رضي الله تعالى عنه باستحباب الكيل والطعام الذي يشترى الكيل فيه واجب ، فهذا الظهور الذي أداه إلى أن جعل المستحب واجبا ، والواجب مستحبا ، وقال المحب الطبري : يحتمل أن يكون معنى قوله : " كيلوا طعامكم " أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة ، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره ، فيكون ذلك شكا بالإجابة فيعاقب بسرعة نفاده ، ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم ؛ لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه ، وهو لا يشعر ، فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه ، وقد يكون بريئا ، فإذا كاله أمن من ذلك .
باب الخروج في التجارة أي : هذا باب في بيان إباحة الخروج في التجارة وكلمة في هنا للتعليل أي : لأجل التجارة كما في قوله تعالى : لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ وفي الحديث : إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها أي : لأجل هرة . وقول الله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وقول الله بالجر عطف على الخروج تقديره : وفي بيان المراد في قول الله وهو إباحة الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله وهو الرزق والأمر فيه للإباحة كما في قول الله تعالى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا 15 - حدثنا محمد بن سلام قال : أخبرنا مخلد بن يزيد قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يؤذن له وكأنه كان مشغولا فرجع أبو موسى ففرغ عمر فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له قيل : قد رجع فدعاه فقال : كنا نؤمر بذلك فقال : تأتيني على ذلك بالبينة فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر : أخفي علي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق بالأسواق يعني : الخروج إلى تجارة . مطابقته للترجمة في قوله : ألهاني الصفق ومخلد بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ابن يزيد من الزيادة الحراني مر في آخر الصلاة . وابن جريج عبد الملك ، وعطاء بن أبي رباح ، وعبيد بن أبي عمير مصغرين ابن قتادة أبو عاصم قاضي أهل مكة فقال مسلم : ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقال البخاري : رأى النبي صلى الله عليه وسلم وابن جريج وعطاء وعبيد مكيون ، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك مشهور باسمه وبكنيته . وأخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن مسدد ، وأخرجه مسلم في الاستئذان من طرق : أحدهما : عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر رضي الله تعالى عنه ثلاثا فكأنه وجده مشغولا فرجع ، فقال عمر : ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس ايذنوا له فدعي فقال : ما حملك على ما صنعت قال : إنا كنا نؤمر بهذا قال : لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا فقام أبو سعيد فقال : كنا نؤمر بهذا فقال عمر : أخفي علي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالأسواق . وفي رواية له من حديث أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري قال : جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس فلم يؤذن له ، فقال : السلام عليكم هذا أبو موسى ، السلام عليكم هذا أبو موسى الأشعري ، ثم انصرف فقال : ردوا علي فجاء فقال : يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : الاستئذان ثلاثا فإن أذن لك وإلا فارجع ، قال : لتأتيني على هذا ببينة وإلا فعلت وفعلت الحديث ، وفي لفظ له : قال عمر : أقم عليه البينة وإلا أوجعتك ، وفي لفظ له : لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن قال : يشهد لك على هذا وأخرجه أبو داود أيضا في الأدب ، عن يحيى بن حبيب ، وفي لفظة فقال عمر لأبي موسى : إني لم أتهمك ، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر معناه قوله : استأذن أي : طلب الإذن على الدخول على عمر ، قوله : فلم يؤذن له على صيغة المجهول ، قوله : « وكأنه » أي : وكأن عمر كان مشغولا بأمر من أمور المسلمين ، قوله : ايذنوا له أصله ائذنوا له بالهمزتين فلما ثقلتا قلبت الثانية ياء لكسرة ما قبلها ، قوله : قيل قد رجع أي : أبو موسى ، قوله : فدعاه أي : دعا عمر أبا موسى . قوله : فقال كنا نؤمر فيه حذف تقديره فبعث عمر وراءه فحضر فقال له لم رجعت فقال : كنا نؤمر بذلك أي : بالرجوع حين لم يؤذن للمستأذن . قوله : فقال أي : قال عمر : تأتيني بدون لام للتأكيد ، وفي رواية مسلم : لتأتيني بنون التأكيد على ذلك على الأمر بالرجوع ، قوله : فقالوا : أي الأنصار ، قال النووي : إنما قال ذلك الأنصار إنكارا على عمر رضي الله عنه فيما قاله إنه حديث مشهور بيننا معروف عندنا حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : أخفي علي الهمزة للاستفهام وعلي بتشديد الياء ، قوله : ألهاني الصفق قال المهلب : ألهاني الصفق من قوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا فقرن التجارة باللهو فسماها عمر لهوا مجازا أراد شغلهم بالبيع والشراء عن ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحيانه حتى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن الاستئذان لا بد منه عند الدخول على من أراد قال الله تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا الاستئناس هو الاستئذان ، وقال بعض أهل العلم : الاستئذان ثلاث مرات مأخوذ من قوله تعالى : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قال : يريد ثلاث دفعات ، قال : فورد القرآن في المماليك والصبيان وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع ، وقال أبو عمر : هذا وإن كان له وجه ، ولكنه غير معروف عند العلماء في تفسير الآية الكريمة والذي عليه جمهورهم في قوله : ثلاث مرات أي : ثلاثة أوقات ، ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثم السنة أن يسلم ويستأذن ثلاثا ليجمع بينهما . واختلفوا هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام ، وقد صح حديثان في تقديم السلام فذهب جماعة إلى قوله : السلام عليكم أدخل وقيل : يقدم الاستئذان . واختار الماوردي في الحاوي إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان . وفيه أن الرجل العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده إذا كان طريق ذلك العلم السمع وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بغيره بعده قال ابن مسعود : لو أن علم عمر وضع في كفة ووضع علم أحياء أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر عليهم . وفيه دلالة على أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم ، وكلما ازداد المرء طلبا لها ازداد جهلا وقل علما . وفيه طلب الدليل على ما يعكر من الأقوال حتى يثبت عنده . وفيه : الدلالة على أن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع . ( ذكر الأسئلة والأجوبة ) منها أن طلب عمر البينة يدل على أنه لا يحتج بخبر الواحد وزعم قوم أن مذهب عمر هذا . والجواب عنه : أن عمر قد ثبت عنده خبر الواحد وقبوله والحكم به أليس هو الذي نشد الناس بمنى من كان عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية فليخبرنا ، وكان رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها ؛ لأنها ليست من عصبة الذين يعقلون عنه فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال : كتب إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ورث امرأة أشيم من دية زوجها ، وكذلك نشد الناس في دية الجنين فقال حمل بن النابغة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو وليدة فقضى به عمر ولا يشك ذو لب ومن له أقل منزلة من العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام ومكانه من الفقه والدين أجل من أن يرد خبره ويقبل خبر الضحاك وحمل وكلاهما لا يقاس به في حال . وقد قال له عمر في الموطأ : إني لم أتهمك فدل ذلك على اعتماد كان من عمر ، وطلب البينة في ذلك الوقت لمعنى الله أعلم به ، وقد يحتمل أن يكون عمر عنده في ذلك الحين من ليست له صحبة من أهل العراق أو الشام ولم يتمكن من الإيمان في قلوبهم لقرب عهدهم بالإسلام فخشي عليهم أن يختلقوا الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند الرغبة أو الرهبة . ومنها : أن قول عمر : ألهاني الصفق بالأسواق يدل على أنه كان يقل المجالسة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لم يكن لائقا بحقه ، والجواب : أن هذا القول من عمر على معنى الذم لنفسه وحاشاه أن يقل من مجالسته وملازمته وقد كان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول : فعلت أنا وأبو بكر وعمر ، وكنت أنا وأبو بكر وعمر ومكانهما منه عال ، وكان خروجه في بعض الأوقات إلى الأسواق للكفاف ، وكان من أزهد الناس ؛ لأنه وجد فترك . ومنها ما قيل : إن عمر قال لأبي موسى : أقم البينة وإلا أوجعتك وفي رواية : فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك وفي رواية : لأجعلنك نكالا فما معنى هذا وأبو موسى كان عنده أمينا ولهذا استعمله وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ساعيا وعاملا على بعض الصدقات ، وهذه منزلة رفيعة في الثقة والأمانة وأجيب : بأن هذا كله محمول على أن تقديره لأفعلن بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمدت كذبا .
80 - حدثني عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : اللهم بارك لهم في مكيالهم ، وبارك لهم في صاعهم ومدهم ، يعني أهل المدينة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن القعنبي وفي كفارات الأيمان ، عن عبد الله بن يوسف . وأخرجه مسلم والنسائي جميعا في المناسك ، عن قتيبة . قوله : اللهم بارك لهم البركة النماء والزيادة ، وتكون بمعنى الثبات واللزوم . وقيل : يحتمل أن تكون هذه البركة دينية ، وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات ، فتكون بمعنى الثبات والبقاء بها ؛ لبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها ، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال ، حتى يكفي منه ما لا يكفي مثله من غيره في غير المدينة ، أو ترجع البركة في التصرف بها في التجارة وأرباحها ، أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها ، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه بما فتح الله عليهم ، ووسع من فضله لهم ، وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها ، حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم ، حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه ، فزاد مدهم وصار هاشميا مثل مد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرتين أو مرة ونصفا ، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقبولها ، هذا كله كلام القاضي عياض رحمه الله . قوله : في مكيالهم بكسر الميم آلة الكيل ، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاء لإجابة دعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم .
( باب بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومده ) أي هذا باب في بيان بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : " ومده " أي ومد النبي . وفي رواية النسفي " ومدهم " بصيغة الجمع ، وكذا لأبي ذر عن غير الكشميهني ، وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم ، وقال بعضهم : الضمير يعود للمحذوف في صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي صاع أهل مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومدهم ، ويحتمل أن يكون الجمع لإرادة التعظيم . ( قلت ) : هذا التعسف لأجل عود الضمير ، والتقدير بصاع أهل مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير موجه ولا مقبول ؛ لأن الترجمة في بيان بركة صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الخصوص ، لا في بيان صاع أهل المدينة . ولأهل المدينة صيعان مختلفة ، فروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " قيل له : يا رسول الله ، صاعنا أصغر الصيعان ، ومدنا أكبر الأمداد ، فقال : اللهم بارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا ، واجعل لنا مع البركة بركتين " . قال ابن حبان : وفي ترك المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإنكار عليهم حيث قالوا : صاعنا أصغر الصيعان - بيان واضح أن صاع المدينة أصغر الصيعان ، وروى الدارقطني من حديث إسحاق بن سليمان الرازي قال : قلت لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، كم وزن صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قال : خمسة أرطال وثلث بالعراقي . وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) حدثنا يحيى بن آدم قال : سمعت حسن بن صالح يقول : صاع عمر رضي الله تعالى عنه ثمانية أرطال ، وقال شريك : أكثر من سبعة أرطال ، وأقل من ثمانية ، وروى البخاري في صحيحه ، عن السائب بن يزيد قال : كان الصاع على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدا وثلثا بمدكم اليوم ، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وروى الطحاوي عن ابن أبي عمر أنه قال : حدثنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعا ، عن أبي يوسف قال : قدمت المدينة فأخرج إلي من أثق به صاعا ، فقال : هذا صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقدرته ، فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل ، ثم قال : إن مالكا سئل عن ذلك ، فقال : هو تقدير عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث إبراهيم قال : عبرنا الصاع ، فوجدنا حجاجيا ، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي . انتهى . وأيضا الأصل خلاف التقدير ، وأيضا فلا ضرورة إليه ، وأما وجه الضمير في رواية " مدهم " فهو أن يعود إلى أهل المدينة ، وإن لم يمض ذكرهم ؛ لأن القرينة اللفظية تدل على ذلك ، وهو لفظ الصاع والمد ، ولأن أهل المدينة اصطلحوا على لفظ الصاع والمد ، كما أن أهل العراق اصطلحوا على لفظ المكوك ، قال عياض : المكوك مكيال أهل العراق يسع صاعا ونصف صاع بالمدني ، وكما أن أهل مصر اصطلحوا على القدح والربع والويبة ، وإذا ذكر الصاع والمد يتبادر أذهان الناس غالبا إلى أنهما لأجل المدينة . فيه عائشة رضي الله عنها ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي في صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي في دعائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالبركة فيه ، روي عن عائشة ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد مضى هذا في آخر كتاب الحج في حديث طويل ، عن عائشة . وفيه " اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا " . 79 - حدثنا موسى قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم الأنصاري ، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن ما دعا فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففيه البركة . وموسى هو ابن إسماعيل ، ووهيب - بالتصغير - ابن خالد البصري ، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني ، وعبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري النجاري المازني . والحديث أخرجه مسلم في المناسك ، عن قتيبة . وعن أبي كامل الجحدري . وعن أبي بكر بن أبي شيبة . وعن إسحاق بن إبراهيم . والكلام في حرم مكة وحرم المدينة قد مضى في كتاب الحج . وفيه الدعاء لما ذكر ، وهو علم من أعلام نبوته - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فما أكثر بركته ! وكم يؤكل ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله تعالى ! والمراد بالبركة في المد والصاع ما يكال بهما ، وأضمر ذلك لفهم السامع ، وهذا من باب تسمية الشيء باسم ما قرب منه كذا قيل . ( قلت ) : هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال ، فافهم .
161 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام ، فقال سعد : هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص ، عهد إلي أنه ابنه ، انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه ، فرأى شبها بينا بعتبة ، فقال : هو لك يا عبد ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ، فلم تره سودة قط . مطابقته للترجمة من حيث إن عبد بن زمعة قال : هذا ابن أمة أبي ، ولد على فراشه ، فأثبت لأبيه أمة وملكا عليها في الجاهلية ، فلم ينكر - صلى الله عليه وسلم - ذلك وسمع خصامهما ، وهو دليل على تنفيذ عهد المشرك والحكم به ، وإن تصرف المشرك في ملكه يجوز كيف شاء ، وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا بأن الولد للفراش ، فلم ينظر إلى الشبه ولا اعتبره ، والحديث قد مر في تفسير المشبهات ، فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن قزعة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه مستقصى . قوله : « انظر إلى شبهه » ، أي : إلى مشابهة الغلام بعتبة والعاهر الزاني .
162 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة ، عن سعد ، عن أبيه ، قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - لصهيب : اتق الله ، ولا تدع إلى غير أبيك ، فقال صهيب : ما يسرني أن لي كذا وكذا وأني قلت ذلك ، ولكني سرقت وأنا صبي . مطابقته للترجمة تؤخذ من تتمة قصته ، وهي أن كلبا ابتاعه من الروم ، فاشتراه ابن جدعان فأعتقه ، وقد ذكرناه عن قريب ، وغندر بضم الغين المعجمة هو محمد بن جعفر البصري ، وسعد هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه والحديث من أفراده . قوله : « قال عبد الرحمن بن عوف لصهيب اتق الله » إلى آخره ، إنما قال عبد الرحمن ذلك لأن صهيبا كان يقول إنه ابن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل ، نسبه إلى أن ينتهي إلى النمر بن قاسط ، وأن أمه من بني تميم ، وكان لسانه أعجميا ؛ لأنه ربي بين الروم فغلب عليه لسانهم . فإن قلت : وروى الحاكم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - لصهيب : ما جدت عليك في الإسلام إلا ثلاثة أشياء : اكتنيت أبا يحيى ، وإنك لا تمسك شيئا ، وتدعى إلى النمر بن قاسط . فقال أما الكنية ، فإن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كناني ، وأما النفقة ، فإن الله تعالى يقول : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وأما النسب ، فلو كنت من روثة لانتسبت إليها ، ولكن كان العرب يسبي بعضهم بعضا ، فسباني ناس بعد أن عرفت مولدي وأهلي ، فباعوني فأخذت بلسانهم يعني بلسان الروم . قلت : سياق الحديث يدل على أن المراجعة كما كانت بين صهيب وبين عبد الرحمن ، كانت كذلك بينه وبين عمر بن الخطاب ، قلت : النمر بن قاسط في ربيعة بن نزار ، وهو النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار . قوله : « اتق الله » ، أي : خف الله ولا تنتسب إلى غير أبيك ، فكأن عبد الرحمن كان ينكر عليه ذلك ، ولا يحمله إلا على خلافه ، فأجاب صهيب بقوله : ما يسرني أن لي كذا وكذا .
( باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه ) أي هذا باب في بيان حكم شراء المملوك من الحربي ، وحكم هبته وعتقه . وقال ابن بطال : غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي ، وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها إذ أقر سلمان عند مالكه من الكفار ، وأمره أن يكاتب ، وقبل الخليل عليه الصلاة والسلام هبة الجبار وغير ذلك مما تضمنه أحاديث الباب . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان كاتب وكان حرا فظلموه وباعوه مطابقته للترجمة من حيث إنه يعلم من قضية سلمان تقرير أحكام الحربي على ما كان عليه ، وسلمان هو الفارسي - رضي الله تعالى عنه وقصته طويلة على ما ذكره ابن إسحاق وغيره ، وملخصها أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسيا ، فلحق براهب ، ثم براهب ، ثم بآخر ، وكان يصحبهم إلى وفاتهم ، حتى دله الأخير إلى الحجاز ، وأخبره بظهور رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي ، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة ، فقدم به المدينة ، فلما قدم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ورأى علامات النبوة أسلم ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "كاتب عن نفسك" ، عاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : مائتين وخمس وسبعين سنة ، ومات سنة ست وثلاثين بالمداين . ثم هذا التعليق الذي علقه البخاري أخرجه ابن حبان في صحيحه ، والحاكم من حديث زيد بن صوحان عن سلمان ، وأخرجه أحمد والطبراني من حديث محمود بن لبيد عن سلمان قال : كنت رجلا فارسيا فذكر الحديث بطوله ، وفيه : ثم مر بي نفر من بني كلب تجار ، فحملوني معهم حتى إذا قدموا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي الحديث ، وفيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كاتب يا سلمان ، قال : فكاتب صاحبي على ثلاثمائة ودية الحديث ، وفي حديث الحاكم ما يدل أنه هو ملك رقبته لهم ، وعنده من حديث أبي الطفيل عن سلمان وصححه ، وفيه : فمر ناس من أهل مكة ، فسألتهم عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقالوا : نعم ، ظهر منا رجل يزعم أنه نبي ، فقلت لبعضهم : هل لكم أن أكون عبدا لبعضكم على أن تحملوني عقبة وتطعموني من الكسر ، فإذا بلغتم إلى بلادكم فمن شاء أن يبيع باع ، ومن شاء أن يستعبد استعبد ، فقال رجل منهم : أنا ، فصرت عبدا له حتى أتى بي مكة ، فجعلني في بستان له الحديث . قوله : « كاتب » أمر من المكاتبة ، قوله : « وكان حرا » جملة وقعت حالا من قال لا من قوله : « كاتب » ، وقال الكرماني : فإن قلت : كيف أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتابة وهو حر ؟ قلت : أراد بالكتاب صورة الكتابة لا حقيقتها ، فكأنه قال : أفد عن نفسك وتخلص من ظلمه ، انتهى . قلت : هذا السؤال غير وارد ، فلا يحتاج إلى الجواب : فكأن الكرماني اعتقد أن قوله : "وكان حرا" يعني في حال الكتابة ، فإنه في ذلك الوقت كان في ملك الذي اشتراه ؛ لأنه غلب عليه بعض الأعراب في وادي القرى فملكه بالقهر ، ثم باعه من يهودي واشترى منه يهودي آخر كما ذكرنا ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "وكان حرا" إخبار منه بحريته في أول أمره قبل أن يخرج من دار الحرب ، والعجب من الكرماني أنه قال : قوله "وكان حرا" حال من قال ، يعني من قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله "كاتب" ، فكيف غفل عن هذا وسأل هذا السؤال الساقط ؟! ونظير ذلك ما قاله صاحب ( التوضيح ) ، ولكن ما هو في البعد مثل ما قاله الكرماني ، وهو أنه قال ( فإن قلت ) كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم ، فلا يجوز للكافر ملك مسلم ، قلت : أجاب عنه الطبري بأن حكم هذه الشريعة أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله ، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام فهو ملك للغالب ، وكان سلمان حين غلب نفسه لم يكن مؤمنا ، وإنما كان إيمانه تصديق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا بعث ، مع إقامته على شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، انتهى . ويؤيد ما ذكره الطبري أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة وسمع به سلمان فذهب إليه ببعض تمر يختبره : إن كان هو هذا النبي يقبل الهدية ويرد الصدقة ، فلما تحققه دخل في ذلك الوقت في الإسلام كما هو شرطه ، فلذلك أمره - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالكتابة ، ليخرج من ملك مولاه اليهودي . وسبي عمار وصهيب وبلال مطابقته للترجمة من حيث إن أم عمار كانت من موالي بني مخزوم ، وكانوا يعاملون عمارا معاملة السبي ، فهذا هو الوجه هنا ؛ لأن عمارا ما سبي على ما نذكره ، وأما صهيب وبلال فباعهما المشركون على ما نذكره ، فدخلا في قوله في الترجمة شراء المملوك من الحربي ، وقال صاحب التوضيح : قوله : « وسبي عمار وصهيب وبلال » يعني أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضا ، ويملكون بذلك ، انتهى . قلت : هذا الكلام الذي لا يقرب قط من المقصود أخذه من صاحب التلويح ، وكون أهل الجاهلية سابين بعضهم بعضا لا يستلزم كون عمار ممن سبي ولا بلال ، وإنما كانا يعذبان في الله تعالى ، حتى خلصهما الله تعالى ببركة إسلامهما ، نعم سبي صهيب وبيع على يد المشركين ، وروي عن ابن سعد أنه قال : أخبرنا أبو عامر العقدي ، وأبو حذيفة موسى بن مسعود قالا : حدثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن حمزة بن صهيب ، عن أبيه قال : إني رجل من العرب من النمر بن قاسط ، ولكني سبيت ، سبتني الروم غلاما صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعرفت نسبي ، وعن ابن سعد كان أباه من النمر بن قاسط ، وكان عاملا لكسرى ، فسبت الروم صهيبا لما غزت أهل فارس فابتاعه منهم عبد الله بن جدعان ، وقيل : هرب من الروم إلى مكة فحالف ابن جدعان ، فهذا يناسب الترجمة ؛ لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي . وأما بلال ، فإن ابن إسحاق ذكر في ( المغازي ) حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه قال : مر أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - بأمية بن خلف وهو يعذب بلالا ، فقال : ألا تتقي الله في هذا المسكين ، فقال : انقذه أنت بما ترى ، فأعطاه أبو بكر غلاما أجلد منه وأخذ بلالا فأعتقه ، وقيل : غير ذلك ، فحاصل الكلام أنه أيضا يناسب الترجمة ؛ لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي ، أما الشراء فإن أبا بكر قايض مولاه ، والمقايضة نوع من البيوع ، وأما كونه اشترى من الحربي ؛ لأن مكة في ذلك الوقت كانت دار الحرب وأهلها من أهل الحرب ، وأما عمار فإنه كان عربيا عنسيا بالنون والسين المهملة ما وقع عليه سباء ، وإنما سكن أبوه ياسر مكة وحالف بني مخزوم ، فزوجوه سمية بضم السين ، وهي من مواليهم ، أسلم عمار بمكة قديما وأبوه وأمه ، وكانوا ممن يعذب في الله - عز وجل فمر بهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهم يعذبون ، فقال : "صبرا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة" ، وقيل : أبو جهل سمية طعنها بحربة في قبلها ، فكانت أول شهيد في الإسلام ، وقال مسدد : لم يكن أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر ، وليس له وجه في دخوله في الترجمة إلا بتعسف كما ذكرناه ، وقال الكرماني : قوله : سبي ، أي : أسر ولم يذكر شيئا غيره ؛ لأنه لم يجد شيئا يذكره ، على أن السبي هل يجيء بمعنى الأسر ؟ فيه كلام . وقال الله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة في قوله : « عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ » ، والخطاب فيه للمشركين ، فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبا على غير الأوضاع الشرعية ، وقيل : مقصوده صحة ملك الحربي وملك المسلم عنه ، قلت : إذا صح ملكهم يصح تصرفهم فيه بالبيع والشراء والهبة والعتق ونحوها ، وقال ابن التين : معناه أن الله فضل الملاك على مماليكهم فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه ، واعلم أن المالك لا يشرك مملوكه فيما عنده ، وهما من بني آدم ، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي يرزقكم الله لله وبعضه لأصنامكم ، فتشركون بين الله وبين الأصنام ، وأنتم لا ترضون ذاك مع عبيدكم لأنفسكم . وقال ابن بطال : تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة الأصنام بعبادة الرب تعالى وتعظم ، فنبههم الله تعالى على أن مماليكهم غير مساوين في أموالهم ، فالله تعالى أولى بإفراد العبادة ، وأنه لا يشرك معه أحد من عبيده ؛ إذ لا مالك في الحقيقة سواه ، ولا يستحق الإلهية غيره . قوله : « أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » الاستفهام على سبيل الإنكار معناه لا تجحدوا نعمة الله ، ولا تكفروا بها ، وجحودهم بأن جعلوا ما رزقهم الله لغيره ، وقيل : أنعم الله عليهم بالبراهين فجحدوا نعمه . 160 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هاجر إبراهيم - عليه السلام - بسارة ، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك ، أو جبار من الجبابرة ، فقيل : دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ، فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك ؟ قال : أختي ، ثم رجع إليها ، فقال : لا تكذبي حديثي ، فإني أخبرتهم أنك أختي ، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك ، فأرسل بها إليه فقام إليها ، فقامت توضأ وتصلي فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط علي الكافر ، فغط حتى ركض برجله . قال الأعرج : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : قالت : اللهم إن يمت يقال : هي قتلته ، فأرسل ، ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط علي هذا الكافر ، فغط حتى ركض برجله . قال عبد الرحمن : قال أبو سلمة : قال أبو هريرة : فقالت : اللهم إن يمت فيقال هي قتلته ، فأرسل في الثانية أو في الثالثة ، فقال : والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانا ، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها آجر ، فرجعت إلى إبراهيم - عليه السلام - فقالت : أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة . مطابقته للترجمة في قوله : "أعطوها هاجر" ، فقبلتها سارة ، فهذه هبة من الكافر إلى المسلم ، فدل ذلك على جواز تصرف الكافر في ملكه ، ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة وفي الإكراه . ( ذكر معناه ) ، قوله : « هاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسارة » ، أي : سافر بها ، وسارة بتخفيف الراء بنت توبيل بن ناحور ، وقيل : سارة بنت هاران بن ناحور ، وقيل : بنت هاران بن تارخ ، وهي بنت أخيه على هذا وأخت لوط ، قاله العتبي في ( المعارف ) والنقاش في التفسير ، قال : وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالا إذ ذاك ، ثم إن النقاش نقض هذا القول ، فقال في تفسير قوله - عز وجل - شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا : إن هذا يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح عليه الصلاة والسلام . قال السهيلي : هذا هو الحق ، وإنما توهموا أنها بنت أخيه ؛ لأن هاران أخوه ، وهو هاران الأصغر ، وكانت هي بنت هاران الأكبر ، وهو عمه ، قوله : « فدخل بها قرية » القرية من قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها وتجمع على قرى ، قال الداودي : القرية تقع على المدن الصغار والكبار ، وقال ابن قتيبة : القرية الأردن ، والملك صادوق ، وكانت هاجر لملك من ملوك القبط ، وعند الطبري : كانت امرأة ملك من ملوك مصر ، فلما قتله أهل عين شمس احتملوها معهم ، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان أخو الضحاك . وقال ابن هشام في كتاب التيجان : إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خرج من مدين إلى مصر ، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلا ، وبمصر ملكها عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن سبأ . قوله : « أو جبار » شك من الراوي ، والجبار يطلق على ملك عات ظالم ، قوله : « فقيل دخل إبراهيم بامرأة » ، وقال ابن هشام : وشى به حناط كان إبراهيم يتمار منه ، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة ، فلما صار إبراهيم - عليه السلام - خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية ، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما ، فهم عمرو بسارة ومد يده إليها فيبست ، فمد الأخرى فكذلك ، فلما رأى ذلك كف عنها . وقال ابن هشام : وكان الحناط أخبر الملك بأنه رآها تطحن ، فقال الملك : يا إبراهيم ما ينبغي لهذه أن تخدم نفسها فأمر له بهاجر ، قوله : « قال أختي » يعني في الدين . وقال ابن الجوزي : على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري ، وهو أن يقال : ما معنى توريته عليه السلام عن الزوجة بالأخت ، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية كان أسلم لها ؛ لأنه إذا قال هذه أختي ، قال زوجنيها ، وإذا قال امرأتي سكت ، هذا إن كان الملك يعمل بالشرع ، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي إذا كانت زوجة أو أختا ، إلى أن وقع لي أن القوم كانوا على دين المجوس ، وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره ، فكأن الخليل - عليه السلام - أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله ، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه ، قال : واعترض على هذا بأن الذي جاء على مذهب المجوس زرادشت ، وهو متأخر عن هذا الزمن ، فالجواب : إن لمذهب القوم أصلا قديما ادعاه زرادشت ، وزاد عليه خرافات أخر ، وقد كان نكاح الأخوات جائزا في زمن آدم - عليه السلام ويقال : كانت حرمته على لسان موسى - عليه الصلاة والسلام قال : ويدل على أن دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر ، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب ، ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب ، فقال : كان من مذهب القوم أن من له زوجة لا يجوز له أن يتزوج إلا أن يهلك زوجها ، فلما علم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هذا قال : هي أختي ، كأنه قال : إن كان الملك عادلا فخطبها مني أمكنني دفعه ، وإن كان ظالما تخلصت من القتل ، وقيل : إن النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود ، فعدل - عليه السلام - عن قوله زوجتي ؛ لأنه يؤدي إلى قتله أو طرده عنها أو تكليفه لفراقها ، وقال القرطبي : قيل : إن من سيرة هذا الجبار أنه لا يغلب الأخ على أخته ، ولا يظلمه فيها ، وكان يغلب الزوج على زوجته ، والله أعلم . قوله : « إن على الأرض » كلمة إن بكسر الهمزة وسكون النون للنفي ، يعني والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك ، قوله : « وغيرك » بالجر عطفا على غيري ، ويروى بالرفع بدلا عن المحل ، ويروى "من يؤمن" بكلمة "من" الموصولة ، وصدر صلتها محذوف تقديره : والله الذي على الأرض ليس بمؤمن غيري وغيرك . قوله : « فقامت توضأ » برفع الهمزة في محل النصب على الحال ، وتصلي عطف عليه ، قوله : « اللهم إن كنت آمنت » قيل : شرط مدخول أن كونه مشكوكا فيه ، والإيمان مقطوع به ، وأجيب بأنها كانت قاطعة به ، ولكنها ذكرته على سبيل الفرض هاهنا هضما لنفسها . قوله : « فغط » قال ابن التين : ضبط في بعض الأصول بفتح الغين والصواب بالضم ، كذا في بعض الأصول . قلت : هو بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ، ومعناه أخذ مجاري نفسه حتى سمع له غطيط ، يقال : غط المخنوق ، إذا سمع غطيطه . قوله : « حتى ركض برجله » ، أي : حركها وضربها على الأرض . قوله : « قال الأعرج » هو المذكور في السند ، وهو عبد الرحمن بن هرمز ، قال أبو سلمة : إن أبا هريرة قال : قالت اللهم إن يمت ( ح ) ، هو موقوف ظاهرا ، وكذا ذكره صاحب الأطراف ، وكان أبا الزناد روى القطعة الأولى مسندة وهذه موقوفة . قوله : « يقال هي قتلته » ويروى : يقل هي قتلته ، وهو الظاهر لوجوب الجزم فيه ، ووجه رواية يقال هو إما أن الألف حصلت من إشباع الفتحة ، وإما أنه كقوله تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ بالرفع في قراءة بعضهم ، وقال الزمخشري : قيل : هو بتقدير الفاء . قلت : تقديره فيدرككم الموت ، وكذلك هنا يكون التقدير فيقال . قوله : « في الثانية » ، أي : أرسل سارة في المرة الثانية . قوله : « أو في الثالثة » شك من الراوي ، أي : أو أرسلها في المرة الثالثة . قوله : « إلا شيطانا » ، أي : متمردا من الجن ، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم ، ويقال : سبب قوله ذلك ، أنه جاء في بعض الروايات : لما قبضت يده عنها قال لها : ادعي لي ، فقال ذلك لئلا يتحدث بما ظهر من كرامتها فتعظم في نفوس الناس وتتبع ، فلبس على السامع بذكر الشيطان . قوله : « ارجعوا » بكسر الهمزة ، أي : ردوها إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام قوله : « وأعطوها آجر » ، أي : أعطوا سارة آجر ، وهي الوليدة اسمها آجر بهمزة ممدودة وجيم مفتوحة ، وفي آخره راء ، واستعملوا الهاء موضع الهمزة فقيل : هاجر ، وهي أم إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - كما أن سارة أم إسحاق - عليه الصلاة والسلام وقيل : إن هاجر من حقن من كورة أنصنا . قوله : قلت حقن بفتح الحاء المهملة وسكون القاف ، وفي آخره نون ، وهو اسم لقرية من صعيد مصر ، قاله ابن الأثير . قلت : هو كفر من كفور كورة أنصنا بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ، ثم نون ثانية وألف مقصورة ، وهي بلدة بالصعيد الأوسط على شط النيل من البر الشرقي في قبالة الأشمونيين من البر الآخر ، وبها آثار عظيمة ومزدرع كثير ، وقال اليعقوبي : هي مدينة قديمة يقال : إن سحرة فرعون كانوا فيها . قوله : « أشعرت » ، أي : أعلمت ، تخاطب إبراهيم - عليه الصلاة والسلام قوله : « كبت الكافر » ، أي : رده خاسئا خائبا ، وقيل : أحزنه ، وقيل : أغاظه ؛ لأن الكبت شدة الغيظ ، وقيل : صرعه ، وقيل : أذله ، وقيل : أخزاه ، وقيل : أصله كبد ، أي : بلغ الهم كبده ، فأبدل من الدال تاء . قوله : « وأخدم وليدة » ، أي : أعطي خادما ، أي : أعطاها أمة تخدمها ، والوليدة تطلق على الجارية وإن كانت كبيرة ، وفي الأصل : الوليد الطفل ، والأنثى وليدة ، والجمع ولائد ، فافهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه إباحة المعارض لقوله : "إنها أختي" ، وإنها مندوحة عن الكذب ، وفيه أن أخوة الإسلام أخوة تجب أن يتسمى بها ، وفيه الرخصة في الانقياد للظالم أو الغاصب ، وفيه قبول صلة السلطان الظالم وقبول هدية المشرك ، وفيه إجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب جل جلاله لمن أخلصها بما يكون نوعا من الآفات ، وزيادة في الإيمان تقوية على التصديق والتسليم والتوكل . وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم ، وفيه أن من قال لزوجته أختي ولم ينو شيئا لا يكون طلاقا ، وكذلك لو قال مثل أختي ، لا يكون ظهارا ، وفيه أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر ، وفيه مستند لمن يقول إن طلاق المكره لا يقع وليس بشيء ، وفيه الحيل في التخلص من الظلمة ، بل إذا علم أنه لا يتخلص إلا بالكذب جاز له الكذب الصراح ، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق لكونه ينجي نبيا أو وليا ممن يريد قتله ، أو لنجاة المسلمين من عدوهم . وقال الفقهاء : لو طلب ظالم وديعة لإنسان ليأخذها غصبا ، وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها .
163 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت أمورا كنت أتحنث أو أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة ، هل لي فيها أجر ؟ قال حكيم - رضي الله عنه : - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أسلمت على ما سلف لك من خير . مطابقته للترجمة فيما تضمنه الحديث من وقوع الصدقة والعتاقة من المشرك ، فإنه يتضمن صحة ملك المشرك ؛ لأن صحة العتق متوقفة على صحة الملك فيطابق هذا قوله في الترجمة : وهبته وعتقه . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب من تصدق في الشرك ثم أسلم ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد ، عن هشام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة إلى آخره . قوله : « أرأيت أمورا » وهناك : أرأيت أشياء ، وقوله : « أو أتحنت » غير مذكور هناك ، وفي التلويح : أتحنث أو أتحنت ، كذا في نسخة السماع الأول بالثاء المثلثة ، والثاني بالتاء المثناة وعليها تمريض ، وفي بعض النسخ بالعكس ، كذا ذكره ابن التين قال : ولم يذكر أحد من اللغويين التاء المثناة ، وإنما هو المثلثة كما جاء في حديث حراء « فيتحنث » ، أي : فيتعبد ، وفي المطالع قول حكيم بن حزام : « كنت أتحنت » بتاء مثناة ، رواه المروزي في باب من وصل رحمه ، وهو غلط من جهة المعنى ، وأما الرواية فصحيحة ، والوهم فيه من شيوخ البخاري ، بدليل قول البخاري ويقال أيضا عن أبي اليمان : « أتحنث أو أتحنت » على الشك ، والصحيح الذي رواه الكافة بالثاء المثلثة ، وقال الكرماني : ويروى « أتحبب » من المحبة ، والله تعالى أعلم .
112 - حدثني عياش بن الوليد ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : حدثنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : سألت ابن عباس - رضي الله عنهما - : ما معنى قوله : لا يبيعن حاضر لباد ؟ فقال : لا يكن له سمسارا مطابقته للترجمة من حيث إن هذا الحديث مختصر عن الحديث الذي رواه في باب هل يبيع حاضر لباد ، فبالنظر إلى أصل الحديث المطابقة موجودة . وعياش بتشديد الياء آخر الحروف والشين المعجمة ابن الوليد أبو الوليد الرقام البصري ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد ، وابن طاوس هو عبد الله ، وقد مر الكلام فيه هناك .
113 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثني التيمي ، عن أبي عثمان ، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : من اشترى محفلة فليرد معها صاعا ، قال : ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تلقي البيوع مطابقته للترجمة في قوله : عن تلقي البيوع . التميمي هو سليمان بن طرخان أبو المعتمر ، وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون ، وهؤلاء كلهم بصريون ، وقد مضى الحديث في باب النهي للبائع أن لا يحفل ، فإنه أخرجه هناك ، عن مسدد ، عن معتمر ، عن أبيه سليمان التميمي ، عن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي ، عن عبد الله بن مسعود ، ومضى الكلام فيه هناك .
114 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق . مطابقته للترجمة من حيث إن تلقي السلع مثل تلقي الركبان ، والحديث أخرجه البخاري أيضا عن إسماعيل بن أبي أويس في البيوع ، وأخرجه مسلم فيه ، عن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وإسحاق بن منصور ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به ، وأخرجه النسائي عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن سويد . قوله : على بيع بعض عدي بعلى ؛ لأنه ضمن معنى الاستعلاء والغلبة ، قوله : ولا تلقوا أصله لا تتلقوا ، فحذفت إحدى التاءين ، والسلع بكسر السين جمع سلعة وهي المتاع ، قوله : حتى يهبط بها أي : حتى ينزل بها إلى السوق ، يقال : هبط هبوطا وهبط غيره ، والهبوط الانحطاط والنزول ، والمعنى هنا أن يؤتى بها إلى الأسواق ، وفي رواية مسلم : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق .
باب النهي عن تلقي الركبان أي هذا باب في بيان النهي عن تلقي الركبان أي : عن استقبالهم لابتياع ما يحملونه إلى البلد قبل أن يقدموا الأسواق . وأن بيعه مردود ؛ لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالما ، وهو خداع في البيع ، والخداع لا يجوز . وأن بيعه بفتح الهمزة ، أي : وأن بيع متلقي الركبان مردود ، والضمير يرجع إلى المتلقي الذي يدل عليه . قوله : عن تلقي الركبان كما في قوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ أي : العدل الذي هو المصدر يدل عليه اعدلوا ، والمراد بالبيع العقد ، وقوله : مردود ، أي : باطل يرد إذا وقع ، وقد ذهب البخاري في هذا إلى مذهب الظاهرية ، وقال بعضهم : جزم البخاري بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد ، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات النهي لا فيما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه ، فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه . انتهى . قلت : هؤلاء المحققون هم الحنفية ، فإن مذهبهم في باب النهي هذا ، وينبني على هذا الأصل مسائل كثيرة محلها كتب الفروع ، وقال ابن حزم : وهو حرام سواء خرج للتلقي أم لا ، بعد موضع تلقيه أم قرب ولو أنه عن السوق على ذراع ، والجالب بالخيار إذا دخل السوق في إمضاء البيع أو رده ، وقال ابن المنذر : كره تلقي السلع بالشراء مالك والليث والأوزاعي ، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقي السلع حتى تصل إلى السوق ، ومن تلقاها فاشتراها منهم يشترك فيها أهل السوق إن شاءوا كان واحدا منهم ، وقال ابن القاسم : وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس في المصر فيشتركون فيها إن أحبوا ، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه ، ولا يرد على بائعها ، وقال غيره : يفسخ البيع في ذلك ، وقال الشافعي : من تلقاها فقد أساء ، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم به السوق في إنفاذ البيع أو رده ؛ لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها ، وهم أهل غرة ومكر وخديعة ، وحجته حديث أبي هريرة : فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار . وذهب مالك أن نهيه عن التلقي إنما يريد به نفع أهل السوق لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي ، وقال الأبهري : معناه لئلا يستفيد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ، فيؤدي ذلك إلى الضرر بهم في معايشهم ، ولهذا المعنى قال مالك : إنه يشترك معهم إذا تلقوا السلع ، ولا ينفرد بها الأغنياء . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به ، وإن كان يضرهم فهو مكروه ، واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال : كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام ، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام ، وقال الطحاوي : في هذا الحديث إباحة التلقي ، وفي أحاديث غيره النهي عنه ، وأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد ، فيكون ما نهى عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق ، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر فيه عليهم ، وقال الطحاوي أيضا : والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه حديث أبي هريرة : لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى السوق فيه جعل الخيار مع النهي ، وهو دال على الصحة ؛ إذ لا يكون الخيار إلا فيها ؛ إذ لو كان فاسدا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه . ( قلت ) : حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم وأبو داود والطحاوي أيضا ، وحديث ابن عمر المذكور الآن أخرجه مسلم والطحاوي . قوله : لأن صاحبه أي : صاحب التلقي عاص آثم أي : مرتكب الإثم إذا كان به أي : بالنهي عن تلقي الركبان عالما لأنه ارتكب المعصية مع علمه بورود النهي عن ذلك ، والعلم شرط لكل ما نهي عنه . قوله : وهو خداع أي : تلقي الركبان خداع للمقيمين في الأسواق أو لغير المتلقين ، والخداع حرام لقوله - صلى الله تعالى عليه – الخديعة في النار أي : صاحب الخديعة ، وقال بعضهم : لا يلزم من ذلك ، أي : من كونه خداعا أن يكون البيع مردودا ؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ، ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه ، بل لدفع الضرر بالركبان . ( قلت ) : هذا التعليل هو الذي يقول به الحنفية في أبواب النهي ، والعجب من الشافعية أنهم يقولون : إن النهي يقتضي الفساد ، ثم مطلقا في بعض المواضع يذهبون إلى ما قاله الحنفية ، وقال بعضهم : ويمكن أن يحمل قول البخاري : إن البيع مردود ، على ما إذا اختار البائع رده فلا يخالف الراجح . ( قلت ) : هذا الحمل الذي ذكره هذا القائل يرده هذه التأكيدات التي ذكرها وهي قوله : لأن صاحبه عاص إلى آخره ، ولم يبق بعد هذه إلا أن يقال كاد أن يخرج من الإيمان ، ألا ترى إلى الإسماعيلي كيف اعترض عليه وألزمه هذا التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعا ومع ذلك لم يبطل البيع ، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجر ، واستدل عليه أيضا بحديث حكيم بن حزام الماضي في بيع الخيار ففيه : فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما قال : فلم يبطل بيعها بالكذب والكتمان للعيب ، وقد ورد بإسناد صحيح أن صاحب السلعة إذا باعها لمن تلقاه يصير بالخيار إذا دخل السوق ، ثم ساقه من حديث أبي هريرة . انتهى . ولو كان للحمل الذي ذكر القائل المذكور وجه لذكره الإسماعيلي ، ولا أطنب في هذا الاعتراض ، وقال ابن المنذر : أجاز أبو حنيفة التلقي وكرهه الجمهور ( قلت ) : ليس مذهب أبي حنيفة كما ذكره على الإطلاق ، ولكن على التفصيل الذي ذكرناه عن قريب ، والعجب من ابن المنذر وأمثاله كيف ينقلون عن أبي حنيفة شيئا لم يقل به ، وإنما ذلك منهم من أريحية العصبية على ما لا يخفى . 111 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا عبيد الله العمري ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد . مطابقته للترجمة في قوله : عن التلقي . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وسعيد هو المقبري ، وهذا من أفراده مشتمل على حكمين مضى البحث فيهما .
84 - حدثنا علي قال : حدثنا سفيان قال : كان عمرو بن دينار يحدثه عن الزهري ، عن مالك بن أوس أنه قال : من عنده صرف ؟ فقال طلحة : أنا حتى يجيء خازننا من الغابة ، قال سفيان : هو الذي حفظناه من الزهري ليس فيه زيادة ، فقال : أخبرني مالك بن أوس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه اشتراط القبض ؛ لما فيه من الربويات ، وفي الترجمة ما يشعر باشتراط القبض في الطعام ، وزعم ابن بطال أنه لا مطابقته بين الحديث والترجمة هنا ؛ فلذلك أدخله في باب بيع ما ليس عندك ، وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري . وعلي هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، ومالك بن أوس - بفتح الهمزة وسكون الواو وفي آخره سين مهملة - ابن الحدثان - بفتح المهملتين وبالمثلثة - التابعي عند الجمهور ، قال البخاري : قال بعضهم : له صحبة ، ولا يصح ، وقال بعضهم : ركب بخيل في الجاهلية . وقيل : إنه رأى أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرسلا . والحديث أخرجه البخاري أيضا ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن الزهري . وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن قتيبة ومحمد بن رمح . وعن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وزهير بن حرب . وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة به . وأخرجه النسائي فيه ، عن إسحاق بن إبراهيم به . وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن محمد بن رمح به . وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد وهشام بن عمار ونصر بن علي ومحمد بن الصباح ، خمستهم عن سفيان ، عن الزهري به . ( ذكر معناه ) : قوله : من عنده صرف أي من عنده دراهم حتى يعوضها بالدنانير ؛ لأن الصرف بيع أحد النقدين بالآخر . قوله : فقال طلحة هو ابن عبد الله أحد العشرة المبشرة أنا أعطيك الدراهم ، لكن اصبر حتى يجيء الخازن من الغابة والغابة بالغين المعجمة والباء الموحدة في الأصل الأجمة ذات الشجر المتكاثف ، سميت بها ؛ لأنها تغيب ما فيها ، وجمعها غابات ، ولكن المراد بها هنا غابة المدينة ، وهي موضع قريب منها من عواليها ، وبها أموال أهل المدينة ، وهي المذكورة في عمل منبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : قال سفيان هو ابن عيينة قال بالإسناد المذكور . قوله : هو الذي حفظناه عن الزهري أي الذي كان عمرو يحدثه عن الزهري هو الذي حفظناه عن الزهري بلا زيادة فيه ، قال الكرماني : وغرضه منه تصديق عمرو . وقال بعضهم : أبعد الكرماني في قوله هذا . ( قلت ) : ما أبعد فيه ، بل غرضه هذا ، وشيء آخر ، وهو الإشارة إلى أنه حفظه من الزهري بالسماع . قوله : فقال : أخبرني أي قال الزهري أخبرني مالك بن أوس . قوله : يخبر جملة حالية . قوله : الذهب بالذهب ويروى الذهب بالورق بكسر الراء ، وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة ، عن الزهري ، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري ، ثم معنى قوله : الذهب بالذهب أي بيع الذهب بالذهب ربا ، إلا أن يقول كل واحد من المتصارفين لصاحبه : هاء ، يعني خذ أو هات ، فإذا قال أحدهما ، خذ : يقول الآخر : هات ، والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه ، وأن يكون العوضان متماثلين متساويين في الوزن ، كما في حديث أبي بكرة سيأتي نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، إلا سواء بسواء . ثم الكلام في الذهب هل مذكر أم مؤنث ، فقال في ( المنتهى ) : ربما أنث في اللغة الحجازية ، والقطعة منه ذهبة ، ويجمع على أذهاب وذهوب ، وفي ( تهذيب الأزهري ) لا يجوز تأنيثه ، إلا أن يجعل جمعا لذهبة ، وفي ( الموعب ، عن صاحب ( العين ) الذهب التبر ، والقطعة منه ذهبة يذكر ويؤنث . وعن ابن الأنباري : الذهب أنثى وربما ذكر . وعن الفراء : وجمعه ذهبان ، وأما قوله : هاء وهاء فقال صاحب ( العين ) : هو حرف يستعمل في المناولة ، تقول : هاء وهاك ، وإذا لم تجئ بالكاف مددت ، فكأن المدة في هاء خلف من كاف المخاطبة ، فتقول للرجل : هاء ، وللمرأة : هائي ، وللاثنين : هاؤما ، وللرجال : هاؤموا ، وللنساء : هاؤن ، وفي ( المنتهى ) تقول هاء يا رجل بهمزة ساكنة ، مثال : هع أي خذ ، وفي ( الجامع ) : فيه لغتان : بألف ساكنة وهمزة مفتوحة ، وهو اسم الفعل ، ولغة أخرى : ها يا رجل ، كأنه من هاي يهاي ، فحذفت الياء للجزم ، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت : ها يا رجل ، وها يا رجلان ، وها يا رجال ، وها يا امرأة ، وها يا امرأتان ، وها يا نسوة . وفي ( شرح المشكاة ) : فيه لغتان المد ، والقصر ، والأول أفصح وأشهر ، وأصله هاك ، فأبدلت من الكاف معناه خذ ، فيقول صاحبه مثله ، والهمزة مفتوحة ، ويقال بالكسر ، ومعناه التقابض ، وقال المالكي : وحق ها أن لا يقع بعدها إلا ، كما لا يقع بعدها خذ ، وبعد أن وقع يجب تقدير قول قبله يكون به محكيا ، فكأنه قيل : ولا الذهب بالذهب إلا مقول عنده من المتبايعين : هاء وهاء ، وقال الطيبي : ومحله النصب على الظرفية ، والمستثنى منه مقدر ، يعني بيع الذهب بالذهب ربا في جميع الأزمنة ، إلا عند الحضور والتقابض . قوله : والبر بالبر أي وبيع البر بالبر ، وهكذا يقدر في البواقي . ( ذكر ما يستفاد منه ) : أجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأشياء الأربعة التي ذكرت في حديث عمر رضي الله عنه ، وشيئان آخران ، وهما الفضة والملح ، فهذه الأشياء الستة مجمع عليها ، واختلفوا فيما سواها ، فذهب أهل الظاهر ومسروق وطاوس والشعبي وقتادة وعثمان البتي فيما ذكره الماوردي - إلى أنه يتوقف التحريم عليها ، وقال سائر العلماء : بل يتعدى إلى ما في معناها . فأما الذهب والفضة ، والعلة فيهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه الوزن في جنس واحد ، فألحق بهما كل موزون . وعند الشافعي العلة فيهما جنس الأثمان . وأما الأربعة الباقية ففيها عشرة مذاهب : الأول : مذهب أهل الظاهر أنه لا ربا في غير الأجناس الستة . الثاني : ذهب أبو بكر الأصم إلى أن العلة فيها كونها منتفعا بها ، فيحرم التفاضل في كل ما ينتفع به ، حكاه عنه القاضي حسين . الثالث : مذهب ابن سيرين وأبي بكر الأودي الشافعي أن العلة الجنسية ، فحرم كل شيء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلا ، والثوب بالثوبين ، والشاة بالشاتين . الرابع : مذهب الحسن بن أبي الحسن أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران . الخامس : مذهب سعيد بن جبير أن العلة تفاوت المنفعة في الجنس ، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير لتفاوت منافعهما ، وكذلك الباقلاء بالحمص ، والدخن بالذرة . السادس : مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة ، ويحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما ، ونفاه عما لا زكاة فيه . السابع : مذهب مالك كونه مقتاتا مدخرا ، فحرم الربا في كل ما كان قوتا مدخرا ، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه ، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم . الثامن : مذهب أبي حنيفة أن العلة الكيل مع جنس ، أو الوزن مع جنس ، فحرم الربا في كل مكيل ، وإن لم يؤكل كالجص والنورة والأشنان ، ونفاه عما لا يكال ولا يوزن ، وإن كان مأكولا كالسفرجل والرمان . التاسع : مذهب سعيد بن المسيب ، وهو قول الشافعي في القديم : أن العلة كونه مطعوما يكال أو يوزن ، فحرمه في كل مطعوم يكال أو يوزن ، ونفاه عما سواه ، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب ، أو يؤكل ولا يوزن كالسفرجل والبطيخ . العاشر : أن العلة كونه مطعوما فقط ، سواء كان مكيلا أو موزونا أم لا ، ولا ربا فيما سوى المطعوم غير الذهب والفضة ، وهو مذهب الشافعي في الجديد . وفي ( شرح المهذب ) : وهو مذهب أحمد وابن المنذر . قلت : مذهب مالك في الموطأ أن العلة هي الادخار للأكل غالبا ، وإليه ذهب ابن نافع ، وفي التمهيد : قال مالك : فلا تجوز في الفواكه التي تيبس وتدخر ، إلا مثلا بمثل يدا بيد إذا كانت من صنف واحد ، ويجيء على ما روي عن مالك أن العلة الادخار للاقتيات أن لا يجري الربا في الفواكه التي تيبس ؛ لأنها ليست بمقتات ، ولا يجري الربا في البيض ؛ لأنها وإن كانت مقتاتة فليست بمدخرة . وذكر صاحب ( الجواهر ) : ينقسم ما يطعم إلى ثلاثة أقسام : إحداها : ما اتفق على أنه طعام يجري فيه حكم الربا ، كالفواكه والخضر والبقول والزروع التي تؤكل غداء ، أو يعتصر منها ما يتغدى من الزيت ، كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء وما أشبه ذلك . والثاني : ما اتفق على أنه ليس بغداء بل هو دواء ، وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما يشبهها والثالث : ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه ، فمنه الطلع والبلح الصغير ، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة ، وما في معناها من الكمونين والزاريانج والأنيسون ، ففي إلحاق كل واحد منها بالطعام قولان . ومنها الحلبة ، وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال ؛ مفرق في الثالث ، فيلحق به الخضراء دون اليابسة . ومنها الماء العذب ، قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مما يتطعم ، وبه قوام الأجسام . وقيل : يمنع إلحاقه ؛ لأنه مشروب ، وليس بمطعوم . وأما العلة في تحريم الربا في النقدين الثمنية . وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمنين في كل الأمصار أو جلها ؟ وفي كل الأعصار ، فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليها ؟ أو المعتبر مطلق الثمنية ، فتكون متعدية إلى غيرهما ؟ في ذلك خلاف ، يبنى عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق ، وفي ( الروضة ) : والمراد بالمطعوم ما يعد للطعم غالبا ، تقوتا أو تأدما أو تفكها أو غيرها ، فيدخل فيه الفواكه والحبوب والبقول والتوابل وغيرها ، وسواء ما أكل نادرا كالبلوط والطرثوب ، وما أكل غالبا ، وما أكل وحده أو مع غيره . ويجري الربا في الزعفران على الأصح ، وسواء أكل للتداوي كالاهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها ، وما أكل لغرض آخر ، وفي ( التتمة ) : وجه أن ما يقتات كثيره ويستعمل قليله في الأدوية كالسقمونيا لا ربا فيه ، وهو ضعيف ، والطين الخراساني ليس ربويا على الأصح ، ودهن الكتان والسمك وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربويا على الأصح ، والزنجبيل والمصطكى ربوي على الأصح ، والماء إذا صححنا بيعه ربوي على الأصح ، ولا ربا في الحيوان لكن ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه لا يجري فيه الربا في الأصح ، وأما الذهب والفضة فقيل : يثبت فيهما الربا لعينهما لا لعلة ، وقال الجمهور : العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة ، وإن شئت قلت : جوهرية الأثمان غالبا ، والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي والأواني منهما ، وفي تعدي الحكم إلى الفلوس إذا أراجت وجه ، والصحيح أنها لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة ، ولا يتعدى إلى غير الفلوس من الحديد والرصاص والنحاس وغيرها قطعا . انتهى .
( باب ما يذكر في بيع الطعام ، والحكرة ) أي هذا باب في بيان ما يذكر في بيع الطعام قبل القبض . قوله : " والحكرة " بضم الحاء المهملة وسكون الكاف حبس السلع عن البيع ، وقال الكرماني : الحكرة احتكار الطعام - أي حبسه - يتربص به الغلاء ، هذا بحسب اللغة ، وأما الفقهاء فقد اشترطوا لها شروطا مذكورة في الفقه ، وقال الإسماعيلي : ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة ، وساعد بعضهم البخاري في ذلك ، فقال : وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه . ( قلت ) : سبحان الله ، هذا استنباط عجيب ، فما وجه هذا الاستنباط ؟ وكيف يستنبط منه الاحتكار الشرعي ؟ وليس الأمر إلا ما قاله الإسماعيلي ، اللهم إلا إذا قلنا : إن البخاري لم يرد بقوله : " والحكرة " إلا معناها اللغوي ، وهو الحبس مطلقا ، فحينئذ يطلق على الذي يشتري مجازفة ، ولم ينقله إلى رحله أنه محتكر لغة لا شرعا ، فافهم ؛ فإنه دقيق لا يخطر إلا بخاطر من شرح الله صدره بفيضه . وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث ، منها ما رواه معمر بن عبد الله مرفوعا " لا يحتكر إلا خاطئ " رواه مسلم . وروى ابن ماجه من حديث عمر رضي الله تعالى عنه " من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس " . وروي أيضا عنه مرفوعا " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وأخرجه الحاكم ، وإسناده ضعيف . وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا " من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ منه " . ورواه الحاكم أيضا وفي إسناده مقال . وروى الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا " من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ " . 81 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه رضي الله عنه قال : رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيعوه ، حتى يؤوه إلى رحالهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، من حيث إنه يتضمن منع بيع الطعام قبل القبض ؛ لأن الإيواء المذكور فيه عبارة عن القبض ، وضربهم على تركه يدل على اشتراط القبض ، والترجمة فيما يذكر في الطعام ، والذي ذكر في الطعام يعني الذي ذكره في أمر الطعام هذا ، يعني منع بيعه قبل الإيواء الذي هو عبارة عن القبض . وإسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه ، والوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي ، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ، والزهري محمد بن مسلم . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المحاربين ، عن عياش الرقام . وأخرجه مسلم في البيوع ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عمر " أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه ، حتى يحولوه " . وأخرجه أبو داود فيه ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الرزاق . وأخرجه النسائي فيه ، عن نصر بن علي ، عن يزيد بن زريع . قوله : " مجازفة " نصب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي يشترون الطعام شراء مجازفة ، ويجوز أن يكون نصبا على الحال يعني حال كونهم مجازفين ، والجزاف مثلث الجيم ، والكسر أفصح وأشهر ، وهو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير ، وقال ابن سيده : وهو يرجع إلى المساهلة ، وهو دخيل ، وقال القرطبي : في حديث الباب دليل لمن سوى بين الجزاف والمكيل من الطعام في المنع من بيع ذاك حتى يقبض ، ورأى أن نقل الجزاف قبضه ، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود ، وحمله مالك على الأولى والأحب . ولو باع الجزاف قبل نقله جاز ؛ لأنه بنفس تمام العقد في التخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه ، وإلى جواز ذلك صار سعيد بن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وإسحاق ، وقال ابن قدامة : إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافا ، فإذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز بيعها حتى ينقلها ، نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وعنه رواية أخرى بيعها قبل نقلها ، اختاره القاضي ، وهو مذهب مالك ، ونقلها قبضها كما جاء في الخبر ، وفي ( شرح المهذب ) عند الشافعي بيع الصبرة من الحنطة والتمر مجازفة صحيح ، وليس بحرام . وهل هو مكروه ؟ فيه قولان ، أصحهما : مكروه كراهة تنزيه ، والبيع بصرة الدراهم كذلك حكمه . وعن مالك أنه لا يصح البيع إذا كان بائع الصبرة جزافا يعلم قدرها ، كأنه اعتمد على ما رواه الحارث بن أبي أسامة ، عن الواقدي ، عن عبد الحميد بن عمر أن ابن أبي أنس قال : " سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عثمان يقول : في هذا الوعاء كذا وكذا ، ولا أبيعه إلا مجازفة ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذا سميت كيلا فكل " وعند عبد الرزاق قال : قال ابن المبارك : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - قال : " لا يحل لرجل باع طعاما قد علم كيله حتى يعلم صاحبه " .
82 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه . قلت لابن عباس : كيف ذاك ؟ قال : ذاك دراهم بدراهم ، والطعام مرجأ . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنها فيما يذكر في البيع قبل القبض ، وأنه لا يصح حتى يقبضه أو يستوفيه ، فكذلك الحديث في أنه لا يصح حتى يستوفيه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وابن طاوس هو عبد الله . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد . وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم أيضا . وأخرجه أبو داود فيه ، عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة . وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن رافع به . وعن أحمد بن حرب وقتيبة . قوله : حتى يستوفيه أي حتى يقبضه ، وقد ذكرنا أن القبض والاستيفاء بمعنى واحد . قوله : قلت لابن عباس القائل هو طاوس . قوله : كيف ذاك يعني كيف حال هذا البيع حتى نهى عنه . قوله : قال ذاك أي قال ابن عباس يكون حال ذاك البيع دراهم بدراهم ، والطعام غائب ، وهو معنى قوله : والطعام مرجأ أي مؤخر مؤجل ، معناه أن يشتري من إنسان طعاما بدرهم إلى أجل ، ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدرهمين مثلا فلا يجوز ؛ لأنه في التقدير بيع درهم بدرهم ، والطعام غائب فكأنه قد باعه درهمه الذي اشتري به الطعام بدرهمين فهو ربا ؛ ولأنه بيع غائب بناجز فلا يصح ، وقال ابن التين : قول ابن عباس : دراهم بدراهم تأوله علماء السلف ، وهو أن يشتري منه طعاما بمائة إلى أجل ، ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين ، وهو غير جائز ؛ لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم ، والطعام مؤجل غائب . وقيل : معناه أن يبيعه من آخر ويحيله به . قوله : والطعام مرجأ مبتدأ وخبر وقعت حالا ، ومرجأ بضم الميم وسكون الراء ، يهمز ولا يهمز ، وأصله من أرجيت الأمر وأرجأته إذا أخرته ، فتقول من الهمز مرجئ بكسر الجيم للفاعل ، والمفعول مرجأ للفاعل ، وإذا لم تهمز قلت : مرج ومرجى للمفعول ، ومنه قيل : المرجئة ، وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم ، وكذلك المرجئة تهمز ولا تهمز ، وقال ابن الأثير : وفي الخطابي على اختلاف نسخه مرجى بالتشديد . قال أبو عبد الله : مرجئون أي مؤخرون . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، هذا التفسير موافق لتفسير أبي عبيدة ، حيث قال في قوله تعالى : وآخرون مرجئون لأمر الله ، يقال : أرجأتك أي أخرتك ، وأراد به البخاري شرح قول ابن عباس : والطعام مرجأ ، وقد مر الكلام فيه ، وهذا في رواية المستملي وحده ، وليس في رواية غيره شيء من ذلك .
83 - حدثني أبو الوليد قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه . مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في مطابقة الحديث السابق ، وهذا الحديث عن ابن عمر قد مر في باب الكيل على البائع ، غير أن رجاله هناك ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وهاهنا عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن شعبة بن الحجاج ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى .
( باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب ) أي هذا باب في بيان حكم الشراء والبيع مع المشركين ، قوله : « وأهل الحرب » من عطف الخاص على العام ، وفي بعض النسخ : أهل الحرب ، بدون الواو ، فعلى هذا يكون أهل الحرب صفة للمشركين . 159 - حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعا أم عطية ؟ أو قال : أم هبة ؟ قال : لا ، بل بيع ، فاشترى منه شاة . مطابقته للترجمة في قوله : فاشترى منه شاة . وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، ومعتمر بن سليمان بن طرخان ، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة عن أبي النعمان أيضا ، وأخرجه في الأطعمة عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عبيد الله بن معاذ ، وحامد بن عمرو ، ومحمد بن عبد الأعلى ، ثلاثتهم عن معتمر . ( ذكر معناه ) قوله : « مشعان » بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة وبعد الألف نون مشددة ، أي : طويل جدا فوق الطول ، وعن الأصمعي : شعر مشعان بتشديد النون ، متنفش ، واشعان الشعر اشعينانا ، كاحمار احميرارا ، وفي التهذيب : تقول العرب : رأيت فلانا مشعان الرأس ، إذا رأيته شعثا متنفش الرأس مغبرا ، وروى عمرو عن أبيه : اشعن الرجل إذا نامى عدوه فاشعان شعره . قوله : « بيعا » منصوب على المصدرية ، أي : اتبيع بيعا ، قيل : ويجوز الرفع ، أي : أهذا بيع ، قوله : « أم عطية » بالنصب عطف على "بيعا" ، قوله : « أو قال » شك من الراوي ، قوله : « قال لا » ، أي : قال الرجل : ليس عطية أو ليس هبة ، « بل بيع » ، أي : بل هو بيع ، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول إليه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده ، وقال الخطابي في قوله : « أم هبة » دليل على قبول الهدية من المشرك لو وهب ، فإن قلت : قد قال - صلى الله عليه وسلم - لعياض بن حمار حين أهدى له في شركه : "إنا لا نقبل زبد المشركين" ، يريد عطاهم ، قلت : قال أبو سليمان : يشبه أن يكون ذلك منسوخا ؛ لأنه قبل هديه غير واحد من أهل الشرك ، أهدى له المقوقس وأكيدر دومة ، قال : إلا أن يزعم زاعم أن بين هدايا أهل الشرك وهدايا أهل الكتاب فرقا ، انتهى . قلت : فيه نظر في مواضع : الأول : أن الزعم بالفرق المذكور يرده قول عبد الرحمن في نفس هذا الحديث : إن هذا الرجل كان مشركا ، وقد قال له : أبيع أم هدية ؟ . الثاني : هدية أكيدر كانت قبل إسلام عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - راوي هذا الحديث ؛ لأن إسلامه كان في هدنة الحديبية ، وذلك في سنة سبع ، وهدنة أكيدر كانت بعد وفاة سعد بن معاذ - رضي الله تعالى عنه - الذي قال في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما عجب الناس من هدية أكيدر : "والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه" ، وسعد توفي بعد غزوة بني قريظة سنة أربع في قول عقبة ، وعند ابن إسحاق سنة خمس ، وأيا ما كان فهو قبل إسلام عبد الرحمن ، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس كان في سنة ست ، ذكره ابن منده وغيره ، فدل على أنه قبل هذا الحديث . الثالث : لقائل أن يقول : هذان اللذان قبل منهما هديتهما ليس سوقة ، إنما هما ملكان فقبل هديتهما تألفا ؛ لأن في رد هديتهما نوع حصول شيء . الرابع : نقول كان قبول هديتهم بإثابته عليهما ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لهذا المشرك أيضا كان تأنيسا له ، ولأن يثيبه بأكثر مما أهدى ، وكذا يقال في هدية كسرى المذكورة في كتاب الحربي من حديث علي - رضي الله تعالى عنه - ورد هدية عياض بن حمار ، وكان بينه وبين النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - معرفة قبل البعثة ، فلما بعث أهدى له فرد هديته ، وكذا رد هدية ذي الجوشن وكانت فرسا ، وكذا رد هدية ملاعب الأسنة لأنهم كانوا سوقة وليسوا ملوكا ، وأهدى له ملك أيلة بغلة وفروة الجذامي هدية فقبلهما وكانا ملكين ، ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال : أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قبل هدية أبي سفيان بن حرب لأنها كانت في مدة الهدنة ، وكذا هدية المقوقس ، إنما كان قبلها لأنه أكرم حاطبا وأقر بنبوته - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤيسه من إسلامه ، وقبول هدية الأكيدر لأن خالدا - رضي الله تعالى عنه - قدم به فحقن - صلى الله عليه وسلم - دمه وصالحه على الجزية ؛ لأنه كان نصرانيا ، ثم خلى سبيله ، وكذا ملك أيلة لما أهدى كساه - صلى الله عليه وسلم - بردا له ، وهذا كله يرجع إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقبل هدية إلا ويكافئ . ثم اعلم أن الناس اختلفوا فيما يهدى للأئمة ، فروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يوجب رده إلى بيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وقال أبو يوسف : ما أهدى إليه أهل الحرب فهو له دون بيت المال ، وأما ما يهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة فهو في ذلك بخلاف الناس ؛ لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة لم تكن لغيره ، قال تعالى : وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بعد قوله : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل الفيء يضعه حيث أراه الله ، فأما المسلمون إذا أهدوا إليه فكان من سجيته أن لا يردها ، بل يثيبهم عليها . وفيه أن ابتياع الأشياء من المجهول الذي لا يعرف جائز حتى يطلع على ما يلزم التورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته غصب أو سرقة أو شبههما ، وقال ابن المنذر : من كان بيده شيء فظاهره أنه مالكه ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه . واختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام وقبول هديته وجائزته ، فرخصت فيه طائفة ، فكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وقد أخبر أن اليهود أكالون للسحت ، قال الحسن : ما لم يعرفوا شيئا منه حراما ، يعني معينا . وعن الزهري ومكحول : إذا كان المال فيه حرام وحلال ، فلا بأس أن يؤكل منه ، إنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرف بعينه ، وقال الشافعي : لا أحب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من حرام ، فإن بويع لا يفسخ البيع ، وقال ابن بطال : والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء : وحجة من رخص حديث الباب وحديث رهنه - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي . وكان ابن عمر وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - يأخذان هدايا المختار ، وبعث عمرو بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار ، فأخذها ابن عمر وقال : لقد جاءتنا على حاجة . وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه فأخذتها ، وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف ، وقسمته بين أمهات المؤمنين . وكرهت طائفة الأخذ منهم ، روي ذلك عن مسروق ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وبشر بن سعيد ، وطاووس ، وابن سيرين ، والثوري ، وابن المبارك ، ومحمد بن واسع ، وأحمد ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض وقال : من أخذ منهم مثل هذه فهو منهم .
باب التجارة في البحر أي : هذا باب في بيان إباحة التجارة في ركوب البحر . وقال مطر : لا بأس به ، وما ذكره الله في القرآن إلا بحق ثم تلا : وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ مطر هذا هو الوراق البصري وهو مطر بن طهمان أبو رجاء الخراساني سكن البصرة ، وكان يكتب المصاحف فلذلك قيل له : الوراق روى عن أنس ، ويقال : مرسل ضعفه يحيى بن سعيد في حديثه عن عطاء ، وكذا روى عن ابن معين وعنه صالح وذكره ابن حبان في الثقات روى له البخاري في كتاب الأفعال ، وروى له الباقون وقال الكرماني : الظاهر أنه مطر بن الفضل المروزي شيخ البخاري ووصفه المزي والشيخ قطب الدين الحلبي وغيرهما بأنه الوراق ووقع في رواية الحموي وحده مطرف موضع مطر ، وليس بصحيح وهو محرف . قوله : لا بأس به أي : بركوب البحر يدل عليه لفظ التجارة في البحر ؛ لأنها لا تكون إلا بالركوب ، قوله : وما ذكره الله أي : ما ذكر الله ركوب البحر في القرآن إلا بحق ، والكلام في هذا الضمير مثل الكلام فيما قبله ، ولما رأى مطر أن الآية سيقت في موضع الامتنان استدل به على الإباحة ، واستدلاله حسن لأنه تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التي عددها لهم ، وأراهم في ذلك عظيم قدرته وسخر الرياح باختلافها لحملهم وترددهم وهذا من عظيم آياته ، ونبههم على شكره عليها بقوله : مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وهذه الآية في سورة فاطر ، وأما التي في النحل وهي : وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا بالواو وهذا يرد قول من زعم منع ركوبه في إبان ركوبه وهو قول يروى عن عمر رضي الله تعالى عنه ، ولما كتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن البحر فقال : خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود ، فكتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يركبه أحد طول حياته ، فلما كان بعد عمر لم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه رأي عمر رضي الله عنه وكان منع عمر لشدة شفقته على المسلمين ، وأما إذا كان إبان هيجانه وارتجاجه ، فالأمة مجمعة على أنه لا يجوز ركوبه ؛ لأنه تعرض للهلاك وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا والفلك السفن الواحد والجمع سواء الظاهر أنه من كلام البخاري يعني أن المراد من الفلك في الآية السفن أراد أنه الجمع بدليل قوله : مواخر والسفن بضم السين والفاء جمع سفينة قال ابن سيده : سميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء أي : تقشره فعيلة بمعنى فاعلة ، والجمع سفائن وسفن وسفين . قوله : الواحد والجمع سواء يعني في الفلك ويدل عليه قوله تعالى : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وقوله : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد ، وقال بعضهم : وقيل : إن الفلك بالضم والإسكان جمع فلك بفتحتين مثل : أسد وأسد قلت : هذا الوجه غير صحيح وإنما الذي يقال : إن ضمة فاء فلك إذا قوبلت بضم همزة أسد الذي هو جمع يقال جمع ، وإذا قوبلت بضم قاف قفل يكون مفردا . وقال مجاهد : تمخر السفن الريح ، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام قال ابن التين : يريد أن السفن تمخر من الريح إن صغرت أي : تصوت والريح لا تمخر أي : لا تصوت من كبار الفلك لأنها إذا كانت عظيمة صوتت الريح ، وقال عياض : ضبطه الأكثر بنصب السفن ، وعكسه الأصيلي وقيل : ضبط الأصيلي هو الصواب وهو ظاهر القرآن إذ جعل الفعل للسفينة فقال مواخر فيه ، وقيل : ضبط الأكثر هو الصواب بناء على أن الريح الفاعل وهي التي تصرف السفينة في الإقبال والإدبار . قوله : تمخر بفتح الخاء المعجمة أي : تشق يقال : مخرت السفينة إذا شقت الماء بصوت ، وقيل : المخر الصوت نفسه ، قوله : من السفن صفة لشيء محذوف أي : لا تمخر الريح شيء من السفن إلا الفلك العظام وهو بالرفع بدل عن شيء ويجوز فيه النصب ومواخر جمع ماخرة ومعنى مواخر جواري ، وقال الزمخشري : سواق . وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل خرج في البحر فقضى حاجته ، وساق الحديث . مطابقته للترجمة في قوله : خرج في البحر وأشار بهذا إلى أن ركوب البحر لم يزل متعارفا مألوفا من قديم الزمان ، وأيضا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقص الله على إنكاره ، وهذا الحديث طرف من حديث ساقه بتمامه في كتاب الكفالة على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، ومضى أيضا في كتاب الزكاة في باب ما يستخرج من البحر ، وذكره هناك بقوله : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة إلى آخره بصورة التعليق هناك وهنا ، وقد مر الكلام فيه هناك . حدثني عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث بهذا صرح بهذا وصل المعلق المذكور بقوله : وقال الليث : وهذا لم يقع في أكثر الروايات في الصحيح ، وإنما وقع ذكره في رواية أبي ذر وأبي الوقت .
( باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي ) أي هذا باب يذكر فيه إذا اشترى أحد شيئا لأجل غيره بغير إذن منه ، يعني بطريق الفضول ، وأشار به البخاري إلى بيع الفضولي ، وكأنه مال إلى جواز بيع الفضولي ، فلذلك عقد هذه الترجمة . قوله : « فرضي » ، أي : فرضي ذلك الغير بذلك الشراء بعد وقوعه بغير إذن منه . 158 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر ، فدخلوا في غار في جبل ، فانحطت عليهم صخرة ، قال : فقال بعضهم لبعض : ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه ، فقال أحدهم : اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران ، فكنت أخرج فأرعى ، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب ، فآتي به أبوي فيشربان ، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي ، فاحتبست ليلة فجئت ، فإذا هما نائمان ، قال : فكرهت أن أوقظهما ، والصبية يتضاغون عند رجلي ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر ، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء ، قال : ففرج عنهم ، وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء ، فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار ، فسعيت فيها حتى جمعتها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : اتق الله ، ولا تفض الخاتم إلا بحقه . فقمت وتركتها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج عنا فرجة ، قال : ففرج عنهم الثلثين ، وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة ، فأعطيته وأبى ذاك أن يأخذ ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ، ثم جاء فقال : يا عبد الله أعطني حقي ، فقلت : انطلق إلى تلك البقر وراعيها ، فإنها لك ، فقال : أتستهزئ بي ؟! قال : فقلت : ما أستهزئ بك ولكنها لك ، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، فكشف عنهم . مطابقته للترجمة في قوله : « حتى اشتريت منه بقرا » ، فإنه اشترى شيئا لغيره بغير إذنه ، ثم لما جاء الأجير المذكور وأخبره الرجل بذلك فرضي وأخذه . ويعقوب : ابن إبراهيم بن كثير الدورقي ، وأبو عاصم : الضحاك بن مخلد ، وابن جريج : هو عبد الملك بن عبد العزيز ، وموسى : ابن عقبة بن أبي عياش الأسدي المديني . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض ، وأخرجه مسلم في التوبة عن المسيبي عن أنس بن عياض ، وعن إسحاق بن منصور ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن أبي عاصم به ، وأخرجه النسائي في الرقائق عن يوسف بن سعيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج به . ( ذكر معناه ) قوله : « خرج ثلاثة » ، أي : ثلاثة من الناس ، وفي رواية المزارعة : بينما ثلاثة نفر يمشون ، وقوله : « يمشون » حال ومحله النصب ، قوله : « أصابهم المطر » بالفاء عطف على خرج ثلاثة ، وفي رواية المزارعة : أصابهم ، بدون الفاء ، لأنه خبر بينما ، قوله : « فدخلوا في غار » في رواية المزارعة ، فأووا إلى غار بقصر الهمزة ويجوز مدها ، أي : انضموا إلى الغار وجعلوه لهم مأوى ، قوله : « في جبل » ، أي : في غار كائن في جبل ، قوله : « فانحطت عليهم صخرة » ، أي : على باب غارهم ، وفي رواية المزارعة : فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل ، قوله : « قال » ، أي : النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فقال بعضهم لبعض : ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه ، وفي رواية المزارعة : فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله تعالى فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم ، قال أحدهم ، أي أحد الثلاثة ، وهاهنا فقال بالفاء . قوله : « اللهم » اعلم أن لفظ اللهم يستعمل في كلام العرب على ثلاثة أنحاء : أحدها للنداء المحض ، وهو ظاهر ، والثاني للإيذان بندرة المستثنى ، كقولك بعد كلام : اللهم إلا إذا كان كذا ، والثالث ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به ، كقولك لمن قال : أزيد قائم ؟ اللهم نعم ، أو اللهم لا ، كأنه يناديه تعالى مستشهدا على ما قال من الجواب ، واللهم هذا هنا من هذا القبيل . قوله : « إني كان لي أبوان شيخان كبيران » ، قوله : أبوان من باب التغليب ؛ لأن المقصود الأب والأم ، وفي رواية المزارعة : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي صبية صغار ، وكنت أرعى عليهم ، وفي رواية هذا الباب : وكنت أخرج فأرعى ، يعني كنت أخرج إلى المرعى فأرعى ، أي : إبلي ، قوله : « ثم أجيء » أي : من المرعى « فأحلب » أي : التي يحلب منها ، وفي رواية المزارعة : فإذا رحت عليهم حلبت ، قوله : « فأجيء بالحلاب » بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام ، وهو الإناء الذي يحلب فيه ، ويراد به هاهنا اللبن المحلوب فيه ، قوله : « فآتي به » أي : بالحلاب ، قوله : « أبوي » من باب التغليب كما ذكرنا عن قريب وأصله أبوان لي ، فلما أضيف إلى ياء المتكلم وسقطت النون وانتصب على المفعولية ، قلبت ألف التثنية ياء ، وأدغمت الياء في الياء . قوله : « فيشربان » معطوف على محذوف تقديره : فأناولهما إياه فيشربان ، قوله : « وأسقي الصبية » بكسر الصاد جمع صبي ، وكذلك الصبوة ، والواو القياس ، والياء أكثر استعمالا ، وفي رواية المزارعة : فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني ، أي : قبل أن أسقي بني ، وأصله بنون لي ، فلما أضيف إلى ياء المتكلم وسقطت النون ، وقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصار بني بضم النون ، وأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء ، فصار بني . قوله : « وأهلي » المراد بالأهل هاهنا الأقرباء ، نحو الأخ والأخت ، حتى لا يكون عطف امرأتي على أهلي عطف الشيء على نفسه ، قوله : « فاحتبست ليلة » أي : تأخرت ليلة من الليالي بسبب أمر عرض لي ، وفي باب المزارعة : وإني استأخرت ذات يوم فلم آت حتى أمسيت ، قوله : « استأخرت » بمعنى تأخرت ، يقال : تأخر واستأخر بمعنى وليس السين فيه للطلب ، قوله : « ذات يوم » الإضافة فيه من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم ، أي : قطعة من زمان هذا اليوم ، أي : من صاحبة هذا الاسم ، قوله : « فإذا هما نائمان » كلمة إذا للمفاجأة ، وقد ذكر غير مرة أنها تضاف إلى جملة ، فقوله : «هما» مبتدأ ، و«نائمان» خبره ، وفي رواية المزارعة : فوجدتهما ناما فحلبت كما كنت أحلب . قوله : « فكرهت أن أوقظهما » ، وفي رواية المزارعة : فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية ، قوله : « والصبية يتضاغون » ، أي : يصيحون ، وهو من باب التفاعل من الضغاء بالمعجمتين ، وهو الصياح بالبكاء ، ويقال : ضغا الثعلب ضغاء ، أي : صاح ، وكذلك السنور ، ويقال : ضغا يضغو ضغوا وضغاء إذا صاح وضج ، قوله : « عند رجلي » ، وفي رواية المزارعة : يتضاغون عند قدمي حتى طلع الفجر ، قوله : « فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما » ، الدأب : العادة والشأن ، وقال الفراء : أصله من دأبت ، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن ، قوله : « اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك » ، وفي رواية المزارعة : فإن كنت تعلم أني فعلته ، وليس فيه لفظة اللهم ، قوله : « ابتغاء وجهك » ، أي : طلبا لمرضاتك ، والمراد بالوجه الذات ، وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول له ، أي : لأجل ابتغاء وجهك . قوله : « فافرج عنا » أمر من فرج يفرج من باب نصر ينصر ، وقال ابن التين : هو بضم الراء في أكثر الأمهات ، وقال الجوهري : إنه بكسرها ، وهو دعاء في صورة الأمر ، وفي رواية المزارعة : فافرج لنا ، قوله : « فرجة » بضم الفاء وفتحها ، والفرجة في الحائط كالشق ، والفرجة انفراج الكروب ، وقال النحاس : الفرجة بالفتح في الأمر ، والفرجة بالضم فيما يرى من الحائط ونحوه ، قلت : الفرجة هنا بالضم قطعا على ما لا يخفى . قوله : « ففرج عنهم » ، أي : فرج بقدر ما دعاه ، وهي التي بها ترى السماء ، وفي رواية المزارعة : ففرج الله لهم فرأوا السماء ، قوله : « وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء » ، وفي كتاب المزارعة : اللهم إنها كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، قوله : « كأشد » الكاف زائدة ، أو أراد تشبيه محبته بأشد المحبات ، قوله : « فقالت لا تنال ذلك منها » ، أي : قالت بنت عمه : لا تنال مرادك منها حتى تعطيها مائة دينار ، وفيه التفات ؛ لأن مقتضى الكلام لا تنال مني حتى تعطيني ، وفي باب المزارعة : فطلبت منها فأبت حتى أتيتها بمائة دينار ، أي : طلبت من بنت عمي فامتنعت وقالت : حتى تعطيني مائة دينار ، فجمعتها حتى أتيتها بمائة دينار التي طلبتها ، قوله : « فسعيت فيها » ، أي : في مائة دينار حتى جمعتها ، وفي رواية المزارعة : فبغيت حتى جمعتها ، أي : فطلبت من البغي ، وهو الطلب ، هكذا في رواية السجزي ، وفي رواية العذري والسمرقندي وابن ماهان : « فبعثت حتى جمعتها » ، وفي ( المطالع ) : والأول هو المعروف بالغين المعجمة والياء آخر الحروف دون الثاني ، وهو بالعين المهملة والثاء المثلثة . قوله : « فلما قعدت بين رجليها » ، وفي رواية المزارعة : فلما وقعت بين رجليها ، قوله : « قالت اتق الله » ، وفي رواية المزارعة : قالت يا عبد الله اتق الله ، أي : خف الله ، ولا ترتكب الحرام ، قوله : « ولا تفض الخاتم إلا بحقه » ، وفي رواية المزارعة : ولا تفتح الخاتم إلا بحقه . "ولا تفض" بفتح الضاد المعجمة وكسرها ، والخاتم بفتح التاء وكسرها ، وهو كناية عن بكارتها ، قوله : « إلا بحقه » ، أي : إلا بالنكاح ، أي : لا تزل البكارة إلا بحلال ، قوله : « فقمت » ، أي : من بين رجليها وتركتها ، يعني لم أفعل بها شيئا ، وليس في رواية المزارعة : وتركتها ، قوله : « ففرج عنهم الثلثين » ، أي : ففرج الله عنهم ثلثي الموضع الذي عليه الصخرة ، وليس في رواية المزارعة إلا قوله : "ففرج" ليس إلا . قوله : « اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة » ، وفي المزارعة : اللهم إني استأجرت أجيرا بفرق أرز ، الفرق بفتح الراء وسكونها مكيال يسع ثلاثة آصع ، وقال ابن قرقول : رويناه بالإسكان والفتح عن أكثر شيوخنا ، والفتح أكثر ، قال الباجي : وهو الصواب ، وكذا قيدناه عن أهل اللغة ، ولا يقال فرق بالإسكان ، ولكن فرق بالفتح ، وكذا حكى النحاس ، وذكر ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان . قوله : « ذرة » بضم الذال المعجمة وفتح الراء الخفيفة ، وهو حب معروف ، وأصله ذرو أو ذري ، والهاء عوض ، والأرز بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي وهو معروف ، وفيه ست لغات : أرز وأرز فتتبع الضمة الضمة ، وأرز وأرز مثل رسل ورسل ، ورز ورنز ، وهو لغة عبد القيس ، قوله : « فأعطيته وأبى ذاك أن يأخذ » ، وفي رواية المزارعة : « فلما قضى عمله قال : أعطني حقي فعرضت عليه فرغب عنه » ، قوله : « أعطيته » ، أي : أعطيت الفرق من ذرة ، وأبى ، أي امتنع . قوله : « ذاك » ، أي : الأجير المذكور ، قوله : « أن يأخذ » كلمة أن مصدرية ، تقديره : أبى من الأخذ ، وهو معنى قوله : فرغب عنه ، أي : أعرض عنه فلم يأخذه ، قوله : « فعمدت » بفتح الميم ، أي : قصدت ، يقال : عمدت إليه وعمدت له أعمد عمدا ، أي : قصدت ، قوله : « فزرعته » ، أي : الفرق المذكور حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ، وفي رواية المزارعة : فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها . ويروى : ورعاتها بضم الراء جمع راعٍ ، قوله : « ثم جاء » ، أي : الأجير المذكور ، فقال : يا عبد الله أعطني حقي ، وفي رواية المزارعة : فجاءني فقال : اتق الله . قوله : « فقلت انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك » ، وفي رواية المزارعة : فقلت اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها فخذ ، ويروى : إلى تلك البقر ، قوله : « فقال أتستهزئ بي » من استهزأ بفلان إذا سخر منه ، وفي رواية المزارعة : فقال اتق الله ، ولا تستهزئ بي ، قوله : « فقلت ما استهزئ بك ولكنها لك » ، وفي رواية المزارعة : فقال إني لا أستهزئ بك فخذه فأخذه ، ويروى : فقلت إني إلى آخره ، قوله : « فافرج عنا فكشف عنهم » ، أي : فكشف باب المغارة ، وفي رواية المزارعة : فافرج ما بقي ففرج ، أي : ففرج الله ما بقي من باب المغارة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم لترغيب أمته في مثلها ، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يتكلم بشيء إلا لفائدة ، وإذا كان مزاحه كذلك فما ظنك بإخباره ؟! وفيه جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك ، ولهذا عقد البخاري الترجمة ، وقال بعضهم : طريق الاستدلال به يبتنى على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، والجمهور على خلافه ، انتهى . قلت : شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقص الشارع الإنكار عليه ، وهنا طريق آخر في الجواز ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذه القصة في معرض المدح والثناء على فاعلها وأقره على ذلك ، ولو كان لا يجوز لبينه ، وقال ابن بطال : وفيه دليل على صحة قول ابن القاسم : إذا أودع رجل رجلا طعاما فباعه المودع بثمن فرضي المودع به ، فله الخيار : إن شاء أخذ الثمن الذي باعه به ، وإن شاء أخذ مثل طعامه ، ومنع أشهب ، قال : لأنه طعام بطعام فيه خيار ، وفيه الاستدلال لأبي ثور في قوله : إن من غصب قمحا فزرعه ، أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة ، وقال الخطابي : استدل به أحمد على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الربح إنما يكون لرب المال ، قال : وهذا لا يدل على ما قال ، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله - عز وجل وقد قال : إنه اشترى بقرا ، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به ، فلا يستحق عليه ربحا ، والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه وأنماه ، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودع : إذا اتجر بمال الوديعة والمضارب إذا خالف رب المال فربحا ، أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء ، وعند أبي حنيفة المضارب ضامن لرأس المال والربح له ، ويتصدق به والوضيعة عليه ، وقال الشافعي : إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل ، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري ، وهو ضامن للمال ، وقال ابن بطال : وأما من اتجر في مال غيره فقالت طائفة : يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبا للمال أو كان وديعة عنده متعديا فيه ، هذا قول عطاء ، ومالك ، والليث ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبي يوسف ، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه ويتصدق به . وقالت طائفة : يرد المال ويتصدق بالربح كله ، ولا يطيب له منه شيء ، هذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر . وقالت طائفة : الربح لرب المال ، وهو ضامن لما تعدى فيه ، هذا قول ابن عمر وأبي قلابة ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال ابن بطال : وأصح هذه الأقوال قول من قال : إن الربح للغاصب والمتعدي ، والله أعلم . وفيه إثبات كرامات الأولياء والصالحين . وفيه فضل الوالدين ووجوب النفقة عليهما وعلى الأولاد والأهل ، قال الكرماني : نفقة الفروع متقدمة على الأصول فلم تركهم جائعين ؟ قلت : لعل في دينهم نفقة الأصل مقدمة ، أو كانوا يطلبون الزائد على سد الرمق ، والصياح لم يكن من الجوع ، قلت : قوله : والصياح لم يكن من الجوع ، فيه نظر لا يخفى . وفيه أنه يستحب الدعاء في حال الكرب ، والتوسل بصالح العمل إلى الله تعالى كما في الاستسقاء . وفيه فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الأولاد والزوجة . وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات بعد القدرة عليها . وفيه جواز الإجارة بالطعام . وفيه فضيلة أداء الأمانة . وفيه قبول التوبة وأن من صلح فيما بقي غفر له ، وأن من هم بسيئة فتركها ابتغاء وجهه كتب له أجرها وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ، وفيه سؤال الرب جل جلاله بإنجاز وعده ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وقال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا .
( قال الليث : حدثني يونس عن ابن شهاب قال : لو أن رجلا ابتاع تمرا قبل أن يبدو صلاحه ، ثم أصابته عاهة ، كان ما أصابه على ربه ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر - رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر ) . أشار بهذا التعليق عن الليث بن سعد ، عن يونس بن يزيد ، أن ابن شهاب الزهري استنبط الحكم المترجم به من الحديث . قوله : « ابتاع » أي : اشترى ، قوله : « ثمرا » بالثاء المثلثة ، قوله : « عاهة » ، أي : آفة ، قوله : « على ربه » ، أي : واقع على صاحبه ، وهو بائعه محسوب عليه ، وفهم من هذا أن الزهري أطلق كلامه ولم يفصل : هل كان حصول العاهة قبل قبض المشتري أو بعده ؟ فمذهب الحنفية بالتفصيل كما ذكرناه عن قريب ، وقبض المشتري الثمار في رؤوس النخل يكون بالتخلية ، بأن يخلي البائع بين المشتري وبينها ، وإمكانه إياه منها ، قوله : « أخبرني » من كلام الزهري ، فإنه قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتبايعوا الثمر إلى آخره ، فكأن الزهري استنبط ما قاله من عموم النهي ، وقد مضى هذا في باب بيع المزابنة ، فإنه قال : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ، ولا تبيعوا الثمر بالتمر " الحديث ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : « لا تبيعوا الثمر » بالثاء المثلثة وفتح الميم ، قوله : « بالتمر » بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وقال الكرماني : هذا عام خصص بالعرايا . قلت : قد ذكرنا فيما مضى أن هذا العام على عمومه ، وأن بيع العرايا حكم مستقل بذاته لا يحتاج إلى شيء ليخرج من عموم الحديث المذكور .
( باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، ثم أصابته عاهة فهو من البائع ) أي هذا باب يذكر فيه إذا باع شخص الثمار قبل بدو صلاحها ، ثم أصابته عاهة ، أي : آفة ، فهو من البائع ، أي : من مال البائع ، والفاء جواب "إذا" لتضمن معنى الشرط ، فهذا يدل على أن البخاري قائل بصحة هذا البيع وإن لم يبد صلاحه ؛ لأنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح . 143 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن حميد ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهي ، فقيل له : وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر ، فقال : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "إن منع الله الثمرة " إلى آخره ؛ لأن الثمرة إذا أصابتها آفة ولم يقبضها المشتري تكون من ضمان البائع ، فإذا قبضها المشتري فهو من مال المشتري . وفي هذا الباب أقوال للعلماء وتفصيل ، فقال ابن قدامة في المغني الكلام في هذه المسألة على وجوه : الأول : أن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع في الجملة ، وبهذا قال أكثر أهل المدينة ، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك ، وأبو عبيد ، وجماعة من أهل الحديث . الثاني : أن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها : كالريح ، والبرد ، والجراد ، والعطش . الثالث : أن ظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها ، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط ، فلا يلتفت إليه . وقال أحمد : إني لا أقول في عشر ثمرات وعشرين ثمرة لا أدري ما الثلث ، ولكن إذا كانت جائحة فوق الثلث أو الربع أو الخمس توضع ، ومنه رواية أخرى أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري ، وبه قال مالك والشافعي في القديم ، لأنه لا بد أن يأكل الطائر منها وينثر الريح ويسقط منها ، فلم يكن بد من ضابط وحد فاصل بين هذا وبين الجائحة والثلث ، قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع ، منها الوصية وعطايا المريض ، إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة ، وضع من الثمن بقدر الذاهب ، وإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن ، وإن تلف البعض وكان الثلث ، فما زاد وضع بقسطه من الثمن ، وإن كان دونه لم يرجع بشيء ، وإن اختلفا في الجائحة أو في قدر ما أتلفت ، فالقول قول البائع ؛ لأن الأصل السلامة ، انتهى . وقال جمهور السلف ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي في الجديد ، وأبو جعفر الطبري ، وداود وأصحابه : ما ذهب من الثمر المبيع الذي أصابته جائحة من شيء سواء كان قليلا أو كثيرا بعد قبض المشتري إياه - فهو ذاهب من مال المشتري ، والذي ذهب في يد البائع قبل قبض المشتري ، فذاك يبطل الثمن عن المشتري . ( ذكر معناه ) قوله : « حتى تزهي » بضم التاء من الإذهاء ، قال الخطابي : هذه الرواية هي الصواب ، ولا يقال في النخل : يزهو ، وإنما يقال : يزهي لا غير ورد عليه غيره ، فقال : زهي إذا طال واكتمل ، وأزهى إذا احمر واصفر ، قوله : « فقيل له وما تزهي » لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسؤول أيضا ، وقد رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بلفظ : "قيل يا رسول الله وما تزهي؟ قال : حتى تحمر" ، وهكذا أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أيوب ، وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال ، كلاهما عن حميد ، وظاهره الرفع ، ورواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفا على أنس كما مضى في الباب الذي قبله . قوله : « فقال » ، أي : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويروى : فقال رسول الله ، « أرأيت » أي : أخبرني ، قال أهل البلاغة : هو من باب الكناية حيث استفهم وأراد الأمر ، قوله : « إذا منع الله الثمرة » إلى آخره ، هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة ، وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد ، مقتصرا على هذه الجملة الأخيرة ، وجزم الدارقطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه ، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة ، والخطأ في رواية عبد العزيز من محمد بن عباد ، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها ، ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه : "قال أفرأيت " إلى آخره ، قال : فلا أدري أنس قال : بم يستحل ، أو حدث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم أخرجه الخطيب في المدرج ، ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد ، فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله "تزهي" ، وظاهره الوقف ، وأخرجه الجوزقي من طريق زيد بن هارون ، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر ، كلاهما عن حميد بلفظ قال : أرأيت إن منع الله الثمرة الحديث . ورواه ابن المبارك وهشيم كما تقدم آنفا عن حميد ، فلم يذكرا هذا القدر المختلف فيه ، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك ، قيل : وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا ؛ لأن مع الذي رفعه زيادة علم عن ما عند الذي وقفه ، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه ، قوله : « بم يأخذ أحدكم مال أخيه » ، أي : بأي شيء يأخذ أحدكم مال أخيه إذا تلف الثمر ، لأنه إذا تلف الثمر لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع شيء ، فيكون أخذ البائع بالباطل ، ويروى : "بم يستحل أحدكم مال أخيه" ، وفيه إجراء الحكم على الغالب ؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن ، وعدم تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن ، فأنيط الحكم في الغالب في الحالين .
110 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا معاذ ، قال : حدثنا ابن عون ، عن محمد قال أنس ابن مالك - رضي الله عنه - : نهينا أن يبيع حاضر لباد . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والكلام في لفظ السمسرة ما ذكرناه في الحديث السابق . ومعاذ بضم الميم وبالذال المعجمة ابن معاذ البصري قاضيها ، مر في الحج ، وابن عون هو عبد الله بن عون ، ومحمد هو ابن سيرين . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن أبي موسى ، عن معاذ بن معاذ ، وعن أبي موسى ، عن ابن أبي عدي ، كلاهما عن ابن عون ، وعن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن حفص بن عمر ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن عبد الأعلى ، وعن أبي موسى . قوله : نهينا يدل على الرفع كما في قوله : أمرنا . قوله : أن يبيع حاضر لباد وزاد مسلم من طريق يونس بن عبيد ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس : وإن كان أخاه أو أباه ، وهذه ثلاثة أبواب متوالية في كلها بيع حاضر لباد ، لكن في الأول استفهام بهل ، وفي الثاني نص على الكراهة بأجر ، وفي الثالث نهي في صورة النفي مقيد بالسمسرة ، وهو ترتيب حسن فيه إشارة إلى الأحكام المذكورة فيها وإلى تكثير الطرق للتقوية والتأكيد ، وإلى إسناد كل حكم إلى رواية الشيخ الذي استدل به عليه .
باب لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة أي هذا باب يذكر فيه لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة ، قال صاحب المغرب : السمسرة مصدر وهي أن يتوكل الرجل من الحاضرة للقادمة فيبيع لهم ما يجلبونه ، وفي التلويح : كذا هذا الباب في البخاري ، وذكر ابن بطال أن في نسخته : لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة ، وكذا ترجم له الإسماعيلي ، وهذا يكون بالقياس على البيع ، حاصله أن الحاضر كما لا يبيع للبادي فكذلك لا يشتري له ، وقال ابن حبيب المالكي : الشراء للبادي مثل البيع له ، وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي ، فكرهت طائفة كما كرهوا البيع له ، واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء كما يقع الشراء على البيع كقوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي : باعوه ، وهو من الأضداد ، وروي ذلك عن أنس ، وأجازت طائفة الشراء لهم ، وقالوا : إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ، ولم يعدوا ظاهر اللفظ ، روي ذلك عن الحسن البصري رحمه الله ، واختلف قول مالك في ذلك ، فمرة قال : لا يشتري له ، ولا يشتري عليه ، ومرة أجاز الشراء له ، وبهذا قال الليث والشافعي ، وقال الكرماني : قال إبراهيم : والعرب تطلق البيع على الشراء ، ثم قال الكرماني : هذا صحيح على مذهب من جوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه ، اللهم إلا أن يقال : البيع والشراء ضدان فلا يصح إرادتهما معا ( فإن قلت ) : فما توجيهه ؟ ( قلت ) : وجهه أن يحمل على عموم المجاز . انتهى . قلت : قول إبراهيم : العرب تطلق البيع على الشراء ليس مبينا أنه مشترك واستعمل في معنييه ، بل هما من الأضداد كما مر . وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع وللمشتري أي كره محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي شراء الحاضر للبادي كما يكرهان بيعه له ، ووصل تعليق ابن سيرين أبو عوانة في صحيحه من طريق سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين قال : لقيت أنس بن مالك فقلت : لا يبيع حاضر لباد ، ونهيتم أن تبيعوا وتبتاعوا لهم ؟ قال : نعم ، قال محمد : وصدق ، إنها كلمة جامعة ، وروى أبو داود من طريق أبي بلال ، عن ابن سيرين ، عن أنس بلفظ : كان يقال : لا يبيع حاضر لباد ، وهي كلمة جامعة ، لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا . انتهى . قوله : وهي كلمة جامعة ، أراد به أن لفظ : لا يبيع كما يستعمل في معناه يستعمل في معنى الشراء أيضا ، وقال ابن حزم : وروي عن إبراهيم قال : كان يعجبهم أن يصيبوا من الأعراب شيئا ، وقال أيضا : بيع الحاضر للبادي باطل ، فإن فعل فسخ البيع والشراء أبدا وحكم فيه بحكم الغصب ، وقال الترمذي : رخص بعضهم في أن يشتري حاضر لباد ، وقال الشافعي : يكره أن يبيع حاضر لباد ، فإن باع فالبيع جائز . وقال إبراهيم : إن العرب تقول : بع لي ثوبا وهي تعني الشراء . إنما قال إبراهيم النخعي هذا الكلام في معرض الاحتجاج فيما ذهب إليه من التسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له . قوله : تعني يعني تقصد وتريد . 109 - حدثنا المكي بن إبراهيم ، قال : أخبرني ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يبتاع المرء على بيع أخيه ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع حاضر لباد . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يبيع حاضر لباد ، ولفظ السمسرة وإن لم يكن مذكورا في الحديث فمتبادر إلى الذهن من اللام في قوله : لباد ، فافهم . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وابن جريج هو عبد الملك . قوله : عن ابن شهاب وفي رواية الإسماعيلي من طريق أبي عاصم ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن شهاب . قوله : لا يبتاع المرء كذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : لا يبيع ، وقد مضى الكلام في ألفاظ هذا الحديث في الأبواب الماضية .
( باب بيع الأرض والدور والعروض مشاعا غير مقسوم ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الأرض إلى آخره . قوله : « الدؤر » بالهمز والواو كليهما وبالواو فقط جمع دار ، « والعروض » بالضاد المعجمة جمع عرض بالفتح ، وهو المتاع ، قوله : « مشاعا » نصب على الحال ، وكان القياس أن يقال مشاعة ، لكن لما صار المشاع كالاسم وقطع النظر فيه عن الوصفية ، جاز تذكيره أن يكون باعتبار المذكور أو باعتبار كل واحد . 156 - حدثنا محمد بن محبوب قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا معمر عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل مال لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة . مطابقته للترجمة في قوله : كل ما لا يقسم ، وقد ذكرنا أن هذا اللفظ عام وأريد به الخاص في العقار ، والبحث فيه قد مضى في الباب السابق من أن الشفعة في الأرضين والدور خاصة ، وأما بيع العروض مشاعا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها كما مر ، وإنما ذكر العروض في الترجمة ، وليس لها ذكر في الحديث تنبيها على الخلاف فيه على الإجمال ، فيوقف عليه من الخارج . ورجال الحديث كلهم قد مروا ، فمحمد بن محبوب - ضد المبغوض - قد مر في الغسل ، وعبد الواحد بن زياد قد مر في باب وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ ، وقال الخطابي : هنا معنى الشفعة نفي الضرر ، وإنما يتحقق مع الشركة ، ولا ضرر على الجار ، فلا وجه لنزع ملك المبتاع منه بعد استقراره ، انتهى . قلت : هذا مدافعة للأحاديث الصحيحة التي فيها الشفعة للجار ، وقد ذكرناها عن قريب ، قوله : « ولا ضرر على الجار » ممنوع لاحتمال أن يكون المشتري من شرار الناس ، أو ممن يشتغل بالمعاصي فيتضرر به الجار ، ولا ضرر أعظم من هذا لاستمراره ليلا ونهارا . وقوله : بعد استقراره غير صحيح ؛ لأن حق الغير فيه فكيف يقال : إنه مستقر ؟ وهذه كلها معاندة ومكابرة . 157 - حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد بهذا ، وقال : في كل ما لم يقسم أشار به إلى أنه أخرج هذا الحديث عن شيخه أحدهما محمد بن محبوب عن عبد الواحد ، والآخر عن مسدد عن عبد الواحد ، وأشار به أيضا إلى اختلاف كل في قوله : "في كل ما لم يقسم" ، فإن في رواية محمد بن محبوب : "في كل ما لم يقسم" ، وفي رواية مسدد : "في كل مال لم يقسم" ، قوله : « بهذا » ، أي : بهذا الحديث المذكور . تابعه هشام عن معمر أي تابع عبد الواحد هشام بن يوسف اليماني في روايته « في كل مال لم يقسم » ، وهذه المتابعة وصلها البخاري - رحمه الله تعالى - في ترك الحيل . قال عبد الرزاق : "في كل مال" رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري أي قال عبد الرزاق في روايته عن معمر : في كل مال ، وكذا قال عبد الرحمن بن إسحاق القرشي ، قال أبو داود : إنه قدري ثقة . قوله : « عن الزهري » ، أي رواه عن محمد بن مسلم الزهري ، وطريق عبد الرزاق وصله البخاري في الباب السابق ، وطريق عبد الرحمن بن إسحاق وصله مسدد في مسنده ، عن بشر بن المفضل عنه ، ووقع عند السرخسي في رواية عبد الرزاق ، وفي رواية عبد الواحد في الموضعين : "في كل مال" ، وللباقين : "في كل ما لم يقسم" في رواية عبد الواحد "وكل مال" في رواية عبد الرزاق ، وقال الكرماني : ما الفرق بين هذه الأساليب الثلاثة ؟ قلت : المتابعة هي أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه ، والرواية أعم منها ، والقول إنما يستعمل عند السماع على سبيل المذاكرة ، انتهى . قلت : هذه فائدة جليلة ، وأراد بالأساليب الثلاثة قوله : تابعه ، وقوله : قال عبد الرزاق ، وقوله : رواه عبد الرحمن .
باب : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وقوله جل ذكره : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي : هذا باب يذكر فيه قوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً إلى قوله : عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فالآية الأولى مر ذكرها عن قريب بقوله : باب قول الله عز وجل : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ثم ذكر حديث جابر والآية الثانية ذكرها في أول باب التجارة في البر ، وإنما أعادهما في رواية المستملي لا غير ، قيل : لم يدر ما فائدة الإعادة وقيل : ذكرها هنا لمنطوقها وهو الذم ، وذكرها فيما مضى لمفهومها وهو تخصيص ذمها بحالة اشتغل بها عن الصلاة والخطبة . وقال قتادة : كان القوم يتجرون ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله . هذا أيضا ذكره في باب تجارة البر وأعاده هنا في رواية المستملي . 16 - حدثني محمد قال : حدثني محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر رضي الله عنه قال : أقبلت عير ونحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة فانفض الناس إلا اثني عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا هذا أيضا ذكره في باب قول الله عز وجل : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً فإنه أخرجه هناك عن طلق بن غنام ، عن زائدة ، عن حصين ، عن سالم إلى آخره ، وأخرجه هنا عن محمد هو ابن سلام البيكندي ، نص عليه الحافظان الدمياطي والمزي عن محمد بن فضيل مصغر الفضل بن غزوان الضبي الكوفي عن حصين بضم الحاء المهملة ، وتقدم الكلام فيه هناك ، وإنما أعاده هنا أيضا في رواية المستملي لا غير ، وفي رواية النسفي ذكر هذه المقامات كلها هاهنا وحذفها فيما مضى .
( باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله ، والأدب في ذلك ) أي هذا باب في بيان من إذا اشترى طعاما جزافا إلى آخره . قوله : " جزافا " قد مر تفسيره عن قريب ، ويقال : هذا لفظ معرب ، عن كذاف . قوله : " حتى يؤويه " من الإيواء ، والمراد منه النقل والتحويل إلى المنزل ، وثلاثيه أوى يأوي ، وآويت غيري وأويته بالقصر أيضا ، وأنكر بعضهم المقصور المتعدي ، وقال الأزهري : هي اللغة الفصيحة . قوله : " إلى رحله " أي منزله . قوله : " والأدب " بالجر أي وفيه بيان الأدب عطفا على قوله : " فيه بيان من اشترى " . قوله : " في ذلك " أي في ترك الإيواء ، ومراده مَن يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله . 87 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لقد رأيت الناس في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبتاعون جزافا ، يعني الطعام ، يضربون أن يبيعوه في مكانهم ، حتى يؤووه إلى رحالهم . مطابقته للترجمة ظاهرة . وقد مضى هذا الحديث في باب ما يذكر في بيع الطعام بالطعام ؛ فإنه أخرجه هناك ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن الليث بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم . وهنا أخرجه عن يحيى بن بكير المخزومي المصري ، عن الليث بن سعد المصري ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن محمد بن شهاب الزهري ، عن سالم . قوله : " يبتاعون " ويروى " يتبايعون " .
( باب بيع الشريك من شريكه ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الشريك من شريكه . 155 - حدثني محمود قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشفعة في كل مال لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة . مطابقته للترجمة من حيث إن الشفعة لا تقوم إلا بالشفيع ، وهو إذا أخذ الدار المشتركة بينه وبين رجل حين باع ما يخصه بالشفعة ، فكأنه اشتراه من شريكه ، فصدق عليه أنه بيع الشريك من الشريك . ومحمود هو ابن غيلان بالغين المعجمة ، وعبد الرزاق ابن همام ، ومعمر ابن راشد ، والزهري محمد بن مسلم ، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن محمد بن محبوب ، وفيه وفي الشركة وفي الشفعة عن مسدد ، وفي الشركة وفي ترك الحيل عن عبد الله بن محمد ، وأخرجه أبو داود في البيوع أيضا عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن عبد بن حميد ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن عبد الرزاق به . ( ذكر معناه ) قوله : « في كل مال لم يقسم » ، وفي رواية للبخاري على ما يأتي عن قريب : في كل ما لم يقسم . ورواه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق : في كل ما لم يقسم . ورواه إسحاق بن إبراهيم عنه ، فقال في الأموال : ما لم يقسم . والمراد من قوله : "في كل ما لم يقسم" العقار ، وإن كان اللفظ عاما . قوله : « فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة » لأنها حينئذ تكون مقسومة غير مشاعة ، قوله : « صرفت » على صيغة المجهول بتشديد الراء وتخفيفها . ( ذكر مذاهب العلماء في هذا الباب ) مذهب الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور : أن لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم ، ولا تجب الشفعة بالجوار ، واحتجوا بحديث جابر المذكور ، واحتجوا أيضا بما رواه الطحاوي من حديث أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : "الشفعة في كل شرك بأرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع" . وأخرجه مسلم وأبو داود أيضا ، واحتج الثوري والحسن بن حي ، وإسحاق ، وأحمد في رواية ، وأبو عبيد ، والظاهرية أن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ ، سقط حقه من الشفعة ، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضا . وقال الطحاوي : وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم : لا يسقط حقه بذلك ، بل له أن يأخذ بعد البيع ؛ لأن الشفعة لم تجب بعد ، وإنما تجب له بعد البيع ، فتركه ما لم يجب له بعد لا معنى له ، ولا يسقط حقه إذا وجب ، وقال النخعي ، وشريح القاضي ، والثوري ، وعمرو بن حريث ، والحسن بن حي ، وقتادة ، والحسن البصري ، وحماد بن أبي سليمان ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : تجب الشفعة في الأراضي والرباع والحوائط للشريك الذي لم يقاسم ، ثم للشريك الذي قاسم وقد بقي حق طريقه أو شربه ، ثم من بعدهما للجار الملازق ، وهو الذي داره على ظهر الدار المشفوعة ، وبابه في سكة أخرى . وروي عن عطاء أنه قال : الشفعة في كل شيء حتى في الثوب ، وحكى مقالة عطاء عن بعض الشافعية ومالك ، وأنكره القاضي أبو محمد ، وحكى عن مالك وأحمد وجوب الشفعة في السفن . وفي حاوي الحنابلة : وكل ما لا يقسم ، ولا هو متصل بعقار ، كالسيف ، والجوهرة ، والحجر ، والحيوان ، وما في معنى ذلك ، ففي وجوب الشفعة فيه روايتان ذكرهما ابن أبي موسى ، ولا تؤخذ الثمار بالشفعة تبعا ، ذكره القاضي ، وقال أبو الخطاب : تؤخذ ، وعلى ذلك يخرج الزرع ، ولا شفعة فيما يقسم من المنقولات بحال ، وقال النووي في الروضة : ولا شفعة في المنقولات سواء بيعت وحدها أم مع الأرض ، ويثبت في الأرض سواء بيع الشقص منها وحده ، أم مع شيء من المنقولات ، وما كان منقولا ، ثم أثبت في الأرض للدوام كالأبنية والأشجار ، فإن بيعت منفردة ، فلا شفعة فيها على الصحيح . ولو كان على الشجر ثمرة مؤبرة وأدخلت في البيع بالشرط ، لم تثبت فيها الشفعة ، فيأخذ الشفيع الأرض والنخيل بحصتهما ، وإن كانت غير مؤبرة دخلت في البيع ، وهل للشفيع أخذها ؟ وجهان أو قولان ، أصحهما نعم ، انتهى . ثم اختلف من يقول بالشفعة للجار ، فقال أصحابنا الحنفية : لا شفعة إلا للجار الملازق ، وقال الحسن بن حي : للجار مطلقا بعد الشريك ، وقال آخرون : الجار الذي تجب له الشفعة أربعون دارا حول الدار ، وقال آخرون : من كل جانب من جوانب الدار أربعون دارا ، وقال آخرون : هو كل من صلى معه صلاة الصبح في المسجد ، وقال بعضهم : أهل المدينة كلهم جيران ، وحجة أصحابنا فيما ذهبوا إليه أحاديث رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم منها ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح ، فقال : حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرنسي قال : حدثنا علي بن صالح القطان وأحمد بن حبان قالا : حدثنا عيسى بن يونس قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " جار الدار أحق بالدار " ، وأخرجه البزار أيضا في مسنده . ( فإن قلت ) قال الترمذي : ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس . قلت : ما لعيسى بن يونس ، فإنه حجة ثبت ، فقال ابن المديني حين سئل عنه : بخ بخ ثقة مأمون . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : عيسى حجة ، وهو أثبت من إسرائيل ، وقال العجلي : كان ثبتا في الحديث ، فإذا كان كذلك ، فلا يضر كون الحديث عنه وحده . ومنها حديث سمرة بن جندب أخرجه الترمذي ، وقال : حدثنا علي بن حجر قال : أخبرنا إسماعيل بن علية ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " جار الدار أحق بالدار " ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرجه الطحاوي من ستة طرق صحاح أحدها مرسل . ( فإن قلت ) الحسن لم يسمع من سمرة إلا ثلاثة أحاديث وهذا ليس منها ، قلت : قال الترمذي عن البخاري - رضي الله تعالى عنه - : إنه سمع منه عدة أحاديث ، وقال الحاكم في أثناء كتاب البيوع من المستدرك : قد احتج البخاري بالحسن عن سمرة ، وذلك بعد أن روى حديثا من رواية الحسن عن سمرة . ومنها حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أخرجه الطحاوي ، وقال : حدثنا أبو بكرة ، حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان عن منصور عن الحكم ، عمن سمع عليا وعبد الله بن مسعود يقولان : قضى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالجوار . وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن الحكم ، عن علي وعبد الله قالا : قضى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالشفعة للجوار . قلت : في سند الطحاوي مجهول ، وفي سند ابن أبي شيبة الحكم عن علي ، والحكم لم يدرك عليا ولا عبد الله . ومنها حديث عمرو بن حريث أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح مثل الحديث الذي قبله ، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا على عمرو بن حريث أنه كان يقضي بالجوار ، أي : يقضي للجار بالشفعة بسبب الجوار . وروى الطحاوي أيضا بإسناده إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملازق ، وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة نحوه ، وفيه : فكان شريح يقضي للرجل من أهل الكوفة على الرجل من أهل الشام ، وأجاب الأصحاب عن حديث الباب أن جابرا قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشفعة في كل مال لم يقسم ، ولفظه في حديثه الثاني الذي يأتي عقيب هذا الباب : "قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم" ، وهذان اللفظان إخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما قضى ، ثم قال بعد ذلك : فإذا وقعت الحدود إلى آخره . وهذا قول من رأى جابرا لم يحكه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وإنما يكون هذا حجة علينا أن لو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ، على أنه روي عن جابر أيضا أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الجار أحق بشفعة جاره ، فإن كان غائبا انتظر إذا كان طريقهما واحدا "، أخرجه الطحاوي من ثلاث طرق صحاح ، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضا ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن مالك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر ، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث ، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث ، لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث ، وقد روى وكيع عن شعبة عن عبد الملك هذا الحديث ، وروى عن ابن المبارك عن سفيان الثوري قال : عبد الملك بن أبي سليمان ميزان ، يعني في العلم .
( باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع أو مات قبل أن يقبض ) أي هذا باب يذكر فيه إذا اشترى شخص متاعا أو اشترى دابة ، فوضعه عند المتاع - أي البائع - أو مات البائع قبل أن يقبض المبيع ، وجواب " إذا " محذوف ، ولم يذكره لمكان الاختلاف فيه . قال ابن بطال : اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل القبض ، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ضمانه إن تلف من البائع ، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور : من المشتري ، وأما مالك ففرق بين الثياب والحيوان ، فقال : ما كان من الثياب والطعام فهلك قبل القبض فضمانه من البائع ، وقال ابن القاسم : لأنه لا يعرف هلاكه ، ولا بينة عليه ، وأما الدواب والحيوان والعقار فمصيبته من المشتري . وقال ابن حبيب : اختلف العلماء فيمن باع عبدا واحتبسه بالثمن وهلك في يده قبل أن يأتي المشتري بالثمن ، فكان سعيد بن المسيب وربيعة والليث يقولون : هو من البائع ، وأخذه ابن وهب ، وكان مالك قد أخذ به أيضا ، وقال سليمان بن يسار : مصيبته من المشتري ، سواء حبسه البائع بالثمن أم لا ، ورجع مالك إلى قول سليمان . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من المبتاع . أي قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . كلمة " ما " شرطية فلذلك دخلت الفاء في جوابها ، وهو قوله : " فهو من المبتاع " ، وإسناد الإدراك إلى الصفقة مجاز ، أي ما كان عند العقد غير ميت . قوله : " مجموعا " صفة لقوله : " حيا " وأراد به لم يتغير عن حالته . قوله : " من المبتاع " أي من المشتري ، وهذا تعليق وصله الطحاوي والدارقطني من طريق الأوزاعي ، عن الزهري ، عن حمزة ابن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : " ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع " وليس فيه لفظ " مجموعا " . وهذا رواه الطحاوي جوابا عما قالوا : إن ابن عمر روى عنه حديث " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وأنه كان يرى التفرق بالأبدان ، والدليل عليه أنه كان إذا بايع رجلا شيئا فأراد أن لا يقبله قام فمشى هنيهة ، قالوا : فهذا يدل على أنه كان يرى التفرق بالأبدان ، وأجاب عنه الطحاوي ، فقال : وقد روي عنه ما يدل على أن رأيه كان في الفرقة بالأقوال ، وأن المبيع ينتقل بتلك الأقوال من ملك البائع إلى ملك المشتري ، حتى يهلك من مالك إن هلك . وروى حديث حمزة بن عبد الله هذا ، واعترض عليه بعضهم بقوله : وما قاله ليس بلازم ، وكيف يحتج بأمر محتمل في معارضة أمر مصرح به ؟ فابن عمر قد تقدم عنه التصريح بأنه كان يرى الفرقة بالأبدان ، والمنقول عنه هنا يحتمل أن يكون قبل التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون بعده ، فحمله على ما بعده أولى ؛ جمعا بين حديثيه . انتهى . ( قلت ) : هذا ما هو بأول من تصرف بهذا الاعتراض ؛ فإن ابن حزم سبقه بهذا ، ولكن الجواب عن هذا بما يقطع شغبهما هو أن قوله هذا يعارض فعله ذاك صريحا ، والاحتمال الذي ذكره هذا القائل هنا يحتمل أن يكون هناك أيضا ، فسقط العمل بالاحتمالات ، فبقي الفعل والقول ، والأخذ بالقول أولى ؛ لأنه أقوى . 88 - حدثنا فروة بن أبي المغراء قال : أخبرنا علي بن مسهر عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لقل يوم كان يأتي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا ، فخبر به أبو بكر ، فقال : ما جاءنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه الساعة إلا لأمر حدث . فلما دخل عليه قال لأبي بكر : أخرج من عندك ، قال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، يعني عائشة وأسماء ، قال : أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج ؟ قال : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : الصحبة ، قال : يا رسول الله ، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج ، فخذ إحداهما ، قال : قد أخذتها بالثمن . مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزأين ، أما دلالته على الجزء الأول فظاهرة ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أخذ الناقة من أبي بكر بقوله : " قد أخذتها بالثمن " الذي هو كناية عن البيع تركه عند أبي بكر ، فهذا يطابق قوله : " فتركه عند البائع " . وأما دلالته على الجزء الثاني ، وهو قوله : " أو مات قبل أن يقبض " فبطريق الإعلام أن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع قياسا عليه ، ولكن البخاري لم يجزم بالحكم كما ذكرنا ؛ لمكان الاختلاف فيه ، ولكن تصدير الترجمة بأثر ابن عمر يدل على أن اختياره ما ذهب إليه ابن عمر ، وهو أن الهالك في الصورة المذكورة من مال المبتاع . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : فروة - بفتح الفاء وسكون الراء - ابن أبي المغراء ، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء والمد ، واسم أبي المغراء معد يكرب الكندي . الثاني : علي بن مسهر - بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء - قاضي الموصل . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار كذلك في موضع . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه من أفراده وأنه وعلي كوفيان ، وهشام وأبوه مدنيان . وهذا الحديث من أفراده وسيأتي في أول الهجرة مطولا إن شاء الله تعالى . ذكر معناه : قوله : " لقل يوم " اللام جواب قسم محذوف وقوله : " قل " فعل ماض . وفيه معنى النفي أي ما يأتي يوم عليه ، إلا يأتي فيه بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه . قوله : " بيت أبي بكر " منصوب على المفعولية . قوله : " أحد " نصب على الظرفية بتقدير في . قوله : " لم يرعنا " بفتح الياء وضم الراء وسكون العين المهملة ، من الروع ، وهو الفزع ، يعني أتانا بغتة وقت الظهر . قوله : " فخبر به " على صيغة المجهول أي : خبر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ، يعني : أخبره مخبر بأنه جاء . قوله : " حدث " بفتح الدال . قوله : " أخرج " بفتح الهمزة أمر من الإخراج . قوله : " من عندك " بفتح الميم مفعول أخرج ، ويروى " ما عندك " وكلمة ما عامة تتناول العقلاء وغيرهم . قوله : " الصحبة " بالنصب أي : أنا أريد أو أطلب الصحبة معك عند الخروج ، ويجوز الرفع أي : مرادي الصحبة أو مطلوبي ، وكذا لفظة الصحبة الثانية بالنصب أي : أنا أريد أو أطلب الصحبة أيضا أو ألزم صحبتك ، ويجوز بالرفع أي : مطلوبي أيضا الصحبة أو الصحبة مبذولة . قوله : " أعددتهما " قال ابن التين : وقع في رواية للبخاري " عددتهما للخروج " يعني بدون الهمزة ، قال : صوابه أعددتهما لأنه رباعي ( قلت ) : قوله : رباعي بالنسبة إلى عدد حروفه ، ولا يقال في مصطلح الصرفيين إلا ثلاثي مزيد فيه . ( ذكر ما يستفاد منه قال المهلب : وجه استدلال البخاري في هذا الباب بحديث عائشة أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله تعالى عنه - في الناقة : قد أخذتها ، لم يكن أخذا باليد ولا بحيازة شخصها ، وإنما كان التزامه لابتياعها بالثمن وإخراجها من ملك أبي بكر ؛ لأن قوله : قد أخذتها ، يوجب أخذا صحيحا وإخراجا واجبا للناقة من ملك أبي بكر إلى ملك النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثمن الذي يكون عوضا منها ، فهل يكون التصرف بالمبيع قبل القبض أو الضياع إلا لصاحب الذمة الضامنة لها . انتهى . ( قلت ) وقال بعضهم : وليس ما قاله بواضح ؛ لأن القصة ما سيقت لبيان ذلك ، فلذلك اختصر فيها قدر الثمن وصفة العقد ، فيحمل كل ذلك على أن الراوي اختصره لأنه ليس من غرضه في سياقه ، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجة في عدم اشتراط القبض . انتهى . ( قلت ) : الذي قاله المهلب أوضح ما يكون ؛ لأن ترك سوق القصة لبيان ذلك لا يستلزم نفي صحة ما قاله المهلب ولا الاختصار فيها قدر الثمن وصفة العقد ولا الأمر فيه مبني على غرض الراوي في اختصاره الحديث وتقطيعه ، والعمل على متن الحديث وصحة الاستدلال بألفاظه ، وقد صرح في الحديث بالأخذ الصحيح لاشترائه بالثمن وهو يوجب الإخراج من ملك البائع إلى ملك المشتري ، وقد استدل به أبو حنيفة وغيره بأن الافتراق بالكلام لا بالأبدان ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قد أخذتها بالثمن قبل أن يفترقا ، وتم البيع بينهما ، فافهم .
باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر 108 - حدثني عبد الله بن صباح قال : حدثنا أبو علي الحنفي ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار قال : حدثني أبي ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد . مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أن النهي أقله يقتضي الكراهة . فإن قلت : لا ذكر للأجر في الحديث ، قلت : قال الكرماني : النهي عام لما بالأجر ولما بغير الأجر ، وقال ابن بطال : أراد المصنف أن بيع الحاضر للبادي لا يجوز بأجر ، ويجوز بغير أجر ، واستدل على ذلك بقول ابن عباس ، فكأنه قيد به مطلق حديث ابن عمر ، انتهى . قلت : الأوجه ما قاله ابن بطال ؛ لأن حديث ابن عمر عام ، فبعمومه يتناول كراهة بيع الحاضر للبادي بالأجر ، وذكر الأجر لدلالة عموم الحديث عليه من هذه الحيثية ، واستدل على عدم كراهته إذا كان بلا أجر بقول ابن عباس ؛ لأنه قال : لا يكون له سمسارا ، وذلك لأن السمسار يأخذ الأجر ، فخصص عموم حديث ابن عمر بحديث ابن عباس هذا ؛ تنبيها على أنه إذا كان بلا أجر لا يكون مكروها . وعبد الله بن الصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة ، العطار ، من أهل البصرة ، وأبو علي اسمه عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ، المنسوب إلى بني حنيفة ، وكلاهما تقدما في الصلاة ، والحديث من أفراد البخاري ، وأراد بهذا الحديث والذي قبله أن يجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر ، واستدل على ذلك بحديث ابن عباس كما ذكرناه . وبه قال ابن عباس أي : بقول من كره بيع الحاضر للبادي قال عبد الله بن عباس ، كما ذكرناه .
90 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يبيع الرجل على بيع أخيه . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم . والحديث أخرجه مسلم في النكاح ، عن عمرو الناقد وزهير بن حرب وابن أبي عمر ، وفي البيوع ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه أبو داود ، عن أبي الطاهر بن السرح في البيوع ببعضه لا تناجشوا وفي النكاح ببعضه لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه وأخرجه الترمذي ، عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن منيع في البيوع ببعضه لا يبيع حاضر لباد وفي موضع آخر منه ببعضه لا تناجشوا وفي النكاح ببعضه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه وفيه ، عن قتيبة وحده ببعضه لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها وأخرجه النسائي في النكاح ، عن محمد بن منصور وسعيد بن عبد الرحمن بتمامه ، ولم يذكر السوم ، وأخرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار وسهل بن أبي سهل في النكاح ببعضه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه وفي التجارات ببعضه لا تناجشوا وفيه ، عن هشام بن عمار وحده ببعضه لا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يسوم على سوم أخيه وفيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ببعضه لا يبيع حاضر لباد . ( ذكر معناه ) قوله : لباد البادي هو الذي يكون في البادية مسكنه المضارب والخيام ، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه فيقول له بلدي : اتركه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه ، وهذا فعل حرام ، لكن يصح بيعه ؛ لأن النهي راجع إلى أمر خارج عن نفس العقد ، وقيل : أن لا يكون الحاضر سمسارا للبدوي ، وحينئذ يصير أعم ويتناول البيع والشراء . قوله : ولا تناجشوا هذا عطف على مقدر لأنه لا يصح عطفه على قوله : نهى ولا على قوله : أن يبيع والتقدير نهى ، وقال : لا تناجشوا ، والنجش بفتح النون والجيم وفي آخره شين معجمة ، وفي المغرب : النجش بفتحتين ويروى بسكون الجيم ، ويقال : نجش ينجش نجشا ، من باب نصر ينصر ، وفي الزاهر : أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه ، وفي الغريبين : النجش تنفير الناس من الشيء إلى غيره ، وفي الجامع : أصله من الختل ، يقال : نجش الرجل إذا ختل ، ويقال : أصل النجش الإثارة ، وسمي الناجش ناجشا لأنه يثير الرغبة في السلعة ويرفع ثمنها . قوله : ولا يبيع الرجل على بيع أخيه قد فسرناه عن قريب ، وقال ابن قرقول : يأتي كثير من الأحاديث على لفظ الخبر ، وقد أتى بلفظ النهي وكلاهما صحيح ، وقال ابن الأثير : كثير من روايات هذا الحديث لا يبيع بإثبات الياء والفعل غير مجزوم وذلك لحن ، وإن صحت الرواية فتكون لا نافية ، وقد أعطاها معنى النهي لأنه إذا نفى هذا البيع ، فكأنه قد استمر عدمه ، والمراد من النهي عن الفعل إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه ، فكان النهي الوارد من الواجب صدقه يفيد ما يراد من النهي . قوله : ولا يخطب على خطبة أخيه الخطبة بالكسر اسم من خطب يخطب من باب نصر ينصر فهو خاطب ، وأما الخطبة بالضم فهو من القول والكلام ، وصورته أن يخطب الرجل المرأة فتركن هي إليه ويتفقا على صداق معلوم ويتراضيا ولم يبق إلا العقد ، فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصداق ، ويأتي الكلام فيه عن قريب . قوله : ولا تسأل بالرفع خبر بمعنى النهي وبالكسر نهي حقيقي ، ومعناه نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته لينكحها ويصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان للمطلقة ، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الإناء إذا كبته وكفأته ، وأكفأته إذا أملته ، وقال التيمي : هذا مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها . قوله : لتكفأ بفتح الفاء كذا في رواية أبي الحسن ، وقال ابن التين : وهو ما سمعناه ، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء ، وقال ابن قرقول : ويروى لتكفئ وتستكفئ مما في صحفتها أي : تقلبه لتفرغه من خير زوجها لطلاقه إياها ، وقد تسهل الهمزة ، وذكر الهروي الحديث لتكتفي تفتعل من كفأت الإناء إذا كببته ليفرغ ما فيها ، وقيل : صورته أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به ، قال النووي : المراد بأختها غيرهما سواء كانت أختها في النسب أو الإسلام أو كافرة . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه . الأول : بيع الحاضر للبادي إنما نهى عنه ؛ لأن فيه التضييق على الناس ، وأهل الحاضرة أفضل لإقامتهم الجماعات وعلمهم وغير ذلك ، واختلف في أهل القرى هل هم مرادون بهذا الحديث فقال مالك : إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به ، وإن كانوا يشبهون أهل البادية فلا يباع ولا يشار عليهم ، وقال شيخنا : لا يلزم من النهي عن البيع تحريم الإشارة عليه إذا استشاره ، وهو قول الأوزاعي ، قال : وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث وهو قوله : إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وحكى الرافعي عن أبي الطيب وأبي إسحاق المروزي أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلا للنصيحة ، وعن أبي حفص بن الوكيل أنه لا يرشده توسعا على الناس ونقل مثله عن مالك ، بل حكى ابن العربي عنه أنه لو سأله عن السعر لا يخبره به لحق أهل الحضر ، ثم ظاهر الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي سواء كان الحضري هو الذي التمس ذلك من البدوي أو كان البدوي هو الذي سأله الحضري في ذلك ، وجزم الرافعي بأنه إنما يحرم إذا ابتدأ الحضري لسؤال ذلك ، وفيه نظر ؛ لخروجه عن ظاهر الحديث ، وخصص بعض أصحاب الشافعي تحريم بيع الحاضر للبادي بما إذا تربص الحاضر بسلعة البادي ليغالي في ثمنها ، فأما إذا باعها الحضري للبادي بسعر يومه فلا بأس به . ( قلت ) : في التقييد بذلك مخالفة لظاهر الحديث ولفهم راوي الحديث وهو ابن عباس إذ سئل عن ذلك فقال : لا يكون له سمسارا ، فلم يفرق بين أن يبيع له في ذلك اليوم بسعر يومه أو يتربص به ليزداد ثمنه ، وظاهر الحديث أيضا تحريم بيع الحاضر للبادي سواء كان البادي يريد بيعه في يومه أو يريد الإقامة والتربص بسلعته ، وحمل الرافعي النهي على الصورة الأولى فقال فيما إذا قصد البدوي الإقامة في البلد ليبيعه على التدريج فسأله تفويضه إليه فلا بأس به لأنه لم يضر بالناس ، ولا سبيل إلى منع المالك عنه لما فيه من الإضرار له ، وفي الحديث حجة لمن ذهب إلى تحريم بيع الحاضر للبادي ، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وهو قول مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ، وحكى مجاهد جوازه ، وهو قول أبي حنيفة وآخرين ، وقالوا : إن النهي منسوخ ، ثم اختلفوا هل يقتضي النهي الفساد أم لا ؟ فذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يصح بيع الحاضر للبادي ، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه يصح ، وإن حرم تعاطيه ، وفيه حجة لمن ذهب إلى تعميم التحريم في بيع الحاضر للبادي سواء كان البلد كبيرا بحيث لا يظهر لتأخير الحضري متاع البدوي فيه تأثير أو صغيرا ، وسواء كان متاع البادي كثيرا أو قليلا لا يوسع على أهل البلد لو باعه البادي بنفسه ، وسواء كان ذلك المتاع يعم وجوده أم يعز ، وسواء رخص سعر ذلك المتاع أم غلى ، وحمل البغوي في التهذيب النهي فيه على ما تعم الحاجة إليه سواء فيه المطعومات وغيرها كالصوف وغيره ، أما ما لا تعم الحاجة إليه كالأشياء النادرة فلا يدخل تحت النهي وفيه نظر لا يخفى ، وفي التوضيح : فإن فعل وباع هل يؤدب ؟ قال ابن القاسم : نعم إن اعتاده ، وقال ابن وهب : يزجر عالما أو جاهلا ، ولا يؤدب . الثاني من الوجوه في النجش ، ولا خيار فيه إذا وقع ، خلافا لمالك وابن حبيب ، وعن مالك إنما له الخيار إذا علم ، وهو عيب من العيوب كما في المصراة ، وعن ابن حبيب : لا خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة ، وقال أهل الظاهر : البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه . الثالث : البيع على بيع أخيه ، وقد بينا صورته في أول الباب ، وهذا محله عند التراكن والاقتراب ، فأما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس فيه في الزيادة على زيادة أخيه ، وذلك لما رواه الترمذي من حديث أنس : أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - باع حلسا وقدحا وقال : من يشتري هذا الحلس والقدح ؟ فقال رجل : أخذتهما بدرهم ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من يزيد على درهم ؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه ، وأخرجه بقية الأربعة ، وهو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم ، وكره بعض أهل العلم الزيادة على زيادة أخيه ولم يروا صحة هذا الحديث ، وضعفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في سنده ، وحجة الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنه لو ساوم وأراد شراء سلعته وأعطى فيها ثمنا لم يرض به صاحب السلعة ولم يركن إليه ليبيعه ، فإنه يجوز لغيره طلب شرائها قطعا ، ولا يقول أحد إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعا كالخطبة على خطبة أخيه إذا رد الخاطب الأول ، لأنه لا فرق بين الموضعين ، وذكر الترمذي عن بعض أهل العلم جواز ذلك ، يعني بيع من يزيد في الغنائم والمواريث ، قال ابن العربي : الباب واحد والمعنى مشترك لا تختص به غنيمة ولا ميراث . ( قلت ) : روى الدارقطني من رواية ابن لهيعة ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع المزايدة ، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث ، ثم رواه من طريقين آخرين أحدهما عن الواقدي بمثله ، وقال شيخنا رحمه الله : والظاهر أن الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث ، فإنه وقع البيع في غيرهما مزايدة ، فالمعنى واحد كما قاله ابن العربي . الرابع : لا يخطب على خطبة أخيه ، هذا إنما يحرم إذا حصل التراضي صريحا ، فإن لم يصرح ولكن جرى ما يدل على التراضي كالمشاورة والسكوت عند الخطبة ، فالأصح أن لا تحريم ، وقال بعض المالكية : لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر ، واستدل بفاطمة بنت قيس : خطبني أبو جهم ومعاوية ، فلم ينكر الشارع ذلك ، بل خطبها لأسامة ، وقد يقال : لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول ، وأما الشارع فأشار لأسامة لأنه خطب ولم يعلم أنها رضيت بواحد منهما ، ولو أخبرته لم يشر عليها ، وقال القرطبي : اختلف أصحابنا في التراكن فقيل : هو مجرد الرضى بالزوج والميل إليه ، وقيل : تسمية الصداق ، وزعم الطبري أن النهي فيها منسوخ بخطبته عليه الصلاة والسلام فاطمة بنت قيس لأسامة . الخامس : لا تسأل المرأة إلى آخره ، وقد ذكرناه .
باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك أي هذا باب يذكر فيه لا يبيع على بيع أخيه وهو أن يقول في زمن الخيار : افسخ بيعك وأنا أبيعك مثله بأقل منه ، ويحرم أيضا الشراء بأن يقول للبائع : افسخ وأنا أشتري بأكثر منه . قوله : ولا يسوم على سوم أخيه وهو السوم على السوم ، وهو أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقداه ، فيقول آخر لصاحبها : أنا أشتريها بأكثر ، أو للراغب : أنا أبيعك خيرا منها بأرخص ، وهذا حرام بعد استقرار الثمن ، بخلاف ما يباع فيمن يزيد فإنه قبل الاستقرار ، وقوله : لا يبيع نفي ، وكذلك لا يسوم ، ويروى لا يبع ولا يسم بصورة النهي . قوله : حتى يأذن له أي : حتى يأذن أخوه للبائع بذلك أو يترك أخوه اتفاقه مع البائع ، وتقييده بالإذن أو الترك يرجع إلى البيع والسوم جميعا . ( فإن قلت ) : لم يقع ذكر السوم في حديثي الباب ( قلت ) : قد وقع في بعض طرق هذا الحديث : وأن يستام الرجل على سوم أخيه ، أخرجه في الشروط من حديث أبي هريرة ، فكأنه أشار بذلك إليه ، وهذا له وجه لأنه في كتابه أخرجه فيه . ( فإن قلت ) : لم يذكر أيضا شيئا لقوله : حتى يأذن له أو يترك ( قلت ) : ذكر هذا القيد في بعض طرق هذا الحديث وهو ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث بلفظ لا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له فكأنه أشار إليه واكتفى به ، كذا قيل ، ولكن هذا بعيد من وجهين أحدهما : أنه غير مذكور في كتابه ، والإشارة إلى ما ذكر في كتاب غيره بعيد ، والآخر : أن الاستثناء في الحديث المذكور يختص بقوله : ولا يخطب على خطبة أخيه ، وإن كان يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين . 89 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يبيع بعضكم على بيع أخيه . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، فرقهما ، وأخرجه مسلم فيه ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن محمد بن حاتم وإسحاق بن منصور في النهي عن تلقي السلع ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، عن مالك ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن سويد بن سعيد . قوله : لا يبيع كذا بإثبات الياء عند الأكثرين بصورة النفي ، وفي رواية الكشميهني : لا يبع بصيغة النهي . قوله : على بيع أخيه وفي رواية عبد الله بن يوسف ، عن مالك بلفظ : على بيع بعضه وتقييده بأخيه يدل على أن ذلك يختص بالمسلم ، وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن جويرية من الشافعية ، وأصرح من ذلك ما رواه مسلم من طريق العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بلفظ : لا يسوم المسلم على المسلم وعند الجمهور لا فرق في ذلك بين المسلم والكافر ، وذكر الأخ خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له ، وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله ، وإنما حرم بيع البعض على بعض لأنه يوغر الصدور ويورث الشحناء ، ولهذا لو أذن له في ذلك ارتفع على الأصح .
باب قول الله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أي : هذا باب في بيان تفسير قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ من حلالات كسبكم ، وعن مجاهد : المراد بها التجارة ، وقال ابن بطال : إنه وقع في الأصل كلوا بدل أنفقوا ، وقال : إنه غلط ، وفي التلويح ، وفي بعض النسخ ( كلوا من طيبات ما كسبتم ) فالأول التلاوة ، وكان الثاني من طغيان القلم . 17 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا . مطابقته للترجمة في قوله : بما كسب وقد مضى هذا الحديث في كتاب الزكاة في باب أجر المرأة إذا تصدقت ، فإنه أخرجه هناك من ثلاث طرق : الأول : عن آدم ، عن شعبة ، عن منصور والأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها . والثاني : عن عمر بن حفص ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن مسروق عنها . والثالث : عن يحيى بن يحيى ، عن جرير ، عن منصور ، عن شقيق ، عن مسروق عنها ، وهنا أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة أخي أبي بكر بن أبي شيبة ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن منصور بن المعتمر ، عن أبي وائل ، عن شقيق ، عن مسروق بن الأجدع عنها ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : غير مفسدة أي : غير منفقة في وجه لا يحل .
18 - حدثني يحيى بن جعفر قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فله نصف أجره . مطابقته للترجمة في قوله : من كسب زوجها فإن كسبه من التجارة وغيرها وهو مأمور بأن ينفق من طيبات ما كسب . ويحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي وهو من أفراده ، وعبد الرزاق : ابن همام الصنعاني اليماني ، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد وهمام : ابن منبه . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن يحيى في النفقات ، وأخرجه مسلم في الزكاة ، عن محمد بن رافع ، وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي الخلال كلهم عن عبد الرزاق به . قوله : من غير أمره أي : من غير أمر الزوج قال الكرماني : كيف يكون لها أجر وهو بغير أمر الزوج فأجاب بقوله : قد يكون بإذنه ولا يكون بأمره ، ثم قال : قد تقدم أنه لا ينقص بعضهم أجر بعض ، فلم يكن له النصف ثم أجاب بقوله : ذلك فيما كان بأمره أو أجرها هو نصف الأجر ولا ينقص عما هو أجره الذي هو النصف ، وقال ابن التين : الحديثان غير متناقضين وذلك أن قوله : لها نصف أجره يريد أن أجر الزوج وأجر مناولة الزوجة يجتمعان فيكون للزوج النصف وللمرأة النصف ، فذلك النصف هو أجرها كله ، والنصف الذي للزوج هو أجره كله . وقال المنذري : هو على المجاز أي : أنهما سواء في المثوبة كل واحد منهما له أجر كامل ، وهما اثنان فكأنهما نصفان ، وقيل : يحتمل أن أجرهما مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين .
( باب شراء الطعام إلى أجل ) أي هذا باب في بيان حكم شراء الطعام إلى أجل . 144 - ( حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف ، فقال : لا بأس به ، ثم حدثنا عن الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ، فرهنه درعه ) . مطابقته للترجمة في قوله : "اشترى طعاما من يهودي إلى أجل" وهذا الحديث مضى في باب شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسيئة ، فإنه أخرجه هناك عن معلى بن أسد ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش وهو سليمان ، وهنا أخرجه عن عمر بن حفص ، عن أبيه حفص بن غياث ، عن الأعمش وإبراهيم هو النخعي . قوله : "في السلف" ، أي : السلم ، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى .
باب بيع المزايدة أي هذا باب في بيان حكم بيع المزايدة وهي على وزن مفاعلة تقتضي التشارك في أصل الفعل بين اثنين ، ولم يصرح بالحكم اكتفاء بما ذكره في الباب . وقال عطاء : أدركت الناس لا يرون بأسا فيمن يزيد ببيع المغانم هذا يوضح ما في الترجمة من الإبهام ، وهو وجه مطابقة الأثر بالترجمة أيضا ، وقد وصل هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عمن سمع مجاهدا وعطاء قالا : لا بأس ببيع من يزيد ، وهذا أعم من تقييد البخاري ببيع المغانم ، وقد ذكرنا في الباب السابق ما فيه الكفاية . 91 - حدثنا بشر بن محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا الحسين المكتب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه . مطابقته للترجمة ، تؤخذ من قوله : من يشتريه مني فعرضه للزيادة ليستقصي فيه للمفلس الذي باعه عليه ، وبهذا يرد على الإسماعيلي في قوله : ليس في قصة المدبر بيع المزايدة ، فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنا ، ثم يعطي به غيره زيادة عليها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة . الأول : بشر بكسر الباء الموحدة ابن محمد أبو محمد . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : الحسين بن ذكوان المعلم المكتب بلفظ اسم الفاعل من التكتيب ، وقال الكرماني : من الإكتاب ، وليس كذلك . الرابع : عطاء . الخامس : جابر بن عبد الله . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه وعبد الله مروزيان وأن الحسين بصري وعطاء مكي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الاستقراض ، عن مسدد ، وأخرجه مسلم من طرق كثيرة وأخرج من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله يقول : عبدا قبطيا مات عام أول ، وفي لفظ له : في إمارة ابن الزبير ، وأخرجه أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء وإسماعيل بن أبي خالد ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر منه ولم يكن له مال غيره ، فأمر به رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فبيع بسبعمائة أو تسعمائة ، وفي لفظ له : قال : يعني النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أنت أحق بثمنه والله أغنى عنه وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر : أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات ولم يترك مالا غيره ، فباعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتراه نعيم بن النحام ، الحديث ، وأخرجه النسائي من طرق كثيرة ، فمن طريق أبي الزبير ، عن جابر أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له عن دبر يقال له يعقوب لم يكن له مال غيره ، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من يشتريه ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ، وأخرجه ابن ماجه من حديث عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله قال : دبر رجل منا غلاما ولم يكن له مال غيره ، فباعه النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فاشتراه ابن النحام رجل من بني عدي . ( ذكر معناه ) قوله : أن رجلا هذا الرجل من الأنصار كما قال في رواية لمسلم أعتق رجل من بني عذرة يقال له أبو مذكور وكذا وقع بكنيته عند مسلم وأبي داود والنسائي ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة في باب الكنى : أبو مذكور الصحابي أعتق غلاما له عن دبر . قوله : غلاما له واسمه يعقوب كما ذكرناه عن النسائي الآن ، وكذا ذكره في رواية لمسلم وأبي داود . قوله : عن دبر بأن قال : أنت حر بعد موتي . قوله : نعيم بن عبد الله نعيم بضم النون تصغير النعم ابن عبد الله النحام بفتح النون وتشديد الحاء المهملة العدوي القرشي ، ووصف بالنحام لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : دخلت الجنة فسمعت نحمة نعيم فيها والنحمة السعلة ، أسلم قديما وأقام بمكة إلى قبيل الفتح ، وكان يمنعه قومه من الهجرة لشرفه فيهم لأنه كان ينفق عليهم فقالوا : أقم عندنا على أي دين شئت ، ولما قدم المدينة اعتنقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبله ، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة ، وقيل : استشهد يوم أجنادين في خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - سنة ثلاث عشرة ، وعرفت مما ذكرناه أن النحام صفة لنعيم ، ووقع للبخاري في باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل عقيب باب الاستقراض : فابتاعه منه نعيم بن النحام ، وكذا في رواية الترمذي : فاشتراه نعيم بن النحام ، وكذا وقع في مسند أحمد ، والصواب نعيم بن عبد الله كما وقع هاهنا ، وفي رواية مسلم وزيادة ابن خطأ من بعض الرواة ، فإن النحام صفة لنعيم لا لأبيه كما ذكرنا ، وفي رواية الترمذي : فمات ولم يترك مالا غيره وهذا مما نسب به سفيان بن عيينة إلى الخطأ ، أعني قوله : فمات ولم يكن سيده مات ، كما هو مصرح به في الأحاديث الصحيحة ، وقد بين الشافعي خطأ ابن عيينة فيها بعد أن رواه عنه ، وقال البيهقي من طريق شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر : أن رجلا مات وترك مدبرا ودينا ، ثم قال البيهقي : وقد أجمعوا على خطأ شريك في ذلك ، وقال شيخنا : وقد رواه الأوزاعي وحسين المعلم وعبد المجيد بن سهيل ، كلهم عن عطاء ، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ، بل صرحوا بخلافها . قوله : بكذا ، وكذا وقد بينه مسلم في روايته بثمانمائة درهم وفي رواية أبي داود : بسبعمائة أو تسعمائة . قوله : فدفعه إليه أي : فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - الثمن الذي بيع به المدبر المذكور إليه ، أي : إلى الرجل المذكور ، وهو نعيم بن عبد الله . ( ذكر ما يستفاد منه ) ولما روى الترمذي حديث جابر قال : والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، لم يروا ببيع المدبر بأسا ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وكره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بيع المدبر ، وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي ، وفي التلويح : اختلف العلماء هل المدبر يباع أم لا ؟ فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مدبره ، وأجازه الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر ، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس ، وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث بن سعد ، وعن الأوزاعي : لا يباع إلا من رجل يريد عتقه ، وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين ، وعن مالك يجوز بيعه عند الموت ، ولا يجوز في حال الحياة ، وكذا ذكره ابن الجوزي عنه ، وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر أو هبته . وعند أئمتنا الحنفية المدبر على نوعين : مدبر مطلق نحو ما إذا قال لعبده : إذا مت فأنت حر أو أنت حر يوم أموت أو أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر أو دبرتك ، فحكم هذا أنه لا يباع ولا يوهب ، ويستخدم ويؤجر وتوطؤ المدبرة وتنكح ، وبموت المولى يعتق المدبر من ثلث ماله ويسعى في ثلثيه أي : ثلثي قيمته إن كان المولى فقيرا ولم يكن له مال غيره ، ويسعى في كل قيمته لو كان مديونا بدين مستغرق جميع ماله . النوع الثاني : مدبر مقيد نحو قوله : إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر أو قال : إن مت إلى عشر سنين أو بعد موت فلان ، ويعتق إن وجد الشرط ، وإلا فيجوز بيعه . واحتجوا في عدم جواز بيع المدبر المطلق بما رواه الدارقطني من رواية عبيدة بن حسان - رضي الله تعالى عنهما - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : المدبر لا يباع ، ولا يوهب ، وهو حر من الثلث ( فإن قلت ) : قال الدارقطني : لم يسنده غير عبيدة بن حسان ، وهو ضعيف ، وإنما هو عن ابن عمر من قوله . وروى الدارقطني أيضا عن علي بن ظبيان حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، وغير ابن ظبيان يرويه موقوفا ، وعلي بن ظبيان ضعيف ( قلت ) : احتج بهذا الحديث الكرخي والطحاوي والرازي وغيرهم وهم أساطين في الحديث . وقال أبو الوليد الباجي : إن عمر - رضي الله تعالى عنه - رد بيع المدبرة في ملأ خير القرون وهم حضور متوافرون ، وهو إجماع منهم أن بيع المدبر لا يجوز . والجواب عن حديث جابر من وجوه . الأول : قال ابن بطال : لا حجة فيه ؛ لأن في الحديث أن سيده كان عليه دين ، فثبت أن بيعه كان لذلك . الثاني : أنها قضية عين تحتمل التأويل ، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه . الثالث : أنه يحتمل أنه باع منفعته بأن أجره ، والإجارة تسمى بيعا بلغة أهل اليمن ؛ لأن فيها بيع المنفعة ، ويؤيده ما ذكره ابن حزم فقال : وروي عن أبي جعفر محمد بن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا أنه باع خدمة المدبر ، وقال ابن سيرين : لا بأس ببيع خدمة المدبر ، وكذا قاله ابن المسيب ، وذكر أبو الوليد عن جابر أنه – عليه الصلاة والسلام - باع خدمة المدبر . الرابع : أن سيد المدبر الذي باعه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان سفيها ، فلهذا تولى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بيعه بنفسه ، وبيع المدبر عند من يجوزه لا يفتقر فيه إلى بيع الإمام . الخامس : يحتمل أنه باعه في وقت كان يباع الحر المديون كما روي أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - باع حرا بدينه ، ثم نسخ بقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ
153 - ( حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - : قالت هند أم معاوية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أبا سفيان رجل شحيح ، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا ؟ قال : خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف ) . مطابقته للترجمة في قوله : « خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف » من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أحالها على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي . وأبو نعيم بضم النون هو الفضل بن دكين ، وسفيان هو الثوري ، نص عليه المزي في ( الأطراف ) ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في النفقات عن محمد بن يوسف ، وفي الأحكام عن محمد بن كثير ، ثلاثتهم عن سفيان به . قوله « هند » يصرف ولا يصرف ، وهي بنت عتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف زوجة أبي سفيان ، أسلمت عام الفتح وماتت في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب ضد الصلح ابن أمية بن عبد شمس أسلم يوم فتح مكة ، وكان رئيس قريش يومئذ ، وقد مر في حديث هرقل . قوله : « شحيح » بفتح الشين المعجمة وبالحاءين المهملتين ، والشحيح هو البخيل الحريص ، قوله : « جناح » بضم الجيم ، أي : إثم . قوله : « أن آخذ » ، أي : بأن آخذ ، وكلمة أن مصدرية ، قوله : « سرا » نصب على التمييز ، أي : من حيث السر ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ، أي : أخذا سرا غير جهر ، قوله : « وبنوك » ويروى : وبنيك ، بالجر ، أما وجه الأول فعلى أنه معطوف على الضمير المرفوع في خذي ، وإنما ذكر أنت ليصح العطف عليه ، وفيه خلاف بين البصريين والكوفيين ، وأما النصب فعلى أنه مفعول معه ، وقال الكرماني : مقتضى المقام أن يقال أيضا : وما يكفي بنيك أو ما يكفيكم . قلت : تقديره ما يكفي لنفسك ولبنيك ، واقتصر عليها لأنها هي الكافلة لأمورهم ، وقال أيضا : فإن قلت : هذه القصة بمكة وأبو سفيان فيها ، كيف حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غيبته وهو في البلد ؟ قلت : هذا لم يكن حكما ، بل كان فتوى ، انتهى . وقال صاحب ( التوضيح ) : واستدل بحديث هند على القضاء على الغائب وبالإفتاء ؛ لأن زوجها أبا سفيان كان متواريا بها ، انتهى . قلت : لم يكن غائبا ولا متواريا ، وقال السهيلي : كان حاضرا سؤالها ، فقال : أنت في حل مما أخذت ، فلا يصح الاحتجاج به على جواز القضاء على الغائب . وقال الكرماني : وفيه نفقة الزوجة والأولاد الصغار ، وأنها مقدرة بالكفاية ، قال : وفيه أخذ الحق من مال الغير بدون إذنه ، قلت : ليس هذا على إطلاقه ، بل هذا إذا ظفر بجنس حقه ، وفي خلاف جنس حقه لا بد من إذنه أو إذن الحاكم ، قال : وفيه إطلاق الفتوى وإرادة تعليقها بما يقوله المستفتي ، وفيه خروج الزوجة من بيتها لحاجتها إذا علمت رضى الزوج به .
( باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ) أي هذا باب يذكر فيه من أجرى أمره إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم ، أي : على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال ، وفي بعض النسخ : والكيل والوزن مثلا بمثل ، كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني ، يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة ، مثلا الأرز ، فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني ، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه ، فإنه في البلاد المصرية يكال ، وفي البلاد الشامية يوزن ، ونحو ذلك من الأشياء ؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية . قوله : « وسننهم » عطف على ما يتعارفون بينهم ، أي : على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة . وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة . ( وقال شريح للغزالين سنتكم بينكم ربحا ) شريح بضم الشين المعجمة ابن الحارث الكندي القاضي من عهد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه قوله : « للغزالين » هو جمع غزال ، وهو بياع الغزل ، قوله : « سنتكم » يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله : « بينكم » يعني عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة ، وأما النصب فعلى تقدير : الزموا سنتكم . وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين ، أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم ، فقالوا : إن سنتنا بيننا كذا وكذا ، فقال : سنتكم بينكم . قوله : « ربحا » قيل : لا معنى له هاهنا ، وإنما محله في آخر الأثر الذي بعده . قلت : هكذا وقع في بعض النسخ ، ولكنه غير صحيح ؛ لأن هذه اللفظة هنا لا فائدة لها ، ولا معنى يطابق الأثر . ( وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد : لا بأس العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحا ) مطابقته للترجمة من حيث إن عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر فباعه المشتري على ذلك العرف ، لم يكن به بأس ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب هذا . قوله : « لا بأس العشرة بأحد عشر » ، أي : لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار ، مثلا كل عشرة منه بأحد عشر ، فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا ، وقال الكرماني : العشرة بالرفع والنصب إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهما ، فيبيعه على ذلك العرف ، فلا بأس به ، ويأخذ لأجل النفقة ربحا . قلت : أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره هو قوله : « بأحد عشر » والتقدير : تباع بأحد عشر ، وأما النصب فعلى تقدير بيع العشرة يعني المشترى بعشرة بأحد عشر . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في ذلك ، فأجازه قوم وكرهه آخرون ، وممن كرهه ابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، والحسن ، وبه قال أحمد وإسحاق ، قال أحمد : البيع مردود ، وأجازه ابن المسيب والنخعي ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وحجة من كرهه ، لأنه بيع مجهول ، وحجة من أجازه بأن الثمن معلوم والربح معلوم ، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ، ولا يعلم مقدارها من الطعام ، فأجازه قوم وأباه آخرون ، ومنهم من قال : لا يلزم إلا القفيز الواحد ، وعن مالك لا يأخذ في المرابحة أجر السمسار ، ولا أجر الشد والطي ، ولا النفقة على الرقيق ، ولا كراء البيت ، وإنما يحسب هذا في أصل المال ، ولا يحسب له ربح ، وأما كراء البز فيحسب له الربح ، لأنه لا بد منه ، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك ، وقال أبو حنيفة : يحسب في المرابحة أجرة القصارة ، والسمسرة ونفقة الرقيق وكسوتهم ، ويقول : قام علي بكذا ، ولا يقول : اشتريته بكذا . قوله « ويأخذ للنفقة » ، أي : لأجل النفقة ربحا ، هذا محل ذكر الربح كما ذكرناه عن قريب ، وقد ذكرنا الآن خلاف مالك فيه . ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وهو عادة الناس ، وهذا يدل على أن العرف عمل جار ، وقال ابن بطال : العرف عند الفقهاء أمر معمول به ، وهو كالشرط اللازم في الشرع ، ومما يدل على ما قاله قضية هند بنت عتبة زوج أبي سفيان والد معاوية ، وهذا التعليق يأتي الآن موصولا . وذكر ابن بطال بعض مسائل من الفقه التي يعمل فيها بالعرف . منها لو وكل رجل رجلا على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس ، لم يجز ذلك ، ولزمه النقد الجاري ، وكذا لو باع طعاما موزونا أو مكيلا بغير الوزن أو الكيل المعهود ، لم يجز ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك . ( وقال تعالى : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) هذا من الترجمة ، وكان ينبغي أن يذكر في صدر الباب ، أو يكتفى بذكره في حديث عائشة الآتي في هذا الباب ، والمراد منه في الترجمة حوالة والي اليتيم في أكله من ماله على العرف . ( واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارا ، فقال : بكم ؟ قال : بدانقين ، فركبه ثم جاء مرة أخرى ، فقال : الحمار الحمار ، فركبه ولم يشارطه ، فبعث إليه بنصف درهم ). مطابقته للترجمة من حيث إن الحسن لم يشارط المكاري في المرة الثانية اعتمادا على الأجرة المتقدمة ، وزاد بعد ذلك على الأجرة المتقدمة على سبيل الفضل ، وقد جرى العرف أن شخصا إذا اكترى حمارا أو فرسا أو جملا للركوب إلى موضع معين بأجرة معينة ، ثم في ثاني مرة إذا أراد ركوب حمار هذا على العادة ، لا يشارطه الأجرة لاستغنائه عن ذلك باعتبار العرف المعهود بينهما ، والحسن هو البصري ، وعبد الله بن مرادس بكسر الميم هو صاحب الحمار الذي اكتراه منه الحسن ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس فذكر مثله . قوله : « بدانقين » تثنية دانق بفتح النون وكسرها ، وهو سدس الدرهم ، قوله : « فركبه » فيه حذف ، أي : فرضي الحسن بدانقين فأخذه فركبه ، قوله : « ثم جاء » ، أي : الحسن مرة أخرى إلى عبد الله بن مرداس ، فقال : الحمار الحمار ، بالتكرار ، ويجوز فيهما النصب والرفع ، أما النصب فعلى تقدير : هات الحمار ، فينصب على المفعولية ، وأما الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف ، أي : الحمار مطلوب ، أو أطلبه ، أو نحو ذلك . قوله : « ولم يشارطه » يعني الأجرة اعتمادا على الأجرة المتقدمة للعرف بذلك ، قوله : « فبعث إليه » ، أي : بعث الحسن إلى عبد الله المذكور بنصف درهم ، فزاد على الدانقين دانقا آخر على سبيل الفضل والكرم . 152 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : حجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة ، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشارط الحجام المذكور على أجرته ؛ اعتمادا على العرف في مثله ، وقد مضى الحديث بعينه إسنادا ومتنا فيما مضى في كتاب البيوع في باب ذكر الحجام ، غير أن هناك حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهنا حجم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طيبة .
154 - ( حدثني إسحاق قال : حدثنا ابن نمير قال : أخبرنا هشام ح ، وحدثني محمد قال : سمعت عثمان بن فرقد قال : سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه ، أنه سمع عائشة - رضي الله عنها - تقول : ومن كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، أنزلت في والي اليتيم الذي يقيم عليه ويصلح في ماله ، إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف ) . مطابقته للترجمة في قوله : أكل منه بالمعروف . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول إسحاق ، قال الغساني : لم أجده منسوبا لأحد من الرواة ، وقال خلف وغيره في الأطراف : إنه إسحاق بن منصور ، واستخرج أبو نعيم هذا الحديث من مسند إسحاق بن راهويه عن ابن نمير وقال : أخرجه البخاري عن إسحاق ، وقال في التفسير : أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور . الثاني : ابن نمير هو عبد الله بن نمير بضم النون ، وقد مر في التيمم . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : محمد بن المثنى المشهور بالزمن ، وقد مر في الإيمان ، كذا قاله الكرماني ، ويقال هو محمد بن سلام ، والظاهر أنه هو الأول . الخامس : عثمان بن فرقد ، بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف ، وفي آخره دال مهملة على وزن جعفر ، هو العطار فيه مقال، لكن البخاري لم يخرج له موصولا إلا هذا الحديث ، وقد قرنه بابن نمير ، وذكر له آخر تعليقا في المغازي . السادس : عروة بن الزبير بن العوام . السابع : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه إسحاق إن كان ابن منصور فهو مروزي انتقل إلى نيسابور ، وإن كان هو ابن راهويه فكذلك مروزي انتقل إلى نيسابور ، وفيه أن شيخه الآخر إن كان ابن المثنى فهو بصري ، وإن كان محمد بن سلام فهو البخاري البيكندي ، وفيه أن عبد الله بن نمير كوفي ، وأن عثمان بن فرقد بصري ، وأن هشاما وأباه عروة مدنيان . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا من حديث عبد الله بن نمير عن هشام في التفسير ، ومن طريق عثمان بن فرقد من أفراده ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير به . ( ذكر معناه ) قوله : « ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف » هذا في سورة النساء وأول الآية : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا . قوله : « وَابْتَلُوا الْيَتَامَى » ، أي : اختبروهم ، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان ، قوله : « حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ » قال مجاهد : يعني الحلم ، قوله : « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » يعني : صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم ، قاله سعيد بن جبير ، ثم نهى الله عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم ، قوله : « وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا » ، أي : من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ، ولا يأكل منه شيئا ، قوله : « أنزلت » ، أي : هذه الآية في والي اليتيم ، وهو الذي يلي أمره ويتولاه ، قوله : « الذي يقيم عليه » قال ابن التين : الصواب يقوم ؛ لأنه من القيام لا من الإقامة . قلت : لا مانع من ذلك ؛ لأن معناه يلازمه ويعتكف عليه أو يقيم نفسه عليه ، وكذا أخرجه أبو نعيم عن هشام من وجه آخر ، وذهل صاحب التوضيح عن هذا المعنى ، وقال : الصواب يقوم بالواو ؛ لأن يقيم متعد بغير حرف جر ، قوله : « أكل منه بالمعروف » يعني : بقدر قيامه عليه . وقال الفقهاء : له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته ، واختلفوا هل يرد إذا أيسر ؟ على قولين : أحدهما لا ؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا ، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي ؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ليس لي مال ولي يتيم ، فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ، ولا متأثل مالا ، ومن غير أن تقي مالك ، وقال : تفدي مالك ، شك حسين . وروى ابن حبان في صحيحه ، وابن مردويه في تفسيره من حديث علي بن مهدي عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عامر الخراز ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، أن رجلا قال : يا رسول الله مما أضرب يتيمي ؟ قال : ما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ، ولا متأثل منه مالا . وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا الثوري ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد قال : جاء أعرابي إلى ابن عباس ، فقال : إن في حجري أيتاما ، وإن لهم إبلا ولي إبل ، وأنا أمنح في إبلي وأفقر ، فماذا يحل لي من ألبانها ؟ فقال : إن كنت تبغي ضالتها ، وتهنأ جرباها ، وتلوط حوضها ، وتسقي عليها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب . وبهذا القول وهو عدم البدل يقول عطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، وعطية العوفي ، والحسن البصري . والثاني : نعم ؛ لأن مال اليتيم على الخطر ، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله ، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة ، قوله : « وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ » يعني القرض ، كذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وروى من طريق السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : « فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ » قال : يأكل بثلاث أصابع ، وقال الشعبي : لا يأكل منه ، إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة ، فإن أكل منه قضاه . رواه ابن أبي حاتم ، وقيل : إن الولي يستقرض من مال اليتيم إذا افتقر . وبه قال عبيدة وعطاء وأبو العالية ، وقيل : فليأكل بالمعروف في مال نفسه لئلا يحتاج إلى مال اليتيم . وقال مجاهد : ليس عليه أن يأخذ قرضا ولا غيره ، وبه قال أبو يوسف ، وذهب إلى أن الآية منسوخة ، نسختها لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . قوله : « فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد ، فحينئذ سلموهم أموالهم ، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ؛ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه . قوله : « وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا » ، أي : محاسبا وشاهدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأم حال تسلمهم الأموال هل هي كاملة وفرة ، أو ناقصة مبخوسة مدحلسة ، مروج حسابها ، مدلس أمورها ، الله عالم بذلك كله ، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم .
باب النجش أي هذا باب في بيان حكم النجش بفتح النون وسكون الجيم وفتحها ، وقد مر الكلام فيه في قوله : ولا تناجشوا في باب لا يبيع على بيع أخيه . ومن قال : لا يجوز ذلك البيع . أي وباب في بيان من قال لا يجوز عطفا على باب النجش ، وقوله ذلك إشارة إلى البيع الذي وقع بالنجش ، واختلفوا فيه ، فنقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع ، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك ، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع وصنيعه ، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار ، وهو وجه للشافعي قياسا على المصراة ، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم ، وهو قول الحنفية . وقال ابن أبي أوفى : الناجش آكل ربا خائن . ابن أبي أوفى هو عبد الله ابن أبي أوفى واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث أبو إبراهيم ، وقيل : أبو محمد ، وقيل : أبو معاوية أخو زيد بن أبي أوفى ، لهما ولأبيهما صحبة ، وهو من جملة من رآه أبو حنيفة ، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة ، وهذا طرف من حديث أورده البخاري في الشهادات في باب قول الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ثم ساق فيه من طريق يزيد بن هارون ، عن السكسكي ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ، فنزلت ، قال ابن أبي أوفى : الناجش آكل ربا خائن ، وأخرجه الطبراني من وجه آخر ، عن ابن أبي أوفى مرفوعا لكن قال ملعون بدل خائن . قوله : الناجش اسم فاعل من نجش ، وقد مر تفسيره . قوله : آكل ربا قال الكرماني : أي كآكل الربا ( قلت ) : مراده المبالغة في كونه عاصيا مع علمه بالنهي كما أن آكل الربا عاص مع علمه بحرمة الربا ، ويروى آكل الربا بالألف واللام . قوله : خائن خبر بعد خبر ، وخيانته في كونه غاشا خادعا . وهو خداع باطل لا يحل . هذا من كلام البخاري أي : النجش خداع أي : مخادعة لأنه مشارك لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها بغرور الغير وخداعه . قوله : باطل أي غير حق لا يفيد شيئا أصلا لا يحل فعله . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الخديعة في النار . هذا التعليق رواه ابن عدي في الكامل من حديث قيس بن سعد بن عبادة : لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : المكر والخديعة في النار ، لكنت من أمكر الناس ورواه أبو داود بسند لا بأس به . قوله : الخديعة في النار أي : صاحب الخديعة في النار ، ويحتمل أن يكون فعيلا بمعنى الفاعل والتاء للمبالغة نحو رجل علامة . ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد . أي قال - صلى الله عليه وسلم - : من عمل الحديث ، وهذا يأتي موصولا من حديث عائشة في كتاب الصلح . قوله : أمرنا أي : شرعنا الذي نحن عليه . قوله : فهو رد أي : مردود عليه فلا يقبل منه . 92 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : حدثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النجش . قد مر تفسير النجش وما فيه من أقوال العلماء ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في ترك الحيل ، عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في البيوع ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن مصعب بن عبد الله الزبيري وأبي حذافة أحمد بن إسماعيل ، قال أبو عمر : رواه أبو سعيد إسماعيل بن محمد قاضي المدائن ، عن يحيى بن موسى البلخي ، أنبأنا عبد الله بن نافع ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التخيير ، والتخيير أن يمدح الرجل السلعة بما ليس فيها ، هكذا قال : التخيير ، وفسره ولم يتابع على هذا اللفظ ، والمعروف النجش .
107 - حدثنا الصلت بن محمد ، قال : حدثنا معمر ، عن عبد الله بن عبد الواحد ، قال : حدثنا طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلقوا الركبان ، ولا يبيع حاضر لباد ، قال : فقلت لابن عباس : ما قوله : لا يبيع حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا . مطابقته للترجمة من حيث إن قوله : لا يبيع حاضر لباد يوضح الإبهام الذي في الترجمة بالاستفهام وأن جوابه : لا يبيع . ( ذكر رجاله ) وهم ستة . الأول : الصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي ، مر في الصلاة . الثاني : عبد الواحد بن زياد العبدي . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد . الرابع : عبد الله بن طاوس . الخامس : أبوه طاوس بن كيسان . السادس : عبد الله بن العباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه وعبد الواحد ومعمر بصريون وعبد الله وأبوه يمانيان ، وفيه رواية الابن عن الأب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الإجارة ، عن مسدد ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن عبيد ، وأخرجه النسائي ، عن محمد بن رافع ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن عباس بن عبد العظيم . ( ذكر معناه ) قوله : لا تلقوا الركبان أصله لا تتلقوا بتاءين فحذفت إحداهما كما في نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى ، والركبان بضم الراء جمع راكب ، ولا يبيع بصورة النفي ويروى : ولا يبع بصورة النهي ، وفي رواية الكشميهني : لا تلقوا الركبان للبيع . قوله : سمسارا أي : دلالا ، والسمسار في الأصل هو القيم بالأمر والحافظ له ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره ، ومعناه أن يبيع له بالأجرة ، وقد مر الكلام فيما مضى من الذي ذكر في هذا الباب ، وقال الكرماني : ولو خالف النهي وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم ( قلت ) : هذا عجيب منهم ؛ لأن النهي عندهم يرفع الحكم مطلقا ، فكيف يقولون صح البيع مع التحريم ؟ وهذا لا يمشي إلا على أصل الحنفية وقال أيضا : قال أبو حنيفة : يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقا لحديث الدين النصيحة ( قلت ) : ليس على الإطلاق ، بل إنما يجوز إذا لم يكن فيه ضرر لأحد المتعاقدين .
باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه أو ينصحه أي هذا باب يذكر فيه هل يبيع حاضر لباد ، وهو الذي يأتي من البادية ومعه شيء يريد بيعه ، وقد مر تفسيره غير مرة ، وأراد البخاري بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن بيع الحاضر للبادي إنما هو إذا كان بأجر ؛ لأن الذي يبيع بأجرة لا يكون غرضه نصح البائع ، وإنما غرضه تحصيل الأجرة ، وأما إذا كان بغير أجر يكون ذلك من باب النصيحة والإعانة ، فيقتضي ذلك جواز بيع الحاضر للبادي من غير كراهة ، فعلم من ذلك أن النهي الوارد فيه محمول على معنى خاص ، وهو البيع بأجر ، وقال ابن بطال : أراد البخاري جواز ذلك بغير أجر ومنعه إذا كان بأجر كما قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - : لا يكون له سمسارا ، فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان من طريق النصح ، وجواب الاستفهامين يعلم من المذكور في الباب ، واكتفى به على جاري عادته بذلك في بعض التراجم . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له . ذكر هذا التعليق تأييدا لجواز بيع الحاضر للبادي إذا كان بغير أجر لأنه يكون من باب النصيحة التي أمر بها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ووصل هذا التعليق أحمد من حديث عطاء بن السائب ، عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه حدثني أبي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ، فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له . انتهى . والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد ، ومعناه حيازة الحظ للمنصوح له ، وروى أبو داود من طريق سالم المكي أن أعرابيا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله فقال له : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع حاضر لباد ، ولكن اذهب إلى السوق وانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك . ورخص فيه عطاء . أي ورخص عطاء بن أبي رباح في بيع الحاضر للبادي ، ووصله عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم ، عن عطاء بن أبي رباح قال : سألته عن أعرابي أبيع له فرخص لي . ( فإن قلت ) : يعارض هذا ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : إنما نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم ، فأما اليوم فلا بأس ، فقال عطاء : لا يصلح اليوم ( قلت ) : أجاب بعضهم بأن الجمع بين الروايتين أن يحمل قول عطاء هذا على كراهة التنزيه ( قلت ) : الأوجه أن يحمل ترخيصه فيما إذا كان بلا أجر ومنعه فيما إذا كان بأجر ، وقال بعضهم : أخذ بقول مجاهد أبو حنيفة ، وتمسكوا بعموم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : الدين النصيحة وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي ، وحمل الجمهور حديث الدين النصيحة على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضي على العام ، وهذا الكلام فيه تناقض ، وقضاء الخاص على العام ليس بمطلق على زعمكم أيضا لاحتمال أن يكون الخاص ظنيا والعام قطعيا ، أو يكون الخاص منسوخا ، وأيضا يحتمل أن يكون الخاص مقارنا أو متأخرا أو متقدما ، وقوله : والنسخ لا يثبت في الاحتمال مسلم ، ولكن من قال : إن قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : الدين النصيحة ناسخ لحديث النهي بالاحتمال ؟ بل الأصل عندنا في مثل هذا بالتراجيح منها أن أحد الخبرين عمل به الأمة ، فهاهنا كذلك ، فإن قوله : الدين النصيحة عمل به جميع الأمة ، ولم يكن خلاف فيه لأحد ، بخلاف حديث النهي فإن الكل لم يعمل به ، فهذا الوجه من جملة ما يدل على النسخ ، ومنها أن يكون أحد الخبرين أشهر من الآخر وهاهنا كذلك بلا خلاف . 106 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : سمعت جريرا - رضي الله عنه - يقول : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم . مطابقته للترجمة في قوله : أو ينصحه وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، واسم أبي خالد سعد ، وقيل : هرمز ، وقيل : كثير ، وقيس هو ابن أبي حازم واسمه عوف ، سمع من العشرة المبشرة ، والثلاثة أعني إسماعيل وقيسا وجريرا بجليون كوفيون مكتنون بأبي عبد الله ، وهذا من النوادر ، والحديث مضى في آخر كتاب الإيمان من باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحة لله ولرسوله ومر الكلام فيه مستوفى .
باب بيع الغرر وحبل الحبلة أي هذا باب في بيان حكم بيع الغرر وبيان حكم بيع حبل الحبلة . الغرر بفتح الغين المعجمة وبراءين أولاهما مفتوحة . وهو في الأصل الخطر من غر يغر بالكسر ، والخطر هو الذي لا يدرى أيكون أم لا ، وقال ابن عرفة : الغرر هو ما كان ظاهره يغر وباطنه مجهول ، ومنه سمي الشيطان غرورا لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء ، قال : والغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وباطنه مكروه أو مجهول ، وقال الأزهري : بيع الغرر ما يكون على غير عهدة ولا ثقة ، قال : ويدخل فيها البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان ، وقال صاحب المشارق : بيع الغرر بيع المخاطرة ، وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله . وقال أبو عمر : بيع يجمع وجوها كثيرة منها المجهول كله في الثمن أو المثمن إذا لم يوقف على حقيقة جملته ، ومنها بيع الآبق والجمل الشارد والحيتان في الآجام والطائر غير الداجن ، قال : والقمار كله من بيع الغرر ، وحكى الترمذي عن الشافعي أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر وبيع الطير في السماء والعبد الآبق ، وقال شيخنا : ما حكاه الترمذي عن الشافعي من أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر ، وهو فيما إذا كان السمك في ماء كثير بحيث لا يمكن تحصيله منه ، وكذا إذا كان يمكن تحصيله ولكن بمشقة شديدة ، وأما إذا كان في ماء يسير بحيث يمكن تحصيله منه بغير مشقة فإنه يصح لأنه مقدور على تحصيله وتسليمه ، وهذا كله إذا كان مرئيا في الماء القليل بأن يكون الماء صافيا ، فأما إذا لم يكن مرئيا بأن يكون كدرا فإنه لا يصح بلا خلاف كما قاله النووي والرافعي . ( قلت ) : بيع الآبق يصح إذا كان البائع والمشتري يعرفان موضعه ، كذا قاله أصحابنا ، وقال شيخنا : يدخل في بيع الطير في السماء بيع حمام البرج في حال طيرانه وإن جرت عادته بالرجوع لأنه يجوز أن لا يرجع ، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى صحة البيع لجريان العادة برجوعه ، وأما إذا كان في البرج فحكمه حكم بيع السمك في الماء اليسير ، فإن كان فيه كوى مفتوحة لا يؤمن خروجه لم يصح ، وإن لم يمكنه الخروج ، ولكن كان البرج كبيرا بحيث يحصل التعب والمشقة في تحصيله لم يصح أيضا ، قال : وفرق الأصحاب بين بيع الحمام في حال غيبته عن البرج وبين بيع النحل في حال غيبته عن الكوارة ، فصححوا المنع في حمام البرج وصححوا الصحة في بيع النحل ، والفرق بينهما أن الطير تعترضه الجوارح في خروجه بخلاف النحل ، وقيد ابن الرفعة في المطلب صحة بيع النحل فيما إذا كانت أم النحل في الكوارة ، فإذا لم تكن لا يصح . فإن ( قلت ) : لم يذكر في الباب بيع الغرر صريحا وذكره في الترجمة لماذا ؟ ( قلت ) : لما كان في حديث الباب النهي عن بيع حبل الحبلة ، وهو نوع من أنواع بيع الغرر ذكر الغرر الذي هو عام ، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام لينبه بذلك على أن أنواع الغرر كثيرة ، وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع ممنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة . وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الغرر . منها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر وأخرجه الأربعة أيضا . ومنها حديث ابن عمر رواه البيهقي من حديث نافع عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع الغرر . ومنها حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أخرجه ابن ماجه من حديث عطاء عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر . ومنها حديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه أيضا من حديث شهر بن حوشب عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع ، وعما في ضروعها إلا بكيل ، وعن شراء العبد وهو آبق ، وعن شراء المغانم حتى تقسم ، وعن شراء الصدقات حتى تقبض ، وعن ضربة القانص . ومنها حديث علي - رضي الله تعالى عنه - أخرجه أبو داود ، وفيه قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع التمرة قبل أن تدرك . ومنها حديث ابن مسعود ، أخرجه أحمد عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – : لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر . ومنها حديث عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب البيوع أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن بيع ما في ضروع الماشية قبل أن تحلب ، وعن بيع الجنين في بطون الأنعام ، وعن بيع السمك في الماء ، وعن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة ، وعن بيع الغرر . 93 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع حبل الحبلة . مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة ، بل هي جزء من الحديث ، والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن القعنبي ، عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك ، وليس التفسير في حديث القعنبي . قوله : حبل الحبلة بفتح الباء الموحدة فيهما وحكى النووي إسكان الباء في الأول ، وهو غلط ، والصواب الفتح ، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها وينتج الذي في بطنها ، فسر ذلك نافع ، وذكر ابن السكيت وأبو عبيد أن الحبل مختص بالآدميات ، وإنما يقال في غيرهن الحمل ، قال ابن السكيت : إلا في حديث : نهى عن بيع حبل الحبلة ، وذلك أن تكون الإبل حوامل فيبيع حبل ذلك الحبل ، وفي المحكم : كل ذات ظفر حبلى ، قال الشاعر . أو ذيخة حبلى مجح مقرب . ( قلت ) : الذيخ بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ذكر الضباع ، والأنثى ذيخة . قوله : مجح بضم الميم وكسر الجيم وفي آخره حاء مهملة مشددة ، قال أبو زيد : قيس كلها تقول لكل سبعة إذا حملت فأقربت وعظم بطنها قد أجحت فهي مجح ، والمقرب بكسر الراء إذا قربت ولادتها ، وقال ابن دريد : يقال لكل أنثى من الإنس وغيرهم : حبلت ، وكذا ذكره الهروي والأخفش في نوادرهما ، وفي الجامع : امرأة حبلى وسنور حبلى ، وأنشد : إن في دارنا ثلاث حبالى فوددنا لو قد وضعن جميعا جارتي ثم هرتي ثم شاتي فإذا ما وضعن كن ربيعا جارتي للمخيض والهر للفار وشاتي إذا اشتهيت مجيعا وحكاه في الموعب عن صاحب العين والكسائي ، وهذا يرد قول النووي : اتفق أهل اللغة أن الحبل مختص بالآدميات ، وفي الغريبين أن الحبل يراد به ما في بطون النوق ، أدخلت فيها الهاء للمبالغة كما تقول نكحة وسخرة ، وقال صاحب مجمع الغرائب : ليس الهاء في الحبلة على قياس نكحة ، ولا مبالغة هاهنا في المعنى ، ولعل الهروي طلب لزيادة الهاء وجها فأطلق ذلك من غير تثبت ، وفي المغرب : حبل الحبلة مصدر حبلت المرأة ، وإنما أدخلت التاء لإشعار الأنوثة ؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف تحمله الجنين إن كان أنثى ، وقال بعضهم : الحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب والهاء للمبالغة . ( قلت ) : ليس كذلك ، وقد قال ابن الأثير : الحبلة بالتحريك مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل ، وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه ، فالحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل والثاني حبل الذي في بطون النوق . ( ويستفاد منه ) أنه من بيع الغرر فلا يجوز ، قال النووي : النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا ( قلت ) : وقد ذكرنا أنواعا من ذلك عن قريب ، قال : ومن بيوع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلا ، فإنه لا يصح ؛ لأن الثمن ليس حاضرا فيكون من المعاطاة ولم توجد صيغة يصح بها العقد ( قلت ) : هذا الذي ذكره لا يعمل به ؛ لأن فيه مشقة كثيرة على الناس ، وحضور الثمن ليس بشرط لصحة العقد ، وبيع المعاطاة صحيح ، وجميع الناس اليوم في الأسواق بالمعاطاة ، يأتي رجل إلى بايع فيشتري منه جملة قماش بثمن معين فيدفع الثمن ويأخذ المبيع من غير أن يوجد لفظ بعت واشتريت ، فإذا حكمنا بفساد هذا العقد يحصل فساد كثير في معاملات الناس ، وروى الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح قال : لا أعلم ببيع الغرر بأسا ، وقال ابن بطال : لعله لم يبلغه النهي وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد لم يصح ، وكذلك إذا كان لا يصح غالبا ، فإن كان يصح غالبا كالثمرة في أول بدو صلاحها أو كان يسيرا تبعا كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر ، ولعل هذا هو الذي أراد ابن سيرين ، لكن يمنع من ذلك ما رواه ابن المنذر عنه أنه قال : لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا ، فهذا يدل على أنه بيع الغرر إن سلم في المآل . وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية ، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ، ثم تنتج التي في بطنها . أي كان بيع حبل الحبلة بيعا يتبايعه أهل الجاهلية . قوله : كان الرجل إلى آخره ، بيان لقوله : وكان بيعا . قوله : يبتاع الجزور بفتح الجيم ، وهو واحد الإبل ، يقع على الذكر والأنثى ( فإن قلت ) : ذكر الجزور قيد أم لا ؟ ( قلت ) : لا ؛ لأن حكم غير الجزور مثل حكمه ، وإنما هو مثال ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون قيدا ( قلت ) : هذا احتمال غير ناشئ عن دليل فلا يعتبر به ، وإنما مثل به لكثرة الجزور عندهم . قوله : إلى أن تنتج الناقة بضم أوله وفتح ثالثه أي : تلد ولدا ، وهو على صيغة المجهول ، والناقة مرفوع بإسناد تنتج إليها ، قال الجوهري : نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا ، وقد نتجها أهلها نتجا إذا تولوا نتاجها بمنزلة القابلة للمرأة فهي منتوجة ، ونتجت الفرس إذا حان نتاجها ، وقال يعقوب : إذا استبان حملها ، وكذلك الناقة فهي نتوج ، ولا يقال منتج ، وأتت الناقة على منتجها أي : الوقت الذي تنتج فيه ، وهو مفعل بكسر العين ، ويقال للشاتين إذا كانتا سنا واحدا هما نتيجة وغنم فلان نتاج أي : في سن واحدة ، وحكى الأخفش نتج وأنتج بمعنى ، وجاء في الحديث : فأنتج هذان وولد هذا ، وقد أنكره بعضهم ، يعني أن الصواب كونه ثلاثيا ( قلت ) : هذا في حديث الأقرع والأبرص . قوله : ثم تنتج التي في بطنها أي : ثم تعيش المولودة حتى تكبر ، ثم تلد ، قيل : هذا زائد على رواية عبد الله بن عمر فإنه اقتصر على قوله : ثم تحمل التي في بطنها ، ورواية جويرية أخصر منها ولفظه : أن تنتج الناقة ما في بطنها ، وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه مالك ، وقال به مالك والشافعي وجماعة ، وهو أن يبيع بثمن إلى أن تلد الناقة ، وقال آخرون : أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد وتحمل ولدها ، ولم يشترطوا وضع حمل الولد ، وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة : هو بيع ولد نتاج الدابة ، والمنع في هذا أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه ، ثم اعلم أن قوله : وكان بيعا إلى آخره ، هكذا وقع في الموطأ تفسيرا متصلا بالحديث ، وقال الإسماعيلي : هو مدرج ، يعني أن التفسير من كلام نافع ، وقال الخطيب : تفسير حبل الحبلة ليس من كلام عبد الله بن عمر ، إنما هو من كلام نافع أدرج في الحديث ، ثم رواه من طريق أبي سلمة التبوذكي حدثنا جويرية ، عن نافع ، عن عبد الله أن أهل الجاهلية كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك ، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث والترمذي والنسائي من رواية أيوب ، كلاهما عن نافع بدون التفسير ، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر بدون التفسير أيضا ، والله أعلم .
( باب بيع الجمار وأكله ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الجمار بضم الجيم وتشديد الميم هو قلب النخلة ويقال شحمها . قوله : « وأكله » ، أي : وفي بيان حكم أكله . 151 - ( حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يأكل جمارا ، فقال : من الشجر شجرة كالرجل المؤمن ، فأردت أن أقول هي النخلة ، فإذا أنا أحدثهم ، قال : هي النخلة ) . هذه الترجمة لها جزءان : أحدهما بيع الجمار ، والآخر أكله ، وليس في الحديث إلا الأكل ، وقال الكرماني : ما الذي يدل على بيع الجمار ؟ ثم قال : جواز أكله ، ولعل الحديث مختصر مما فيه ذلك أو غرضه الإشارة إلى أنه لم يجد حديثا يدل عليه بشرطه ، انتهى . قلت : الجواب الأول أوجه من الآخرين ، وعن هذا قال ابن بطال : بيع الجمار وأكله من المباحات بلا خلاف ، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز ، وقال بعضهم : فائدة الترجمة دفع توهم المنع من ذلك لكونه قد يظن إفسادا وإضاعة وليس كذلك . قلت : المقصود من الترجمة أن يدل على شيء في الحديث الذي يورده في بابها ، وهذا الذي قاله أجنبي من ذلك ، وليس بشيء على ما لا يخفى . وهذا الحديث قد مضى في كتاب العلم في باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ، فإنه أخرجه هناك عن خالد بن مخلد ، عن سليمان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وهنا أخرجه عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن أبي عوانة بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن أبي بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس البصري إلى آخره ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله : « وهو يأكل جمارا » جملة حالية وهذه الجملة ليست مذكورة هناك ، فلذلك هنا ترجم للأكل ، قوله : « فإذا أنا » كلمة إذا للمفاجأة ، وقوله « أحدثهم » جوابها أي : أصغرهم ، فمعنى الصغر في السن أن أتقدم على الأكابر وأتكلم بحضورهم . وفيه أكل الشارع بحضرة القوم تواضعا ، ولا عبرة بقول بعضهم : إنه يكره إظهاره ، وإنه يخفى مدخله كما يخفى مخرجه . وفيه مراعاة الصغار الأدب بحضور الكبار .
باب بيع الملامسة أي هذا باب في بيان حكم بيع الملامسة وهي مفاعلة من اللمس ، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين في أصل الفعل ، وفي المغرب : الملامسة واللماس أن يقول لصاحبه : إذا لمست ثوبك ولمست ثوبي فقد وجب البيع ، وعن أبي حنيفة : هي أن يقول : أبيعك هذا المتاع بكذا فإذا لمستك وجب البيع ، أو يقول المشتري كذلك ، ويقال : الملامسة أن يلمس ثوبا مطويا ، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه ، أو يقول : إذا لمسته فقد بعتكه ، أو يبيعه شيئا على أنه متى لمسه فقد لزم البيع ، وعن الزهري : الملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار ولا يقلبه إلا بذلك ، وروى النسائي من حديث أبي هريرة : الملامسة أن يقول الرجل للرجل : أبيعك ثوبي بثوبك ، ولا ينظر واحد منهما ثوب الآخر ، ولكن بلمسه لمسا ، ويقال : اختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور هي أوجه للشافعية . أصحها : أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام فيقول له صاحب الثوب : بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ، ولا خيار لك إذا رأيته ، الثاني : أن يجعلا نفس اللمس بيعا بغير صيغة زائدة ، الثالث : أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره ، والبيع على التأويلات كلها باطل . وقال أنس : نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم أي نهى عن بيع الملامسة ، وبهذا اتضح حكم الترجمة ؛ لأنها على إطلاقها تحتمل المنع وتحتمل الجواز ، وهو تعليق وصله البخاري في باب بيع المخاصرة عن أنس : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمخاصرة والملامسة والمنابذة والمزابنة ، والمخاصرة بيع الثمار خصرا لم يبد صلاحها . 94 - حدثنا سعيد بن عفير قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عامر بن سعد ، أن أبا سعيد - رضي الله عنه - أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ، ونهى عن الملامسة ، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه . مطابقته للترجمة في قوله : ونهى عن الملامسة ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وسعيد بن عفير هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء ، المصري ، وعقيل بضم العين ابن خالد الأيلي ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وعامر بن سعد بن أبي وقاص ، مر في الإيمان ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك . والحديث أخرجه البخاري أيضا في اللباس ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، وأخرجه مسلم في البيوع ، عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى ، وعن عمرو الناقد ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين ، وعن أبي داود الحراني ، وعن إبراهيم بن يعقوب . ( ذكر معناه ) قوله : المنابذة مفاعلة من النبذ ، وقد ذكرنا أن المفاعلة تستدعي الفعل من الجانبين ، ولا يوجد هذا إلا فيما رواه مسلم من طريق عطاء بن ميناء ، عن أبي هريرة . أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه ، وقيل : أن يجعل النبذ نفس البيع ، وهو تأويل الشافعي ، وقيل : يقول : بعتك ، فإذا أنبذته إليك فقد انقطع الخيار ولزوم البيع ، وقيل : المراد نبذ الحصى ، ونبذ الحصاة أن يقول : بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه الحصاة ، أو يقول : بعتك ولي الخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة ، أو يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا ، معناه أن يقول : إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو بيع منك بكذا . وهذان البيعان أعني الملامسة والمنابذة عند جماعة العلماء من بيع الغرر والقمار ؛ لأنه إذا لم يتأمل ما اشتراه ولا علم صفته يكون مغرورا ، ومن هذا بيع الشيء الغائب على الصفة ، فإن وجد كما وصف لزم المشتري ولا خيار له إذا رآه ، وإن كان على غير الصفة فله الخيار ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وهو مروي عن ابن سيرين وأيوب والحارث العكلي والحكم وحماد ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز بيع الغائب على الصفة وغير الصفة وللمشتري خيار الرؤية ، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس والنخعي والشعبي والحسن البصري ومكحول والأوزاعي وسفيان ، وقال صاحب التلويح : كأنهم استندوا إلى ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة يرفعه من اشترى شيئا لم يره فله الخيار ( قلت ) : هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه عن داهر بن نوح حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي حدثنا وهيب اليشكري ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه وقال الدارقطني : عمر بن إبراهيم هذا يقال له الكردي يضع الأحاديث ، وهذا باطل لا يصح لم يروه غيره ، وإنما يروى عن ابن سيرين من قوله . ( قلت ) : روى الطحاوي عن علقمة بن أبي وقاص أن طلحة اشترى من عثمان بن عفان مالا فقيل لعثمان : إنك قد غبنت ، فقال عثمان : لي الخيار لأني بعت ما لم أره ، وقال طلحة : لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره ، فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة ، ولا خيار لعثمان .
95 - حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهي عن لبستين ، أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ، ثم يرفعه على منكبه ، وعن بيعتين اللماس والنباذ . مطابقته للترجمة في قوله : والنباذ وهذا الحديث مضى في كتاب الصلاة في باب ما يستر من العورة ، فإنه أخرجه هناك عن قبيصة بن عقبة ، عن سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين ، عن اللماس والنباذ ، وأن يشتمل الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد وأخرجه هنا عن قتيبة بن سعيد ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وقد أخرج البخاري حديث أبي هريرة من طرق ، ولم يذكر في شيء منها تفسير المنابذة والملامسة ، ووقع تفسيرهما في صحيح مسلم والنسائي ، وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع ، لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولفظه : وزعم أن الملامسة أن يقول إلى آخره ، فالأقرب أن يكون ذلك من الصحابي لبعد أن يعبر الصحابي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ : وزعم ، ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدري من قوله أيضا ، قوله : نهى عن لبستين اقتصر على لبسة واحدة ، قال الكرماني : اختصر الحديث . والنوع الثاني : هو اشتمال الصماء ، وقد تركه لشهرته ، ( قلت ) : ما يعجبني هذا الجواب ، وليس الموضع مما يقبل الاختصار ؛ لأن المذكور فيه شيئان فكيف يترك أحدهما اختصارا لشهرته ، فلقائل أن يقول : لم ترك النوع الأول ، وهو أشهر من النوع الثاني ؟ وأيضا ما غرضه من هذا الاختصار ؟ هنا نعم يوجد الاختصار لغرض صحيح فيما يكون غير مخل ، والذي يظهر لي أنه من أحد الرواة ، وأعجب من هذا قول بعضهم ، وقد وقع بيان الثانية عند أحمد في طريق هشام ، عن محمد بن سيرين ولفظه : أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء ، وأن يرتدي في ثوب يرفع طرفيه على عاتقه وقد مضى تفسير هذه الألفاظ في كتاب الصلاة ، والاحتباء أن يجمع بين ظهره وساقيه بعمامته .
باب من أحب البسط في الرزق أي : هذا باب في بيان من أحب البسط أي : التوسع في الرزق ، وجواب من محذوف يعني ماذا يفعل ، وأوضحه في الحديث بأن من أحب هذا فليصل رحمه . 19 - حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني قال : حدثنا حسان قال : حدثنا يونس قال : حدثنا محمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سره أن يبسط له رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه . مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضحها ويبين جوابها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد بن أبي يعقوب ، واسمه إسحاق وكنية محمد أبو عبد الله . الثاني : حسان على وزن فعال بالتشديد ابن إبراهيم أبو هشام العنزي بالعين المهملة والنون المفتوحتين ، وبالزاي قاضي كرمان مات سنة ست وثمانين ومائة وله مائة سنة . الثالث : يونس بن يزيد . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . الخامس : أنس بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع والقول ، وفيه أن شيخه وحسان كرمانيان وكرمان صقع كبير بين فارس وسجستان ومكران . وقال النووي : كرمان اسم لتلك الديار التي قصبتها برد سير ، وقد غلب على برد سير حتى كانت مقصد القوافل والملوك والعساكر . قلت : برد سير بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال وكسر السين المهملات ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء وقال النووي : كرمان بفتح الكاف ، وقال الكرماني الشارح بكسرها قال : هو بلدنا وأهل البلد أعلم باسم بلدهم من غيرهم ، وهم متفقون على كسرها وساعد بعضهم النووي فقال : لعل الصواب فيها في الأصل الفتح ثم كثر استعمالها بالكسر تغييرا من العامة قلت : ضبط هذا بالوجهين ، ولكن الذي ذكره الكرماني هو الأصوب ؛ لأنه ادعى اتفاق أهل بلده على الكسر ومع هذا ليس هذا محل المناقشة ولا يبنى على الكسر ولا على الفتح حكم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الأدب عن حرملة بن يحيى ، وأخرجه أبو داود في الزكاة ، عن أحمد بن صالح ويعقوب بن كعب الأنطاكي ، وأخرجه النسائي في التفسير عن أحمد بن يحيى بن الوزير . ( ذكر معناه ) قوله : من سره أي : من أفرحه ، قوله : أن يبسط كلمة أن مصدرية في محل الرفع ؛ لأنه فاعل سره يبسط على صيغة المجهول ، قوله : أو ينسأ بضم الياء وسكون النون بعدها سين مهملة ثم همزة أي : يؤخر له وهو من الإنساء وهو التأخير ، قوله : في أثره أي : في بقية أثر عمره قال زهير : والمرء ما عاش ممدود له أمل لا ينتهي العيش حتى ينتهي الأثر أي : ما بقي له من العمر . قوله : فليصل رحمه جواب من فلذلك دخلته الفاء . واختلفوا في الرحم فقيل : كل ذي رحم محرم ، وقيل : وارث ، وقيل : هو القريب سواء كان محرما أو غيره ، ووصل الرحم تشريك ذوي القربى في الخيرات ، وهو قد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة ونحوها . وقال عياض : لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة والأحاديث تشهد لهذا ، ولكن للصلة درجات بعضها أرفع من بعض ، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ، ومنها مستحب ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلا . وفي كتاب الترغيب والترهيب للحافظ أبي موسى المديني روى من حديث عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إني رأيت البارحة عجبا ، رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت عليه السلام ليقبض روحه فجاءه بر والده فرد ملك الموت عنه ، الحديث ، وقال : هو حسن جدا وروى من حديث داود بن المحبر ، عن عباد ، عن سهل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك يمد لك في عمرك وييسر لك يسرك ويجنب عسرك وييسر لك في رزقك . ومن حديث داود بن عدي بن علي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صلة الرحم تزيد في العمر ومن حديث عبد الله بن الجعد ، عن ثوبان قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يزيد في العمر إلا بر الوالدين ، ولا يزيد في الرزق إلا صلة الرحم ومن حديث إبراهيم السامي ، عن الأوزاعي ، عن محمد بن علي بن الحسين أخبرني أبي عن جدي ، عن علي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ فقال : هي الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف وصلة الرحم تحول الشقاء سعادة ، وتزيد في العمر ، وتقي مصارع السوء . زاد محمد بن إسحاق العكاشي ، عن الأوزاعي : يا علي من كانت فيه خصلة واحدة من هذه الأشياء أعطاه الله تعالى ثلاث خصال وروي عن عمر ، وابن عباس ، وابن عمر وجابر بن عبد الله نحوه . ومن حديث عكرمة بن إبراهيم ، عن زائدة بن أبي الرقاد عن موسى بن الصباح ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام ، فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة ، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى عمره حتى لا يبقى فيه إلا ثلاثة أيام . ثم قال : هذا حديث حسن لا أعرفه إلا بهذا الإسناد . ومن حديث إسماعيل بن عياش ، عن داود بن عيسى قال : مكتوب في التوراة صلة الرحم وحسن الخلق وبر القرابة تعمر الديار ، وتكثر الأموال ، وتزيد في الآجال ، وإن كان القوم كفارا ، قال أبو موسى : يروى هذا من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعا عن التوراة . قال أبو الفرج : فإن قيل : أليس قد فرغ من الأجل والرزق ؟ فالجواب من خمسة أوجه : أحدها : أن يكون المراد بالزيادة توسعة الرزق وصحة البدن فإن الغنى يسمى حياة والفقر موتا . الثاني : أن يكتب أجل العبد مائة سنة ويجعل تزكيته تعمير ثمانين سنة فإذا وصل رحمه زاده الله في تزكيته فعاش عشرين سنة أخرى قالهما ابن قتيبة . الثالث : أن هذا التأخير في الأصل مما قد فرغ منه لكنه علق الإنعام به بصلة الرحم ، فكأنه كتب أن فلانا يبقى خمسين سنة فإن وصل رحمه بقي ستين سنة . الرابع : أن تكون هذه الزيادة في المكتوب ، والمكتوب غير المعلوم ، فما علمه الله تعالى من نهاية العمر لا يتغير ، وما كتبه قد يمحى ويثبت وقد كان عمر بن الخطاب يقول : إن كنت كتبتني شقيا فامحني ، وما قال : إن كنت علمتني ؛ لأن ما علم وقوعه لا بد أن يقع ويبقى على هذا الجواب إشكال وهو أن يقال : إذا كان المحتوم واقعا فما الذي أفاده زيادة المكتوب ونقصانه ؟ فالجواب : أن المعاملات على الظواهر ، والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه حكم فيجوز أن يكون المكتوب يزيد وينقص ويمحى ويثبت ليبلغ ذلك على لسان الشرع إلى الآدمي فيعلم فضيلة البر وشؤم العقوق ، ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة عليهم السلام فتؤمر بالإثبات والمحو والعلم الحتم لا يطلعون عليه ومن هذا إرسال الرسل إلى من لا يؤمن الخامس أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخيرات وبلوغ الأغراض فنال في قصر العمر ما يناله غيره في طويله وزعم عياض أن المراد بذلك بقاء ذكره الجميل بعد الموت على الألسنة فكأنه لم يمت وذكر الحكيم الترمذي أن المراد بذلك قلة المقام في البرزخ .
( باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا أراد الشخص بيع تمر بتمر خير من ثمره ، وكلاهما بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، وجواب إذا محذوف تقديره : ماذا يضع حتى يسلم من الربا . 145 - ( حدثنا قتيبة ، عن مالك ، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : "بع الجمع جنيبا" ، فإنه أسلم من الربا ، فإن التمر كله جنس واحد ، فلا يجوز بيع صاع منه بصاع من تمر آخر ، إلا سواء بسواء ، فلا يجوز بالتفاضل . وعبد المجيد بن سهيل - مصغر سهل ضد الصعب - بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، يكنى أبا وهب ، ويقال : أبو محمد . والحديث أخرجه البخاري في الوكالة عن عبد الله بن يوسف ، وفي المغازي عن إسماعيل بن أبي أويس ، وفي نسخة عن القعنبي ، ثلاثتهم أعني قتيبة ، وعبد الله بن يوسف ، وإسماعيل - عن مالك ، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، كلاهما عن عبد المجيد المذكور عنه ، عن أبي سعيد وأبي هريرة به ، وأخرجه مسلم في البيوع عن القعنبي ، عن سليمان بن بلال به ، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك ، وعن نصر بن علي وإسماعيل بن مسعود ، كلاهما عن خالد بن الحارث ، عن سعيد ، عن قتادة عنه ، عن أبي سعيد بمعناه ، ولم يذكر أبا هريرة . ( ذكر معناه ) قوله : « عن سعيد بن المسيب » ، وفي رواية : سليمان بن بلال عن عبد المجيد ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، أخرجه البخاري في الاعتصام . قوله : « عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة » ، وفي رواية سليمان المذكور أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه ، وقال ابن عبد البر : ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث إلا لعبد المجيد ، وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وحده ، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه ، قوله : « استعمل رجلا » قيل : هو سواد بن غزية ، وقيل : مالك بن صعصعة ، ذكره الخطيب . قلت : سواد بفتح السين المهملة وتخفيف الواو ، وفي آخره دال مهملة ، ابن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف على وزن عطية ، ابن وهب حليف الأنصار ، وهو الذي أسر يومئذ خالد بن هشام ومالك بن صعصعة الخزرجي ، ثم المازني . قوله : « تمر جنيب » بفتح الجيم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ، قال مالك : هو الكبيس ، وقال الطحاوي : هو الطيب ، وقيل : الصلب ، وقيل : الذي أخرج منه حشفه ورديئه ، وقال التيمي : هو تمر غريب غير الذي كانوا يعهدونه ، وقال الخطابي : هو نوع من التمر ، وهو أجود تمورهم ، وهو بخلاف الجمع بفتح الجيم وسكون الميم ، وهو كل لون من النخل لا يعرف اسمه ، وقيل : هو تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبا فيه ، ولا يختلط إلا لرداءته . قوله : « بالصاعين » ، وفي رواية سليمان : بالصاعين من الجمع ، أي : غير الصاعين اللذين هما عوض الصاع الذي هو من الجنيب وكون المعرفة المعادة عين الأول عند عدم القرينة على المغايرة ، وهو كقوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، فإنه فيه غير الأول . قوله : « بالثلاثة » كذا ، وفي رواية القابسي بالتاء ، وفي رواية الأكثرين بالثلاث بلا تاء ، وكلاهما جائز ؛ لأن الصاع يذكر ويؤنث . قوله : « لا تفعل » ، وفي رواية سليمان : ولكن مثلا بمثل ، أي : بع المثل بالمثل ، وزاد في آخره : وكذلك الميزان ، أي : في بيع ما يوزن من المقتات بمثله . قوله : « بع الجمع » ، أي : التمر الذي يقال له الجمع بالدراهم ، « ثم ابتع » أي : ثم اشتر بالدراهم جنيبا ، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليكون بصفقتين ، فلا يدخله الربا . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم في أن ما دخل في الجنس الواحد من جنس التفاضل والزيادة ، لم تجز فيه الزيادة لا في كيل ولا في وزن ، والوزن والكيل في ذلك سواء عندهم ، إلا أن ما كان أصله الكل لا يباع إلا كيلا ، وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنا ، وما كان أصله الكيل فبيع وزنا فهو عندهم مماثلة ، وإن كرهوا ذلك ، وما كان موزونا فلا يجوز أن يباع كيلا عند جميعهم ؛ لأن المماثلة لا تدرك بالكيل ، إلا فيما كان كيلا لا وزنا اتباعا للسنة ، وأجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبهه لا يجوز بيع شيء من هذا كله كيلا بكيل بوجه من الوجوه ، والتمر كله على اختلاف أنواعه جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل في البيع والمعاوضة ، وكذلك البر والزبيب وكل طعام مكيل ، هذا حكم الطعام المقتات عند مالك ، وعند الشافعي الطعام كله مقتات أو غير مقتات ، وعند الكوفيين الطعام المكيل والموزون دون غيره ، وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدا ويبتاع منه طعاما قبل الافتراق وبعده ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور ، ولا يجوز هذا عند مالك ، وقال ابن بطال : وزعم قوم أن بيع العامل الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية الربا ، وقبل إخبارهم بتحريم التفاضل بذلك ؛ فلذلك لم يأمره بفسخه ، قال : وهذه غفلة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال في غنائم خيبر للسعدين : أريتما فردا . وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في ثمرها وجميع أمرها ، وقد احتج بعض الشافعية بهذا الحديث على أن العينة ليست حراما يعني الحيلة التي يعملها بعضهم توصلا إلى مقصود الربا ، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ، فيبيعه ثوبا بمائتين ، ثم يشتري منه بمائة ، ودليل هذا من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : بع هذا واشتر بثمنه من هذا ، ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره ، فدل على أنه لا فرق . وقال النووي : وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين ، وقال مالك وأحمد : هو حرام ، وفي الحديث حجة على من يقول : إن بيع الربا جائز بأصله من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصح البيع ، قال القرطبي : ولو كان على ما ذكر ، لما فسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصفقة ، ولا أمر برد الزيادة على الصاع . وفيه جواز اختيار طيب الطعام ، وقال ابن الجوزي : وفي التخيير له - صلى الله تعالى عليه وسلم - التمر الطيب وإقرارهم عليه دليل على أن النفس يرفق بها لحقها ، وهو عكس ما يصنعه جهال المتزهدين من حملهم على أنفسهم ما لا يطيقون جهلا منهم بالسنة . وفيه جواز الوكالة في البيع وغيره ، وفيه أن البيوع الفاسدة ترد .
97 - حدثنا عياش بن الوليد ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبستين ، وعن بيعتين ، الملامسة والمنابذة . مطابقته للترجمة في قوله : والمنابذة وعياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ابن الوليد الرقام البصري ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي البصري ، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد ، والزهري محمد بن مسلم ، وعطاء بن يزيد من الزيادة أبو يزيد الليثي ويقال الجندعي من أهل المدينة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاستئذان ، عن علي بن عبيد الله ، عن سفيان ، وأخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن قتيبة وأبي الطاهر بن السرح ، كلاهما عن سفيان به ، وعن الحسن بن علي ، عن عبد الرزاق ، عن معمر به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به ، وعن الحسين بن حريث بالنهي عن لبستين في الزينة ، والنهي عن بيعتين في البيوع ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن أبي بكر ابن أبي شيبة وسهل بن أبي سهل الرازي ، كلاهما عن سفيان بالنهي عن بيعتين في اللباس ، عن أبي بكر وحده بالنهي عن اللبستين .
باب بيع المنابذة أي هذا باب في بيان حكم بيع المنابذة . وقال أنس : نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم أي نهى عن بيع المنابذة النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وهذا التعليق وصله البخاري في باب بيع المخاصرة ، وقد ذكرناه في أول باب بيع الملامسة . 96 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، وعن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الملامسة والمنابذة . مطابقته للترجمة في قوله : والمنابذة هذا طريق آخر عن أبي هريرة ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، وعن أبي الزناد ، عن عبد الله بن ذكوان ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج . وقوله : عن الأعرج متعلق بمحمد وبأبي الزناد ؛ لأن مالكا يروي عنهما وهما يرويان عن الأعرج . وأخرجه النسائي أيضا في البيوع ، عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك .
150 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس - رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ثمر التمر حتى تزهو ، فقلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : تحمر وتصفر ، أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك . مطابقته للترجمة من معنى الحديث ؛ لأن الثمرة قبل زهوها خضراء ، فتدخل في بيع المخاضرة قبل الزهو ، وإسماعيل بن جعفر بن كثير أبو إبراهيم الأنصاري المديني ، والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا عن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر ، ثلاثتهم عن إسماعيل به . قوله : « ثمر التمر » الأول بالثاء المثلثة وفتح الميم ، والثاني بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم ، ويروى بيع الثمر بدون الإضافة إلى شيء . قوله : « أرأيت » معناه أخبرني ، قوله : « إن منع الله الثمرة » يعني لم يخرج شيء ، قوله : « بم تستحل » يعني إذا تلف الثمر لا يبقى في مقابلة شيء عوض ذلك ، فيكون البائع آكلا لمال غيره بالباطل ، واحتمال التلف بعد الزهو وإن كان ممكنا ، لكن تطرقه إلى الباذي أسرع وأظهر وأكثر .
( باب بيع المخاضرة ) أي هذا باب في بيان حكم بيع المخاضرة ، والمخاضرة بالخاء والضاد المعجمتين مفاعلة من الخضرة ، والمراد بها بيع الثمار والحبوب وهي خضر قبل أن يبدو صلاحها . 149 - ( حدثنا إسحاق بن وهب قال : حدثنا عمر بن يونس قال : حدثني أبي قال : حدثني إسحاق بن أبي طلحة الأنصاري ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة ، والمخاضرة ، والملامسة ، والمنابذة ، والمزابنة ) . مطابقته للترجمة في قوله : « والمخاضرة » . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول إسحاق بن وهب العلاف ، الثاني عمر بن يونس الحنفي ، الثالث أبوه يونس بن القاسم أبو عمر الحنفي ، الرابع إسحاق بن أبي طلحة ، وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، واسمه زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك ، الخامس أنس بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه واسطي ، وعمر بن يونس يمامي وأبوه كذلك ، وإسحاق بن أبي طلحة مدني ، وكان يسكن دار جده بالمدينة ، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وفيه رواية الراوي عن عمه . وهذا الحديث من أفراده ، وهذه المنهيات خمسة قد مر تفسير الكل فيما مضى ، وتفسير المخاضرة في أول هذا الباب ، وزعم الإسماعيلي أن في بعض الروايات : والمخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم ، وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه ، وقال ابن بطال : أجمعوا أنه لا يجوز بيع الزرع أخضر إلا الفصيل للدواب ، وأجمعوا أنه يجوز بيع البقول إذا قلعت من الأرض وأحاط المشتري بها علما ، قال : ومن بيع المخاضرة شراؤها مغيبة في الأرض : كالفجل ، والكراث ، والبصل ، واللفت وشبهه ، فأجاز شراءها مالك ، وقال : إذا استقل ورقه وأمن ، والأمان عنده أن يكون ما يقطع منه ليس بفساد . وقال أبو حنيفة : بيع اللفت في الأرض جائز ، وهو بالخيار إذا رآه ، وقال الشافعي : لا يجوز بيع ما لا يرى ، وهو عندي بيع الغرر ، وفي ( التوضيح ) : واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ وما يأتي بطنا بعد بطن ، فقال مالك : يجوز بيعه إذا بدا صلاحه ويكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ؛ لأن وقته معروف عند الناس ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يجوز بيع بطن منه ، إلا بعد طيبه كالبطن الأول ، وهو عندهم من بيع ما لم يخلق وجعله مالك كالثمرة إذا بدا صلاحها جاز ما بدا صلاحه وما لم يبد لحاجتهم إلى ذلك ، ولو منعوا منهم لأضرهم ؛ لأن ما يدعو إليه الضرر يجوز فيه بعض الغرر ، ألا يرى أن الظئر يكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد إلا أوله ، ولا يدرى كم يشرب الصبي منه ، وكذلك لو اكترى عبدا لخدمته فالمنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق ، وإنما تتجدد أولا فأولا ، حتى لو مات العبد تعذرت المحاسبة على ما حصل من المنفعة ، وقد جرت العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليما من الآفات أن تتتابع بطونها وتتلاحق ، وعدم مشاهدته لا تدل على بطلان بيعه ، بدليل بيع الجوز واللوز في قشورهما وفساده يتبين من خارج .
باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة أي : هذا باب في بيان شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة بفتح النون وسكون السين المهملة وفتح الهمزة وهو الأجل ، وفي المغرب يقال : بعثه بنساء ونسيء ، ونسيئة بمعنى . 20 - حدثنا معلى بن أسد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا الأعمش قال : ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلم فقال : حدثني الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : معلى بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة ابن أسد أبو الهيثم . الثاني : عبد الواحد بن زياد . الثالث : سليمان الأعمش . الرابع : إبراهيم النخعي . الخامس : الأسود بن يزيد . السادس : أم المؤمنين عائشة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه وعبد الواحد بصريان والبقية كوفيون ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم الأعمش وإبراهيم والأسود ، وفيه رواية الراوي عن خاله وهو إبراهيم يروي عن الأسود وهو خاله . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في أحد عشر موضعا في البيوع ، وفي الاستقراض ، وفي الجهاد عن معلى بن أسد ، وفي السلم عن محمد بن محبوب ، وفي الشركة عن مسدد ، وفي البيوع أيضا عن يوسف بن عيسى ، وعن عمر بن حفص ، وفي السلم أيضا عن محمد عن يعلى بن عبيد ، وفي الرهن عن قتيبة ، وفي الجهاد أيضا عن محمد بن كثير ، وفي المغازي عن قبيصة بن عقبة ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعلي بن خشرم ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة أيضا وعن إسحاق بن إبراهيم أيضا . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم ، وعن أحمد بن حرب ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة . ذكر معناه قوله : في السلم أي : السلف ولم يرد به السلم الذي هو بيع الدين بالعين وهو أن يعطي ذهبا أو فضة في سلعة معلومة إلى أمد معلوم . قوله : اشترى طعاما من يهودي واختلف في مقدار ما استدانه من الطعام ففي البخاري من حديث عائشة بثلاثين صاعا من شعير وفي أخرى : بعشرين وفي مصنف عبد الرزاق : بوسق شعير أخذه لأهله وللبزار من طريق ابن عباس : أربعين صاعا وعند الترمذي من حديث ابن عباس : رهن درعه بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله وعند ابن أبي شيبة : أخذها رزقا لعياله وعند النسائي : بثلاثين صاعا من شعير لأهله وفي مسند الشافعي : أن اليهودي يكنى أبا الشحمة وفي التوضيح : وهذا اليهودي يقال له : أبو الشحم ، قاله الخطيب البغدادي في مبهماته ، وكذا جاء في رواية الشافعي والبيهقي من حديث جعفر بن أبي طالب عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعا عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني طفر في شعير لكنه منقطع كما قال البيهقي ، ووقع في رواية إمام الحرمين تسميته بأبي الشحمة كما ذكرنا عن مسند الإمام الشافعي قوله : ورهنه درعا من حديد الدرع بكسر الدال المهملة هو درع الحرب ، ولهذا قيده بالحديد لأن القميص يسمى درعا ، وقال ابن فارس : درع الحديد مؤنثة ، ودرع المرأة قميصها مذكر . فإن قلت : كان للنبي صلى الله عليه وسلم دروع فأي درع هذه ؟ قلت : قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر التلمساني في كتاب الجوهرة : إن هذه الدرع هي ذات الفضول ، فإن قلت : ما معنى اختياره لرهن الدرع قلت : رهن ما هو أشد حاجة إليه لأنه ما وجد شيئا يرهنه غيره ، فإن قلت : ما كانت ضرورته إلى السلف حتى رهن عند اليهودي درعه ؟ قلت : قد مر أنه أخذه لأهله ورزقا لعياله ، ويحتمل أنه فعل بيانا للجواز . فإن قلت : قد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدخر لأهله قوت سنة فكيف استلف مد اليهودي قلت : قد يكون ذلك بعد فراغ قوت السنة وقد يكون كان يدخر قوت السنة لأهله على تقدير أن لا يرد عليه عارض وقيل : إنما أخذ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الشعير من اليهودي لضيف طرقه ثم فداه أبو بكر رضي الله عنه ، فإن قلت : لم لم يرهن عند مياسير الصحابة قلت : حتى لا يبقى لأحد عليه منة لو أبرأه منه فإن قلت : المعاملة مع من يظن أن أكثر ماله حرام ممنوعة فكيف عامل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع هذا اليهودي وقد أخبر الله تعالى أنهم أكالون للسحت ؟ قلت : هذا عند التيقن أن المأخوذ منه حرام بعينه ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خفيا ، ومع هذا إن اليهود كانوا باعة في المدينة حينئذ ، وكانت الأشياء عندهم ممكنة وكان وقتا ضيقا وربما لم يوجد عند غيرهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز البيع إلى أجل ثم هل هو رخصة أو عزيمة ؟ قال ابن العربي : جعلوا الشراء إلى أجل رخصة وهو في الظاهر عزيمة ؛ لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ فأنزله أصلا في الدين ورتب عليه كثيرا من الأحكام ، وفيه جواز معاملة اليهود وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله عنهم ولكن مبايعتهم وأكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله وقد ساقاهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على خيبر . فإن قلت : النصارى كذلك أم لا ؟ قلت : روى أبو الحسن الطوسي في أحكامه فقال : حدثنا علي بن مسلم الطوسي ببغداد ، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن يزيد ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : بعثني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حليق النصراني يبعث إليه بأثواب إلى الميسرة قال : فأتيته فقلت : بعثني إليك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تبعث إليه بأثواب إلى الميسرة فقال : وما الميسرة ؟ ومتى الميسرة ؟ ما لمحمد ثاغية ولا راغية فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم قال : فلما رآني قال : كذب عدو الله أنا خير من بايع ؛ لأن يلبس أحدكم ثوبا من رقاع شتى خير له من أن يأخذ في أمانته ما ليس عنده . وفيه رهن في الحضر ومنعه مجاهد في الحضر ، وقال : إنما ذكر الله الرهن في السفر وتبعه داود وفعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالمدينة والله تعالى ذكر وجها من وجوهه وهو السفر . وفيه جواز رهن السلاح وآلة الحرب في بلد الجهاد عند الحاجة إلى الطعام ؛ لأنه تعارض حينئذ أمران فقدم الأهم منهما ؛ لأن نفقة الأهل واجبة لا بد منها واتخاذ آلة الحرب من المصالح لا من الواجبات لأنه يمكن الجهاد بدون آلة فقدم الأهم .
21 - حدثنا مسلم قال : حدثنا هشام قال : حدثنا قتادة ، عن أنس ح وحدثني محمد بن عبد الله بن حوشب قال : حدثنا أسباط أبو اليسع البصري قال : حدثنا هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير ، وإهالة سنخة ولقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله ولقد سمعته يقول : ما أمسى عند آل محمد صلى الله عليه وسلم صاع بر ولا صاع حب وإن عنده لتسع نسوة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : وأخرجه من طريقين ، ومسلم على لفظ اسم الفاعل من الإسلام ابن إبراهيم الأزدي الفراهيدي القصاب ، وهشام هو الدستوائي . ومحمد بن عبد الله بن حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة مر في الصلاة . وأسباط بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالباء الموحدة وفي آخره طاء مهملة وأبو اليسع كنية بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة بلفظ المضارع من وسع يسع . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رجال هذا الإسناد كلهم بصريون ، وفيه أن أسباطا هذا ليس له في البخاري سوى هذا الموضع ، وقد قيل : إن اسم أبيه عبد الواحد ، وفيه أن البخاري قد ساق هذا الحديث هنا على لفظ أسباط ، وساقه في الرهن على لفظ مسلم بن إبراهيم مع أن طريق مسلم أعلى ؛ وذلك لأن أبا اليسع فيه مقال : فاحتاج إلى ذكره عقيب من يعتضده ويتقوى به ؛ ولأن عادته غالبا أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسناد واحد . ذكر معناه قوله : إهالة بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ، قال الداودي : هي الألية وفي المحكم الإهالة ما أذيب من الشحم وقيل : الإهالة الشحم والزيت ، وقيل : كل دهن أوتدم به إهالة واستأهل أهل الإهالة ، وفي كتاب الواعي : الإهالة ما أذيب من شحم الألية ، وفي الصحاح الإهالة الودك ، وقال ابن المبارك : هو الدسم إذا جمد على رأس المرقة وقال الخليل : هي الألية تقطع ثم تذاب ، وقال ابن العربي : هي الغلالة تكون من الدهن على المرقة رقيقة قوله : سنخة بفتح السين المهملة وكسر النون بعدها خاء معجمة وهي المتغيرة الرائحة من طول الزمان من قولهم : سنخ الدهن بكسر النون تغير وروي زنخة بالزاي يقال : سنخ وزنخ بالسين والزاي أيضا . قوله : لأهله يعني لأزواجه وهن تسع ، ومنه يؤخذ أنه لا بأس للرجل أن يذكر عن نفسه أنه ليس عنده ما يقوته ويقوت عياله على غير وجه الشكاية والتسخط بل على وجه الاقتداء به . قوله : ولقد سمعته يقول قال الكرماني : قوله : لقد سمعته كلام قتادة وفاعل يقول أنس ، وقال بعضهم : ولقد سمعته يقول : هو كلام أنس والضمير في سمعته للنبي صلى الله عليه وسلم أي : قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهرا للسبب في شرائه إلى أجل ووهم من زعم أنه كلام قتادة ، وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل قلت : الأوجه في حق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما قاله الكرماني ؛ لأن في نسبة ذلك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نوع إظهار بعض الشكوى وإظهار الفاقة على سبيل المبالغة وليس ذلك يذكر في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : ولا صاع حب تعميم بعد تخصيص ، قوله : لتسع بالنصب لأنه اسم إن واللام فيه للتأكيد . وفيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من التقلل من الدنيا ، وذلك كله باختياره وإلا فقد أتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فردها تواضعا ورضي بزي المساكين ليكون أرفع لدرجته ، وقد قال كليم الله موسى : إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ والخير كسرة من شعير اشتاقها واشتهاها ، وقال صاحب التوضيح : وفيه رد على زفر والأوزاعي أن الرهن ممنوع في السلم قلت : ليس في الحديث إلا الشراء بالدين ، وليس فيه ما يتعلق بالسلم فكيف يصح به الرد وكان صاحب التوضيح ظن أن فيه شيئا من السلم والظاهر أنه ظن أن قول الأعمش في سند الحديث الماضي ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلم أنه السلم المتعارف ، وليس كذلك بل المراد به السلف كما ذكرنا ، وفي الحديث قبول ما تيسر وقد دعي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجاب ، أخرجه البيهقي عن الحسن مرسلا . وفيه مباشرة الشريف والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه ؛ لأن جميع المؤمنين كانوا حريصين على كفاية أمره ، وما يحتاج إلى التصرف فيه رغبة منهم في رضاه وطلب الآخرة والثواب .
باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة ، والمصراة التي صري لبنها وحقن فيه وجمع فلم يحلب أياما ، وأصل التصرية حبس الماء ، يقال منه : صريت الماء إذا حبسته أي هذا باب في بيان النهي للبائع أن لا يحفل بضم الياء وتشديد الفاء من التحفيل ، وفي المحكم حفل اللبن في الضرع يحفل حفلا وحفولا ، وتحفل واحتفل واجتمع وحفله هو وحفله وضرع حافل والجمع حفل وناقة حافلة وحفول والتحفيل التجميع ، قال أبو عبيد : سميت بذلك ؛ لأن اللبن يكثر في ضرعها ، وكل شيء كثرته فقد حفلته ، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ، ويقال : مجلس حافل إذا كثر الخلق فيه ، ومنه المحفل ، ووقع في رواية النسفي باب نهي البائع أن يحفل الإبل والغنم بدون كلمة لا وبدون ذكر البقر ، وذكره أبو نعيم أيضا بدون كلمة لا ، وقال بعضهم : لا زائدة ، وجزم به ، وقال الكرماني : لا يجب كونها زائدة لاحتمال أن تكون مفسرة ، ولا يحفل بيانا للنهي ، وقيد بقوله : للبائع وهو المالك ، إشارة إلى أنه لو حفل لأجل عياله أو لأجل الضيف لم يمنع من ذلك . ( فإن قلت ) : ليس للبقر ذكر في الحديث فلم ذكرها في الترجمة ( قلت ) : لأنها في معنى الإبل والغنم في الحكم ، وفيه خلاف داود الظاهري على ما يأتي إن شاء الله تعالى . قوله : وكل محفلة بالنصب عطف على الإبل ، أي : لا يحفل كل ما من شأنها التحفيل ، وهو من باب عطف العام على الخاص ، وأشار بهذا إلى إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم للجامع بينهما ، وهو تغرير المشتري ، وقالت الحنابلة وبعض الشافعية : يختص ذلك بالنعم ، واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية ، فالأصح لا يرد اللبن عوضا ، وبه قالت الحنابلة في الأتان دون الجارية . قوله : والمصراة مرفوع لأنه مبتدأ وخبره قوله : التي صري لبنها والمصراة بضم الميم وتشديد الراء اسم مفعول من التصرية ، يقال : صريت الناقة بالتخفيف ، وصريتها بالتشديد وأصريتها إذا حفلتها ، وناقة صرياء محفلة وجمعها صرايا على غير قياس ، وقال الأزهري : ذكر الشافعي المصراة وفسرها أنها التي تصر أخلافها ولا تحلب أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها ، فإذا حلبها المشتري استغزرها ، وقال الأزهري : جائز أن تكون سميت مصراة من صر أخلافها كما ذكر ، إلا أنه لما اجتمعت في الكلمة ثلاث راآت قلبت إحداها ياء كما في تظنيت في تظننت كراهة اجتماع الأمثال ، قال : وجائز أن تكون من الصري ، وهو الجمع ، وإليه ذهب الأكثرون . انتهى . ( قلت ) : إذا كانت المصراة من الصر بالتشديد يكون اسم المفعول منه مصرورة ، ولكنها تكون من صرر على وزن فعل فيكون اسم المفعول منه مصرر ، ولكن لما قلبت الراء الثالثة ياء لما ذكره قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت مصراة ، وإذا كانت من الصري وهو معتل اللام اليائي فالقياس أن يكون اسم المفعول منه مصراة وأصلها مصرية ، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والقياس التصريفي أن يكون أصلها من صرى يصري تصرية من باب التفعيل ، ففعل بها ما ذكرنا ، ولذلك قال الخطابي : اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصراة ومن أين أخذت واشتقت ، وقول البخاري : والمصراة التي صري لبنها على القياس الذي ذكرناه ، وهو الصحيح . قوله : وحقن فيه معنى صرى ، وعطف عليه على سبيل العطف التفسيري لأنه بمعناه ، والضمير في فيه يرجع إلى الثدي بقرينة ذكر اللبن . قوله : وأصل التصرية إلى آخره ، تفسير أكثر أهل اللغة وأبو عبيد أيضا فسر هكذا ، وأشار البخاري بهذا إلى أن الصحيح في تفسير المصراة أن تكون من صرى من باب فعل بالتشديد ، ومنه يقال : صريت الماء أي : حبسته وجمعته ، ويكون أصل مصراة على هذا مصرية ، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهذا هو الصحيح ، وأكثر ما تكلموا فيه خارج عن قانون التصريف ، فافهم . 98 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج قال أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تصروا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بين أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر . مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز . وهذا الحديث أخرجه بقية الأئمة الستة من طرق ، وقد رواه عن أبي هريرة محمد بن زياد ومحمد بن سيرين والأعرج وهمام وأبو صالح وموسى بن يسار وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ومجاهد والوليد بن رباح . أما رواية محمد بن زياد فانفرد بها الترمذي فقال : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من اشترى مصراة فهو بالخيار يعني إذا حلبها إن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر ، وأخرجه الطحاوي أيضا من رواية محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، وأما رواية محمد بن سيرين فأخرجها مسلم عن محمد بن عمرو بن حبلة عن أبي عامر العقدي ، وأخرجها مسلم وأبو داود والنسائي من رواية أيوب ، عن محمد بن سيرين ، وأما رواية الأعرج فأخرجها الشيخان وأبو داود من طريق مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، وأما رواية همام فانفرد بها مسلم من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، وأما رواية أبي صالح فانفرد بها مسلم أيضا من رواية يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، وأما رواية موسى بن يسار فأخرجها مسلم والنسائي من رواية داود بن قيس عنه ، وأما رواية ثابت ، وهو ابن عياض ، فأخرجها البخاري وأبو داود من رواية زياد بن سعد عنه ، وأما رواية مجاهد والوليد بن رباح فذكرهما البخاري تعليقا على ما يأتي ، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمان طرق ، عن ابن سيرين بطريقين أحدهما معه خلاس بن عمرو ومحمد بن زياد وموسى بن يسار والأعرج وعكرمة وأبو إسحاق السبيعي وعبد الرحمن بن سعد مع عكرمة . قوله : لا تصروا الإبل بفتح التاء وضم الصاد ، وهو نهي للجماعة ، والإبل منصوب ، ويروى : لا تصر بضم التاء وفتح الصاد بصيغة الإفراد على بناء المجهول ، والإبل مرفوع به ، والغنم عطف على الإبل بالوجهين . قوله : فمن ابتاعها أي : فمن اشترى المصراة . قوله : بعد قال الكرماني : أي : بعد هذا النهي أو بعد صر البائع ( قلت ) : الوجه الثاني هو الأوجه ، والأول فيه البعد . قوله : فإنه أي : فإن الذي ابتاعها . قوله : بخير النظرين أي : بخير الرأيين . قوله : أن يحتلبها بكسر إن ، كذا في الأصل على أنها شرطية ، ويحتلبها بالجزم لأنه فعل الشرط ، وفي رواية ابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسد بن موسى عن الليث : بعد أن يحلبها بفتح أن ونصب يحلبها ، وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب ، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب ، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب ذكر قيدا في ثبوت الخيار ، فلو ظهرت التصرية بعد الحلب فالخيار ثابت . قوله : وإن شاء ردها وفي رواية مالك وإن سخطها ردها . قوله : وصاع تمر منصوب بشيء مقدر ، والتقدير : ورد معها صاع تمر ، قيل : يجوز أن يكون مفعولا معه ، وأجيب بأن جمهور النحاة على أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلا نحو جئت أنا وزيدا . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج بهذا الحديث ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو سليمان وزفر وأبو يوسف في بعض الروايات فقالوا : من اشترى مصراة فحلبها فلم يرض بها فإنه يردها إن شاء ويرد معها صاعا من تمر ، إلا أن مالكا قال : يؤدي أهل كل بلد صاعا من أغلب عيشهم ، وابن أبي ليلى قال : يرد معها قيمة صاع من تمر ، وهو قول أبي يوسف ولكنه غير مشهور عنه ، وقال زفر : يرد معها صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من تمر ، وفي شرح الموطأ للأشبيلي قال مالك : إذا احتلبها ثلاثا وسخطها لاختلاف لبنها ردها ومعها صاعا من قوت ذلك البلد تمرا كان أو برا أو غيره ، وبه قال الطبري وأبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي ، وعن مالك : يرد مكيلة ما حلب من اللبن تمرا أو قيمته ، وقال أكثر أصحاب الشافعي : لا يكون إلا من التمر ، وإذا لم يجد المشتري التمر فهل ينتقل إلى غيره ؟ حكى الماوردي فيه وجهين أحدهما : يرد قيمته بالمدينة والثاني قيمته بأقرب بلاد التمر إليه ، واقتصر الرافعي على نقل الوجه الأول عن الماوردي والوجهان معا في الحاوي ، فإن اتفق المتبايعان على غير التمر في رد بدل لبن المصراة فقد حكى الرافعي عن ابن كج وجهين في إجزاء البر عن التمر إذا اتفقا عليه ، فكان كالاستبدال عما في ذمته ، وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف في المشهور عنه ومالك في رواية وأشهب من المالكية وابن أبي ليلى في رواية وطائفة من أهل العراق ، ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب ولكنه يرجع بالنقصان لأنه وجد ما يمنع الرد وهو الزيادة المنفصلة عنها ، وفي الرجوع بالنقصان روايتان عن أبي حنيفة في رواية شرح الطحاوي : يرجع على البائع بالنقصان من الثمن لتعذر الرد ، وفي رواية الأسرار : لا يرجع ؛ لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا . وأجابوا عن الحديث بأجوبة ، الأول : ما قاله محمد بن شجاع : إن هذا الحديث نسخه حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فلما قطع – صلى الله عليه وسلم - بالفرقة الخيار ثبت بذلك أن لا خيار لأحد بعد ذلك إلا لمن استثناه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا ، وهو قوله : إلا بيع الخيار المجهول ورده الطحاوي بأن الخيار المجهول في المصراة إنما هو خيار عيب وخيار العيب لا تقطعه الفرقة . الثاني : ما قاله عيسى بن أبان : كان ذلك في أول الإسلام حيث كانت العقوبات في الديون ، حتى نسخ الله سبحانه وتعالى الربا فردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها . الثالث : ما قاله ابن التين : ومن جملة ما رووا به حديث المصراة بالاضطراب قال مرة صاعا من تمر ، ومرة صاعا من طعام ، ومرة مثل أو مثلي لبنها . الرابع : أن الحديث وإن وقع بنقل العدل الضابط عن مثله إلى قائله لا بد في اعتباره أن يكون غير شاذ ولا معلول ، وهذا معلول لأنه يخالف عموم الكتاب والسنة المشهورة ، فيتوقف بها عن العمل بظاهره ، أما عموم الكتاب فقوله تعالى : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وقوله : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ وأما الحديث فقوله - صلى الله عليه وسلم - : الخراج بالضمان رواه الترمذي من حديث ابن عباس وصححه ، ورواه الطحاوي من حديث عائشة ، ويروى الغلة بالضمان والمراد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان أو أمة أو ملكا ، وذلك أن يشتريه فيستعمله زمانا ، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه ، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استعمله ؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه ، ولم يكن له على البائع شيء . ثم إن هؤلاء قد زعموا أن رجلا لو اشترى شاة فحلبها ، ثم أصاب عيبا غير التحفيل والتصرية أنه يردها ويكون اللبن له ، وكذلك لو اشترى جارية مثلا فولدت عنده ، ثم ردها على البائع لعيب وجد بها يكون الولد له ، قالوا : لأن ذلك من الخراج الذي جعله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - للمشتري بالضمان ، فإذا كان الأمر كذلك فالصاع من التمر الذي يوجبه هؤلاء على مشتري المصراة إذا ردها على بايعها بسبب التصرية والتحفيل لا يخلو إما أن يكون عوضا من جميع اللبن الذي احتلبه منها ، كان بعضه في ضرعها وقت وقوع البيع وحدث بعضه في ضرعها بعد البيع ، وإما أن يكون عوضا عن اللبن الذي في ضرعها وقت وقوع البيع خاصة ، فإن أرادوا الوجه الأول فقد ناقضوا أصلهم الذي جعلوا به اللبن والولد للمشتري بعد الرد بالعيب في الصورتين اللتين ذكرناهما ، وذلك لأنهم جعلوا حكمهما كحكم الخراج الذي فعله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - للمشتري بالضمان ، وإن أرادوا به الوجه الثاني فقد جعلوا للبائع صاعا دينا بدين ، وهذا غير جائز لا في قولهم ولا في قول غيرهم ، وأي المعنيين أرادوا فهم فيه تاركون أصلا من أصولهم ، وقد كان هؤلاء أولى بالقول بنسخ الحكم في المصراة لكونهم يجعلون اللبن في حكم الخراج وغيرهم لا يجعلون كذلك ، فظهر من ذلك فساد كلامهم وفساد ما ذهبوا إليه . ( فإن قلت ) : لا نسلم أن يكون اللبن في حكم الخراج ؛ لأن اللبن ليس بغلة ، وإنما كان محفلا فيها فيلزم رده ( قلت ) : هذا ممنوع ؛ لأن الغلة هي الدخل الذي يحصل ، وهي أعم من أن يكون لبنا أو غيره ، وأيضا يلزمهم على هذا أن يردوا عوض اللبن إذا ردت المصراة بعيب آخر غير التصرية ، ولم يقولوا به . ( فإن قلت ) : هذا حكم خاص في نفسه ، وحديث الخراج بالضمان عام ، والخاص يقضي على العام ( قلت ) : هذا زعمك ، وإنما الأصل ترجيح العام على الخاص في العمل به ، ولهذا رجحنا قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الأرض : ما أخرجت ففيه العشر على الخاص الوارد بقوله : ليس في الخضراوات صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وأمثال ذلك كثيرة . ويذكر عن أبي صالح ومجاهد والوليد بن رباح وموسى بن يسار عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاع تمر . التعليق عن أبي صالح ذكوان الزيات رواه مسلم ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، عن سهيل ، عن أبيه أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام ، إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر . انتهى . وأحاديث المصراة على نوعين أحدهما مطلق عن ذكر مدة الخيار ، وبه أخذت المالكية وحكموا فيها بالرد مطلقا والآخر منها مقيد بذكر مدة الخيار كما في رواية مسلم هذه ، وبه أخذت الشافعية ، واستدل به بعضهم على أن المشتري لو لم يطلع على التصرية إلا بعد الثلاث أنه لا يثبت له خيار الرد لظاهر الحديث ، وقال شيخنا : والصحيح عند أصحاب الشافعي ثبوته كسائر العيوب ولكنه على الفور عندهم بلا خلاف لا يمتد بعد الاطلاع عليه . وأما التعليق عن مجاهد فوصله البزار ، حدثنا محمد بن موسى القطان حدثنا عمرو بن أبان حدثنا محمد بن مسلم الطائفي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، وفيه : من ابتاع مصراة فله أن يردها وصاعا من طعام ، ومحمد بن مسلم فيه مقال ، وقال صاحب التلويح : والذي علقه عن مجاهد لم أره إلا ما في مسند البزار ( قلت ) : رواه الطبراني أيضا في الأوسط والدارقطني في سننه . وأما التعليق عن الوليد بن رباح بفتح الراء والباء الموحدة فوصله أحمد بن منيع بلفظ : من اشترى مصراة فليرد معها صاعا من تمر . وأما التعليق عن موسى بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة فوصله مسلم ، حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا داود بن قيس ، عن موسى بن يسار ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها ، فإن رضي حلابها أمسكها وإلا ردها ومعها صاع تمر . وقال بعضهم عن ابن سيرين : صاعا من طعام ، وهو بالخيار ثلاثا . التعليق عن محمد بن سيرين رواه مسلم حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة بن أبي رواد ، حدثنا أبو عامر يعني العقدي حدثنا قرة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، فإن ردها رد معها صاعا لا سمراء ورواه الترمذي أيضا ، ثم قال : معنى من طعام لا سمراء لا بر ، وقال البيهقي : المراد بالطعام هنا التمر لقوله : لا سمراء ( قلت ) : لا يعلم أن المراد من الطعام هاهنا التمر ، ولا قوله : لا سمراء يدل عليه ؛ لأن الذي يفهم منه أن لا يكون قمحا ، وغيره أعم من أن يكون تمرا أو غيره ، وقال بعضهم : وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول : لا سمراء ، تمر ليس ببر ، فهذه الرواية تبين أن المراد بالطعام التمر ، ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله : لا سمراء ، ورد هذا بما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك ، عن ابن سيرين بلفظ : إن ردها ردها ومعها صاع من بر لا سمراء ( قلت ) : الظاهر من قوله : لا سمراء نفي لقمح مخصوص وهي الحنطة الشامية ، وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية وهي كانت أغلى ثمنا من البر الحجازي ، فكأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمر برد الصاع من البر الحجازي ؛ لأن البر الشامي لكونه أغلى ثمنا قصد التخفيف عليهم ، وجاء في الحديث أيضا أن الطعام غير التمر ، وهو ما رواه أحمد بإسناد صحيح ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب ، وفيه : وإن ردها رد معها صاعا من تمر ، فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر . وقال بعضهم عن ابن سيرين : صاعا من تمر ، ولم يذكر ثلاثا ، والتمر أكثر . هذا التعليق رواه مسلم حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين ، إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء . قوله : والتمر أكثر من كلام البخاري أي : أكثر من الطعام ، قاله الكرماني ، وقيل : أكثر عددا من الروايات التي لم ينص عليه أو أبدلته بذكر الطعام ، وقال بعضهم : قد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ، ولا مخالف لهم من الصحابة ، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا أو كثيرا ، ولا بين أن يكون تمر تلك البلد أم لا . انتهى . قلت : أبو حنيفة غير منفرد بترك العمل بحديث المصراة ، بل مذهب الكوفيين وابن أبي ليلى ومالك في رواية مثل مذهب أبي حنيفة ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التصرية ، وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود أنه قال : أشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : بيع المحفلات خلابة ، ولا تحل الخلابة لمسلم . انتهى . قلت : والكل مجمعون على أن التصرية حرام وغش وخداع ، ولأجل كون بيعها صحيحا مع كونها حراما أجاب عنها بما ذكرناه فيما مضى عن قريب ، وأقوى الوجوه في ترك العمل بها مخالفتها للأصول من ثمانية أوجه . أحدها : أنه أوجب الرد من غير عيب ولا شرط ، الثاني : أنه قدر الخيار بثلاثة أيام ، وإنما يتقيد بالثلاث خيار الشرط ، الثالث : أنه أوجب الرد بعد ذهاب جزء من المبيع ، الرابع : أنه أوجب البدل مع قيام المبدل ، الخامس : أنه قدره بالتمر أو بالطعام ، والمتلفات إنما تضمن بأمثالها أو قيمتها بالنقد ، السادس : أن اللبن من ذوات الأمثال فجعل ضمانه في هذا الخبر بالقيمة ، السابع : أنه يؤدي إلى الربا فيما إذا باعها بصاع تمر . الثامن : أنه يؤدي إلى الجمع بين العوض والمعوض . وقال هذا القائل أيضا : لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل ، فقد أخرجه أبو داود من حديث عمر ، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه ، وأبو يعلى من حديث أنس ، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق عمرو بن عوف المزني ، وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم ، وقال ابن عبد البر : هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل . قلت : أما حديث ابن عمر فرواه أبو داود من رواية صدقة بن سعيد الجعفي ، عن جميع بن عمير التيمي قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا قال الخطابي : ليس إسناده بذلك ، وقال البيهقي : تفرد به جميع بن عمير ، وقال البخاري : فيه نظر ، وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال : كان رافضيا يضع الحديث ، وقال ابن نمير : كان من أكذب الناس ، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه ، وقال أبو حاتم : كوفي صالح الحديث من عنق الشيعة ، وأما حديث أنس فأخرجه أبو يعلى ، وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو ضعيف ، وأخرجه البيهقي أيضا من رواية إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : من اشترى شاة محفلة فإن لصاحبها أن يحتلبها ، فإن رضيها فليمسكها وإلا فيردها وصاعا من تمر والمحفوظ أنه مرسل ، وأما حديث رجل من الصحابة فأخرجه أحمد عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتلقى الجلب ، ولا يبيع حاضر لباد ، ومن اشترى شاة مصراة أو ناقة قال شعبة : إنما قال ناقة مرة واحدة فهو منها بأحد النظرين إذا هو حلب إن ردها رد معها صاعا من طعام قال الحكم : أو صاعا من تمر ، ثم إن بعضهم قد تصدى للجواب عما قالت الحنفية في هذا الموضع فما قالوا إن هذا - يعني حديث المصراة - خبر واحد لا يفيد إلا الظن ، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به فلا يلزم العمل به . ثم قال هذا القائل : وتعقب بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول ، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما ، فالسنة أصل والقياس فرع ، فكيف يرد الأصل بالفرع ؟ بل الحديث الصحيح أصل بنفسه ، فكيف يقال : إن الأصل يخالف نفسه ؟ انتهى. ( قلت ) : قوله : وهو مخالف لقياس الأصول لم يقل به الحنفية كذا ، وكيف ينقل عنهم ما لم يقولوا أو قالوا فينقل عنهم بخلاف ما أرادوا منه لعدم التروي وعدم إدراك التحقيق فيه ، فكيف يقال : وهو مخالف لقياس الأصول والحال أن القياس أصل من الأصول ؛ لأن الحنفية عدوا القياس أصلا رابعا على ما في كتبهم المشهورة ، فيكون معنى ما نقلوا من هذا ، وهو مخالف لأصل الأصول ، وهو كلام فاسد ، وقوله : والقياس فرع كلام فاسد أيضا لأنه عد أصلا رابعا فكيف يقول إنه فرع حتى يترتب عليه ؟ قوله : فكيف يرد الأصل بالفرع ، ثم إنه نقل عن ابن السمعاني من قوله : متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر ؛ لأنه إن وافقه فذاك ، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما لأنه رد للخبر ، وهو مردود باتفاق . انتهى . قلت : ثم نقل عن ابن السمعاني من قوله : والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة لكنها ليست لازمة ؛ لأن السنة الثابتة مقدمة عليها ، وعلى تقدير التنزل فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول ؛ لأن الذي ادعوه عليه من المخالفة بينوها بأوجه أحدها : أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل والمتقومات بالقيمة ، وهاهنا إن كان اللبن مثليا فليضمن باللبن ، وإن كان متقوما فليضمن بأحد النقدين ، وقد وقع هنا مضمونا بالتمر فخالف الأصل ، والجواب منع الحصر ، فإن الحر يضمن في ديته بالإبل وليست مثلا له ، ولا قيمة ، وأيضا فضمان المثل بالمثل ليس مطردا ، فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة ، كمن أتلف شاة لبونا كان عليه قيمتها ، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر لتعذر المماثلة . انتهى . قلت : قوله : فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول إلى آخره ، غير مسلم ؛ لأن مخالفته للقاعدة الأصلية ظاهرة وهي أن ضمان المثل بالمثل وضمان المتقوم بالقيمة ، وهذه القاعدة مطردة في بابها ، وضمان المثل بالقيمة عند التعذر خارج عن باب القاعدة المذكورة ، فلا يرد عليها الاعتراض بذلك ؛ لأن باب التعذر مستثنى عنها ، والتعذر تارة يكون بالاستحالة كما في ضمان الحر بالإبل وتارة يكون بالعدم كتعذر المماثلة في ضمان لبن الشاة اللبون ، وأيضا في مسألة الشاة اللبون اللبن جزء من أجزائها ، فيدخل في ضمان الكل ودفع الصاع من التمر أو غيره مع اللبن في المصراة إنما كان في وقت العقوبة في الأموال بالمعاصي ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أن بيع المحفلات خلابة والخلابة حرام ، فكان من فعل هذا وباع صار مخالفا لما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وداخلا فيما نهى عنه ، فكانت عقوبته في ذلك أن يجعل اللبن المحلوب في الأيام الثلاثة للمشتري بصاع من تمر ، ولعله يساوي آصعا كثيرة ، ثم نسخت العقوبات في الأموال بالمعاصي ، وردت الأشياء إلى ما ذكرناه من القاعدة الأصلية . ثم ذكر ابن السمعاني عن الحنفية أنهم قالوا : إن القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف ، وذلك مختلف ، وقد قدر هاهنا بمقدار واحد وهو الصاع ، فخرج عن القياس ، والجواب منع التعميم في المضمونات كالموضحة فأرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر ، والغرة مقدرة في الجنين مع اختلافه . انتهى . قلت : لا نسلم منع التعميم في بابه كما ذكرنا ، وما مثل به على وجه الإيراد على القاعدة غير وارد لأنا قلنا : إن الذي يفعل من ذلك عند التعذر خارج من باب القاعدة غير داخل فيها حتى يمنع اطراد القاعدة ، ثم ذكر عنهم أيضا أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة ، وذلك مانع من الرد ، فقد حدث على ملك المشتري فلا يضمنه ، وإن كان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد وما كان حادثا لم يجب ضمانه ، والجواب أن يقال : إنما يمتنع الرد بالنقص إذا لم يكن لاستعلام العيب وإلا فلا يمتنع وهنا كذلك . انتهى . قلت : الذي قالوه كلام واضح صحيح ، والجواب الذي أجابه ليس بشيء ، فهل يرضى أحد أن يرد هذا الكلام بمثل هذا الجواب ؟ وليس العجب منه ، وإنما العجب من الذي ينقله في تأليفه ويرضى به . ثم ذكر عنهم فيما قالوا بأنه خالف الأصول في جعل الخيار فيه ثلاثا ، مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث ، وكذا خيار المجلس عند من يقول به وخيار الرؤية عند من يثبته ، ثم أجاب بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثله ، فلا تستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره . انتهى . قلت : لانفراده بأصله عن مماثله قلنا : إنه منسوخ كما ذكرنا فيما مضى . ثم ذكر عنهم أنهم قالوا : يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض ، ثم أجاب بأن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة ، قلت : ليس دفع التمر إلا جزاء لما ارتكب من العصيان حين كانت العقوبة بالأموال في المعاصي . ثم ذكر عنهم بأنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع ، فإذا استرد معها صاعا فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع ، الجواب : أن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسوخ ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض ، فلو تقابلا في هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض . انتهى . قلت : ذكره هذه المسألة تأكيدا لما قاله من الجواب لا يفيده ؛ لأن بالإقالة صار العقد كأنه لم يكن وعاد كل شيء إلى أصله ، فلا يحتاج إلى أن يقال جاز التفرق قبل القبض . ثم ذكر عنهم بأنهم قالوا : يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودا ، والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها كالمغصوب ، والجواب أن اللبن وإن كان موجودا لكنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد ، وتعذر تمييزه فأشبه الآبق بعد الغصب فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد . انتهى . قلت : لما تعذر رد اللبن لاختلاطه باللبن الحادث صار حكمه حكم العدم ، فيضمن بالبدل كالعين المغصوبة إذا هلكت عند الغاصب ، وتشبيهه بالعبد الآبق غير صحيح ؛ لأنه إذا تعذر رده صار في حكم الهالك فيتعين القيمة . ثم نقل عنهم بأنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب ولا شرط ، ثم أجاب بأنه لما رأى ضرعا مملوءا لبنا ظن أنه عادة لها ، فكان البائع شرط له ذلك فتبين له الأمر بخلافه ، فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي . انتهى . قلت : البيع بمثل هذا الشرط فاسد إن كان لفظيا فبالمعنوي بالأولى ، ولا يصح من الشروط إلا شرط الخيار بالنص الوارد فيه ، وأما العيب فإذا ظهر فإنه يرده ، ولا يحتاج فيه إلى الشرط .
99 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا معتمر قال : سمعت أبي يقول : حدثنا أبو عثمان ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا ، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تلقى البيوع . مطابقته للترجمة من حيث إنه داخل في الحديث السابق المطابق للترجمة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة . الأول : مسدد . الثاني : معتمر بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان . الثالث : أبوه سليمان بن طرخان . الرابع : أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون ، أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدى إليه الصدقات وغزا غزوات في عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - مات في سنة خمس وتسعين وعمره مائة وثلاثون سنة . الخامس : عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون غير ابن مسعود ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري مفرقا ، عن مسدد ويزيد بن زريع ، وأخرجه مسلم فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن هناد بن السري ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن يحيى بن حكيم ، ثم إن هذا الحديث رواه الأكثرون عن معتمر بن سليمان موقوفا ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ ، عن معتمر بن سليمان مرفوعا ، وذكر أن رفعه غلط ، ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا موقوفا ، حديث المحفلة من كلام ابن مسعود وحديث النهي عن التلقي مرفوع ، وخالفهم أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمي فرواه بهذا الإسناد مرفوعا ، أخرجه الإسماعيلي ، وأشار إلى وهمه أيضا . ( ذكر معناه ) قوله : فردها فليرد معها صاعا قال الكرماني : هو من قبيل : علفتها تبنا وماء باردا . بأن يقال : إن ثمة إضمارا ، أي : وسقيتها ماء ، أو يجعل علفتها مجازا عن فعل شامل للتعليف والسقي ، نحو أعطيتها ، وقيل : فردها أي : أراد ردها فليرد معها ، وقال بعضهم : يجوز أن تكون مع بمعنى بعد ، فيكون المعنى : فليرد بعدها صاعا ، واستشهد لقوله هذا بقوله تعالى : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ( قلت ) : لم يذكر النحاة لمع إلا ثلاث معان أحدها : موضع الاجتماع ، ولهذا يخبر بها عن الذوات نحو : وَاللَّهُ مَعَكُمْ الثاني : زمانه نحو : جئتك مع العصر ، والثالث : مرادفة عند ، وما رأيت في كتب القوم ما يدل على ما ذكره . قوله : تلقى أي : يستقبل والتلقي الاستقبال ، وهو بضم التاء وفتح اللام وتشديد القاف ، ويروى بالتخفيف . قوله : البيوع أي : أصحاب البيوع ، أو المراد من البيوع المبيعات .
100 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تلقوا الركبان ، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع حاضر لباد ، ولا تصروا الغنم ، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها ، إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر . مطابقته للترجمة أوضح ما يكون . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، الكل عن مالك . قوله : لا تلقوا الركبان بفتح القاف ، وأصله : لا تتلقوا بتاءين فحذفت إحداهما ، أي : لا تستقبلوا الذين يحملون المتاع إلى البلد للاشتراء منهم قبل قدوم البلد ومعرفة السعر ، وقال ابن عبد البر : وأما قوله : لا تلقوا الركبان فقد روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة ، فرواه الأعرج عن أبي هريرة لا تلقوا الركبان وفي رواية ابن سيرين لا تلقوا الجلب وفي رواية أبي صالح وغيره نهى أن يتلقى السلع حتى يدخل الأسواق ، وروى ابن عباس : لا تستقبلوا السوق ولا يتلقى بعضكم لبعض ، والمعنى واحد ، فحمله مالك على أنه لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب السلع الهابطة إلى الأسواق ، سواء هبطت من أطراف المصر أو من البوادي حتى يبلغ بالسلعة سوقها ، وقيل لمالك : أرأيت إن كان تلك على رأس ستة أميال فقال : لا بأس بذلك ، والحيوان وغيره في ذلك سواء ، وعن ابن القاسم : إذا تلقاها متلق واشتراها قبل أن يهبط بها إلى السوق ، وقال ابن القاسم : يفرض ، فإن نقصت عن ذلك الثمن لزمت المشتري ، قال سحنون : وقال لي غير ابن القاسم : يفسخ البيع ، وقال الليث : أكره تلقي السلع وشراءها في الطريق أو على بابك حتى تقف السلعة في سوقها ، وسبب ذلك الرفق بأهل الأسواق لئلا ينقطعوا بهم عما له جلسوا يبتغون من فضل الله تعالى ، فنهوا عن ذلك ؛ لأن في ذلك إفسادا عليهم ، وقال الشافعي : رفقا بصاحب السلعة لئلا يبخس في ثمن سلعته ، وعند أبي حنيفة : من أجل الضرر ، فإن لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة وحاجتهم إلى تلك السلعة فلا بأس بذلك ، وقال ابن حزم : لا يحل لأحد أن يتلقى الجلب سواء خرج لذلك أو كان سائرا على طريق الجلاب ، وسواء بعد موضع تلقيه أو قرب ، ولو أنه عن السوق على ذراع فصاعدا لا لأصحابه ولا لغير ذلك أضر ذلك بالناس أو لم يضر ، فمن تلقى جلبا أي شيء كان فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع أو رده . قوله : ولا يبيع بعضكم على بيع بعض إلى آخره ، قد مر الكلام فيه فيما مضى مستوفى والله تعالى أعلم .
( باب بيع النخل بأصله ) أي هذا باب في بيان حكم بيع ثمر النخل بأصله ، أي : بأصل النخل . 148 - ( حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما امرئ أبر نخلا ، ثم باع أصلها ، فللذي أبر ثمر النخل ، إلا أن يشترطه المبتاع ). مطابقته للترجمة في قوله : « ثم باع أصلها » ، والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن قتيبة عن الليث إلى آخره نحوه ، وتفسير التأبير قد مضى . قوله : « ثم باع أصلها » ، أي : أصل النخل ، والنخل قد يستعمل مؤنثا ، نحو قوله تعالى : ( والنخل باسقات ) ، والإضافة بيانية نحو : شجر الأراك ؛ لأن المراد من الأصل هو النخلة لا أرضها ، قوله : « إلا أن يشترطه المبتاع » ، أي : المشتري ، ولفظ المبتاع وإن كان عاما فالاستثناء يخصصه للمشتري ، وأيضا لفظ الافتعال يدل عليه ، يقال : كسب لعياله واكتسب لنفسه ، ولا يقال : اكتسب لعياله ، فافهم . وقال ابن بطال : ذهب الجمهور إلى منع من اشترى النخل وحده أن يشتري ثمره قبل أن يبدو صلاحه في صفقة أخرى ، بخلاف ما لو اشتراها تبعا للنخل فيجوز ، وروى ابن القاسم عن مالك الجواز مطلقا ، قال : والأول أولى لعموم النهي عن ذلك ، والله أعلم .
باب البيع والشراء مع النساء أي هذا باب في بيان حكم البيع والشراء بالنساء 104 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال عروة بن الزبير : قالت عائشة - رضي الله عنها - : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشتري وأعتقي ، فإن الولاء لمن أعتق ، ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : ما بال أناس يشترطون شروطا ليس في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن اشترط مائة شرط ، شرط الله أحق وأوثق مطابقته للترجمة في قوله : اشترى يخاطب به عائشة ، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها عائشة من أهلها ، وصدق البيع والشراء هنا من النساء مع الرجال ، وقال بعضهم : شاهد الترجمة منه قوله : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله لإشعاره بأن قصة المبايعة كانت مع رجال وكان الكلام في ذلك مع عائشة زوج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ( قلت ) : فيما ذكره بعد والأقرب الأوجه ما ذكرناه ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي . وهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع عديدة بيناها في كتاب الصلاة في باب ذكر البيع والشراء في المسجد ، واستقصينا الكلام فيه من سائر الوجوه . وقد أكثر الناس في حديث عائشة في قصة بريرة من الإمعان في بيانه على اختلاف ألفاظه واختلاف رواته ، وقد ألف محمد بن جرير فيه كتابا ، وللناس فيه أبواب أكثرها تكلف وتأويلات ممكنة لا يقطع بصحتها . قوله : فذكرت له أي : للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذي ذكرت له عائشة مطوي هنا يوضحه رواية عمرة عن عائشة قالت : أتتها بريرة تسألها في كتابتها فقالت : إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي ، وقال أهلها : إن شئت أعطيتها ما بقي ، وقال سفيان مرة : إن شئت أعتقيها ويكون الولاء لنا ، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرته ذلك فقال : ابتاعيها وأعتقيها ، فإن الولاء لمن أعتق الحديث ، فهذا كله مطوي هاهنا من أول الكلام إلى قوله : فذكرت له ، فإن أردت التحقيق فارجع إلى الباب المذكور في كتاب الصلاة . قوله : وأوثق أي : أحكم وأقوى .
105 - حدثنا حسان بن أبي عباد ، قال : حدثنا همام ، قال : سمعت نافعا يحدث عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن عائشة رضي الله عنها ساومت بريرة ، فخرج إلى الصلاة فلما جاء قالت : إنهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما الولاء لمن أعتق ، قلت لنافع : حرا كان زوجها أو عبدا ؟ قال : ما يدريني . مطابقته للترجمة في قوله : ساومت فإنها ما ساومت إلا أهل بريرة ، وهو البيع والشراء بين الرجال والنساء . وحسان على وزن فعال بالتشديد ابن أبي عباد بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة واسمه أيضا حسان ، مر في العمرة ، وهو من أفراد البخاري ، قال أبو حاتم : منكر الحديث ، وهو بصري سكن مكة ، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهمام بن يحيى ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الفرائض ، عن حفص بن عمر . قوله : ساومت بريرة بفتح الباء الموحدة وبراءين أولاهما مكسورة بنت صفوان ، كانت لقوم من الأنصار وكانت قبطية ، ذكرها الذهبي في الصحابيات ، واختلف في اسم زوجها ، والأصح أن اسمه مغيث بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وآخره ثاء مثلثة ، وقيل : مقسم ، وقيل : معتب ، اسم فاعل من التعتيب . قوله : فخرج أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، وقبله كلام مقدر بعد . قوله : ساومت بريرة ، والتقدير طلبت عائشة من أهل بريرة أن يبيعوها لها فقالوا : نبيعها لك على أن ولاءها لنا ، وأرادت أن تخبر بذلك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فخرج إلى الصلاة ، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة قالت : إنهم إلى آخره . قوله : ما يدريني كلمة ما استفهامية أي : أي شيء يدريني أي : يعلمني ، وفيه خلاف ذكرناه في باب البيع والشراء على المنبر .
( باب بيع الزرع بالطعام كيلا ) أي هذا باب في بيان حكم بيع الزرع بالطعام كيلا ، أي : من حيث الكيل ، نصب على التمييز . 147 - ( حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة ، أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا ، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا ، أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ، ونهى عن ذلك كله ) . مطابقته للترجمة في قوله : وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ، والحديث أخرجه مسلم والنسائي ، كلاهما في البيوع نحو رواية البخاري ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات نحوه . قوله : « عن المزابنة » قد مضى تفسيرها غير مرة ، قوله : « أن يبيع » بدل عن المزابنة ، قوله : « ثمر حائطه » بالثاء المثلثة وفتح الميم ، وأراد به الرطب ، والحائط هو البستان من النخل إذا كان عليه حائط وهو الجدار ، وجمعه حوائط ، قوله : « إن كان نخلا » ، أي : إن كان الحائط نخلا ، وهذه الشروط تفصيل له ، ويقدر جزاء الشرط الثاني نهى أن يبيعه لقرينة السياق ، وكذا يقدر جزاء الشرط الأول ، وأما بيع الزرع بالطعام فيسمى بالمحاقلة ، وأطلق عليها المزابنة تغليبا أو تشبيها ، وقد مضى تفسير المحاقلة أيضا ، قوله : « ونهى عن ذلك » ، أي : عن المذكور كله . وقال ابن بطال : أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام ، لأنه بيع مجهول بمعلوم ، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة ، فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلا ولا متماثلا ، خلافا لأبي حنيفة . قلت : هذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام : الأول بيع الثمر بالثاء المثلثة على رؤوس النخل بالتمر ، وهو المزابنة ، وهو غير جائز ، والثاني : بيع العنب على رؤوس الكرم بالزبيب كيلا ، وهو أيضا المزابنة ، وهو أيضا غير جائز ، والثالث : بيع الزرع على الأرض بكيل من طعام وهو الحنطة وهذا محاقلة ، وهو أيضا غير جائز . وقال الترمذي : المحاقلة بيع الزرع بالحنطة ، والمزابنة بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر ، والعمل على هذا عند أهل العلم ، كرهوا بيع المحاقلة والمزابنة ، وقال بعضهم : واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر ، بل يختلف اختلافا متباينا ، ثم قال : وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد ، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت، لكنه نقصان يسير فعفي عنه لقلته ، بخلاف الرطب بالتمر ، فإن تفاوته تفاوت كثير ، انتهى . قلت
باب إن شاء رد المصراة ، وفي حلبتها صاع من تمر أي هذا باب يذكر فيه إن شاء المشتري ترك بيعه رد المصراة ، والحال أن الواجب في حلبتها صاع من تمر الحلبة بسكون اللام اسم الفعل ، ويجوز الفتح على أنه بمعنى المحلوب ، وأشار بهذا إلى أن الواجب رد صاع من تمر سواء كان اللبن قليلا أو كثيرا . قوله : رد فعل ماض والمصراة مفعوله والجملة جواب الشرط . 101 - حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا المكي قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني زياد أن ثابتا مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر مطابقتها للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة . الأول : محمد بن عمرو بفتح العين ، كذا وقع في رواية الأكثرين بغير ذكر جده ، ووقع في رواية عبد الرحمن الهمداني ، عن المستملي محمد بن عمرو بن جبلة ، وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته ، عن الفربري ، وفي رواية أبي علي بن شبويه ، عن الفربري ، حدثنا محمد بن عمرو يعني ابن جبلة ، وأهمل الباقون ذكر جده ، وجزم الدارقطني بأنه محمد بن عمرو أبو غسان المعروف بزنيج بضم الزاي وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره جيم ، وجزم الحاكم والكلاباذي بأنه محمد بن عمرو السواق بفتح السين المهملة وبالقاف ، البلخي ، وكذا قاله الكرماني ، وقال : مات سنة ست وثلاثين ومائتين الثاني : المكي على صورة النسبة إلى مكة ، وهو اسمه المكي بن إبراهيم ، وقد مر في باب إثم من كذب في كتاب العلم . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الرابع : زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن سعد بن عبد الرحمن . الخامس : ثابت بالثاء المثلثة ابن عياض بن الأحنف . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن المكي هو شيخه ولكنه روى عنه هاهنا بواسطة ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو البلخي على رواية الحاكم والرازي على رواية الدارقطني ، وأن شيخ شيخه وزيادا بلخيان ، ولكن زيادا سكن خراسان ، ثم مكة ، وكان شريك ابن جريج ، وأن ثابتا مدني . والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن عبد الله بن مخلد التميمي ، عن المكي . قوله : غنما هو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث ، وقال الكرماني : وهذا الصاع إنما يجب في الغنم وما في حكمها من مأكول اللحم ، بخلاف النهي عن التصرية وثبوت الخيار فإنهما عامان لجميع الحيوانات ، وقال النووي في شرح مسلم بردها بدون الصاع ؛ لأن الأصل أنه إذا أتلف شيئا لغيره رد مثله إن كان مثليا وإلا فقيمته ، وأما جنس آخر من العروض فخلاف الأصول . ( قلت ) : هذا بعينه مذهب الحنفية . قوله : ففي حلبتها صاع من تمر ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله : من اشترى غنما ؛ لأنا قد ذكرنا أنه اسم جنس ، ثم قال : وفي حلبتها صاع من تمر ، ونقل ابن عبد البر عمن استعمل الحديث ، وابن بطال عن أكثر العلماء ، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية : يرد عن كل واحدة صاعا ، وقال المازري : من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة ( قلت ) : استغنت الحنفية عن مثل هذه التعسفات ، ومذهبهم كما مر أن المصراة لا ترد ، ولكنه يرجع بنقصان العيب ، على أن فيه روايتين عن أبي حنيفة .
146 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشروط عن عبد الله بن يوسف أيضا ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، وأخرجه النسائي في الشروط عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن هشام بن عمار ، خمستهم عن مالك به ، وقد مضى الكلام فيه في أثر نافع قبله .
( باب من باع نخلا قد أبرت أو أرضا مزروعة أو بإجارة ) أي هذا باب في بيان حكم من باع نخلا ، والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل ، قوله : « قد أبرت » جملة وقعت صفة لقوله « نخلا » ، وهو على صيغة المجهول بتشديد الباء الموحدة من التأبير ، وهو التشقيق والتلقيح ، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر ، قال القرطبي : يقال أبرت النخلة آبرها بكسر الباء وضمها فهي مأبورة ، وإبار كل ثمر بحسبه وبما جرت عادتهم فيه بما يثبت ثمره ويعقده ، وقد يعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة وعن انعقادها ، وأن يفعل فيها شيء ، وقال النووي : أبرته آبره أبرا ، وإبرا بالتخفيف كأكلته أكلا ، وأبرته بالتشديد أؤبره تأبيرا ، كعلمته أعلمه تعليما ، والإبار شق طلع النخلة سواء خط فيه شيء أم لا ، ولو تأبرت بنفسها أي تشققت ، فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي ، قوله : « أو أرضا » أو باع أرضا مزروعة ، قوله : « أو بإجارة » عطف على باع بتقدير فعل مقدر تقديره : أو أخذ بإجارة ، وجواب من محذوف تقديره : فثمرتها للذي أبرها ، ولم يذكره اكتفاء بما في الحديث . ( قال أبو عبد الله : وقال لي إبراهيم : أخبرنا هشام قال : أخبرنا ابن جريج قال : سمعت ابن أبي مليكة يخبر عن نافع مولى ابن عمر : أن أيما نخل بيعت قد أبرت لم يذكر الثمر ، فالثمر للذي أبرها ، وكذلك العبد والحرث ، سمى له نافع هؤلاء الثلاث ) . مطابقته للترجمة في قوله : "نخل بيعت قد أبرت" ، فإن قلت : للترجمة ثلاثة أجزاء : الأول بيع النخل المؤبرة ، والثاني بيع الأرض المزروعة ، والثالث الإجارة ، فأين مطابقة الحديث لهذه الأجزاء ؟ قلت : قوله : "نخل بيعت قد أبرت" مطابق للجزء الأول ، وقوله : "والحرث هو الزرع" مطابق للجزء الثاني ، فالزرع للبائع إذا باع الأرض المزروعة ، ويفهم منه أنه إذا آجر أرضه وفيها زرع فالزرع له وإن كانت الإجارة فاسدة عندنا في ظاهر الرواية ، وقال خواهر زاده : إن كان الزرع قد أدرك جازت الإجارة ويؤمر الآجر بالحصاد والتسليم ، فعلى كل حال فالزرع للمؤجر ، وهذا مطابق للجزء الثالث ، ولم أر أحدا من الشراح قد تنبه لهذا مع دعوى بعضهم الدعاوى العريضة في هذا الفن . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول إبراهيم بن يوسف بن يزيد بن زادان الفراء ، هكذا نسبه في التلويح ، وقال بعضهم : إبراهيم بن موسى الرازي ، وقال المزي : إبراهيم بن المنذر . إذا قالت حذام فصدقوها الثاني : هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن ، وقال المزي : هشام هذا هو ابن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الرابع : عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بضم الميم ، واسمه زهير بن عبد الله . الخامس : نافع مولى ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه السماع ، وفيه أن إبراهيم رازي ، وأن هشاما صنعاني قاضيها ، وكان من الأبناء ، وأن ابن جريج وابن أبي مليكة مكيان ، وأن نافعا مدني ، وهذا الأثر من أفراده . ( ذكر حكمه ) أما حكمه ، أولا : فإنه ذكر هذا عن إبراهيم المذكور على سبيل المحاورة والمذاكرة ، حيث قال : قال لي إبراهيم ، ولم يقل حدثني ، وقد تقدم غير مرة أن قول البخاري عن شيوخه بهذه الصيغة يدل على أنه أخذه منهم في حالة المذاكرة . وأما ثانيا : فإنه موقوف على نافع ؛ لأن ابن جريج رواه عن نافع هكذا موقوفا ، وقال أبو العباس الطرقي : الصحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه في هذا الحديث من التأبير خاصة ، قال : وحديث العبد يعني "من ابتاع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع" يذكره عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : وقد رواه عن نافع عبد ربه بن سعيد وبكير بن الأشج ، فجمعا بين الحديثين مثل رواية سالم وعكرمة بن خالد ، فإنهما رويا الحديثين جميعا عن ابن عمر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال أبو عمر : اتفق نافع وسالم عن ابن عمر مرفوعا في قصة النخل ، واختلفا في قصة العبد : رفعها سالم ، ووقفها نافع على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وقال البيهقي : ونافع يروي حديث النخل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وحديث العبد عن ابن عمر موقوفا . قيل : وحديث الحرث لم يروه غير ابن جريج ، ووصل مالك والليث وغيرهما عن نافع عن ابن عمر قصة النخل دون غيرها ، واختلف على نافع وسالم في رفع ما عدا النخل ، فرواه الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا في قصة النخل والعبد معا ، وروى مالك والليث وأيوب وعبيد الله بن عمر وغيرهم عن نافع عن ابن عمر قصة النخل ، وعن ابن عمر عن عمر قصة العبد موقوفة ، كذلك أخرجه أبو داود من طريق مالك بالإسنادين معا . ( ذكر معناه ) قوله : « أيما نخل » كلمة أي تجيء لمعان خمسة : أحدها للشرط ، نحو : ( أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى ) ، وهنا كذلك تقديره : أي نخل من النخيل بيعت ، فلذلك دخلت الفاء في جوابها ، وهو قوله : « فالثمر للذي أبرها » ، وذكر النخل ليس بقيد ، وإنما ذكر لأجل أن سبب ورود الحديث كان في النخل وهو الظاهر ، وإما لأن الغالب في أشجارهم كان النخل ، وفي معناه كل ثمر بارز يرى في الشجر كالعنب والتفاح ، إذا بيع أصول الشجر لم تدخل هذه الثمار في بيعها ، إلا أن يشترط . قوله : « بيعت » بكسر الباء على صيغة المجهول ، قوله : « قد أبرت » على صيغة المجهول أيضا وقعت حالا ، والجملة التي قبلها صفة ، وكذلك قوله : « لم يذكر الثمر » جملة حالية قيد بها لأنه إذا ذكر الثمر لأحد من المتعاقدين فهو له بمقتضى الشرط . قوله : « وكذلك العبد » يحتمل وجهين : أحدهما : إذا بيعت الأم الحامل ولها ولد رقيق منفصل فهو للبائع ، وإن كان جنينا لم يظهر فهو للمشتري ، والثاني : إذا بيع العبد وله مال على مذهب من يقول إنه يملك ، فإنه للبائع . وروى مسلم قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من ابتاع نخلا قبل أن تؤبر ، فثمرتها للذي باعها ، إلا أن يشترط المبتاع ، ومن ابتاع عبدا له فماله للذي باعه ، إلا أن يشترطه المبتاع . قوله : « والحرث » ، أي : الزرع ، فإنه للبائع إذا باع الأرض المزروعة . قوله : « سمى له نافع » ، أي : سمى لابن جريج هؤلاء الثلاثة ، أي : التمر والعبد والحرث ، وهو بتمامه موقوف على نافع . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول : أخذ بظاهر هذا وبظاهر حديث ابن عمر المرفوع الذي هو عقيب هذا كما يأتي إن شاء الله تعالى - مالك ، والشافعي ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، فقالوا : من باع نخلا قد أبرت ولم يشترط ثمرته المبتاع ، فالثمرة للبائع وهي في النخل متروكة إلى الجذاذ ، وعلى البائع السقي وعلى المشتري تخليته وما يكفيه من الماء ، وكذلك إذا باع الثمرة دون الأصل ، فعلى البائع السقي ، وقال أبو حنيفة : سواء أبرت أو لم تؤبر هي للبائع وللمشتري أن يطالبه بقلعها عن النخل في الحال ، ولا يلزمه أن يصبر إلى الجذاذ ، فإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجذاذ فالبيع فاسد ، وقال أبو حنيفة : تعليق الحكم بالإبار إما للتنبيه له على ما لم يؤبر أو لغير ذلك ، أو لم يقصد به نفي الحكم عما سوى الحكم المذكور . وتلخيص مأخذ اختلافهم في الحديث أن أبا حنيفة استعمل الحديث لفظا ومعقولا ، واستعمله مالك والشافعي لفظا ودليلا ، ولكن الشافعي يستعمل دلالته من غير تخصيص ، ويستعملها مالك مخصصة ، وبيان ذلك أن أبا حنيفة جعل الثمرة للبائع في الحالين ، وكأنه رأى أن ذكر الإبار تنبيه على ما قبل الإبار ، وهذا المعنى يسمى في الأصول معقول الخطاب ، واستعمله مالك والشافعي على أن المسكوت عنه حكمه حكم المنطوق ، وهذا يسميه أهل الأصول دليل الخطاب ، وقول الثوري وأهل الظاهر وفقهاء أصحاب الحديث كقول الشافعي ، وقول الأوزاعي نحو قول أبي حنيفة ، وقال ابن أبي ليلى : سواء أبرت أو لم تؤبر الثمرة للمشتري ، اشترط أو لم يشترط ، قال أبو عمر : إنه خالف الحديث ، ورده جهلا به . الثاني : أن المالكية استدلت به على كون الثمرة مع الإطلاق للبائع بعد الإبار ، إلا أن يشترط ، وأنها قبل الإبار للمشتري . ( قلت ) كأن مالكا يرى أن ذكر الإبار هاهنا لتعليق الحكم ليدل على أن ما عداه بخلافه . الثالث : قال مالك : إذا لم يشترط المشتري الثمرة في شراء الأصل جاز له شراؤها بعد شراء الأصل ، وهذا مشهور قوله ، وعنه أنه لا يجوز له إفرادها بالشراء ما لم تطب ، وهو قول الشافعي . الرابع : استدل به أشهب من المالكية على جواز اشتراط بعض الثمر ، وقال : يجوز لمن ابتاع نخلا قد أبرت أن يشترط من الثمر نصفها أو جزءا منها ، وكذلك في مال العبد ؛ لأن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه ، وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه ، وقال ابن القاسم : لا يجوز لمبتاع النخل المؤبر أن يشترط منها جزءا ، وإنما له أن يشترط جميعها ، أو لا يشترط شيئا منها . الخامس : استدلت به أصحابنا على أن من باع رقيقا وله مال ، أن ماله لا يدخل في البيع ويكون للبائع ، إلا أن يشترطه المبتاع . السادس : استدل به على أن المؤبر يخالف في الحكم غير المؤبر ، وقالت الشافعية : لو باع نخلة بعضها مؤبر وبعضها غير مؤبر فالجميع للبائع ، فإن باع نخلتين فكذلك ، بشرط اتحاد الصفة ، فإن أفرد فلكل حكمه ، ويشترط كونهما في بستان واحد ، فإن تعدد فلكل حكمه ، ونص أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي لا يؤبر للمشتري ، وجعلت المالكية الحكم للأغلب . السابع : اختلف الشافعية فيما لو باع نخلة وبقيت ثمرتها ، ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة ، فقال ابن أبي هريرة : هو للمشتري ، لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما لم يوجد ، وقال الجمهور : وهو للبائع لكونه من ثمرة المؤبر دون غيرها . الثامن : روى ابن القاسم عن مالك أن من اشترى أرضا مزروعة ولم يسنبل فالزرع للبائع ، إلا أن يشترطه المشتري ، وإن وقع البيع والبذر ولم ينته فهو للمبتاع بغير شرط ، وروى ابن عبد الحكم عن مالك : إن كان الزرع لقح أكثره ، ولقاحه أن يتحبب ويسنبل حتى لو يبس حينئذ لم يكن فسادا فهو للبائع ، إلا أن يشترطه المشتري ، وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع . التاسع : إن وقع العقد على النخل أو على العبد خاصة ، ثم زاده شيئا يلحق الثمرة والمال ، وقال ابن القاسم : إن كان بحضرة البائع وتقديره جاز وإلا فلا ، وقال أشهب : يجوز في الثمرة ، ولا يجوز في مال العبد . العاشر : استدل به الطحاوي على جواز بيع الثمرة على رؤوس النخل قبل بدو صلاحها ، وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل فيه ثمر النخل للبائع عند عدم اشتراط المشتري ، فإذا اشترط المشتري ذلك يكون له ، ويكون المشتري مشتريا لها أيضا ، واعترض البيهقي عليه ، فقال : إنه يستدل بالشيء في غير ما ورد فيه ، حتى إذا جاء ما ورد فيه استدل بغيره عليه ، كذلك فيستدل لجواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير ، ولا يعمل بحديث التأبير ، انتهى . ( قلت ) : ذهل البيهقي عن الدلالات الأربعة للنص ، وهي عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضاؤه ، وبهذه يكون الاستدلال بالنصوص ، والطحاوي ما ترك العمل بالحديث ، غاية ما في الباب أنه استدل على ما ذهب إليه بإشارة النص ، والخصم استدل بعبارته ، وهما سواء في إيجاب الحكم ، ولم يوافق الخصم في العمل بعبارته ؛ لأن عبارته تعليق الحكم بالإبار للتنبيه على ما لم يؤبر أو لغير ذلك فافهم ، فإن فيه دقة عظيمة لا يفهمها إلا من له يد في وجوه الاستدلالات بالنصوص .
باب بيع العبد الزاني أي هذا باب في جواز بيع العبد الزاني مع بيان عيبه . وقال شريح : إن شاء رد من الزنا . شريح هو ابن الحارث الكندي القاضي ، وقد مر غير مرة ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح من طريق ابن سيرين أن رجلا اشترى من رجل جارية كانت فجرت ، ولم يعلم بذلك المشتري ، فخاصمه إلى شريح فقال : إن شاء رد من الزنا ( قلت ) : وعند الحنفية الزنا عيب في الأمة دون الغلام لأنه يخل بالمقصود منها ، وهو الاستفراش وطلب الولد ، والمقصود من الغلام الاستخدام ، وكذلك إذا كانت بنت الزنا فهو عيب ، وعند محمد في الأمالي : لو اشترى جارية بالغة وكانت قد زنت عند البائع فللمشتري أن يردها وإن لم تزن عنده ؛ للحوق العار بالأولاد ، ولكن المذهب أن العيوب كلها لا بد لها من المعاودة عند المشتري حتى يرد إلا الزنا في الجارية كما ذكره محمد . 102 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمعه يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم إن زنت فليجلدها ، ولا يثرب ، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر . مطابقته للترجمة في قوله : فليبعها فإنه يدل على جواز بيع الزاني ، وفيه الإشعار بأن الزنا عيب . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، واسم أبي سعيد كيسان المديني مولى بني ليث ، وكان سعيد يسكن المقبرة فنسب إليها . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في البيوع ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، وفي المحاربين ، عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الحدود ، وأخرجه النسائي ، عن عيسى بن حماد ، وقال الدارقطني : رواه ابن جريج وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن إسحاق وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وابن أبي ذئب وعبيد الله بن عمر فقالوا : عن سعيد ، عن أبي هريرة ، لم يذكروا أبا سعيد ، وفي مسلم كذلك . ( ذكر معناه ) قوله : فتبين زناها أي : بالبينة أو بالحبل أو بالإقرار . قوله : فليجلدها وفي رواية أيوب بن موسى : فليجلدها الحد ، قال أبو عمر : لا نعلم أحدا ذكر فيه الحد غيره . قوله : ولا يثرب من التثريب بالثاء المثلثة بعد التاء المثناة من فوق ، وهو التعيير والاستقصاء في اللوم ، أي : لا يزيد في الحد ، ولا يؤذيها بالكلام ، وقال الخطابي : معناه أن لا يقتصر على التثريب ، بل يقام عليها الحد . قوله : ولو بحبل أي : ولو كان البيع بحبل من شعر ، وهذا مبالغة في التحريض ببيعها ، وذكر الحبل بمعنى التقليل والتزهيد عن الزانية . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز بيع الزاني ، وقال أهل الظاهر : البيع واجب ، وفيه أن الزنا عيب في الجارية ، وقد ذكرنا أنه ليس بعيب في الغلام إلا إذا كان معتادا به ، وفيه أن الزانية تجلد ، وممن كان يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن عمر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي أبو ميسرة . واختلف العلماء في العبد إذا زنى هل الزنا عيب فيه يجب رده به أم لا ؟ فقال مالك : هو عيب في العبد والأمة ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقول الشافعي : كل ما ينقص من الثمن فهو عيب ، وقالت الحنفية : هو عيب في الجارية دون الغلام كما ذكرناه ، ثم هل يجلدها السيد أم لا ؟ فقال مالك والشافعي وأحمد : نعم وقال أبو حنيفة : لا يقيم الجلد أو الحد إلا الإمام بخلاف التعزير ، واحتج بحديث : أربع إلى الوالي ، فذكر منها الحدود . وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أم لا ؟ فيه روايتان عند المالكية ، ولم يذكر في الحديث عدد الجلد ، وروى النسائي أن رجلا أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : إن جاريتي زنت وتبين زناها قال : اجلدها خمسين ، ثم أتاه فقال : عادت وتبين زناها ، قال : اجلدها خمسين ، ثم أتاه فقال : عادت ، قال : بعها ولو بحبل من شعر ، والأمة لا ترجم سواء كانت متزوجة أم لا . والزاني إذا حد ، ثم زنى ثانيا لزمه حد آخر ، على ذلك الأئمة الأربعة ، والإحصان في الرجم شرط ، والشروط سبعة الحرية والعقل والبلوغ والإسلام ، وعن أبي يوسف أنه ليس بشرط ، وبه قال الشافعي وأحمد ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين ، قلنا : كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وصار منسوخا بها ، ثم نسخ الجلد في حق المحصن . والشرط الخامس الوطء ، والسادس أن يكون الوطء بنكاح صحيح ، والشرط السابع كونهما محصنين حالة الدخول ، حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة أو المملوكة أو المجنونة أو الصبية لم يكن محصنا ، وكذلك لو كان الزوج عبدا أو صبيا أو مجنونا أو كافرا ، وهي مسلمة عاقلة بالغة . ( فإن قلت ) : كيف يتصور أن يكون الزوج كافرا والمرأة مسلمة ؟ ( قلت ) : صورته أن يكونا كافرين فأسلمت المرأة ودخل بها الزوج قبل عرض الإسلام عليه . ومنه استنبط قوم جواز البيع بالغبن ، قالوا : لأنه بيع خطير بثمن يسير ، وقال القرطبي : هذا ليس بصحيح ؛ لأن الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون ، وأما مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض فلا يختلف فيه لأنه عن علم منه ورضى ، فهو إسقاط لبعض الثمن لا سيما أن الحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة ، وفيه ترك اختلاط الفساق وفراقهم ( فإن قلت ) : فما معنى أمره - صلى الله تعالى عليه وسلم - ببيع الأمة الزانية والذي يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما يلزم البائع ، وكيف يكره شيئا ويرتضيه لأخيه المسلم ؟ ( قلت ) : لعل الثاني يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها أو لعلها تستعف عند الثاني بأن يزوجها أو يعفها بنفسه ونحو ذلك .
103 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال : إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير ، قال ابن شهاب : لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعبيد الله بن عبد الله بالتصغير في الابن والتكبير في الأب ابن عتبة بن مسعود ، وزيد بن خالد الجهني الصحابي المدني ، مر في باب الغضب في الموعظة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المحاربين ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وفي العتق ، عن مالك بن إسماعيل ، عن سفيان بن عيينة ، وفي البيوع أيضا ، عن زهير بن حرب ، وأخرجه مسلم في الحدود ، عن عمرو الناقد ، وعن أبي الطاهر ، وعن محمد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي ، عن مالك به ، وأخرجه النسائي في الرجم ، عن قتيبة ، عن مالك به ، وعن الحارث بن مسكين ، عن سفيان به ، وعن أبي داود الحراني ، وعن محمد بن بكير ، وعن أبي الطاهر بن السرح ، ولم يذكر أبا هريرة ، وأخرجه ابن ماجه في الحدود ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح . وقال أبو عمر : تابع مالكا على سند هذا الحديث يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري عن عبيد الله ، عن شبل بن خالد المزني أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة ، الحديث . إلا أن عقيلا وحده قال : مالك بن عبد الله ، وقال الآخران : عبد الله بن مالك ، وكذا قال يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن شبل بن خالد ، عن عبد الله بن مالك الأوسي ، فجمع يونس الإسنادين جميعا في هذا الحديث ، وانفرد مالك بإسناد واحد ، وعند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري فيه أيضا إسناد آخر عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ، الحديث . هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث ، جعل شبلا مع أبي هريرة وزيد ، فأخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر ، ولم يتم حديث شبل ، قال أحمد بن زهير : سمعت يحيى يقول : شبل لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، وفي رواية : ليست له صحبة ، يقال : شبل بن معبد وشبل بن حامد ، روى عن عبد الله بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يحيى : وهذا عندي أشبه . ( قلت ) : ذكر الذهبي في تجريد الصحابة شبل بن معبد ، وقيل : ابن حامد ، وقيل : ابن خليد المزني أو البجلي ، روى عنه عبيد الله بن عبد الله ، وذكر أيضا مالك بن عبد الله الأوسي ، وقال المستغفري : له صحبة ، ويقال : الأويسي ، وصوابه عبد الله بن مالك - رضي الله تعالى عنه ( ذكر معناه ) قوله : ولم تحصن بضم التاء وسكون الحاء من الإحصان ، ويروى بضم التاء وفتح الحاء وتشديد الصاد من التحصن من باب التفعل ، الإحصان المنع ، والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزوج ، يقال : أحصنت المرأة فهي محصنة ومحصنة ، وكذا الرجل ، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول ، وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر ، يقال : أحصن فهو محصن وأسهب فهو مسهب وأفلج فهو مفلج ، وقال الطحاوي : لم يقل هذه اللفظة غير مالك بن أنس ، عن الزهري ، قال أبو عمر : وهو من رواية ابن عيينة ويحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب كما رواه مالك رحمه الله تعالى ، ومفهومه أنها إذا أحصنت لا تجلد ، بل ترجم كالحرة ، لكن الأمة تجلد محصنة كانت أو غير محصنة ، ولكن لا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحا بخلافه في قوله تعالى : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ فالحديث دل على جلد غير المحصن والآية على جلد المحصن ؛ لأن الرجم لا ينصف ، فيجلدان عملا بالدليلين ، أو يكون الإحصان بمعنى العفة عن الزنا كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ أي : العفيفات ، وقال الخطابي : ذكر الإحصان في الحديث غريب مشكل جدا إلا أن يقال : معناه العتق ، وقيل : معناه ما لم تتزوج ، وقد اختلف فيه في قوله تعالى : فَإِذَا أُحْصِنَّ هل هو الإسلام أو التزوج فتحد المتزوجة وإن كانت كافرة ، قاله الشافعي ، أو الحرية ، وحديث علي - رضي الله تعالى عنه – أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن أخرجه مسلم موقوفا والنسائي مرفوعا ، فتحد الأمة على كل حال ، أي : على أي حالة كانت ، ويعتذر عن الإحصان في الآية لأنه أغلب حال الإماء ، وإحصان الأمة عند مالك والكوفيين إسلامها ، قاله ابن بطال . قوله : ثم إن زنت فاجلدوها أي : بعد الجلد أي : إذا جلدت ثم زنت تجلد مرة أخرى بخلاف ما لو زنت مرات ولم تجلد لواحدة منهن فيكفي حد واحد للجميع . قوله : بضفير بفتح الضاد المعجمة وكسر الفاء هو الحبل المنسوج أو المفتول . يقال : أضفر نسج الشعر وفتله ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقال ابن فارس : هو الضفر حبل الشعر وغيره عريضا ، وهو مثل تضربه العرب للتقليل ، مثل : لو منعوني عقالا ولو فرسن شاة . قوله : قال ابن شهاب هو المذكور في سند الحديث ، وقد تردد ابن شهاب بقوله : لا أدري أبعد الثلاثة ؟ الهمزة فيه للاستفهام هل أراد أن بيعها يكون بعد الزنية الثالثة أو الرابعة ، وقد جزم أبو سعيد المقبري أنه في الثالثة كما ذكره البخاري أولا .
23 - حدثني محمد قال : حدثنا عبد الله بن يزيد قال : حدثنا سعيد قال : حدثني أبو الأسود ، عن عروة قال : قالت عائشة رضي الله عنها كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم ، وكان يكون لهم أرواح فقيل : لهم لو اغتسلتم . مطابقته للترجمة في قوله : كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عمال أنفسهم أي : كانوا يكتسبون بأيديهم أو بالتجارة أو بالزراعة ، وأصل هذا الحديث قد مر في كتاب الجمعة في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس فلينظر فيه . واعلم أن في جميع الروايات كذا حدثني أو حدثنا محمد ، حدثنا عبد الله بن يزيد إلا في رواية أبي علي بن شبويه ، عن الفربري عن البخاري ، حدثنا عبد الله بن يزيد فعلى هذا قوله حدثنا محمد هو البخاري ، وعبد الله بن يزيد هو المقرئ وهو أحد مشايخ البخاري ، وقد روى عنه كثيرا ، وربما روى عنه بواسطة . وقال الكرماني قوله : محمد قال الغساني : لعله محمد بن يحيى الذهلي قلت : وكذا قال الحاكم وجزم به فعلى هذا روى البخاري عنه ، عن عبد الله بن يزيد الذي هو شيخه بواسطة محمد الذهلي ، وسعيد هو ابن أبي أيوب المصري وقد مر في التهجد وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة بن الزبير وقد مر في الغسل . قوله : عمال أنفسهم بضم العين وتشديد الميم جمع عامل ، قوله : وكان يكون لهم أرواح وجه هذا التركيب أن في كان ضمير الشأن والمراد ماض وذكر يكون بلفظ المضارع استحضارا وإرادة الاستمرار ، والأرواح جمع ريح وأصله روح قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، وأراح اللحم أي : أنتن وكانوا يعملون فيعرقون ويحضرون الجمعة فتفوح تلك الروايح عنهم فقيل : لهم لو اغتسلتم ، وجواب لو محذوف يعني لو اغتسلتم لذهبت عنكم تلك الروائح الكريهة . وفيه ما كان عليه الصحابة من اختيارهم الكسب بأيديهم وما كانوا عليه من التواضع . رواه همام ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . أي : روى الحديث المذكور همام بن يحيى بن دينار الشيباني البصري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، وفي بعض النسخ : وقال همام : وهذا تعليق وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق هدبة عنه بلفظ : كان القوم خدام أنفسهم فكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا أن يغتسلوا وبهذا اللفظ رواه قريش بن أنس ، عن هشام عند ابن خزيمة والبزار .
باب كسب الرجل وعمله بيده أي : هذا باب في بيان فضل كسب الرجل وعمله بيده . قوله : وعمله بيده من عطف الخاص على العام ؛ لأن الكسب أعم من أن يكون بعمل اليد أو بغيرها . 22 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت : لما استخلف أبو بكر الصديق قال : لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ما يدل على أن كسب الرجل بيده أفضل ، وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يحترف أي يكتسب ما يكفي عياله ثم لما شغل بأمر المسلمين حين استخلف لم يكن يتفرغ للاحتراف بيده فصار يحترف للمسلمين ، وأنه يعتذر عن تركه الاحتراف لأهله فلولا أن الكسب بيده لأهله كان أفضل لم يكن يتأسف بقوله : فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأشار به إلى بيت مال المسلمين . وهذا الحديث موقوف وهو مما انفرد به البخاري وإسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ، وقد تكرر ذكره وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن زيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني . قوله : إن حرفتي الحرفة والاحتراف الكسب وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يتجر قبل استخلافه وقد روى ابن ماجه ، وغيره من حديث أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : وشغلت على صيغة المجهول ، قوله : بأمر المسلمين أي : بالنظر في أمورهم لكونه خليفة ، قوله : فسيأكل آل أبي بكر يعني نفسه ، ومن تلزمه نفقته لأنه لما اشتغل بأمر المسلمين احتاج إلى أن يأكل هو وأهله من بيت المال ، وقال ابن التين : يقال : إن أبا بكر ارتزق كل يوم شاة وكان شأن الخليفة أن يطعم من حضره قصعتين كل يوم غدوة وعشيا وروى ابن سعد بإسناد مرسل برجال ثقات قال : لما استخلف أبو بكر رضي الله تعالى عنه أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهما فقالا : كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين قال : فمن أين أطعم عيالي قالا : نفرض لك ففرضوا له كل يوم شطر شاة . وفي الطبقات عن حميد بن هلال لما ولي أبو بكر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم افرضوا للخليفة ما يغنيه قالوا : نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف فقال أبو بكر رضيت ، وعن ميمون قال : لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال : زيدوني فإن لي عيالا فزادوه خمسمائة قال : إما أن يكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت ألفين وخمسمائة فزاده خمسمائة ، ولما حضرت أبا بكر الوفاة حسب ما أنفق من بيت المال فوجدوه سبعة آلاف درهم فأمر بماله غير الرباع فأدخل في بيت المال فكان أكثر مما أنفق قالت عائشة رضي الله عنها فربح المسلمون عليه وما ربحوا على غيره ، وروى ابن سعد وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال : انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي قالت : فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه وناضح كان يسقي بستانا له فبعثنا بهما إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال رحمه الله على أبي بكر : لقد أتعب من بعده . وأخرج ابن سعد من طريق القاسم بن محمد عن عائشة نحوه وزاد أن الخادم كان صيقلا يعمل سيوف المسلمين ويخدم آل بكر ، ومن طريق ثابت عن أنس نحوه ، وفيه وقد كنت حريصا على أن أوفر مال المسلمين وقد كنت أصبت من اللحم واللبن ، وفيه وما كان عنده دينار ولا درهم ما كان إلا خادم ولقحة ومحلب . قوله : ويحترف للمسلمين أي : يتجر لهم حتى يعود عليهم من ربحه بقدر ما أكل أو أكثر وليس بواجب على الإمام أن يتجر في مال المسلمين بقدر مؤنته إلا أن يتطوع بذلك كما تطوع أبو بكر . قوله : ويحترف على صيغة المضارع الغائب رواية الكشميهني وفي رواية غيره : وأحترف على صيغة المتكلم وحده . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن أفضل الكسب ما يكسبه الرجل بيده ، وسيأتي في حديث المقدام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك وروى الحاكم عن أبي بردة يعني ابن نيار سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي الكسب أطيب وأفضل ؟ قال : عمل الرجل بيده أو كل عمل مبرور ، وعن البراء بن عازب نحوه ، وقال صحيح الإسناد ، وعن رافع بن خديج مثله ، وروى النسائي من حديث عائشة : أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وقال الماوردي : أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة وأيها أطيب فيه ثلاثة مذاهب للناس ، وأشبهها مذهب الشافعي أن التجارة أطيب والأشبه عندي أن الزراعة أطيب ؛ لأنها أقرب إلى التوكل ، وقال النووي : وحديث البخاري صريح في ترجيح الزراعة والصنعة لكونهما عمل يده لكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره وعموم الحاجة إليها . وفيه فضيلة أبي بكر وزهده وورعه غاية الورع . وفيه أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر عمالته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة وكل من يتولى عملا من أعمال المسلمين يعطى له شيء من بيت المال لأنه يحتاج إلى كفايته وكفاية عياله ؛ لأنه إن لم يعط له شيء لا يرضى أن يعمل شيئا فتضيع أحوال المسلمين ، وعن ذلك قال أصحابنا : ولا بأس برزق القاضي وكان شريح رضي الله تعالى عنه يأخذ على القضاء ذكره البخاري في باب رزق الحكام والعاملين عليها ثم القاضي إن كان فقيرا فالأفضل بل الواجب أخذ كفايته من بيت المال ، وإن كان غنيا فالأفضل الامتناع رفقا ببيت المال ، وقيل : الأخذ هو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان لأنه إذا لم يأخذ لم يلتفت إلى أمور القضاء كما ينبغي لاعتماده على غناه فإذا أخذ يلزمه حينئذ إقامة أمور القضاء .
25 - حدثنا يحيى بن موسى قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن داود عليه السلام كان لا يأكل إلا من عمل يده . مطابقته للترجمة ظاهرة . ويحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكريا السختياني الحدائي البلخي يقال له خت وكلهم قد ذكروا غير مرة . والحديث من أفراده وهو طرف من حديث سيأتي في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام بخلاف الذي قبله وفي رواية الإسماعيلي زيادة ، وهي خفف على داود عليه السلام القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج فكان يقرأ القرآن قبل أن تسرج وأنه كان لا يأكل إلا من عمل يده .
27 – حدثنا يحيى بن موسى قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن يأخذ أحدكم أحبله . مطابقته للترجمة من حيث إن أخذ الأحبل لأجل الاحتطاب على ظهره من كسبه بيده وعمله والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب الاستعفاف في المسألة بأتم منه حيث قال : لأن يأخذ أحدكم حبله ، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله تعالى بها وجهه خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه . قوله : أحبله بضم الباء الموحدة جمع حبل مثل فلس وأفلس ، وقال ابن المنذر : إنما فضل عمل اليد على سائر المكاسب إذا نصح العامل جاء في ذلك مبينا في حديث رواه المقبري عن أبي هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خير الكسب يد العامل إذا نصح .
24 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا عيسى بن يونس ، عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير . الثاني : عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، واسمه عمرو بن عبد الله الهمداني . الثالث : ثور بالثاء المثلثة ابن يزيد من الزيادة الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام وبالعين المهملة الشامي الحمصي الحافظ كان قدريا فأخرج من حمص وأحرقوا داره بها فارتحل إلى بيت المقدس ومات به سنة خمسين ومائة . الرابع : خالد بن معدان بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة وبعد الألف نون الكلاعي أبو عبد الله كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة ، وقال : لقيت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا مات بطرسوس سنة ثلاث أو أربع ومائة . الخامس : المقدام بكسر الميم ابن معدي كرب الكندي مات سنة سبع وثمانين بحمص . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه رازي والبقية الثلاثة شاميون وحمصيون ، وفيه ادعى الإسماعيلي انقطاعا بين خالد والمقدام وبينهما جبير بن نفير يحتاج إلى تحرير ، وفيه أن المقدام ليس له في البخاري غير هذا الحديث وآخر في الأطعمة ، وفيه أن ثور بن يزيد المذكور من أفراد البخاري والحديث أيضا من أفراده . ذكر معناه قوله : ما أكل أحد وفي رواية الإسماعيلي : ما أكل أحد من بني آدم ، قوله : خيرا بالنصب لأنه صفة لقوله طعاما ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو خير فإن قلت ما الخيرية فيه ؟ قلت : لأن فيه إيصال النفع إلى الكاسب وإلى غيره والسلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول وكسر النفس والتعفف عن ذل السؤال . قوله : من أن يؤكل كلمة أن مصدرية أي من أكله ، قوله : من عمل يده بالإفراد ، وفي رواية الإسماعيلي : من عمل يديه بالتثنية ، قوله : فإن نبي الله الفاء تصلح أن تكون للتعليل ويروى : وإن داود بالواو وفي رواية الإسماعيلي : إن نبي الله داود بلا واو ، وفي رواية ابن ماجه من حديث خالد بن معدان عن المقدام : ما من كسب الرجل أطيب من عمل يديه . في رواية ابن المنذر من هذا الوجه : ما أكل رجل طعاما قط أحل من عمل يديه وفي رواية النسائي من حديث عائشة : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه . فإن قلت : ما الحكمة في تعليله صلى الله عليه وسلم قوله : ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يديه ؟ قلت : لأن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه ، فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص داود بالذكر ؟ قلت : لأن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما ذكر الله تعالى في القرآن وإنما قصد الأكل من طريق الأفضل ولهذا أورد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد . وقال أبو الزاهرية : كان داود عليه الصلاة والسلام يعمل القفاف ويأكل منها قلت : كان يعمل الدروع من الحديد بنص القرآن وكان نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يأكل من سعيه الذي بعثه الله عليه في القتال وكان يعمل طعامه بيده ليأكل من عمل يده قيل لعائشة : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في أهله ؟ قالت : كان في مهنة أهله فإذا أقيمت الصلاة خرج إليها .
26 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه . مطابقته للترجمة من حيث إن الاحتطاب من كسب الرجل بيده ومن عمله ورجاله قد ذكروا غير مرة وأبو عبيد مصغر العبد مولى عبد الرحمن بن عوف ويقال له أيضا مولى ابن أزهر ، وقد مضى الحديث في كتاب الزكاة في باب قول الله : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ولكن أخرجه هناك من طريق الأعرج عن أبي هريرة وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى .
( حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني محمد أو عبد الله بن أبي المجالد قال : اختلف عبد الله بن شداد بن الهاد وأبو بردة في السلف ، فبعثوني إلى ابن أوفى - رضي الله عنه - فسألته ، فقال : إنا كنا نسلف على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر ، وسألت ابن أبزى ، فقال مثل ذلك ) قيل : ليس لإيراد هذا الحديث في هذا الباب وجه ؛ لأن الباب في السلم في وزن معلوم وليس في الحديث شيء يدل على ما يوزن ، وأجيب بأنه جاء في بعض طرق هذا الحديث على ما يأتي في الباب الذي يليه بلفظ فيسلفهم في الحنطة والشعير والزيت ، وهو من جنس ما يوزن ، فكأن وجه إيراده في هذا الباب الإشارة إليه . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول حفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي النمري الأزدي . الثاني شعبة بن الحجاج . الثالث هو ابن أبي المجالد الذي أبهمه أبو الوليد عن شعبة ، وهنا تردد فيه شعبة بين محمد بن أبي المجالد وبين عبد الله بن أبي المجالد ، وذكر البخاري فيه ثلاث روايات : الأولى عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن ابن أبي المجالد ، والثانية عن حفص بن عمر عن شعبة بالتردد بين محمد وعبد الله ، والثالثة ذكرها في الباب الذي يليه عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن الشيباني ، عن محمد بن أبي المجالد ، وجزم أبو داود بأن اسمه عبد الله ، وكذا قال ابن حبان ، ووصفه بأنه كان صهر مجاهد وبأنه كوفي ثقة ، وكان مولى عبد الله بن أبي أوفى . الرابع عبد الله بن شداد بن الهاد ، وقد مر في الحيض . الخامس أبو بردة بضم الباء الموحدة ، ابن أبي موسى الأشعري الفقيه قاضي الكوفة ، واسمه عامر . السادس عبد الله بن أبي أوفى ، واسمه علقمة أبو إبراهيم ، وقيل : أبو محمد ، وقيل غير ذلك ، أخو زيد بن أبي أوفى ، لهما ولأبيهما صحبة . السابع عبد الرحمن بن أبزى بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي ، مقصور . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه السؤال في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري ، وأنه من أفراده ، وشعبة واسطي ، وعبد الله بن شداد مدني يأتي إلى الكوفة ، وأبو بردة كوفي ، وكذلك ابن أبي مجالد كما ذكرناه ، وفيه اثنان من الصحابة : أحدهما ابن أبي أوفى والآخر ابن أبزى ، وقال بعضهم : عبد الله بن شداد من صغار الصحابة ، قلت : لم أر أحدا ذكره من الصحابة ، وذكره الحافظ الذهبي في كتاب تجريد الصحابة ، وقال : عبد الله بن شداد بن أسامة بن الهاد الكناني الليثي العتواري من قدماء التابعين ، وقال الخطيب : هو من كبار التابعين ، وقال ابن سعد : كان عثمانيا ، ثقة في الحديث ، وفيه أن ابن أبي المجالد ليس له في البخاري سوى هذا الحديث . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري عن أبي الوليد ، وعن يحيى عن وكيع ، وعن حفص بن عمر ، وعن موسى بن إسماعيل ، وعن إسحاق بن خالد ، وعن قتيبة عن جرير ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه أبو داود أيضا في البيوع عن حفص بن عمر ومحمد بن كثير ، وعن محمد بن بشار ، وأخرجه النسائي عن عبد الله بن سعيد ، وعن محمود بن غيلان ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن محمد بن بشار به . ( ذكر معناه ) قوله : " في السلف " أي في السلم يعني : هل يجوز السلم إلى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة أم لا ؟ قوله : " فبعثوني " هو مقول ابن أبي المجالد وإنما جمع إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان أو باعتبارهما ومن معهما ، قوله : " فقال " أي ابن أبي أوفى ، قوله : " على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أي في زمنه وأيام حياته ، قوله : " وأبي بكر " أي وعلى عهد أبي بكر وعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - الخليفتين من بعده - صلى الله عليه وسلم قوله : " في الحنطة " ذكر أربعة أشياء كلها من المكيلات ، ويقاس عليها سائر ما يدخل تحت الكيل ، قوله : " فقال مثل ذلك " أي فقال عبد الرحمن بن أبزى مثل ما قال عبد الله بن أبي أوفى . وفيه مشروعية السلم والسؤال عن أهل العلم في حادثة تحدث . وفيه جواز المباحثة في المسألة طلبا للصواب ، وإلى الله المرجع والمآب .
( باب السلم في وزن معلوم ) أي هذا باب في بيان حكم السلم حال كونه في وزن معلوم ، وكأنه قصد بهذه الترجمة التنبيه على أن ما يوزن لا يسلم فيه كيلا وبالعكس ، وهو أحد الوجهين عند الشافعية ، والأصح الجواز . 2 - حدثنا صدقة قال : أخبرنا ابن عيينة قال : أخبرنا ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث ، فقال : من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم . مطابقته للترجمة في قوله : « ووزن معلوم » وهذا طريق آخر في الحديث المذكور فيه روايته عن صدقة بن الفضل المروزي ، وهو من أفراده ، يروى عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال عبد الرحمن عن ابن عباس ، وقد مر الكلام فيه فيما مضى ، وفيه زيادة ، وهي قوله : « إلى أجل معلوم » ، وهذا يدل على أن السلم الحال لا يجوز ، وعند الشافعي يجوز كالمؤجل ، فإن صرح بحلول أو تأجيل فذاك ، وأن أطلق فوجهان ، وقيل قولان أصحهما عند الجمهور : يصح ويكون حالا ، والثاني : لا ينعقد . ولو صرحا الأجل في نفس العقد ، ثم أسقطاه في المجلس سقط وصار العقد حالا . وقوله : « إلى أجل » من جملة شروط صحة السلم ، وهو حجة على الشافعي ومن معه في عدم اشتراط الأجل ، وهو مخالفة للنص الصريح ، والعجب من الكرماني حيث يقول : ليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل لصحة السلم الحال ؛ لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر ، فجواز الحال أولى ؛ لأنه أبعد من الغرر ، بل معناه إن كان أجل فليكن معلوما كما أن الكيل ليس بشرط ولا الوزن ، بل يجوز في الثياب بالذرع ، وإنما ذكر الكيل أو الوزن بمعنى أنه إن أسلم في مكيل أو موزون فليكونا معلومين ، انتهى . قلت : هذا كلام مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم - : « إلى أجل معلوم » ؛ لأن معناه فليسلم فيما جاز السلم فيه إلى أجل معلوم ، وهذا قيد والقيد شرط ، وكلامه هذا يؤدي إلى إلغاء ما قيده الشارع من الأجل المعلوم ، فكيف يقول مع الغرر ، ولا غرر هاهنا أصلا ؟! لأن الأجل إذا كان معلوما فمن أين يأتي الغرر ، والمذكور الأجل المعلوم ، والمعلوم صفة الأجل ، فكيف يشترط قيد الصفة ولا يشترط قيد الموصوف ؟! وقوله : "كما أن الكيل ليس بشرط ولا الوزن" ، قلنا : معناه أن المسلم فيه لا يشترط أن يكون من المكيلات خاصة ، ولا من الموزونات خاصة ، كما ذهب إليه ابن حزم بظاهر الحديث ، يعني لا ينحصر السلم فيهما ، بل معناه أن المسلم فيه إذا كان من المكيلات لا بد من إعلام قدر رأس المسلم فيه ، وذلك لا يكون إلا بالكيل في المكيلات ، والوزن في الموزونات ، وكون الكيل معلوما شرط ، وليس معناه أن السلم فيما لا يكال غير صحيح حتى يقال بل يجوز في الثياب بالذرع ، وفي الثياب أيضا لا يجوز إلا إذا كان ذرعها معلوما وصفتها معلومة وضبطها ممكنا . وقال الخطابي : المقصود منه أن يخرج المسلم فيه من حد الجهالة ، حتى إن أسلف فيما أصله الكيل بالوزن جاز . قلت : قد ذكرنا أنه لا يجوز في أحد الوجهين عند الشافعية ، ولا ينبغي أن يورد الكلام على الإطلاق ، ثم إنهم اختلفوا في حد الأجل ، فقال ابن حزم : الأجل ساعة فما فوقها . وعند بعض أصحابنا لا يكون أقل من نصف يوم ، وعند بعضهم لا يكون أقل من ثلاثة أيام ، وقالت المالكية : يكره أقل من يومين ، وقال الليث : خمسة عشر يوما .
حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثني ابن أبي نجيح ، وقال : فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم . هذا طريق آخر في حديث ابن عباس أخرجه عن علي بن عبد الله بن المديني ، عن سفيان بن عيينة إلى آخره ، وفيه نبه أيضا على اشتراط الأجل ، وهو أيضا حجة على من لم يشترطه .
3 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال قال : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم وقال : « في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» . هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن سفيان بن عيينة إلى آخره ، وهذا كما رأيت أخرج هذا الحديث من أربع طرق الأول عن عمرو بن زرارة أخرجه في الباب الذي قبله ، والثلاثة في هذا الباب عن صدقة ، وعلي ، وقتيبة ، وذكر الأجل في هذه الثلاثة المفرقة عن سفيان بن عيينة .
4 - حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة عن ابن أبي المجالد ح ، وحدثنا يحيى قال : حدثنا وكيع عن شعبة عن محمد بن أبي المجالد أبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ويحيى هو ابن موسى أبو زكريا السختياني البلخي ، يقال له خت ، أحد مشايخ البخاري من أفراده ، ومحمد بن أبي المجالد الكوفي من أفراد البخاري ، سمع عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى ، روى عنه أبو إسحاق الشيباني وشعبة ، إلا أنه قال مرة : محمد بن أبي المجالد ، ومرة : محمد أو عبد الله ، مترددا في اسمه ، ولهذا أبهم البخاري أولا حيث قال : ابن أبي المجالد ، وبقية هذا السند في السند الذي يأتي ، وهو قوله : حدثنا حفص إلى آخره ، والمجالد من الأعلام التي تستعمل بلام التعريف ، وقد يترك .
( باب السلم إلى أجل معلوم ) أي هذا باب في بيان حكم السلم الواقع إلى أجل معلوم أي إلى مدة معينة ، وفيه الرد على من أجاز السلم الحال ، وهو قول الشافعية ومن تبعهم . ( وبه قال ابن عباس ، وأبو سعيد ، والأسود ، والحسن ) . أي باختصاص السلم بالأجل قال ابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، والأسود بن يزيد النخعي ، والحسن البصري ، وتعليق ابن عباس وصله الشافعي عن سفيان عن قتادة عن أبي حسان بن مسلم الأعرج عن ابن عباس قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أجله الله في كتابه وأذن فيه ثم قرأ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصححه ، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال : لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا ، وتعليق أبي سعيد وصله عبد الرازق من طريق نبيح العنزي الكوفي عن أبي سعيد الخدري قال : السلم بما يقوم به السعر ربا ، ولكن أسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم ، قلت : نبيح بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة ، والعنزي بفتح العين المهملة والنون وبالزاي ، وتعليق الأسود وصله ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق عنه قال : سألته عن السلم في الطعام قال : لا بأس به كيل معلوم إلى أجل معلوم ، ولم أقف على تعليق الحسن . ( وقال ابن عمر : لا بأس في الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم ما لم يك ذلك في زرع لم يبد صلاحه ) . هذا التعليق وصله مالك في الموطأ عن نافع عنه قال : لا بأس أن يسلف الرجل في الطعام الموصوف ، فذكر مثله وزاد : وثمرة لم يبد صلاحها ، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع نحوه ، قوله : " ما لم يك " أصله ما لم يكن حذفت النون تخفيفا ، ويروى على الأصل ، وهذا كما رأيت أساطين الصحابة عبد الله بن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم - شرطوا الأجل في السلم ، وكذلك من أساطين التابعين الأسود ، والنخعي ، والحسن البصري ، وهذا كله حجة على من يرى جواز السلم الحال من الشافعية وغيرهم ، واختار ابن خزيمة من الشافعية تأقيته إلى الميسرة ، واحتج بحديث عائشة رواه النسائي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعث إلى يهودي ابعث لي ثوبين إلى الميسرة " ، وابن المنذر طعن في صحته ، ولئن سلمنا صحته فلا دلالة فيه على ما ذكره لأنه ليس فيه إلا مجرد الاستدعاء ، فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه ، ولذلك لم يصف الثوبين .
( وقال عبد الله بن الوليد : حدثنا سفيان قال : حدثنا ابن أبي نجيح وقال : في كيل معلوم ووزن معلوم ) . هذا التعليق موصول في جامع سفيان من طريق عبد الله بن الوليد العدني ، وهذا فيه فائدتان ، الأولى فيه بيان التحديث ، والذي قبله مذكور بالعنعنة ، والأخرى فيه الإشارة إلى أن من جملة الشرط في السلم الوزن المعلوم في الموزونات .
13 - ( حدثنا محمد بن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا سفيان عن سليمان الشيباني عن محمد بن أبي مجالد قال : أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا : كنا نصيب المغانم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب إلى أجل مسمى ، قال : قلت : أكان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع ، قالا : ما كنا نسألهم عن ذلك ) . مطابقته للترجمة في قوله : إلى أجل مسمى ، وهو أجل معلوم ، والحديث مضى عن قريب في باب السلم إلى من ليس عنده أصل ، فإنه أخرجه هناك من ثلاث طرق عن موسى بن إسماعيل وإسحاق وقتيبة ، وأخرجه هنا عن محمد بن مقاتل المروزي ، وهو من أفراده عن عبد الله بن المبارك المروزي عن سفيان الثوري إلى آخره ، والتكرار لأجل الترجمة واختلاف الشيوخ والتقديم والتأخير في بعض المتن ، وبعض الزيادة فيه هنا يعرف ذلك بالنظر والتأمل .
12 - ( حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال : أسلفوا في الثمار في كيل معلوم إلى أجل معلوم ) . مطابقته للترجمة في قوله إلى أجل معلوم ، وقد مضى هذا الحديث في باب السلم في كيل معلوم ، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن زرارة ، عن إسماعيل بن علية ، عن عبد الله بن أبي نجيح إلى آخره ، وأخرجه هنا عن أبي نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح إلى آخره ، والتكرار لأجل الترجمة واختلاف الشيوخ ، وقد مضى الكلام فيه مستوفى .
( باب الرهن في السلم ) أي هذا باب في بيان حكم الرهن في السلم . 11 - ( حدثني محمد بن محبوب قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا الأعمش قال : تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف ، فقال : حدثني الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم وارتهن منه درعا من حديد ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن محبوب أبو عبد الله البصري ، وهو من أفراد البخاري ، وقد مر في السلف ، وعبد الواحد بن زياد ، والأعمش سليمان ، وفيه الرد على من قال : إن الرهن في السلم لا يجوز ، وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش أن رجلا قال لإبراهيم النخعي : إن سعيد بن جبير يقول : إن الرهن في السلم هو الربا المضمون فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث ، وقيل : رويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي وإحدى الروايتين عن أحمد ، ورخص فيه الباقون ، والحجة فيه قوله تعالى إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ إلى أن قال : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه ، واستدل لأحمد بما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري : من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ، وجه الدلالة منه أنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعد ، وأن فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه ، وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رفعه : من أسلم في شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه ، وإسناده ضعيف ، ولو صح فهو محمول على شرط ينافي مقتضى العقد .
( باب الكفيل في السلم ) أي هذا باب في بيان حكم الكفيل في السلم . 10 - ( حدثنا محمد قال : حدثنا يعلى ، قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما من يهودي بنسيئة ورهنه درعا له من حديد ) . قيل : ليس في هذا الحديث ما ترجم به ، وأجاب الكرماني بأنه إما أن يراد بالكفالة الضمان ، ولا شك أن المرهون ضامن للدين من حيث أنه يباع فيه ، وإما يقاس على الرهن بجامع كونهما وثيقة ، ولهذا كل ما صح الرهن فيه صح ضمانه وبالعكس ، قلت : إثبات المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة بهذا الكلام إنما هو بالجر الثقيل ، ومع هذا الجواب الثاني فيه بعض قرب ، والأقرب منه أن يقال أن عادته جرت أن يشير إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث ، وقد روى في الرهن عن مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش ، قال : تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والقبيل في السلف فذكر إبراهيم هذا الحديث وفيه التصريح بالرهن والكفيل ؛ لأن القبيل هو الكفيل ، وبهذا يجاب أيضا عما قاله الكرماني ليس فيه عقد السلم لأن السلف هو السلم . والحديث مضى في كتاب البيوع في باب شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسيئة ، فإنه أخرجه هناك عن معلى بن أسد عن عبد الواحد عن سليمان الأعمش وهنا أخرجه عن محمد بن سلام عن يعلى بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام وبالقصر ابن عبيد بالتصغير أبي يوسف الطنافسي الحنفي الكوفي ، مات سنة تسع ومائتين ، عن سليمان الأعمش عن الأسود بن يزيد النخعي ، وقد مر البحث فيه هناك مستوفى .
( باب السلم إلى أن تنتج الناقة ) أي هذا باب في بيان حكم السلم إلى أن تنتج الناقة ، وتنتج على صيغة المجهول ومعناه إلى أن تلد الناقة ، يقال : نتجت الناقة إذا ولدت فهي منتوجة ، وأنتجت إذا حملت فهي نتوج ، ولا يقال : منتج ، ونتجت الناقة أنتجها إذا أولدتها ، والناتج للإبل كالقابلة للنساء ، والمقصود من هذه الترجمة بيان عدم جواز السلم إلى أجل غير معلوم يدل عليه حديث الباب . 14 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : أخبرنا جويرية عن نافع عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : كانوا يتبايعون الجزور إلى حبل الحبلة ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه فسره نافع إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ) . مطابقته للترجمة في قوله : حبل الحبلة ؛ لأن معناه نتاج النتاج ، وفسره نافع الراوي عن ابن عمر بقوله : أن تنتج الناقة ، يعني أن تلد ما في بطنها ، وقال الكرماني : ما في بطنها بدل عن الناقة ، وهو الموافق لتفسير نافع له في باب بيع الغرر ، وقال الشافعي : هو بيع الجزور بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة وتلد ولدها ، وهو تفسير ابن عمر ، وقيل : هو بيع ولد ولد الناقة ، وقد مضى الحديث في كتاب البيوع في باب بيع الغرر وحبل الحبلة ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ، وجويرية مصغر جارية ، وهو جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري .
( حدثنا قتيبة قال : حدثنا جرير عن الشيباني ، وقال : في الحنطة والشعير والزبيب ) . هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن قتيبة بن سعيد عن جرير بن عبد الحميد عن سليمان الشيباني ، قوله : " قال في الحنطة " أي قال في رواته : فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب ، ولم يذكر فيه الزيت بل ذكر الزبيب .
7 - ( حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : أخبرنا عمرو قال : سمعت أبا البختري الطائي قال : سألت ابن عباس - رضي الله عنهما - عن السلم في النخل قالت : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يؤكل منه وحتى يوزن ، فقال الرجل : وأي شيء يوزن ؟ قال رجل إلى جانبه : حتى يحرز ) . قال ابن بطال : حديث ابن عباس هذا ليس من هذا الباب ، وإنما هو من الباب الذي بعده المترجم بباب السلم في النخل وهو غلط من الناسخ ، وأجيب بأن ابن عباس لما سئل عن السلم إلى من له نخل عد ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، فإذا كان السلم في النخل لا يجوز لم يبق لوجودها في ملك المسلم إليه فائدة متعلقة بالسلم ، فيصير جواز السلم إلى من ليس له عنده أصل ، وإلا يلزمه سد باب السلم . وآدم هو ابن أبي إياس ، وعمرو بفتح العين هو ابن مرة بضم الميم ، وفي رواية مسلم : عمرو بن مرة ، وهو عمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الأعمى الكوفي ، وأبو البختري بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وبالراء وتشديد الياء واسمه سعيد بن فيروز الكوفي الطائي ، قتل في الجماجم ، سنة ثلاث وثمانين . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن الوليد ، وعن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر . قوله : في النخل أي في ثمر النخل ، وقال الكرماني ما ملخصه : أن المراد من السلم معناه اللغوي وهو السلف ، حتى لا يقال كيف يصح معنى السلم فيه ولم يقع العقد على موصوف في الذمة ، وأما النهي عنه فلأنه من جهة أنه من تلك الثمرة خاصة وليس مسترسلا في الذمة مطلقا ، قوله : حتى يؤكل منه مقتضاه أن يصح بعد الأكل الذي هو كناية عن ظهور الصلاح ومع هذا لم يصح ؛ لأن ذكر هذه الغاية بيان للواقع لأنهم كانوا يسلفونه قبل صيرورته مما يؤكل ، والقيود التي خرجت مخرج الأغلب لا مفهوم لها ، قوله : فقال الرجل قال الكرماني : إنما عرف مع أن السياق يقتضي تنكيره لأنه معهود إذا أراد به أبو البختري نفسه أي السائل من ابن عباس ، قوله : قال رجل لم يدر هذا من هو ، قوله : وأي شيء يوزن إذ لا يمكن وزن الثمرة التي على النخل ، قوله : إلى جانبه أي إلى جانب ابن عباس ، قوله : حتى يحرز بتقديم الراء على الزاي حتى يحفظ ويصان ، وفي رواية الكشميهني : حتى يحزر بتقديم الزاي على الراء أي يخرص ، وفي رواية النسفي حتى يحرر من التحرير ، ولكنه رواه بالشك ، واعلم أن الخرص والأكل والوزن كلها كنايات عن ظهور صلاحها ، وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيه المالك ، واحتج بهذا الكوفيون والثوري والأوزاعي بأن السلم لا يجوز إلا أن يكون المسلم فيه موجودا في أيدي الناس في وقت العقد إلى حين حلول الأجل فإن انقطع في شيء من ذلك لم يجز ، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يجوز السلم فيما هو معدوم في أيدي الناس إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل في الغالب ، فإن كان ينقطع حينئذ لم يجز ، وقد مر الكلام فيه في أول الباب مفصلا .
( وقال معاذ : حدثنا شعبة عن عمرو ، قال أبو البختري : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ) . معاذ هو ابن معاذ التميمي قاضي البصرة ، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي عن يحيى بن محمد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به ، وفي الحديث السابق قال شعبة : أخبرنا عمرو قال : سمعت أبا البختري قال :سألت ابن عباس وهاهنا يقول شعبة عن عمرو قال أبو البختري : سمعت ابن عباس ، قوله : " مثله " أي مثل هذا الحديث المذكور .
( باب السلم إلى من ليس عنده أصل ) أي هذا باب في بيان حكم السلم إلى من ليس عنده مما أسلف فيه أصل ، وقيل : المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه ، فأصل الحب الزرع ، وأصل الثمار الأشجار ، وقال بعضهم : الغرض من الترجمة أن كون أصل المسلم فيه لا يشترط ، قلت : كأنه أشار إلى سلم المنقطع فإنه لا يجوز عندنا ، وهذا على أربعة أوجه ، الأول : أن يكون المسلم فيه موجودا عند العقد منقطعا عند الأجل فإنه لا يجوز ، والثاني : أن يكون موجودا وقت العقد إلى الأجل فيجوز بلا خلاف ، والثالث : أن يكون منقطعا عند العقد موجودا عند الأجل ، والرابع : أن يكون موجودا وقت العقد والأجل منقطعا فيما بين ذلك ، فهذان الوجهان لا يجوزان عندنا خلافا لمالك والشافعي وأحمد ، قالوا : لأنه مقدور التسليم فيهما ، قلنا : غير مقدور التسليم لأنه يتوهم موت المسلم إليه فيحل الأجل وهو منقطع ، فيتضرر رب السلم فلا يجوز ، وفي التوضيح : وأصل السلم أن يكون إلى من عنده أصل مما يسلم فيه إلا أنه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل والوزن والأجل المعلوم كان عاما فيمن عنده أصل ومن ليس عنده ، قلت : إذا لم يكن الأصل موجودا عند حلول الأجل أو فيما بين العقد والأجل يكون غررا ، والشارع نهى عن الغرر . 5 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا الشيباني قال : حدثنا محمد بن أبي المجالد قال : بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنهما - فقالا : سله هل كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلفون في الحنطة ، قال عبد الله : كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم ، قلت : إلى من كان أصله عنده ، قال : ما كنا نسألهم عن ذلك ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى ، فسألته فقال : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلفون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم نسألهم : ألهم حرث أم لا ؟ ) . مطابقته للترجمة في قوله : قلت إلى من كان أصله عنده ، وفي قوله : ألهم حرث أم لا ، والحديث قد مضى في الباب السابق ، ومضى الكلام فيه بوجوهه غير أن في هذا نص البخاري على أن اسم أبي المجالد محمد ، وذكر هنا الزيت موضع الزبيب هناك ، وفيه زيادة وهي السؤال عن كون الأصل عند المسلم إليه ، والجواب بعدم ذلك ، وعبد الواحد هو ابن زياد ، والشيباني بفتح الشين المعجمة هو أبو إسحاق سليمان ، وقد مر في الحيض . قوله : " يسلفون " من الإسلاف ، ويروى بتشديد اللام من التسليف ، قوله : " نبيط أهل الشام " بفتح النون وكسر الباء الموحدة أي أهل الزراعة من أهل الشام ، وقيل : هم قوم ينزلون البطائح وتسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع ونحوها ، وفي رواية سفيان أنباطا من أنباط أهل الشام ، وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم ، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم قوم ينزلون البطائح بين العراقين ، والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام ، ويقال لهم : النبط ، بفتحتين ، ويجمع على أنباط ، وكذلك النبيط يجمع على أنباط ، يقال : رجل نبطي ونباطي ونباط ، وحكى يعقوب نباطي بضم النون ، ويقال : أنباط الشام هم نصارى الشام الذين عمروها ، قال الجوهري : نبط الماء ينبط وينبط نبوطا نبع فهو نبيط ، وهو الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت ، وأنبط الحفار بلغ الماء ، والاستنباط الاستخراج ، قوله : " إلى من كان أصله " أي أصل المسلم فيه ، وهو الثمر أي الحرث ، قوله : " ألهم حرث " أي زرع ، فافهم . وفيه مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم ، وفيه جواز السلم في السمن والشيرج ونحوهما قياسا على الزيت .
6 - ( حدثنا إسحاق قال : حدثنا خالد بن عبد الله عن الشيباني عن محمد بن أبي مجالد بهذا ، وقال : فنسلفهم في الحنطة والشعير ) . هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن إسحاق بن شاهين الواسطي عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان الواسطي عن سليمان الشيباني إلى آخره .
( وقال عبد الله بن الوليد : عن سفيان قال : حدثنا الشيباني ، وقال : والزيت ) . هذا طريق آخر معلق عن عبد الله بن الوليد أبو محمد العدني نزيل مكة ، روى عنه أحمد بن حنبل ، وكان يصحح حديثه وسماعه عن سفيان ، قال أبو زرعة : صدوق ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به ، واستشهد به البخاري في باب رمي الجمار من بطن الوادي ، وقال البخاري : كان يقول أنا مكي يقال لي عدني ، وسفيان هو الثوري ، قوله : " وقال والزيت " يعني بعد أن قال في الحنطة والشعير ، قال : والزيت ، وهذا التعليق وصله سفيان في جامعه من طريق علي بن الحسن الهلالي عن عبد الله بن الوليد - رحمه الله .
9 - ( حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة عن عمرو عن أبي البختري قال : سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن السلم في النخل فقال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يصلح ، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز ، وسألت ابن عباس فقال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يأكل أو يؤكل وحتى يوزن قلت : وما يوزن ؟ قال رجل عنده : حتى يحرز ) . هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن محمد بن بشار عن غندر ، وهو محمد بن جعفر عن شعبة إلى آخره ، قوله : فقال : نهى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت نهى عمر - رضي الله تعالى عنه - ونهي عمر إما عن السماع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما عن اجتهاده .
( باب السلم في النخل ) أي هذا باب في بيان حكم السلم في ثمر النخل . 8 - ( حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة عن عمرو عن أبي البختري قال : سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن السلم في النخل ، فقال : نهي عن بيع النخل حتى يصلح ، وعن بيع الورق نساء بناجز ، وسألت ابن عباس عن السلم في النخل ، فقال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يؤكل منه أو يأكل منه وحتى يوزن ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، قوله : " فقال : نهى " أي فقال ابن عمر ، نهي بضم النون على بناء المجهول ، والروايات كلها متفقة على ضم النون ، قوله : " عن بيع النخل " أي عن بيع ثمر النخل ، قوله : " حتى يصلح " أي حتى يظهر فيه الصلاح ، قوله : " وعن بيع الورق " ، أي ونهى أيضا عن بيع الورق بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وسكون الراء وفتح الواو وسكون الراء ، وهو الدراهم المضروبة ، أي نهى عن بيع الفضة بالذهب نسأ ، أي بالتأخير ، وهو بفتح النون وبالمد والقصر ، ومنه نسأت الدين أي أخرته نساء ، وأنسأته أنسا ، والنساء الاسم ، فإن قلت : انتصاب نساء بماذا ؟ قلت : يجوز أن يكون على الحال ويكون نسأ بمعنى منسأ على صيغة اسم المفعول ، قوله : " بناجز " بالزاي في آخره أي بحاضر ، يقال : نجز ينجز نجزا إذا حضر وحصل ، قوله : " فقال " أي ابن عباس نهى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع ثمر النخل حتى يؤكل منه ، أي حتى يؤكل من النخل ثمره أو يأكله صاحبه منه ، قوله : " وحتى يوزن " أي حتى يخرص ، وقد مر عن قريب . واستدل بعضهم بالحديث المذكور على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين ولكن بعد بدو صلاحه وهو مذهب المالكية أيضا ، وهذا الاستدلال ضعيف ، وقال ابن المنذر : اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين لأنه غرر ، قلت : وهو مذهب أصحابنا الحنفية أيضا ، والدليل عليه ما رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين وسكون العين المهملتين وفتح النون أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بني فلان قال : " لا أبيعك من حائط مسمى ، بل أبيعك أوسق مسماة إلى أجل مسمى " .
بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب السلم ) أي هذا كتاب في بيان أحكام السلم ، والسلم بفتحتين بيع على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلا ، وسمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس ، وسلفا لتقديم رأس المال ، والسلم والسلف كلاهما بمعنى واحد ووزن واحد ، وقيل : السلف لغة أهل العراق ، والسلم لغة أهل الحجاز ، وقيل : السلف بتقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس ، فالسلف أعم ، وقيل : السلم والسلف والتسليف عبارة عن معنى واحد ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السلم ؛ لأن السلف يقال على القرض والسلم في الشرع بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق ، واتفق العلماء على مشروعيته ، إلا ما حكي عن ابن المسيب ، وفي التلويح ، وكرهت طائفة السلم ، روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان يكره السلم .
حدثنا محمد قال : أخبرنا إسماعيل عن ابن نجيح بهذا في كيل معلوم ووزن معلوم اختلف في محمد هذا ، من هو ؟ قال أبو علي الجياني : لم ينسب محمدا هذا أحدٌ من الرواة ، قال : والذي عندي في هذا أنه محمد بن سلام . وبه جزم الكلاباذي ، وأن ابن سلام روى عن إسماعيل بن علية . قوله : « بهذا » ، أي : بهذا الحديث المذكور .
( باب السلم في كيل معلوم ) أي هذا باب في بيان حكم السلم في كيل معلوم فيما يكال ، كذا وقع هذا في رواية المستملي ، ووقعت البسملة عنده مقدمة ، ووقعت في رواية الكشميهني بين الكتاب والباب ، ولم يقع في رواية النسفي لفظ كتاب السلم ، وإنما وقع عنده لفظ الباب ، ووقعت البسملة بعده . 1 - حدثنا عمرو بن زرارة قال : أخبرنا إسماعيل بن علية قال : أخبرنا ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة والناس يسلفون في الثمر العام والعامين ، أو قال : عامين أو ثلاثة ، شك إسماعيل ، فقال : من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عمرو بفتح العين ، ابن زرارة بضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما ألف وفي آخره هاء ، ابن واقد أبو محمد ، مر في سترة الصلاة . الثاني : إسماعيل بن علية ، بضم العين وفتح اللام المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم الأسدي ، وعلية اسم أمه مولاة لبني أسد . الثالث : عبد الله بن أبي نجيح ، بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة ، واسمه يسار ضد اليمين . الرابع : عبد الله بن كثير ضد قليل ، المقرئ أحد القراء السبعة ، وبه جزم القابسي وعبد الغني والمزي ، وقال الكلاباذي وابن طاهر الدمياطي : هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي ، كلاهما ثقة . الخامس : أبو المنهال ، بكسر الميم وسكون النون ، عبد الرحمن بن مطعم الكوفي ، ولا يشتبه عليك بأبي المنهال سيار البصري . السادس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه نيسابوري ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وأن إسماعيل بصري ، وابن أبي نجيح وعبد الله بن كثير سواء كان هو المقرئ أو ابن المطلب مكيون ، وعبد الله بن كثير بن المطلب ليس له في البخاري إلا هذا الحديث ، وذكر له مسلم حديثا آخر في الجنائز رواه عنه ابن جريج ، وكذلك ليس لعبد الله بن كثير المقرئ غير هذا الحديث ، وليس لأحد من القراء السبعة رواية إلا لهذا ، ولابن أبي النجود في المبايعة ، ووقع في المدونة عبد الله بن أبي كثير ، وهو غلط ، وصوابه حذف أبي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في السلم عن محمد ، وعن صدقة بن الفضل ، وعلي بن عبد الله وقتيبة ، فرقهم ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة ، وعن أبي نعيم ، وقال عبد الله بن الوليد : كلاهما عن سفيان الثوري ، وأخرجه مسلم أيضا في البيوع عن يحيى بن يحيى وعمرو بن محمد الناقد ، كلاهما عن سفيان بن عيينة به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وإسماعيل بن سالم ، كلاهما عن إسماعيل بن علية به ، وعن أبي كريب وابن أبي عمر ، كلاهما عن وكيع ، وعن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي ، كلاهما عن الثوري به ، وعن شيبان بن فروخ ، وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الشروط عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن هشام بن عمار ، أربعتهم عن سفيان بن عيينة . ( ذكر معناه ) قوله : « والناس يسلفون » الواو فيه للحال ، ويسلفون بضم الياء من أسلف . قوله : « العام » بالنصب على الظرفية . قوله : « شك إسماعيل » ، وهو إسماعيل بن علية ولم يشك سفيان ، فقال : وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث ، ويأتي في الباب الذي يليه ، وقال بعضهم : وقوله « السنتين » منصوب إما على نزع الخافض ، أو على المصدر . قلت : هذا غلط لا يخفى ، ومن مس شيئا ما من العربية لا يقول هذا ، ولكن لو بين وجهه لكان له وجه ، وهو أن يقال : التقدير في وجه نزع الخافض إلى السنة ، والتقدير في وجه النصب على المصدر أن يقال : إسلاف السنة ، فالإسلاف مصدر منصوب ، فلما حذف قام المضاف إليه مقامه ، فافهم . قوله : « من سلف في تمر » بتشديد اللام في رواية ابن علية ، وفي رواية ابن عيينة : « من أسلف في شيء » وهذه أشمل . قوله : « في تمر » بالتاء المثناة من فوق ، ويروى بالثاء المثلثة . قوله : ووزن الواو بمعنى "أو" ، أي : أو في وزن معلوم ، والمراد : اعتبار الكيل فيما يكال ، واعتبار الوزن فيما يوزن . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيلات ، واشتراط الوزن فيما يوزن من الموزونات لاختلاف المكاييل والموزونات ، إلا أن يكون في بلد ليس فيه إلا كيل واحد ووزن واحد ، فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق ، ولا خلاف في اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل ، كصاع الحجاز ، وقفيز العراق ، وإردب مصر ، بل مكاييل هذه البلاد في أنفسها مختلفة ، فلا بد من التعيين ، وعن هذا قال ابن حزم : لا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون فقط ، ولا يجوز في مذروع ، ولا في معدود ، ولا شيء غير ما ذكر في النص . وكأنه قصر السلم على ما ذكر في الحديث ، وليس كذلك ، بل السلم يجوز فيما لا يكال ولا يوزون ، ولكن لا بد فيه من صفة الشيء المسلم فيه ويدخل في قوله : « كيل معلوم ووزن معلوم » إذ العلم بهما يستلزمه . والأصل فيه عندنا أن كل شيء يمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه ، كمكيل وموزن ومذروع ومعدود متقارب ، كالجوز والبيض ، وعند زفر : لا يجوز في المعدود عند تفاوت آحاده . وقال الشافعي : لا يصح إلا وزنا . وفي الروضة : ويجوز السلم في الجوز واللوز وزنا إذا لم تختلف قشوره غالبا ، ويجوز كيلا على الأصح ، وكذا الفستق والبندق ، وأما البطيخ والقثاء والبقول والسفرجل والرمان والباذنجان والنارنج والبيض ، فالمعتبر فيها الوزن ، انتهى ، وبه قال أحمد . وفي حاوي الحنابلة : ولا يسلم في معدود مختلف من حيوان وغيره ، وعنه يصح وزنا في غير الحيوان كالفلوس إن جاز السلم فيها ، وعنه عددا ، وقيل في المتقارب كجوز وبيض عددا ، وفي المتفاوت كفاكهة وبقل وزنا ، انتهى . ومذهب مالك ما ذكره في الجواهر ، ويكفي العدد في المعدودات ، ولا يفتقر إلى الوزن إلا أن يتفاوت آحاده تفاوتا يقتضي اختلاف أثمانها ، فلا يكفي فيها حينئذ مجرد العدد والمعدود ، كالبيض والباذنجان والرمان ، وكذا الجوز واللوز إن جرت عادة بيعه بالعدد ، وكذا اللبن ، وكذا البطيخ إذا كان متفاوتا غير بين التفاوت ، وكذلك جميع ما يشبه ما ذكرنا ، انتهى . وأما الفلوس فيجوز السلم فيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد : لا يجوز ، وبه قال مالك وأحمد في رواية ، وعن أحمد : يجوز وزنا ، وعنه عددا ، وعن الشافعي قولان في سلم الفلوس ، وأما السلم في الدراهم والدنانير ، فإن أسلم فيهما ، قيل : يكون باطلا ، وقيل : ينعقد بيعا بثمن مؤجل معناه إذا أسلم في الدراهم ثوبا مثلا ، والأول أصح ، وعند الشافعي القول الثاني هو الأصح ، وقال النووي : اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز إسلام الدراهم في الدنانير ، ولا عكسه سلما مؤجلا ، وفي الحال وجهان الأصح المنصوص في الأم أنه لا يصح ، والثاني يصح بشرط قبضها في المجلس .
( باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع ) أي هذا باب في بيان أن عرض الشريك فيما يشفع فيه الشفعة على من له الشفعة قبل صدور البيع هل يبطل الشفعة أم لا ، وفيه خلاف على ما نذكره . ( وقال الحكم : إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له ) . الحكم بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين ، ابن عتيبة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، أبو محمد ، ويقال : أبو عبد الله الكوفي التابعي ، قوله : " إذا أذن له " أي إذا أذن الشريك لصاحبه في البيع قبل البيع سقط حقه في الشفعة ، وهذا التعليق أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ " إذا أذن المشتري في المشترى فلا شفعة له " ، ورواه وكيع عن سفيان عن أشعث عن الحكم " إذا أذن الشفيع للمشتري في الشراء فلا شفعة له " ، وقال ابن التين : قول الحكم بن عتيبة هذا قال به سفيان ، وخالفهما مالك وقال : لا يلزمه أذنه بذلك ، وقال ابن بطال : هذا العرض مندوب إليه كما فعل أبو رافع على ما يأتي حديثه عن قريب ، وفي التوضيح : وإذا أذن له شريكه في بيع نصيبه ثم رجع فطالبه بالشفعة فقالت طائفة : لا شفعة له ، وهذا قول الحسن ، والثوري ، وأبي عبيد ، وطائفة من أهل الحديث ، وقالت طائفة : إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعته فذلك له ، هذا قول مالك والكوفيين ، ورواية عن أحمد ، وقال ابن بطال : ويشبه مذهب الشافعي ، قال صاحب التوضيح وهو مذهبه : وحكى أيضا عن عثمان البتي وابن أبي ليلى ، واحتج أحمد فقال : لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، وقد احتج بمثله ابن أبي ليلى ، وذكر الرافعي : قال مالك : إذا باع المشتري نصيبه من أجنبي وشريكه حاضر يعلم بيعه فله المطالبة بالشفعة متى شاء ، ولا تنقطع شفعته إلا بمضي مدة يعلم أنه في مثلها تارك ، واختلف في المدة فقيل : سنة ، وقيل : فوقها ، وقيل : فوق ثلاث ، وقيل : فوق خمس ، حكاها ابن الحاجب ، وقال أبو حنيفة : إذا وقع البيع فعلم الشفيع به فإن أشهد في مكانه أنه على شفعته وإلا بطلت شفعته ، وبه قال الشافعي إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها من حبس أو غيره فهو على شفعته . ( وقال الشعبي : من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له ) . الشعبي هو عامر بن شراحيل الكوفي التابعي الكبير ، قال منصور بن عبد الرحمن الفداني : عن الشعبي أنه قال : أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقولون : علي وطلحة والزبير في الجنة ، مات سنة ثلاث ومائة ، وهو ابن ثنتين وثمانين ، وتعليق الشعبي وصله ابن أبي شيبة عن وكيع ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال : سمعت الشعبي يقول به ، وفيه لا ينكرها بدل لا يغيرها . 2 - ( حدثنا المكي بن إبراهيم قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد قال : وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة ، فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي فقال - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا سعد ابتع مني بيتي في دارك ، فقال سعد : والله ما أبتاعهما ، فقال المسور : والله لتبتاعنهما ، فقال سعد : والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة ، قال أبو رافع : لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الجار أحق بسقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار ، فأعطاها إياه ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ابتع مني بيتي الذي في دارك ، ففي ذلك عرض الشريك بالبيع شريكه لأجل شفعته قبل صدور البيع . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، الأول : المكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد أبو السكن الحنظلي البلخي ، الثاني : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، الثالث : إبراهيم بن ميسرة ضد الميمنة ، وقد مر في باب الدهن للجمعة ، الرابع : عمرو بن الشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ، أبو الوليد ، قال العجلي : حجازي تابعي ثقة ، وأبوه الشريد بن سويد الثقفي صحابي شهد الحديبية ، الخامس : سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه السادس : المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة ابن مخرمة بفتح الميم والراء وإسكان الخاء المعجمة بينهما ، تقدم في آخر كتاب الوضوء ، السابع : أبو رافع واسمه أسلم بلفظ أفعل التفضيل ، القبطي ، كان للعباس ، فوهبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلام العباس أعتقه ، مات في أول خلافة علي - رضي الله تعالى عنه ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه ثلاثة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وأحدهم صحابي ابن صحابي وهو المسور بن مخرمة ، فإن مخرمة من مسلمة الفتح ، ومن المؤلفة قلوبهم ، وشهد حنينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص ، وفيه أن شيخه بلخي كما ذكرنا ، وأن ابن جريج وإبراهيم مكيان ، وعمرو بن شريد طائفي ، وهو من أوساط التابعين ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وفيه إبراهيم عن عمرو ، وفي رواية سفيان على ما يأتي في ترك الحيل عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشريد . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ترك الحيل عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن يوسف وأبي نعيم كلاهما عن سفيان الثوري ، وعن مسدد عن يحيى عن الثوري ، وأخرجه أبو داود في البيوع عن النفيلي عن سفيان بن عيينة به ، وعن محمود بن غيلان عن أبي نعيم به ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر ابن أبي شيبة وعلي بن محمد وعبد الله بن الجراح ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة . ( ذكر معناه ) قوله : " إحدى منكبي " ذكره ابن التين هكذا بلفظ إحدى وأنكره بعضهم ، وقال : المنكب مذكر ، وبخط الحافظ الدمياطي : أحد منكبي ، قوله : " إذ جاء " كلمة إذ للمفاجاة مضافة إلى الجملة وجوابها قوله : فقال يا سعد ، قوله : " ابتع مني " أي اشتر مني ، قوله : " بيتي في دارك " أي بيتي الكائنين في دارك ، وقال الكرماني : بيتي بلفظ المفرد والتثنية ، ولهذا جاءت الضمائر التي بعده مثنى ومفردا ، مؤنثا بتأويل البيت بالبقعة ، قوله : " ما أبتاعهما " أي ما أشتريهما ، قوله : " لتبتاعنهما " اللام فيه مفتوحة للتأكيد وكذلك نون التأكيد إما مخففة وإما مثقلة ، قوله : " منجمة " أي موظفة ، والنجم الوقت المضروب ، قوله : " أو مقطعة " شك من الراوي ، والمراد مؤجلة يعطي شيئا فشيئا ، قوله : " أربعة آلاف " وفي رواية سفيان أربعمائة درهم ، وفي رواية الثوري في ترك الحيل أربعمائة مثقال ، وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك عشرة دراهم ، قوله : " لقد أعطيت " على صيغة المجهول ، وكذلك ، قوله : " وأنا أعطي بها " . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار ، وأوله الخصم على أن المراد به الشريك ، بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ، ولذلك دعاه إلى الشراء منه ، ورد هذا بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصا شائعا من دار سعد - رضي الله تعالى عنه - وذكر عمر بن شبة أن سعدا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلين بينهما عشرة أذرع ، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه ، ثم ساق حديث الباب ، فاقتضى كلامه أن سعدا كان جارا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكا ، وقيل : الجار لما احتمل معاني كثيرة ، منها : أن كل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار في لسان العرب ، ومنها : يقال لامرأة الرجل جارته لما بينهما من الاختلاط بالزوجية ، ومنها : أنه يسمى الشريك جارا لما بينهما من الاختلاط بالشركة وغير ذلك من المعاني ، فإذا كان كذلك يكون لفظ الجار في الحديث مجملا ، وقوله : - صلى الله عليه وسلم - : " فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " كان مفسرا فالعمل به أولى من العمل بالمجمل ، قلت : دعوى الإجمال هنا دعوى فاسدة لعدم الدليل على ذلك ، وفي مصنف عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح : الخليط أحق من الجار ، والجار أحق من غيره ، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي : الشريك أحق بالشفعة ، فإن لم يكن شريك فالجار ، وهذا ينادي بأعلى صوته أن الشريك غير الجار ، فإن المراد بالجار هو صاحب الدار الملاصقة بدار غيره ، وفيه ثبوت الشفعة مطلقا سواء كان الذي له الشفعة حاضرا أو غائبا ، وسواء كان بدويا أو قرويا ، مسلما أو ذميا ، صغيرا أو كبيرا ، أو مجنونا إذا أفاق . وقال قوم من السلف : لا شفعة لمن لم يسكن في المصر ، ولا للذمي ، قاله الشعبي والحارث العكلي والبتي ، وزاد الشعبي : ولا لغائب ، وقال ابن أبي ليلى : ولا شفعة لصغير ، وقال الشعبي : لا تباع الشفعة ولا توهب ولا تعار ، هي لصاحبها الذي وقعت له ، وقال إبراهيم فيما نقله الأثرم : لا تورث ، وكذا روي عن ابن سيرين ، وقال ابن حزم : قال عبد الرزاق : وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، والحسن بن حي ، وأبي سليمان ، وقال مالك والشافعي : تورث ، قلت : مذهب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل بموت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله ، فلا تورث عنه ، ولا تبطل بموت المشتري لوجود المستحق . وفيه ما يدل على مكارم الأخلاق ؛ لأن أبا رافع باع من سعد بأقل مما أعطاه غيره ، فهو من باب الإحسان والكرم ، وإذا اختلف الشفيع والمشتري في مقدار الثمن ، فالقول للمشتري لأنه منكر ولا يتحالفان ، فإن برهنا فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف : البينة بينة المشتري ، وعند الشافعي وأحمد : تهاترتا والقول للمشتري ، وعنهما يقرع ، وعند مالك يحكم للأعدل وإلا فباليمين .
( باب أي الجوار أقرب ) أي هذا باب في بيان أي الجوار أقرب إذا كان ثمة جيران ، وقد ذكرنا أن الجار الذي يستحق الشفعة هو الجار الملاصق ، وهو الذي داره على ظهر الدار المشفوعة ، وسيأتي مزيد الكلام فيه ، والجوار بضم الجيم وكسرها . 3 - ( حدثنا حجاج قال : حدثنا شعبة ح وحدثني علي بن عبد الله قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو عمران قال : سمعت طلحة بن عبد الله عن عائشة - رضي الله عنها - قلت : يا رسول الله إن لي جارين ، فإلى أيهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك بابا ) . مطابقته للترجمة من حيث أنه أوضح أي الجوار أقرب . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، الأول : حجاج هو ابن منهال السلمي الأنماطي ، وليس هو حجاج بن محمد الأعور ، وإن كان كل منهما قد روى عن شعبة ؛ لأن البخاري سمع من حجاج ابن منهال ، ولم يسمع من حجاج بن محمد ، ولكن روى له ، الثاني : شعبة بن الحجاج ، الثالث : علي بن عبد الله ، كذا وقع في النسبة في رواية ابن السكن وكريمة ، وفي رواية الأكثرين وقع غير منسوب حيث قال : حدثني علي فقط ، وعن هذا اختلفوا فيه من هو ، فقال أبو علي الجياني : هو علي بن سلمة اللبقي ، بفتح اللام والباء الموحدة وبالقاف النيسابوري ، وبه جزم الكلاباذي وابن طاهر ، وهو الذي ثبت في رواية المستملي ، وقال ابن شبويه : هو علي بن المديني ، وهو الأظهر ؛ لأن في كثير من المواضع يطلق البخاري الرواية عن علي ، وإنما يقصد به علي بن المديني ، ولأن العادة أنه إذا أطلق ينصرف إلى من يكون أشهر ، ولا شك أن ابن المديني أشهر من اللبقي . الرابع : شبابة بفتح الشين المعجمة وتخفيف البائين الموحدتين بينهما ألف ، ابن سوار الفزاري أبو عمرو ، وقد مر في باب الصلاة على النفساء ، الخامس : أبو عمران ، واسمه عبد الملك بن حبيب ، ضد العدو الجوني بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون ، السادس : طلحة بن عبد الله ، قال الحافظ المزي : هو طلحة ابن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقال بعضهم : هو طلحة بن عبد الله الخزاعي ، والأصح ما قاله المزي ؛ لأن البخاري أخرج حديث الباب في الهبة من طريق غندر عن شعبة ، فقال طلحة بن عبد الله : رجل من بني تيم بن مرة ، وقال الدارقطني : في رواية سليمان بن حرب عن شعبة عن طلحة بن عبد الله الخزاعي ، وقال الحارث بن عبد الله عن أبي عمران الجوني عن طلحة ، ولم ينسبه ، وقال أبو داود : سليمان بن الأشعث ، قال شعبة : في هذا الحديث عن طلحة رجل من قريش ، وقال الإسماعيلي : قال يحيى بن يونس عن شعبة : أخبرني أبو عمران أنه سمع طلحة عن عائشة ، قال شعبة : وأظنه سمعه من عائشة ، ولم يقل سمعته منها . السابع : أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري وأنه من أفراده ، وأن شعبة واسطي ، وعلي بن عبد الله مديني ، وشبابة مدائني ، وأن أبا عمران بصري ، وفيه أنه ليس لطلحة بن عبد الله في البخاري سوى هذا الحديث ، وهذا الحديث من أفراده لم يخرجه مسلم ، وأخرجه البخاري أيضا في الأدب عن حجاج ، وفي الهبة عن ابن بشار ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد وسعيد بن منصور . ( ذكر معناه ) قوله " أهدي " بضم الهمزة من الإهداء ، وقال المهلب : وإنما أمر بالهدية إلى من قرب بابه لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه وأنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة إليه في أوقات الغفلة والغرة ؛ فلذلك بدأ به على من بعد باب داره وإن كانت داره أقرب ، قال ابن المنذر : وهذا الحديث دال على أن اسم الجار يقع على غير الملاصق ؛ لأنه قد يكون له جار ملاصق وبابه من سكة غير سكته وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين ، وليس بملاصق وهو أدناهما بابا . وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث ، فقال : إن الجار الملاصق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له حد ولا طريق فلا شفعة له ، وعوام العلماء يقولون : إذا أوصى رجل لجيرانه أعطي اللزيق وغيره إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : لا يعطى إلا اللزيق وحده انتهى ، قلت : الذي قال : خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث خرج عن ظاهر الأدب ، ولا ينقل عن إمام مثل أبي حنيفة شيء مما قاله إلا بمراعاة الأدب ، فإن الذي ينقل عنه شيئا من بعده لا يساوي مقداره ولا يدانيه لا في الدين ولا في العلم ، وأبو حنيفة لا يذهب إلى شيء إلا بعد أن يحقق مدركه والسر فيه ، والأصل في النصوص التعليل ، ولا يدري هذا إلا من يقف على مداركها ، والسر في وجوب الشفعة دفع الأذى من الخارج ، ولهذا قدم الشريك في نفس المبيع ، ثم من بعده الشريك في حق المبيع ، ثم من بعدهما للجار ، ولا يحصل الضرر في منع الشفعة إلا للجار الملاصق لاتصال الجدران ووضع الأخشاب بينه وبين صاحب الملك ، ولا مناسبة بين الجار الذي له الشفعة وبين الجار الذي أوصى إليه بشيء ؛ لأن أمر الشفعة مبني على القهر بخلاف الوصية ، وإنما قال في الوصية لجيرانه الملاصقين لأنهم الجيران تسمية وعرفا ، وفي مذهب عوام العلماء عسر عظيم ، بل لا يحصل فيه فائدة على قول من يقول : أهل المدينة كلهم جيران ، وفي مراسيل أبي داود عن ابن شهاب : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أربعون دارا جار ، قال يونس : قلت لابن شهاب : وكيف أربعون دارا ؟ قال : أربعون عن يمينه وعن يساره وخلفه وبين يديه ، وعن الحسن أربعون من هنا وأربعون من جوانبها الأربع أربعون ، أربعون ، أربعون ، ولو فرضنا أن شخصا من أهل مصر أوصى بثلث ماله لجيرانه فخرج ثلث ماله عشرة دراهم مثلا فعلى قول الحسن يعطى هذه العشرة لمائة وعشرين نفسا ، فيحصل لكل واحد ما ليس فيه فائدة ولا ينتفع به الموصى إليه ، وأما على قول أهل المدينة كلهم جيران ، فحكمه حكم العدم ، فلا يحصل مقصود الموصي ولا مقصود الموصى لهم ، فإذا قلنا : الجيران هم الملاصقون لا يفوت شيء من ذلك ويحصل مقصود الموصي من ذلك أيضا ، وقال ابن بطال : لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار ؛ لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية ، فأخبرها بأن من قرب أولى من غيره ، انتهى ، قلت : إنما كان مراد ابن بطال من هذا الكلام : التسميع للحنفية فهم ما احتجوا به ولئن سلمنا أنهم احتجوا به فلهم ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى أن الأقرب أولى ، فالجار الملاصق أقرب من غيره فيكون أحق من غيره ، ولا سيما بأنه باب الإكرام وباب الإهداء على التعهد والتفضل والإحسان . قوله : " قال إلى أقربهما منك بابا " أي قال - صلى الله عليه وسلم - : إلى أقرب الجارين من حيث الباب ، وهنا استعمل أفعل التفضيل بوجهين مع أنه لا يستعمل إلا بأحد الوجوه الثلاثة لأنه لم يستعمل إلا بالإضافة ، وأما كلمة من فهي من صلة القرب كما يقال قرب من كذا ، وفيه افتقاد الجيران بإرسال شيء إليهم ولا سيما إذا كانوا فقراء وفيهم أغنياء ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا يؤمن أحدكم يبيت شبعان وجاره طاو " ، وقد أوصى الله تعالى بالجار فقال : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) : وقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " ما زال جبريل - عليه الصلاة والسلام - يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .
( كتاب الشفعة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة ، وهو بضم الشين المعجمة وسكون الفاء ، وغلط من حركها ، قاله بعضهم ، وقال صاحب تثقيف اللسان : والفقهاء يضمون الفاء ، والصواب الإسكان ، قلت : فعلى هذا لا ينبغي أن ينسب الفقهاء إلى الغلط صريحا لرعاية الأدب ، وكان ينبغي أن يقال : والصواب الإسكان كما قاله صاحب تثقيف اللسان ، واختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال ، إما من الضم ، أو الزيادة ، أو التقوية والإعانة ، أو من الشفاعة ، وكل ذلك يوجد في حق الشفيع ، وقال ابن حزم : وهي لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لم يعرفوا معنى الصلاة والزكاة ونحوهما حتى بينها الشارع ، ويقال : شفعت كذا بكذا إذا جعلته شفعا ، وكان الشفيع يجعل نصيبه شفعا بنصيب صاحبه بأن ضمه إليه ، قال الكرماني : الشفعة في الاصطلاح : تملك قهري في العقار بعوض يثبت على الشريك القديم للحادث ، وقيل : هي تملك العقار على مشتريه جبرا بمثل ثمنه ، وقال أصحابنا : الشفعة تملك البقعة جبرا على المشتري بما قام عليه ، وقيل : هي ضم بقعة مشتراة إلى عقار الشفيع بسبب الشركة أو الجوار ، وهذا أحسن ، ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب السلم في الشفعة ) كذا في رواية المستملي ، وفي رواية الباقين سقط ما سوى البسملة . ( باب الشفعة في ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) أي هذا باب في بيان حكم الشفعة في المكان الذي لم يقسم ، قوله : " فإذا وقعت الحدود " أي إذا صرفت وعينت فلا شفعة ، وهذا الباب بهذه الترجمة ثابت عند جميع الرواة . 1 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا الحديث مضى في كتاب البيوع في باب بيع الشريك من شريكه ، فإنه أخرجه هناك عن محمود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وهنا عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن معمر إلى آخره ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى ، واختلف على الزهري في هذا الإسناد فقال مالك عنه : عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلا كذا رواه الشافعي وغيره ، ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة ، أخرجه البيهقي ، ورواه ابن جريج عن الزهري كذلك ، لكن قال عنهما أو عن أحدهما ، أخرجه أبو داود قلت : هذا مما يضعف حجة من احتج به في اختصاص ثبوت الشفعة للشريك دون الجار ، وأيضا قال ابن أبي حاتم عن أبيه : أن قوله فإذا وقعت الحدود إلى آخره مدرج من كلام جابر ، قال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن الأصل كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل ( قلت ) قوله : كل ما إلى آخره غير مسلم لأن أشياء كثيرة تقع في الحديث وليست منه ، وأبو حاتم إمام في هذا الفن ولو لم يثبت عنده الإدراج فيه لما أقدم على الحكم به . وقال الكرماني : قال التيمي : قال الشافعي : الشفعة إنما هي للشريك ، وأبو حنيفة للجار ، وهذا الحديث حجة عليه ( قلت ) سبحان الله ، هذا كلام عجيب لأن أبا حنيفة لم يقل الشفعة للجار على الخصوص ، بل قال : الشفعة للشريك في نفس المبيع ثم في حق المبيع ثم من بعدهما للجار ، وكيف يقول وهو حجة عليه وإنما يكون حجة عليه إذا ترك العمل به ، وهو عمل به أولا ثم عمل بحديث الجار ولم يهمل واحدا منهما ، وهم عملوا بأحدهما وأهملوا الآخر بتأويلات بعيدة فاسدة ، وهو قولهم : أما حديث " الجار أحق بصقبه " فلا دلالة فيه إذ لم يقل : أحق بشفعته ، بل قال : أحق بصقبه ؛ لأنه يحتمل أن يراد منه بما يليه ويقرب منه ، أي أحق بأن يتعمد ويتصدق عليه أو يراد بالجار الشريك ( قلت ) هذه مكابرة وعناد من أريحية التعصب ، وكيف يقول : إذا لم يقل أحق بشفعته ، وقد وقع في بعض ألفاظ أحمد والطبراني وابن أبي شيبة " جار الدار أحق بشفعة الدار " وكيف يقبل هذا التأويل الصارف عن المعنى الوارد في الشفعة ، ويصرف إلى معنى لا يدل عليه اللفظ ، ويرد هذا التأويل ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - " جار الدار أحق بالدار " ذكره الترمذي في باب ما جاء في الشفعة ، وقال : حديث حسن ، ثم قال : وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وروى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة ، ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس ، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب هو حديث حسن ، وروى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع سمعت محمدا يقول : كلا الحديثين عندي صحيح . وقال الكرماني بعد أن قال يراد بالجار الشريك : يجب الحمل عليه جمعا بين مقتضى الحديثين ( قلت ) لم يكتف الكرماني بصرف معنى الجار عن معناه الأصلي إلى الشريك حتى يحكم بوجوب ذلك ، وهذا يدل على أنه لم يطلع على ما ورد في هذا الباب من الأحاديث الدالة بثبوت الشفعة للجار بعد الشريك ( فإن قلت ) قال ابن حبان : الحديث ورد في الجار الذي يكون شريكا دون الجار الذي ليس بشريك ، يدل عليه ما أخبرنا ، وأسند عن عمرو بن الشريد قال : كنت مع سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة ، فجاء أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال لسعد بن مالك : اشتر مني بيتي الذي في دارك ، فقال : لا إلا بأربعة آلاف منجمة ، فقال : أما والله لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : " الجار أحق بصقبه " ما بعتكها وقد أعطيتها بخمسمائة دينار ( قلت ) هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجه ، عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه أن رجلا قال : يا رسول الله " أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا الجوار ، فقال : الجار أحق بصقبه " الصقب بالصاد ما قرب من الدار ، ويقال : السقب أيضا بالسين ، وقال ابن دريد : سقبت الدار سقوبا وأسقبت لغتان فصيحتان أي قربت ، وأبياتهم متساقبة أي متدانية ، وفي الجامع هو بالصاد أكثر ، وفي المنتهى الصقب بالتحريك التقرب ، يقال : هذا أصقب الموضعين إليك أي أقربهما ، وفي الزاهر للأنباري : الصقب الملاصقة كأنه أراد بما يليه وما يقرب منه .
( باب الأجير في الغزو ) أي هذا باب في بيان حكم استئجار الأجير في الغزو ، وقال ابن بطال : استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء ، ويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وإن كان القصد به تحصيل الأجر ، فلا ينافي ذلك الاستعانة بالخادم خصوصا لمن لا يقدر على معاطاة الأمور بنفسه . 6 - ( حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا إسماعيل بن علية قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء عن صفوان بن يعلى ، عن يعلى بن أمية - رضي الله عنه - قال : غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة ، فكان من أوثق أعمالي في نفسي ، فكان لي أجير ، فقاتل إنسانا فعض أحدهما إصبع صاحبه ، فانتزع أصبعه فأندر ثنيته فسقطت ، فانطلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهدر ثنيته ، وقال : أفيدع إصبعه في فيك تقضمها ؟ قال : أحسبه قال : كما يقضم الفحل ) . مطابقته للترجمة في قوله : فكان لي أجير . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي ، الثاني : إسماعيل بن علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف ، وعلية اسم أمه ، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم الأسدي ، الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، الرابع : عطاء بن أبي رباح ، الخامس : صفوان بن يعلى بن أمية التميمي ، أو التيمي حليف لقريش ، السادس : يعلى بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام مقصورا ، ابن أمية ، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف ، ويقال له : ابن منية ، بضم الميم وسكون النون وفتح الياء آخر الحروف ، وهو اسم أمه ، والأول اسم أبيه أبو صفوان . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بغدادي ، وإنما قيل له الدورقي لأنه وأقاربه كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إليها ، وليسوا من بلد دورق ، وإسماعيل بصري ، والبقية كلهم مكيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه عن عطاء عن صفوان ، وفي رواية همام الماضية في الحج حدثني صفوان بن يعلى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن عبد الله بن محمد ، عن سفيان بن عيينة ، وفي المغازي عن عبيد الله بن سعيد ، وفي الديات مختصرا عن أبي عاصم أربعتهم عن ابن جريج ، عن عطاء عنه به ، وأخرجه مسلم في الحدود عن عمرو بن زرارة ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن شيبان بن فروخ ، وعن ابن المثنى وابن بشار وعن أبي غسان ، وأخرجه أبو داود في الديات عن مسدد عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج ، وأخرجه النسائي في القصاص ، وعن عبد الجبار وإسحاق بن إبراهيم فرقهما ، وعن عبد الجبار ، وعن إسحاق بن إبراهيم أيضا ، وعن أبي بكر بن إسحاق . ( ذكره معناه ) قوله : " جيش العسرة " بضم العين المهملة وسكون السين المهملة وهي غزوة تبوك ، وتعرف أيضا بالفاضحة ، وقيل لها : العسرة ؛ لأن الحر كان فيها شديدا والجدب كثيرا ، وحين طابت الثمار ، وكان الناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، وكانت في رجب ، قال ابن سعد : يوم الخميس ، وقال ابن التين : خرج في أول يوم من رجب ، ورجع في سلخ شوال ، وقيل : رمضان من سنة تسع من الهجرة ، قوله : " فكان من أوثق أعمالي في نفسي " أي مكان الغزو من أحكم أعمالي في نفسي وأقواها اعتمادا عليه ، ويؤخذ منه ذكر الرجل الصالح عمله . قوله : " فكان لي أجير " وهو الذي يخدم بالأجرة ، قوله : " فقاتل " أي الأجير إنسانا ، ووقع في رواية مسلم " أن يعلى قاتل رجلا " قال مسلم : حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار ، واللفظ لابن المثنى ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن زرارة ، عن عمران بن حصين ، قال : قاتل يعني بن منية أو ابن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه فانتزع يده من فيه فنزع ثنيته ، وقال ابن المثنى : ثنتية ، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يعض أحدكم كما يعض الفحل لا دية لك " ، وقال القرطبي : ورواية البخاري " أن أجيرا ليعلى " هو الأولى إذ لا يليق بيعلى مع جلالته وفضله ذلك الفعل ، وقال النووي : الصحيح المعروف فيما قاله الحفاظ أنه أجير يعلى لا يعلى ، ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو في وقتين ، انتهى ، قوله : " يده " ، ويروى : " ذراعه " ، قوله : " أصبع صاحبه " في الأصبع تسع لغات ، والعاشر أصبوع ، قوله : " فأندر ثنيته " أي أسقطها بجذبه ، والثنية مقدم الأسنان ، وللإنسان أربع ثنايا ثنتان من فوق ، وثنتان من أسفل ، قوله : " أفيدع " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، قوله : " فيقضمها " بفتح الضاد المعجمة من القضم ، وهو الأكل بأطراف الأسنان يقال : قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه ، وفي الواعي أصل القضم الدق والكسر ولا يكون إلا في الشيء الصلب وماضيه على ما ذكره ثعلب بكسر العين ، وحكى ثابت وابن طلحة فتح العين ، وقال ابن التين : القضم هو الأكل بأدنى الأضراس ، قوله : " الفحل " الذكر من الإبل ونحوه . ( ذكر ما يستفاد منه ) وبه احتج أبو حنيفة والشافعي في آخرين في أن المعضوض إذا جبذ يده ، فسقطت أسنان العاض أو فك لحييه فلا ضمان عليه ، وقال الشافعي : إذا صال الفحل على رجل فدفعه فأتى عليه لم يلزمه قيمته ، وعند مالك يضمن المعضوض ، قال القرطبي : لم يقل أحد بالقصاص في ذلك فيما علمت ، وإنما الخلاف في الضمان فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا ، وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك ، قال : ونزل بعض أصحابنا القول بالضمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق فانتزعها بعنف ، وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه كان متحرك الثنايا ، وقال أبو عبد الملك : لم يصح الحديث عند مالك . وفيه استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء ، وأما القتال فلا يستأجر عليه لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا .
( قال ابن جريج : وحدثني عبد الله بن أبي مليكة عن جده بمثل هذه الصفة أن رجلا عض يد رجل فأندر ثنيته ، فأهدرها أبو بكر - رضي الله عنه - ) . ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعبد الله بن أبي مليكة تصغير ملكة ، منسوب إلى جده ، وقيل : إلى جد أبيه ، فإنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان ، وله صحبة ، ومنهم من زاد في نسبة عبد الله بين عبيد الله وزهير ، وقال : إن الذي يكنى أبا مليكة هو عبد الله بن زهير ، فعلى الأول فالحديث من رواية زهير بن عبد الله عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه وعلى الثاني من رواية عبد الله بن زهير ، فالضمير في جده على الأول يعود على عبد الله فيكون الحديث متصلا ، وعلى الثاني يعود على زهير فيكون منقطعا ، قال بعضهم : قوله : قال ابن جريج إلى آخره ، هو بالإسناد المذكور إليه ، وقال صاحب التلويح : وهذا التعليق رواه الحاكم أبو أحمد في الكنى ، عن أبي بكر بن أبي داود ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي بكر أن رجلا عض يد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - وقال صاحب التوضيح : عبد الله بن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان ، قاضي الطائف لابن الزبير ، توفي بمكة سنة أربع عشرة ومائة ، وقد خالف البخاري ابن منده وأبو نعيم وأبو عمر ، فرووه في كتب الصحابة في ترجمة أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه قوله : " بمثل هذه الصفة " بتشديد الصاد المهملة بعدها الفاء ، ويروى بمثل هذه القضية بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة ، وتشديد الياء آخر الحروف .
( باب إثم من منع أجر الأجير ) أي هذا باب في بيان إثم الذي يمنع أجر الأجير ، وقد أخر ابن بطال هذا الباب عن الباب الذي بعده ، وهو الأوجه ، فإن فيه رعاية المناسبة . 10 - حدثنا يوسف بن محمد قال : حدثني يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع في باب إثم من باع حرا ، فإنه أخرجه هناك عن بشر بن مرحوم ، عن يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن علية إلى آخره ، وهنا أخرجه عن يوسف بن محمد بن سابق العصفري ، روى عنه البخاري هاهنا ، وهو حديث واحد ، ويوسف هذا من أفراده .
( باب الإجارة إلى نصف النهار ) أي هذا باب في بيان حكم الإجارة إلى نصف النهار ، يعني من أول النهار إلى نصفه ، ثم قال بعد هذا الباب : باب الإجارة إلى صلاة العصر ، ثم قال بعد باب آخر : باب الإجارة من العصر إلى الليل ، وهذا كله في حكم يوم واحد ، وأراد بذلك إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم ، إذ لولا جازت ما أقره الشارع في الحديث الذي ضرب به المثل كما يأتي ، وما اتخذه أيضا من هذا الحديث ، وقيل : يحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك إثبات جواز الإجارة بقطعة من النهار إذا كانت معلومة معينة دفعا لتوهم من يتوهم أن أقل الأجل المعلوم أن يكون يوما كاملا . 8 - ( حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال : من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم قال : من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين ، فأنتم هم ، فغضبت اليهود والنصارى ، فقالوا : ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء ؟ قال : هل نقصتكم من حقكم ؟ قالوا : لا ، فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) . مطابقته للترجمة في قوله : " من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار " . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وحماد هو ابن زيد ، وأيوب هو السختياني ، وهذا الحديث مضى في كتاب الصلاة في باب من أدرك ركعة من العصر ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، وبينهما تفاوت في المتن أيضا ، ولكن الأصل واحد ، وقد مضى الكلام فيه ، ولنذكر بعض شيء . قوله : " أهل الكتابين " المراد به اليهود والنصارى ، قوله : " كمثل رجل " فيه حذف ، تقديره : وهو مثلكم مع نبيكم ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم كمثل رجل استأجر ، فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم ، والممثل به الأجراء مع من استأجرهم ، وقال الكرماني : القياس يقتضي أن يقال كمثل أجراء ، ثم قال : هو من تشبيه المفرد بالمفرد ، فلا اعتبار إلا بالمجموعين ، أو التقدير : مثل الشارع معكم كمثل رجل مع أجراء ، قوله : " على قيراط " ، وفي رواية عبد الله بن دينار على قيراط قيراط ، والمراد بالقيراط النصيب ، وهو في الأصل نصف دانق ، والدانق سدس درهم ، قوله : " فغضبت اليهود والنصارى " أي الكفار منهم ، قوله : " أكثر " بالرفع والنصب ، أما الرفع فعلى تقدير : ما لنا نحن أكثر ، على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأما النصب : فعلى الحال ، ويجوز أن يكون خبرا كان تقديره : ما لنا كنا أكثر عملا ، قوله : " عملا " نصب على التمييز ، قوله : " وأقل عطاء " مثله على العطف ، وقال الكرماني : كيف كانوا أكثر عملا ووقت الظهر إلى العصر مثل وقت العصر إلى المغرب ، وأجاب بأنه لا يلزم من أكثرية العمل أكثرية الزمان ، وقد مضى البحث فيه هناك ، قوله : " فذلك فضلي " فيه حجة لأهل السنة على أن الثواب من الله على سبيل الإحسان منه .
( باب رعي الغنم على قراريط ) أي هذا باب في بيان رعي الغنم على قراريط ، وهو جمع قراط بتشديد الراء ، فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء ، ومثل هذا كثير في لغة العرب ، والقيراط نصف دانق ، وقيل : هو نصف عشر الدينار ، وقيل : هو جزء من أربعة وعشرين جزءا ، وقال بعضهم : على هنا بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة ، وقيل : إنها للظرفية ، قلت : تجيء على بمعنى الباء نحو : حقيق علي أن لا أقول ، وقد قرأه أبي بالباء ولكن كونها للسببية غير بعيد ، وكذلك كونها للمعاوضة إلا أن كونها للظرفية بعيد اللهم إلا أن يقال : إن القراريط اسم موضع . 3 - ( حدثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن جده ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ، فقال أصحابه : وأنت ؟ فقال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ) . مطابقته للترجمة في قوله : كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة ، الأول : أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي ، ويقال : الزرقي ، الثاني : عمرو بن يحيى بن سعيد ، الثالث : جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي ، الرابع : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه من أفراده وهما مكيان وأن سعيد بن عمرو جد عمرو بن يحيى مدني الأصل ، كان مع أبيه إذ غلب على دمشق ، فلما قتل أبوه سيره عبد الملك بن مروان مع أهل بيته إلى الحجاز ، ثم سكن الكوفة ، وهذا الإسناد بعينه مر في باب الاستنجاء بالحجارة ، والحديث أخرجه ابن ماجه أيضا في التجارات عن سويد بن سعيد . ( ذكر معناه ) قوله : " إلا رعى الغنم " ، وفي رواية الكشميهني : إلا راعى الغنم ، قوله : " وأنت " أي وأنت أيضا رعيت الغنم ؟ فقال : نعم ، قوله : " على قراريط " ، واختلف في القراريط ، فقيل : هي قراريط النقد ، والدليل عليه ما رواه ابن ماجه عن سويد بن سعيد عن عمرو بن يحيى كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط ، وقال سويد شيخ ابن ماجه : يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم ، وقال إبراهيم الحربي : قراريط اسم موضع بمكة قرب جياد ، ولم يرد القراريط من النقد ، وقال ابن الجوزي : الذي قاله الحربي أصح ، وهو تبع في ذلك شيخه ابن ناصر ، فإنه خطأ سويدا في تفسيره ، وقال بعضهم : لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون مكانا يقال له قراريط ( قلت ) وكذلك لا يعرفون القيراط الذي هو من النقد ولذلك جاء في الصحيح : " ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط " ولكن لا يلزم من عدم معرفتهم القراريط الذي هو اسم موضع والقراريط التي من النقد أن لا يكون للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك علم ، فالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لما أخبر بأنه رعى الغنم على قراريط علموا في ذلك الوقت أنها اسم موضع ولم يكونوا علموا به قبل ذلك ؛ لكون هذا الاسم قد هجر استعماله من قديم الزمان ، فأظهره - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في ذلك الوقت ، ويدل على تأييد ذلك شيئان ، أحدهما : أن كلمة على في أصل وضعها للاستعلاء ، والاستعلاء حقيقة لا يكون إلا على القراريط الذي هو اسم موضع ، وعلى القراريط من النقد يكون بطريق المجاز ، فلا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة ولا تعذر هنا ، والثاني : جاء في رواية : كنت أرعى غنم أهلي بجياد ، وهو موضع بأسفل مكة ، فهذا يدل على أنه يرعى تارة بجياد وتارة بقراريط الذي هو المكان ، وهذا يدل أيضا أنه ما كان يرعى بأجرة ، فإذا كان كذلك فلا دخل للقراريط من النقد في هذا الموضع . فإن قلت : متى كان هذا الرعي في عمره صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ ( قلت ) : علم بالاستقراء من كلام ابن إسحاق والواقدي أنه كان وعمره نحو العشرين سنة ( فإن قلت ) : ما الحكمة فيه ؟ ( قلت ) : التقدمة والتوطئة في تعريفه سياسة العباد ، وحصول التمرن على ما سيكلف من القيام بأمر أمته . ( فإن قلت ) : ما وجه تخصيص الغنم فيه ؟ ( قلت ) : لأنها أضعف من غيرها وأسرع انقيادا ، وهي من دواب الجنة ( فإن قلت ) : ما الحكمة في ذكره - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذلك ؟ ( قلت ) : إظهار تواضعه لربه مع كونه أكرم الخلق عليه وتنبيه أمته على ملازمة التواضع واجتناب الكبر ولو بلغ أقصى المنازل الدنياوية ، وفيه أيضا اتباع لأخوته من الرسل الذين رعوا الغنم ، وفي حديث للنسائي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث موسى وهو راعي غنم ، وبعث داود وهو راعي غنم - عليهما وعليه صلوات الله وسلامه دائما أبدا
2 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن قرة بن خالد قال : حدثني حميد بن هلال قال : حدثنا أبو بردة عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي رجلان من الأشعريين ، فقلت : ما علمت أنهما يطلبان العمل ، فقال : لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده ) . مطابقته لقوله : ومن لم يستعمل من أراده ظاهرة ، وأما وجه دخوله في هذا الباب فلأن الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالبا لتحصيل الأجرة التي شرعت له ، وهذا كان في ذلك الزمان ، وأما الذي يطلب العمل في زماننا هذا فلا يطلبه إلا لتحصيل الأموال سواء كان من الحلال أو الحرام ، وللأمر والنهي بغير طريق شرعي ، بل غالب من يطلب العمل إنما يطلبه بالبراطيل والرشوة ، ولا سيما في مصر ، فإن الأمر فاسد جدا في العمال فيها ، حتى أن أكثر القضاة يتولون بالرشوة ، وهذا غير خاف على أحد فنسأل الله العفو والعافية . ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وقرة بضم القاف وتشديد الراء ابن خالد أبو محمد وأبو خالد السدوسي البصري ، وحميد بضم الحاء المهملة ابن هلال بن هبيرة العدوي الهلالي البصري مر في باب يرد المصلي من بين يديه ، وأبو بردة عامر وقد مضى الآن . والحديث أخرجه البخاري مختصرا ومطولا في الإجارة والأحكام ، وفي استتابة المرتدين ، عن مسدد عن يحيى ، وفي الأحكام أيضا عن عبد الله بن الصباح ، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي قدامة ومحمد بن حاتم ، وأخرجه أبو داود في الحدود عن أحمد بن حنبل ومسدد بتمامه ، وفي القضايا عن أحمد بن حنبل ببعضه ، وأخرجه النسائي في الطهارة وفي القضاء عن عمرو بن علي خمستهم عن يحيى بن سعيد به . ( ذكر معناه ) قوله : ومعي الواو فيه للحال ، قوله : من الأشعريين أي من الجماعة الأشعريين ، والأشعري نسبة إلى الأشعر ، وهو نبت بن أدد بن يشجب بن عريب بن يزيد بن كهلان ، وإنما قيل له الأشعري لأن أمه ولدته وهو أشعر ، قوله : فقلت القائل هو أبو موسى الأشعري ، أي فقلت : يا رسول الله ما علمت أنهما - أي أن الرجلين - يطلبان العمل ، وسيجيء في استتابة المرتدين بهذا الإسناد بعينه ، وفيه معي رجلان من الأشعريين ، وكلاهما سألا : أي العمل ؟ فقلت : والذي بعثك ما اطلعت على ما في أنفسهما ، ولا علمت أنهما يطلبان العمل ، الحديث ، قوله : فقال لن أو لا أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : لن نستعمل على عملنا من أراده ، وقوله أو لشك الراوي ، أي لا نولي من أراد العمل ، وذكر ابن التين أنه ضبط في بعض النسخ : لن أولي بضم الهمزة وفتح الواو وكسر اللام المشددة ، مضارع فعل من التولية ، وقال الشيخ قطب الدين الحلبي : فعلى هذه الرواية يكون لفظ نستعمل زائدا ، ويكون تقدير الكلام : لن أولي على عملنا ، وقد وقع هذا الحديث في الأحكام من طريق بريد بن عبد الله عن أبي بردة بلفظ إنا لا نولي على عملنا وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ قطب الدين - رحمه الله - وقال ابن بطال : لما كان طلب العمالة دلالة على الحرص وجب أن يحترز من الحريص عليها ، وقال القرطبي : هذا نهي ، وظاهره التحريم ، كما قال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : لا تسأل الإمارة ، وإنا والله لا نولي على عملنا هذا أحدا يسأله ويحرص عليه فلما أعرض عنهما ولم يولهما لحرصهما ولى أبا موسى الذي لا يحرص عليها ، والسائل الحريص يوكل إليها ولا يعان عليها .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب الإجارة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام الإجارة ، وفي رواية المستملي : بسم الله الرحمن الرحيم ، في الإجارات ، وليس في رواية النسفي قوله : في الإجارات ، وكذا ليس في رواية الباقين لفظ كتاب الإجارة ، والإجارة على وزن فعالة بالكسر في اللغة اسم للأجرة ، وهو كراء الأجير ، وقد أجره إذا أعطاه أجرته من بابي طلب وضرب فهو آجر وذاك مأجور ، وفي كتاب العين : آجرت مملوكي أوجره إيجارا فهو موجر ، وفي الأساس : أجرني داره فاستأجرتها وهو مؤجر ولا تقل مؤاجر فإنه خطأ فاحش ، وتقول : أجره إذا أعطاه أجرته وإذا نقلته إلى باب الأفعال تقول : آجر بالمد لأن أصله أأجر بهمزتين إحداهما فاء الفعل والأخرى همزة أفعل فقلبت الهمزة الثانية ألفا للتخفيف ، فصار آجر على وزن أفعل ، فاسم الفاعل من الأول آجر ، ومن الثاني مؤجر ، وفي الشرع : الإجارة عقد المنافع بعوض ، وقيل : تمليك المنافع بعوض ، وقيل : بيع منفعة معلومة بأجر معلوم وهذا أحسن . ( باب في استئجار الرجل الصالح ) أي هذا باب في بيان استئجار الرجل الصالح ، وأشار به إلى قصة موسى مع ابنة شعيب - عليهما الصلاة والسلام ( وقول الله تعالى : إن خير من استأجرت القوي الأمين ) . وقول الله بالجر عطف على قوله في استئجار الرجل الصالح ، وفي رواية أبي ذر : وقال الله تعالى : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الآية ، وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره : هذا قول صفوراء ابنة شعيب - عليه السلام - وهي التي تزوجها موسى - عليه السلام وكانت توءمة عبوراء ، ولدت صفوراء قبلها بنصف يوم ، وكان بين المكان الذي سقى فيه الغنم وبين شعيب ثلاثة أميال ، فمشى معها ، وأمرها أن تمشي خلفه وتدله على الطريق ؛ كراهية أن ينظر إليها ، وهما على غير جادة ، فقال شعيب لابنته : من أين علمت قوته وأمانته ؟ فقالت : أزال الحجر عن رأس البئر وكان لا يطيقه إلا رجال ، وقيل : أربعون رجلا ، وذكرت أنه أمرها أن تمشي خلفه كراهة أن ينظرإليها ، وسأوضح لك هذه القصة حتى تقف على حقيقتها مع اختصار غير مخل . لما قتل موسى القبطي ، كما أخبر الله تعالى في القرآن ، فوكزه موسى فقضى عليه ، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، وأمر فرعون الذباحين بقتل موسى ، فجاءه رجل من شيعته يقال له خربيل ، وكان قد آمن بإبراهيم - عليه الصلاة والسلام وصدق موسى - عليه الصلاة والسلام وكان ابن عم فرعون ، وقال له : إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي يتشاورون في قتلك ، فاخرج من هذه المدينة إني لك من الناصحين ، فخرج ولم يدر أين يذهب فجاءه ملك ودله على الطريق فهداه إلى مدين وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام ، وقيل : عشرة ، وكان يأكل من ورق الشجر ويمشي حافيا حتى ورد ماء مدين ، ونزل عند البئر ، وإذا بجنبه أمة من الناس يسقون ، ووجد من دونهم امرأتين تذودان ، أي تمنعان أغنامهما عن الاختلاط بأغنام الناس ، فقال لهما : مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ لأنا ضعفاء لا نقدر على مزاحمتهم وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ تعنيان شعيبا - عليه السلام - والمشهور عند الجمهور أنه شعيب النبي - عليه السلام - وقيل : إنه ابن أخي شعيب ، ذكره أحمد في تفسيره ، وذكر السهيلي أن شعيبا هو شيرون بن ضيفون بن مدين بن إبراهيم - عليه السلام - ويقال : شعيب بن ملكاين ، وقيل : شيرون ابن أخي شعيب ، وقيل : ابن عم شعيب ، وقال وهب : اسم ابنته الكبرى صفوراء ، واسم الصغرى عبوراء ، وقيل : اسم أحديهما شرفا ، وقيل : ليا ، والمقصود لما جاء إلى شعيب بعد أن فعل ما ذكرنا قص عليه القصص ، قال : لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و قَالَتْ إِحْدَاهُمَا وهي صفوراء يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ فقال لها شعيب : وما علمك بهذا ؟ فأخبرت بالذي فعله موسى - عليه السلام - فعند ذلك قال شعيب : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ إلى آخر الآية ، وكان في شرعهم يجوز تزويج المرأة على رعي الغنم ، وأما في شرعنا ففيه خلاف مشهور ، وقال موسى : ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الآية . ( والخازن الأمين ومن لم يستعمل من أراده ) . هذا أيضا من الترجمة ، ولها جزآن ، أحدهما : قوله : والخازن الأمين ، والآخر : قوله : ومن لم يستعمل من أراده ، وقد ذكر بعد لكل واحد حديثا ، فالحديث الأول للجزء الأول ، والثاني للثاني ، ومعنى من لم يستعمل من أراده الإمام الذي لم يستعمل الذي أراد العمل لأن الذي يريده يكون طلبه لحرصه فلا يؤمن عليه . 1 - ( حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن أبي بردة قال : أخبرني جدي أبو بردة ، عن أبيه أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين ) . مطابقته لقوله : " والخازن الأمين " وهي ظاهرة ، لكن قيل : الحديث ليس فيه ذكر الإجارة ، فلا يكون من هذا الباب ، وأجاب ابن التين بأن البخاري إنما أراد أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير . وقال ابن بطال : إنما أدخله في هذا الباب ؛ لأن من استؤجر على شيء فهو أمين ، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا إن كان ذلك بتضييعه . وقال الكرماني : دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال . وهذا الحديث قد مضى في كتاب الزكاة في باب أجر الخادم إذا تصدق ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن العلاء عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره بأتم منه ، وهنا أخرجه عن محمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابي ، سكن قيسارية الشام عن سفيان الثوري عن أبي بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء ، واسمه بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ابن عبد الله ، يروي عن جده أبي بردة ، واسمه عامر - على الأشهر - عن أبيه أبي موسى الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله " ما أمر به " على صيغة المجهول ، قوله : " طيبة " نصب على الحال ، قوله : " نفسه " مرفوع بطيبة ، ويروى طيب نفسه ، بإضافة طيب إلى نفس ، وإنما انتصب حالا ، والحال لا يقع معرفة لكون الإضافة فيه لفظية ، فلا يفيد التعريف ، ويروى طيب نفسه بالرفع فيهما على أن طيب يكون خبر مبتدأ محذوف ، ونفسه فاعله أو تأكيد ، قوله : " أحد المتصدقين " بلفظ التثنية .
( باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين له العمل ، لقوله : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ، إلى قوله : والله على ما نقول وكيل ) . أي هذا باب في بيان من استأجر أجرا فبين له الأجل أي المدة ولم يبين له أي للأجير العمل ، يعني لم يبين أي عمل يعمله له ، وفي رواية أبي ذر : إذا استأجره ، وجواب من محذوف تقديره : وهل يصح ذلك أم لا ، وميل البخاري إلى الصحة ؛ فلذلك ذكر هذه الآية في معرض الاحتجاج حيث قال لقوله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ الآية ، وجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل ، وإنما فيه أن موسى آجر نفسه من والد المرأتين ، فإن قلت : كيف يقول : لم يقع في سياق القصة بيان العمل وقد قال شعيب : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ، قلت : قال الزمخشري : فإن قلت : كيف يصح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز ، قلت : لم يكن ذلك عقد النكاح ولكن مواعدة ومواضعة أمر قد عزم عليه ، ولو كان عقدا لقال : قد أنكحتك ، ولم يقل : إني أريد أن أنكحك ، انتهى . قلت : حاصله أن شعيبا - عليه السلام - استأجر موسى ولم يبين له العمل أولا ولكنه بين له الأجل ، فدل ذلك أن الإجارة إذا بين فيها المدة ولم يبين العمل جائزة لكن هذا في موضع يكون نفس العمل معلوما بنفس العقد كاستئجار العبد لأجل الخدمة ، وأما إذا لم يكن نفس العمل معلوما بنفس العقد فلا يجوز إلا ببيان العمل ؛ لأن الجهالة فيه تفضي إلى المنازعة ، وقال المهلب - رحمة الله تعالى عليه - : ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة ؛ لأن ذلك كان معلوما بينهم من سقي وحرث ورعي واحتطاب وما شاكل ذلك من أعمال البادية ومهنة أهلها ، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ، وقد عرفه المدة وسماها له ، انتهى ، وأجيب بأن هذا ظن أن البخاري أجاز أن يكون العمل مجهولا ، وليس كما ظن ، إنما أراد البخاري أن التنصيص على العمل باللفظ غير مشروط ، وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ ، فيكفي دلالة الفوائد عليها . قلت : يؤيد هذا ما رواه ابن ماجه من حديث عتبة ابن الندر قال : كنا عند رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : " إن موسى - عليه السلام - آجر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه " انتهى ، وليس فيه بيان العمل من قبل موسى - عليه السلام وعتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة ، والندر بضم النون وتشديد الدال المهملة ، وقال الذهبي : عتبة بن الندر السلمي صحابي ، يقال : هو عتبة بن عبد السلمي ، وليس بشيء ، روى عنه علي بن رباح وخالد بن معدان . فإن قلت : كيف حكم النكاح على أعمال البدن ؟ قلت : لا يجوز عند أهل المدينة لأنه غرر وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا يؤمر به اليوم لظهور الغرر في طول المدة ، وهو خصوص لموسى - عليه السلام - عند أكثر العلماء ؛ لأنه قال إحدى ابنتي هاتين ولم يعينها ، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين . وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك : إذا تزوجها على أن يؤجرها نفسه سنة أو أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها ، فإن دخل ثبت النكاح بمهر المثل ، وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : إن كان حرا فلها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال محمد : يجب عليه قيمة الخدمة سنة لأنها متقومة ، وقال الشافعي : النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتا معلوما ، ويجب عليه عين الخدمة سنة ، وكذلك الخلاف إذا تزوجها على تعليم القرآن ثم الكلام في تفسير الآيات الكريمة ، قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ أي أريد أن أزوجك إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي نفسك مدة ثماني حجج ، أي على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين من أجرته إذا كنت له أجيرا ، كقولك : أبوته ، إذا كنت له أبا ، وثماني حجج ظرفه ، ويجوز أن يكون من آجرته كذا ، إذا أثبته إياه ، ومنه تعزية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " آجركم الله ورحمكم الله " ، وثماني حجج مفعول به أي رعية ثماني حجج ، وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) كيف جاز أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم ولا بد من تسليم ما هو مال ؟ ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن يخدمها سنة ، وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة أو يسكنها داره سنة ؛ لأنه في الأول سلم نفسه وليس بمال ، وفي الثاني هو مسلم مالا وهو العبد أو الدار ، قلت : الأمر على مذهب أبي حنيفة كما ذكرت ، وأما الشافعي فقد جوز التزويج على الإجارة ببعض الأعمال والخدمة إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمرا معلوما ، ولعل ذلك كان جائزا في تلك الشريعة ، ويجوز أن يكون المهر شيئا آخر ، وإنما أراد أن يكون رعي غنمه هذه المدة ، وأراد أن ينكحه ابنته فذكر له المرادين وعلق الإنكاح بالرعية على معنى إني أفعل هذا إذا فعلت ذلك على وجه المفاهدة لا على وجه المعاقدة ، ويجوز أن يستأجره لرعي غنمه ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه ثم ينكحه ابنته به ، ويجعل قوله : على أن تأجرني ثماني حجج عبارة عما جرى بينهما ( فإن أتممت العمل ) عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ فإتمامه من عندك ، والمعنى فهو من عندك لا من عندي يعني لا ألزمك ولا أحتمه عليك ، ولكن إن فعلته فهو منك تفضيل وتبرع وإلا فلا عليك وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ في هذه المدة فأكلفك ما يصعب عليك سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ في حسن العشرة والوفاء بالعهد ، وهذا شرط للأب وليس بصداق ، وقيل : صداق ، والأول أظهر لقوله : تأجرني ولم يقل تأجرها ، وإنما قال : إن شاء الله ، للاتكال على توفيقه ومعونته ، قوله : قَالَ ذَلِكَ أي قال موسى لشعيب - عليهما السلام - ذلك مبتدأ بَيْنِي وَبَيْنَكَ خبره ، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب ثم قال موسى - عليه السلام - أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ أي أجل من الأجلين أطولهما الذي هو العشر وأقصرهما الذي هو ثمان قَضَيْتُ أي أوفيتك إياه وفرغت من العمل فيه فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ أي لا سبيل علي ، والمعنى لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه قوله وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ أي على ما نقول من النكاح والأجر والإجارة ، وكيل أي حفيظ وشاهد ، ولما استعمل وكيل في موضع الشاهد عدى بعلى ، وروي عن ابن عباس مرفوعا : سأل جبريل - عليه الصلاة والسلام - " أي الأجل قضى موسى ؟ فقال : أتمهما وأكملهما " . ( يأجر فلانا يعطيه أجرا ، ومنه في التعزية آجرك الله ) . يأجر بضم الجيم ، والمقصود منه تفسير قوله تعالى تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ وبهذا فسر أبو عبيدة في المجاز قوله : " ومنه " أي ومن هذا المعنى قولهم في التعزية : آجرك الله ، أي يعطيك أجره ، وهكذا فسر أبو عبيدة أيضا ، وزاد يأجرك أي يثيبك ، وقيل : المعنى في قوله : على أن تأجرني أن تكون لي أجيرا ، أو التقدير : على أن تأجرني نفسك ، وقال الكرماني في جواب من قال ما الفائدة في عقد هذا الباب إذ لم يذكر فيه حديثا : بأن البخاري كثيرا ما يقصد بتراجم الأبواب بيان المسائل الفقهية ، فأراد هنا بيان جواز مثل هذه الإجارة ، واستدل عليه بالآية ، ثم قال : قال المهلب : ليس كما ترجم لأن العمل كان معلوما عندهم ، انتهى ، قلت قد مر الكلام فيه عن قريب .
( باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض جاز ) . أي هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أحد أجيرا لأجل إقامة حائط يريد أن ينقض أي يسقط ، يقال : انقض الطائر سقط من الهواء بسرعة ، قوله : " جاز " جواب إذا ، وقال ابن التين : تبويب البخاري يدل على أن هذا جائز لجميع الناس ، وإنما كان ذلك للخضر - عليه السلام - خاصة ، ولعل البخاري أراد أن يبني له حائطا من الأصل ، أو يصلح له حائطا ، انتهى ، قلت : ينبغي أن يكون هذا جائزا لجميع الناس ، وتخصيصه بالخضر - عليه السلام - لا دليل عليه ، وجه ذلك على العموم أن حائط رجل إذا أشرف على السقوط فخيف من سقوطه فاستأجر أحدا يعلقه حتى لا يسقط فإنه يجوز بلا خلاف ، ثم بعد التعليق إما أن يرمه ويقطع عيبه أو يهده ويبنيه جديدا ، وقال المهلب : إنما جاز الاستئجار عليه لقول موسى - عليه الصلاة والسلام - لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا والأجر لا يؤخذ إلا على عمل معلوم ، وإنما كان يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمله ، وأما بعد أن أقامه بغير إذن صاحبه فلا يجبر صاحبه على غرم شيء ، وقال ابن المنذر : وفيه جواز الاستئجار على البناء . 7 - ( حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير - يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما - قال : قد سمعته يحدثه عن سعيد قال : قال لي ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقا ، فوجدا جدارا يريد أن ينقض ، قال سعيد بيده هكذا ، ورفع يديه فاستقام ، قال يعلى : حسبت أن سعيدا قال : فمسحه بيده فاستقام ، لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال سعيد : أجرا نأكله ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية ، الأول : إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق ، يعرف بالصغير ، الثاني : هشام بن يوسف ، أبو عبد الرحمن ، قاضي اليمن ، الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، الرابع : يعلى بن مسلم بن هرمز ، الخامس : عمرو بن دينار القرشي الأثرم ، السادس : سعيد بن جبير ، السابع : عبد الله بن عباس ، الثامن : أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنهما ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وبصيغة الإخبار بجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ستة مواضع ، وفيه أن شيخه رازي ، وأن هشاما يماني ، وأن ابن جريج وعمرو مكيان ، وسعيد بن جبير كوفي ، وفيه يروي ابن جريج عن شيخين ، وفيه يزيد أحدهما أي يعلى أو عمرو . قوله : " سمعته " الضمير فيه يرجع إلى الغير ، أي قال ابن جريج : وسمعت غيرهما أيضا يحدث عن سعيد بن جبير ، قال الكرماني : يلزم من زيادة أحدهما على صاحبه نوع محال ، وهو أن يكون الشيء مزيدا ومزيدا عليه ، ثم أجاب بأنه إن أراد بأحدهما واحدا معينا منهما فلا إشكال ، وإن أراد كل واحد منهما فمعناه أنه يزيد شيئا غير ما زاده الآخر ، فهو مزيد باعتبار شيء مزيد عليه باعتبار شيء آخر ، ثم قال : هذا المروي مجهول إذ لا يعلم الزيادة منه ، ثم أجاب علم من سياقه زيادة يعلى إذ قال حسبت . وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره وما يتعلق به من كل الوجوه في كتاب العلم في باب ذهاب موسى في البحر إلى الخضر ، وهنا ذكر قطعة من حديث موسى والخضر ، وقد أورده مستوفى في التفسير ، قوله : " يريد " نسبة الإرادة إلى الجدار مجاز ، وفيه حجة على من ينكر المجاز ، قوله : أَنْ يَنْقَضَّ ، وقرئ ينقاض ، أي ينقلع من أصله ، ويقال للبئر إذا انهارت : انقاضت ، بالضاد المعجمة ، وقرئ بالمهملة موضع الألف أي ينشق طولا ، قوله : ( ورفع يديه ) أي إلى الجدار ، فاستقام وهو تفسير لقوله : " فَأَقَامَهُ " ، وروى يده بالإفراد .
( باب الإجارة من العصر إلى الليل ) أي هذا باب في بيان حكم الإجارة من أول وقت العصر إلى أول دخول الليل . 11 - ( حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو أسامة عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مثل المسلمين واليهود والنصارى ، كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم ، فعملوا له إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا ، وما عملنا باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا ، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا ، فأبوا وتركوا واستأجر أجيرين بعدهم ، فقال لهما : أكملا بقية يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر ، فعملا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه ، فقال لهما : أكملا بقية عملكما فإن ما بقي من النهار شيء يسير ، فأبيا ، واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم ، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ، واستكملوا أجر الفريقين كليهما ، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور ) . مطابقته للترجمة في قوله : " واستأجر قوما أن يعملوا " إلى قوله : " الشمس " . وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب من أدرك ركعة من العصر ، فإنه أخرجه هناك عن كريب ، عن أبي أسامة ، عن بريد إلى آخره بأخصر منه ، وهنا أخرجه عن محمد بن العلاء بن كريب ، أي كريب الهمداني الكوفي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ، عن أبي بردة ، واسمه عامر عن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ، قوله : " كمثل رجل استأجر قوما " هو من باب القلب ، والتقدير : كمثل قوم استأجرهم قوم ، أو هو من باب التشبيه بالمركب ، قوله : " إلى الليل " هذا مغاير لحديث ابن عمر ؛ لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى من عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دين آخر ، وهذا بالنسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن به ، وقد تقدم تمام البحث في ذاك الباب ، قوله : " لا حاجة لنا إلى أجرك " إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم ، وهذا من باب إطلاق القول وإرادة لازمه ؛ لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان ، قوله : " وما عملنا باطل " إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى - عليه الصلاة والسلام إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى - عليه الصلاة والسلام - وحده بعد بعثة عيسى - عليه الصلاة والسلام - وكذلك القول في النصارى ، إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة ، فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار ، قوله : " لا تفعلوا " أي إبطال العمل وترك الأجر المشروط ( فإن قلت ) المفهوم منه أن أهل الكتابين لم يأخذوا شيئا ، ومن السابق أنهم أخذوا قيراطا قيراطا ( قلت ) الآخذون هم الذين ماتوا قبل النسخ ، والتاركون الذين كفروا بالنبي الذي بعد نبيهم ، قوله : " فإنما بقي من النهار شيء يسير ، أي بالنسبة لما مضى منه ، والمراد ما بقي من الدنيا حتى إذا كان حين صلاة العصر هو بنصب حين ، ويجوز الرفع ، قاله بعضهم ، ولم يبين وجهه ولا وجه النصب ( قلت ) إما النصب فعلى الظرفية ، وإما الرفع فعلى أنه اسم كان . قوله : " أجر الفريقين كليهما " كذا وقع في رواية أبي ذر وغيره ، وحكى ابن التين أن في روايته كلاهما بالرفع ثم خطأه ( قلت ) ليس لما قاله وجه لأن كلاهما بالألف على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بالألف ، قوله : " فذلك مثلهم " أي مثل المسلمين ومثل ما قبلوا من هذا النور أي نور الهداية إلى الحق ، وفي رواية الإسماعيلي : فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ، ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به ، والمقصود من التمثيلين : من الأول بيان أن أعمال هذه الأمة أكثر ثوابا من أعمال سائر الأمم ، ومن الثاني أن الذين لم يؤمنوا بمحمد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أعمالهم السالفة على دينهم لا ثواب لها ، قيل : استدل به على أن بقاء هذه الأمة تزيد على الألف ؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين ، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كانت أكثر من ألفي سنة ، ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة ، وقيل : أقل ، فيكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعا ( قلت ) فيه نظر ؛ لأنه صح عن ابن عباس من طرق صحاح أنه قال : الدنيا سبعة أيام ، كل يوم ألف سنة ، وبعث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في اليوم الآخر منها ، وقد مضت منه سنون أو مئون ، ويؤيد هذا أيضا حديث زمل الخزاعي حين قص على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رؤياه وقال فيها : رأيتك على منبر له سبع درجات ، الحديث ، وفيه : في المنبر ودرجاته الدنيا سبعة آلاف سنة ، بعثت في آخرها ألفا ، وقد صحح أبو جعفر الطبري هذا الأصل بآثار .
( باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب ) أي هذا باب في بيان حكم ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب ، ولم يبين الحكم اكتفاء بما في الحديث على عادته في ذلك ، والرقية بضم الراء وسكون القاف وفتح الياء آخر الحروف من رقاه رقيا ورقية ورقيا فهو راق إذا عوذه وصاحبه رقاء ، وقال الزمخشري : وقد يقال : استرقيته بمعنى رقيته ، قال : وعن الكسائي ارتقيته ، بهذا المعنى ، وقال ابن درستويه : كل كلام استشفي به من وجع أو خوف أو شيطان أو سحر فهو رقية ، وفي معظم نسخ البخاري وأكثرها هكذا باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب ، واعترض عليه بتقييده بأحياء العرب بأن الحكم لا يختلف باختلاف المحال ولا الأمكنة ، وأجاب بعضهم بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره ، قلت : هذا الجواب غير مقنع لأنه قيده بأحياء العرب ، والقيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط ، وهذا القائل لم يكتف بهذا الجواب الذي لا يرضى به حتى قال : والأحياء جمع حي ، والمراد به طائفة مخصوصة ، وهذا الكلام أيضا يشعر بالتقييد ، والأصل في الباب الإطلاق ، فافهم . ( وقال ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه جواز أخذ الأجرة لقراءة القرآن وللتعليم أيضا ، وللرقيا به أيضا لعموم اللفظ ، وهو يفسر أيضا الإبهام الذي في الترجمة ، فإنه ما بين فيه حكم ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب ، وهذا الذي علقه البخاري طرف من حديث وصله هو في كتاب الطب ، في باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم ، حدثني سيدان بن مضارب إلى آخره ، وفي آخره : أن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله . وقد اختلف العلماء في أخذ الأجر على الرقية بالفاتحة ، وفي أخذه على التعليم ، فأجازه عطاء وأبو قلابة ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور ، ونقله القرطبي عن أبي حنيفة في الرقية ، وهو قول إسحاق ، وكره الزهري تعليم القرآن بالأجر . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز أن يأخذ الأجر على تعليم القرآن ، وقال الحاكم من أصحابنا في كتابه الكافي : ولا يجوز أن يستأجر رجل رجلا أن يعلم ولده القرآن والفقه والفرائض ، أو يؤمهم رمضان ، أو يؤذن . وفي ( خلاصة الفتاوى ) ناقلا عن الأصل : لا يجوز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن ، والفقه ، والأذان ، والتذكير ، والتدريس ، والحج ، والغزو ، يعني لا يجب الأجر . وعند أهل المدينة يجوز وبه أخذ الشافعي ونصير وعصام وأبو نصر الفقيه وأبو الليث - رحمهم الله . والأصل الذي بنى عليه حرمة الاستئجار على هذه الأشياء أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها لأن هذه الأشياء طاعة وقربة تقع على العامل ، قال تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى فلا يجوز أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة واحتجوا على ذلك بأحاديث ، منها : ما رواه أحمد في مسنده حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام الدستوائي حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد الحبراني ، قال : قال عبد الرحمن بن شبل : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به " ، وعنه : " ولا تجفوا ولا تقلوا فيه ولا تستكثروا به " ، ورواه إسحاق بن راهويه أيضا في مسنده ، وابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق في مصنفيهما ، ومن طريق عبد الرزاق رواه عبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي والطبراني . ومنها : ما رواه البزار في مسنده عن حماد بن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبيه عبد الرحمن ابن عوف مرفوعا نحوه . ومنها : ما رواه ابن عدي في الكامل عن الضحاك بن نبراس البصري ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه . ومنها : حديث رواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي ، عن عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا ، فقلت : ليست بمال ، وأرمي بها في سبيل الله ، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : إن أردت أن يطوقك الله طوقا من نار فاقبلها ، ورواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وأخرجه أبو داود من طريق آخر من حديث جنادة بن أبي أمية ، عن عبادة بن الصامت قال : كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا قدم الرجل مهاجرا دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن ، فدفع إلي رجلا كان معي ، وكنت أقرئه القرآن ، فانصرفت يوما إلى أهلي ، فرأى أن عليه حقا ، فأهدى إلي قوسا ما رأيت أجود منها عودا ولا أحسن منها عطاء ، فأتيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فاستفتيته ، فقال : جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها ، وأخرجه الحاكم في كتاب الفضائل عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ، عن بشر بن عبد الله بن يسار به سندا ومتنا ، وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ومنها : ما رواه ابن ماجه من حديث عطية الكلاعي عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال : علمت رجلا القرآن ، فأهدى إلي قوسا ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : أن أخذتها أخذت قوسا من نار ، قال : فرددتها . ومنها : ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي من حديث أم الدرداء ، عن أبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلده الله قوسا من نار " . ومنها : ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " من قرأ القرآن يأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظمة ليس عليه لحم " . ومنها : ما رواه الترمذي من حديث عمران بن حصين يرفعه " اقرءوا القرآن وسلوا الله به ، فإن من بعدكم قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به " ، وذكر ابن بطال من حديث حماد بن سلمة عن أبي جرهم ، عن أبي هريرة قلت : يا رسول الله ما تقول في المعلمين ، قال : أجرهم حرام " وذكر ابن الجوزي من حديث ابن عباس مرفوعا " لا تستأجروا المعلمين " ، وهذا غير صحيح ، وفي إسناده أحمد بن عبد الله الهروي ، قال ابن الجوزي : دجال يضع الحديث ، ووافقه صاحب التنقيح ، وهذه الأحاديث - وأن كان في بعضها مقال - لكنها يؤكد بعضها بعضا ، ولا سيما حديث القوس ، فإنه صحيح كما ذكرنا ، وإذا تعارض نصان أحدهما مبيح والآخر محرم يدل على النسخ ، كما نذكره عن قريب ، وكذلك الكلام في حديث أبي سعيد الخدري الذي يأتي عن قريب - إن شاء الله تعالى - في هذا الباب . وأجاب ابن الجوزي ناقلا عن أصحابه عن حديث أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - ثلاثة أجوبة ، أحدها : أن القوم كانوا كفارا فجاز أخذ أموالهم ، والثاني : أن حق الضيف واجب ولم يضيفوهم ، والثالث : أن الرقية ليست بقربة محضة ، فجاز أخذ الأجرة عليها ، وقال القرطبي : ولا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقي يدل على جواز التعليم بالأجر ، وقال بعض أصحابنا : ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " يعني إذا رقيتم به ، وحمل بعض من منع أخذ الأجر على تعليم القرآن الأجر في الحديث المذكور على الثواب ، وبعضهم ادعوا أنه منسوخ بالأحاديث المذكورة التي فيها الوعيد واعترض عليه بعضهم بأنه إثبات النسخ بالاحتمال ، وهو مردود ، قلت : منع هذا بدعوى الاحتمال مردود ، ومن الذي قال هذا الحديث يحتمل النسخ بل الذي ادعى النسخ إنما قال : هذا الحديث يحتمل الإباحة ، والأحاديث المذكورة تمنع الإباحة قطعا ، والنسخ هو الحظر بعد الإباحة ؛ لأن الإباحة أصل في كل شيء فإذا طرأ الحظر يدل على النسخ بلا شك ، وقال بعضهم : الأحاديث المذكورة ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة ، قلت : لا نسلم عدم قيام الحجة فيها ، فإن حديث القوس صحيح ، وفيه الوعيد الشديد ، وقال الطحاوي : ويجوز الأجر على الرقى وإن كان يدخل في بعضه القرآن ؛ لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضا ، وتعليم الناس بعضهم بعضا القرآن واجب ؛ لأن في ذلك التبليغ عن الله تعالى ، وقال صاحب التوضيح : قول الطحاوي هذا غلط ؛ لأن تعلمه ليس بفرض فكيف تعليمه ، وإنما الفرض المعين منه على كل أحد ما تقوم به الصلاة وغير ذلك فضيلة ونافلة ، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضا ليس بفرض متعين عليهم ، وإنما هو على الكفاية ، ولا فرق بين الأجرة في الرقي وعلى تعليم القرآن لأن ذلك كله منفعة ، انتهى ، قلت : هذا كلام صادر بقلة الأدب وعدم مراعاة أدب البحث ، سواء كان هذا الكلام منه أو هو نقله من غيره ، وكيف يقول لأن تعلمه ليس بفرض فكيف تعليمه ، فإذا لم يكن تعليمه وتعلمه فرضا فلا يفرض قراءة القرآن في الصلاة ، وقد أمر الله تعالى بالقراءة فيها بقوله : " فاقرءوا " فإذا أسلم أحد من أهل الحرب أفلا يفرض عليه أن يعلم مقدار ما تجوز به صلاته ، وإذا لم يجد إلا أحدا ممن يقرأ القرآن كله أو بعضه أفلا يجب عليه أن يعلمه مقدار ما تجوز به الصلاة ، وقوله : وإنما الفرض المعين منه ما تقوم به الصلاة يدل على أن تعلمه فرض عليه ؛ لأنه لا يقدر على هذا المقدار إلا بالتعليم ، إذ لا يقدر عليه من ذاته ، فإذا كان ما تقوم به الصلاة من القراءة فرضا عليه يكون تعلمه هذا المقدار فرضا عليه لأن ما يقوم به الفرض فرض والتعلم لا يحصل إلا بالتعليم فيكون فرضا على كل حال سواء كان على التعيين أو على الكفاية ، وكيف لا يكون فرضا وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ من الله تعالى ولو كان آية من القرآن ، وأوجب التبليغ عليه فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " بلغوا عني ولو آية من كتاب الله تعالى " . ( وقال الشعبي : لا يشترط المعلم إلا أن يعطى شيئا فليقبله ) . الشعبي هو عامر بن شراحيل ، ووصل تعليقه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الحارث قال : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أيوب بن عائذ الطائي عنه ، وقول الشعبي هذا يدل على أن أخذ الأجر بالاشتراط لا يجوز ، فإن أعطي من غير شرط فإنه يجوز أخذه لأنه إما هبة أو صدقة ، وليس بأجرة ، وأصحابنا الحنفية قائلون بهذا أيضا ، قوله : " إلا أن يعطى " الاستثناء فيه منقطع معناه لكن الإعطاء بدون الاشتراط جائز فيقبله ، ويروى إن بكسر الهمزة أي لكن إن يعطى شيئا بدون الشرط فليقبله ، وإنما كتب يعطى بالألف على قراءة الكسائي ( من يتق ويصبر ) أو الألف حصلت من إشباع الفتحة . ( وقال الحكم : لم أسمع أحدا كره أجر المعلم ) . الحكم بفتح الحاء والكاف ابن عتيبة ، ووصل تعليقه البغوي في الجعديات حدثنا علي بن الجعد عن شعبة سألت معاوية ابن قرة عن أجر المعلم فقال : أرى له أجرا ، قال : وسألت الحكم فقال : ما سمعت فقيها يكرهه ، انتهى ، قلت : نفي الحكم سماعه من أخذ كراهة أجر المعلم لا يستلزم النفي عن الكل ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره لعبادة بن الصامت حين أهدى له من كان يعلمه قوسا ، الحديث ، وقد مر عن قريب ، وقال عبد الله بن شقيق : يكره أرش المعلم ، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يكرهونه ويرونه شديدا ، وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون أن يأخذوا على الغلمان في الكتاب أجرا ، وذهب الزهري وإسحاق إلى أنه لا يجوز أخذ الأجر عليه . ( وأعطى الحسن دراهم عشرة ) . أي أعطى الحسن البصري عشرة دراهم أجر المعلم ، ووصل تعليقه محمد بن سعد في الطبقات من طريق يحيى بن سعيد بن أبي الحسن قال : لما حذقت ، قلت لعمي : يا عماه إن المعلم يريد شيئا ، قال : ما كانوا يأخذون شيئا ، ثم قال : أعطه خمسة دراهم ، فلم أزل به حتى قال : أعطوه عشرة دراهم ، وروى ابن أبي شيبة حدثنا حفص عن أشعث عن الحسن أنه قال : لا بأس أن يأخذ على الكتابة أجرا ، وكره الشرط ، انتهى ، والكتابة غير التعليم . ( ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسا ، وقال : كان يقال : السحت الرشوة في الحكم ، وكانوا يعطون على الخرص ) . قيل : وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد ، انتهى ، قلت : هذا وجه فيه تعسف ويمكن أن يقال وقع هذا استطرادا لا قصدا ، وابن سيرين هو محمد بن سيرين والقسام بالفتح والتشديد مبالغة قاسم ، وقال الكرماني : القسام جمع القاسم ، فعلى قوله القاف مضمومة ، قلت : السحت بضم السين وسكون الحاء المهملتين ، وحكي ضم الحاء وهو شاذ ، وقد فسره بالرشوة في الحكم ، وهو بتثليث الراء ، وقيل : بفتح الراء المصدر وبالكسر الاسم ، وقيل : السحت ما يلزم العار بأكله ، وقال ابن الأثير : الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء ، وقال : السحت الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها ، واشتقاقه من السحت بالفتح وهو الإهلاك والاستئصال ، قوله : " وكانوا يعطون " أي الأجرة على الخرص بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ، وبالصاد المهملة وهو الحزر وزنا ومعنى ، ومضى الكلام فيه في البيوع . ثم اعلم أن قول ابن سيرين في أجرة القسام مختلف فيه ، فروى عبد بن حميد في ( تفسيره ) من طريق يحيى بن عتيق عن محمد وهو ابن سيرين أنه كان يكره أجور القسام ويقول : كان يقال : السحت الرشوة على الحكم ، وأرى هذا حكما يؤخذ عليه الأجر ، وروى ابن أبي شيبة من طريق قتادة قال : قتل لابن المسيب : ما ترى في كسب القسام فكرهه ، وكان الحسن يكره كسبه ، وقال ابن سيرين : إن لم يكن حسنا فلا أدري ما هو ، وجاءت عنه رواية يجمع بها ما بين هذا الاختلاف ، قال ابن سعد : حدثنا عارم ، حدثنا حماد عن يحيى عن محمد هو ابن سيرين أنه كان يكره أن يشارط القسام ، فكأنه كان يكره له أخذ الأجرة على سبيل المشارطة ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط ، وأما قول ابن سيرين السحت : الرشوة في الحكم ، فأخذه مما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهم - من قولهم في تفسير السحت أنه الرشوة في الحكم ، أخرجه الطبري بأسانيده عنهم ، ورواه من وجه آخر مرفوعا برجال ثقات ولكنه مرسل ولفظه : كل جسم أنبته السحت فالنار أولى به ، قيل : يا رسول الله وما السحت ؟ قال : " الرشوة في الحكم " .
16 - ( حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها ، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم ، فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا ، لعله أن يكون عند بعضهم شيء ، فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه ، فهل عند أحد منكم من شيء ، فقال بعضهم : نعم والله إني لأرقي ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا ، فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ويقرأ : الحمد لله رب العالمين ، فكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشي وما به قلبة ، قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : أقسموا ، فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان ، فننظر ما يأمرنا ، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له فقال : وما يدريك أنها رقية ؟ ثم قال : قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهما ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . مطابقته للترجمة في قوله : فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وهو الرقية بفاتحة الكتاب . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، الثاني : أبو عوانة بفتح العين الوضاح بن عبد الله اليشكري ، الثالث : أبو بشر - بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة - هو جعفر بن أبي وحشية ، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه واسم أبيه أبو وحشية إياس ، الرابع : أبو المتوكل ، واسمه علي بن داود بضم الدال المهملة وتخفيف الواو ، وقيل : داود الناجي - بالنون والجيم - السامي بالسين المهملة ، مات سنة اثنتين ومائة ، الخامس : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك ، مشهور باسمه وكنيته . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رجال هذا الحديث كلهم مذكورون بالكنى ، وهذا غريب جدا ، وفيه أن شيخه ومن بعده كلهم بصريون غير أبي عوانة فإنه واسطي ، وفيه عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد ، وقد ذكر البخاري في آخر الباب بتصريح أبي بشر بالسماع منه ، وتابع أبو عوانة على هذا الإسناد شعبة ، كما في آخر الباب ، وهشيم كما أخرجه مسلم والنسائي ، وخالفهم الأعمش ، فرواه عن جعفر بن أبي وحشية ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، جعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريقه ، وقال الترمذي : طريق شعبة أصح من طريق الأعمش ، وقال ابن ماجه : هو الصواب ، وقال ابن العربي : فيه اضطراب وليس بشيء . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطب عن موسى بن إسماعيل ، وفيه عن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في الطب عن بندار ، وأبي بكر بن نافع عن غندر به ، وعن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه وفي البيوع عن مسدد ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه وفي اليوم والليلة عن بندار به ، وعن زياد بن أيوب ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي كريب ، وأوله بعثنا في ثلاثين راكبا . ( ذكر معناه ) قوله : انطلق نفر النفر رهط الإنسان وعشيرته ، وهو اسم جمع يقع على جماعة الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه ، قال ابن الأثير : ويجمع على أنفار ، وهذا يدل على أنهم ما كانوا أكثر من العشرة ، وفي سنن ابن ماجه : بعثنا في ثلاثين راكبا ، وفي رواية الأعمش عند الترمذي : بعثنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثلاثين رجلا ، فنزلنا بقوم ليلا فسألناهم القرى ، أي الضيافة ، وفيه عدد السرية ووقت النزول ، وفي رواية الدارقطني : بعث سرية عليها أبو سعيد وفيها تعيين أمير السرية ، والسرية : طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة ، تبعث إلى العدو ، وتجمع على السرايا ، قوله : حي اعلم أن طبقات أنساب العرب ست : الشعب - بفتح الشين - وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا ، وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه ، ويجمع على شعوب ، والقبيلة : وهي ما انقسم به الشعب ، كربيعة ومضر ، والعمارة - بكسر العين - وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ، ويجمع على عمارات وعمائر ، والبطن : وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة ، كبني عبد مناف ، وبني مخزوم ، ويجمع على بطون وأبطن ، والفخذ : وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية ويجمع على أفخاذ ، والفصيلة : بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس ، وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن ، وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي ، إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب ، وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان . وقال الهمداني في الأنساب : الشعب والحي بمعنى ، قوله : فاستضافوهم أي طلبوا منهم الضيافة ، قوله : فأبوا أي امتنعوا من أن يضيفوهم بالتشديد من التضييف ويروى بالتخفيف ، وقال ثعلب : ضفت الرجل إذا أنزلت به ، وأضفته إذا أنزلته ، وقال ابن التين : ضبطه في بعض الكتب أن يضيفوهم بفتح الياء والوجه ضمها ، قوله : فلدغ على بناء المجهول من اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة ، وهو اللسغ وزنا ومعنى ، وأما اللذغ بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف ، واللدغ في الحديث : ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب ، وقد بين في الترمذي أنها عقرب ( فإن قلت ) عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ ( قلت ) هذا شك من هشيم ، ورواه الباقون أنه لديغ ، ولم يشكوا خصوصا تصريح الأعمش بأنه لديغ من عقرب ، وسيأتي في فضائل القرآن من طريق معبد بن سيرين بلفظ : إن سيد الحي سليم ، وكذا في الطب من حديث ابن عباس أن سيد القوم سليم ، والسليم هو اللديغ ، قيل له ذلك تفاؤلا بالسلامة ، وقيل : لاستسلامه بما نزل به ( فإن قلت ) جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد ، فقالوا : إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل ، وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه يعني علاقة بن صحار أنه رقى مجنونا موثقا بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين فبرأ ، فأعطوني مائتي شاة فأخبرت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : خذها ولعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق ( قلت ) هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد ، وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير ، قوله : جعلا بضم الجيم وهو الأجرة على الشيء ، ويقال أيضا : جعالة ، والجعل بالفتح مصدر يقال : جعلت لك كذا جعلا وجعلا ، قوله : فسعوا له بكل شيء أي مما جرت به العادة أن يتداوى به من لدغة العقرب ، وقال الخطابي : يعني عالجوا طلبا للشفاء ، يقال : سعى له الطبيب عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشفاء ، وفي رواية الكشميهني : فشفوا ، بالشين المعجمة والفاء ، وعليه شرح الخطابي فقال : معناه طلبوا له الشفاء ، يقال : شفى الله مريضي إذا أبرأه ، وشفى له الطبيب أي عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشفاء ، وادعى ابن التين أن هذا تصحيف ( قلت ) الذي قاله أقرب قوله : لو أتيتم هؤلاء الرهط قال ابن التين : قال : تارة نفرا وتارة رهطا ، قوله : لو أتيتم جواب لو محذوف ، أو هو للتمني ، قوله : فأتوهم وفي رواية معبد بن سيرين أن الذي جاء في الرسلية جارية منهم فيحمل على أنه كان معها غيرها ، قوله : وسعينا ، وفي رواية الكشميهني : فشفينا ، من الشفاء كما ذكرنا عن قريب ، قوله : فقال بعضهم ، وفي رواية أبي داود ، فقال رجل من القوم : نعم والله إني لأرقي بكسر القاف ، وبين الأعمش أن الذي قال ذلك أبو سعيد راوي الخبر ولفظه قلت : نعم أنا ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما . ( فإن قلت ) في رواية معبد بن سيرين أخرجها مسلم فقام منا رجل ما كنا نظنه يحسن رقية ، وسيأتي في فضائل القرآن فلما رجع قلنا له أكنت تحسن رقية ففي هذا ما يشعر بأنه غيره ( قلت ) لا مانع من أن يكني الرجل عن نفسه ، وهو من باب التجريد فلعل أبا سعيد صرح تارة وكنى أخرى ، ووقع في حديث جابر رواه البزار فقال رجل من الأنصار : أنا أرقيه ، وأبو سعيد أنصاري ، وحمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة ، وكان أبو سعيد روى قصتين كان في إحداهما راقيا ، وفي الأخرى كان غيره ، قيل : هذا بعيد جدا لاتحاد مخرج الحديث والسياق والسبب ، قوله : فصالحوهم أي وافقوهم ، قوله : غنم على قطيع من الغنم والقطيع طائفة من الغنم والمواشي ، وقال الداودي : يقع على ما قل وكثر ، وفي رواية النسائي ثلاثون شاة ، قوله : يتفل عليه من تفل بالتاء المثناة من فوق يتفل بكسر الفاء وضمها تفلا ، وهو نفخ معه قليل بصاق ، وقال ابن بطال : التفل البصاق ، وقيل : محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق ، فتحصل البركة في الريق الذي يتفله ، قوله : ويقرأ الحمد لله رب العالمين ، وفي رواية شعبة : فجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب ، وكذا في حديث جابر ، وفي رواية الأعمش : فقرأت عليه وأنه سبع مرات ، وفي رواية جابر ثلاث مرات ، قوله : نشط بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي المجرد ، كذا وقع في رواية الجميع ، وقال الخطابي : وهو لغة والمشهور نشط إذا عقد وأنشط إذا حل ، يقال : نشطته إذا عقدته ، وأنشطته إذا حللته وفكيته ، وعند الهروي فكأنما نشط من عقال ، وقيل : معناه أقيم بسرعة ، ومنه يقال : رجل نشيط ، والعقال بكسر العين المهملة وبالقاف هو الحبل الذي يشد به ذراع البهيمة ، قوله : يمشي جملة وقعت حالا ، قوله : قلبة بالفتحات أي علة ، وقيل للعلة قلبة ؛ لأن الذي تصيبه يتقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء ، وبخط الدمياطي أنه داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه ، قاله ابن الأعرابي ، قوله : فقال الذي رقى بفتح القاف ، قوله : فننظر ما يأمرنا أي فنتبعه ، ولم يريدوا أن يكون لهم الخيرة في ذلك ، قوله : وما يدريك أنها رقية ، قال الداودي : معناه وما أدراك ، وقد روى كذلك ، ولعله هو المحفوظ لأن ابن عيينة قال : إذا قال وما يدريك فلم يعلم ، وإذا قال وما أدراك فقد أعلم ، واعترض بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن ، ولا فرق بينهما في اللغة أي في نفي الدارية ، ووقع في رواية هشيم : وما أدراك ، وفي رواية الدارقطني : وما علمك أنها رقية ، قال : حق القي في روعي ، وهذه الكلمة أعني : وما أدراك ، وما يدريك تستعمل عند التعجب من الشيء ، وفي تعظيمه ، قوله : قد أصبتم أي في الرقية ، قوله : واضربوا لي سهما أي اجعلوا لي منه نصيبا وكأنه أراد المبالغة في تصويبه إياهم كما وقع له في قصة الحمار الوحشي ، وغير ذلك . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز الرقية بشيء من كتاب الله تعالى ، ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة أو مما يشابهها ، ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها من الألفاظ الغير العربية وفيه خلاف . فقال الشعبي ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وجماعة آخرون : يكره الرقي ، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله تعالى وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه وعلما بأن الرقية لا تنفعه وأن تركها لا يضره إذ قد علم الله تعالى أيام المرض وأيام الصحة ، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء وعلى تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك ، قال الله تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين ، أخرجه الطحاوي من حديث أبي مجلز قال : كان عمران بن حصين ينهى عن الكي فابتلي ، فكان يقول : لقد اكتويت كية بنار فما أبرأتني من إثم ولا شفتني من سقم ، وقال الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والزهري ، والثوري ، والأئمة الأربعة ، وآخرون : لا بأس بالرقى ، واحتجوا في ذلك بحديث الباب وغيره . وفيه جواز أخذ الأجرة وقد ذكرناه عن قريب مستوفى . وفيه أن سورة الفاتحة فيها شفاء ؛ ولهذا من أسمائها الشافية ، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا : فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم ، ولأبي داود من حديث ابن مسعود مرض الحسن أو الحسين فنزل جبرائيل - عليه الصلاة والسلام - فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل يديه ورجليه ورأسه ، وقال ابن بطال : موضع الرقية منها : إياك نستعين ، وعبارة القرطبي موضعها إياك نعبد وإياك نستعين ، والظاهر أنها كلها رقية لقوله : وما يدريك أنها رقية ، ولم يقل فيها : فيستحب قراءتها على اللديغ والمريض وصاحب العاهة . وفيه مشروعية الضيافة على أهل البوادي والنزول على مياه العرب والطلب مما عندهم على سبيل القرى أو الشرى . وفيه مقابلة من امتنع من المكرمة بنظير صنيعه كما صنعه الصحابي من الامتناع من الرقية في مقابلة امتناع أولئك من ضيافتهم وهذا طريقة موسى - عليه السلام - في قوله : لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ولم يعتذر الخضر - عليه السلام - عن ذلك إلا بأمر خارج عن ذلك . وفيه الاشتراك في الموهوب إذا كان أصله معلوما ، وفيه جواز قبض الشيء الذي ظاهره الحل وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه شبهة ، وفيه عظمة القرآن في صدور الصحابة خصوصا الفاتحة ، وفيه أن الرزق الذي قسم لأحد لا يفوته ولا يستطيع من هو في يده منعه منه ، وفيه الاجتهاد عند فقد النص .
( قال أبو عبد الله : وقال شعبة قال : حدثنا أبو بشر سمعت أبا المتوكل بهذا ) . أبو عبد الله هو البخاري وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة هو جعفر بن أبي وحشية المذكور في سند الحديث ، وأبو المتوكل علي بن داود المذكور فيه ، ووصله الترمذي بهذه الصيغة ، والبخاري أيضا في الطب ولكن وصله بالعنعنة .
( باب من استأجر أجيرا فترك أجره ، فعمل فيه المستأجر فزاد ، أو من عمل في مال غيره فاستفضل ) أي هذا باب في ذكر من استأجر أجيرا فترك أجره ، وفي رواية الكشميهني : فترك الأجير أجره ، وغايته أنه أظهر فاعل ترك ، قوله : " فعمل فيه " ، ويروى به ، أي اتجر فيه أو زرع فزاد أي ربح ، قوله : " ومن عمل في مال غيره " عطف على من استأجر ، قوله : " فاستفضل " بمعنى أفضل ، يعني أفضل من مال غيره الشيء ، وليس السين فيه للطلب . 12 - ( حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار ، فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ، ولا مالا ، فنأى بي في طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما ، فوجدتهما نائمين ، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر ، فاستيقظا ، فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم وقال الآخر : اللهم كانت لي بنت عم ، كانت أحب الناس إلي ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين ، فجاءتني ، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي ، وتركت الذهب الذي أعطيتها ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء ، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ، ترك الذي له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبد الله أدي إلي أجري ، فقلت له : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال : يا عبد الله لا تستهزئ بي ، فقلت : أني لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه ، فلم يترك منه شيئا ، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) . مطابقته للترجمة في قوله : " فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب " إلى قوله : " بعد حين " ، قال المهلب : ليس فيه دليل لما ترجم له ، وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه على سبيل التبرع ، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة ، قلت : ورجاله هكذا قد تقدموا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب . وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع ، في باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه ، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وبينهما تفاوت في المتن يعرف بالنظر . قوله : " ثلاثة رهط " الرهط من الرجال ما دون العشرة ، وقيل : إلى الأربعين ، ولا يكون فيهم امرأة ، ولا واحد له من لفظه ، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع . قوله : " حتى أووا " يقال : أوى فلان إلى منزله يأوي أويا على وزن فعول ، وقال أبو زيد : فعلت وأفعلت بمعنى يعني أوى بالقصر وأوى بالمد سواء ، والمبيت موضع البيتوتة ، وكلمة " إلى " في " إلى غار " للانتهاء ، يعني انتهى أو يهم لأجل البيتوتة إلى غار وهو كهف في الجبل ، قوله : " فانحدرت " أي هبطت ونزلت ، قوله : " لا ينجيكم " بضم الياء من الإنجاء بالجيم وهو التخليص ، قوله : " إلا أن تدعوا الله " بسكون الواو لأنه جمع ، وأصله تدعون من الدعاء ، فسقطت النون لأجل أن ، قوله : " اللهم قد " ذكرنا معناه هناك في ذلك الباب ، قوله : " لا أغبق " من الغبوق بالغين المعجمة والباء الموحدة ، وفي آخره قاف ، وهو شرب العشي ، وضبطوا لا أغبق بفتح الهمزة من الثلاثي ، إلا الأصيلي فإنه يضمها من الرباعي ، وخطؤه فيه ، وقال صاحب الأفعال : يقال : غبقت الرجل ، ولا يقال : أغبقته ، والغبوق شرب آخر النهار ، مقابل الصبوح ، واسم الشراب الغبق . قوله : " أهلا " الأهل : الزوجات ، والمال الرقيق ، وقال الداودي : والدواب أيضا ، وقال ابن التين : وليس للدواب هنا معنى يذكر به ، قوله : " فناء بي " بمد بعد النون بوزن جاء ، في رواية كريمة والأصيلي ، وفي رواية غيرهما : فنأى بفتح النون والهمزة مقصورا على وزن سقى ، أي بعد ، وأصل هذه المادة من النأي ، بفتح النون وسكون الهمزة : البعد ، يقال : نأى بي طلب شيء أي بعد ، قوله : " فلم أرح " بضم الهمزة وكسر الراء أي لم أرجع على أبوي حتى أخذهما النوم ، قوله : " والقدح " الواو فيه للحال ، قوله : " حتى برق الفجر " أي ظهر الضياء ، قوله : " فأردتها عن نفسها " كناية عن طلب الجماع ، قوله : " حتى ألمت بها " أي حتى نزلت بها سنة من سني القحط فأحوجتها ، قوله : " عشرين ومائة " أي عشرين دينارا ومائة ، ووقع هناك مائة ، والتخصيص بالعدد لا ينافي الزيادة ، والمائة كانت بالتماسها والعشرون تبرع منه كرامة لها ، قوله : " لا أحل لك " بضم الهمزة من الإحلال ، قوله : " أن تفض الخاتم " كناية عن الوطء ، يقال : فض الخاتم والختم إذا كسره وفتحه ، قوله : " فتحرجت " يقال : تحرج فلان إذا فعل فعلا يخرج به من الحرج وهو الإثم والضيق ، قوله : " وتركت الذهب الذي أعطيتها " ، وفي رواية أبي ذر " التي أعطيتها " والذهب يذكر ويؤنث ، قوله : " فافرج عنا " بوصل الهمزة وضم الراء ، فإذا قطع الهمزة وكسر الراء فالأول أمر من الفرج ، والثاني من الإفراج ، قوله : " أجراء " جمع أجير ، قوله : " فثمرت " أي كثرت من التثمير ، قوله : " كل ما ترى " مبتدأ وخبره ، قوله : " من أجرك " أي من أجرتك ، قوله : " من الإبل " إلى آخره بيان لما ترى ، وهنا زاد الإبل والبقر ، وهناك بقرا وراعيها ، ولا منافاة بينهما ، وقد ذكرنا بعض الخلاف فيمن اتجر في مال غيره ، فقال قوم : له الربح إذا أدى رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبا للمال أو وديعة عنده متعديا فيه ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وربيعة ، والليث ، والأوزاعي ، وأبي يوسف ، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه ويتصدق به . وقال آخرون : يرد المال ويتصدق بالربح كله ، ولا يطيب له شيء من ذلك ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ، وقال قوم : الربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه ، وهو قول ابن عمر وأبي قلابة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وقال الشافعي : إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال ، وإن اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمن معروف بالعين ثم نقد المال منه أو الوديعة فالربح له وهو ضامن لما استهلك من مال غيره ، والله أعلم بالصواب .
( باب الإجارة إلى صلاة العصر ) أي هذا باب في بيان الإجارة إلى صلاة العصر . 9 - ( حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني مالك عن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا ، فقال : من يعمل لي نصف النهار على قيراط قيراط ؟ فعملت اليهود على قيراط قيراط ، ثم عملت النصارى على قيراط قيراط ، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء ، قال : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، فقال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) . وقال ابن بطال : لفظ نحن أكثر عملا من قول اليهود خاصة ، كقوله تعالى : نَسِيَا حُوتَهُمَا والناسي هو يوشع ، وقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ والحال أنه لا يخرج إلا من المالح ، هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، قوله : " واليهود " عطف على المضمر المجرور بدون إعادة الخافض وهو جائز على رأي الكوفيين ، وقيل : يجوز الرفع على تقدير : ومثل اليهود والنصارى على حذف المضاف وإعطاء المضاف إليه إعرابه ، وقيل : في أصل أبي ذر بالنصب ، ووجهه أن تكون الواو بمعنى مع قوله : " على قيراط قيراط " بالتكرار ؛ ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم ، قوله : " إلى مغارب الشمس " ووقع في رواية سفيان الآتية في فضائل القرآن إلى مغرب الشمس على الإفراد ، وهو الأصل ، وهنا الجمع كأنه باعتبار الأزمنة المتعددة باعتبار الطوائف المختلفة الأزمنة إلى يوم القيامة ، قوله : " هل ظلمتكم " أي هل نقصتكم ، فإن قلت : لم كان للمؤمنين قيراطان ، قلت : لإيمانهم بموسى وعيسى - عليهما السلام - لأن التصديق أيضا عمل .
( باب إذا استأجر أحد أرضا فمات أحدهما ) أي هذا باب يذكر فيه إذا استأجر أرضا فمات أحدهما أي أحد المتواجرين ، وليس هو بإضمار قبل الذكر ، لأن لفظ استأجر يدل على المؤجر ، وجواب إذا محذوف تقديره : هل ينفسخ أم لا ، وإنما لم يجزم بالجواب للاختلاف فيه . ( وقال ابن سيرين : ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل ) . أي قال محمد بن سيرين : ليس لأهله ، أي لأهل الميت ، أن يخرجوه أي المستأجر إلى تمام الأجل أي المدة التي وقع العقد عليها ، قال الكرماني : ليس لأهله أي لورثته أن يخرجوه أي عقد الاستئجار أي يتصرفوا في منافع المستأجر ، قلت : قول الكرماني : أي عقد الاستئجار بيان لعود الضمير المنصوب في أن يخرجوه إلى عقد الاستئجار وهذا لا معنى له بل الضمير يعود إلى المستأجر كما ذكرنا ، ولكن لم يمض ذكر المستأجر فكيف يعود إليه وكذلك الضمير في أهله ليس مرجعه مذكورا ففيهما إضمار قبل الذكر ، ولا يجوز أن يقال مرجع الضميرين يفهم من لفظ الترجمة ؛ لأن الترجمة وضعت بعد قول ابن سيرين هذا بمدة طويلة وليس كله كلاما موضوعا على نسق واحد حتى يصح هذا ، ولكن الوجه في هذا أن يقال : إن مرجع الضميرين محذوف والقرينة تدل عليه ، فهو في حكم الملفوظ . وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا سئل محمد بن سيرين في رجل استأجر من رجل أرضا فمات أحدهما ، هل لورثة الميت أن يخرجوا يد المستأجر من تلك الأرض أم لا ؟ فأجاب بقوله : ليس لأهله - أي لأهل الميت - أن يخرجوا المستأجر إلى تمام الأجل أي أجل الإجارة أي المدة التي وقع عليها العقد ، وقال بعضهم : الجمهور على عدم الفسخ ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره ، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة ، فحينئذ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد ، وقد اتفقوا على أن الإجارة لا تنفسخ بموت ناظر الوقف ، فكذلك هنا انتهى ، قلت : الذي يتركه الميت ينتقل بالموت إلى الوارث ثم يترتب الحكم على هذا عند موت المؤجر أو موت المستأجر ، أما إذا مات المؤجر فقد انتقلت رقبة الدار إلى الوارث ، والمستحق من المنافع التي حدثت على ملكه قد فات بموته ، فبطلت الإجارة لفوات المعقود عليه لأن بعد موته تحدث المنفعة على ملك الوارث فإذا كانت المنفعة على ملك الوارث كيف يقول هذا القائل ، فملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد ، ومقتضى العقد هو قيام الإجارة ، وقيام الإجارة بالمتؤاجرين ، فإذا مات أحدهما زال ذلك الاقتضاء ، وأما إذا مات المستأجر فلو بقي العقد لبقي على أن يخلفه الوارث ، وذا لا يتصور ؛ لأن المنفعة الموجودة في حياته تلاشت فكيف ، يورث المعدوم والتي تحدث ليست بمملوكة له ليخلفه الوارث فيها ، إذ الملك لا يسبق الوجود ، فإذا ثبت انتفاء الإرث تعين بطلان العقد ، وقوله : المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة كلام واه جدا ؛ لأن المنفعة عرض والعرض كيف يقوم بذاته وتنظيره ببيع مسلوب المنفعة غير صحيح لأن مسلوب المنفعة لم يكن فيها منفعة أصلا وقت البيع حتى يقال كانت فيه منفعة ثم انفكت عنه وفات بذاتها ، وفي الإجارة المنفعة موجودة وقت العقد لأنها تحدث ساعة فساعة ولكن قيامها بالعين ، وحين انتقلت العين إلى ملك الوارث انتقلت المنفعة معها لقيامها معها وتنظيرها بالمسألة الاتفاقية أيضا غير صحيح لأن الناظر لا يرجع إليه العقد ، والعاقد من وقع المستحق عليه ( فإن قلت ) الموكل إذا مات ينفسخ العقد مع أنه غير عاقد ( قلت ) نحن نقول كلما مات العاقد لنفسه ينفسخ ولم نلتزم بأن كل ما انفسخ يكون بموت العاقد لأن العكس غير لازم في مثله . ( وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية : تمضي الإجارة إلى أجلها ) . الحكم بفتحتين هو ابن عتيبة أحد الفقهاء الكبار بالكوفة ، وهو ممن روى عنه الإمام أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - والحسن هو البصري ، وإياس بن معاوية بن قرة المزني ، قوله : " تمضي الإجارة " على صيغة بناء الفاعل أو على صيغة بناء المفعول ، قوله : " إلى أجلها " أي إلى مدة الإجارة ، والحاصل أن الإجارة لا تنفسخ عندهم بموت أحد المتؤاجرين ، ووصل ابن أبي شيبة هذا المعلق من طريق حميد عن الحسن وإياس بن معاوية نحوه وأيضا من طريق أيوب عن ابن سيرين نحوه . ( وقال ابن عمر : أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعد ما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . مطابقته للترجمة من حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أعطى خيبر بالشطر استمر الأمر عليه في حياته وبعده أيضا ، فدل على أن عقد الإجارة لا ينفسخ بموت أحد المتؤاجرين ، وهذا تعليق أدرج فيه البخاري كلامه ، والتعليق أخرجه مسلم في ( صحيحه ) على ما نذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - وهذا حجة من يدعي عدم الفسخ بالموت ، ولكن هذا لا يفيدهم في الاستدلال ، ولهذا قال ابن التين قول ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وهو الراوي ليس مما بوب عليه البخاري لأن خيبر مساقاة ، والمساقاة سنة على حيالها ، انتهى ، قلت : قال أصحابنا : من جهة أبي حنيفة أن قضية خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة ، بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم والصلح ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملكها غنيمة ، فلو كان - صلى الله عليه وسلم - أخذ كلها جاز وتركها في أيديهم بشطر ما يخرج منها فضلا ، وكان ذلك خراج مقاسمة وهو جائز كخراج التوظيف ولا نزاع فيه وإنما النزاع أن يوظف في جواز المزارعة والمعاملة ، وخراج المقاسمة أن يوظف الإمام في الخارج شيئا مقدرا عشرا أو ثلثا أو ربعا ويترك الأراضي على ملكهم منا عليهم ، فإن لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء عليهم ، ولم ينقل عن أحد من الرواة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم ، وقال أبو بكر الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي : ومما يدل على أن ما شرط من نصف الثمر أو الزرع كان على وجه الخراج أنه لم يرو في شيء من الأخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ منهم الجزية إلى أن مات ، ولا أبو بكر ولا عمر - رضي الله تعالى عنهما - إلى أن أجلاهم ولو لم يكن ذلك لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية ، وسنذكر بقية الكلام من الخلاف في هذا الباب في باب المزارعة إن شاء الله تعالى .
25 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها ، وأن ابن عمر حدثه أن المزارع كانت تكرى على شيء سماه نافع لا أحفظه ، وأن رافع بن خديج حدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع ، وقال عبيد الله عن نافع عن ابن عمر حتى أجلاهم عمر - رضي الله عنه - ) . هذا أيضا ليس بداخل فيما ترجم به على ما ذكرنا الآن أن قضية خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة إلى آخره ، وقال صاحب التوضيح : هي إجارة ، وسكت على ذلك ، وسكوته كان خيرا ؛ لأنه ربما كان يعلل كلامه بشيء لا يقبله أحد ، وقال ابن التين : وما ذكر من حديث رافع ليس مما بوب عليه أيضا لأنه قال : كنا نكري الأرض بالثلث والربع وعلى الماديانات وإقبال الجداول فنهينا عن ذلك ، وجويرية مصغر جارية ضد الواقفة ابن أسماء بوزن حمراء ، وهو من الأعلام المشتركة ، وقد مر غير مرة ، قوله : وأن ابن عمر عطف على عن عبد الله أي عن نافع أن ابن عمر حدثه أيضا أنه كانت المزارع تكرى على شيء من حاصلها ، قوله : سماه نافع أي قال جويرية سمى نافع مقدار ذلك الشيء لكن أنا لا أحفظ مقداره ، قوله : وأن رافع بن خديج حدث إنما قال : وأن ابن عمر حدثه بالضمير ، وقال : هذا حدث بلا ضمير لأن ابن عمر حدث نافعا بخلاف نافع ، فإنه لم يحدث له خصوصا ، ويحتمل أن يكون الضمير محذوفا ، وسيجيء بيان حكم هذا الباب في باب المزارعة إن شاء الله تعالى . قوله : وقال عبيد الله إلى آخره تعليق وصله مسلم ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل وزهير بن حرب واللفظ لزهير قال : حدثنا يحيى وهو القطان عن عبيد الله قال : أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ورواه أيضا من وجوه أخرى ، وفي آخره : قال لهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : نقركم بها على ذلك ما شئنا فقروا بها حتى أجلاهم عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى تيماء وأريحاء ، وقال الكرماني : وقال عبيد الله : هو كلام موسى ، ومن تتمة حديثه ومنه تحصل الترجمة ( قلت ) ليس هو من كلام موسى بل هو كلام مستأنف معلق ، ولا هو من تتمة حديثه ، ولا منه تحصل الترجمة لأنها في الإجارة ، وهذا ليس بإجارة وإنما هو خارج على ما ذكرنا عن قريب ، وعبيد الله بتصغير العبد ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
( باب من آجر نفسه ليحمل علي ظهره ثم تصدق به وأجرة الحمال ) . أي هذا باب في بيان حكم من أجر نفسه لغيره ليحمل متاعه على ظهره ، ثم تصدق به أي بأجره ، وفي رواية الكشميهني : ثم تصدق منه ، قوله : " وأجرة الحمال " أي وباب في بيان أجرة الحمال ، ويروى وأجر الحمال . 13 - ( حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش عن شقيق ، عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال : كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل ، فيصيب المد ، وإن لبعضهم لمائة ألف ، قال : ما نراه إلا نفسه ) . مطابقته للترجمة تعلم من معناه ؛ لأن معناه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا كان يأمر بالصدقة يسمعه فقراء الصحابة ويرغب في الصدقة لما يسمع من الأجر الجزيل فيها ثم يذهب إلى السوق فيحمل شيئا من أمتعة النساء على ظهره بأجره ثم يتصدق به ، وهذا معنى الترجمة أيضا ، وكذلك في الحديث ما يطابق قوله : وأجر الحمال ؛ لأنه حين يحمل شيئا بأجرة يصدق عليه أنه حمال وأنه يأخذ الأجرة . ثم الحديث قد مضى في كتاب الزكاة في باب " اتقوا النار ولو بشق تمرة " بعين هذا الإسناد وبعين هذا المتن ، غير أن فيه هنا زيادة شيء وهو قوله " ما نراه إلا نفسه " . وسعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص القرشي الأموي ، أبو عثمان البغدادي ، والأعمش هو سليمان ، وشقيق أبو وائل ، وأبو مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري ، قوله : " فيحامل " أي يعمل صنعة الحمالين من المحاملة من باب المفاعلة التي تكون من الاثنين ، والمراد هنا أن الحمل من أحدهما ، والأجرة من الآخر كالمساقاة والمزارعة ، ويروى تحامل على وزن تفاعل بلفظ الماضي أي تكلف حمل متاع الغير ليكتسب ما يتصدق به ، قوله : " فنصيب المد " أي من الطعام وهو أجرته ، قوله : " وإن لبعضهم لمائة ألف " أي من الدراهم أو الدنانير ، واللام في " لمائة " للتأكيد ، تسمى اللام الابتدائية لدخولها على اسم إن وهو لفظ مائة ، فإنه اسم إن وخبرها مقدما قوله لبعضهم ، وفي رواية النسائي " وما كان له يومئذ درهم " أي في اليوم الذي كان يحمل بالأجرة لأنهم كانوا فقراء في ذلك الوقت واليوم هم أغنياء ، قوله : " قال : ما نراه إلا نفسه " أي قال شقيق الراوي : ما أظن أبا مسعود أراد بذلك البعض إلا نفسه فإنه كان من الأغنياء وقد جاء ذلك مبينا في رواية ابن ماجه من طريق زائدة عن الأعمش أن قائل ذلك هو أبو وائل الراوي ، والله أعلم .
14 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقى الركبان ولا يبيع حاضر لباد ، قلت : يا ابن عباس ما قوله : لا يبيع حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا ) . مضى هذا الحديث في كتاب البيع في باب النهي عن تلقي الركبان ، فإنه أخرجه هناك عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه إلى آخره ، وأخرجه هنا عن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن معمر بن راشد ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه طاوس ، عن عبد الله بن عباس ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى ، قوله : لا يبيع بالنصب على أن لا زائدة ، وبالرفع بتقدير قال قبله عطفا على نهي ، وقال ابن بطال : قال : لا يكون له سمسارا يعني من أجل المضرة الداخلة على الناس لا من أجل أجرته ، والله أعلم .
( باب أجر السمسرة ) أي هذا باب في بيان حكم السمسرة أي الدلالة والسمسار بالكسر الدلال ، وفي المغرب السمسرة : مصدر وهو أن يوكل الرجل من الحاضرة للقادمة فيبيع لهم ما يجلبونه ، وقال الزهري : وقيل في تفسير قوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : " لا يبيع حاضر لباد " أنه لا يكون له سمسارا ، ومنه كان أبو حنيفة يكره السمسرة . ( ولم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسا ) . أي لم ير محمد بن سيرين ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري بأجر السمسار بأسا ، وتعليق ابن سيرين وإبراهيم وصله ابن أبي شيبة ، حدثنا حفص عن أشعث ، عن الحكم وحماد ، عن إبراهيم ومحمد بن سيرين قالا : لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يدا بيد ، وتعليق عطاء وصله ابن أبي شيبة أيضا ، حدثنا وكيع حدثنا الليث أبو عبد العزيز قال : سألت عطاء عن السمسرة فقال : لا بأس بها ، وقال بعضهم : وكان المصنف أشار إلى الرد على من كرهها ، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيين ، انتهى ( قلت ) لم يقصد البخاري بهذا الرد على أحد ، وإنما نقل عن هؤلاء المذكورين أنهم لا يرون بأسا بالسمسرة ، وطريقة الرد لا تكون هكذا . وهذا الباب فيه اختلاف للعلماء ، فقال مالك : يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا بين لذلك أجلا ، قال : وكذلك إذا قال له بع هذا الثوب ولك درهم ، أنه جائز وأن لم يوقت له ثمنا ، وكذلك أن جعل له في كل مائة دينار شيئا وهو جعل ، وقال أحمد : لا بأس أن يعطيه من الألف شيئا معلوما ، وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره ، وقال أبو حنيفة : إن دفع له ألف درهم يشتري بها بزا بأجر عشر دراهم فهو فاسد ، وكذلك لو قال : اشتر مائة ثوب فهو فاسد ، فإن اشترى فله أجر مثله ولا يجاوز ما سمى من الأجر ، وقال أبو ثور : إذا جعل له في كل ألف شيئا معلوما لم يجز ؛ لأن ذلك غير معلوم ، فإن عمل على ذلك فله أجره وإن اكتراه شهرا على أن يشتري له ويبيع فذلك جائز . وقال ابن التين : أجرة السمسار ضربان إجارة وجعالة ، فالأول : يكون مدة معلومة فيجتهد في بيعه ، فإن باع قبل ذلك أخذ بحسابه وأن انقضى الأجل أخذ كامل الأجرة ، والثاني : لا يضرب فيها أجل ، هذا هو المشهور من المذهب ، ولكن لا تكون الإجارة والجعالة إلا معلومين ولا يستحق في الجعالة شيئا إلا بتمام العمل وهو البيع والجعالة الصحيحة أن يسمي له ثمنا إن بلغه ما باع أو يفوض إليه ، فإن بلغ القيمة باع ، وإن قال الجاعل : لا تبع إلا بأمري ، فهو فاسد ، وقال أبو عبد الملك : أجرة السمسار محمولة على العرف يقل عن قوم ويكثر عن قوم ، لكن جوزت لما مضى من عمل الناس عليه على أنها مجهولة ، قال : ومثل ذلك أجرة الحجام ، وقال ابن التين : وهذا الذي ذكره غير جار على أصول مالك ، وإنما يجوز من ذلك عنده ما كان ثمنه معلوما لا غرر فيه . ( وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول : بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك ) . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس نحوه . ( وقال ابن سيرين : إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك فلا بأس به ) . هذا التعليق أيضا وصله ابن أبي شيبة عن هشيم ، عن يونس ، عن ابن سيرين ، وفي التلويح ، وأما قول ابن عباس وابن سيرين فأكثر العلماء لا يجيزون هذا البيع ، وممن كرهه الثوري والكوفيون ، وقال الشافعي ومالك : لا يجوز فإن باع فله أجر مثله ، وأجازه أحمد وإسحاق وقالا : هو من باب القراض ، وقد لا يربح المقارض . ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : المؤمنون عند شروطهم ) . مطابقته للترجمة من حيث إن السمسرة إذا شرطت بشيء معين ينبغي أن يكون السمسار وصاحب المتاع ثابتين على شرطهما ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمنون عند شروطهم " ، وهذا التعليق وصله أبو داود في القضاء من حديث الوليد بن رباح - بالباء الموحدة - عن أبي هريرة ، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " المؤمنون عند شروطهم " ، وروى الدارقطني والحاكم من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - مثله ، وزاد : ما وافق الحق ، وروى إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا : المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما ، وكثير ابن عبد الله ضعيف عند الأكثرين ، إلا أن البخاري قوى أمره وكذلك الترمذي وابن خزيمة ، وفي بعض نسخ البخاري ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " المسلمون على شروطهم " ، وقيل : ظن ابن التين أن قوله : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " المسلمون على شروطهم " بقية كلام ابن سيرين فشرح على ذلك فوهم ، وقد اعترض عليه الشيخ قطب الدين الحلبي وغيره .
( باب عسب الفحل ) أي هذا باب في بيان النهي عن عسب الفحل ، وقال الترمذي : باب ما جاء في كراهية عسب الفحل ، وهو بفتح العين وسكون السين المهملتين ، وفي آخره باء موحدة ، وقد اختلف أهل اللغة فيه هل هو الضراب أو الكراء الذي يؤخذ عليه أو ماء الفحل ، فحكى أبو عبيد عن الأموي أنه الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل ، وبه صدر الجوهري كلامه في الصحاح ثم قال : وعسب الفحل أيضا ضرابه ، ويقال ماؤه ، وصدر صاحب المحكم كلامه بأن العسب ضراب الفحل ثم قال : عسب الرجل يعسبه عسبا أعطاه ، وقال أبو عبيد : العسب في الحديث الكراء ، والأصل فيه الضراب ، قال : والعرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه ، كما قالوا للمزادة راوية ، والراوية البعير الذي يستقى عليه ، قال شيخنا : ويدل على ما قاله أبو عبيد رواية الشافعي : " نهى عن ثمن بيع عسب الفحل " ، وقال الرافعي : المشهور في الفقهيات أن العسب الضراب ، وقال الغزالي : هو النطفة ، وقال صاحب ( الأفعال ) : عسب الرجل عسبا ، أكرى منه فحلا ينزيه ، وقال أبو علي : ولا يتصرف منه فعل ، يقال : قطع الله عسبه ، أي ماءه ونسله ، ونقل ابن التين عن أصحاب مالك أن معنى عسب الفحل أن يتعدى عليه بغير أجر ، وقالوا : ليس بمعقول أن يسمى الكراء عسبا . 24 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم ، عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : مسدد ، الثاني : عبد الوارث بن سعيد ، الثالث : إسماعيل بن إبراهيم ، وهو إسماعيل بن علية ، وقد تكرر ذكره ، الرابع : علي بن الحكم - بالفتحتين - البناني ، بضم الباء الموحدة وتشديد النون الأولى ، الخامس : نافع مولى ابن عمر ، السادس : عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن مسددا روى عن شيخين ، وفيه أن إسماعيل بن علية ذكر هنا بنسبته إلى أبيه ، وشهرته باسم أمه علية أكثر ، وفيه أن الرواة كلهم بصريون ما خلا نافعا ، وفيه أن علي بن الحكم ثقة عند الجميع إلا أن أبا الفتح الأزدي لينه ، قال بعضهم : لينه بلا مستند ( قلت ) لو لم يظهر عنده شيء لما لينه ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في البيوع عن مسدد عن إسماعيل وحده به ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع وأبي عمار عن إسماعيل به ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم بن علية به ، وعن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث به ، وأخرجه ابن ماجه عن حميد بن مسعدة عن عبد الوارث ، وفي الباب عن أبي هريرة ، أخرجه النسائي وابن ماجه من رواية الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عن ثمن الكلب وعسب الفحل ، وفي رواية للنسائي عسب التيس ، وعن أنس أخرجه ابن أبي حاتم في العلل من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب عن أنس أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن أجر عسب الفحل ، قال أبو حاتم : إنما يروي من كلام أنس ويزيد لم يسمع من الزهري وإنما كتب إليه ، وأخرجه النسائي أيضا ، وعن أبي سعيد أخرجه النسائي من رواية هشام عن ابن أبي نعيم عنه قال : نهى عن عسب الفحل ، وعن جابر أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيع ضراب الجمل ، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند من حديث عاصم بن ضمرة عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من السباع ، وعن كل ذي مخلب من الطيور ، وعن ثمن الميتة ، وعن لحم الحمر الأهلية ، وعن مهر البغي ، وعن عسب الفحل ، وعن المياثر الأرجوان . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به من حرم بيع عسب الفحل وإجارته ، وهو قول جماعة من الصحابة منهم علي وأبو هريرة ، وهو قول أكثر الفقهاء ، كما حكى عنهم الخطابي ، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وجزم أصحاب الشافعي بتحريم البيع لأن ماء الفحل غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ، وحكوا في إجارته وجهين أصحهما المنع ، وذهب ابن أبي هريرة إلى جواز الإجارة عليه ، وهو قول مالك ، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة ، فإن آجره على الطرق حتى يحمل لم يصح ، ورخص فيه الحسن وابن سيرين ، وقال عطاء : لا بأس به إذا لم يجد ما يطرقه . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم ، وذلك عن أبي سعيد والبراء ، وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا يجوز ، واحتجوا بحديث الباب ، وروى الترمذي من حديث أنس أن رجلا من كلاب سأل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن عسب الفحل ، فنهاه ، فقال : يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم ، فرخص في الكرامة ، ثم قال : حسن غريب . وفيه جواز قبول الكرامة على عسب الفحل وإن حرم بيعه وإجارته ، وبه صرح أصحاب الشافعي ، وقال الرافعي : ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية ، خلافا لأحمد ، انتهى ، وما ذهب إليه أحمد قد حكي عن غير واحد من الصحابة والتابعين ، فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده إلى مسروق قال : سألت عبد الله عن السحت قال : الرجل يطلب الحاجة فيهدى إليه فيقبلها ، وروي عن ابن عمر أن رجلا سأله أنه تقبل رجلا أي ضمنه ، فأعطاه دراهم وحمله وكساه ، فقال : أرأيت لو لم تقبله أكان يعطيك ؟ قال : لا ، قال : لا يصلح لك ، وروى أيضا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو أنه أتى إلى أهله فإذا هدية ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : الذي شفعت له ، فقال : أخرجوها ، أتعجل أجر شفاعتي في الدنيا ؟ وروي عن عبد الله بن جعفر أنه كلم عليا في حاجة دهقان ، فبعث إلى عبد الله بن جعفر بأربعين ألفا ، فقال : ردوها عليه ، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف ، وقد روي نحو هذا في حديث مرفوع رواه أبو داود في سننه من رواية خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ، وهذا معنى ما ورد : كل قرض جر منفعة فهو ربا ، وروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث أبي عامر الهوزني عن أبي كبشة الأنماري أنه أتاه فقال : أطرقني فرسك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله وإن لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله ، قوله : " أطرقني " أي أعرني فرسك للإنزاء ، ثم الحكمة في كراهة إجارته عند من يمنعها أنها ليست من مكارم الأخلاق ، ومن جوزها من الشافعية والحنابلة بمدة معلومة ، قاسها على جواز الاستئجار لتلقيح النخل ، وهو قياس بالفارق لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف تلقيح النخل .
( باب ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء ) . أي هذا باب في النظر في ضريبة العبد ، والضريبة بفتح الضاد المعجمة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي ما يقرره السيد على عبده في كل يوم أن يعطيه ، قوله : " وتعاهد " أي وفي بيان افتقاد ضرائب الإماء ، والضرائب جمع ضريبة ، والإماء جمع أمة ، وإنما اختصها بالتعاهد لكونها مظنة لطريق الفساد في الأغلب مع أنه يخشى أيضا من اكتساب العبد بالسرقة مثلا ، وقيل : كأنه أراد بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الأمة لاحتمال أن تكون ثقيلة فتحتاج إلى التكسب بالفجور . 17 - ( حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن حميد الطويل عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : حجم أبو طيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بصاع أو صاعين من طعام وكلم مواليه فخفف عن غلته أو ضريبته ) . مطابقته للترجمة في قوله : فخفف عن غلته وهو النظر في ضريبة العبد ، والحديث مضى بعين هذا الإسناد فيما مضى في كتاب البيوع في باب ذكر الحجام غير أن هناك : وأمر أهله أن يخففوا من خراجه ، وهناك من صاع من تمر وهنا ليس فيه ذكر التمر ، بل قال من طعام ، ولا منافاة بينهما لأن الطعام هو المطعوم والتمر مطعوم ، أو كانت القضية مرتين ، قوله : " أو صاعين " شك من الراوي ، قوله : " فكلم مواليه " أي ساداته ، وهم بنو حارثة على الصحيح ، ومولى أبو طيبة منهم هو محيصة بن مسعود ، وإنما ذكر الموالي بلفظ الجمع إما باعتبار أنه كان مشتركا بين طائفة ، وإما مجازا كما يقال تميم قتلوا فلانا ، والقاتل هو شخص واحد منهم ، قوله : " فخفف عن غلته " بالغين المعجمة وتشديد اللام ، وهي والخراج والضريبة والأجر بمعنى واحد ، قوله : " أو ضريبته " شك من الراوي ، فإن قلت : ما فيه ما يدل على ضرائب الإماء ، والترجمة مشتملة عليه قلت : بالقياس على ضريبة العبد .
( باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب ) أي هذا باب يذكر فيه : هل يؤجر الرجل المسلم نفسه من رجل مشرك في دار الحرب ولم يذكر جواب الاستفهام ؛ لأن حديث الباب يتضمن إجارة خباب نفسه وهو مسلم إذ ذاك في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك ، وكان ذلك بمكة ، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب ، وأطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فأقره ، ولكنه يحتمل أن يكون كان ذلك لأجل الضرورة ، أو كان ذلك قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بمنع إذلال المؤمن نفسه ، وقال المهلب : كره أهل العلم ذلك إلا للضرورة بشرطين ، أحدهما : أن يكون عمله فيما يحل للمسلم ، والآخر أن لا يعينه على ما هو ضرر على المسلمين ، وقال ابن المنير : استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعتد ذلك من الذلة بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له . 15 - ( حدثنا عمر بن حفص قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش عن مسلم ، عن مسروق قال : حدثنا خباب قال : كنت رجلا قينا فعملت للعاص ابن وائل فاجتمع لي عنده فأتيته أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا ، قال : وأني لميت ثم مبعوث ؟ قلت : نعم ، قال : فإنه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك ، فأنزل الله تعالى : " أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث قد مضى في كتاب البيوع في باب ذكر القين والحداد فإنه أخرجه هناك عن محمد ابن بشار عن ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن خباب إلى آخره ، وأخرجه هنا عن عمر بن حفص ، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي الضحى مسلم ، عن مسروق ، إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك ، والقين بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف الحداد . قوله : " أما " حرف التنبيه ، وجواب القسم محذوف تقديره : لا أكفر ، قوله : " حتى تموت " غاية له والغرض التأييد كما في قولك : إبليس عليه اللعنة إلى يوم القيامة ، وبعد البعث لا يمكن الكفر ، قوله : " فلا " أي فلا أكفر ، ويروى هكذا فلا أكفر . فإن قلت : الفاء لا تدخل جواب القسم ، قلت : المذكور مفسر للمقدر ، ويروى أما بتشديد الميم ، وتقديره أما أنا فلا أكفر والله ، وأما غيري فلا أعلم حاله ، قوله : " وإني " همزة الاستفهام مقدرة فيه ، وإنما أكد بأن واللام مع أن المخاطب هو خباب غير منكر ولا متردد في ذلك لأن العاص فهم منه التأكيد في مقابلة إنكاره فكأنه قال : أتقول هذا الكلام المؤكد .
( باب إذا استأجر أجيرا ليعمل له بعد ثلاثة أيام ، أو بعد شهر ، أو بعد ستة أشهر ، أو بعد سنة ، جاز وهما على شرطهما الذي اشتر طاه إذا جاء الأجل ) أي هذا باب يذكر فيه إذا استأجر شخص أجيرا إلى آخره ، قوله : " جاز " جواب إذا قوله : " وهما " أي المؤجر والمستأجر على شرطهما ، قوله : " إذا جاء الأجل " أي الأجل المضروب المذكور ، وقد ذكرنا خلاف مالك وأصحابه فيه . 5 - ( حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا ، وهو على دين كفار قريش ، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ) . مطابقته للترجمة من حيث استئجار النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله تعالى عنه - الرجل المذكور على أن ينظر في أمر راحلتيهما ثلاثة أيام وأن يحضرهما بعد ثلاثة أيام عند غار ثور ، ثم يخدمهما بما قصداه من الدلالة على الطريق بعد تلك الثلاثة الأيام ، فهذا بعينه ظاهر الترجمة ، ولكن فيها ابتداء العمل بعد الثلاثة ، وقاس عليها البخاري إذا كان ابتداء العمل بعد شهر أو بعد سنة ، وقاس الأجل البعيد على الأجر القريب ، إذ لا قائل بالفصل فجعل الحديث دليلا على جواز الأجل مطلقا ، وهذا هو التحقيق هاهنا فلا يرد اعتراض من قال إنه ليس في الخبر أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث ، بل الذي في الخبر أنهما استأجراه وابتدأ في العمل من وقته بتسليمهما إليه راحلتيهما وبحفظهما ، فكان خروجهما وخروجه بعد ثلاث على الراحلتين اللتين قام بأمرهما إلى ذلك الوقت ، انتهى ، قلت : هذا القائل صدر كلامه هذا أولا بقوله : ظن البخاري ظنا فعمل عليه بل هو الذي ظن ظنا فعمل عليه لأنه ظن أن ابتداء الإجارة من أول ما تسلم الرجل الراحلتين ، وليس كذلك بل أول الإجارة بعد الثلاث ولم تكن إجارتهما إياه لخدمة الراحلتين بل كانت الإجارة لأجل الدلالة على الطريق كما ذكرناه ، وإنما كان تسليمهما الراحلتين إياه لأجل مجرد النظر فيهما ، ولأجل حفظهما إلى مضي الثلاث ، فإن ادعى هذا المعترض ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة ، فيحتاج إلى إقامة برهان ولا يرد أيضا اعتراض من قال إن الابتداء في العمل بعد شهر أو سنة غرر ، فلا يدري هل يعيش الرجل أم لا ، واغتفر الأمد اليسير لأن العطب فيه نادر والغالب السلامة ، انتهى ، قلت : يكون الحكم في الأمد الكثير بعروض الموت مثل ما يكون في الأمد القصير بعروضه ؛ لأن عدم العروض فيه غير محقق ، فلا غرر حينئذ في الفصلين والحكم في الموت وجوب الضمان فيهما ، والله أعلم .
23 - ( حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي حازم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كسب الإماء ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن جحادة بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة ، الأيامي بفتح الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف ، الكوفي ، مات سنة ثلاث ومائة ، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة ، واسمه سلمان الأشجعي ، والحديث رواه البخاري أيضا في الطلاق عن محمد بن الجعد ، وأخرجه أبو داود في البيوع ، عن عبد الله بن معاذ عن أبيه وقد ذكرنا أن المراد من كسب الإماء المنهي هو الكسب الذي تحصله الأمة بالفجور ، وأما الذي تحصله بالصناعة المباحة فغير منهي عنه .
( باب كسب البغي والإماء ) أي هذا باب في بيان حكم كسب البغي والإماء ، البغي : الفاجرة ، يقال : بغت المرأة تبغي بالكسر بغيا إذا زنت فهي بغي ، ويجمع على بغايا ، والإماء جمع أمة ، والبغي أعم من أن تكون أمة أو حرة ، والأمة أعم من أن تكون بغية أو عفيفة ، ولم يصرح بالحكم تنبيها على أن الممنوع من كسب البغي مطلق ، والممنوع من كسب الأمة مقيد بالفجور ؛ لأن كسبها بالصنائع الجائزة غير ممنوع . ( وكره إبراهيم أجر النائحة والمغنية ) . إبراهيم هو النخعي ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي هاشم عنه أنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن ، وكرهه أيضا الشعبي والحسن ، وقال عبد الله بن هبيرة : وأكلهم السحت قال : مهر البغي ، فإن قلت : ما المناسبة في ذكر أثر إبراهيم هذا في هذا الباب ؟ قلت : قال بعضهم : كأن البخاري أشار بهذا إلى أن النهي في حديث أبي هريرة محمول على ما كانت الحرفة فيه ممنوعة أو تجر إلى أمر ممنوع ، انتهى ، قلت : هذا لا يصلح أن يكون جوابا عن السؤال عن المناسبة في ذكر الأثر المذكور ، ولكن يمكن أن يقال : إن بين كسب البغي وأجر النائحة والمغنية مناسبة من حيث إن كلا منهما معصية كبيرة ، وأن إجارة كل منهما باطلة ، وهذا المقدار كاف . ( وقول الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) . وقول الله بالجر تقديره : وباب في ذكر قول الله تعالى وَلا تُكْرِهُوا ، الآية ، ذكر هذه الآية في معرض الدليل لحرمة كسب البغي ، لأنه نهي عن إكراه الفتيات أي الإماء على البغاء أي الزنا ، والنهي يقتضي تحريم ذلك ، وتحريم هذا يستدعي حرمة زناهن ، وحرمة زناهن تستلزم حرمة وضع الضرائب عليهن ، وهي تقتضي حرمة الأجر الحاصل من ذلك . ثم سبب نزول هذه الآية فيما ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره ، نزلت هذه الآية في ست جوار لعبد الله بن أبي بن سلول كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن وهي معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، فجاءته إحداهن يوما بدينار ، وجاءت أخرى ببرد ، فقال لهما : ارجعا فازنيا ، فقالتا : والله لا نفعل قد جاء الله تعالى بالإسلام وحرم الزنا ، فأتتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكتا إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ذكره الواحدي في ( أسباب النزول ) وروى الطبري من طريق ابن نجيح عن مجاهد قال في قوله وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ، قال : إماءكم على الزنا ، وأن عبد الله بن أبي أمر أمة له بالزنا فزنت فجاءت ببرد ، فقال : ارجعي فازني على آخر ، قالت : والله ما أنا براجعة ، فنزلت ، وهذا أخرجه مسلم من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعا ، وروى أبو داود والنسائي من طريق أبي الزبير سمع جابرا قال : جاءت مسيكة أمة لبعض الأنصار فقالت : إن سيدي يكرهني على البغاء فنزلت ، قوله : " فَتَيَاتِكُمْ " جمع فتاة وهي الشابة ، والفتى الشاب ، وقد فتي بالكسر يفتي فهو فتي السن بين الفتا والفتي السخي الكريم ، وقد تفتى وتفاتى والجمع فتيان وفتية وفتو على فعول ، وفتي مثل عصا ، والفتيان الليل والنهار ، واستفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني ، والاسم الفتيا والفتوى ، قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا أي تعففا ، وقال بعضهم : قوله : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لا مفهوم له ، بل خرج مخرج الغالب ( قلت ) المفهوم لا يصح نفيه لأن كلمة " أن " تقتضي ذلك ، ولكن الذي يقال هنا : إن " إن " ليست للشرط بل بمعنى إذ ، وذلك كما في قوله تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وقوله تعالى : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ومعنى إن في هذه كلها بمعنى إذ ، وقال النسفي في تفسير هذه الآية : وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا ، ثم قال : وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية ، وقيل : إن أردن تحصنا ، متصل بقوله : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ أي من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوج ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير ، والمعنى فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أراد تحصنا ، قوله : " لِتَبْتَغُوا " أي لتطلبوا بإكراههن على الزنا أجورهن على الزنا ، قوله : " غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي لهن ، وقيل : لهم لمن تاب عن ذلك بعد نزول الآية ، وقيل : لهن ولهم أن تابوا وأصلحوا . 22 - ( حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) . مطابقته للترجمة في قوله : " ومهر البغي " ، والحديث قد مضى في أواخر البيوع في باب ثمن الكلب ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .
( باب من كلم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه ) . أي هذا باب في بيان حكم من كلم موالي العبد أن يخففوا أي بأن يخففوا عنه من خراجه أي من ضريبته التي وضعها مولاه عليه ، وهذا التكليم بطريق التفضيل لا على وجه الإلزام إلا إذا كان العبد لا يطيق ذلك ، وإنما جمع المولى إما باعتبار كون العبد مشتركا بين جماعة وإما باعتبار أنه مجاز كما ذكرنا عن قريب في الباب الذي قبل الباب السابق . 21 - ( حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة عن حميد الطويل عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما حجاما ، فحجمه وأمر له بصاع أو صاعين ، أو مد أو مدين ، وكلم فيه فخفف من ضريبته ) . مطابقته للترجمة في قوله : وكلم فيه فخفف من ضريبته ، والحديث عن حميد عن أنس مر عن قريب ، وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه عن حميد سمعت أنسا . قوله : دعا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غلاما " قال بعضهم : هو أبو طيبة كما تقدم قبل بباب قلت : من أين علم أنه هو فلم لا يجوز أن يكون غيره ؟ ومن ادعى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يكن له إلا حجام واحد متعين فعليه البيان ، وقد روى ابن منده في معرفة الصحابة من رواية الزهري قال : كان جابر - رضي الله تعالى عنه - يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم على كاهله من أجل الشاة التي أكلها ، حجمه أبو هند مولى بني بياضة بالقرن والشفرة ، وروى أبو داود من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن أبا هند حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليافوخ ، الحديث ، وقال ابن منده : قيل : اسم أبي هند سنان ، وقيل : سالم ، قوله : " وكلم فيه " مفعوله محذوف أي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغلام المذكور مولاه بأن يخفف عنه من ضريبته ، وكلمة في للتعليل أي كلم لأجله ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها " أي لأجل هرة . وفيه استعمال العبد بغير إذن سيده إذا كان معدا لعمل ومعروفا به ، وفيه الحكم بالدليل لأنه استدل على أنه مأذون له في العمل لانتصابه له وعرض نفسه عليه ، ويجوز للحجام أن يأكل من كسبه وكذلك السيد ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .
( باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ) أي هذا باب في بيان حكم استئجار المسلمين أهل الشرك عند الضرورة ، وهذه الترجمة تشعر بأنه لا يرى استئجار المشرك سواء كان من أهل الذمة أو من غيرهم عند عدم الضرورة إلا عند الاحتياج إلى أحد منهم لأجل الضرورة نحو عدم وجود أحد من أهل الإسلام يكفي ذلك أو عند عدمه أصلا ، وأشار إليه بقوله : وإذا لم يوجد أهل الإسلام ، وقوله : " لم يوجد " على صيغة المجهول ، وفي بعض النسخ : " وإذا لم يجد على صيغة المعلوم أي : وإذا لم يجد المسلم أحدا من أهل الإسلام لأن يستأجره ، وجواب إذا محذوف يعلم مما قبله لأنه عطف عليه وقد قررناه . ( وعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر ) مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - عامل يهود خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض في ذلك الوقت ، ولما قوي الإسلام استغنى عنهم حتى أجلاهم عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وسقط بذلك قول بعضهم ، وفي استشهاده بقصة معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر على أن يزرعوها نظر ؛ لأنه ليس فيها تصريح بالمقصود ( قلت ) : كيف ينفي التصريح بالمقصود فيه ، فإن معاملته - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر على الزراعة في معنى استئجاره إياهم صريحا . 4 - ( حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنها - واستأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل ، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا . الخريت الماهر بالهداية قد غمس يمين حلف في آل العاصي ابن وائل ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي ، فأخذ بهم وهو على طريق الساحل ) . مطابقته للترجمة في " واستأجر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل " ، وهذا صريح في أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبا بكر - رضي الله تعالى عنه - استأجرا هذا الرجل وهو مشرك إذ لم يجدا أحدا من أهل الإسلام ، وقول بعضهم : وفي استشهاده باستئجار الدليل المشرك على ذلك نظر ، قول واه صادر من غير ترو ولا تأمل على ما لا يخفى ، وهذا الحديث يأتي كاملا في أواخر كتاب الإجارة ، قوله : " واستأجر " بواو العطف إنما وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت ، وفي رواية غيرهما وقع " استأجر " بدون حرف العطف ، وهي ثابتة في الأصل في نفس الحديث الطويل ؛ لأن القصة معطوفة على قصة قبلها ، وقال الكرماني : واستأجر ذكر بالواو إشعارا بأنه قد تقدم لها كلمات أخر في حكاية هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطف هذا عليها ( قلت ) نسب بعضهم الكرماني في قوله هذا إلى الوهم حيث قال : ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث ، انتهى ( قلت ) هذا القائل وهم في نقله كلام الكرماني على هذا الوجه ؛ لأنه لم يقل بأن المصنف زاد الواو إلى آخره على هذا الوجه ، وما غر هذا القائل فيما قاله إلا قول الكرماني إشعارا ، وقوله : فعطف هذا عليها وأخذ منهما ما ذهب إليه وهمه فنسبه إلى الوهم ، ومعنى قوله : إشعارا ، يعني للإشعار بأنه واو العطف حيث قال : قد تقدم لها كلمات أخر يعني من المعطوف عليه ، ومعنى قوله : فعطف هذا عليها ، يعني أظهر واو العطف على الكلمات التي تقدمت ، لا أنه زاد المصنف من عنده واو العطف . قوله : " رجلا من بني الديل " واسم هذا الرجل عبد الله بن أرقم ، فيما قاله ابن إسحاق ، وقال ابن هشام : عبد الله بن أريقط ، وقال مالك : اسمه رقيط والديلي بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام ، وقال الرشاطي : الديل في الأزد الديلي بن هداء بن زيد ، وفي ثعلب : الديل بن زيد ، وفي إياد الديل بن أمية ، وفي ضبة الديل بن ثعلبة ، وفي عبد القيس الديل بن عمرو ، والنسبة إلى ذلك كله الديل بكسر الدال وإسكان الياء من دال يديل إذا تعلق الشيء وتحرك ، ويقال : منه اندال يندال ، وقال ابن هشام : رجلا من بني الديلي بن بكر ، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا ، قوله : " من بني الديل " جملة في محل النصب على أنها صفة لقوله رجلا ، قوله : " ثم من بني عبد بن عدي " وعبد خلاف الحر ، وعدي بفتح العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء من بني بكر ، قوله : " هاديا " صفة لرجلا أيضا من هداه الطريق إذا أرشده إليه ، قوله : " خريتا " أيضا صفة بعد صفة ، والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها تاء مثناة من فوق ، وهو الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة ، وهي طرقها الخفية ومضايقها ، وقيل : أراد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة من الطريق أي ثقبها ، وحكى الكسائي : خرتنا الأرض إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها ، قوله : " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قول الزهري ، قوله : " قد غمس يمين حلف " أي دخل في جملتهم وغمس نفسه في ذلك ، والحلف بكسر الحاء العهد الذي يكون بين القوم ، وإنما قال : غمس إما لأن عادتهم أنهم كانوا يغمسون أيديهم في الماء ونحوه عند التحالف ، وإما أنه أراد بالغمس الشدة ، قوله : " العاص بن وائل " بالهمزة بعد الألف وباللام ، ويقال : العاصي ، بالياء وبدونه ، وآل العاص هم بنو سهم رهط من قريش ، قوله : " فأمناه " أي فأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الرجل ، من أمنت فلانا فهو آمن وذاك مأمون ، قوله : " راحلتيهما " تثنية راحلة وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والذكر والأنثى فيه سواء ، والتاء فيها للمبالغة ، وقال الواقدي : كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - اشتراهما بثمانمائة درهم ، وكان حبسهما في داره يعلفها إعدادا للسفر ، قال ابن إسحاق : لما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قدم له أفضلهما فقال : اركب يا رسول الله فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : فهي لك يا رسول الله بأبي وأمي ، قال : ما الثمن الذي ابتعتها به ؟ قال : كذا وكذا ، قال : أخذتها بذلك ، قال : فهي لك يا رسول الله ، وروى الواقدي أنه أخذ القصوى ، وروى ابن عساكر بإسناده عن عائشة أنها قالت : هي الجدعاء ، فركبا وانطلقا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه للخدمة في الطريق ، قوله : " غار ثور " الغار بالغين المعجمة : الكهف ، وثور : اسم الحيوان المشهور ، جبل بأسفل مكة ، وفيه الغار الذي بات فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر لما هاجرا ، قوله : " معهما " أي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله تعالى عنه - قوله : " عامر بن فهيرة " بضم الفاء وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء الأزدي ، وكان أسود اللون مملوكا للطفيل بن عبد الله فاشتراه أبو بكر الصديق منه ، فأعتقه ، وكان دخوله في الإسلام قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم ، وكان حسن الإسلام ، وهاجر معهما إلى المدينة ، وكان ثالثهما ، قتل يوم بئر معونة - بفتح الميم وبالنون - سنة أربع من الهجرة ، قوله : " فأخذ بهم " أي فأخذ الدليل الديلي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعامر بن فهيرة أي ملتبسا بهم ، قوله : " وهو على طريق الساحل " أي طريق ساحل البحر ، ويروى : فأخذ بهم طريق ساحل البحر . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استئجار المسلم الكافر على هدايته الطريق ( قلت ) وعلى غيرها أيضا ، وفيه استئجار الرجلين الواحد على عمل واحد لهما ، وفيه استئجار الرجل على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة فيصح عقدهما قبل العمل ، وقياسه أن يستأجر منزلا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام ، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب هذا إذا نقده الأجرة . واختلفوا فيما إذا استأجره ليعمل بعد شهر أو سنة ولم ينقده ، فأجازه مالك وابن القاسم ، وقال أشهب : لا يجوز ، ووجهه أنه لا يدري أيعيش المستأجر أو الدابة ، واتفقوا على أنه لا يجوز في الراحلة المعينة والأجير المعين ، وأما إذا كان كراء مضمونا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال ، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلى اليومين والثلاثة ؛ لأنه إذا تأخر كان من باب بيع الدين بالدين ، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة ، والإجارة المضمونة أن يستأجره على بناء بيت لا يشترط عليه عمل يده ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته على أن المؤنة فيه كلها على العامل مضمونا عليه حتى يتمه ، فإن مات قبل تمامه كان ذلك في ماله ولا يضره بعد الأجل . وفيه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عهد منهم وفاء ومروءة كما استأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المشرك لما كانوا عليه من بقية دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وإن كان من الأعداء لكنه علم منه مروءة وائتمنه من أجلها على سره في الخروج من مكة ، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور .
20 - ( حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا مسعر عن عمرو بن عامر قال : سمعت أنسا - رضي الله عنه - يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ، ولم يكن يظلم أحدا أجره ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، ومسعر بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة ، وفي آخره راء ابن كدام مر في باب الوضوء بالمد ، وعمرو بفتح العين ابن عامر الأنصاري مر في الوضوء من غير حدث ، وليست له رواية في البخاري إلا عن أنس له حديث في الوضوء وآخر في الصلاة ، وهذا المذكور هنا . والحديث أخرجه مسلم في الطب عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن وكيع عن مسعر به ، قوله : ولم يكن يظلم أحدا أجره أعم من أجر الحجام وغيره ممن يستعمل في عمل ، والمراد أنه يوفي أجر كل أجير ولم يكن يظلم أي ينقص من أجر أحد ولا يرده بغير أجر .
( باب خراج الحجام ) أي هذا باب في بيان خراج الحجام أي أجره . 18 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس عن أبيه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الحجام أجره ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث مضى في كتاب البيوع في باب ذكر الحجام ، فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : احتجم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأعطى الذي حجمه ولو كان حراما لم يعطه ، وهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل التبوذكي ، عن وهيب بن خالد ، عن عبد الله بن طاوس .
19 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الحجام أجره ، ولو علم كراهية لم يعطه ) . مطابقته للترجمة في قوله : وأعطى الحجام أجره ، وقد مر الكلام فيه فيما مضى . قوله : ولو علم كراهية لم يعطه أي ولو علم النبي - صلى الله عليه وسلم - كراهية أجر الحجام لم يعطه أجره ، ولفظه في الحديث الذي رواه مسدد ، ولو كان حراما لم يعطه ، يدل على أن المراد بالكراهية هنا كراهية التحريم .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب الحوالات ) أي هذا كتاب في بيان أحكام الحوالات وهي جمع حوالة بفتح الحاء وكسرها مشتقة من التحول والانتقال ، قال ثعلب : تقول : أحلت فلانا على فلان بالدين إحالة ، قال ابن طريف : معناه أتبعته على غريم ليأخذه ، وقال ابن درستويه : يعني أزال عن نفسه الدين إلى غيره ، وحوله تحويلا وفي نوادر اللحياني : أحيله إحالة وإحالا ، وهي عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة ، قوله : " كتاب الحوالة " بعد البسملة ، وقع كذا في رواية النسفي والمستملي ، وفي رواية الأكثرين لم يقع إلا لفظ باب الحوالة لا غير . ( باب في الحوالة وهل يرجع في الحوالة ) أي هذا باب في بيان حكم الحوالة ، وهل يرجع المحيل في الحوالة أم لا ، وإنما لم يجزم بالحكم لأن فيه خلافا ، وهو أن الحوالة عقد لازم عند البعض وجائز عند آخرين ، فمن قال : عقد لازم ، فلا يرجع فيها ، ومن قال عقد جائز ، فله الرجوع . ( وقال الحسن وقتادة : إذا كان يوم أحال عليه مليا جاز ) . أي إذا كان المحال عليه يوم أحال المحيل عليه أي على المحال عليه مليا يعني غنيا ، من ملئ الرجل إذا صار مليا وهو مهموز اللام وليس هو من معتل اللام وأصل مليا مليئا على وزن فعيلا ، فكأنهم قلبوا الهمزة ياء ، وأدغموا الياء في الياء ، قوله : " جاز " جواب إذا ، يعني جاز هذا الفعل وهو الحوالة ، ومفهومه أنه إذا كان مفلسا فله أن يرجع ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللفظ له من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن أنهما سئلا عن رجل احتال على رجل فأفلس ، قال : إذا كان مليا يوم احتال عليه ، فليس له أن يرجع ، وجمهور العلماء على عدم الرجوع ، وقال أبو حنيفة : يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلسا أو حكم بإفلاسه أو جحد الحوالة ولم يكن له بينة ، وبه قال شريح ، وعثمان البتي ، والشعبي ، والنخعي ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وآخرون ، وقال الحكم : لا يرجع ما دام حيا حتى يموت ولا يترك شيئا ، فإن الرجل يوسر مرة ويعسر أخرى ، وقال الشافعي ، وأحمد ، وعبيد ، والليث ، وأبو ثور : لا يرجع عليه وأن توى ، وسواء غره بالفلس أو طول عليه أو أنكره ، وقال مالك : لا يرجع على الذي أحاله إلا أن يغره بفلس . ( وقال ابن عباس : يتخارج الشريكان وأهل الميراث فيأخذ هذا عينا وهذا دينا ، فإن توي لأحدهما لم يرجع على صاحبه ) . يتخارج الشريكان ، أي يخرج هذا الشريك مما وقع في نصيب صاحبه ، وذلك الآخر كذلك أراد أن ذلك في القسمة بالتراضي بغير قرعة مع استواء الدين وإقرار من عليه وحضوره فأخذ أحدهما عينا والآخر الدين ثم إذا توى الدين أي إذا هلك لم تنقض القسمة لأنه رضي بالدين عوضا فتوى في ضمانه ، فالبخاري أدخل قسمة الديون والعين في الترجمة وقاس الحوالة عليه ، وكذلك الحكم بين الورثة أشار إليه بقوله : وأهل الميراث ، قوله : " فإن توى " بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الواو على وزن قوى من توى المال يتوى من باب علم إذا هلك ، ويقال : توى حق فلان على غريمه إذا ذهب توى وتواء ، والقصر أجود ، فهو تو وتاو ، ومنه لا توى على مال امرئ مسلم ، وتفسيره في حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - في المحتال عليه يموت مفلسا قال : يعود الدين إلى ذمة المحيل . 1 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مطل الغني ظلم ، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع ) . مطابقته للترجمة في قوله : فإذا أتبع إلى آخره ، وأبو الزناد بكسر الزاي وتخفيف النون هو عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وقد تكرر ذكرهما . والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم أربعتهم عن مالك به ، وأخرجه البخاري أيضا في الحوالة عن محمد بن يوسف عن سفيان ، وأخرجه الترمذي في البيوع عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان ، وأخرجه النسائي أيضا وابن ماجه من رواية سفيان بن عيينة ، وفي الباب عن ابن عمر ، رواه ابن ماجه من رواية يونس بن عبيد عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مطل الغني ظلم ، وإذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل " ، وعن الشريد بن سويد ، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية محمد بن ميمون بن مسيكة عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لي : الواجد يحل عرضه وعقوبته ، وعن جابر أخرجه البزار من رواية محمد بن المنكدر عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع " . ( ذكر معناه ) قوله : " مطل الغني ظلم " المطل في الأصل من قولهم : مطلت الحديدة أمطلها إذا مددتها لتطول ، وفي المحكم المطل التسويف بالعدة والدين ، مطله حقه وبه يمطله مطلا فأمطل ، قال القزاز : والفاعل ماطل ومماطل ، والمفعول ممطول ومماطل ، تقول : ماطلني ومطلني حقي ، وقال القرطبي : المطل عدم قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن منه ، وقال الأزهري : المطل المدافعة وإضافة المطل إلى الغني إضافة المصدر للفاعل هنا ، وإن كان المصدر قد يضاف إلى المفعول لأن المعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز ومنهم من قال أنه مضاف للمفعول ، والمعنى أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيا ، ولا يكون غناه سببا لتأخيره حقه عنه ، فإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى ، وفيه تكلف وتعسف ، وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند النسائي وابن ماجه : المطل ظلم الغني ، والمعنى أنه من الظلم أطلق ذلك للمبالغة في التنفير عن المطل ، وقد رواه الجوزقي من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ أن من الظلم مطل الغني ، وقال القرطبي : الظلم وضع الشيء في غير موضعه لغة ، وفي الشرع : هو محرم مذموم ، وعن سحنون ترد شهادة الملي إذا مطل لكونه سمي ظالما ، وعند الشافعي بشرط التكرار ، قوله : " فإذا أتبع " ، قال القرطبي : هو بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة مبنيا لما لم يسم فاعله عند الجميع ، وقوله : " فليتبع " بالتخفيف من تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعة بالفتح إذا طلبته ، وقيل : فليتبع بالتشديد والأول أجود عند الأكثر ، وقال الخطابي : أن أكثر المحدثين يقولونه بالتشديد ، والصواب التخفيف ، ومعناه إذا أحيل فليحتل ، وقد رواه بهذا اللفظ أحمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي الزناد ، وفي رواية ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ فإذا أحلت على ملي فأتبعه ، وهذا بتشديد التاء بلا خلاف ، وقال الرافعي : الأشهر في الروايات وإذا أتبع يعني بالواو ولأنهما جملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، وغفل عما في صحيح البخاري هنا ، فإنه بالفاء في جميع الروايات ، وهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة . ( فإن قلت ) رواه مسلم بالواو وكذا البخاري في الباب الذي بعده ( قلت ) نعم لكن قال : ومن أتبع ، وقوله : لي الواجد ، قال ابن التين : لي الواجد بفتح اللام وتشديد الياء أي مطله ، يقال : لواه بدينه ليا وليانا ، وأصل لي لوى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، والواجد بالجيم : الغني الذي يجد ما يقضي به دينه . قوله : يحل عرضه أي لومه وعقوبته أي حبسه هذا تفسير سفيان والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره ، وقيل : هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب ، وقال ابن قتيبة : عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير ، وفي الفصيح العرض : ريح الرجل الطيبة أو الخبيثة ، ويقال : هو نقي العرض أي بريء من أن يشتم أو يعاب ، وقال ابن خالويه : العرض الجلد ، يقال : هو نقي العرض ، أي لا يعاب بشيء ، وقال ابن المبارك : يحل عرضه يغلظ عليه ، وعقوبته يحبس به . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الزجر عن المطل ، واختلف هل يعد فعله عمدا كبيرة أم لا ، فالجمهور على أن فاعله يفسق لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا ، قال النووي : مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار ، ورد عليه السبكي في شرح المنهاج بأن مقتضى مذهبنا عدمه ، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب ، والغصب كبيرة ، وتسميته ظلما يشعر بكونه كبيرة ، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار ، نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره انتهى ، وفيه أن العاجز عن الأداء لا يدخل في المطل ، وفيه أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر ، وقيل : لصاحب الحق أن يحبسه ، وقيل : يلازمه ، وفيه أمر بقبول الحوالة ، فمذهب الشافعي : يستحب له القبول ، وقيل : الأمر فيه للوجوب ، وهو مذهب داود ، وعن أحمد روايتان الوجوب والندب ، والجمهور على أنه ندب لأنه من باب التيسير على المعسر ، وقيل : مباح ، ولما سأل ابن وهب مالكا عنه قال هذا أمر ترغيب وليس بإلزام ، وينبغي له أن يطيع سيدنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بشرط أن يكون بدين وإلا فلا حوالة لاستحالة حقيقتها إذ ذاك وإنما يكون حمالة ، وفي التوضيح : ومن شرطها تساوى الدينين قدرا ووصفا وجنسا كالحلول والتأخير ، وقال ابن رشد : ومنهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط ومنعها في الطعام ، وأجاز مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالا ، وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز إلا أن يكون الدينان حالين ، وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالا ، ولم يفرق بين ذلك الشافعي لأنه كالبيع في ضمان المستقرض ، وأما أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطعام وشبهه بالدراهم ، وفي التلويح : وجمهور العلماء على أن الحوالة ضد الحمالة في أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء ، وعند أبي حنيفة يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلسا أو حكم بإفلاسه أو جحد الحوالة ولا بينة له ، وبه قال ابن شريح وعثمان البتي وجماعة ، وقد مر في أول الباب ، وفي الروضة للنووي : أما المحال عليه فإن كان عليه دين للمحيل لم يعتبر رضاه على الأصح ، وإن لم يكن لم يصح بغير رضاه قطعا وبإذنه وجهان ، وفي الجواهر للمالكية : أما المحال عليه فلا يشترط رضاه ، وفي بعض كتب المالكية : يشترط رضاه إذا كان عدوا وإلا فلا ، وأما المحيل فرضاه شرط عندنا وعندهم ؛ لأنه الأصل في الحوالة وفي العيون والزيادات ليس بشرط ، وقال صاحب التلويح : ورئي بخط بعض الفضلاء في قوله : مطل الغني ظلم ، دلالة على أن الحوالة إنما تكون بعد حلول الأجل في الدين لأن المطل لا يكون إلا بعد الحلول . وفيه ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدين والتوصل إليه بكل طريق وأخذه منه قهرا .
( باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز ) أي هذا باب يذكر فيه إن أحال رجل دين الميت على رجل جاز ، أي هذا الفعل ، وقال ابن بطال : إنما ترجم بالحوالة فقال : إن أحال دين الميت ، ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان متقاربان ، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة إلى ذمة آخر ، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة . 3 - ( حدثنا المكي بن إبراهيم قال : حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتي بجنازة ، فقالوا : صل عليها ، فقال : هل عليه دين ؟ قالوا : لا ، قال : فهل ترك شيئا ؟ قالوا : لا ، فصلى عليه ، ثم أتي بجنازة أخرى ، فقالوا : يا رسول الله صل عليها ، قال : هل عليها دين ؟ قيل : نعم ، قال : فهل ترك شيئا ؟ قالوا : ثلاثة دنانير ، فصلى عليها ، ثم أتي بالثالثة ، فقالوا : صل عليها ، قال : هل ترك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فهل عليه دين ؟ قالوا : ثلاثة دنانير ، قال : صلوا على صاحبكم ، قال أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه ، فصلى عليه ) . مطابقته للترجمة تفهم مما نقلناه عن ابن بطال الآن . ورجاله ثلاثة ، وهذا سابع ثلاثيات البخاري ، الأول : مكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد البلخي ، أبو السكن ، وروى مسلم عنه بواسطة ، الثاني : يزيد من الزيادة ابن أبي عبيد - بضم العين - مولى سلمة بن الأكوع ، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ، الثالث : سلمة بن الأكوع هو سلمة بن عمرو بن الأكوع ، ويقول سلمة بن وهب بن الأكوع ، واسمه سنان بن عبد الله المدني ، شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات ، وكان يسكن الربذة ، وكان شجاعا راميا ، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ، وهو ابن ثمانين سنة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الكفالة عن أبي عاصم ، وأخرجه النسائي في الجنائز عن عمر ، وعلي ، ومحمد بن المثنى . ( ذكر معناه ) قوله : " جلوسا " جمع جالس ، وانتصابه على أنه خبر كان ، قوله : " إذ " كلمة مفاجاة ، قوله : " أتي " بضم الهمزة على صيغة المجهول ، وكذلك أتي في الموضعين الآخرين . وذكر ثلاثة أحوال ، الأول : لم يترك مالا ولا دينا ، الثاني : عليه دين وترك مالا ، الثالث : عليه دين ولم يترك مالا ، ولم يذكر الرابع ، وهو الذي لا دين عليه وترك مالا ، وهذا حكمه أن يصلى عليه أيضا ، ولم يذكره إما لأنه لم يقع ، وإما لأنه كان كثيرا ، قوله : " ثلاثة دنانير " في الأخير ، وروى الحاكم من حديث جابر ، وفيه ديناران ، وكذلك في رواية أبي داود عن جابر ، وفي رواية الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد . فإن قلت : كيف التوفيق بين رواية الثلاث ورواية الاثنين ؟ قلت : يحمل بأنه كان دينارين ونصفا ، فمن قال ثلاثة جبر الكسر ، ومن قال دينارين ألغى النصف ، أو كان أصل ذلك ثلاثة فوفى الميت قبل موته دينارا وبقي عليه ديناران ، فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل ، ومن قال دينارين فباعتبار ما بقي من الدين . قوله : " قال أبو قتادة " الحارث بن ربعي الخزرجي الأنصاري فارس رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - مر في الوضوء ، وأخرجه الترمذي عن نفس أبي قتادة فقال : حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا أبو داود قال : أخبرنا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أتى برجل ليصلي عليه ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " صلوا على صاحبكم ، فإن عليه دينا " ، قال أبو قتادة : هو علي ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالوفاء فصلى عليه ، وفي رواية ابن ماجه : فقال أبو قتادة : أنا أتكفل به ، وفي رواية أبي داود : هما علي يا رسول الله ، قال بالوفاء ، وفي رواية الدارقطني : فجعل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : هما عليك وفي مالك ، وحق الرجل عليك ، والميت منهما بريء ، فقال : نعم ، فصلى عليه ، وجعل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا لقي أبا قتادة يقول : ما صنعت في الدينارين حتى إذا كان آخر ذلك قال : قد قضيتهما يا رسول الله قال : الآن حين بردت عليه جلدته ، وفي رواية الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد ، فقال : على صاحبكم دين ؟ قالوا : ديناران ، قال أبو قتادة : أنا بدينه يا رسول الله ، وروى الدراقطني من حديث ابن عباس عن عطاء بن عجلان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة ، عن علي - رضي الله تعالى عنه - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه ، فإن قيل : عليه دين ، كف ، وإن قيل : ليس عليه دين ، صلى ، فأتي بجنازة ، فلما قام ليكبر سأل هل عليه ؟ قالوا : ديناران ، فعدل عنه ، وقال : صلوا على صاحبكم ، فقال علي - رضي الله تعالى عنه - : هما علي وهو بريء منهما ، فصلى عليه ، ثم قال لعلي : " جزاك الله خيرا ، وفك الله رهانك كما فككت رهان أخيك ، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه ، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة ، فقال بعضهم : هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة ؟ قال : بل للمسمين عامة " ، وروي عن أبي سعيد الخدري نحوه ، وفيه أن عليا قال : أنا ضامن لدينه وفي رواية الطحاوي من حديث شريك عن عبد الله بن عقيل قال : إن رجلا مات وعليه دين ، فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال أبو اليسر أو غيره : هو علي ، فصلى عليه ، فجاءه من الغد يتقاضاه ، فقال : أما كان ذلك أمس ؟ ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الآن بردت عليه جلدته . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الكفالة من الميت ، وقال ابن بطال : اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين ، فقال ابن أبي ليلى ، ومحمد ، وأبو يوسف ، والشافعي : الكفالة جائزة عنه وإن لم يترك الميت شيئا ، ولا رجوع له في مال الميت إن ثاب للميت مال ، وكذلك إن كان للميت مال وضمن عنه لم يرجع في قولهم لأنه متطوع ، وقال مالك : له أن يرجع في ماله كذلك إن قال إنما أديت لأرجع في مال الميت ، وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له إن ثاب للميت ، قال ابن القاسم : لأنه بمعنى الهدية ، وقال أبو حنيفة : إن لم يترك الميت شيئا فلا تجوز الكفالة ، وإن ترك جازت بقدر ما ترك ، وقال الخطابي : فيه أن ضمان الدين عن الميت يبريه إذا كان معلوما سواء خلف الميت وفاء أو لم يخلف ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما امتنع من الصلاة لارتهان ذمته بالدين ، فلو لم يبرأ بضمان أبي قتادة لما صلى عليه ، والعلة المانعة قائمة . وفيه فساد قول مالك أن المؤدى عنه الدين يملكه أولا عن الضامن ؛ لأن الميت لا يملك ، وإنما كان هذا قبل أن يكون للمسلمين بيت مال ، إذ بعده كان القضاء عليه ، وقال القاضي البيضاوي : لعله - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن الصلاة عن المديون الذي لم يترك وفاء تحذيرا عن الدين وزجرا عن المماطلة أو كراهة أن يوقف دعاؤه عن الإجابة بسبب ما عليه من مظلمة الخلق ، وقال الكرماني : الحديث حجة على أبي حنيفة حيث قال : لا يصلح الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء ، وقال ابن المنذر : وخالف أبو حنيفة الحديث ، قلت : هذا إساءة الأدب ، وحاشا من أبي حنيفة أن يخالف الحديث الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وقوفه عليه ، وكان الأدب أن يقول : ترك العمل بهذا الحديث ثم تركه في الموضع الذي ترك العمل به ، إما لأنه لم يثبت عنده أو لم يقف عليه أو ظهر عنده نسخه . وحديث أبي هريرة الذي يأتي بعد أربعة أبواب يدل على النسخ ، وهو قوله : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته . وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك كلا فإلي ، ومن ترك مالا فللوارث . قال أبو بشر يونس بن حبيب : سمعت أبا الوليد يقول : هذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت في ترك الصلاة على من عليه الدين ، وقال أبو بكر عبد الله بن أحمد الصفار : حدثنا محمد بن الفضل الطبري ، أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن المخزومي ، أنبأنا محمد بن بكير الحضرمي ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن حسين بن قيس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي على من مات وعليه دين ، فمات رجل من الأنصار فقال : عليه دين ؟ قالوا : نعم ، فقال : صلوا على صاحبكم ، فنزل جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال : إن الله - عز وجل - يقول : إنما الظالم عندي في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية ، فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه ، فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال بعد ذلك : من ترك ضياعا أو دينا فإلي أو علي ، ومن ترك ميراثا فلأهله فصلى عليهم . وقال القرطبي : التزامه بدين الموتى يحتمل أن يكون تبرعا على مقتضى كرم أخلاقه لا أنه أمر واجب عليه ، قال : وقال بعض أهل العلم : يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال : فعلي قضاؤه ، ولأن الميت المديون خاف أن يعذب في قبره علي ذلك الدين لقوله - صلى الله عليه وسلم - : الآن حين بردت جلدته ، وكما أن على الإمام أن يسد رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية فالأخروية أولى ، وقال ابن بطال فإن لم يعط الإمام عنه شيئا وقع القصاص منه في الآخرة ، ولم يحبس الميت عن الجنة بدين له مثله في بيت المال إلا أن يكون دينه أكثر مما له في بيت المال ، وفي شرح المهذب : قيل : إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقضيه من مصالح المسلمين ، وقيل : من ماله ، وقيل : كان هذا القضاء واجبا عليه ، وقيل : لم يصل عليه لأنه لم يكن للمسلمين يومئذ بيت مال ، فلما فتح الله عليهم وصار لهم بيت مال صلى على من مات وعليه دين ويوفيه منه .
( باب الدين ) أي هذا باب في بيان حكم الدين هذا ، هكذا وقع في رواية الأصيلي وكريمة ، وليس في رواية أبي ذر وأبي الوقت لا باب ولا ترجمة ، وسقط الحديث أيضا من رواية المستملي ، ووقع في رواية النسفي وابن شبويه باب بغير ترجمة ، وبه جزم الإسماعيلي ، وذكر ابن بطال هذا الحديث المذكور هنا في آخر باب من تكفل عن ميت بدين ، وهذا هو اللائق ؛ لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها ، أو يثبت باب بلا ترجمة لأنه حينئذ يكون كالفصل منها ، وليس كذلك ، وأما الترجمة بباب الدين فمحلها أن يكون في كتاب الفرض ، فافهم . 7 - ( حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه فضلا ؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى ، وإلا قال للمسلمين : صلوا على صاحبكم ، فلما فتح الله عليه الفتوح ، قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا ، فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته ) . مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أنه في بيان حكم الدين . ورجاله قد تكرر ذكرهم ولا سيما بهذا السند . والحديث أخرجه البخاري أيضا في النفقات عن يحيى بن بكير ، وأخرجه مسلم في الفرائض عن عبد الملك بن شعيب ، وأخرجه الترمذي في الجنائز عن أبي الفضل مكتوم بن العباس . قوله : " عن أبي سلمة عن أبي هريرة " هكذا رواه عقيل ، وتابعه يونس ، وابن أخي ابن شهاب ، وابن أبي ذئب ، كما أخرجه مسلم وخالفهم معمر ، فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ، أخرجه أبو داود والترمذي ، قوله : " المتوفى " أي الميت ، قوله : " عليه الدين " جملة حالية ، قوله : " فيسأل " أي رسول الله ، قوله : " هل ترك لدينه فضلا " أي قدرا زائدا على مئونة تجهيزه ، وفي رواية الكشميهني قضاء بدل فضلا ، وكذا هو عند مسلم وأصحاب السنن ، قوله : " وفاء " أي ما يوفي به دينه ، قوله : " وإلا " أي وإن لم يترك وفاء ، قال إلى آخره ، قوله : " الفتوح " يعني من الغنائم وغير ذلك ، قوله : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم " لأنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - تكفل بدين من مات من أمته معدما ، وهو قوله : " فعلي قضاؤه " ، قوله : " فترك دينا " ، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة " فترك دينا أو ضيعة " أي عيالا ، وفي رواية أخرى " ضياعا " ، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا بفتح الضاد فسمى العيال بالمصدر كما يقال من مات وترك فقرا أي فقراء ، قوله : " فعلي قضاؤه " أي مما أفاء الله تعالى عليه من الغنائم والصدقات ، قوله : " فلورثته " ، وفي رواية مسلم " فهو لورثته " ، وفي رواية عبد الرحمن بن عمرة " فليرثه عصبته " . وفيه من الفوائد : تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها ، ولو لم يكن أمر الدين شديدا لما ترك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الصلاة على المديون ، واختلف في أن صلاته على المديون كانت حراما عليه أو جائزة ، حكى فيه وجهان : وقال النووي : الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن ، وقال ابن بطال : قوله : " من ترك دينا فعلي " ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين . وفيه أن الإمام يلزمه أن يفعل هكذا فيمن مات وعليه دين ، فإن لم يفعله وقع القصاص منه يوم القيامة والإثم عليه في الدنيا إن كان حق الميت في بيت الميت بقي بقدر ما عليه من الدين وإلا فبقسطه .
( باب جوار أبي بكر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقده ) أي هذا باب في بيان جوار أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - بضم الجيم وكسرها ، والمراد به الزمام والأمان ، قوله : " في عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " أي في زمنه ، قوله : " وعقده " أي عقد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه 6 - ( حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، وقال أبو صالح : حدثني عبد الله ، عن يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بكرة وعشية ، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي ، فأنا أريد أن أسيح في الأرض ، فأعبد ربي ، قال ابن الدغنة : إن مثلك لا يخرج ولا يخرج ، فإنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار ، فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة ، فرجع مع أبي بكر ، فطاف في أشراف كفار قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة ، وأمنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به ، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدأ لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره ، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة ، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فأته ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان ، قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة أبا بكر ، فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترد إلي ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في رجل عقدت له ، قال أبو بكر : إني أرد إليك جوارك ، وأرضى بجوار الله ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بمكة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أريت دار هجرتكم ، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين ، وهما الحرتان ، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة ، وتجهز أبو بكر مهاجرا ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي ، قال أبو بكر : هل ترجو ذلك بأبي أنت ، قال : نعم ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر ) . مطابقته للترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذى من جهة من أجار منه ، وكان ضمن له أن لا يؤذي ، وأن تكون العهدة في ذلك عليه ، وبهذا يحصل الجواب عما قيل : كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان ، كما ناسب والذين عاقدت أيمانكم كفالة الأموال . ( ذكر رجاله ) وهم تسعة ، الأول : يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي ، الثاني : الليث بن سعد ، الثالث : عقيل بضم العين ابن خالد ، الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الخامس : عروة بن الزبير بن العوام ، السادس : أبو صالح ، واختلف في اسمه ، فقال أبو نعيم والأصيلي والجياني وآخرون : إنه سليمان ابن صالح ، ولقبه سلمويه ، وقال الإسماعيلي : هو أبو صالح عبد الله بن صالح ، كاتب الليث ، وقال الدمياطي : هو أبو صالح محبوب بن موسى الفراء ، قيل : المعتمد على الأول ؛ لأنه وقع في رواية ابن السكن عن الفربري ، عن البخاري ، قال : قال أبو صالح سلمويه : حدثنا عبد الله بن المبارك . السابع : عبد الله بن المبارك ، الثامن : يونس بن يزيد ، التاسع : أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ستة مواضع ، وفيه أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده ، وأنه والليث وأبا صالح - على قول من يقول : إنه كاتب الليث - مصريون ، وعقيل أيلي ، والزهري وعروة مدنيان ، وعبد الله بن المبارك وأبو صالح - على قول من يقول إنه سلمويه - مروزيان ، وعبد الله - على قول من يقول : أبو صالح كاتب الليث - هو عبد الله بن وهب مصري . وقد مضى صدر هذا الحديث في أبواب المساجد ، في باب المسجد يكون في الطريق ، فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان ، الحديث مختصرا . ( ذكر معناه ) قوله : " قال ابن شهاب : فأخبرني عروة " فيه محذوف ، وقوله : " فأخبرني " عطف عليه تقديره : قال ابن شهاب أخبرني كذا وكذا ، وعقيب ذلك أخبرني بهذا ، قوله : " قال أبو عبد الله " هو البخاري نفسه ، قوله : " وقال أبو صالح : حدثني عبد الله " هذا تعليق سقط من رواية أبي ذر ، وساق الحديث عن عقيل وحده ، قوله : " لم أعقل أبوي " أي لم أعرف يعني ما وجدتهما منذ عقلت إلا متدينين بدين الإسلام ، قوله : " قط " بتشديد الطاء المضمونة للنفي في الماضي ، تقول : ما رأيته قط ، وقال أبو علي : وقد تجزم إذا كانت بمعنى التعليل ، وتضم وتثقل إذا كانت في معنى الزمن والحين من الدهر ، تقول : لم أر هذا قط ، وليس عندي إلا هذا فقط ، قوله : " وهما يدينان الدين " أي يطيعان الله ، وذلك أن مولدها بعد البعث بسنتين ، وقيل : بخمس ، وقيل : بسبع ، ولا وجه له ؛ لإجماعهم أنها كانت حين هاجر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بنت ثمان ، وأكثر ما قيل : إن مقامه بمكة بعد البعث ثلاث عشرة سنة ، وإنما يصح خمس على قول من يقول : أقام ثلاث عشرة سنة ، وسنتين على قول من يقول : أقام عشرا بها ، وتزوجها وهي بنت ست ، وقيل : سبع ، وبنى بها وهي بنت تسع ، ومات عنها وهي بنت ثماني عشر سنة ، وعاشت بعده ثمان وأربعين سنة ، قوله : " فلما ابتلي المسلمون " ، أي بإيذاء المشركين ، قوله : " خرج أبو بكر مهاجرا " أي حال كونه مهاجرا ، وقال الأزهري : أصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن ، يقال : هاجر البدوي إذا حضر وأقام ، كأنه ترك الأولى للثانية . قوله : " حتى إذا بلغ برك الغماد " بفتح الباء الموحدة على الأكثر ، ويروى بكسرها وبسكون الراء وبالكاف ، وفي المطالع وبكسر الباء وقع للأصيلي والمستملي وأبي محمد الحموي ، قال : وهو موضع بأقاصي هجر ، والغماد بكسر الغين وضمها ، كذا ذكره ابن دريد ، وفي ( معجم ) البكري : قال أحمد بن يعقوب الهمداني : برك الغماد في أقصى اليمن ، قال أبو محمد : برك ونعام موضعان في أطراف اليمن ، وقال الهجري : برك من اليمامة ، وقيل : إن البرك والبريك مصغرا لبني هلال بن عامر ، قوله : " ابن الدغنة " بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وفتح النون المخففة على مثال الكلمة ، ويقال : بضم الدال والغين وتشديد النون ، ويقال : بفتح الدال وسكون الغين ، وفي المطالع عند المروزي : الدغنة بفتح الدال وبفتح الغين ، قال الأصيلي : كذا قرأناه ، وعند القابسي : الدغنة بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون ، وحكى الجياني فيه الوجهين ، ويقال : ابن الدثنة أيضا ، وتسكن الثاء أيضا ، والدغنة اسم أمه ، ومعناه لغة : الغيم الممطر ، والدثنة الكثيرة اللحم المسترخية ، وقال ابن إسحاق : واسمه ربيعة بن رفيع ، قوله : " وهو سيد القارة " بالقاف وتخفيف الراء قبيلة موصوفة بجودة الرمي ، وفي المطالع : القارة بنو الهون بن خزيمة ، قلت : خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، سموا بذلك لأنهم في بعض حربهم لبني بكر صفوا في قارة ، وقال ابن دريد : القارة أكمة سوداء فيها حجارة ، قوله : " أن أسيح " أي أن أسير ، يقال : ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها ، وأصله من السيح ، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض ، قوله : " لا يخرج " على بناء الفاعل ، ولا يخرج على بناء المفعول ، قوله : " تكسب المعدوم " أي تكسب معاونة الفقير ، وتحقيقه مر في كتاب الأيمان ، قوله : " وتحمل الكل " بفتح الكاف وتشديد اللام ، وهو الثقل ، أي ثقل العجزة ، كذا فسره الكرماني ، وفي المغرب : الكل : اليتيم ، ومن هو عيال وثقل على صاحبه ، قوله : " وتقرى الضيف " بفتح التاء من قرى يقري من باب ضرب يضرب ، تقول : قريت قرى مثل قليته قلى وقراء أحسنت إليه ، إذا كسرت القاف قصرت ، وإذا فتحت مددت ، وفي المطالع : القرى : بالكسر مقصورا ، ما يهيأ للضيف من طعام ونزل ، وقال القالي : إذا فتحت أوله مددته ، قوله : " على نوائب الحق " النوائب : جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوادث ، من نابه ينوبه شيء إذا نزل به واعتراه . قوله : " وأنا لك جار " أي مجير ، وفي الصحاح الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم ، وقال تعالى : وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ، والمعنى هنا أنا مؤمنك ممن أخافك منهم ، وفي المغرب أجاره يجيره إجارة إغاثة ، والهمزة للسلب ، والجار المجير والمجار ، قوله : " فرجع مع أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - " وكان القياس أن يقال : رجع أبو بكر معه ، عكس المذكور ، ولكن هذا من إطلاق الرجوع وإرادة لازمه الذي هو المجيء ، أو هو من قبيل المشاكلة ؛ لأن أبا بكر كان راجعا ، وأطلق الرجوع باعتبار ما كان قبله بمكة ، قوله : " فطاف " أي ابن الدغنة في أشراف كفار قريش ، أي ساداتهم ، وهو جمع شريف ، وشريف القوم سيدهم وكبيرهم . قوله : " أتخرجون " بضم التاء من الإخراج والهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار ، قوله : " يكسب المعدوم " جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله : رجلا ، وما بعده عطف عليها ، قوله : " فأنفذت " بالذال المعجمة ، أي أمضوا جواره ورضوا به ، وأمنوا أبا بكر أي جعلوه في أمن ، ضد الخوف ، قوله : " مر " أمر من أمر يأمر ، قوله : " فليعبد " قيل : الفاء لا معنى لها هنا ، وقيل : تقديره مر أبا بكر ليعبد ربه فليعبد ربه قاله الكرماني ( قلت ) هذا الذي ذكره أيضا لا معنى له لأنه لا يفيد زيادة شيء ، بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرط تقديره : مر أبا بكر إذا قبل ما نشترط عليه فليعبد ربه في داره ، قوله : " بذلك " إشارة إلى ما ذكر من الصلاة والقراءة ، قوله : " ولا يستعلن به " أي بالمذكور من الصلاة والقراءة ، والاستعلان الجهر ، ولكن مرادهم الجهر بدينه وصلاته وقراءته ، قوله : " أن يفتن " بفتح الياء آخر الحروف من الفتنة ، يقال : فتنته أفتنه فتنا وفتونا ، ويقال : أفتنه ، وهو قليل ، والفتنة تستعمل على معان كثيرة ، وأصلها الامتحان ، والمراد هنا أن يخرج أبناءهم ونساءهم مما هم فيه من الضلال إلى الدين ، وقوله : أبناءنا ، منصوب لأنه مفعول لقوله : أن يفتن ، قال ذلك ، أي قال ابن الدغنة ، وذلك إشارة إلى ما شرطت أشراف قريش عليه ، قوله : " فطفق أبو بكر " بكسر الفاء ، يقال : طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل كذا ، وهو من أفعال المقاربة ، ولكنه من النوع الذي يدل على الشروع فيه ، ويعمل عمل كان ، وقال صاحب التوضيح : يقال : طفق يفعل كذا مثل ظل ( قلت ) ليس كذلك لأن ظل من الأفعال الناقصة ، وقال صاحب الأفعال : طفق ما نسي طفوقا ، إذا دام فعله ليلا ونهارا ، ومنه قوله تعالى : فَطَفِقَ مَسْحًا ، الآية ، وفيه نظر ، ثم بدأ لأبي بكر أي ظهر له رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله ، قوله : " فابتنى مسجدا بفناء داره " بكسر الفاء : وهو ما امتد من جوانب الدار ، وهو أول مسجد بني في الإسلام ، قاله أبو الحسن ، قال الداودي : بهذا يقول مالك وفريق من العلماء : أن من كانت لداره طريقا متسعا له أن يرتفق منها بما لا يضر بالطريق ، قوله : " وبرز " أي ظهر ، من البروز ، قوله : " فكان يصلي فيه " أي في المسجد الذي بناه بفناء داره ، قوله : " فيتقصف " أي يزدحم حيضا حتى يكسر بعضهم بعضا بالوقوع عليه ، وأصل القصف الكسر ، ومنه ريح قاصفة أي شديدة تكسر الشجر ، قوله : " بكاء " مبالغة باكي ، من البكاء ، قوله : " فأفزع ذلك " من الفزع وهو الخوف ، وذلك في محل الرفع فاعله ، وهو إشارة إلى ما فعله أبو بكر من قراءة القرآن جهرا وبكائه ، وقوله : " أشراف قريش " كلام إضافي منصوب لأنه مفعول أفزع . قوله : " وإن جاوز ذلك " أي ما شرطنا عليه ، قوله : " وإن أبى إلا أن يعلن ذلك " أي وإن امتنع إلا أن يجهر بما ذكر من الصلاة وقراءة القرآن ، قوله : " ذمتك " أي عهدك ، قوله : " أن نخفرك " بضم النون وسكون الخاء المعجمة وبالفاء من الإخفار بكسر الهمزة وهو نقض العهد ، يقال : خفرته إذا أجرته وحميته ، وأخفرته إذا نقضت عهده ولم تف به ، والهمزة فيه للسلب ، قوله : " إني أخفرت " على بناء المجهول ، قوله : " أرضى بجوار الله " أي حماه ، قوله : " قد أريت " على بناء المجهول ، قوله : " سبخة " بفتح السين المهملة ، وسكون الباء الموحدة ، وفتح الخاء المعجمة وهي : الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئا إلا بعض الشجر ، قوله : " بين لابتين " اللابتان تثنية لابة بالتخفيف ، وهي أرض فيها حجارة سود كأنها احترقت بالنار ، وكذلك الحرة ، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء ، قوله : " مهاجرا " حال ، أي طالب الهجرة من مكة ، قوله : " على رسلك " بكسر الراء على هينتك من غير عجلة ، يقال : افعل كذا على رسلك أي اتئد ، وفي التوضيح الرسل : بفتح الراء السير السهل ، وضبطه في الأصل بكسر الراء ، وبعض الروايات بفتحها ، قوله : " أن يؤذن على بناء المجهول من الإذن ، قوله : " بأبي " أي مفدى بأبي ، قوله : " أنت " مبتدأ وخبره بأبي أو أنت تأكيد لفاعل ترجو وبأبي قسم ، قوله : " ورق السمر " بفتح السين المهملة وضم الميم ، قال الكرماني : شجر الطلح ، وقال ابن الأثير : هو ضرب من شجر الطلح ، الواحد سمرة ، وفي المغرب السمر من شجر العضاه ، وهو كل شجر يعظم وله شوك ، وهو على ضربين : خالص ، وغير خالص ، فالخالص الغرف ، والطلح ، والسلم ، والسدر ، والسيال ، والسمر ، والينبوت ، والقتاد الأعظم ، والكهنبل ، والغرب ، والعوسج . وما ليس بخالص : فالشوحط ، والنبع ، والشريان ، والسراء ، والنشم ، والعجرم ، والتالب . وواحد العضاه عضاهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما في الشفة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الجوار ، وكان معروفا بين العرب ، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم ، وقد أجار أبو طالب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولا يكون الجوار إلا لمن ظلم . وفيه أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم أنه مباح له وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم ، وإن كان يجيره كافرا إن أراد الأخذ بالرخصة ، وإن أراد الأخذ بالشدة فله ذلك ، كما رد الصديق الجوار ورضي بجوار الله ورسوله ، والصديق يومئذ كان من المستضعفين ، فآثر الصبر على ما ناله من الأذى محتسبا على الله تعالى وإيفاء به ، فوفاه الله له ما وثق به فيه ، ولم ينله مكروه حتى أذن له في الهجرة ، فخرج مع حبيبه ، ونجاهما الله من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده من الله من إظهار النبوة وإعلاء الدين ، وفيه ما كان للصديق من الفضل والصدق في نصرة رسوله ، وبذله نفسه وماله في ذلك مما لم يخف مكانه ولا جهل موضعه ، وفيه أن كل من ينتفع بإقامته لا يخرج من بلده ويمنع منه إن أراده ، حتى قال محمد بن سلمة : إن الفقيه ليس له أن يغزو لأن ثمة من ينوب عنه فيه ، وليس يوجد من يقوم مقامه في التعليم ، ويمنع من الخروج إن أراده ، واحتج بقوله تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية .
( باب إذا أحال على ملي فليس له رد ) هذا الباب وقع في نسخة الفربري لا غير ، أي هذا باب يذكر فيه إذا أحال صاحب الحق على رجل ملي فليس له رد . 2 - ( حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن ابن ذكوان عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مطل الغني ظلم ، ومن أتبع على ملي فليتبع ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي ، وهو من أفراده وليس هذا محمد بن يوسف ابن واقد أبو عبد الله الفريابي ، وهو أيضا شيخ البخاري ، روى عنه في الكتاب ، وذكر أبو مسعود أن البخاري رواه عن محمد بن يوسف في كتاب الحوالة ، وكذا ذكره خلف وأبو العباس الطرقي ، ومن طريقه أخرجه الترمذي عن الثوري ، وأخرجه النسائي عن سفيان بن عيينة ، قوله : " عن ابن ذكوان " هو عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، والكلام فيه قد مر عن قريب .
5 - ( حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو قال : سمع محمد بن علي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا ، فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى : من كان له عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته ، فقلت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لي : كذا وكذا ، فحثى لي حثية ، فعددتها ، فإذا هي خمسمائة ، وقال : خذ مثليها ) . مطابقته للترجمة من حيث إن أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - كما قام مقام النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين وعدة ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب الوفاء بالوعد ، ونفذ أبو بكر ذلك . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، الثاني : سفيان بن عيينة ، الثالث : عمرو بن دينار ، الرابع : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه الخامس : جابر بن عبد الله . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه مدنيان وسفيان وعمرو مكيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وعمرو بن دينار روى كثيرا عن جابر ، وهاهنا كان بينهما واسطة وهو محمد بن علي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في الخمس عن علي بن عبد الله أيضا ، وفي المغازي عن قتيبة ، وفي الشهادات عن إبراهيم بن موسى ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسحاق بن إبراهيم ، وعن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وعن محمد بن المنكدر . ( ذكر معناه ) قوله : لو قد جاء ومعنى قد هاهنا لتحقق المجيء ، قوله : مال البحرين والمراد بالمال مال الجزية ، والبحرين على لفظ تثنية البحر موضع بين البصرة وعمان ، وكان العامل عليها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي ، قوله : قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، وفي الشهادات : فبسط يده ثلاث مرات ، قوله : عدة أي وعد ، وأصل عدة وعد ، فلما حذفت الواو عوضت عنها الياء في آخره ، فوزنه على هذا علة ، قوله : فحثى لي حثية بفتح الحاء المهملة ، والحثية ملء الكف ، وقال ابن قتيبة : هي الحفنة ، وقال ابن فارس : هي ملء الكفين ، والفاء في فحثى عطف على محذوف تقديره خذ هكذا ، وأشار بيديه ، وفي الواقع هو تفسير لقوله خذ هكذا ، قوله : وقال خذ مثليها أي قال أبو بكر : خذ أيضا مثلي خمسمائة ، فالجملة ألف وخمسمائة ، وذلك لأن جابرا لما قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لي كذا وكذا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات ، حثى له أبو بكر حثية فجاءت خمسمائة ، ثم قال : خذ مثليها ، ليصير ثلاث مرات ، تنفيذا لما وعده النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقوله هكذا ثلاث مرات ، وكان ذلك وعدا من النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وكان من خلقه الوفاء بالعهد ، ونفذه أبو بكر بعد وفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم وقال بعضهم : وفيه قبول خبر الواحد العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعا لنفسه ؛ لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا على صحة دعواه ، انتهى ( قلت ) إنما لم يلتمس شاهدا منه لأنه عدل بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا فمثل جابر إن لم يكن من خير أمة فمن يكون ؟ وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - من كذب علي متعمدا الحديث ، ولا يظن ذلك لمسلم فضلا عن صحابي ، فلو وقعت هذه المسألة اليوم فلا تقبل إلا ببينة ، وقال هذا القائل أيضا : ويحتمل أن يكون أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - علم بذلك فقضى له بعلمه ، فيستدل به على جواز مثل ذلك للحاكم ، انتهى . ( قلت ) هذا الباب فيه تفصيل ، وليس على الإطلاق ؛ لأن علم القاضي على أنواع : منها ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها والأفعال التي يشاهدها ، ومنها ما يعلمها بعد البلوغ قبل الولاية ، ومنها ما يعلمه بعد الولاية ولكن في غير عمله الذي وليه ، ومنها ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه ، ففي الفصل الأول لا يقضي بعلمه مطلقا ، وفي الفصل الثاني خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ، فعند أبي حنيفة لا يقضي ، وعندهما يقضي إلا في الحدود والقصاص ، وعن الشافعي قولان ، وفي الثاني : لا يقضي أيضا ، وفي الرابع : يقضي بلا خلاف ، وقال ابن التين : في الحديث جواز هبة المجهول والآبق والكلب ، وفي ( حاوي ) الحنابلة : وتصح هبة المشاع وإن تعذرت قسمته ، وفي الروضة للشافعية : تجوز هبة المشاع سواء المنقسم أو غيره ، وسواء وهبه للشريك أو غيره ، ويجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها ودون زرعها ، وعكسه ، انتهى . وعندنا لا تجوز الهبة فيما لا يقسم إلا محوزة ، أي مفرغة عن أملاك الواهب حتى لا تصح هبة الثمر على الشجر ، والزرع على الأرض بدون الشجر والأرض ، وكذا العكس ، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة . وفيه العدة ، فجمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن إنجاز العدة مستحب ، وأوجبه الحسن وبعض المالكية ، وقد استدل بعض الشافعية بهذا الحديث على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم زعموا أنه من خصائصه ، ولا دلالة فيه أصلا لا على الوجوب ولا على الخصوصية .
( باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع ) أي هذا باب في بيان من تكفل عن ميت دينا كان عليه ، فليس له أن يرجع عن الكفالة ؛ لأنها لزمته واستقر الحق في ذمته ، قيل : يحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به قلت : قد ذكرنا أن فيه اختلاف العلماء ، فقال ابن أبي ليلى : الضمان لازم ، سواء ترك الميت شيئا أم لا ، وقال أبو حنيفة : لا ضمان عليه ، فإن ترك الميت شيئا ضمن بقدر ما ترك ، وإن ترك وفاء ضمن جميع ما تكفل به ، ولا رجوع له في التركة ؛ لأنه متطوع ، وقال مالك : له الرجوع إذا ادعاه . ( وبه قال الحسن ) . أي بعدم الرجوع ، قال الحسن البصري : وهو قول الجمهور من العلماء . 4 - ( حدثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بجنازة ليصلي عليها ، فقال : هل عليه من دين ؟ قالوا : لا ، فصلى عليه ، ثم أتي بجنازة أخرى ، فقال : هل عليه من دين ؟ قالوا : نعم ، قال : صلوا على صاحبكم . قال أبو قتادة : علي دينه يا رسول الله ، فصلى عليه ) . مطابقته للترجمة في قوله : قال أبو قتادة : علي دينه ، والحديث قد مضى بأتم منه في باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز ، قبل هذا الباب ببابين ، فإنه أخرجه هناك عن المكي بن إبراهيم ، عن يزيد بن أبي عبيدة ، عن سلمة إلى آخره ، وهنا أخرجه عن أبي عاصم وهو الضحاك بن مخلد النبيل ، قال الكرماني : هذا الحديث ثامن ثلاثيات البخاري ، قلت : هذا الحديث قد مر مرة كما ذكرناه الآن ، فلا يكون هذا ثامنا بل سابعا ، وذكر هذا الحديث هناك في الحوالة ، وذكره هاهنا في الكفالة ؛ لأنهما متحدان عند البعض أو متقاربان ، ثم إنه اقتصر في هذا الطريق على ذكر جنازتين من الأموات ، وهناك ذكر ثلاثة ، وقد ساقه الإسماعيلي هنا أيضا تاما ، وزاد فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاث كيات ، وكأنه ذكر ذلك لكونه كان من أهل الصفة فلم يعجبه أن يدخر شيئا .
( وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين : استتبهم وكفلهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم ) . مطابقته للترجمة في قوله : وكفلهم ، ولا خلاف في جواز الكفالة بالنفس ، جرير هو ابن عبد الله البجلي ، والأشعث بن قيس الكندي الصحابي ، وهذا التعليق مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال : صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود ، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة ، فسمع مؤذن عبد الله بن نواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله ، فقال عبد الله : علي بابن النواحة وأصحابه ، فجيء بهم ، فأمر قريظة بن كعب ، فضرب عنق ابن النواحة ، ثم استشار الناس في أولئك النفر ، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم ، فقام جرير والأشعث فقالا : بل استتبهم وكفلهم عشائرهم ، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانوا مائة وسبعين رجلا ، ومعنى التكفيل هنا ما ذكرناه في حديث حمزة بن عمرو الضبط والتعهد حتى لا يرجعوا إلى الارتداد لا أنه كفالة لازمة . ( وقال حماد : إذا تكفل بنفس ، فمات ، فلا شيء عليه ، وقال الحكم : يضمن ) . حماد هو ابن أبي سليمان ، واسمه مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه ، وهو أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأكثر الرواية عنه ، وثقه يحيى بن معين والنسائي وغيرهما ، مات سنة عشرين ومائة ، والحكم بفتحتين هو ابن عتيبة ، ومذهبه أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقال مالك والليث والأوزاعي : إذا تكفل بنفسه ، وعليه مال ، فإنه لم يأت به غرم المال ويرجع به على المطلوب ، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه ، وقال : لا أضمن المال ، فلا شيء عليه من المال .
( باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها ) أي هذا باب في بيان حكم الكفالة في القرض والديون ، أي ديون المعاملات وهو من باب عطف العام على الخاص ، قوله : " بالأبدان " يتعلق بالكفالة ، قوله : " وغيرهما " أي وغير الأبدان وهي الكفالة بالأموال ، وفي بعض النسخ باب الكفالة في القروض والديون ، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث إن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان لأن كلا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، وقال المهلب : الكفالة بالقرض الذي هو السلف بالأموال كلها جائزة ، وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع . ( وقال أبو الزناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - بعثه مصدقا ، فوقع رجلا على جارية امرأته ، فأخذ حمزة من الرجل كفيلا حتى قدم على عمر ، وكان عمر قد جلده مائة جلدة ، فصدقهم وعذره بالجهالة ) . مطابقته للترجمة في قوله : فأخذه حمزة من الرجل كفيلا ، وأبو الزناد بكسر الزاي وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان ، وقد تكرر ذكره ، ومحمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي حجازي ، ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وروى له النسائي في اليوم والليلة ، وأبو داود والطحاوي ، وأبو حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث الأعرج الأسلمي يكنى أبا صالح ، وقيل : أبا محمد ، مات سنة إحدى وستين ، وله صحبة ورواية . وهذا التعليق وصله الطحاوي فقال : حدثنا ابن أبي داود وقال : حدثنا ابن أبي مريم قال : أخبرنا ابن أبي الزناد قال : حدثني أبي عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله تعالى عنه - بعثه مصدقا على سعد بن هذيم ، فأتى حمزة بمال ليصدقه ، فإذا رجل يقول لامرأته : أدي صدقة مال مولاك ، وإذا المرأة تقول له : بل أنت فأد صدقة مال أبيك ، فسأله حمزة عن أمرها وقولهما ، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة ، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدا فأعتقته امرأته ، قالوا : فهذا المال لابنه من جاريتها ، فقال له حمزة : لأرجمنك بالحجارة ، فقيل له : أصلحك الله إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فجلده عمر مائة ، ولم ير عليه الرجم ، فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى يقدم على عمر فيسأله عما ذكر من جلد عمر إياه ولم ير عليه رجما ، فصدقهم عمر بذلك من قولهم ، وقال : إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة ، انتهى . قوله : " مصدقا " بتشديد الدال المكسورة على صيغة اسم الفاعل من التصديق ، أي أخذ الصدقة عاملا عليها ، فصدقهم بالتخفيف ، أي صدق الرجل للقوم واعترف بما وقع منه لكنه اعتذر بأنه لم يكن عالما بحرمة وطئ جارية امرأته ، أو بأنها جاريتها ؛ لأنها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته ، أو صدق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنه قد جلده مرة لذلك ، ويحتمل أن يكون الصدق بمعنى الإكرام ، كقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي كريم ، فمعناه فأكرم عمر - رضي الله تعالى عنه - الكفلاء ، وعذر الرجل بجهالة الحرمة أو الاشتباه ، قوله : " فأخذ حمزة من الرجل كفيلا " ليس المراد من الكفالة هاهنا الكفالة الفقهية بل المراد التعهد والضبط عن حال الرجل ، وقال ابن بطال : كان ذلك على سبيل الترهيب على المكفول ببدنه والاستيثاق لا أن ذلك لازم للكفيل إذا زال المكفول به . واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان ، فإن حمزة بن عمرو صحابي ، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر - رضي الله تعالى عنه - مع كثرة الصحابة حينئذ ، وإنما جلد عمر - رضي الله تعالى عنه - للرجل مائة تعزيرا وكان ذلك بحضرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقال ابن التين : فيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد ، ورد عليه بأنه فعل صحابي عارضه مرفوع صحيح فلا حجة فيه . قلت : هذا الباب فيه خلاف بين العلماء ، فمذهب مالك ، وأبي ثور ، وأبي يوسف في قول ، والطحاوي : أن التعزير ليس له مقدار محدود ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه ، وأن يتجاوز به الحدود ، وقالت طائفة : التعزير مائة جلدة فأقل ، وقالت طائفة : أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة ، وقالت طائفة : أكثره تسعة وتسعون سوطا فأقل ، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف في رواية ، وقالت طائفة : أكثره ثلاثون سوطا ، وقالت طائفة : أكثره عشرون سوطا ، وقالت طائفة : لا يتجاوز بالتعزير تسعة ، وهو بعض قول الشافعي . وقالت طائفة : أكثره عشرة أسواط فأقل ، لا يتجاوز به أكثر من ذلك ، وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر ، وأجابوا عن الحديث المرفوع ، وهو قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله " بأنه في حق من يرتدع بالردع ويؤثر فيه أدنى الزجر ، كأشراف الناس وأشراف أشرافهم ، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون ، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه ، وقد ذكر الطحاوي حديث حمزة بن عمرو المذكور في باب الرجل يزني بجارية امرأته ، فروى في أول الباب حديث سلمة بن المحبق أن رجلا زنى بجارية امرأته ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها ، وإن كانت طاوعة فهي له وعليه مثلها " ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث وقالوا : هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته . ( قلت ) أراد بالقوم الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : بل نرى عليه الرجم إن كان محصنا ، والجلد إن كان غير محصن ( قلت ) أراد بالآخرين هؤلاء جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحابهم ثم أجابوا عن حديث سلمة بن المحبق أنه منسوخ بحديث النعمان بن بشير ، رواه الطحاوي ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولفظ أبي داود : أن رجلا ، يقال له : عبد الرحمن بن حنين ، وقع على جارية امرأته ، فرفع إلى النعمان بن بشير ، وهو أمير على الكوفة ، فقال : لأقضين فيك بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة ، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة ، فوجدوها أحلتها له فجلده مائة ، قال الطحاوي : فثبت بهذا ما رواه النعمان ، ونسخ ما رواه سلمة بن المحبق ، قالوا : قد عمل عبد الله بن مسعود بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما في حديث سلمة فأجاب الطحاوي عن هذا بقوله : وخالفه في ذلك حمزة بن عمرو الأسلمي ، وساق حديثه على ما ذكرناه آنفا ، وقال أيضا : وقد أنكر علي - رضي الله تعالى عنه - على عبد الله بن مسعود في هذا قضاءه بما قد نسخ فقال : حدثنا أحمد بن الحسن قال : حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين قال : ذكر لعلي - رضي الله تعالى عنه - شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته ، وقد وقع على جارية امرأته ، فلم ير عليه حدا ، فقال علي : لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة ، لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده ، فأخبر علي - رضي الله تعالى عنه - أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده فلم يعلم ابن مسعود بذلك ، وقد خالف علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود في الحكم المذكور ، وذهب إلى قول من خالف عبد الله ، والحال أن علقمة أعلم أصحاب عبد الله بعبد الله وأجلهم ، فلو لم يثبت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله مع جلالة قدر عبد الله عنده .
( قال أبو عبد الله : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم ، فقال : كفى بالله شهيدا ، قال : فأتني بالكفيل ، قال : كفى بالله كفيلا ، قال : صدقت ، فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر ، فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها ، يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها ، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها إلى البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار ، فسألني كفيلا ، فقلت : كفى بالله كفيلا ، فرضي بك وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا ، فرضي بك ، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر ، وإني أستودعكها ، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطبا ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك ، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه ، قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟ قال : أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه ، قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بالألف الدينار راشدا ) . مطابقته للترجمة في قوله : فسألني كفيلا ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وعلقه عن الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة القرشي المصري ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة . ومضى هذا الحديث في كتاب الزكاة ، في باب ما يستخرج من البحر ، وعلقه فيه أيضا عن الليث عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، ولكنه مختصر ، وكذلك ذكره معلقا عن الليث نحوه مختصرا في كتاب البيوع في باب التجارة في البحر ، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه أيضا في الاستقراض واللقطة والشروط والاستئذان ، ومر البحث فيه هناك مستقصى ، ونذكر هنا أيضا أشياء لزيادة التوضيح والبيان ، وقال بعضهم : أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لم أقف على اسمه لكن رأيت في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزي له بإسناد له فيه مجهول ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه أن رجلا جاء إلى النجاشي ، فقال له : أسلفني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الحميل بك ، قال : الله ، فأعطاه الألف ، وضرب بها الأجل ، أي سافر بها في تجارة ، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه ، فحبسته الريح ، فعمل تابوتا ، فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة . قال هذا القائل : واستفدنا منه أن الذي أقرض هو النجاشي ، فيجوز أن يكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الإتباع لهم لا أنه من نسلهم ، انتهى ، قلت : انتهى هذا الكلام في البعد إلى حد السقوط ، لأن السائل والمسؤل منه كلاهما من بني إسرائيل على ما يصرح به ظاهر الكلام ، وبين الحبشة وبني إسرائيل بعد عظيم في النسبة وفي الأرض ، ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الإتباع ، وهذا يأباه من له نظر تام في تصرفه في وجوه معاني الكلام على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به ، فافهم . قوله : " مركبا " أي سفينة ، قوله : " يقدم " بفتح الدال وهو جملة حالية ، قوله : " وصحيفة " أي مكتوبا ، قوله : " زجج " بالزاي والجيم ، قال الخطابي : أي سوى موضع النقر ، وأصلحه ، وهو من تزجيج الحواجب وهو حذف زوائد الشعر ، وقال عياض : ومعناه سمرها بمسامير كالزج أو حشي شقوق لصاقها بشيء ، ورقعه بالزج ، قوله : " تسلفت فلانا " ، قال بعضهم : كذا وقع هنا والمعروف تعديته بحرف الجر كما وقع في رواية الإسماعيلي : استلفت من فلان ( قلت ) تنظيره باستلفت غير موجه لأن تسلفت من باب التفعل ، واستسلفت من باب الاستفعال ، وتفعل يأتي للمتعدي بلا حرف الجر كتوسد التراب ، واستسلفت معناه طلبت منه السلف ، ولا بد من حرف الجر ، قوله : " فرضي بذلك " هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " فرضي به " ، ورواية الإسماعيلي " فرضي بك " ، قوله : " جهدت " بفتح الجيم والهاء ، قوله : " حتى ولجت فيه " بتخفيف اللام أي حتى دخلت في البحر من الولوج وهو الدخول ، قوله : " وهو في ذلك " الواو فيه للحال ، قوله : " يلتمس " أي يطلب ، قوله : " ينظر " جملة حالية ، قوله : " فإذا بالخشبة " كلمة إذا للمفاجاة ، قوله : " حطبا " نصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره : فأخذها لأجل أهله يجعلها حطبا للإيقاد ، قوله : " فلما نشرها " أي قطعها بالمنشار ، وفي رواية النسائي " فلما كسرها " ، وفي رواية أبي سلمة " وغدا رب المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله ، فقال : أوقدوا هذه فكسروها فانتثرت الدنانير منها والصحيفة ، فقرأها وعرف ، قوله : " فانصرف بالألف الدينار " ، وهذا على مذهب الكوفيين ، وراشدا نصب على الحال من فاعل انصرف . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز التحدث عما كان في زمن بني إسرائيل ، وقد جاء " تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج عليكم " ، وفيه جواز التجارة في البحر وجواز ركوبه ، وفيه جواز أجل القرض ، احتج به من يرى بذلك ومن منعه يقول : القرض إعارة والتأجيل فيها غير لازم لأنها تبرع ، وأما الذي في الحديث فكان على سبيل المسامحة لا على طريق الإلزام ، وفيه طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به ، وفيه فضل التوكل على الله ، وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه ، قال - عز وجل - : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ، وفيه أن جميع ما يوجد في البحر فهو لواجده ما لم يعلمه ملك لأحد .
3 - ( حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، قال : حدثنا عاصم قال : قلت لأنس ) - رضي الله عنه - أبلغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا حلف في الإسلام ، فقال : قد حالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قريش والأنصار في داري ) . لذكر هذا الحديث في هذا الباب وجه ظاهر ، ومحمد بن الصباح - بتشديد الباء الموحدة - أبو جعفر الدولابي ، أصله هروي ، نزل بغداد ، وإسماعيل بن زكريا أبو زياد الأسدي الخلقاني الكوفي ، وعاصم هو ابن سليمان الأحول . والحديث أخرجه البخاري في الاعتصام عن مسدد عن عباد بن عباد ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن الصباح ، عن حفص بن غياث ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه أبو داود في الفرائض عن مسدد عن سفيان بن عيينة . قوله : أبلغك الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله : لا حلف بكسر الحاء المهملة وسكون اللام ، وفي آخره فاء ، وهو العهد يكون بين القوم ، والمعنى أنهم لا يتعاهدون في الإسلام على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية ، ويدل عليه ما رواه مسلم من حديث سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم مرفوعا : لا حلف في الإسلام ، وإنما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ، وقال ابن سيده : معنى لا حلف في الإسلام ، أي لا تعاهد على فعل شيء كانوا في الجاهلية يتعاهدون ، والمحالفة في حديث أنس هي الإخاء ، قاله ابن التين ، قال : وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى النصرة في الإسلام ، وقال الطبري : في التهذيب فإن قيل : قد قال - صلى الله عليه وسلم - : لا حلف في الإسلام وهو يعارض قول أنس : حالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين قريش والأنصار في داري بالمدينة ، قيل له : هذا كان في أول الإسلام آخى بين المهاجرين والأنصار قال : والذي قال فيه : ما كان من حلف فلن يزيده الإسلام إلا شدة ، يعني : ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن ، وهو التعاون على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم .
( باب قول الله تعالى : والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) . أي هذا باب في بيان معنى قول الله تعالى ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الكفالة التزام بغير عوض تطوعا ، فتلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي وجد على وجه التطوع ، وأول الآية وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو صالح ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والسدي ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أي ورثة ، وعن ابن عباس في رواية : أي عصبة ، وقال ابن جرير : العرب تسمي ابن العم مولى ، وقال الزجاج : المولى كل من يليك وكل من والاك في محبة فهو مولى لك ، قلت : لفظ المولى مشترك يطلق على معان كثيرة ، يطلق على المنعم ، والمعتق ، والمعتق ، والجار ، والناصر ، والصهر ، والرب ، والتابع ، وزاد ابن الباقلاني في ( مناقب الأئمة ) : المكان والقرار ، وأما بمعنى الولي فكثير ، ولا يعرف في اللغة بمعنى الإمام . قوله : ( والذين عاقدت أيمانكم ) قال البخاري في التفسير : عاقدت هو مولى اليمين ، وهو الحلف ، وذكر ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وجماعة آخرين : أنهم الحلفاء ، وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن منصور عن مجاهد في قوله ( والذين عاقدت أيمانكم ) قال : كان هذا حلفا في الجاهلية ، قوله : ( عاقدت ) من المعاقدة ، مفاعلة من عقد الحلف ، وقرئ عقدت ، هو حلف الجاهلية كانوا يتوارثون به ، ونسخ بآية المواريث ، وفي ( تفسير ) عبد بن حميد من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عبيدة : العقد خمسة ، عقدة النكاح ، وعقدة الشريك لا يخونه ولا يظلمه ، وعقدة البيع ، وعقدة العهد ، قال الله - عز وجل - : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وعقدة الحلف ، قال الله - عز وجل - : ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، وفي ( تفسير ) مقاتل : كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده ، فلما نزلت آية المواريث جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك ، فنزلت ( والذين عاقدت أيمانكم ) الآية ، يعني أعطوهم الذي سميتم له من المواريث ، وعن عكرمة ( والذين عاقدت أيمانكم ) الآية ، كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر ، فنسخ ذلك في الأنفال وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ، وفي رواية أحمد أنها نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن - رضي الله تعالى عنهما - حين أبى الإسلام ، فحلف أبو بكر أن لا يورثه ، فلما أسلم أمره الله - عز وجل - أن يورثه نصيبه ، وقال أبو جعفر النحاس : الذي يجب أن يحمل عليه حديث ابن عباس المذكور في الباب أن يكون : ولكل جعلنا موالي ، ناسخا لما كانوا يفعلونه ، وأن يكون : والذين عاقدت أيمانكم ، غير ناسخ ولا منسوخ ، وقال الحسن وقتادة : أنها منسوخة ، ومثله يروى عن ابن عباس ، وممن قال أنها محكمة مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال : هذا الحكم باق غير منسوخ ، وجمع بين الآيتين ، بأن جعل أولي الأرحام أولى من أولياء المعاقدة ، فإذا فقد ذوو الأرحام ورث المعاقدون ، وكانوا أحق به من بيت المال ، قوله : " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا يعني أن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات ولا تنشؤا بعد نزول هذه الآية معاقدة . 1 - ( حدثنا الصلت بن محمد قال : حدثنا أبو أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ولكل جعلنا موالي قال : ورثة والذين عاقدت أيمانكم قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه ، للأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فلما نزلت : ولكل جعلنا موالي نسخت ، ثم قال : والذين عاقدت أيمانكم إلا النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى له ) . وجه دخول هذا الحديث في الكفالة والحوالة ما قيل : إن الكفيل والغريم الذي وقعت الحوالة عليه ينتقل الحق عليه كما ينتقل هاهنا حق الوارث عنه إلى الحلف ، فشبه انتقال الحق على المكلف بانتقاله عنه أو باعتبار أن أحد المتعاقدين كفيل عن الآخر ؛ لأنه كان من جملة المعاقدة ؛ لأنهم كانوا يذكرون فيها : تطلب بي وأطلب بك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، وأما وجه المطابقة بين الترجمة والحديث فظاهر . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : الصلت - بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق - ابن عبد الرحمن ، أبو همام الخاركي ، مر في باب إذا لم يتم السجود ، الثاني : أبو أسامة ، حماد بن أسامة ، وقد تكرر ذكره ، الثالث : إدريس بن يزيد ، من الزيادة ، الأودي ، بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة ، الرابع : طلحة بن مصرف - بلفظ اسم الفاعل من التصريف بمعنى التغيير - ابن عمرو اليامي ، من بني يام ، مر في كتاب البيوع في باب ما يتنزه من الشبهات ، الخامس : سعيد بن جبير ، السادس : عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري والبقية كوفيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وطلحة بن مصرف روى عن عبد الله بن أبي أوفى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن الصلت بن محمد أيضا ، وفي الفرائض عن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا في الفرائض عن هارون بن عبد الله . ( ذكر معناه ) قوله : " قال ورثة " أي فسر ابن عباس الموالي بالورثة ، وكذا فسرها جماعة من التابعين ، كما ذكرناه عن قريب ، قوله : " قال " أي ابن عباس : كان المهاجرون إلى آخره ، قوله : " دون ذوي رحمه " أي ذوي أقربائه ، قوله : " للأخوة " أي لأجل الأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمد الهمزة ، يقال : آخاه يؤاخيه مؤاخاة وإخاء بالكسر إذا جعل بينهما أخوة ، والأخوة مصدر ، يقال : آخوت تآخوا أخوة . قوله : " بينهم " أي بين المهاجرين والأنصار ، قوله : " فلما نزلت " أي الآية التي هي قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نسخت آية الموالي آية المعاقدة ، قوله : " إلا النصر " مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة ، أي تلك الآية حكم نصيب الإرث لا النصر والرفادة - بكسر الراء - أي المعاونة والرفادة أيضا شيء كان تترافد به قريش في الجاهلية ، يخرج مالا يشترى به للحاج طعام وزبيب للنبيذ ، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعا ، أي لكن النصر ونحوه باق ثابت ، قوله : " وقد ذهب الميراث " أي من المتعاقدين ، قوله : " ويوصى له " على صيغة المعلوم والمجهول ، والضمير في له يرجع إلى الذي كان يرث الميت بالأخوة ، وعن ابن المسيب : نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم ، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية ، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة ، وأبى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم وتبناهم ، ولكن جعل لهم نصيبا في الوصية .
2 - ( حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قدم علينا عبد الرحمن بن عوف ، فآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع ) . هذا الحديث قد مضى في أوائل كتاب البيوع ، فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن حميد ، عن أنس ، وهنا أخرجه عن قتيبة بن سعيد ، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير أبي إبراهيم الأنصاري المؤدب المديني ، عن حميد الطويل ، إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك .
باب وكالة الشاهد والغائب جائزة أي هذا باب يذكر فيه وكالة الشاهد ، أي : الحاضر ، ووكالة الغائب جائزة . قوله : وكالة بالرفع مبتدأ . قوله : الغائب عطف على الشاهد . وقوله : جائزة خبر المبتدأ . ( وكتب عبد الله بن عمرو إلى قهرمانه ، وهو غائب عنه ، أن يزكي عن أهله الصغير والكبير ) عبد الله قال بعضهم : هو ابن عمرو بن العاص . وقال الكرماني : عبد الله هو ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ورأيت النسخ فيه مختلفة ، ففي بعضها عبد الله بن عمرو بالواو ، وفي بعضها عبد الله بن عمر بلا واو . قوله إلى قهرمانه القهرمان بفتح القاف وسكون الهاء وفتح الراء وتخفيف الميم وفي آخره نون ، وهو خادم الشخص القائم بقضاء حوائجه ، وهو لغة فارسية . قوله : وهو غائب عنه ، أي : والحال أن قهرمانه غائب عن عبد الله . قوله : أن يزكي أراد به أن يزكي زكاة الفطر عن أهله الصغير والكبير ، وهذا يدل على شيئين : أحدهما جواز توكيل الحاضر الغائب ويجيء الكلام فيه عن قريب ، والآخر وجوب صدقة الفطر على الرجل عن أهله الصغير والكبير ، وهذا ظاهر الأثر . وفيه تفصيل وخلاف قد مر في باب صدقة الفطر . 6 - ( حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - جمل سن من الإبل ، فجاءه يتقاضاه ، فقال : أعطوه ، فطلبوا سنه ، فلم يجدوا له إلا سنا ، فوقها ، فقال : أعطوه ، فقال : أوفيتني أوفى الله بك ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن خياركم أحسنكم قضاء . مطابقته للترجمة ظاهرة في وكالة الحاضر في قوله : أعطوه ، وأما وكالة الغائب ، فقال بعضهم : وأما الغائب ، فيستفاد منه بطريق الأولى . ( قلت ) : ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب ، فضلا عن الأولوية . وقال الكرماني : الترجمة تستفاد من لفظ أعطوه ، وهو وإن كان خطابا للحاضرين لكونه بحسب العرف وقرائن الحال شامل لكل واحد من وكلاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - غيبا وحضورا ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين . الثاني : سفيان الثوري . الثالث : سلمة بن كهيل بضم الكاف وفتح الهاء . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن . الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن شيخه وسفيان وسلمة كوفيون ، وأبو سلمة مدني . وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الاستقراض عن أبي نعيم أيضا ، وعن مسدد ، وعن أبي الوليد ومسدد أيضا ، وفي الوكالة أيضا عن سليمان بن حرب ، وفي الهبة عن عبدان ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن محمد بن بشار ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أبي كريب ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن بشار به ، وعن أبي كريب به مختصرا ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن منصور ، وعن إسحاق بن إبراهيم مختصرا ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن بشار . ( ذكر معناه ) : قوله : سن بكسر السين المهملة ، وتشديد النون ، أي : ذات سن ، وهو أحد أسنان الإبل ، وأسنانها معروفة في كتب اللغة إلى عشر سنين ، ففي الفصل الأول حوار ، ثم الفصيل إذا فصل ، فإذا دخل في السنة الثانية ، فهو ابن مخاض أو ابنة مخاض ، فإذا دخل في الثالثة ، فهو ابن لبون أو بنت لبون ، فإذا دخل في الرابعة ، فهو حق أو حقة ، فإذا دخل في الخامسة ، فهو جذع أو جذعة ، فإذا دخل في السادسة ، فهو ثني أو ثنية ، فإذا دخل في السابعة ، فهو رباعي أو رباعية ، فإذا دخل في الثامنة ، فهو سديس أو سدس ، فإذا دخل في التاسعة ، فهو بازل ، فإذا دخل في العاشرة ، فهو مخلف ، ثم ليس له اسم بعد ذلك ، ولكن يقال : بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخالف عامين ومخلف ثلاثة أعوام إلى خمس سنين ، حكاه أبو داود في سننه ، عن النضر بن شميل ، وأبي عبيد والرياشي . قوله : يتقاضاه ، يعني : يطلب أن يقضيه . قوله : أوفيتني ، يقال : أوفاه حقه : إذا أعطاه وافيا ، وكان القياس أن يقول أوفاك الله في مقابلته ، ولكنه زاد الباء في المفعول توكيدا . قوله : خياركم يحتمل أن يكون مفردا بمعنى المختار ، وأن يكون جمعا . قوله : أحسنكم خبر لقوله خياركم والأصل التطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره ، ولكنه إذا كان الخيار بمعنى المختار ، فالمطابقة حاصلة ، وإلا فأفعل التفضيل المضاف المقصود منه الزيادة يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له . وروى أيضا أحاسنكم ، وهو جمع أحسن ، وورد محاسنكم بالميم ، قال عياض : جمع محسن بفتح الميم كمطلع ومطالع ، والأول أكثر ، وفي المطالع : ويحتمل أن يكون سماهم بالصفة ، أي : ذو المحاسن . قوله : قضاء بالنصب على التمييز . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : توكيل الحاضر الصحيح على قول عامة الفقهاء ، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والشافعي ، وأبي يوسف ومحمد ، إلا أن مالكا قال : يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم ، وفي التوضيح : وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله : إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضى خصمه ، أو عذر مرض ، أو سفر ثلاثة أيام ، وهذا الحديث خلاف قوله لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التي كانت عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك ، ولم يكن لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم غائبا ولا مريضا ولا مسافرا . ( قلت ) : ليس الحديث بحجة عليه ؛ لأنه لا ينفي الجواز ، ولكن يقول : لا يلزم ، يعني : لا يسقط حق الخصم في طلب الحضور والدعوى والجواب بنفسه ، وهو قول ابن أبي ليلى في الأصح ، والمرأة كالرجل بكرا كانت أو ثيبا ، واستحسن بعض أصحابنا أنها توكل إذا كانت غير برزة . وفيه : جواز الأخذ بالدين ولا يختلف العلماء في جوازه عند الحاجة ولا يتعين طالبه . وفيه : حجة من قال بجواز قرض الحيوان ، وهو قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي ، وأحمد وإسحاق . وقال القاضي : أجاز جمهور العلماء استسلاف سائر الأشياء من الحيوان والعروض ، واستثنيت من ذلك الحيوان ؛ لأنه قد يردها بنفسه ، فحينئذ يكون عارية الفروج ، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردها غيرها ، وأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني ، وروي عن داود الأصبهاني . وقال أبو عمر : قال ابن حبيب ، وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي : يجوز استقراض الحيوان كله إلا الإماء . وعند مالك : إن استقرض أمة ولم يطأها ردها بعينها ، وإن حملت ردها بعد الولادة وقيمة ولدها إن ولد حيا ، وما نقصتها الولادة ، وإن ماتت لزمه مثلها ، فإن لم يوجد مثلها ، فقيمتها . وقال ابن قدامة : أما بنو آدم ، فقال أحمد : أكره قرضهم ، فيحتمل كراهة تنزيه ويصح قرضهم ، وهو قول ابن جريج والمزني ، ويحتمل أنه كراهة تحريم ، فلا يصح قرضهم ، واختاره القاضي في شرح المهذب استقراض الحيوان فيه ثلاثة مذاهب : مذهب الشافعي ومالك ، وجماهير العلماء جوازه إلا الجارية لمن ملك وطأها ، فإنه لا يجوز ، ويجوز إقراضها لمن لا يجوز له وطؤهما كمحرمها وللمرأة والخنثى . الثاني : مذهب ابن جرير وداود : ويجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل أحد . الثالث : مذهب أبي حنيفة والكوفيين والثوري والحسن بن صالح ، وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة منعه ، وقد مر الجواب عما قالوا ؛ من جواز قرض الحيوان في كتاب البيوع في باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة . وفيه : ما يدل أن المقرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما اقترض جنسا أو كيلا أو وزنا أن ذلك معروف ، وأنه يطيب له أخذه منه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أثنى فيه على من أحسن القضاء ، وأطلق ذلك ولم يقيده . ( قلت ) : هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن بغير شرط منهما في حين السلف ، وقد أجمع المسلمون نقلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربا . وفيه : دليل على أن للإمام أن يستسلف للمساكين على الصدقات ولسائر المسلمين على بيت المال ؛ لأنه كالوصي لجميعهم والوكيل ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستسلف ذلك لنفسه ؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة محرمة عليه لا يحل له أكلها ولا الانتفاع بها . ( فإن قلت ) : فلم أعطى من أموالهم أكثر مما استقرض لهم . ( قلت ) : هذا الحديث دليل على أنه جائز للإمام إذا استقرض للمساكين أن يرد من مالهم أكثر مما أخذ على وجه النظر والصلاح إذا كان على غير شرط . ( فإن قلت ) : إن المستقرض منه غني والصدقة لا تحل لغني . ( قلت ) : قد يحتمل أن يكون المستقرض منه قد ذهبت إبله بنوع من حوائج الدنيا ، فكان في وقت صرف ما أخذ منه إليه ، فقيرا تحل له الزكاة ، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا من بعيره بمقدار حاجته ، وجمع في ذلك وضع الصدقة في موضعها وحسن القضاء ، ويحتمل أن يكون غارما أو عاريا ممن يحل له الصدقة من الأغنياء . وقيل : ويحتمل أنه كان اقترض لنفسه ، فلما جاءت إبل للصدقة اشترى منها بعيرا ممن استحقه ، فملكه بثمنه ، وأوفاه متبرعا بالزيادة من ماله ، يدل عليه رواية مسلم اشتروا له بعيرا . وقيل : إن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه ، فأعطاه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - من الصدقة ، وهذا يرد قول من قال إنه كان يهوديا . وقيل : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان اقترضه لبعض نوائب المسلمين ؛ لأنه اقترضه لخاصة نفسه ، وعبر الراوي عن ذلك مجازا إذ كان هو الآمر صلى الله عليه وسلم ، وأما قول من قال : كان استسلافه ذلك قبل أن تحرم عليه الصدقة ، ففاسد ؛ لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم محرمة عليه الصدقة ، قال القرطبي : وذلك من خصائصه ومن علامات نبوته في الكتب القديمة بدليل قصة سلمان رضي الله تعالى عنه .
باب الوكالة في قضاء الديون . أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في قضاء الديون . 7 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه ، فأغلظ ، فهم به أصحابه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالا ، ثم قال : أعطوه سنا مثل سنه ، قالوا : يا رسول الله ، لا نجد إلا أمثل من سنه ، فقال : أعطوه ، فإن من خيركم أحسنكم قضاء . مطابقته للترجمة في قوله : أعطوه سنا ؛ لأن أمره - صلى الله عليه وسلم - بإعطاء السن وكالة في قضاء دينه ، وهذا الحديث هو الحديث المذكور في الباب الذي قبله ، لكنه من وجه آخر وبينهما بعض تفاوت في المتن بالزيادة والنقصان ، وأخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن سفيان ، عن سلمة ، وهاهنا أخرجه عن سليمان بن حرب ، وأبي أيوب الواشحي البصري قاضي مكة عن شعبة ابن الحجاج إلى آخره . قوله : يتقاضاه جملة وقعت حالا . قوله : فأغلظ يحتمل أن يكون المراد من الإغلاظ التشديد في المطالبة من غير كلام يقتضي الكفر ، أو كان المتقاضي كافرا . قوله : فهم به أصحابه ، أي : قصدوه ليؤذوه باللسان أو باليد أو غير ذلك . قوله : دعوه ، أي : أتركوه ولا تتعرضوا له ، وهذا من غاية حلمه وحسن خلقه - صلى الله عليه وسلم . قوله : فإن لصاحب الحق مقالا ، يعني : صولة الطلب وقوة الحجة لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة ، وأما من أنصف من نفسه ، فبذل ما عنده ، واعتذر عما ليس عنده ، فلا تجوز الاستطالة عليه بحال . قوله : إلا أمثل تقديره : لا نجد سنا إلا سنا أمثل ، أي : أفضل من سنه . وقال المهلب : من آذى السلطان بجفاء وشبهه ، فإن لأصحابه أن يعاقبوه وينكروا عليه وإن لم يأمرهم السلطان بذلك .
باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئا يفسد ذبح ، وأصلح ما يخاف عليه الفساد أي هذا باب يذكر فيه إذا أبصر الراعي أي راعي الغنم ، قوله : أو الوكيل أي أو أبصر الوكيل ، قوله : شاة : أي أبصر الراعي منها شاة تموت : أي أشرفت على الموت ، قوله : أو شيئا يفسد يرجع إلى الوكيل : أي أو أبصر الوكيل شيئا يفسد : أي أشرف على الفساد ، قوله : ذبح أي الراعي ذبح تلك الشاة ؛ لئلا تذهب مجانا ، قوله : وأصلح يرجع إلى الوكيل : أي أصلح ما يخاف عليه الفساد بإبقائه مثلا إذا كانت تحت يده فاكهة ، أو نحوها مما يخاف عليه الفساد فإنه يصلح ذلك بوجه من الوجوه التي لا يحصل منه ضرر للموكل ، وهذه الترجمة بعين ما ذكرت في رواية الأصيلي ، وفي بعض النسخ : أو أصلح ما يخاف الفساد ، وهو في رواية أبي ذر والنسفي ، وفي رواية ابن شبويه : فأصلح بدل وأصلح ، وعلى هذه الرواية جواب إذا محذوف ، تقديره جاز ونحو ذلك ، وعلى رواية الأصيلي قوله : ذبح وأصلح جواب الشرط . 5 - ( حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : سمع المعتمر قال : أنبأنا عبيد الله ، عن نافع ، أنه سمع ابن كعب بن مالك يحدث ، عن أبيه أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا ، فكسرت حجرا فذبحتها به ، فقال لهم : لا تأكلوا حتى أسأل النبي - صلى الله عليه وسلم أو أرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من يسأله ، وأنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذاك أو أرسل إليه فأمره بأكلها . مطابقته للترجمة في مسألة الراعي ظاهرة ؛ لأن الجارية كانت راعية للغنم ، فلما رأت شاة منها تموت ذبحتها ولما رفع أمرها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأكلها ، ولم ينكر على من ذبحها ، وأما مسألة الوكيل ، فملحقة بها ؛ لأن يد كل من الراعي والوكيل يد أمانة فلا يعملان إلا بما فيه مصلحة ظاهرة . ( فإن قلت ) : الجارية في الحديث كانت ملكا لصاحب الغنم . ( قلت ) : لا يضرنا ذلك ؛ لأن الكلام في جواز الذبح الذي تتضمنه الترجمة ، وليس الكلام في الضمان ، ولهذا رد على ابن التين في قوله : ليس غرض البخاري بحديث الباب الكلام في تحليل الذبيحة أو تحريمها ، وإنما غرضه إسقاط الضمان عن الراعي والوكيل ، انتهى . والغرض الذي نسبه إلى البخاري لا يدل عليه الحديث . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه . الثاني : معتمر بن سليمان . الثالث : عبيد الله بن عمر العمري . الرابع : نافع مولى ابن عمر . الخامس : ابن كعب ، اختلف فيه ، ذكر المزي في الأطراف أنه عبد الله بن كعب حيث قال : ومن مسند كعب بن مالك الأنصاري ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك ، ثم ذكر هذا الحديث ، وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب ، عن مالك ، عن أبيه طرفا من هذا الحديث ، فهذا يقتضي أنه عبد الرحمن ، وذكره البخاري في موضع آخر ، فسماه عبد الرحمن . السادس : كعب بن مالك الأنصاري هو أحد الثلاثة الذين نزل فيهم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : لفظ الإنباء بصيغة الجمع ولا فرق بين أنبأنا وأخبرنا عند البعض . وقال آخرون : يجوز في الإجازات أن يقول : أنبأنا ولا يقال : أخبرنا ، وقد مر الكلام فيه في أول كتاب العلم . وفيه : أن شيخه من أفراده ، وهو مروزي الأصل النيسابوري الداري ، والمعتمر بصري ، والبقية مدنيون . وروى الإسماعيلي من رواية ابن عبد الأعلى : حدثنا المعتمر ، سمعت عبيد الله عن نافع أنه سمع ابن كعب يخبر عبد الله بن عمر ، عن أبيه بهذا الحديث ، ثم قال : وقال ابن المبارك عن نافع : سمع رجال من الأنصار عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل عن أبيه ، قال : وكذلك قال موسى بن عقبة عن نافع وعبيدة بن حميد ، عن عبيد الله ، عن نافع : سمع أبي بن كعب يخبر عبد الله كانت لنا جارية لم يذكر أباه . وقال أبو عمر : قد روي هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ، وليس بشيء ، وهو خطأ ، والصواب رواية مالك في الموطأ عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو ، سعد بن معاذ أن جارية لكعب بهذا ، والله أعلم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الذبائح عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن معتمر ، وعن صدقة بن فضل ، وعن موسى بن إسماعيل ، وعن إسماعيل بن عبد الله عن مالك ، وأخرجه ابن ماجه في الذبائح عن هناد بن السري . ( ذكر معناه ) : قوله : إنه ، أي : إن الشأن . قوله : غنم الغنم يتناول الشياه والمعز . قوله : بسلع بفتح السين المهملة وسكون اللام ، وفي آخره عين مهملة ، وهو جبل بالمدينة . وقيل : فوق المدينة . وقال ابن سهل بسكون اللام وفتحها ، وذكر أنه روي بالغين المعجمة . قوله : أو أرسل شك من الراوي . قوله : عن ذلك ، أي : عن ذبح الجارية الشاة . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : تصديق الراعي والوكيل على ما اؤتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب ، وهو قول مالك وجماعة . وقال ابن القاسم : إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إن جاء بها مذبوحة . وقال غيره : يضمن حتى يبين ما قال . واختلف ابن القاسم ، وأشهب إذا أنزى على إناث الماشية بغير أمر أربابها ، فهلكت ، فقال ابن القاسم : لا ضمان عليه ؛ لأنه من صلاح المال ونمائه . وقال أشهب : عليه الضمان . وقال ابن التين : فيه خمس فوائد ، جواز ذكاة النساء والإماء والذكاة بالحجر وذكاة ما أشرف على الموت ، وذكاة غير المالك بغير وكالة . وفيه : الإرسال بالسؤال والجواب وفي التوضيح ، وهو في البخاري على الشك أرسل أو سأل ، ولا حجة فيما شك فيه . ( قلت ) : ورواية الموطأ صريحة بالسؤال ، وكذا ما روي عن ابن وهب . وفيه : دليل على إجازة ذبيحة المرأة بغير ضرورة إذا أحسنت الذبح ، وكذا الصبي إذا طاقه قاله ابن عبد البر ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والثوري والليث ، وأحمد وإسحاق ، وأبي ثور ، والحسن بن حي ، وروي عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد والنخعي . وفيه : أن الذبح بالحجر يجوز لكن إذا كان حدا ، وأفرى الأوداج ، وأنهر الدم . وفيه : ما استدل به فقهاء الأمصار أبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري على جواز ما ذبح بغير إذن مالكه ، وردوا به على من أبى من أكل ذبيحة السارق والغاصب ، وهم داود وأصحابه ، ومقدمهم عكرمة ، وهو قول شاذ . وفيه : جواز أكل المذبوح الذي أشرف على الموت إذا كان فيه حياة مستقرة ، وإلا فلا يجوز . وفيه : جواز الذبح بكل جارح إلا السن والظفر ، فإنهما مستثنيان . قال عبيد الله : فيعجبني أنها أمة ، وأنها ذبحت عبيد الله هو ابن عمر العمري راوي الحديث ، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه وفي بعض النسخ : فأعجبني . تابعه عبدة عن عبيد الله أي تابع المعتمر بن سليمان عبدة بفتح العين وسكون الباء الموحدة ابن سليمان الكوفي في رواية عن عبيد الله المذكور ، وذكر البخاري في الذبائح هذه المتابعة موصولة عن صدقة بن الفضل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .
باب إذا وكل رجل أن يعطي شيئا ، ولم يبين كم يعطي ، فأعطى على ما يتعارفه الناس . أي هذا باب يذكر ، فيه إذا وكل رجل رجلا أن يعطي شيئا ، ولم يعين ، أي : الذي وكل كم يعطي ، أي : الوكيل ، فأعطى ، أي : الوكيل على ما يتعارفه الناس ، أي : على عرف الناس في هذه الصورة ، وجزاء إذا محذوف تقديره : فهو جائز أو نحوه . 9 - حدثنا المكي بن إبراهيم قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض ، ولم يبلغه كلهم رجل واحد منهم ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فكنت على جمل ثفال إنما هو في آخر القوم ، فمر بي النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : من هذا . قلت : جابر بن عبد الله ، قال : ما لك . قلت : إني على جمل ثفال ، قال : أمعك قضيب . قلت : نعم . قال : أعطنيه ، فأعطيته ، فضربه ، فزجره ، فكان من ذلك المكان من أول القوم ، قال : بعنيه ، فقلت : بل هو لك يا رسول الله ، قال : بعنيه قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة ، فلما دنونا من المدينة أخذت أرتحل ، قال : أين تريد . قلت : تزوجت امرأة قد خلا منها زوجها ، قال : فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك . قلت : إن أبي توفي وترك بنات ، فأردت أن أنكح امرأة قد جربت خلا منها ، قال : فذلك ، فلما قدمنا المدينة قال : يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا ، قال جابر : لا تفارقني زيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله . مطابقته للترجمة في قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر مقدار ما يعطيه عند أمره بالزيادة ، فاعتمد بلال - رضي الله تعالى عنه - على العرف في ذلك ، فزاده قيراطا . ورجال هذا الحديث قد ذكروا غير مرة وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشروط ، وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عنه عن عطاء عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : قد أخذت جملك بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة لم يزد على هذا ، وقد ذكر البخاري في كتاب البيوع : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة ، فأبطأ بي جملي ، الحديث مطولا . وفيه : فأمر بلالا أن يزن لي أوقية ، فوزن لي بلال ، فأرجح . وقال بعضهم : وقد تقدم في الحج شيء من ذلك . ( قلت ) : ليس في الحج شيء من ذلك ، وإنما الذي تقدم في كتاب البيوع في باب شراء الدواب والحمير ، وهو الذي ذكرناه الآن . ( ذكر معناه ) : قوله : عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض ، ولم يبلغه كلهم رجل واحد منهم عن جابر كذا وقع في أكثر نسخ البخاري . وقال بعضهم : عن عطاء بن أبي رباح وغيره يزيد بعضهم على بعض لم يبلغه كله رجل منهم ، ثم قال : كذا للأكثر ، وكذا وقع عند الإسماعيلي ، أي : ليس جميع الحديث عند واحد منهم بعينه ، وإنما عند بعضهم منه ما ليس عند الآخر ، انتهى . ( قلت ) : في شرح علاء الدين صاحب التلويح بخطه ، وضبطه عن عطاء وغيره إلى آخره مثل ما ذكرناه الآن بعينه ، ثم قال : كذا في أكثر نسخ البخاري ، ثم قال : وفي الإسماعيلي لم يبلغه كل رجل منهم عن جابر ، ثم قال : وهذا لفظ حديث حرملة عن ابن وهب أنبأنا ابن جريج . وعند أبي نعيم : لم يبلغهم كلهم إلا رجل واحد عن جابر ، وكذا هو عند أبي مسعود الدمشقي في كتاب الأطراف ، وتبعه المزي . وفيه نظر ؛ إذ ذكراه من صحيح البخاري ، ثم قال الشيخ علاء الدين المذكور في بعض النسخ المقروءة على شيخنا الحافظ أبي محمد التوني على يبلغه ضمة على الياء وفتحة على الباء وشدة على اللام ، وجزمة على الغين . وفي أخرى على الياء ، فتحة وعلى الباء جزمة ، ثم قال : وقال ابن التين : معناه : أن بعضهم بينه وبين جابر غيره قال : وفي رواية لم يبلغه كلهم وكل واحد منهم عن جابر ، وفي التوضيح وبخط الدمياطي لم يبلغه بضم أوله وكسر ثالثه مشددا ، ثم قال : وذكر ابن التين أن في رواية وكل بدل رجل . وقال الكرماني : بعضهم الضمير فيه راجع إلى الغير ، وهو في معنى الجمع ، وفي لم يبلغه إلى الحديث أو إلى الرسول ورجل يدل عن الكل ، وعن جابر متعلق بعطاء ، وفي أكثر الروايات لفظة الغير بالجر ، وأما رفعه . فهو على الابتداء ويزيد خبره ، ويحتمل أن يكون رجل فاعل فعل مقدر نحو بلغه ، وعلى التقادير لا يخفى ما في هذا التركيب من التعجرف ، ولو كان كلمة كلهم ضمير الفرد لكان ظاهرا ، انتهى . ( قلت ) : التعجرف الذي ذكره من الرواة والتعجرف والعجرفة والعجرفية بمعنى ، يقال : فلان يتعجرف على فلان إذا كان يركبه بما يكره ولا يهاب شيئا ، ويقال : جمل فيه تعجرف وعجرفة إذا كان فيه خرق وقلة مبالاة لسرعته ، والصواب هنا التركيب الذي في رواية المكي بن إبراهيم المذكور في سنده . قوله : وغيره بالجر ، أي : وعن غير عطاء . قوله : يزيد بعضهم على بعض حال والضمير في بعضهم يرجع إلى لفظ غيره ؛ لأن غير عطاء يحتمل أن يكون جمعا . قوله : ولم يبلغه أيضا حال ، أي : والحال أنهم لم يبلغوا الحديث بل بلغه رجل واحد منهم ، فلا بد من تقدير فعل قبل رجل ليستقيم المعنى ، وغير هذا الوجه معجرف . قوله : على ثفال بفتح الثاء المثلثة ، والفاء الخفيفة ، وهو البعير البطيء السير الثقيل الحركة ، والثفال بكسر الثاء جلد أو كساء يوضع تحت الرحى ، يقع عليه الدقيق . وقال ابن التين : وصوب كسر الثاء هناك قاله ابن فارس فكان من ذلك المكان ، أي : فكان الجمل من مكان الضرب من أوائل القوم ، وفي مباديهم ببركة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حيث تبدل ضعفه بالقوة . قوله : بل هو لك يا رسول الله ، أي : بغير ثمن . قوله : قال بل بعنيه ، أي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بل بعني الجمل بالثمن ، وذكر كلمة بل للإضراب عن قول جابر إنه لا يأخذه بلا ثمن . قوله : قال قد أخذته بأربعة دنانير ، أي : قال - صلى الله عليه وسلم - : قد أخذت الجمل بأربعة دنانير ، فيه ابتداء المشتري بذكر الثمن ، كذا هو بخط الحافظ الدمياطي ، وذكره الداودي الشارح بلفظ أربع الدنانير . وقال : سقطت التاء لما دخلت الألف واللام وذلك جائز فيما دون العشرة ، واعترض عليه ابن التين بأنه قول مخترع لم يقله أحد غيره . قوله : ولك ظهره إلى المدينة ، أي : لك أن تركب إلى المدينة ، وهذا إعارة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له وإباحة للانتفاع لا أنه كان شرطا للبيع . وقال الداودي : إذا كان على قرب مثل تلك المسافة وإن كان روى عنه كراهة ذلك ، ولا يجوز فيما بعد عنه . وقال قوم : ذلك جائز وإن بعد . وقالت فرقة : لا يجوز وإن قرب . قوله : قد خلا منها ، أي : مات عنها زوجها . قوله : فهلا جارية انتصاب جارية بفعل مقدر ، أي : هلا تزوجت جارية . قوله : قد جربت ، أي : اختبرت حوادث الدهر ، وصارت ذات تجربة تقدر على تعهد إخواتي وتفقد أحوالهن . قوله : قال فذلك ، أي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم فذلك ، وهو مبتدأ خبر محذوف ، أي : فذلك مبارك ونحوه . قوله : اقضه ، أي : اقض دينه ، وهو ثمن الجمل . قوله : وزده ، أي : زد على الثمن ، وهو أمر من زاد يزيد نحو باع يبيع ، والأمر منه بع بالكسر . قوله : فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر رضي الله تعالى عنه ، وهذا من قول عطاء الراوي ، كذا وقع لفظ جراب بالجيم في رواية الأكثرين . وفي رواية النسفي : قراب بالقاف ، وهو الذي يدخل فيه السيف بغمده ، قال الداودي : القراب خريطة ، ورد عليه ابن التين بأن الخريطة لا يقال لها قراب ، وقد زاد مسلم في آخر هذا الحديث ، فأخذه أهل الشام يوم الحرة . ومما يستفاد من هذا الحديث أن المتعارف بين الناس مثل النص عليه ، وعن هذا قال ابن بطال : والمأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارفه الناس جاز ونفذ ، فإن أعطى أكثر مما يتعارفه الناس يتوقف ذلك على رضا صاحب المال ، فإن أجاز ذلك ، وإلا رجع عليه بمقدار ذلك ، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطي فلانا قفيزا ، فأعطاه قفيزين ضمن الزيادة بالإجماع .
باب وكالة الامرأة الإمام في النكاح أي هذا باب في بيان حكم توكيل المرأة الإمام في عقد النكاح والوكالة ، يعني : التوكيل مصدر مضاف إلى ، فاعله والإمام بالنصب مفعوله ، وفي بعض النسخ : وكالة المرأة . 10 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني قد وهبت لك من نفسي ، فقال : رجل زوجنيها ، قال : قد زوجناكها بما معك من القرآن . مطابقته للترجمة من حيث إن المرأة لما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد وهبت لك نفسي كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه أو ممن رأى تزويجها منه ، وقد جاء في كتاب النكاح أنها جعلت أمرها إليه صريحا ، وهو طريق من طرق حديث الباب ، وبهذا يجاب عما قاله الداودي إنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استأذنها ولا أنها وكلته ، وأبو حازم بالحاء المهملة وبالزاي اسمه سلمة بن دينار الأعرج وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، وفي النكاح عن عبد الله بن يوسف أيضا ، وأخرجه أبو داود في النكاح عن القعنبي ، وأخرجه الترمذي ، فيه عن الحسن بن علي ، وأخرجه النسائي فيه وفي فضائل القرآن عن هارون بن عبد الله . ( ذكر معناه ) : قوله : جاءت امرأة اختلف في اسمها ، فقيل : هي خولة بنت حكيم . وقيل : هي أم شريك الأزدية . وقيل : ميمونة ذكر هذه الأقوال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب المبهمات ، والصحيح أنها خولة أو أم شريك ؛ لأنهما وإن كانتا ممن وهبت نفسهما للنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يتزوج بهما ، وأما ميمونة ، فإنها إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح أن تكون هذه ؛ لأن هذه قد زوجها لغيره ، وقد روى البيهقي من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها له ؛ لأنه لم يقبلهن وإن كن حلالا . قوله : وهبت لك من نفسي ويروى : وهبت لك نفسي بدون كلمة من قال النووي : قول الفقهاء وهبت من فلان كذا مما ينكر عليهم . ( قلت ) : لا وجه للإنكار ؛ لأن من تجيء زائدة في الموجب ، وهي جائزة عند الأخفش والكوفيين . قوله : فقال رجل : زوجنيها ، ولفظه في النكاح : فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، إن لم يكن لك بها حاجة ، فزوجنيها . قوله : قد زوجناكها بما معك من القرآن . واختلفت الروايات في هذه اللفظة ، ففي رواية مسلم ، وأبي داود والترمذي : زوجتكها بما معك من القرآن . وفي رواية للبخاري : ملكتكها وفي رواية له : أملكناكها . وفي رواية أبي ذر الهروي : أمكناكها ، وفي أكثر روايات الموطأ : أنكحتكها ، وكذا في رواية للبخاري . وفي رواية لمسلم في أكثر نسخه : ملكتكها على بناء المجهول ، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين لمسلم . وقال الدارقطني : رواية من روى ملكتكها وهم ، قال : والصواب رواية من روى زوجتكها ، قال : وهم أكثر وأحفظ . وقال النووي : ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ، ثم قال له : اذهب ، فقد ملكتكها بالتزويج السابق . ( قلت ) : هذا هو الوجه ، وقد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث في التوحيد ولكنه مختصر جدا ، وأخرجه في كتاب النكاح في باب تزويج المعسر ولفظه : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، جئت أهب لك نفسي ، قال : فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض ، فيها شيئا جلست . فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، إن لم يكن لك بها حاجة ، فزوجنيها ، قال : وهل عندك من شيء ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، فقال : اذهب إلى أهلك ، فانظر هل تجد شيئا ، فذهب ، ثم رجع ، فقال : لا والله يا رسول الله ، ما وجدت شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انظر ولو خاتما من حديد ، فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري قال : ماله رداء ، فلها نصفه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تصنع بإزارك إن لبستْه لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام ، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليا ، فأمر به فدعي ، فلما جاء قال له : ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وكذا عددها ، قال : تقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ : قال : نعم . قال : اذهب ، فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، وإنما سقنا هذا هاهنا ؛ لأنه كالشرح لحديث الباب يوضح ما فيه من الأحكام . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو يشتمل على أحكام . الأول : فيه جواز هبة المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من خصائصه لقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ الآية ، قال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم وقال أبو عمر : أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق . الثاني : فيه أنه صلى الله عليه وسلم يجوز له استباحة من شاء ممن وهبت نفسها له بغير صداق ، وهذا أيضا من الخصائص . الثالث : استدل به أبو حنيفة والثوري ، وأبو يوسف ومحمد والحسن بن حي على أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة ، فإن سمى مهرا لزمه وإن لم يسم ، فلها مهر المثل قالوا : والذي خص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعري البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة . وعن الشافعي : لا ينعقد إلا بالتزويج أو الإنكاح ، وبه قال ربيعة ، وأبو ثور ، وأبو عبيد وداود وآخرون . وقال ابن القاسم : إن وهب ابنته ، وهو يريد إنكاحها ، فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع ، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر المالكية المتأخرين ، ثم قال : الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال ، وفي الجواهر أركان النكاح أربعة الصيغة ، وهي كل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كالإنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة وما في معناها ، قال القاضي أبو الحسن : ولفظ الصدقة ، وفي الروضة للنووي : ولا ينعقد بغير لفظ التزويج والإنكاح ، وكذا قال في حاوي الحنابلة . الرابع : فيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها . الخامس : فيه أنه يستحب لمن طلبت إليه حاجته ، وهو لا يريد أن يقضيها أن لا يخجل الطالب بسرعة المنع بل يسكت سكوتا يفهم السائل ذلك منه ، اللهم إلا إذا لم يفهم السائل ذلك إلا بصريح المنع ، فيصح . وفي رواية للبخاري من رواية حماد بن زيد عن أبي حازم : التصريح بالمنع بقوله : فقال : ما لك ، ما لي اليوم في النساء حاجة . السادس : فيه أن من طلب حاجة يريد بها الخير ، فسكت عنه لا يرجع من أول وهلة لاحتمال قضائها فيما بعد . وفي رواية للطبراني ، فقامت حتى راقبنا لها من طول القيام الحديث بل لا بأس بتكرار السؤال إذا لم يجب . السابع : فيه أنه لا بأس بالخطبة لمن عرضت نفسها على غيره إذا صرح المعروض بالرد أو ، فهم منه بقرينة الحال . الثامن : فيه انعقاد النكاح بالاستيجاب وإن لم يوجد بعد الإيجاب قبول ، وقد بوب عليه البخاري باب إذا قال الخاطب للولي زوجني فلانة ، فقال : زوجتكها بكذا وكذا جاز النكاح ، وإن لم يقل الزوج رضيت أو قبلت ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي . وقال الرافعي : إن هذا هو النص وظاهر المذهب ، قال : وحكى الإمام وجها أن من الأصحاب من أثبت فيه الخلاف . التاسع : أن التعليق في الاستيجاب لا يمنع من صحة العقد . وقال شيخنا : قد أطلق أصحاب الشافعي تصحيح القول بأن النكاح لا يقبل التعليق ، قال الرافعي : إنه الأصح الذي ذكره الأكثرون ، وحكوا عن أبي حنيفة صحة النكاح مع التعليق . ( قلت ) : مذهب الإمام أنه إذا علق النكاح بالشرط يبطل الشرط ويصح النكاح ، كما إذا قال : تزوجتك بشرط أن لا يكون لك مهر . العاشر : فيه استحباب تعيين الصداق ؛ لأنه أقطع للنزاع ، وأنفع للمرأة لأنها إذا طلقت قبل الدخول وجب لها نصف المسمى بخلاف ما إذا لم يسم المهر ، فإنه إنما تجب المتعة . الحادي عشر : فيه جواز تزويج الولي والحاكم المرأة للمعسر إذا رضيت به . الثاني عشر : فيه أنه لا بأس للمعسر المعدم أن يتزوج امرأة إذا كان محتاجا إلى النكاح ؛ لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي في الحديث أنه كان محتاجا إليه ، وإلا لما سأله مع كونه غير واجد إلا إزاره ، وليس له رداء ، فإن كان غير محتاج إليه يكره له ذلك . الثالث عشر : في قوله : إزارك إن أعطيته جلست ولا إزار لك دليل على أن المرأة تستحق جميع الصداق بالعقد قبل الدخول ، وبه قال الشافعي وأصحابه ، ونحن نقول : لا تستحق إلا النصف ، وبه قال مالك وعنه كقول الشافعي . الرابع عشر : استدل الشافعي بقوله ولو خاتما من حديد على أنه يكتفى بالصداق بأقل ما يتمول به كخاتم الحديد ونحوه ، وفي الروضة : ليس للصداق حد مقدر بل كل ما جاز أن يكون ثمنا ومثمنا أو أجرة جاز جعله صداقا ، وبه قال أحمد ، ومذهب مالك : أنه لا يرى فيه عددا معينا بل يجوز بكل ما وقع عليه الاتفاق غير أنه يكون معلوما ، وعن مالك : لا يجوز بأقل من ربع دينار . وقال ابن حزم : وجائز أن يكون صداقا كل ما له نصف قل أو كثر ، ولو أنه حبة بر أو حبة شعير ، أو غير ذلك ، وعن إبراهيم النخعي : أكره أن يكون المهر مثل أجر البغي ، ولكن العشرة والعشرون وعنه السنة في النكاح الرطل من الفضة ، وعن الشعبي أنهم كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاث أواقي ، وعن سعيد بن جبير أنه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهما . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أن يكون الصداق أقل من عشرة دراهم ، لما روى ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن شريك ، عن داود الزعافري عن الشعبي ، قال : قال علي رضي الله تعالى عنه : لا مهر بأقل من عشرة دراهم ، والظاهر أنه قال ذلك توقيفا ؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس . ( فإن قلت ) : قال ابن حزم : الرواية عن علي باطلة ؛ لأنها عن داود بن يزيد الزعافري الأودي ، وهو في غاية السقوط ، ثم هي مرسلة ؛ لأن الشعبي لم يسمع من علي حديثا . ( قلت ) : قال ابن عدي : لم أر له حديثا منكرا جاوز الحد إذ روى عنه ثقة ، وإن كان ليس بقوي في الحديث ، فإنه يكتب حديثه ، ويقبل إذا روى عنه ثقة ، وذكر المزي : أن الشعبي سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولئن سلمنا أن روايته مرسلة ، فقد قال العجلي : مرسل الشعبي صحيح ، ولا يكاد يرسل إلا صحيحا ، وأما الجواب عن قوله : ولو خاتما من حديد ، فنقول : إنه خارج مخرج المبالغة ، كما قال : تصدقوا ولو بظلف محرق ، وفي لفظ : ولو بفرسن شاة ، وليس الظلف والفرسن مما ينتفع بهما ولا يتصدق بهما ، ويقال : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدا ؛ لأن الصواغ قليل عندهم كذا قاله بعض المالكية ؛ لأن أقل الصداق عندهم ربع دينار ، ويقال : لعل التماسه للخاتم لم يكن ليكون كل الصداق بل شيء يعجله لها قبل الدخول . الخامس عشر : احتج به الشافعي وأحمد في رواية ، والظاهرية : على أن التزويج على سورة من القرآن مسماة جائز ، وعليه أن يعلمها . وقال الترمذي عقيب الحديث المذكور قد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث ، فقال : إن لم يكن شيء يصدقها وتزوجها على سورة من القرآن ، فالنكاح جائز ويعلمها السورة من القرآن . وقال بعض أهل العلم : النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها ، وهو قول أهل الكوفة ، وأحمد وإسحاق . ( قلت ) : وهو قول الليث بن سعد ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ومحمد ومالك ، وأحمد في أصح الروايتين وإسحاق . وقال ابن الجوزي : في هذا الحديث دليل على أن تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقا ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد ، والأخرى : لا يجوز وإنما جاز لذلك الرجل خاصة ، وأجابوا عن قوله : قد زوجناكها بما معك من القرآن أنه إن حمل على ظاهره يكون تزويجها على السورة لا على تعليمها ، فالسورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، فحينئذ يكون المعنى : زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وببركته ، فتكون الباء للسببية كما في قوله تعالى : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ وقوله تعالى : فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ وهذا لا ينافي تسمية المال . ( فإن قلت ) : جاء في رواية على ما معك من القرآن ، وفي مسند أسد السنة : مع ما معك من القرآن . ( قلت ) : أما على ، فإنه يجيء للتعليل أيضا كالباء ، كما في قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ والمعني : لهدايته إياكم ، ويكون المعنى : زوجتكها لأجل ما معك من القرآن ، يعني : لأجل حرمته وبركته ، ولا ينافي هذا أيضا تسمية المال ، وأما مع فإنها للمصاحبة ، والمعنى : زوجتكها لمصاحبتك القرآن ، فالكل يعود إلى معنى واحد ، وهو أن التزويج إنما كان على حرمة السورة وبركتها لا أنها صارت مهرا ؛ لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع كما ذكرنا . ( فإن قلت ) : الأصل في الباء أن تكون للمقابلة في مثل هذا الموضع كما في نحو قولك : بعتك ثوبي بدينار . ( قلت ) : لا نسلم أن الأصل في الباء أن تكون للمقابلة ، بل الأصل فيها أنها موضوعة للإلصاق حتى قيل : إنه معنى لا يفارقها ولو كانت للمقابلة هاهنا للزم أن تكون تلك المرأة كالموهوبة ، وذلك لا يجوز إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن في إحدى روايات البخاري : فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، فالتمليك هبة والهبة في النكاح اختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ( فإن قلت ) : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن بأن تعلمها ما معك من القرآن أو مقدارا منه ويكون ذلك صداقها ، أي : تعليمها إياه ، والدليل على ذلك ما جاء في رواية لمسلم : انطلق ، فقد زوجتكها ، فعلمها من القرآن ، وجاء في رواية عطاء : فعلمها عشرين آية . ( قلت ) : هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، ولئن سلمنا هذا ، فهذا لا ينافي تسمية المال ، فيكون قد زوجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن ، ويكون ذلك المهر مسكوتا عنه إما لأنه صلى الله عليه وسلم قد أصدق عنه كما كفر عن الواطئ في رمضان إذ لم يكن عنده شيء ، وودى المقتول بخيبر إذ لم يحلف أهله كل ذلك رفقا بأمته ورحمة لهم ، أو يكون أبقى الصداق في ذمته ، وأنكحها نكاح تفويض حتى يتفق له صداق ، أو حتى يكسب بما معه من القرآن صداقا ، فعلى جميع التقدير لم يكن فيه حجة على جواز النكاح بغير صداق من المال . السادس عشر : فيه أنه لا بأس بلبس خاتم الحديد ، وقد اختلفوا فيه ، فقال بعض الشافعية : إنه لا يكره لهذا الحديث ولحديث معيقيب : كان خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديد ملوي عليه فضة . رواه أبو داود وذهب آخرون إلى تحريمه وتحريم الخاتم النحاس أيضا ، لحديث : أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه خاتم من شبه قال : ما لي أجد منك ريح الأصنام ، فطرحه ، ثم جاء وعليه خاتم من حديد ، فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ، فطرحه ، رواه أبو داود أيضا . السابع عشر : استدل به البخاري على ولاية الإمام للنكاح ، فقال : باب السلطان ولي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : زوجناكها بما معك من القرآن . الثامن عشر : فيه دلالة على أنه ليس للنساء أن تمتنع من تزويج أحد أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجها منه غنيا كان أو فقيرا ، شريفا كان أو وضيعا ، صحيحا كان أو ضعيفا . وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عباس أن قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا الآية نزلت في زينب لما خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيد بن حارثة ، فامتنعت وفي إسناده ضعف . التاسع عشر : فيه دليل على جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا ، لا سيما مع ما رأى من زهد النبي - صلى الله عليه وسلم فيها . العشرون : فيه دليل على جواز النظر للمتزوج وتكراره والتأمل في محاسنها ، فهم ذلك من قوله : فصعد النظر إليها وصوبه ، وأما النظرة الأولى ، فمباحة للجميع . الحادي والعشرون : فيه دليل على إجازة إنكاح المرأة دون أن يسأل هل هي في عدة أم لا على ظاهر الحال ، والحكام يبحثون عن ذلك احتياطا قاله الخطابي . الثاني والعشرون : قال القاضي : فيه جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وهو مذهب كافة العلماء ، ومنعه أبو حنيفة إلا للضرورة ، وعلى هذا اختلفوا في أخذ الأجرة على الصلاة وعلى الأذان وسائر أفعال البر ، فروي عن مالك كراهة جميع ذلك في صلاة الفرض والنفل ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، إلا أن مالكا أجازها على الأذان ، وأجاز الإجارة على جميع ذلك ابن عبد الحكم ، وهو قول الشافعي ، وأصحابه ، ومنع ذلك ابن حبيب في كل شيء ، وهو قول الأوزاعي . وقال : لا صلاة له ، وروي عن مالك إجازته في النافلة ، وروي عنه إجازته في الفريضة دون النافلة . الثالث والعشرون : قال الإمام : قال بعض الأئمة : فيه دليل على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب له إلا بالقبول ؛ لأن الموهوبة كانت جائزة للنبي - صلى الله عليه وسلم وقد وهبت هذه له نفسها ، فلم تصر زوجته بذلك ، قاله الشافعي . الرابع والعشرون : قال ابن عبد البر : فيه دليل على أن الصداق إذا كان جارية ووطئها الزوج حد ؛ لأنه وطئ ملك غيره . ( قلت ) : هو قول مالك والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وعند أصحابنا : إذا أقر أنه زنى بجارية امرأته حد ، وإن قال : ظننت أنها تحل لي لا يحد .
باب إذا وكل رجل رجلا ، فترك الوكيل شيئا ، فأجازه الموكل ، فهو جائز ، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز . أي هذا باب يذكر فيه إذا وكل رجل رجلا ، فترك الوكيل شيئا مما وكل فيه ، فأجازه الموكل جاز . قوله : وإن أقرضه ، أي : وإن أقرض الوكيل شيئا مما وكل فيه جاز ، يعني : إذا أجازه الموكل . وقال المهلب : مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه ، فهو غير جائز . وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال : وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته ، وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه ، فأصبحت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك البارحة ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : أما أنه قد كذبك وسيعود ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيعود ، فرصدته ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : دعني ، فإني محتاج وعلي عيال لا أعود ، فرحمته ، فخليت سبيله ، فأصبحت ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك ؟ قلت : يا رسول الله ، شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : أما أنه قد كذبك وسيعود ، فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله وهذا آخر ثلاث مرات ، إنك تزعم لا تعود ثم تعود ، قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : ما هو ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح ، فخليت سبيله ، فأصبحت ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله ، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ، فخليت سبيله ، قال : ما هي ؟ قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما أنه قد صدقك ، وهو كذوب ، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال : لا ، قال : ذاك شيطان . مطابقته للترجمة من حيث إن أبا هريرة كان وكيلا لحفظ زكاة رمضان ، وهو صدقة الفطر ، وترك شيئا منها حيث سكت حين أخذ منها ذلك الآتي ، وهو الشيطان ، فلما أخبر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بذلك سكت عنه ، وهو إجازة منه . ( فإن قلت ) : من أين يستفاد جواز الإقراض إلى أجل مسمى ؟ ( قلت ) : قال الكرماني : حيث أمهله إلى الرفع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأوجه منه ما قاله المهلب : إن الطعام كان مجموعا للصدقة ، فلما أخذ السارق وقال له دعني ، فإني محتاج وتركه ، فكأنه أسلفه ذلك الطعام إلى أجل ، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين ؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة ، فكأنه أسلفه إلى ذلك الأجل . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : عثمان بن الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة ، وفي آخره ميم ، وكنيته أبو عمرو المؤذن البصري ، مات قريبا من سنة عشرين ومائتين ، وقد مر في آخر الحج . الثاني : عوف بالفاء الأعرابي ، وقد مر في الأيمان . الثالث : محمد بن سيرين . الرابع : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : أنه ذكره هكذا معلقا ، ولم يصرح فيه بالتحديث حتى زعم ابن العربي أنه منقطع ، وكذا ذكره في فضائل القرآن ، وفي صفة إبليس ، وأخرجه النسائي موصولا في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم به ، ووصله الإسماعيلي أيضا من حديث الحسن بن السكن ، وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر عنه ، والترمذي نحوه من حديث أبي أيوب . وقال : حسن غريب ، وصححه قوم وضعفه آخرون . وفيه : أن عثمان من مشايخه ومن أفراده . وقال في كتاب اللباس ، وفي الأيمان والنذور : حدثنا عثمان بن الهيثم أو محمد عنه . وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : القول في موضعين . ( ذكر معناه ) : قوله : يحفظ زكاة رمضان المراد به صدقة الفطر ، وقد ذكرناه . قوله : آت أصله آتي ، فاعل إعلال قاض . قوله : يحثو قال الطيبي : أي ينثر الطعام في وعائه . ( قلت ) : يقال : حثا يحثو وحثى يحثي ، قال ابن الأعرابي : وأعلى اللغتين حثى يحثي ، وكله بمعنى الغرف . وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة أنه كان على تمر الصدقة ، فوجد أثر كف كأنه قد أخذ منه ولابن الضريس من هذا الوجه ، فإذا التمر قد أخذ منه ملء كف . قوله : فأخذته ، وفي رواية أبي المتوكل زيادة وهي : أن أبا هريرة شكا ذلك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أولا ، فقال له : إن أردت أن تأخذه ، فقل : سبحان من سخرك لمحمد قال : فقلتها فإذا أنا به قائم بين يدي ، فأخذته . قوله : والله لأرفعنك ، أي : لأذهبن بك أشكوك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحكم عليك بقطع اليد ، يقال : رفعه إلى الحاكم : إذا أحضره للشكوى . قوله : وعلي عيال ، أي : نفقة عيال ، كما في قوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وقيل : علي بمعنى لي . وفي رواية أبي المتوكل ، فقال : إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن . وفي رواية الإسماعيلي : ولا أعود . قوله : أسيرك قال الداودي : قيل له أسير ؛ لأنه كان ربطه بسير ، وهو الحبل ، وهذا عادة العرب كانوا يربطون الأسير بالقد . وقال ابن التين : قول الداودي إن السير الحبل من الجلد لم يذكره غيره ، وإنما السير الجلد ، فلو كان مأخوذا مما ذكره لكان تصغيره سيير ، ولم تكن الهمزة فاء ، وفي الصحاح شده بالإسار ، وهو القد . قوله : قد كذبك ، أي : في قوله : إنه محتاج وسيعود إلى الأخذ . قوله : فرصدته ، أي : رقبته . قوله : فجاء هكذا في الموضعين . وفي رواية المستملي والكشميهني ، وفي رواية غيرهما : فجعل ، قوله : دعني ، وفي رواية أبي المتوكل خل عني . قوله : ينفعك الله بها . وفي رواية أبي المتوكل إذ قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى من الجن . وفي رواية ابن الضريس من هذا الوجه : لا يقربك من الجن ذكر ولا أنثى صغير ولا كبير . قوله : فقلت ما هو هكذا في رواية الكشميهني ، أي : الكلام أو النافع أو الشيء . وفي رواية غيره : ما هي ، وهذا ظاهر . وفي رواية أبي المتوكل : وما هؤلاء الكلمات . قوله : إذا أويت من الثلاثي ، يقال : أوى إلى منزله : إذا أتى إليه ، وآويت غيري من المزيد . قوله : آية الكرسي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حتى تختم الآية . وفي رواية النسائي والإسماعيلي : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ من أولها حتى تختمها . وفي حديث معاذ بن جبل زيادة ، وهي خاتمة سورة البقرة . قوله : لن يزال . وفي رواية الكشميهني : لم يزل . ووقع لهم عكس ذلك في فضائل القرآن . قوله : من الله ، أي : من جهة أمر الله وقدرته ، أو من بأس الله ونقمته ، كقوله تعالى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قوله : ولا يقربك بفتح الراء وضم الباء الموحدة . قوله : وكانوا ، أي : الصحابة أحرص الناس على تعلم الخير ، قيل : هذا مدرج من كلام بعض رواته . ( قلت ) : هذا يحتمل ، والظاهر أنه غير مدرج ، ولكن فيه التفات ؛ لأن مقتضى الكلام أن يقال : وكنا أحرص شيء على الخير . قوله : وهو كذوب هذا تتميم في غاية الحسن ؛ لأنه لما أثبت الصدق له أوهم المدح ، فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في كذبه . وفي حديث معاذ بن جبل صدق الخبيث ، وهو كذوب . وفي رواية أبي المتوكل : أوما علمت أنه كذلك . قوله : منذ ثلاث هكذا في رواية الكشميهني . وفي رواية غيره مذ ثلاث . قوله : ذاك شيطان كذا وقع هنا بدون الألف واللام في رواية الجميع ، أي : شيطان من الشياطين . ووقع في فضائل القرآن : ذاك الشيطان ، بالألف واللام للعهد الذهني . وقد وقع مثل حديث أبي هريرة لمعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وأبي أسيد الأنصاري ، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم . أما حديث معاذ بن جبل ، فقد رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح بإسناده إلى بريدة ، قال : بلغني أن معاذ بن جبل أخذ الشيطان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأتيته ، فقلت : بلغني أنك أخذت الشيطان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : نعم ، ضم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمر الصدقة ، فجعلته في غرفة لي ، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانا ، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لي : هو عمل الشيطان ، فارصده ، قال : فرصدته ليلا ، فلما ذهب هوي من الليل أقبل على صورة الفيل ، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته ، فدنا من التمر ، فجعل يلتقمه ، فشددت علي ثيابي ، فتوسطته ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، يا عدو الله ، وثبت إلى تمر الصدقة ، فأخذته ، وكانوا أحق به منك ، لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم فيفضحك ، فعاهدني أن لا يعود ، فغدوت إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ، فقلت : عاهدني أن لا يعود ، قال : إنه عائد ، فارصده ، فرصدته الليلة الثانية ، فصنع مثل ذلك ، وصنعت مثل ذلك ، وعاهدني أن لا يعود ، فخليت سبيله ، ثم غدوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخبره ، فإذا مناديه ينادي : أين معاذ ؟ فقال لي : يا معاذ ، ما فعل أسيرك ؟ قال : فأخبرته ، فقال لي : إنه عائد ، فارصده ، فرصدته الليلة الثالثة ، فصنع مثل ذلك ، وصنعت مثل ذلك ، فقال : يا عدو الله عاهدتني مرتين ، وهذه الثالثة ، لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيفضحك ، فقال : إني شيطان ذو عيال ، وما أتيتك إلا من نصيبين ، ولو أصبت شيئا دونه ما أتيتك ، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم ، فلما نزل عليه آيتان أنفرتانا منها ، فوقعنا بنصيبين ولا تقرآن في بيت إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثا ، فإن خليت سبيلي علمتكهما . ( قلت ) : نعم . قال : آية الكرسي وخاتمة سورة البقرة أمن الرسول إلى آخرها ، فخليت سبيله ، ثم غدوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخبره ، فإذا مناديه ينادي : أين معاذ بن جبل ؟ فلما دخلت عليه قال لي : ما فعل أسيرك ؟ قلت : عاهدني أن لا يعود وأخبرته بما قال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صدق الخبيث ، وهو كذوب ، قال : فكنت أقرؤهما عليه بعد ذلك ، فلا أجد فيه نقصانا . وأما حديث أبي بن كعب رضي الله عنه ، فقد رواه أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا مبشر عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة ، عن عبد الله بن أبي بن كعب ، أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر ، فكان يتعاهده ، فوجده ينقص قال : فحرسه ذات ليلة ، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم ، قال : فسلمت ، فرد علي السلام ، قال : فقلت : أنت جني أم أنسي ؟ قال : جني ، قال : قلت : ناولني يدك ، قال : فناولني فإذا يده يد كلب وشعر كلب ، فقلت : هكذا خلق الجن ، قال : لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني . قلت : فما حملك على ما صنعت ؟ قال : بلغني أنك رجل تحب الصدقة ، فأحببنا أن نصيب من طعامك ، قال : فقال له أبي : فما الذي يجيرنا منكم ، قال : هذه الآية آية الكرسي ، ثم غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدق الخبيث ورواه الحاكم في مستدركه ) . وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، والنسائي وغيرهم . وأما حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه ، فرواه الترمذي في فضائل القرآن ، حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى ، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي أيوب الأنصاري ، أنه كانت له سهوة فيها تمر ، فكانت تجيء ، فتأخذ منه الغول ، قال : فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب ، فإذا رأيتها ، فقل : بسم الله أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخذها ، فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها ، فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود ، فقال : كذبت وهي معاودة للكذب ، قال : فأخذها مرة أخرى ، فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود ، فقال : كذبت ، وهي معاودة للكذب ، فأخذها ، فقال : ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت : إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي ، اقرأها في بيتك ، فلا يقربك شيطان ولا غيره ، فجاء إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ؟ فأخبره بما قالت . قال : صدقت ، وهي كذوب ، وهذا حديث حسن غريب . وأما حديث أبو سعيد الأنصاري ، فرواه الطبراني من حديث مالك بن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه ، عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي ، وله بئر في المدينة ، يقال لها بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم فهي ينشر بها ويتيمن بها ، قال : فقطع أبو أسيد تمر حائطه ، فجعلها في غرفة ، وكانت الغول تخالفه إلى مشربته ، فتسرق تمره وتفسده عليه ، فشكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : إذا قال تلك الغول يا أبا أسيد ، فاستمع عليها ، فإذا سمعت اقتحامها ، فقل بسم الله أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالت الغول : يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ، ولا أسرق تمرك ، وأدلك على آية تقرؤها في بيتك ، فلا تخالف إلى أهلك وتقرؤها على إنائك ، ولا تكشف غطاءه ، فأعطاه الموثق الذي رضي به منها ، فقالت الآية التي أدلك عليها آية الكرسي ، ثم حكت استها تضرط ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم فقص عليه القصة ، حيث ولت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدقت وهي كذوب . وأما حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، فرواه ابن أبي الدنيا . وفيه : أنه خرج إلى حائطه ، فسمع جلبة ، فقال : ما هذا ؟ قال : رجل من الجن أصابتنا السنة ، فأردت أن أصيب من ثماركم ، قال له : ما الذي يعيذنا منكم ؟ قال : آية الكرسي . قوله جرن بضمتين جمع جرين بفتح الجيم وكسر الراء ، وهو موضع تحفيف التمر . قوله : سهوة بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو ، وهي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء . وقيل : هي الصفة . وقيل : المخدع بين البيتين . وقيل : هي شبيه بالرف . وقيل : بيت صغير كالخزانة الصغيرة . قوله : الغول بضم الغين المعجمة ، وهو شيطان يأكل الناس . وقيل : هو من يتلون من الجن . قوله : أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين واسمه مالك بن ربيعة . قوله : ينشر بها من النشرة وهي ضرب من الرقية والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن ، سميت نشرة ؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء ، أي : يكشف ويزال . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن السارق لا يقطع في مجاعة ، وأنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام . وفيه : أن الشيطان قد يعلم علما ينتفع به إذا صدق . وفيه : أن الكذوب قد يصدق مع الندرة . وفيه : علامات النبوة لقوله : ما فعل أسيرك البارحة . وفيه : تفسير لقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني : الشياطين إن المراد بذلك ما هم عليه من خلقهم الروحانية ، فإذا استحضروا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم كما شخص الشيطان لأبي هريرة في صورة سارق . وفيه : أن الجن يأكلون الطعام ، وهو موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - : سألوني الزاد . وقال ابن التين : وفي شعر العرب أنهم لا يأكلون . وفيه : ظهور الجن وتكلمهم بكلام الإنس . وفيه : قبول عذر السارق . وفيه : وعيد أبي هريرة برفعه إليه وخدعة الشيطان . وفيه : في الثالثة بلاغ في الإعذار . وفيه : فضل آية الكرسي . وفيه : أن للشيطان نصيبا ممن ترك ذكر الله تعالى عند المنام . وفيه : أن من أقيم في حفظ شيء يسمى وكيلا . وفيه : أن الجن تسرق وتخدع . وفيه : جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها . وفيه : جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه .
باب الوكالة في الصرف والميزان أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في الصرف ، يعني : في بيع النقد بالنقد . قوله : والميزان ، أي : الوكالة في الميزان ، أي : في الموزون . وقد وكل عمر وابن عمر في الصرف هذان تعليقان ، أما تعليق عمر ، فوصله سعيد بن منصور من طريق موسى بن أنس عن أبيه أن عمر أعطاه آنية مموهة بالذهب ، فقال له : اذهب فبعها ، فباعها من يهودي بضعف وزنه ، فقال له عمر : اردده ، فقال له اليهودي : أزيدك ، فقال له عمر : لا ، إلا بوزنه ، وأما تعليق ابن عمر ، فوصله سعيد بن منصور أيضا من طريق الحسن بن سعد قال : كانت لي عند ابن عمر دراهم ، فأصبت عنده دنانير ، فأرسل معي رسولا إلى السوق ، فقال : إذا قامت على سعرها ، فأعرضها عليه ، فإن أخذها ، وإلا فاشتر له حقه ، ثم اقضه إياه . 4 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا ملك ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر ، فجاءهم بتمر جنيب ، فقال : أكل تمر خيبر هكذا ؟ فقال : إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال : لا تفعل بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ، وقال في الميزان مثل ذلك . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لعامل خيبر : بع الجمع بالدراهم ثم ابتع أي اشتر بالدراهم جنيبا ، وهذا توكيل في البيع والشراء ، وبيع الطعام بالطعام يدا بيد مثل الصرف سواء وهو شبهه في المعنى ، ويكون بيع الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار كذلك ، إذ لا قائل بالفصل ، والحديث مضى في كتاب البيوع في باب : إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه فإنه أخرجه هناك عن قتيبة ، عن ملك ، عن عبد المجيد إلى آخره نحوه ، غير أنه لم يذكر هناك ، وقال في الميزان مثل ذلك معناه : إن الموزونات حكمها في الربا حكم المكيلات ، فلا يباع رطل برطلين ، قال الداودي : أي لا يجوز التمر بالتمر إلا كيلا بكيل أو وزنا بوزن ، واعترض عليه ابن التين بأن التمر لا يوزن . ( قلت ) : هذا غير وارد عليه ؛ لأن من التمر تمرا لا يباع إلا بالوزن وهذا التمر العراقي لا يباع في البلاد الشامية والمصرية إلا بالوزن ، قوله : عبد المجيد حكى ابن عبد البر أنه وقع في رواية عبد الله بن يوسف : عبد الحميد بالحاء المهملة قبل الميم ، قال : وكذا وقع ليحيى بن يحيى الليثي ، عن مالك ، وهو خطأ ، وقد مر الكلام في شرح الحديث هناك ، فنذكر بعض شيء وهو أن اسم ذلك العامل سواد بن غزية ، والجنيب بفتح الجيم وكسر النون الخيار من التمر والجمع بالفتح التمر المختلط من الجيد والرديء .
باب إذا باع الوكيل شيئا ، فاسدا ، فبيعه مردود أي هذا باب يذكر فيه إذا باع الوكيل شيئا من الأشياء التي وكل فيها بيعا فاسدا ، فبيعه مردود . 11 - حدثنا إسحاق قال : حدثنا يحيى بن صالح قال : حدثنا معاوية هو ابن سلام ، عن يحيى قال : سمعت عقبة بن عبد الغافر أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أين هذا ؟ قال بلال : كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي - صلى الله عليه وسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك : أوه أوه عين الربا ، عين الربا ، لا تفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري ، فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتره . مطابقته للترجمة تفهم من قوله : عين الربا لا تفعل ؛ لأن من المعلوم أن بيع الربا مما يجب رده . وقال بعضهم : ليس فيه تصريح بالرد ، بل فيه إشعار به ، ولعله أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه ، فعند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة ، فقال : هذا الربا ، فردوه انتهى . ( قلت ) : الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد ؛ لأن فيه الرد بمرة واحدة ، والمفهوم من متن الحديث بمرات الأولى . قوله : أوه أوه بالتكرار ، والثاني قوله : عين الربا والثالثة . قوله : لا تفعل والرابعة قوله : ولكن إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : إسحاق اختلف فيه ، فقال أبو نعيم : هو إسحاق بن راهويه . وقال أبو علي الجياني : إسحاق هذا لم ينسبه أحد من شيوخنا ، فيما بلغني ، قال : ويشبه أن يكون إسحاق بن منصور ، فقد روى مسلم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن صالح هذا الحديث . وقال بعضهم : وجزم أبو علي الجياني بأنه ابن منصور . ( قلت ) : من أين هذا الجزم من أبي علي الجياني ، بل قوله يدل على أنه متردد فيه ، لقوله ويشبه أن يكون إسحاق بن منصور ولا يلزم من إخراج مسلم عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن صالح هذا الحديث أن يكون رواية البخاري أيضا كذلك . الثاني : يحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي ، ووحاظ بطن من حمير . الثالث : معاوية بن سلام بتشديد اللام أبو سلام . الرابع : يحيى بن أبي كثير ، وقد تكرر ذكره . الخامس : عقبة بضم العين وسكون القاف ابن عبد الغافر العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين . السادس : أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في موضع . وفيه : السماع في موضعين . وفيه : القول في موضعين . وفيه : أن شيخه إن كان ابن راهويه ، فهو مروزي سكن نيسابور ، وإن كان ابن منصور ، فهو أيضا مروزي انتقل بآخرة إلى نيسابور ، ويحيى بن صالح حمصي ومعاوية بن سلام الحبشي الأسود ويحيى بن أبي كثير يمامي طائي . وفيه : أن شيخه ذكر غير منسوب . والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن إسحاق بن منصور عن يحيى ، وأخرجه النسائي فيه عن هشام بن عمار . ( ذكر معناه ) : قوله : برني بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون بعدها ياء مشددة ، وهو ضرب من التمر أصفر مدور ، وهو أجود التمور ، قاله صاحب المحكم . قال بعضهم : قيل له ذلك ؛ لأن كل تمرة تشبه البرنية . ( قلت ) : كلامه يشعر أن الياء فيه للنسبة ، وليست الياء فيه للنسبة ، فكأنه موضوع هكذا مثل كرسي ونحوه . قوله : كان عندنا هكذا رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : كان عندي . قوله : رديء قال بعضهم : رديء بالهمزة على وزن عظيم . ( قلت ) : نعم هو مهموز اللام من ردئ الشيء يردأ رداءة ، فهو رديء ، أي : فاسد ، وأردأته ، أي : أفسدته ، ولكن لما كثر استعماله حسن فيه التخفيف بأن قلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها ، وأدغمت الياء في الياء ، فصارت ردي بتشديد الياء . قوله : لنطعم النبي - صلى الله عليه وسلم أي : لأجل أن نطعم ، واللام فيه مكسورة والنون مضمومة من الإطعام ، ولفظ النبي منصوب به هذا في رواية أبي ذر . وفي رواية غيره : ليطعم بفتح الياء آخر الحروف وفتح العين من طعم يطعم ، ولفظ النبي مرفوع به . قوله : عند ذلك ، أي : عند قول بلال . قوله : أوه مرتين بفتح الهمزة ، وتشديد الواو وسكون الهاء ، وهي كلمة تقال عند الشكاية والحزن . وقال ابن قرقول بالقصر والتشديد وسكون الهاء ، وكذا رويناه . وقيل : بمد الهمزة . وقال الجوهري : وقد يقال بالمد لتطويل الصوت بالشكاية . وقيل : بسكون الواو وكسر الهاء ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل بعدها واوين آووه وكله بمعنى التحزن . وقال ابن التين : إنما تأوه ليكون أبلغ في الزجر ، وقاله إما للتألم من هذا الفعل ، وإما من سوء الفهم . قوله : عين الربا بالتكرار أيضا ، أي : هذا البيع نفس الربا حقيقة . ووقع في مسلم مرة واحدة . قوله : ولكن إذا أردت أن تشتري ، أي : أن تشتري التمر الجيد . قوله : فبع التمر ، أي : فبع التمر الرديء ببيع آخر ، أي : ببيع شيء آخر بأن تبيعه بحنطة أو شعير مثلا . قوله : ثم اشتره ، أي : ثم اشتر التمر الجيد ، ويروى : ثم اشتر به ، أي : بثمن الرديء ، فعلى هذه الرواية مفعول اشتر محذوف تقديره : ثم اشتر الجيد بثمن الرديء ، ويدل على ما قلناه ما قد روي عن بلال في هذا الخبر : انطلق فرده على صاحبه وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير ، ثم اشتر به من هذا التمر ، ثم جئني به . رواه الطبري من طريق سعيد بن المسيب عن بلال . وفي رواية مسلم ولكن إذا أردت أن تشتري التمر ، فبعه ببيع آخر ، ثم اشتره ، أي : إذا أردت أن تشتري التمر الجيد ، فبع التمر الرديء ببيع آخر ، ثم اشتر الجيد ، وبين التركيبين مغايرة ظاهرا ، ولكن في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد ، وهو أن لا يشتري الجيد بضعف الرديء ، بل إذا أراد أن يشتري الجيد يبيع ذلك الرديء بشيء ويأخذ ثمنه ، ثم يشتري به التمر الجيد حتى لا يقع الربا فيه ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إلى قوله : فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ وقد أمر الله برد عقد الربا ورد رأس المال ، ولا خلاف أيضا أن من باع بيعا فاسدا أن بيعه مردود . واستفيد من حديث الباب حرمة الربا وعظم أمره ، وقد تقدم البحث فيه في باب ما إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ، وهو في كتاب البيوع .
باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز أي هذا باب يذكر فيه إذا وهب أحد شيئا لوكيل بالتنوين ، أي : لوكيل قوم ، ويجوز بالإضافة إلى قوم المذكور من قبيل قوله : بين ذراعي وجبهة الأسد والتقدير : بين ذراعي الأسد وجبهته . قوله : أو شفيع قوم عطف على ما قبله ، والتقدير : أو وهب شيئا لشفيع قوم . قوله : جاز جواب الشرط . لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لوفد هوازن حين سألوه المغانم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نصيبي لكم . هذا تعليل للترجمة بيانه أن وفد هوازن كانوا رسلا أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم الذي سباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو المغانم ، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاعتهم ، فرد إليهم نصيبه من السبي ، وتوضيح ذلك فيما ذكره محمد بن إسحاق في المغازي ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحنين ، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركهم وفد هوازن بالجعرانة ، وقد أسلموا ، فقالوا : يا رسول الله ، امنن علينا من الله عليك ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم ، فقالوا : يا رسول الله ، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما ما كان لي ولبني عبد المطلب ، فهو لكم ، فقال المهاجرون : وما كان لنا ، فهو لرسول الله ، وقالت الأنصار : وما كان لنا ، فهو لرسول الله ، فردوا إلى الناس نساءهم ، وأبناءهم ، وكانت قسمة غنائم هوازن قبل دخوله - عليه السلام - مكة معتمرا من الجعرانة ، قال إبن اسحاق : لما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطائف ، ونزل الجعرانة فيمن معه من الناس ومعه من هوازن سبي كثير ، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن من ثقيف : يا رسول الله ، ادع عليهم ، فقال : اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ، قال : ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة ، وكان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاة ما لا يدري عدته . وقال غيره : وكانت عدة الإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية ، والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد إليهم سبيهم ، فعند ابن إسحاق قبل القسمة . وعند غيره بعدها ، وكانت غزوة هوازن يوم حنين بعد الفتح في خامس من شوال سنة ثمان وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال وهوازن في قيس غيلان ، وفي خزاعة ، ففي قيس غيلان هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس غيلان ، وفي خزاعة هوازن بن أسلم بن أقصى ، وهوازن هذا بطن ، وفي هوازن قيس غيلان بطون كثيرة . وقال ابن دريد : هوازن ضرب من الطيور . وقال غيره : هو جمع هوزن . وقيل : الهوزن : السراب ، ووزنه فوعل . ( قلت ) : هذا يدل على أن الواو زائدة مثل واو جهوري الصوت ، أي : شديد عال .
8 - حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قال : أخبراه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا : فإنا نختار سبينا ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤنا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا ، فليفعل ، فقال الناس : قد طيبنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم ، فرجع الناس ، فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا ، وأذنوا . مطابقته للترجمة في قوله - صلى الله عليه وسلم - فيه : وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم ، الحديث . وقد ذكرنا عن قريب أن وفد هوازن كانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم ، فهذا يطابق الترجمة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : سعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، وهو سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : عقيل بضم العين ابن خالد . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي . قال الواقدي إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئا ، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين . السابع : المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو ، وفي آخره راء ابن مخرمة بفتح الميم والراء وسكون الخاء المعجمة بينهما ابن نوفل الزهري ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين . وفيه : الإخبار بصيغة التثنية في موضع . وفيه : العنعنة في موضع . وفيه : القول في أربعة مواضع ، الرابع هو قوله : زعم ؛ لأن زعم هاهنا بمعنى قال ، قال الكرماني : والزعم يستعمل في القول المحقق . وفيه : أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده ، وأنه والليث مصريان ، وأن عقيلا أيلي ، والبقية مدنيون ، وأن مروان من أفراده . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الخمس ، وفي المغازي عن سعيد بن عفير ، وفي العتق والهبة عن سعيد بن أبي مريم ، وفي الهبة والمغازي أيضا عن يحيى بن بكير ، وفي المغازي أيضا عن إسحاق عن يعقوب بن إبراهيم ، وفي الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن سعيد ، وأخرجه النسائي في السير عن هارون بن موسى بقصة العرفاء مختصرة . ( ذكر معناه ) : قوله : وفد هوازن الوفد هم القوم يجتمعون ويريدون البلاد ، واحدهم وافد ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة ، واسترفاد وانتجاع ، وغير ذلك ، تقول : وفد يفد ، فهو وافد ، وأوفدته ، فوفد ، وأوفد على الشيء ، فهو موفد إذا أشرف وهوازن مر تفسيره عن قريب . قوله : مسلمين حال . قوله : أحب الحديث كلام إضافي مبتدأ وخبره هو . قوله : أصدقة . قوله : استأنيت بهم ، أي : انتظرت بهم وتربصت ، يقال : أنيت وتأنيت ، واستأنيت ، ويقال للمتمكث في الأمر مستأن ، ويروى : فقد كنت استأنيت بكم . قوله : فلما تبين لهم ، أي : فحين ظهر لهم . وقوله : أن رسول الله في محل الرفع ، فاعل تبين . قوله : حين قفل من الطائف ، أي : حين رجع وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة في رمضان لعشر بقين منه سنة ثمان ، ثم خرج إلى هوازن في خامس شوال لغزوهم وجرى ما جرى وهزم الله تعالى أعداءه ، ثم سار إلى الطائف حين فرغ من حنين وهي غزوة هوازن يوم حنين ، ونزل قريبا من الطائف ، فضرب به عسكره . وقال ابن إسحاق : حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ثلاثين ليلة ، ثم انصرف عنهم لتأخر الفتح إلى العام القابل ، ولما انصرف عن الطائف نزل على الجعرانة ، فيمن معه من الناس ، ولما نزل على الجعرانة انتظر وفد هوازن بضع عشرة ليلة ، وهو معنى قوله في الحديث انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، ثم جرى ما ذكر في الحديث . قوله : أن يطيب من الثلاثي من طاب يطيب ومن باب أطاب يطيب ، ومن باب التفعيل من طيب يطيب ، قال الكرماني : يعني : يرد السبي مجانا برضا نفسه وطيب قلبه ، وفي التوضيح : أراد أن يطيب أنفسهم لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال لرفع الشحناء والعداوة ، ولا تبقى إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم ، فيولد ذلك اختلاف الكلمة . ( قلت ) : المعنى على كونه من الثلاثي أن يطيب نفسه بذلك ، أي : يدفع السبي إليهم ، فليفعل ، وهو جواب من المتضمنة معنى الشرط ، فلذلك حصلت فيه الفاء ، والفعل هنا لازم وعلى كونه من باب الإفعال أو التفعيل يكون الفعل متعديا ، والمفعول محذوفا ، تقديره : أن يطيب نفسه بذلك بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء ، وأن يطيب بضم الياء وفتح الطاء ، وتشديد الياء . قوله : على حظه ، أي : على نصيبه من السبي . قوله : ما يفيء الله من أفاء يفيء من باب أفعل يفعل من الفيء ، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصل الفيء الرجوع ، يقال : فاء يفيء ، فيئة وفيوأ ، كأنه كان في الأصل لهم ، فرجع إليهم ، ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال فيء ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق . قوله : قد طيبنا ذلك لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ، أي : لأجله ، ويروى يا رسول الله قوله : حتى يرفع إلينا عرفاؤكم العرفاء جمع عريف ، وهو الذي يعرف أمر القوم ، وأحوالهم ، وهو النقيب ، وهو دون الرئيس ، وفي التلويح : العريف القيم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمرهم ويعرف الأمير حالهم ، وهو مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم ، فعيل بمعنى فاعل ، والعرافة عمله ، وهو النقيب . وقيل : النقيب ، فوق العريف ، وإنما قال صلى الله عليه وسلم حتى يرجع إلينا عرفاؤكم للتقصي عن أصل الشيء في استطابة النفوس ، ويروى : حتى يرفعوا إلينا على لغة أكلوني البراغيث . قوله : أخبروه ، أي : وأخبر عرفاؤهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد طيبوا ذلك ، وأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد السبي إليهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن الغنيمة إنما يملكها الغانمون بالقسمة ، وهو قول الشافعي ، واستفيد ذلك من انتظاره صلى الله تعالى عليه وسلم . وفيه : دليل أيضا على استرقاق العرب وتملكهم كالعجم ، إلا أن الأفضل عتقهم للترحم ومراعاتها كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته حين ملك المرتدين ، وهو على وجه الندب لا على الوجوب . وفيه : أن العوض إلى أجل مجهول جائز ، قاله ابن التين ، قال : إذ لا يدري متى يفيء الله عليهم ، قال : وقال بعضهم : يمكن أن يقاس عليه من أكره على بيع ماله في حق عليه ، قال ابن بطال : فيه بيع المكره في الحق جائز ؛ لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حكم دبر السبي قال : من أحب أن يكون على حظه ، ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السبي أصلا ، وإنما خيرهم في أن يعوضهم من غنائم أخر ، ولم يخيرهم في أعيان السبي ؛ لأنه قال لهم بعد أن رد أهلهم وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين لئلا تجحف بالمسلمين في مغانمهم . وفيه : أنه يجوز للامام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أموالهم ، وأهليهم أن يرد عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة . وفيه : اتخاذ العرفاء . وفيه : قبول خبر الواحد . وفيه : من رأى قبول إقرار الوكيل على موكله ؛ لأن العرفاء كانوا كالوكلاء ، فيما أقيموا له من أمرهم ، فلما سمع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقالة العرفاء أنفذ ذلك ، ولم يسألهم عما قالوه ، وكان في ذلك تحريم فروج السبايا على من كانت حلت له ، وإليه ذهب أبو يوسف . وقال أبو حنيفة : إقرار الوكيل جائز عند الحاكم ولا يجوز عند غيره . وقال مالك : لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلا أن يجعل ذلك إليه موكله . وقال الشافعي : لا يقبل إقراره عليه ، والله أعلم .
باب الوكالة في الوقف ونفقته ، وأن يطعم صديقا له ويأكل بالمعروف أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في الوقف . قوله : ونفقته ، أي : نفقة الوكيل يدل عليه لفظ الوكالة . قوله : وأن يطعم كلمة أن مصدرية ، تقديره : وإطعام الوكيل صديقه من مال الوقف الذي هو وكيل فيه . قوله : ويأكل ، أي : الوكيل بالمعروف ، يعني : بما يتعارفه الوكلاء فيه وذلك لأنه حبس نفسه لتصرف موكله والقيام بأمره قياسا على ولي اليتيم ، قال الله تعالى فيه وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فهذا مباح عند الحاجة والوقف كذلك ، وليس هذا مثل من اؤتمن على مال غيره لغير الصدقة ، فأعطى منه فقيرا بغير إذن ربه ، فإنه لا يجوز له ذلك بالإجماع . 12 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو قال في صدقة عمر رضي الله عنه : ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل ، فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ، يهدي للناس من أهل مكة كان ينزل عليهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء ، والحديث يشملها ، وسفيان هو ابن عيينة المكي ، وعمرو هو ابن دينار المكي . قوله قال في صدقة عمر إلى آخره ، قال الكرماني رحمه الله : صدقة بالتنوين ، وعمر فاعل هذا على سبيل الإرسال ، إذ هو لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه ، وفي بعضها صدقة عمر بالإضافة ، وفي بعضها عمرو بالواو ، فالقائل به هو ابن دينار ، أي : قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك . وقال بعضهم في صدقة عمر ، أي : في روايته لها عن ابن عمر ، كما جزم بذلك المزي في الأطراف . ( قلت ) : لم يذكر المزي هذا في الأطراف أصلا ، وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخره ما ذكره البخاري ، ثم قال : موقوف ، والصواب المحقق ما قاله الكرماني ، والتقدير : الذي قدره هذا القائل خلاف الأصل ، ولا ثمة داع يدعوه إلى ذلك . وقوله : ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر لا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف . قوله : ليس على الولي ، أي : الذي يتولى أمر الوقف . قوله : جناح ، أي : إثم . قوله : أن يأكل ، أي : بأن يأكل منه . قوله : أو يؤكل بضم الياء وكسر الكاف ، وهو من الثلاثي المزيد فيه . قوله : صديقا نصب على أنه مفعول يؤكل . قوله : له ، أي : للولي ، وهو جملة في محل النصب ، لأنها صفة لقوله صديقا . قوله : غير متأثل نصب على الحال من باب التفعل بالتشديد ، أي : غير جامع ، يقال : مال مؤثل ومجد مؤثل ، أي : مجموع ذو أصل واثلة الشيء أصله ، فالمتأثل من يجمع مالا ويجعله أصلا . قوله : مالا منصوب به . قوله : فكان ، أي : ابن عمر إلى آخره ، فأشار إليه المزي أنه موقوف . وقال بعضهم : هو موصول بالإسناد المذكور . ( قلت ) : قد ذكرنا أن الكرماني صرح بأنه مرسل ، فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولا . قوله : يهدي بضم الياء من الإهداء . قوله : للناس ويروى لناس بدون الألف واللام . قوله : كان ، أي : ابن عمر ينزل عليهم ، أي : على الناس ، وهذه الجملة حال ، بتقدير قد كما في قوله : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ أي : قد حصرت . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف ، وقد أخذ هذا من قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وهذا في مال اليتيم ، وفي مال الوقف أهون من ذلك . وقال المهلب : هذا مباح عند الحاجة ، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل ؛ لأن الحبس لهذا حبس . وقال ابن التين : فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم ، وأهداه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان على وجهين : أحدهما للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقا له ، والآخر أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم ، فكأنه هو أكله . وفيه : الاستضافة ومكافأة الضيف ، وسيأتي الكلام في هذا الباب مستقصى في كتاب الوقف إن شاء الله تعالى .
14 - حدثنا ابن سلام قال : أخبرنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث قال : جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربا ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان في البيت أن يضربوا قال ، فكنت أنا فيمن ضربه ، فضربناه بالنعال والجريد . مطابقته للترجمة في قوله : فأمر من كان في البيت أن يضربوه ؛ لأن الإمام إذا لم يتول إقامة الحد بنفسه وولى غيره كان ذلك بمنزلة التوكيل . ورجاله محمد بن سلام ، قال الكرماني : الصحيح البيكندي البخاري ، وهو من أفراده ، وأيوب هو السختياني وابن أبي مليكة بضم الميم هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وعقبة بن الحارث بن عامر القرشي النوفلي المكي له صحبة ، أسلم يوم فتح مكة ، روى له البخاري ثلاثة أحاديث . قوله بالنعيمان بالتصغير . قوله : أو بابن النعيمان شك من الراوي . ووقع عند الإسماعيلي في رواية جيء بنعمان أو نعيمان ، فشك هل هو بالتكبير أو التصغير . وفي رواية بالنعيمان بغير شك . ووقع عند الزبير بن بكار في النسب من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال : كان بالمدينة رجل ، يقال له النعيمان ، يصيب الشراب ، فذكر الحديث نحوه . وروى ابن منده من حديث مروان بن قيس السلمي من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مر برجل سكران ، يقال له نعيمان ، فأمر به ، فضرب الحديث ، وهو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الذي شهد بدرا ، وكان مزاحا . وقال ابن عبد البر : إنه كان رجلا صالحا ، وإن الذي حده النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان ابنه . قوله : شاربا حال ، يعني : متصفا بالشرب ؛ لأنه حين جيء به لم يكن شاربا حقيقة ، بل كان سكران ، والدليل عليه ما جاء في الحدود ، وهو سكران ، وزاد عليه ، فشق عليه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن حد الشرب أخف الحدود . وقال الخطابي : وفيه أن حد الخمر لا يستأنى فيه الإقامة كحد الحامل لتضع الحمل . وفيه : إقامة الحدود والضرب بالنعال والجريد ، وكان ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم ثم رتبه عمر رضي الله تعالى عنه ثمانين .
باب الوكالة في الحدود أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في إقامة الحدود . 13 - حدثنا أبو الوليد قال : أخبرنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن زيد بن خالد ، وأبي هريرة - رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت ، فارجمها . مطابقته للترجمة في قوله : اغد يا أنيس إلى آخره ، فإن أمره بذلك تفويض له . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وزيد بن خالد يكنى أبا طلحة الجهني الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري في ثمانية مواضع في الندور ، وفي المحاربين ، وفي الصلح ، وفي الأحكام ، وفي الشروط ، وفي الاعتصام ، وفي خبر الواحد ، وفي الشهادات ، وأخرجه مسلم في الحدود عن قتيبة ، وعن عمرو الناقد ، وعن أبي الطاهر وحرملة ، وعن عبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به ، وعن إسحاق بن موسى ، وعن نصر بن علي وغير واحد كلهم عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه النسائي في القضاء ، وفي الرجم عن قتيبة ، وفي القضاء والشروط عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن الحارث بن مسكين ، وفي الرجم عن محمد بن يحيى ، وعن محمد بن إسماعيل ، وعن عبد العزيز بن سلمة ، وعن محمد بن رافع ، وأخرجه ابن ماجه في الحدود من أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح . ( ذكر معناه ) : قوله : قال واغد يا أنيس طرف من حديث طويل أخرجه في كتاب المحاربين في باب الاعتراف بالزنا ، حدثنا علي بن عبد الله ، أخبرنا سفيان ، قال : حفظناه من الزهري ، قال : أخبرني عبيد الله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم فقام رجل ، فقال : أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله ، فقام خصمه ، وكان أفقه منه ، فقال : اقض بيننا بكتاب الله وايذن لي ، قال : قل ، قال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ، ثم سألت أهل العلم ، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره ، المائة شاة والخادم مردود وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت ، فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت ، فرجمها ، الحديث . وذكر هنا هذه القطعة لأجل الترجمة المذكورة . قوله : واغد أمر من غدا يغدو وبالغين المعجمة من الغدو ، وهو الذهاب ، وهو عطف على ما تقدم عليه في الحديث . قوله : يا أنيس تصغير أنس ، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي ، ويقال : مكبرا ذكر له عمر حديثا وإنما خصه من بين الصحابة قصدا إلى أنه لا يؤمر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم ، وكانت المرأة أسلمية . واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص ، فذهب أبو حنيفة ، وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك ، ولا يقام الحد والقصاص حتى يحضر المدعي ، وهو قول الشافعي . وقال ابن أبي ليلى وجماعة : تقبل الوكالة في ذلك وقالوا : لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا عنه ، فتوقف عن النظر فيه حتى يحضر .
باب الوكالة في البدن وتعاهدها أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في أمر البدن التي تهدى ، وهو بضم الباء الموحدة جمع بدنة . قوله : وتعاهدها ، أي : وفي بيان تعاهد البدن ، وهو افتقاد أمرها . 15 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته ، قالت عائشة - رضي الله عنها : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي ، ثم قلدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيديه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء أحله الله له حتى نحر الهدي . مطابقته للترجمة في كلا جزأيها ظاهرة أما في الجزء الأول وهو قوله : ثم بعث بها مع أبي ، فإنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - فوض أمرها لأبي بكر رضي الله تعالى عنه حين بعث بها ، وأما في الثاني وهو قوله : قلدها بيديه ؛ لأنه تعاهد منه في ذلك وإسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك بن أنس والحديث قد مضى في كتاب الحج في باب من قلد القلائد بيده ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك إلى آخره بأتم منه وأطول ، وقد مر الكلام فيه هناك .
1 - ( حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه علم أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أشركه في هديه ، والحديث مر في الباب الذي ذكرناه الآن الذي أخرجه عن محمد بن كثير ، وهنا أخرجه عن قبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة ابن عقبة العامري الكوفي ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، إلى آخره . وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى ، والجلال بكسر الجيم جمع جل ، والبدن بضم الباء الموحدة وسكون الدال وضمها جمع بدنة ، وقال ابن بطال : وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل ، وهو بمنزلة الأجنبي في أن ذلك مباح منه .
2 - ( حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا الليث عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه غنما يقسمها على صحابته ، فبقي عتود ، فذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ضح أنت ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - إنما وكله على قسمة الضحايا ، وهو شريك للموهوب إليهم ، فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الأضاحي ، قيل : يحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه ، فلا تتجه الشركة ، وأجيب بأنه سيأتي حديث في الأضاحي من طريق آخر بلفظ : أنه قسم بينهم ضحايا ، فدل على أنه عين تلك الغنم للضحايا ، فوهب لهم جملتها ، ثم أمر عقبة بقسمتها ، فيصح الاستدلال به لما ترجم له . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : عمرو - بفتح العين - ابن خالد بن فروخ ، مات بمصر في سنة تسع وعشرين ومائتين ، الثاني : الليث بن سعد ، الثالث : يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب ، أبو الرجاء ، الرابع : أبو الخير - ضد الشر - مرثد - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة - ابن عبد الله ، الخامس : عقبة بن عمرو . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وكل الرواة مصريون غير أن شيخه حراني حزرى ، لكنه سكن مصر ومات فيها ، كما ذكرنا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في الضحايا أيضا عن عمرو بن خالد ، وفي الشركة عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في الضحايا عن قتيبة ومحمد بن رمح ، وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا فيه عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح . قوله : عتود بفتح العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق وفي آخره دال مهملة ، وهو من أولاد المعز صغير إذا قوي ، وفي الصحاح العتود : ما رعى وقوي وأتى عليه حول ، وقيل : إذا قدر على السفاد ، وجمعه أعتدة وعتان وعدان ، قوله : ضح أنت ، ويروى : ضح به ، أي بالعتود ، وهو أمر من ضحى يضحي تضحية . وفيه الأضحية بما يعطى ، وفيه الاختصار بالأضحية بالجذع من المعز لأن العتود من أولاد المعز ، وفيه التوكيل بالقسمة .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) . ( كتاب الوكالة ) أي هذا كتاب في بيان أنواع الوكالة وأحكامها ، وفي بعض النسخ : كتاب في الوكالة ، ووقعت التسمية عند أبي ذر بعد كتاب الوكالة ، والوكالة بفتح الواو وجاء بكسرها وهي التفويض ، يقال : وكلت الأمر إليه وكلا ووكولا إذا فوضته إليه وجعلته نائبا فيه ، والوكالة هي الحفظ في اللغة ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى ، والتوكيل : تفويض الأمر والتصرف إلى الغير ، والوكيل القائم بما فوض إليه ، والله أعلم . ( باب في وكالة الشريك الشريك في القسمة وغيرها ) أي هذا باب في بيان حكم وكالة الشريك في القسمة ، قوله : " الشريك في القسمة " بدل من الشريك الأول ، قوله : " أو غيرها " أي الشريك في غير القسمة ، ولم يقع عند النسفي لفظ باب ، وإنما الذي عنده كتاب الوكالة ، ووكالة الشريك بواو العطف . ( وقد أشرك النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا في هديه ثم أمره بقسمتها ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أشرك عليا في قسمة الهدي . ( فإن قلت ) ليس من الباب ما يدل على الشركة في غير القسمة ( قلت ) يؤخذ هذا بطريق الإلحاق ، ثم في الحديث شيئان أحدهما : التشريك في الهدي ، والآخر التشريك في القسمة ، أما الأول فرواه جابر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليا أن يقيم على إحرامه وأشرك في الهدي ، وسيأتي موصولا في الشركة ، والآخر حديث علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها ، وقد مضى في كتاب الحج موصولا في باب لا يعطي الجزار من الهدي شيئا ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - : فقمت على البدن ، فأمرني فقسمت لحومها ، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها .
باب إذا قال الرجل لوكيله ضعه حيث أراك الله . وقال الوكيل قد سمعت ما قلت أي هذا باب يذكر فيه إذا قال الرجل لوكيله الذي وكله ضع الشيء الفلاني حيث أراك الله ، يعني : في أي موضع شئت . وقال الوكيل : قد سمعت ما قلت لي ، ووضعه حيث أراد ، وجواب إذا محذوف ، يعني : جاز هذا الأمر . 16 - حدثني يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن إسحاق بن عبد الله أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله تعالى يقول في كتابه لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، فقال : بخ ، ذلك مال رائح ، قد سمعت ما قلت فيها ، وأرى أن تجعلها في الأقربين ، قال : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه مطابقته للترجمة في قول أبي طلحة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنها صدقة ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، فإنه لم ينكر عليه ذلك ، وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين ، ويفهم منه أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول ، ألا ترى أن أبا طلحة قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ضعها يا رسول الله حيث شئت ، فأشار عليه أن يجعلها في الأقربين بعد أن قال : قد سمعت ما قلت فيها ، وقد مضى الحديث في كتاب الزكاة في باب الزكاة على الأقارب ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك إلى آخره نحوه ، وأخرجه هنا عن يحيى بن يحيى بن بكر بن زياد التميمي الحنظلي شيخ مسلم أيضا ، مات يوم الأربعاء سلخ صفر سنة ست وعشرين ومائتين ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله رائج بالجيم من الرواج . وقيل : بالحاء . وقيل : بالباء الموحدة . ( ومما يستفاد منه ) دخول الشارع حوائط أصحابه ، وشربه من الماء العذب . وفيه : رواية الحديث بالمعنى . تابعه إسماعيل عن مالك يعني : تابع يحيى بن يحيى إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك بن أنس ، وسيأتي موصولا في تفسير آل عمران . وقال روح عن مالك رابح يعني : قال روح بن عبادة في روايته عن مالك رابح بالباء الموحدة من الربح ، وقد ذكرنا الآن أن فيه ثلاث روايات .
باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها أي هذا باب في بيان حكم وكالة الرجل الأمين في الخزانة ونحوها . 17 - حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو أسامة ، عن بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الخازن الأمين الذي ينفق ، وربما قال : الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا ، طيب نفسه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الخازن الأمين مفوض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به ، ومحمد بن العلاء أبو كريب الهمداني الكوفي شيخ مسلم أيضا ، وأبو أسامة حماد بن أسامة وبريد بضم الباء الموحدة ، وأبو بردة كذلك بضم الباء الموحدة واسمه عامر . وقيل : الحارث بن أبي موسى الأشعري ، واسم أبي موسى عبد الله بن قيس ، والحديث ذكره البخاري في كتاب الزكاة في باب أجر الخادم بهذا الإسناد والمتن بعينهما ، ومضى الكلام فيه هناك مستوفى .
( باب إذا وكل المسلم حربيا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز ) أي هذا باب يذكر فيه إذا وكل إلى آخره ، قوله : " وفي دار الإسلام " أي أو وكل حربيا كائنا في دار الإسلام يعني كان الحربي في دار الإسلام بأمان ووكله مسلم ، قوله : " جاز " أي التوكيل يدل عليه ، قوله : " وكل " كما في قوله اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي العدل أقرب . 3 - ( حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثني يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن جده عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة ، وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلما ذكرت الرحمن قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته عبد عمرو ، فلما كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس ، فأبصره بلال ، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار ، فقال أمية بن خلف : لا نجوت إن نجا أمية ، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا ، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم ، فقتلوه ثم أبوا حتى يتبعونا - وكان رجلا ثقيلا - فلما أدركونا قلت له : ابرك فبرك ، فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه ، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه ، وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه ) . مطابقته للترجمة من حيث إن عبد الرحمن بن عوف وهو مسلم في دار الإسلام كاتب إلى أمية بن خلف وهو كافر في دار الحرب بتفويضه إليه لينظر فيما يتعلق به ، وهو معنى التوكيل ؛ لأن الوكيل إنما هو مرصد لمصالح موكله وقضاء حوائجه ، ورد بهذا ما قاله ابن التين ليس في هذا الحديث وكالة إنما تعاقد أن يجير كل واحد منهما صاغية صاحبه . فإن قلت : بمجرد هذا أيصح توكيل مسلم حربيا في دار الحرب قلت : الظاهر أن عبد الرحمن لم يفعل هذا إلا باطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكر عليه ، فدل على صحته . فإن قلت : الترجمة في شيئين ، والحديث لا يدل إلا على أحدهما ، وهو توكيل المسلم حربيا وهو في دار الحرب قلت : إذا صح هذا فتوكيله إياه في دار الإسلام يكون بطريق الأولى أن يصح ، وقال ابن المنذر : توكيل المسلم حربيا مستأمنا وتوكيل الحربي المستأمن مسلما لا خلاف في جواز ذلك . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو ، أبو القاسم القرشي العامري الأويسي ، الثاني : يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، بفتح الجيم وكسرها ، الثالث : صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي ، يكنى أبا عمرو ، الرابع : أبوه إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي ، يكنى أبا إسحاق ، وقيل : أبا محمد ، توفي سنة ست وتسعين ، الخامس : عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي ، أبو محمد ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، توفي سنة اثنتين وثلاثين ، ودفن بالبقيع . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، ولفظ الماجشون هو لقب يعقوب ، وهو لفظ فارسي ومعناه المورد ، وفيه أن الرواة كلهم مدنيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي مختصرا ، عن عبد العزيز بن عبد الله أيضا . ( ذكر معناه ) : قوله : " كاتبت أمية بن خلف " ، يعني : كتبت إليه كتابا . وفي رواية الإسماعيلي : عاهدت أمية بن خلف وكاتبته ، وأمية بضم الهمزة وفتح الميم المخففة ، وتشديد الياء آخر الحروف ابن خلف بالخاء واللام المفتوحتين ابن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . وقال علماء السير : كان أمية بن خلف الجمحي أشد الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم فجاء في يوم بعظم نخر ، ففته في يده . وقال : يا محمد تزعم أن ربك يحيي هذا ، ثم نفخه ، فطار ، فأنزل الله تعالى : قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قوله : " صاغيتي " بصاد مهملة وغين معجمة هي المال . وقيل : الحاشية ، يقال : صاغية الرجل حاشيته ، وكل من يصغي إليه ، أي : يميل ، وعن القزاز صاغية الرجل أهله ، يقال : أكرموا فلانا في صاغيته ، أي : في أهله . وقال الهروي : خالصته . وقال الكرماني : الصاغية هم القوم الذين يميلون إليه ويأتونه ، أي : أتباعه وحواشيه . ( قلت ) : فعلى هذا تكون الصاغية مشتقة من صغيت إلى فلان ، أي : ملت بسمعي إليه ، ومنه : وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وكل مائل إلى شيء أو معه ، فقد صغى إليه ، وأصغى . وفي حديث الهرة : أنه كان يصغي لها الإناء ، أي : يميله إليها ليسهل عليها الشرب منه . وقال ابن الأثير : الصاغية خاصية الإنسان والمائلون إليه ، ذكره في تفسير هذا الحديث . وقيل : الأشبه أن يكون هذا هو الأليق بتفسير هذا الحديث ، والله تعالى أعلم . وقال ابن التين : ورواه الداودي : ظاعنتي ، بالظاء المشالة المعجمة والعين المهملة بعدها نون ، ثم فسره بأنه الشيء الذي يسفر إليه ، قال : ولم أر هذا لغيره . قوله : " لا أعرف الرحمن " قال بعضهم : أي : لا أعترف بتوحيده . ( قلت ) : هذا الذي فسره لا يقتضيه قوله : " لا أعرف الرحمن " وإنما معناه : أنه لما كتب إليه ذكر اسمه بعبد الرحمن ، فقال : ما أعرف الرحمن الذي جعلت نفسك عبدا له ، ألا ترى أنه قال : كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو ، فلذلك كاتبه عبد عمرو . وقيل : كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة ، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن . وقال صاحب التوضيح معناه : لا أعبد من تعبده ، وهذه حمية الجاهلية التي ذكرت حين لم يقرؤوا كتابه - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية لما كتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا : لا نعرف الرحمن ، اكتب باسمك اللهم . قوله : " ولما كان يوم بدر " ، يعني : غزوة يوم بدر ، وكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية قاله عروة بن الزبير وقتادة والسدي ، وأبو جعفر الباقر . وقيل : غير ذلك ، ولكن لا خلاف أنها في السنة الثانية من الهجرة ، وبدر بئر لرجل كان يدعى بدرا ، قاله الشعبي . وقال البلاذري : بدر اسم ماء لخالد بن النضر بينه وبين المدينة ثمانية برد . قوله : " لأحرزه " بضم الهمزة من الإحراز ، أي : لأحفظه . وقال الكرماني : لأحوزه من الحيازة ، أي : الجمع ، وفي بعضها من الحوز ، أي : الضبط والحفظ ، وفي بعضها من التحويز ، أي : التبعيد . قوله : " حين نام الناس " ، أي : حين رقدوا ، وأراد بذلك اغتنام غفلتهم ليصون دمه . قوله : " فأبصره بلال " ، أي : أبصر أمية بلال بن حمامة رضي الله تعالى عنه . قوله : " فقال " ، أي : بلال . قوله : " أمية بن خلف " بالنصب على الإغراء ، أي : الزموا أمية . وفي رواية أبي ذر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أمية . وقال بعضهم : خبر مبتدأ مضمر . ( قلت ) : لا يقال لمثل هذا المحذوف مضمر ، وليس بمصطلح هذا ، والفرق بين المضمر والمحذوف قائم . قوله : " لا نجوت إن نجى أمية " إنما قال ذلك بلال ؛ لأن أمية كان يعذب بلالا بمكة عذابا شديدا لأجل إسلامه ، وكان يخرجه إلى الرمضاء إذا حميت ، فيضجعه على ظهره ، ثم يأخذ الصخرة العظيمة ، فيضعها على صدره ويقول : لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد ، فيقول بلال : أحد أحد . قوله : " فخرج معه " ، أي : فخرج مع بلال فريق من الأنصار ، وكان قد استصرخ بالأنصار ، وأغراهم على قتله . قوله : " خلفت لهم ابنه " ، أي : ابن أميه واسمه علي . قوله : " لأشغلهم " بضم الهمزة من الإشغال ، يعني : يشتغلون بابنه عن أبيه أمية . قوله : " فقتلوه " ، أي : قتلوا ابنه . وقال عبد الرحمن بن عوف : فكنت بين أمية وابنه آخذ بأيديهما ، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته : يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف ، فأحاطوا بنا ، وأنا أذب عنه ، فضرب رجل ابنه بالسيف ، فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط ، فقلت : انج نفسك ، فوالله لا أغني عنك شيئا . قوله : " ثم أبوا " من الإباء بمعنى الامتناع ، ويروى : ثم أتوا من الإتيان . قوله : " وكان رجلا ثقيلا " ، أي : كان أمية رجلا ضخما . قوله : " فلما أدركونا " ، أي : قال عبد الرحمن لما أدركنا الأنصار وبلال معهم . ( قلت له ) : أي : لأمية ابرك أمر من البروك ، فبرك ، فألقيت عليه نفسي لأمنعه منهم . قوله : " فتجللوه بالسيوف بالجيم " ، أي : غشوه بها ، هكذا في رواية الأصيلي ، وأبي ذر . وفي رواية غيرهما بالخاء المعجمة ، أي : أدخلوا أسيافهم خلاله حتى وصلوا إليه وطعنوا بها من تحتي من قولهم خللته بالرمح ، وأختللته : إذا طعنته به . ووقع في رواية المستملي : فتحلوه بلام واحدة مشددة ، والذي قتل أمية رجل من الأنصار من بني مازن . وقال ابن هشام : ويقال قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف اشتركوا في قتله ، والذي قتل علي بن أمية عمار بن ياسر . قوله : " وأصاب أحدهم " ، أي : أحد الذين باشروا قتل أمية رجلي بسيفه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : أن قريشا لم يكن لهم أمان يوم بدر ، ولهذا لم يجز بلال ومن معه من الأنصار أمان عبد الرحمن ، وقد نسخ هذا بحديث يجير على المسلمين أدناهم . وفيه : الوفاء بالعهد ؛ لأن عبد الرحمن كان صديقا لأمية بمكة ، فوفي بالعهد الذي كان بينهما . وقال عبد الرحمن : وكان اسمي عبد عمرو ، فسميت عبد الرحمن حين أسلمت كما ذكرناه ، وكان يلقاني بمكة ، فيقول : يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك ، فأقول : نعم ، فيقول : إني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به ، فسماه عبد الإله ، فلما كان يوم بدر مررت به ، وهو واقف مع ابنه علي بن أمية ومعي أدراع ، وأنا أحملها ، فلما رآني قال : يا عبد عمرو ، فلم أجبه ، قال : يا عبد الإله . ( قلت ) : نعم . قال : هل لك في ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك . ( قلت ) : نعم ، فطرحت الأدراع من يدي ، وأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيت كاليوم قط ، فرآهما بلال ، فصار أمره ما ذكرنا ، وكان عبد الرحمن يقول : رحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري . وفيه : مجازاة المسلم الكافر على البر يكون منه للمسلم والإحسان إليه على جميل فعله ، والسعي له في تخليصه من القتل وشبهه . وفيه أيضا : المجازاة على سوء الفعل بمثله ، والانتقام من الظالم . وفيه : أن من أصيب حين يتقي عن مشرك أنه لا شيء فيه . قال أبو عبد الله : سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، سمع يوسف إلى آخره ، ثبت في رواية أبي ذر عن المستملي ، ويوسف هو ابن الماجشون المذكور في سند الحديث المذكور ، وصالح هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وفائدة ذكر هذا وإن كان سماعهما علم من الإسناد تحقيق لمعنى السماع حتى لا يظن أنه عنعن بمجرد إمكان السماع ، كما هو مذهب بعض المحدثين كمسلم وغيره .
باب ما يكره من الشروط في المزارعة أي هذا باب في بيان ما يكره إلى آخره . 13 - حدثنا صدقة بن الفضل قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن يحيى قال : سمع حنظلة الزرقي ، عن رافع - رضي الله عنه - قال : كنا أكثر أهل المدينة حقلا ، وكان أحدنا يكري أرضه ، فيقول : هذه القطعة لي ، وهذه لك ، فربما أخرجت ذه ، ولم تخرج ذه ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله فيقول هذه القطعة لي إلى آخره ، وهذا في الحقيقة شرط يؤدي إلى النزاع ، وهو ظاهر ، وابن عيينة هو سفيان بن عيينة ، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، وحنظلة بن قيس الزرقي ، والحديث مضى في الباب المذكور مجردا ، الملحق بباب قطع الشجر والنخيل ، وقد مر الكلام فيه مستوفى ، وإنما أشار بذكر هذا إلى أن النهي في حديث رافع محمول على ما إذا تضمن العقد شرطا فيه جهالة . قوله : حقلا نصب على التمييز ، وهو بفتح الحاء المهملة وسكون القاف ، أي : زرعا . وقيل : هو الفدان الذي يزرع . قوله : ذه بكسر الذال المعجمة وبسكون الهاء إشارة إلى القطعة . وفيه : بيان علة النهي .
19 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا شعيب بن إسحاق ، عن الأوزاعي قال : حدثني يحيى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الليلة أتاني آت من ربي ، وهو بالعقيق أن صل في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة . هذا أيضا مضى في كتاب الحج في الباب الذي ذكرناه ، فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن الوليد ، وبشر بن بكر التنيسي قالا : حدثنا الأوزاعي إلى آخره نحوه ، وهنا أخرجه عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، عن شعيب بن إسحاق الدمشقي ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك .
باب قد ذكرنا غير مرة أن لفظة باب إذا ذكرت مجردة عن الترجمة تكون بمعنى الفصل من الباب السابق ، وليس فيه تنوين ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، اللهم إلا إذا قلنا هذا باب فيكون حينئذ منونا مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف . 18 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري - وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي ، فقيل له : إنك ببطحاء مباركة ، فقال موسى : وقد أناخ بنا سالم بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ به يتحرى معرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسط من ذلك . وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه أشار به إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما فيه من منع الناس النزول فيه ، وأن الموات يجوز الانتفاع به ، وأنه غير مملوك لأحد ، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة ، وقد تكلم المهلب فيه بما لا يجدي ، ورد عليه ابن بطال بما لا ينفع ، وجاء آخر نصر المهلب في ذلك ، والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل ، فلذلك تركناه ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الحج في باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : العقيق واد مبارك ، فإنه رواه هناك عن محمد بن أبي بكر عن فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة إلى آخره ، وأخرجه هناك عن قتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن جعفر أبي إبراهيم الأنصاري المؤدب المديني ، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المديني إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : أري على بناء المجهول من الماضي من الإراءة والمناخ بضم الميم . قوله : أسفل بالرفع والنصب ، والمعرس بضم الميم وفتح العين المهملة ، وتشديد الراء المفتوحة موضع التعريس ، وهو النزول في آخر الليل .
باب المزارعة مع اليهود أي هذا باب في بيان حكم المزارعة مع اليهود ، وأراد بهذه الترجمة أنه لا فرق في جواز المزارعة بين المسلمين وأهل الذمة ، وإنما خصص اليهود بالذكر وإن كان الحكم يشمل أهل الذمة كلهم ؛ لأن المشهور في حديث الباب اليهود ، فإذا جازت المزارعة مع اليهود جازت مع غيرهم من أهل الذمة كذلك . 12 - حدثنا ابن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وابن مقاتل هو محمد بن مقاتل ، وعبد الله هو ابن المبارك ، وعبيد الله هو ابن عمر العمري ، والحديث مضى فيما قبل هذا الباب ، فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله ، عن نافع إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك .
باب كذا وقع لفظ باب مجردا عن الترجمة عند جميع الرواة ، وهو كالفصل من الباب الذي قبله ، وهو غير منون ؛ لأن التنوين علامة الإعراب ، والإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، اللهم إلا إذا قلنا تقديره : هذا باب ، فيكون حينئذ معربا على أنه خبر مبتدأ محذوف . 27 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال ، ح وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عامر قال : حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع ، فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى ، ولكني أحب أن أزرع ، قال : فبذر فبادر الطرف نباته ، واستواؤه ، واستحصاده ، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله تعالى : دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء ، فقال الأعرابي : والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم . وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب يمكن أن يكون في قوله : فإنهم أصحاب زرع ، مع التنبيه على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هو نهي تنزيه لا نهي تحريم ؛ لأن الزرع لو لم يكن من الأمور التي يحرض فيها بالاستمرار عليه لما تمنى الرجل المذكور فيه الزرع في الجنة مع عدم الاحتياج إليه فيها . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : محمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون ، وفي آخره نون أيضا ، وقد تقدم في أول العلم . الثاني : فليح بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة ابن سليمان ، وقد تقدم في أول العلم . الثالث : هلال بن علي ، وهو هلال بن أبي ميمونة ، ويقال : هلال بن أبي ، ويقال : هلال بن أسامة . الرابع : عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بالمسندي . الخامس : أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي . السادس : عطاء بن يسار ضد اليمين ، تقدم في الإيمان . السابع : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن فليحا وهلالا وعطاء مدنيون ، وأن عبد الملك بصري ، وأن شيخه عبد الله بن محمد البخاري ، وأنه من أفراده وكذلك محمد بن سنان من أفراده . وفيه : أنه ساق الحديث على لفظ الإسناد الثاني ، وفي كتاب التوحيد على لفظ محمد بن سنان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن محمد بن سنان ، وهو من أفراده . ( ذكر معناه ) : قوله : وعنده رجل جملة حالية . قوله : من أهل البادية . وفي رواية : من أهل البدو ، وهما من غير همز ؛ لأنه من بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البادية ، والاسم البداوة بفتح الباء وكسرها هذا هو المشهور . وحكي بدأ بالهمز يبدأ ، وهو قليل . قوله : أن رجلا بفتح همزة أن ؛ لأنه في محل المفعولية . قوله : استأذن ربه في الزرع ، أي : في مباشرة الزرع ، يعني : سأل الله تعالى أن يزرع . قوله : ألست فيما شئت . وفي رواية محمد بن سنان : أولست فيما شئت ، بزيادة الواو ، ومعنى هذا استفهام على سبيل التقرير ، يعني : أولست كائنا فيما شئت من التشهيات ؟ قال : بلى ، الأمر كذلك ، ولكن أحب الزرع . قوله : فبذر ، يعني : ألقى البذر . وفيه حذف تقديره : فأذن له بالزرع ، فعند ذلك قام ورمى البذر على أرض الجنة ، فنبت في الحال ، واستوى ، وأدرك حصاده ، فكان كل حبة مثل الحبل . قوله : فبادر . وفي رواية محمد بن سنان : فأسرع فتبادر . قوله : الطرف منصوب بقوله فبادر ، ونباته بالرفع فاعله ، قال ابن قرقول : الطرف بفتح الطاء وسكون الراء هو امتداد لحظ الإنسان حيث أدرك . وقيل : طرف العين ، أي : حركتها ، أي : تحرك أجفانها . قوله : واستحصاده من الحصد ، وهو قلع الزرع ، والمعنى أنه لما بزر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد ، والتذرية والجمع إلا قدر لمحة البصر . قوله : دونك بالنصب على الإغراء ، أي : خذه . قوله : فإنه ، أي : فإن الشأن لا يشبعك شيء من الإشباع . وفي رواية محمد بن سنان : لا يسعك ، بفتح الياء والسين المهملة وضم العين ، وله معنى صحيح . قوله : فقال الأعرابي هو ذلك الرجل الذي كان عنده من أهل البادية . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن في الجنة يوجد كل ما تشتهي الأنفس من أعمال الدنيا ولذاتها ، قال الله تعالى : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وفيه : أن من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها ، ولا حرج على واصفه . وفيه : ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا إلا أن الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها . وفيه : إشارة إلى فضل القناعة وذم الشره . وفيه : الإخبار عن الأمر المحقق الآتي بلفظ الماضي ، فافهم .
باب استعمال البقر للحراثة أي هذا باب في بيان حكم استعمال البقر للحراثة ، البقر اسم جنس ، والبقرة تقع على الذكر والأنثى ، وإنما دخلته الهاء على أنه واحد من جنس ، والجمع : بقرات ، والباقر جماعة البقر مع رعاتها ، وفي المغرب : الباقور والبيقور والأبقور : البقر ، وعن قطرب : الباقورة : البقر . وقال ابن الأثير : الباقورة : البقر بلغة أهل اليمن ، وفي الصدقة لأهل اليمن في ثلاثين باقورة بقرة . وقال الجوهري البقير جماعة البقر . 5 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة ، عن سعد قال : سمعت أبا سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه ، فقالت : لم أخلق لهذا ، خلقت للحراثة ، قال : آمنت به أنا وأبو بكر وعمر ، وأخذ الذئب شاة ، فتبعها الراعي ، فقال الذئب : من لها يوم السبع ، يوم لا راعي لها غيري ، قال : آمنت به أنا وأبو بكر وعمر ، قال أبو سلمة : وما هما يومئذ في القوم . مطابقته للترجمة في قوله : خلقت للحراثة وغندر هو محمد بن جعفر البصري ، وقد تكرر ذكره ، وسعد هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وفي بعض النسخ : إبراهيم مذكور . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المناقب عن علي عن سفيان ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة به ، وأخرجه الترمذي في المناقب مقطعا عن محمد بن بشار به ، وعن محمود بن غيلان . ( ذكر معناه ) : قوله : بينما قد ذكرنا غير مرة أصله بين زيدت فيه ما ويضاف إلى جملة ، وجوابه قوله : التفتت إليه . قوله : لهذا ، أي : للركوب يدل عليه قوله راكب . قوله : آمنت به ، أي : بتكلم البقرة . قوله : أنا إنما أضمره لصحة العطف على الضمير المتصل على رأي البصريين . قوله : فقال الذئب من لها ، أي : للشاة . قوله : يوم السبع قال ابن الجوزي : أكثر المحدثين يرونه بضم الباء ، قال : والمعنى على هذا أي : إذا أخذها السبع لم يقدر على خلاصها ، فلا يرعاها حينئذ غيري ، أي : إنك تهرب ، وأكون أنا قريبا منها أنظر ما يفضل لي منها . وقال القرطبي : كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المرفوع يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد السباع والطير ، قال : وهذا لم نسمع به ، ولا بد من وقوعه . وقال ابن العربي : قراءة الناس بضم الباء ، وإنما هو بإسكانها ، والضم تصحيف ، ويريد بالساكن الباء الإهمال ، والمعنى : من لها يوم يهملها أربابها لعظيم ما هم فيه من الكرب ، أما بمعنى يحدث من فتنة أو يريد به يوم الصيحة ، وفي التهذيب للأزهري عن ابن الأعرابي : السبع : بسكون الباء هو الموضع الذي يكون فيه المحشر ، فكأنه قال : من لها يوم القيامة . وقال ابن قرقول : الساكن الباء عيد لهم في الجاهلية كانوا يشتغلون به بلعبهم ، فيأكل الذئب غنمهم ، وليس بالسبع الذي يأكل الناس . وقيل : يوم السبع بسكون الباء ، أي : يوم الجوع . وقال ابن قرقول : قال بعضهم : إنما هو يوم السبع بالياء باثنتين من تحتها ، أي : يوم الضياع ، يقال : أسعت ، وأضعت بمعنى . وقال القاضي : الروايه بالضم وإما بالسكون ، فمن جعلها اسما للموضع الذي عنده المحشر ، أي : من لها يوم القيامة ، وقد أنكر عليه إذ يوم القيامة لا يكون الذئب راعيها ولا له تعلق بها . وقال النووي : معناه : من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها نهيبة للسباع ، فيبقى لها السبع راعيا ، أي : منفردا بها . قوله : ما هما ، أي : لم يكونا يومئذ حاضرين ، وإنما قال ذلك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثقة بهما لعلمه بصدق إيمانهما وقوة يقينهما وكمال معرفتهما بقدرة الله تعالى . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه علم من أعلام النبوة . وفيه : فضل الشيخين رضي الله تعالى عنهما ؛ لأنه نزلهما بمنزلة نفسه ، وهي من أعظم الخصائص . وقال ابن المهلب : فيه بيان أن كلام البهائم من الخصائص التي خصت بها بنو إسرائيل ، وهذه الواقعة كانت فيهم وهو الذي فهمه البخاري إذ خرجه في باب ذكر بني إسرائيل . ( قلت ) : لا يلزم من ذكر البخاري هذا في بني إسرائيل اختصاصهم بذلك ، وقد روى ابن وهب أن أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وجدا ذئبا أخذ ظبيا ، فاستنقذاه منه ، فقال لهما : طعمة أطعمنيها الله تعالى ، وروي مثل هذا أيضا أنه جرى لأبي جهل ، وأصحاب له . وعند أبي القاسم ، عن أنس قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فشردت على غنمي ، فجاء الذئب ، فأخذ منها شاة ، فاشتدت الرعاة خلفه ، فقال الذئب : طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني ، فبهت القوم ، فقال : ما تعجبون ( ح ) ، وذكر ابن الأثير : أن قصة الذئب كانت أيضا في المبعث ، والذي كلمه الذئب اسمه أهبان بن أوس الأسلمي أبو عقبة سكن الكوفة . وقيل : أهبان بن عقبة ، وهو عم سلمة بن الأكوع ، وكان من أصحاب الشجرة ، وعن الكلبي هو أهبان بن الأكوع ، واسمه سنان بن عياذ بن ربيعة . وقال الذهبي : أهبان بن أوس الأسلمي يكلم الذئب أبو عقبة كوفي . وقيل : إن مكلم الذئب أهبان بن عياذ الخزاعي . وقال ابن بطال : وهذا الحديث حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنها خلقت للزينة والركوب لقوله عز وجل : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وقد خلقت البقر للحراثة كما أنطقها الله عز وجل ، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها لا في بني إسرائيل ولا في الإسلام . ( قلت ) : البقر خلقت للأكل بالنص كما خلقت هذه الثلاثة للركوب بالنص ، والبقر لم تخلق للركوب ، فلذلك قالت لراكبها : لم أخلق لهذا ، وقولها : خلقت للحراثة ليس بحصر فيها ، ولما كانت فيها منفعتان الأكل والحراثة ذكرت منفعة الحراثة لكونها أبعد في الذهن من منفعة الأكل ، ولأن الأكل كان مقررا عند الراكب بخلاف الحراثة ، بل ربما كان يظن أنها غير متصورة عنده ، فنبهته عليها دون الأكل .
باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم ، وكان في ذلك صلاح لهم أي هذا باب يذكر فيه بيان زرع أحد مال قوم بغير إذن منهم . قوله : وكان الواو فيه للحال . قوله : في ذلك ، أي : في ذلك الزرع ، صلاح لهم أي : لهؤلاء القوم . 14 - حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا أبو ضمرة ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر ، فأووا إلى غار في جبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل ، فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله ، فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم ، قال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم ، فإذا رحت عليهم حلبت ، فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني ، وإني استأخرت ذات يوم ، فلم آت حتى أمسيت ، فوجدتهما ناما ، فحلبت كما كنت أحلب ، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما ، وأكره أن أسقي الصبية ، والصبية يتضاغون عند قدمي حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك ، فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ، ففرج الله فرأوا السماء . وقال الآخر : اللهم إنها كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فطلبت منها فأبت حتى أتيتها بمائة دينار ، فبغيت حتى جمعتها ، فلما وقعت بين رجليها قالت : يا عبد الله ، اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه ، فقمت ، فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك ، فافرج عنا فرجة ، ففرج . وقال الثالث : اللهم إني استأجرت أجيرا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه ، فرغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها ، فجاءني فقال : اتق الله ، فقلت : اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها ، فخذ ، فقال : اتق الله ولا تستهزئ بي ، فقلت : إني لا أستهزئ بك ، فخذ ، فأخذه ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج ما بقي ، ففرج الله . قال أبو عبد الله : وقال ابن عقبة عن نافع ، فسعيت . مطابقته للترجمة من حيث إن المستأجر عين للأجير أجرة ، فبعد إعراضه عنه تصرف فيه بما فيه صلاح له ، فلو كان تصرفه فيه غير جائز ، لكان معصية ، ولا يتوسل به إلى الله تعالى . ( فإن قلت ) : التوسل إنما كان برد الحق إلى مستحقه ، بزيادته النامية لا بتصرفه كما أن الجلوس مع المرأة كان معصية ، والتوسل لم يكن إلا بترك الزنا . ( قلت ) : لما ترك صاحب الحق القبض ، ووضع المستأجر يده ثانيا على الفرق ، كان وضعا مستأنفا على ملك الغير ، ثم تصرفه فيه إصلاح لا تضييع ، فاغتفر ذلك ولم يعد تعديا ، فلم يمنع عن التوسل بذلك مع أن جل قصده خلاصه من المعصية ، والعمل بالنية ، ومع هذا لو هلك الفرق لكان ضامنا له ، لعدم الإذن في زراعته ، وبهذا يجاب عن قول من قال : لا تصح هذه الترجمة ، إلا أن يكون الزارع متطوعا ، إذ لا خسارة على صاحب المال ؛ لأنه لو هلك كان من الزارع ، وإنما تصح على سبيل التفضل بالربح وضمان رأس المال ، وقد مرت هذه القصة في كتاب البيوع في باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي ، وقد مر الكلام فيها ، وأنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وأخرجه هنا عن إبراهيم بن المنذر أبي إسحاق الحزامي المديني ، وهو من أفراده عن أبي ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ، وهو أنس بن عياض ، مر في باب التبرز في البيوت . ولنذكر هنا بعض شيء . قوله : يمشون حال . قوله : فأووا بفتح الهمزة بلا مد . قوله : في جبل صفة غار ، أي : كائن فيه . قوله : صالحة بالنصب صفة لقوله أعمالا ، ويروى خالصة . قوله : يفرجها بضم الراء . قوله : اللهم إنه ، أي : إن الشأن ، وفي قول الآخر : اللهم إنها ، أي : إن القصة إذ الجملة مؤنث ، وفي قول الثالث : اللهم إني أسند إليه ، وهذا من باب التفنن الذي فيه يحلو الكلام ويونق . قوله : والصبية جمع صبي وكذلك الصبوة والواو القياس ، ولكن الياء أكثر استعمالا . قوله : فلم آت بالفاء ، ويروى ولم آت بالواو . قوله : ناما . وفي رواية الكشميهني نائمين . قوله : يتضاغون بالمعجمتين ، أي : يتصايحون من ضغا يضغو ضغوا وضغاء : إذا صاح وضج . قوله : فأبت علي حتى أتيتها هذه رواية الكشميهني . وفي رواية غيره فأبت حتى أتيتها بدون لفظة علي . قوله : فرج ، أي : فرجة أخرى لا كلها . قوله : بفرق أرز الفرق بفتحتين : إناء يأخذ ستة عشر رطلا وذلك ثلاثة أصوع ، كذا في التهذيب ، قال الأزهري والمحدثون على سكون الراء ، وكلام العرب على التحريك ، وفي الصحاح : الفرق : مكيال معروف بالمدينة ، وهو ستة عشر رطلا ، قال : وقد يحرك ، والجمع : فرقان ، كبطن وبطنان . وقال بعضهم : الفرق بالسكون : أربعة أرطال ، وفي نوادر هشام عن محمد : الفرق ستة وثلاثون رطلا ، قال صاحب المغرب : ولم أجد هذا في أصول اللغة . ( قلت ) : قال في المحيط : الفرق : ستون رطلا ، ولا يلزم من عدم وجدانه هو أن لا يجد غيره ، فإن لغة العرب واسعة . قوله : أرز فيه لغات قد ذكرناها هناك ، وقد مر في البيوع فرق من ذرة ، والتوفيق بينهما من جهة أنهما كانا صنفين ، فالبعض من أرز ، والبعض من ذرة أو كان أجيران لأحدهما أرز وللآخر ذرة . وقال بعضهم : لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر . ( قلت ) : هذا أخذه من الكرماني ، والوجه فيه بعيد ولا يقع مثل هذا الإطلاق من فصيح . قوله : حتى أتيتها ويروى : حتى آتيها . قوله : فبغيت بالباء الموحدة والغين المعجمة ، أي : طلبت ، يقال : بغى يبغي بغاء : إذا طلب . قوله : قال أعطني حقي ويروى : فقال بالفاء . قوله : وراعيها كذا في رواية الكشميهني بالإفراد . وفي رواية غيره ورعاتها بالجمع . قوله : فقلت اذهب إلى ذلك البقر ويروى قلت اذهب بلا فاء . قوله : إلى ذلك البقر ويروى إلى تلك البقر ، فالتذكير باعتبار اللفظ ، والتأنيث باعتبار معنى الجمعية فيه . قوله : فقلت إني لا أستهزئ ويروى : فقال : إني لا أستهزئ . قوله : قال أبو عبد الله ، أي : البخاري نفسه . قوله : قال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع ، فسعيت يعني : أن إسماعيل المذكور رواه عن نافع كما رواه عمه موسى بن عقبة إلا أنه خالفه في هذه اللفظة وهي قوله فبغيت بالباء والغين المعجمة ، فقالها : سعيت بالسين والعين المهملتين من السعي . وقال الجياني : وقع في رواية لأبي ذر . وقال إسماعيل عن عقبة ، وهو وهم ، والصواب إسماعيل بن عقبة ، وهو ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى ، وتعليق إسماعيل وصله البخاري في كتاب الأدب في باب إجابة دعاء من بر والديه .
( باب ) يجوز فيه التنوين على تقدير : هذا باب ، ويجوز تركه على السكون ، فلا يكون معربا ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا في المركب . ووقع باب كذا بغير ترجمة عند الكل ، وقد ذكرنا أن بابا كلما وقع " كذا " فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله . 11 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال عمرو : قلت لطاوس : لو تركت المخابرة ، فإنهم يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه ، قال - أي عمرو - : إني أعطيهم وأعينهم ، وإن أعلمهم أخبرني ، يعني : ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه ، ولكن قال : أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما . وجه دخوله في الباب السابق من حيث إن للعامل فيه جزءا معلوما ، وهنا لو ترك رب الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرا له من أن يأخذه منه . وفيه : جواز أخذ الأجرة ؛ لأن الأولوية في الترك لا تنافي الجواز ، فافهم . ورجاله أربعة قد ذكروا غير مرة ، وعلي بن عبد الله هو المعروف بابن المديني ، وهو من أفراده ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المزارعة ، عن قبيصة بن عقبة ، عن سفيان الثوري ، وفي الهبة : عن محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم في البيوع ، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة به ، وعن ابن أبي عمر ، عن الثقفي به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن رمح ، وعن علي بن حجر ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن كثير عن الثوري به ، وأخرجه الترمذي في الأحكام ، عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في المزارعة ، عن محمد بن عبد الله المخرمي ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن رمح ، وعن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة به ، وعن أبي بكر بن خلاد الباهلي ، ومحمد بن إسماعيل . ( ذكر معناه ) : قوله : " قال عمرو " . وفي رواية الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة وغيره عن سفيان : حدثنا عمرو . قوله : " لو تركت المخابرة " جواب لو محذوف تقديره : لو تركت المخابرة لكان خيرا ، أو يكون " لو " للتمني ، فلا يحتاج إلى جواب ، وفسر الكرماني المخابرة من جهة مأخذ هذا اللفظ ، فقال : المخابرة من الخبير ، وهو الأكار أو من الخبرة بضم الخاء وهي النصيب أو من خيبر ؛ لأن أول هذه المعاملة وقعت فيها ، انتهى . والمخابرة هي العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها ، وهي المزارعة ، لكن الفرق بينهما من وجه ، وهو أن البذر من العامل في المخابرة ، وفي المزارعة من المالك ، والدليل على أن المخابرة هي المزارعة رواية الترمذي من حديث عمرو بن دينار ، بلفظ : لو تركت المزارعة يخاطب ابن عباس بذلك . قوله : " فإنهم " الفاء فيه للتعليل ؛ لأن عمرا يعلل كلامه في خطابه لطاوس بترك المخابرة بقوله " فإنهم " ، أي : فإن الناس ، ومراده منهم رافع بن خديج وعمومته والثابت بن الضحاك وجابر بن عبد الله ومن روى منهم . قوله : " يزعمون " ، أي : يقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه ، أي : عن الزرع على طريق المخابرة . قوله : " قال أي عمرو " ، أي : قال طاوس : يا عمرو . قوله : " إني أعطيهم " من الإعطاء . قوله : " وأعينهم " ، بضم الهمزة وكسر العين المهملة من الإعانة ، وهذا هكذا في رواية الأكثرين . وفي رواية الكشميهني ، وأغنيهم بالغين المعجمة الساكنة من الإغناء ، والأول أوجه ، وكذا في رواية ابن ماجه وغيره . قوله : " وإن أعلمهم " ، أي : وإن أعلم هؤلاء الذين يزعمون أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه . قوله : " أخبرني " خبر إن ، وبين المراد من هذا الأعلم بقوله " يعني ابن عباس " . قوله : " أي لم ينه عنه " ، أي : عن الزرع على طريق المخابرة ، ولا معارضة بين هذا وبين قوله " نهى عنه " ؛ لأن النهي كان فيما يشترطون شرطا فاسدا ، وعدمه فيما لم يكن كذلك . وقيل : المراد بالإثبات نهي التنزيه ، وبالنفي نهي التحريم . قوله : " أن يمنح " بفتح الهمزة وسكون النون ، قال بعضهم : أن يمنح بفتح الهمزة والحاء على أنها تعليلية ، وبكسر الهمزة وسكون الحاء على أنها شرطية ، والأول أشهر ، انتهى . ( قلت ) : ليس كذلك بل أن بفتح الهمزة مصدرية ، ولام الابتداء مقدرة قبلها ، تقديره : لأن يمنح ، أي : لمنح أحدكم أخاه خير لكم ، والمصدر مضاف إلى أحدكم مبتدأ ، وخبره هو قوله " خير لكم " ويؤيد ما ذكرناه أنه وقع في رواية الطحاوي بلام الابتداء ظاهرة ، فإنه روى هذا الحديث وفيه : لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه ، خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما . ووقع في رواية مسلم : يمنح أحدكم بدون أن واللام ، وقد جاء أن بالفتح بمعنى إن بالكسر الشرطية ، فحينئذ يكون يمنح مجزوما به ، وجواب الشرط خير ، ولكن فيه حذف تقديره : هو خير لكم . قوله : " من أن يأخذ " أن هنا أيضا مصدرية ، أي : من أخذه عليه ، والضمير فيه يرجع إلى قوله " أخاه " . قوله : " خرجا " ، أي : أجرة ، والغرض أنه يجعلها له منحة ، أي : عطية عارية ؛ لأنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتى أفضى بهم إلى التقاتل ، وقد بين الطحاوي علة النهي في حديث رافع ، فقال : حدثنا علي بن شيبة قال : حدثنا يحيى بن يحيى قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن الوليد بن أبي الوليد ، عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه أنه قال : يغفر الله لرافع بن خديج ، أنا والله كنت أعلم منه بالحديث ، إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اقتتلا ، فقال : " إن كان هذا شأنكم ، فلا تكروا المزارع " فسمع قوله " لا تكروا المزارع " قال الطحاوي : فهذا زيد بن ثابت يخبر أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تكروا المزارع النهي الذي قد سمعه رافع لم يكن من النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التحريم ، وإنما كان لكراهيته وقوع الشر بينهم ، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا . وقال الطحاوي : وقد روي عن ابن عباس من المعنى الذي ذكره زيد بن ثابت من حديث رافع بن خديج شيء ، ثم روى حديث الباب نحوه .
باب كراء الأرض بالذهب والفضة أي هذا باب في بيان حكم كراء الأرض بالذهب والفضة ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن كراء الأرض بالذهب والفضة غير منهي عنه وإنما النهي الذي ورد عن كراء الأرض فيما إذا أكريت بشيء مجهول ، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور ودل عليه أيضا حديث الباب ، وقد مر أن طائفة قليلة لم يجوزوا كراء الأرض مطلقا . وقال ابن عباس : إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة هذا التعليق وصله وكيع في مصنفه ، عن سفيان ، عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء بالذهب والفضة . قوله : إن أمثل ، أي : أفضل ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : حكى جواز ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وابن جبير وسالم وعروة ومحمد بن مسلم وإبراهيم ، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ، وحكي جواز ذلك عن رافع مرفوعا . وفي حديث سعيد بن زيد ، وأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نكريها بالذهب والورق . وقال ابن المنذر : أجمع الصحابة على جوازه . وقال ابن بطال : قد ثبت عن رافع مرفوعا أن كراء الأرض بالنقدين جائز ، وهو خاص يقضي على العام الذي فيه النهي عن كراء الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة ، والزائد من الأخبار أولى أن يؤخذ به لئلا تتعارض الأخبار ، فيسقط شيء منها . ( فإن قلت ) : روى الترمذي : حدثنا هناد حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن مجاهد عن رافع بن خديج قال : نهانا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن أمر كان لنا نافعا إذا كانت لأحدنا أرض أن نعطيها ببعض خراجها أو بدراهم . وقال : إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها . ( قلت ) : أبو بكر بن عياش : فيه مقال . وقال النسائي : هو مرسل ، وهو كما قال ، فإن مجاهدا لم يسمعه من رافع سقط بينهما ابن لرافع بن خديج كما رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن دينار أن مجاهدا قال لطاوس : انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج ، فاسمع منه الحديث عن أبيه ، ورواه النسائي أيضا من رواية عبد الكريم الجزري عن مجاهد قال : أخذت بيد طاوس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج ، فحدثه عن أبيه ، قال شيخنا : ويحتمل أن الذي سقط بينهما أسيد بن ظهير ابن أخي رافع ، فقد رواه كذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية منصور عن مجاهد عن أسيد بن ظهير عنه ، ورواه النسائي أيضا من رواية سعيد بن عبد الرحمن عن مجاهد عن أسيد بن أبي رافع . 26 - حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا الليث ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن حنظلة بن قيس ، عن رافع بن خديج قال : حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقلت لرافع : فكيف هي بالدينار والدرهم ، فقال رافع : ليس بها بأس بالدينار والدرهم . مطابقته للترجمة في قوله : فقال رافع ليس بها إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : عمرو بفتح العين ابن خالد بن فروخ . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : ربيعة بفتح الراء ابن أبي عبد الرحمن واسمه فروخ مولى المنكدر بن عبد الله ويكنى أبا عثمان ، وهو الذي يسمى ربيعة الرأي . الرابع : حنظلة بن قيس الزرقي الأنصاري . الخامس : رافع بن خديج . السادس والسابع : عماه ، فأحدهما ظهير ، والآخر قال الكلاباذي : لم أقف على اسمه . وقيل : اسمه مظهر بضم الميم وفتح الظاء ، وتشديد الهاء المكسورة ، كذا ضبطه عبد الغني وابن ماكولا . وقيل : اسمه مهير كذا ذكره في معجم الصحابة للبغوي . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : القول في موضع . وفيه : أن شيخه حراني جزري ، سكن مصر ومات بها سنة تسع وعشرين ومائتين ، وهو من أفراده ، وأن الليث مصري ، والبقية مدنيون . وفيه : رواية تابعي عن تابعي وهما ربيعة وحنظلة . وفيه : رواية صحابي عن صحابيين . ( ذكر معناه ) : قوله : على الأربعاء قد مر عن قريب أنه جمع الربيع ، وهو النهر الصغير . قوله : يستثنيه صاحب الأرض كاستثناء الثلث أو الربع من المزروع لصاحب الأرض . قوله : فقلت لرافع القائل هو حنظلة بن قيس . قوله : كيف هي ويروى فكيف هي بالفاء ، أي : كيف المزارعة ، يعني : كيف حكمها بالدينار والدرهم . قوله : فقال رافع إلى آخره ، فقول رافع يحتمل أن يكون باجتهاد منه ، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه ، أو علم أن جواز الكراء بالدينار والدرهم غير داخل في النهي عن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها ، ومما يدل على كون ما قاله مرفوعا ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب ، عن رافع بن خديج قال : نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة ، وقال : إنما يزرع ثلاثة رجل له أرض ، ورجل منح أرضا ، ورجل أكرى أرضا بذهب أو فضة . وفيه نظر ؛ لأن النسائي قال بعد أن رواه : إن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة ، وإن بقيته مدرجة من كلام سعيد بن المسيب .
وقال الليث : أراه وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة وهو موصول بالإسناد الأول إلى الليث رحمه الله ، أي : قال الليث بن سعد : أراه ، أي : أظنه ، والضمير المنصوب يرجع إلى شيخه ربيعة المذكور في إسناد الحديث ، ومعنى أظنه أنه لم يجزم برواية شيخه له . ووقع في رواية أبي ذر هنا قال أبو عبد الله : من هاهنا قال أبو الليث أراه ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه . ووقع في رواية النسفي وابن شبويه ذو الفهم بالإفراد ، وكذا وقع لم يجزه بالإفراد . قوله : لما فيه من المخاطرة وهي الإشراف على الهلاك ، ثم اختلفوا في هذا النقل عن الليث ، هل هو في نفس الحديث أم مدرج ؟ فعند النسفي وابن شبويه : مدرج ، ولهذا سقط هذا عندهما . وقال البيضاوي : الظاهر من السياق أنه من كلام رافع . وقال التوربشتي شارح المصابيح : لم يتبين لي أن هذه الزيادة من قول بعض الرواة أو من قول البخاري . وقيل : أكثر الطرق في البخاري تبين أنها من كلام الليث ، والله أعلم بالصواب .
باب اقتناء الكلب للحرث أي هذا باب في بيان حكم اقتناء الكلب ، والاقتناء بالقاف من باب الافتعال من اقتنى ، يقال : قناه يقنوه واقتناه : إذا اتخذه لنفسه دون البيع ، ومنه القنية وهي ما اقتنى من شاة أو ناقة أو غيرهما ، يقال : غنم قنوة وقنية ويقال قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنوة وقنيت أيضا قنية وقنية إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة ، قيل : أراد البخاري إباحة الحرث بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث ، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحا . ( قلت ) : هذا استنباط عجيب ؛ لأن إباحة الحرث بالنص ولو فرض موضع ليس فيه كلب لا يباح فيه الحرث . 3 - حدثنا معاذ بن فضالة قال : حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أمسك كلبا ، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية . مطابقته للترجمة في قوله : إلا كلب حرث ، ومعاذ بضم الميم وبذال معجمة ابن فضالة بفتح الفاء أبو زيد البصري وهشام الدستوائي . والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن زهير بن حرب : حدثني إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من مسك كلبا ، فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو كلب ماشية . وروى مسلم أيضا من حديث الزهري عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية ، أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ، قال الزهري : فذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع . فإن قلت : ما أراد ابن عمر بقوله : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع ، قلت قيل : أنكر زيادة الزرع عليه ، والأحوط أن يقال : إنه أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة ، وإن سبب حفظه لهذه الزيادة دون غيره أنه كان صاحب زرع مشتغلا بشيء يحتاج إلى معرفة أحكامه ، ومع هذا جاء لفظ زرع في حديث ابن عمر في رواية مسلم على ما نذكرها الآن ، وروى مسلم أيضا من حديث نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضارية نقص من عمله كل يوم قيراط ، وروى أيضا من حديث سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد وماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ، وروى أيضا من حديث عبد الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتنى كلبا إلا كلب ضارية أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان ، وروى أيضا من حديث سالم بن عبد الله ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيما أهل دار اتخذوا كلبا إلا كلب ماشية ، أو كلب صائد نقص من علمه كل يوم قيراطان . وروى أيضا من حديث أبي الحكم قال : سمعت ابن عمر يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اتخذ كلبا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط وروى أيضا من حديث سعيد ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ، ولا ماشية ، ولا أرض ، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان . وروى الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل : ما من أهل بيت يربطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط ، إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم ، وقال : حديث حسن . قوله : قيراط القيراط هنا مقدار معلوم عند الله ، والمراد : نقص جزء من أجزاء عمله . فإن قلت : ما التوفيق بين قوله : قيراط وقوله : قيراطان ؟ قلت : يجوز أن يكونا في نوعين من الكلاب : أحدهما أشد إيذاء ، وقيل : القيراطان في المدن والقرى ، والقيراط في البوادي ، وقيل : هما في زمانين ، فذكر القيراط أولا ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين ، واختلفوا في سبب النقص ، فقيل : امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى ، أو ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهي عن اتخاذه ، أو لكثرة أكله النجاسات ، أو لكراهة رائحتها ، أو لأن بعضها شيطان أو لولوغه في الأواني عند غفلة صاحبها ، قوله : أو ماشية كلمة أو للتنويع أي : أو كلب ماشية ، والماشية اسم يقع على الإبل والبقر والغنم ، وأكثر ما يستعمل في الغنم ، ويجمع على مواشي . واختلف في الأجر الذي ينقص هل هو من العمل الماضي أو المستقبل ، حكى الروياني هذا ، وقال ابن التين : المراد به أنه لو لم يتخذه لكان علمه كاملا ، فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل ، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى ، وإنما أراد أنه ليس عمله في الكمال عمل من لم يتخذ ، انتهى . فإن قلت : هل يجوز اتخاذه لغير الوجوه المذكورة ؟ قلت : قال ابن عبد البر ما حاصله أن هذه الوجوه الثلاثة تثبت بالسنة ، وما عداها فداخل في باب الحظر ، وقيل : الأصح عند الشافعية إباحة اتخاذه لحراسة الدرب إلحاقا للمنصوص بما في معناه .
وقال ابن سيرين ، وأبو صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا كلب غنم أو حرث أو صيد أي : قال محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : وأبو صالح أي وقال أبو صالح : ذكوان الزيات السمان ، ووصل تعليقه أبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني في كتاب الترغيب له من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، ومن طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بلفظ : من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية ، أو صيد أو حرث ، فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطان ولم يقل : سهيل أو حرث .
وقال أبو حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلب صيد أو ماشية أبو حازم هذا هو سلمان الأشجعي مولى عزة الأشجعية ، ذكره المزي في الأطراف ، وقال أبو حازم ، عن أبي هريرة ولم يذكر شيئا غيره ، وهذا التعليق وصله أبو الشيخ من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم بلفظ : أيما أهل دار ربطوا كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية نقص من أجرهم كل يوم قيراط .
4 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد ، حدثه أنه سمع سفيان بن أبي زهير رجلا من أزد شنوءة ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص كل يوم من عمله قيراط . قلت : أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : إي ورب هذا المسجد . مطابقته للترجمة في قوله : لا يغني عنه زرعا ، ويزيد من الزيادة ابن عبد الله بن خصيفة بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالفاء تصغير خصفة ، مر في باب رفع الصوت في المساجد ، والسائب بن يزيد من الزيادة صحابي صغير مشهور ، وسفيان بن أبي زهير مصغر زهر ، واسمه القرد بفتح القاف والراء الأزدي الشنائي ، وهو من السراة يعد في أهل المدينة . وقال بعضهم : ورجال الإسناد كلهم مدنيون . ( قلت ) : عبد الله بن يوسف شيخ البخاري تنيسي ، أصله من دمشق ، وفي هذا الإسناد رواية صحابي عن صحابي . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر ، وأخرجه النسائي في الصيد عن علي بن حجر به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن خالد بن مخلد ، عن مالك به . ( ذكر معناه ) : قوله : رجلا بالنصب ويروى بالرفع ، وجه النصب على تقدير أعني أو أخص ، ووجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو رجل من أزد شنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وسكون الواو وفتح الهمزة ، قال بعضهم : وهي قبيلة مشهورة نسبوا إلى شنوءة ، واسمه الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد . ( قلت ) : قال ابن هشام : وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ، فدل على أن اسم شنوءة عبد الله لا الحارث ، والمرجع فيه إلى ابن هشام وأمثاله لا إلى غيرهم ، قال الرشاطي : وإنما قيل أزد شنوءة لشنآن كان بينهم ، والشنآن : البغض ، قال يعقوب : والنسبة إليه شنئي ، قال : ويقال شنوة بتشديد الواو غير مهموز ، وينسب إليه الشنوي ، ويقال أيضا في النسبة إلى شنوءة شنائي ، ويقال الشنئ بفتح الشين وضم النون وكسر الهمزة ، ويقال أيضا الشنوئي بفتح الشين وضم النون وسكون الواو وكسر الهمزة ، فهذه النسبة على أربعة أوجه ، وقد بسطنا الكلام : فيه في شرحنا لمعاني الآثار . قوله : لا يغني من الإغناء . قوله : عنه ، أي : عن الكلب ، ويروى لا يغنى به ، أي : لا ينفع بسببه أو لا يقيم به . قوله : ولا ضرعا الضرع اسم لكل ذات ظلف وخف ، وهذا كناية عن الماشية . قوله : أنت سمعت هذا للتثبيت في الحديث . قوله : ورب هذا المسجد قسم للتأكيد . واستدل بالحديث بعض المالكية على طهارة الكلب الجائز اتخاذه ؛ لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقة شديدة قالوا : الإذن في اتخاذه إذن في مكملات مقصوده ، قلنا : وهذا يعارضه حديث الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات ، فإن قالوا : هذا أمر تعبدي ، فلا يستلزم النجاسة ، قلنا : الخبر عام ، فبعمومه يدل على أن الغسل لنجاسته . ومن فوائده الحث على تكثير الأعمال الصالحة والتحذير من الأعمال التي في ارتكابها نقص الأجر .
باب إذا قال اكفني مؤنة النخل أو غيره وتشركني في الثمر أي هذا باب يذكر فيه إذا قال صاحب النخيل لغيره اكفني مؤنة النخل ، والمؤنة هي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به ، وتشركني في الثمر ، أي : الثمر الذي يحصل من النخل ، وهذه صورة المساقاة ، وهي جائزة . قوله : أو غيره ، أي : أو غير النخل مثل الكرم يكون له ، ويقول لغيره : اكفني مؤنة هذا الكرم وتشركني في العنب الذي يحصل منه ، وهذا أيضا جائز وجواب إذا محذوف ، تقديره : إذا قال اكفني إلى آخره جاز هذا القول . قوله : النخل رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : النخيل ، وهو جمع نخل كالعبيد جمع عبد ، وهو جمع نادر . قوله : وتشركني قال الكرماني : بالرفع والنصب ، ولم يبين وجههما ، وجه الرفع على تقدير حذف المبتدأ ، أي : وأنت تشركني والواو فيه للحال ، ووجه النصب على تقدير كلمة أن بعد الواو ، أي : اكفني مؤنة النخل ، وأن تشركني في الثمر ، أي : وعلى أن تشركني ، وقد ذكر الكوفيون أن أن بالفتح وسكون النون يأتي بمعنى الشرط كان بكسر الهمزة . 6 - حدثنا الحكم بن نافع قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : لا ، فقالوا : تكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة ، قالوا : سمعنا وأطعنا . مطابقته للترجمة في قوله : تكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحكم بفتحتين هو أبو اليمان الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الشروط ، وأخرجه النسائي مثله فيه . قوله : قالت الأنصار ، يعني : حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة قالوا : يا رسول الله ، اقسم بيننا وبين إخواننا ، يعني : المهاجرين النخيل وإنما قالوا ذلك ؛ لأن الأنصار لما بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة شرط عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - مواساة من هاجر إليهم ، فلما قدم المهاجرون قالت الأنصار : اقسم يا رسول الله بيننا وبينهم ، ويعمل كل واحد سهمه ، فلم يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وهو معنى قوله قال لا ، أي : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا أفعل ذلك ، يعني : القسمة ؛ لأنه كره أن يخرج شيء من عقار الأنصار عنهم . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا : إن المهاجرين لا علم لهم بعمل النخل ، فقالت الأنصار حينئذ : تكفوننا المؤنة ، وقد فسرناها ونشرككم في الثمرة ، وهو معنى قوله فقالوا : ، أي : الأنصار للمهاجرين : تكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة ، قالوا : أي المهاجرون والأنصار كلهم قالوا : سمعنا وأطعنا ، يعني : امتثلنا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم فيما أشار إليه ، وهذه صورة المساقاة ، ثم ظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما يخرج الثمرة ؛ لأن الشركة إذا أبهمت ، ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين . وقال المهلب : فيه حجة على جواز المساقاة ، ورد عليه ابن التين بأن المهاجرين كانوا ملكوا من الأنصار نصيبا من الأرض والمال باشتراط النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأنصار مواساة المهاجرين ليلة العقبة ، قال : فليس ذلك من المساقاة في شيء ورد عليه بأنه لا يلزم من اشتراط المواساة ثبوت الاشتراك في الأرض ، إذ لو ثبت ذلك بمجرد ذكر المواساة لم يبق لسؤالهم لذلك ورده - صلى الله تعالى عليه وسلم - معنى .
15 - حدثنا صدقة قال : أخبرنا عبد الرحمن ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : قال عمر رضي الله عنه : لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر . مطابقته للجزء الثاني من الترجمة بيان ذلك أن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما فتح السواد لم يقسمها بين أهلها ، بل وضع على من بهم من أهل الذمة الخراج ، فزارعهم وعاملهم ، وبهذا يظهر أيضا دخول هذا الباب في أبواب المزارعة . ورجاله ستة : الأول : صدقة بن الفضل المروزي ، وهو من أفراده . الثاني : عبد الرحمن بن مهدي البصري . الثالث : مالك بن أنس . الرابع : زيد بن أسلم أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب العدوي ، مات سنة ست وثلاثين ومائة . الخامس : أبوه أسلم مولى عمر بن الخطاب ، يكنى أبا خالد كان من سبي اليمن . وقال الواقدي : أبو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة ، كان من سبي عين التمر ، اشتراه عمر بمكة سنة إحدى عشرة لما بعثه أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - ليقيم للناس الحج ، مات قبل مروان بن الحكم ، وهو صلى عليه ، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة . السادس : عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي ، عن سعيد بن أبي مريم ومحمد بن المثنى ، وفي الجهاد عن صدقة بن الفضل ، وأخرجه أبو داود في الخراج ، عن أحمد بن حنبل ، ولفظ أحمد : لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا يفتح الناس قرية إلا قسمتها بينكم . قوله : ما فتحت على صيغة المجهول . قوله : قرية مرفوع به ، ويجوز فتحت على بناء الفاعل ، وقرية بالنصب مفعوله . قوله : إلا قسمتها زاد ابن إدريس الثقفي في رواية ما افتتح المسلمون قرية من قرى الكفار إلا قسمتها سهمانا . قوله : بين أهلها ، أي : الغانمين . قوله : كما قسم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وزاد ابن إدريس في روايته : ولكن أردت أن يكون جزية تجري عليهم ، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه يعلم أن المال يعز ، وأن الشح يغلب ، وأن لا ملك بعد كسرى يقيم وتحرز خزائنه ، فيغنى بها فقراء المسلمين ، فأشفق أن يبقى آخر الناس لا شيء لهم ، فرأى أن يحبس الأرض ولا يقسمها كما فعل بأرض السواد ، نظرا للمسلمين وشفقة على آخرهم بدوام نفعها لهم ودر خيرها عليهم ، وبهذا قال مالك في أشهر قوليه إن الأرض لا تقسم .
باب أوقاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم أي هذا باب في بيان حكم أوقاف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبيان أرض الخراج ، وبيان مزارعتهم ، وبيان معاملتهم ، قال ابن بطال : معنى هذه الترجمة أن الصحابة كانوا يزارعون أوقاف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد وفاته على ما كان عليه يهود خيبر . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر : تصدق بأصله لا يباع ولكن ينفق ثمره فتصدق به مطابقته للصدر الأول من الترجمة ، وهي تظهر من قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر : تصدق بأصله إلى آخره ، وهذا حكم وقف الصحابي ، وكذلك يكون حكم أوقاف بقية الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ، وهذا التعليق قطعة من حديث أخرجه البخاري في كتاب الوصايا في باب قول الله عز وجل : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى الآية ، فقال : حدثنا هارون ، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر رضي الله تعالى عنه تصدق بمال له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم وكان يقال له ثمغ ، وكان نخلا ، فقال عمر : يا رسول الله ، إني استفدت مالا ، وهو عندي نفيس ، فأردت أن أتصدق به ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تصدق بأصله ، لا يباع ولا يوهب ، ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره ، فتصدق به عمر رضي الله تعالى عنه ، فصدقته تلك في سبيل الله ، وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل ولذي القربى ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف ، أو يؤكل صديقه غير متمول به . قوله : تصدق بأصله هذه العبارة كناية عن الوقف ، ولفظ تصدق أمر . قوله : ولكن ينفق على صيغة المجهول . قوله : فتصدق به ، أي : فتصدق عمر به ، والضمير يرجع إلى المال المذكور في الحديث الذي ذكرناه الآن ، وهو المال الذي كان يقال له ثمغ ، وكان نخلا ، والثمغ بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم ، وفي آخره غين معجمة . وقال ابن الأثير : ثمغ وصرمة بن الأكوع مالان معروفان بالمدينة لعمر بن الخطاب ، فوقفهما ، وفي معجم البكري : ثمغ : موضع تلقاء المدينة ، كان فيه مال لعمر بن الخطاب ، فخرج إليه يوما ، ففاتته صلاة العصر ، فقال : شغلتني ثمغ عن الصلاة ، أشهدكم أنها صدقة .
باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة أي هذا باب يذكر فيه إذا لم يشترط رب الأرض سنينا معلومة في عقد المزارعة ، ولم يذكر جواب إذا الذي هو يجوز أو لا يجوز لكان الاختلاف فيه ، قال ابن بطال : قد اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل ، فكرهها مالك والثوري والشافعي ، وأبو ثور . وقال أبو ثور : إذا لم يسم سنين معلومة ، فهو على سنة واحدة . وقال ابن المنذر : وحكي عن بعضهم أنه قال : أجيز ذلك استحسانا وادعى القياس لقوله - صلى الله عليه وسلم - : نقركم ما شئنا قال : فيكون لصاحب النخل والأرض أن يخرج المساقي والمزارع من الأرض متى شاء ، وفي ذلك دلالة أن المزارعة تخالف الكراء لا يجوز في الكراء أن يقول أخرجك عن أرضي متى شئت ، ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتا معلوما . ( قلت ) : لصحة المزارعة على قول من يجيزها شروط : منها : بيان المدة بأن يقال إلى سنة أو سنتين وما أشبهه ، ولو بين وقتا لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة ، وكذا لو بين مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبا تفسد أيضا ، وعن محمد بن سلمة أن المزارعة تصح بلا بيان المدة ، وتقع على زرع واحد ، واختاره الفقيه أبو الليث ، وبه قال أبو ثور ، وعن أحمد : يجوز بلا بيان المدة ؛ لأنها عقد جائز غير لازم . وعند أكثر الفقهاء لازم . 10 - حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما قال : عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع . هذا الحديث قد مضى في الباب السابق بأتم منه ، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، وهنا أخرجه عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، وأعاده مختصرا لأجل الترجمة المذكورة ، والمطابقة بينهما ظاهرة ؛ لأنه ليس فيه التعرض إلى بيان المدة .
باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به أي هذا باب في بيان ما يحذر إلى آخره ، وهذه الترجمة بعينها رواية الأصيلي وكريمة . قوله : أو مجاوزة الحد ، أي : في بيان مجاوزة الحد الذي أمر به . وفي رواية ابن شبويه أو يجاوز الحد . وفي رواية النسفي ، وأبي ذر : أو جاوز الحد والمراد بالحد الذي شرع سواء كان واجبا أو سنة أو ندبا . 2 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا عبد الله بن سالم الحمصي قال : حدثنا محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل . مطابقته للترجمة في قوله : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل ، فإذا كان كذلك ينبغي الحذر من عواقب الاشتغال به ؛ لأن كل ما كان عاقبته ذلا يحذر عنه ، ولما ذكر فضل الزرع والغرس في الباب السابق أراد الجمع بينه وبين حديث هذا الباب ؛ لأن بينهما منافاة بحسب الظاهر ، وأشار إلى كيفية الجمع بشيئين أحدهما هو قوله ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع وذلك إذا اشتغل به ، فضيع بسببه ما أمر به ، والآخر هو قوله أو مجاوزة الحد وذلك فيما إذا لم يضيع ولكنه جاوز الحد فيه . وقال الداودي : هذا لمن يقرب من العدو ، فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية ويتأسد عليه العدو ، وأما غيرهم ، فالحرث محمود لهم . وقال عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ الآية ، ولا يقوم إلا بالزراعة ومن هو بالثغور المتقاربة للعدو لا يشتغل بالحرث ، فعلى المسلمين أن يمدوهم بما يحتاجون إليه . وعبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد من أفراد البخاري وعبد الله بن سالم أبو يوسف الأشعري ، مات سنة تسع وسبعين ومائة ، ومحمد بن زياد الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام نسبة إلى ألهان أخو همدان بن مالك بن زيد هذا في كهلان ، وألهان أيضا في حمير ، وهو ألهان بن جشم بن عبد شمس ونسبة محمد بن زياد إلى ألهان هذا قال ابن دريد : ألهان من قولهم لهنوا ضيوفهم ، أي : أطعموهم ما يتعلل به قبل الغذاء ، وكان ألهان جمع لهن واسم ما يأكله الضيف لهنة ، وليس لعبد الله بن سالم ولمحمد بن زياد في الصحيح غير هذا الحديث . وقال بعضهم : ورجال الإسناد كلهم شاميون وكلهم حمصيون إلا شيخ البخاري . ( قلت ) : شيخ البخاري أيضا أصله من دمشق . وهذا الحديث من أفراد البخاري . قوله عن أبي أمامة . وفي رواية أبي نعيم في المستخرج : سمعت أبا أمامة . قوله : ورأى سكة الواو فيه للحال ، والسكة بكسر السين المهملة ، وتشديد الكاف هي الحديدة التي يحرث بها . قوله : إلا أدخله الذال . وفي رواية الكشميهني إلا دخله الذل . وفي رواية أبي نعيم المذكورة : إلا أدخلوا على أنفسهم ذلا لا يخرج إلى يوم القيامة ووجه الذل ما يلزم الزارع من حقوق الأرض ، فيطالبهم السلطان بذلك . وقيل : إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن العدو ، وفي ترك الجهاد نوع ذل . وفي الحديث علامة النبوة ، قال ابن بطال : وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن من يأتي آخر الزمان يجورون في أخذ الصدقات والعشور ويأخذون في ذلك أكثر مما يجب لهم ؛ لأنه ذل لمن أخذ منه بغير الحق ، انتهى . ( قلت ) : قوة الذل وكثرته في الزراعين في أراضي مصر ، فإن أصحاب الإقطاعات يتسلطون عليهم ويأخذون منهم فوق ما عليهم بضرب وحبس وتهديد بالغ ، ويجعلونهم كالعبيد المشترين ، فلا يتخلصون منهم ، فإذا مات واحد منهم يقيمون ولده عوضه بالغصب والظلم ، ويأخذون غالب ما تركه ويحرمون ورثته . قوله : قال محمد هو محمد بن الزياد الراوي واسم أبي أمامة الذي روى عنه صدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين ، وتشديد الياء ابن عجلان بن وهب الباهلي نزل بحمص ، ومات في قرية يقال لها : دقوة ، على عشرة أميال من حمص سنة إحدى وثمانين وعمره إحدى وتسعون سنة ، وقد قيل إنه آخر من مات بالشام من الصحابة ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وحديث آخر في الأطعمة وآخر في الجهاد من قوله : يدخل في حكم المرفوع ، وفي بعض النسخ : قال أبو عبد الله : هو البخاري نفسه ، وهذا وقع للمستملي وحده .
باب المزارعة بالشطر ونحوه أي هذا باب في بيان حكم المزارعة بالشطر ، أي : بالنصف ، قال بعضهم : راعى المصنف لفظ الشطر لوروده في الحديث . وألحق غيره لتساويهما في المعنى ، ولولا مراعاة لفظ الحديث لكان قوله المزارعة بالجزء أخصر . ( قلت ) : قد يطلق الشطر ويراد به البعض ، فاختار لفظ الشطر لمراعاة لفظ الحديث ولكونه يطلق على البعض ، والبعض هو الجزء . ( فإن قلت ) : فعلى هذا لا حاجة إلى قوله ونحوه . ( قلت ) : إذا أريد بلفظ الشطر البعض يكون المراد بنحوه الجزء ، فلا يحتاج حينئذ إلى التعسف بالإلحاق ، فافهم . وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال : ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع قيس بن مسلم الجدلي أبو عمرو الكوفي ، مر في باب زيادة الإيمان ، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن الثوري ، قال : أخبرني قيس بن مسلم عن أبي جعفر به . قوله : أهل بيت هجرة أراد به المهاجرين . قوله : والربع الواو فيه بمعنى أو . وقال بعضهم : الواو عاطفة على الفعل لا على المجرور ، أي : يزرعون على الثلث ويزرعون على الربع . ( قلت ) : لا يقال الحرف يعطف على الفعل ، وإنما الواو هنا بمعنى أو كما قلنا ، فإذا خليناها على أصلها يكون فيه حذف ، تقديره : وإلا يزرعون على الربع ، ونقل ابن التين عن القابسي شيئين : أحدهما : أنه أنكر رواية قيس بن مسلم عن أبي جعفر ، وعلل بأن قيسا كوفي ، وأبا جعفر مدني ، ولم يروه عن قيس أحد من المدنيين ، ورد هذا بأن انفراد الثقة الحافظ لا يضر ، والآخر ذكر أن البخاري ذكر هذه الآثار في هذا الباب ليعلم أنه لم يصح في المزارعة على الجزء حديث مسند ، ورد عليه بأنه ذهل عن حديث ابن عمر الذي في آخر الباب ، وهو الذي احتج به من قال بالجواز . وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وصل تعليق علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صليع عنه أنه لم ير بأسا بالمزارعة على النصف . ووصل تعليق سعد بن مالك ، وهو سعد بن أبي وقاص وتعليق عبد الله بن مسعود الطحاوي قال : حدثنا فهد ، حدثنا محمد بن سعد ، أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر قال : سألت موسى بن طلحة عن المزارعة ، فقال : أقطع عثمان عبد الله أرضا ، وأقطع سعدا أرضا ، وأقطع خبابا أرضا ، وأقطع صهيبا أرضا ، فكل جاري فكانا يزرعان بالثلث والربع ، انتهى . وفيه خباب وصهيب أيضا ، ووصل تعليق عمر بن عبد العزيز بن أبي شيبة من طريق خالد الحذاء أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة أن يزارع بالثلث أو الربع . ووصل تعليق القاسم بن محمد عبد الرزاق قال : سمعت هشاما يحدث أن ابن سيرين أرسله إلى القاسم بن محمد يسأله عن رجل قال لآخر : اعمل في حائطي هذا ولك الثلث أو الربع ، قال : لا بأس ، قال : فرجعت إلى ابن سيرين ، فأخبرته ، فقال : هذا أحسن ما يصنع في الأرض . ووصل تعليق عروة بن الزبير بن العوام بن أبي شيبة قاله بعضهم ، ولم أجده . ووصل تعليق آل أبي بكر وآل عمر ، فوصله ابن أبي شيبة بسنده إلى أبي شيبة بسنده إلى أبي جعفر الباقر أنه سئل عن المزارعة بالثلث والربع ، فقال : إن نظرت في آل أبي بكر وآل عمر وجدتهم يفعلون ذلك . ( قلت ) : آل الرجل أهل بيته ؛ لأن الآل القبيلة ينسب إليها ، فيدخل كل من ينسب إليه من قبل آبائه إلى أقصى أب له في الإسلام الأقرب والأبعد . ووصل تعليق محمد بن سيرين بن سعيد بن منصور بإسناده عنه أنه كان لا يرى بأسا أن يجعل الرجل للرجل طائفة من زرعه أو حرثه على أن يكفيه مؤنتها والقيام عليها . وقال عبد الرحمن بن الأسود : كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي ، وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي هو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيس ، وهو أيضا أدرك جماعة من الصحابة . ووصل تعليقه ابن أبي شيبة ، وزاد فيه : واحمله إلى علقمة والأسود ، فلو رأيا به بأسا لنهياني عنه . وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده ، فله الشطر ، وإن جاؤوا بالبذر ، فلهم كذا هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد أن عمر - رضي الله تعالى عنه - أجلى أهل نجران واليهود والنصارى ، واشترى بياض أرضهم وكرومهم ، فعامل عمر الناس إن هم جاؤوا بالبقر والحديد من عندهم ، فلهم الثلثان ولعمر الثلث ، وإن جاء عمر بالبذر من عنده ، فله الشطر ، وعاملهم في النخل على أن لهم الخمس ، وله الباقي ، وعاملهم في الكرم على أن لهم الثلث وله الثلثين . وقال الحسن : لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما ، فينفقان جميعا ، فما خرج فهو بينهما الحسن هو البصري ، قال بعضهم : أما قول الحسن ، فوصله سعيد بن منصور نحوه . ( قلت ) : لم أقف على ذلك بعد الكشف . ورأى ذلك الزهري أي رأى محمد بن مسلم الزهري ما قاله الحسن البصري ، يعني : يذهب إليه فيه . وقال بعضهم : أما قول الزهري ، فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة نحوه . ( قلت ) : لم أجده عندهما . وقال الحسن لا بأس أن يجتنى القطن على النصف أن يجتنى من جنيت الثمرة إذا أخذتها من الشجرة . وقال ابن بطال : أما اجتناء القطن والعصفر ولقاط الزيتون والحصاد كل ذلك غير معلوم ، فأجازه جماعة من التابعين ، وهو قول أحمد بن حنبل قاسوه على القراض ؛ لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم لا يدري مبلغه ، ومنع من ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي ؛ لأنها عندهم إجارة بثمن مجهول لا يعرف . وقال إبراهيم وابن سيرين وعطاء والحكم والزهري وقتادة : لا بأس أن يعطي الثوب بالثلث أو الربع ونحوه إبراهيم هو النخعي وابن سيرين هو محمد بن سيرين ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، والحكم هو ابن عتيبة ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وقتادة هو ابن دعامة ، قالوا : لا بأس أن يعطى للنساج الغزل لينسجه ويكون ثلث المنسوج له والباقي لمالك الغزل ، وأطلق الثوب على الغزل مجازا . أما قول إبراهيم ، فوصله أبو بكر الأثرم من طريق الحكم أنه سأل إبراهيم عن الحواك يعطي الثوب على الثلث والربع ، فقال : لا بأس بذلك ، وأما قول ابن سيرين ، فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن عون : سألت محمدا هو ابن سيرين عن الرجل يدفع إلى النساج الثوب بالثلث أو بالربع أو بما تراضيا عليه ، فقال : لا أعلم به بأسا . وقال بعضهم : وأما قول عطاء والحكم ، فوصلهما ابن أبي شيبة . ( قلت ) : لم أجد ذلك عنده ، وأما قول الزهري ، فلم أقف عليه ، وأما قول قتادة ، فوصله ابن أبي شيبة بلفظ : أنه كان لا يرى بأسا أن يدفع الثوب إلى النساج بالثلث . وقال أصحابنا : من دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف ، فهذا فاسد ، فللحائك أجر مثله ، وفي المبسوط : حكى الحلواني عن أستاذه أبي علي أنه كان يفتي بجواز ذلك في دياره بنسف ؛ لأن فيه عرفا ظاهرا ، وكذا مشايخ بلخ يفتون بجواز ذلك في الثياب للتعامل ، وكذا قالوا : لا يجوز إذا استأجر حمارا يحمل طعاما بقفيز منه ؛ لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله ، فيصير في معنى قفيز الطحان ، وقد نهى عنه - صلى الله عليه وسلم وأخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري قال : نهى عن عسب الفحل ، وعن قفيز الطحان ، وتفسير قفيز الطحان أن يستأجر ثورا ليطحن له حنطة بقفيز من دقيقه ، وكذا إذا استأجر أن يعصر له سمسما بمن من دهنه أو استأجر امرأة لغزل هذا القطن ، أو هذا الصوف برطل من الغزل ، وكذا اجتناء القطن بالنصف ودياس الدخن بالنصف ، وحصاد الحنطة بالنصف ، ونحو ذلك ، وكل ذلك لا يجوز . وقال معمر : لا بأس أن تكون الماشية على الثلث أو الربع إلى أجل مسمى معمر بفتح الميمين ابن راشد . قوله : أن تكون الماشية ويروى : أن يكري الماشية ، وذلك أن يكري دابة تحمل له طعاما مثلا إلى مدة معينة على أن يكون ذلك بينهما أثلاثا أو أرباعا ، فإنه لا بأس ، وعندنا لا يجوز ذلك ، وعليه أجرة المثل لصاحب الدابة . 9 - حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما قال : أخبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ، فكان يعطي أزواجه مائة وسق ، ثمانون وسق تمر ، وعشرون وسق شعير ، فقسم عمر خيبر ، فخير أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع لهن من الماء والأرض ، أو يمضي لهن ، فمنهن من اختار الأرض ، ومنهن من اختار الوسق ، وكانت عائشة اختارت الأرض . مطابقته للترجمة في قوله : عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع وعبيد الله هو ابن عمر العمري ، والحديث من أفراده . قوله أخبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم ويروى : أخبره أن النبي - صلى الله عليه وسلم . قوله : عامل خيبر ، أي : أهل خيبر نحو : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي : أهل القرية . قوله : بشطر ، أي : بنصف ما يخرج منها . قوله : من ثمر بالثاء المثلثة إشارة إلى المساقاة . قوله : أو زرع إشارة إلى المزارعة . قوله : فكان يعطي أزواجه مائة وسق الوسق ستون صاعا بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الخراج ضبطه ابن التين الوسق بضم الواو . وقال غيره : هو بالفتح . قوله : ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير كذا هو ثمانون وعشرون في رواية الأكثرين . وفي رواية الكشميهني : ثمانين وعشرين ، وجه الرفع على تقدير : منها ثمانون وسق تمر ، فيكون ارتفاع ثمانون على الابتداء ، وخبره مقدما لفظ منها وكذلك الكلام في وعشرون ، أي : ومنها عشرون ، ووجه النصب على تقدير : أعني ثمانين وسق تمر وعشرين وسق شعير . وقال بعضهم : الرفع على القطع ، وثمانين على البدل ، ولا يصح شيء من ذلك يعرف بالتأمل ، ولفظ وسق في الموضعين منصوب على التمييز ، وكلاهما بالإضافة . قوله : فقسم عمر ويروى : وقسم بالواو . وقال بعضهم : وقسم عمر ، أي : خيبر ، وصرح بذلك أحمد في روايته ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر . ( قلت ) : في كثير من النسخ لفظ خيبر موجود ، فلا يحتاج إلى التفسير إلا في نسخة سقط منها هذا اللفظ . قوله : أن يقطع بضم الياء من الإقطاع بكسر الهمزة ، يقال : أقطع السلطان فلانا أرض كذا : إذا أعطاه وجعله قطيعة له . قوله : أو يمضي لهن ، أي : أو يجري لهن قسمتهن على ما كان في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان من التمر والشعير . ( ذكر ما يستفاد منه ) : هذا الحديث عمدة من أجاز المزارعة . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في كراء الأرض بالشرط والثلث والربع ، فأجاز ذلك علي وابن مسعود وسعد والزبير ، وأسامة وابن عمر ومعاذ وخباب ، وهو قول ابن المسيب وطاوس وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري ، وأبي يوسف ومحمد وأحمد ، وهؤلاء أجازوا المزارعة والمساقاة ، وكرهت ذلك طائفة ، روي عن ابن عباس وابن عمر وعكرمة والنخعي ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة والليث والشافعي ، وأبي ثور قالوا : لا تجوز المزارعة ، وهو كراء الأرض بجزء منها ، ويجوز عندهم المساقاة ، ومنعها أبو حنيفة وزفر ، فقالا : لا تجوز المزارعة ولا المساقاة بوجه من الوجوه ، وقالوا : المزارعة منسوخة بالنهي عن كراء الأرض بما يخرج ، وهي إجارة مجهولة ؛ لأنه قد لا تخرج الأرض شيئا ، وأدعوا أن المساقاة منسوخة بالنهي عن المزابنة ، وذكر الطحاوي حديث رافع نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزارعة ، وحديث ابن عمر : كنا لا نرى بأسا حتى زعم رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة ، ومثله نهى عن كراء الأرض ، وحديث ثابت بن الضحاك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزارعة ، وحديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من كانت له أرض ، فليزرعها ، أو ليزرعها أخاه ولا يؤاجرها ، وفي لفظ : من لم يدع المخابرة ، فليؤذن بحرب من الله عز وجل . وأجاب أبو حنيفة عن حديث الباب بأن معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة ، بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم والصلح ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ملكها غنيمة ، فلو كان أخذ كلها جاز وتركها في أيديهم بشطر ما يخرج منها فضلا ، وكان ذلك خراج مقاسمة ، وهو جائز كخراج التوظيف ، ولا نزاع فيه ، وإنما النزاع في جواز المزارعة والمعاملة وخراج المقاسمة أن يوظف الإمام في الخارج شيئا مقدرا عشرا أو ثلثا أو ربعا ، ويترك الأراضي على ملكهم منا عليهم ، فإن لم تخرج الأرض شيئا ، فلا شيء عليهم ، وهذا تأويل صحيح ، فإنه لم ينقل عن أحد من الرواة أنه تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم . وقال أبو بكر الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي : ومما يدل على أن ما شرط من نصف الثمر والزرع كان على وجه الجزية أنه لم يرو في شيء من الأخبار أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ منهم الجزية إلى أن مات ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله تعالى عنهما إلى أن أجلاهم ، ولو لم يكن ذلك لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية والخراج الموظف أن يجعل الإمام في ذمتهم بمقابلة الأرض شيئا من كل جريب يصلح للزراعة صاعا ودرهما . ( فإن قلت ) : روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم أراضي خيبر على ستة وثلاثين سهما ، وهذا على أنها ما كانت خراج مقاسمة . ( قلت ) : يجوز أنه - صلى الله عليه وسلم - قسم خراج الأراضي بأن جعل خراج هذه الأرض لفلان وخراج هذه لفلان . ( فإن قلت ) : روي أن عمر رضي الله تعالى عنه أجلى أهل خيبر ، ولم يعطهم قيمة الأراضي ، فدل ذلك على عدم الملك . ( قلت ) : يجوز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء ، وأعطاهم بعد ذلك . وفيه تخيير عمر رضي الله تعالى عنه أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن يقطع لهن من الأرض ، وبين إجرائهن على ما كن عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يملكهن ؛ لأن الأرض لم تكن موروثة عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فإذا توفين عادت الأرض والنخل على أصلها وقفا مسبلا ، وكان عمر يعطيهن ذلك ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ما تركت بعد نفقة نسائي ، فهو صدقة . وقال ابن التين : وقيل : إن عمر رضي الله عنه كان يقطعهن سوى هذه الأوسق اثني عشر ألفا لكل واحدة منهن وما يجري عليهن في سائر السنة .
باب ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة أي هذا باب في بيان ما كان ، أي : وجد . ووقع من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم . قوله : يواسي من المساواة ، وهي المشاركة في شيء بلا مقابلة مال ، وهي جملة وقعت حالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم 21 - حدثنا محمد بن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا الأوزاعي ، عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج قال : سمعت رافع بن خديج بن رافع ، عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير : لقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان بنا رافقا . قلت : ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم فهو حق ، قال : دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما تصنعون بمحاقلكم ؟ قلت : نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير ، قال : لا تفعلوا ، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها ، قال رافع : قلت : سمعا وطاعة . مطابقته للترجمة في قوله : أو أزرعوا ، يعني : أعطوها لغيركم يزرعها بغير أجرة ، وهذه هي المواساة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمد بن مقاتل ، وقد تكرر ذكره . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : أبو النجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة ، وتشديد الياء وتخفيفها واسمه عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج . الخامس : هو رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره جيم ابن رافع الأنصاري . السادس : ظهير بضم الظاء المعجمة وفتح الهاء مصغر ظهر ابن رافع الأنصاري عم رافع بن خديج . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين . وفيه : العنعنة في موضع . وفيه : السماع . وفيه : القول في موضع . وفيه : أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان ، والأوزاعي شامي ، والبقية مدنيون . وفيه : الأوزاعي عن أبي النجاشي عطاء . وروى الأوزاعي أيضا كما في ثاني أحاديث الباب معنى الحديث ، عن عطاء عن جابر ، وهو عطاء بن أبي رباح ، فكان الحديث عنده عن كل منهما بسنده . ووقع في رواية ابن ماجه من وجه آخر إلى الأوزاعي ، حدثني أبو النجاشي . وفيه : سمعت رافع بن خديج ، وأخرجه البيهقي من وجه آخر ، عن الأوزاعي ، حدثني أبو النجاشي قال : صحبت رافع بن خديج ست سنين . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في البيوع عن إسحاق بن منصور ، وعن أبي مسهر ، وأخرجه النسائي في المزارعة عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة به ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به . ( ذكر معناه ) : قوله : لقد نهانا بينه في آخر الحديث بقوله : لا تفعلوا ، فإنه نهى صريحا . قوله : رافقا ، أي : ذا رفق وانتصابه على أنه خبر كان ، واسمه الضمير الذي في كان الذي يرجع إلى قوله : أمر ويجوز أن يكون إسناد الرفق إلى الأمر بطريق المجاز . قوله : بمحاقلكم بمزارعكم جمع محقل من الحقل ، وهو الزرع . قوله : على الربع بضم الراء وسكون الباء وهي رواية الكشميهني . وفي رواية الأكثرين : على الربيع بفتح الراء وكسر الباء ، وهو النهر الصغير ، أي : على الزرع الذي هو عليه . وفي رواية المستملي : على الربيع بالتصغير . قوله : وعلى الأوسق جمع وسق وكلمة الواو بمعنى أو ، أي : أو الربيع ، وكذا الأوسق ، ويحتمل أن يكون عن مؤاجرة الأرض بالثلث أو الربع مع اشتراط صاحب الأرض أوسقا من الشعير ونحوه . قوله : ازرعوها بكسر الهمزة أمر من زرع يزرع ، يعني : ازرعوها بأنفسكم . قوله : أو أزرعوها بفتح الهمزة من الإزراع ، يعني : أزرعوها غيركم ، يعني : أعطوها لغيركم يزرعونها بلا أجرة ، وكلمة أو للتخيير لا للشك . وقيل : كلمة أو بمعنى الواو . ( قلت ) : بل هو تخيير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الأمور الثلاثة أن يزرعوا بأنفسهم أو يجعلوها مزرعة للغير مجانا أو يمسكوها معطلة . قوله : سمعا وطاعة بالنصب والرفع قاله الكرماني ، ولم يبين وجهه . ( قلت ) : أما النصب فعلى أنه مصدر لفعل محذوف تقديره : أسمع كلامك سمعا ، وأطيعك طاعة ، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : كلامك أو أمرك سمع ، أي : مسموع . وفيه مبالغة ، وكذلك التقدير في طاعة ، أي : أمرك طاعة ، يعني : مطاع أو أنت مطاع فيما تأمره . واحتج بالحديث المذكور قوم وكرهوا إجارة الأرض بجزء مما يخرج عنها ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب ذكر مجردا عقيب باب قطع الشجر النخيل .
22 - حدثنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا الأوزاعي ، عن عطاء ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف ، فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض ، فليزرعها أو ليمنحها ، فإن لم يفعل ، فليمسك أرضه . مطابقته للترجمة في قوله : أو ليمنحها ، فإن المنحة هي المواساة وعبيد الله بن موسى أبو محمد العبسي الكوفي ، والأوزاعي عبد الرحمن ، وعطاء هو ابن أبي رباح . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في البيوع عن الحكم بن موسى ، وأخرجه النسائي في المزارعة عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن دحيم . قوله : كانوا ، أي : الصحابة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم . قوله : بالثلث والربع والنصف ، أي : أو الربع أو النصف ، وكلمة الواو في الموضعين بمعنى أو . قوله : أو ليمنحها من منح يمنح من باب فتح يفتح إذا أعطى ، ومنح يمنح من باب ضرب يضرب ، والاسم المنحة بالكسر وهي العطية والمنيحة منحة اللبن كالناقة أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ، ثم يردها عليك ، واستمنحه طلب منحته . وروى مسلم من حديث مطر الوراق عن جابر بلفظ أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من كانت له أرض ، فليزرعها ، فإن عجز عنها ، فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها وبه احتج أيضا من كره إجارة الأرض بالثلث أو الربع ونحوهما .
وقال الربيع بن نافع أبو توبة : حدثنا معاوية ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض ، فليزرعها أو ليمنحها أخاه ، فإن أبى ، فليمسك أرضه . مطابقته للترجمة مثل الذي ذكرناه في الحديث السابق ، الربيع خلاف الخريف ابن نافع ضد الضار ، وأبو توبة كنيته بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفتح الباء الموحدة الحلبي الحافظ الثقة ، كان يعد من الأبدال مات سنة إحدى ، وأربعين ومائتين ، وكان سكن طرسوس ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الطلاق ومعاوية هو ابن سلام بتشديد اللام ، مر في الكسوف ، ويحيى هو ابن أبي كثير . والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن حسن الحلواني ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن إبراهيم بن سعيد الجوهري كلاهما عن أبي توبة به .
25 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما قال : كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى ، ثم خشي عبد الله أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه ، فترك كراء الأرض . ذكر البخاري هذا الحديث استظهارا لحديث رافع مع علمه بأن الأرض كانت تكرى على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه خشي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أحدث في ذلك ، أي : حكم بما هو ناسخ لما كان يعلمه من جواز ذلك فترك كراء الأرض . وهذا الحديث أخرجه مسلم ، وأبو داود والنسائي من طريق شعيب بن الليث عن أبيه موصولا ، وأوله : أن عبد الله كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج ينهى عن كراء الأرض ، فلقيه فقال : يا ابن خديج ، ما هذا ؟ قال : سمعت عمي وكانا قد شهدا بدرا يحدثان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض ، فقال عبد الله : قد كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى ، ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث في ذلك شيئا لم يكن علمه ، فترك كراء الأرض ، وقد احتج بهذا من كره إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .
24 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما كان يكري مزارعه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية ، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع ، فذهب ابن عمر إلى رافع ، فذهبت معه ، فسأله ، فقال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع ، فقال ابن عمر : قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الأربعاء وبشيء من التبن . مطابقته للترجمة تؤخذ من حيث إن رافع بن خديج لما روى النهي عن كراء المزارع يلزم منه عادة أن أصحاب الأرض إما يزرعون بأنفسهم أو يمنحون بها لمن يزرع من غير بدل ، فتحصل فيه المواساة ، وحماد هو ابن زيد ، وفي بعض النسخ هو مذكور باسم أبيه ، وأيوب هو السختياني . قوله : كان يكري بضم الياء من الإكراء . قوله : أبي بكر وعمر وعثمان ، أي : وفي عهد أبي بكر وعهد عمر وعهد عثمان ، والمراد أيام خلافتهم . ( فإن قلت ) : لم لم يذكر علي بن أبي طالب . ( قلت ) : لعله لم يزرع في أيامه ، وهذا أحسن من قول بعضهم ، وإنما لم يذكر ابن عمر عليا ؛ لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه ، وفي القلب من هذا حزازة . قوله : وصدرا . قوله : من إمارة معاوية بكسر الهمزة ، قال بعضهم : أي خلافته . ( قلت ) : هذا التفسير ليس بشيء ، وإنما قال في إمارته ؛ لأنه كان لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس ، ومعاوية لم يجتمع عليه الناس ، ولهذا لم يبايع لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما . قوله : ثم حدث على صيغة المجهول ، أي : ثم حدث ابن عمر ، أي : أخبر عن رافع ، وهكذا في رواية الأكثرين . وفي رواية الكشميهني : وحدث ، بفتح الحاء على صيغة المعلوم . وفي رواية ابن ماجه ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ، فأتاه إنسان ، فأخبره عن رافع الحديث . قوله : فذهبت معه القائل بهذا نافع ، أي : ذهبت مع ابن عمر . قوله : قد علمت بفتح التاء خطاب لرافع على الأربعاء جمع ربيع ، وهو النهر الصغير . وروى الطحاوي بمثله في معناه ، فقال : حدثنا ربيع الجيزي قال : حدثنا حسان بن غالب ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع أن رافع بن خديج أخبر عبد الله بن عمر ، وهو متكئ على يدي أن عمومته جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم رجعوا ، فقالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع ، فقال ابن عمر : قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة يكريها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن له ما في ربيع السواقي الذي تفجر منه الماء وطائفة من التبن ، ولا أدري ما هو انتهى حاصل حديث ابن عمر هذا أنه ينكر على رافع إطلاقه في النهي عن كراء الأراضي ، ويقول : الذي نهاه عنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - هو الذي كانوا يدخلون فيه الشرط الفاسد ، وهو أنهم يشترطون ما على الأربعاء وطائفة من التبن ، وهو مجهول ، وقد يسلم هذا ويصيب غيره آفة أو بالعكس ، فتقع المنازعة ، فيبقى المزارع أو رب الأرض بلا شيء ، وأما النهي عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها إذا كان ثلثا أو ربعا أو ما أشبه ذلك ، فلم يثبت .
23 - حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو قال : ذكرته لطاوس ، فقال : يزرع ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه ، ولكن قال : أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئا معلوما . قبيصة هو بفتح القاف وكسر الباء الموحدة ابن عقبة الكوفي ، وسفيان هو الثوري وعمرو هو ابن دينار . قوله ذكرته ، أي : قال عمرو ذكرت حديث رافع بن خديج المذكور آنفا لطاوس ، وهو الحديث الذي فيه النهي عن كراء الأرض . قوله : فقال يزرع ، أي : فقال طاوس يزرع بضم الياء من الإزراع ، يعني : يزرع غيره . قوله : قال ابن عباس إلى آخره في معرض التعليل من جهة طاوس ، يعني : لأن ابن عباس قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه ، أي : لم ينه عن الزرع ، يعني : لم يحرمه وصرح بذلك الترمذي ، فقال : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا الفضل بن موسى الشيباني ، حدثنا شريك ، عن شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم المزارعة ، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض ، ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقال : حديث رافع حديث فيه اضطراب ، يروى هذا الحديث عن رافع بن خديج عن عمومته ، وروي عنه عن ظهير بن رافع ، وهو أحد عمومته ، وقد روي عنه هذا الحديث على روايات مختلفة . وقال الخطابي : وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر ، وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما يخرج من الأرض ، فإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أراضيهم ، وأن يرفق بعضهم بعضا ، وقد ذكر رافع في رواية أخرى عنه في هذا الباب النوع الذي حرم منها والعلة من أجلها نهى عنها وذلك قوله : كان الناس يؤاجرون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - الماذيانات وإقبال الجداول ، وأسباع من الزرع ، فأعلمك في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم ، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا ، فيها شروطا ، فاسدة ، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواني والجداول ويكون خاصا لرب الأرض والمزارعة وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة ، وقد يسلم ما على السواني والجداول ويهلك سائر الزرع ، فيبقى المزارع لا شيء له ، وهذا خطر . قوله : ولكن قال ، أي : ابن عباس . قوله : أن يمنح أحدكم قد ذكرنا وجه هذا في لفظ باب الذي ذكر مجردا عقيب باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة ؛ لأنه روى عن ابن عباس هناك مثل هذا ، وقد أمعنا الكلام فيه .
باب قطع الشجر والنخل أي هذا باب في بيان حكم قطع الشجر والنخيل ، ولم يذكر حكمه اكتفاء بما في الحديث وحكمه أنه يجوز إذا كان القطع لمصلحة مثل إنكاء العدو ونحوه . وروى الترمذي من حديث سعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنهما - في قول الله تعالى : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا قال : اللينة : النخلة ، وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ قال : استنزلوهم من حصونهم ، قال : وأمروا بقطع النخل ، فحك في صدورهم ، قال المسلمون : قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا ، فلنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لنا فيما قطعنا من أجر ، وهل علينا فيما تركنا من وزر ، فأنزل الله عز وجل : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ الآية ، ويأتي عن البخاري الآن من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة . وقال الترمذي : وذهب قوم من أهل العلم إلى هذا الحديث ، ولم يروا بأسا بقطع الأشجار وتخريب الحصون ، وكره بعضهم ذلك ، وهو قول الأوزاعي ، قال الأوزاعي : نهى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يقطع شجرا مثمرا ، أو يخرب عامرا ، وعمل بذلك المسلمون بعده . وقال الشافعي : لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطع الأشجار والثمار . وقال أحمد : وقد يكون في مواضع لا يجدون منه بدا ، فأما بالعبث ، فلا يحرق . وقال إسحاق : التحريق سنة إذا كان إنكاء فيهم ، انتهى كلام الترمذي ، وذكر بعض أهل العلم أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قطع نخلهم ليغيظهم بذلك ونزل في ذلك وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ فكان قطع النخل وعقر الشجر خزيا لهم ، وحكى النووي في شرح مسلم ما حكاه الترمذي ، عن الشافعي أنه مذهب الجمهور والأئمة الأربعة . وقال ابن بطال : ذهب طائفة إلى أنه إذا رجى أن يصير البلد للمسلمين ، فلا بأس أن يترك ثمارهم . ( فإن قلت ) : روى النسائي من حديث عبد الله بن حبشي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ، وعن عروة مرفوعا نحوه مرسلا . ( قلت ) : كان عروة يقطعه من أرضه ، ويحمل الحديث على تقدير صحته ، أنه أراد سدر مكة . وقيل : صدر المدينة ؛ لأنه أنس وظل لمن جاءهما ، ولهذا كان عروة يقطعه من أرضه لا أنه كان يقطعه من الأماكن التي يستأنس بها ولا يستظل الغريب بها هو وبهيمته . وقال أنس أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنخل فقطع مطابقته للترجمة ظاهرة ويوضح الحكم الذي لم يذكر فيها ، وهو طرف من حديث طويل ، قد ذكره في باب نبش قبور الجاهلية بين أبواب المساجد في كتاب الصلاة . 7 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا جويرية ، عن نافع ، عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير مطابقته للترجمة ظاهرة ، وجويرية بن أسماء وعبد الله هو ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن إسحاق بن حيان . قوله بني النضير بفتح النون وكسر الضاد المعجمة ، وهم قوم من اليهود . وقال ابن إسحاق : قريظة والنضير والنحام وعمر وبنو الخزرج بن الصريح بن التومان بن السمط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تخوم بن عازر بن عذر بن هارون بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب ، وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم وسلامه . وقال ابن إسحاق لم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمير بن عمرو بن جحاش وأبو سعيد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها ، والنسبة إلى بني النضير النضيري ، ويقال : فيه النضري أيضا . قوله : وهي البويرة بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبالراء موضع معروف من بلد بني النضير . قوله : ولها ، أي : وللبويرة يقول حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي الأنصاري ، مات قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنه ، والبيت المذكور من المتواتر ، ولما أنشده حسان أجابه سفيان بن الحارث بقوله : أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير قوله : وهان ، وفي رواية القابسي هان بلا واو ، فيكون البيت مخروما . قوله : على سراة بفتح السين السادات ، وهو جمع السري على غير قياس . قوله : بني لؤي بضم اللام وفتح الهمزة مصغر لأي اسم رجل ، والمراد منهم : أكابر قريش . قوله : مستطير ، أي : منتشر .
باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله ، ولم يذكر أجلا معلوما ، فهما على تراضيهما أي هذا باب يذكر فيه إذا قال رب الأرض للمزارع أقرك ما أقرك الله ، أي : مدة إقرار الله تعالى إياك . قوله : ولم يذكر ، أي : والحال أن رب الأرض لم يذكر أجلا معلوما ، يعني : مدة معلومة . قوله : فهما ، أي : رب الأرض والمزارع على تراضيهما ، يعني : على ما تراضيا عليه . 20 - حدثنا أحمد بن المقدام قال : حدثنا فضيل بن سليمان قال : حدثنا موسى قال : أخبرنا نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الرزاق : قال : أخبرنا ابن جريج قال : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها ، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين ، وأراد إخراج اليهود منها ، فسألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نقركم بها على ذلك ما شئنا ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء ، وأريحاء . مطابقته للترجمة في قوله : نقركم بها على ذلك ما شئنا . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : أحمد بن المقدام بكسر الميم ابن سليمان أبو الأشعث العجلي . الثاني : فضيل مصغر فضل بن سليمان النميري ، مضى في الصلاة . الثالث : موسى بن عقبة بن أبي عياش . الرابع : نافع مولى ابن عمر . الخامس : عبد الله بن عمر . السادس : عبد الرزاق بن همام الحميري . السابع : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : القول في ثلاثة مواضع . وفيه : أن شيخه من أفراده ، وأنه وفضيل بن سليمان بصريان ، وأن موسى بن عقبة مدني ، وأن عبد الرزاق يمامي ، وأن ابن جريج مكي ، وأن نافعا مدني . وفيه : أنه أخرجه موصولا من طريق فضيل ومعلقا من طريق ابن جريج ، وأنه ساقه على لفظ الرواية المعلقة ، وأخرج المعلق مسندا في كتاب الخمس ، فقال : حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا الفضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، وطريق ابن جريج أخرجه مسلم رضي الله عنه في البيوع ، عن محمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن عبد الرزاق به . ( ذكر معناه ) : قوله : أجلى قال الهروي : جلا القوم عن مواطنهم ، وأجلى بمعنى واحد ، والاسم الجلاء والإجلاء ، يقال : جلا عن الوطن يجلو جلاء ، وأجلى يجلي إجلاء : إذا خرج مفارقا ، وجلوته أنا وأجليته وكلاهما لازم ومتعد . قوله : من أرض الحجاز قال الواقدي : الحجاز من المدينة إلى تبوك ، ومن المدينة إلى طريق الكوفة ، ومن وراء ذلك إلى مشارق أرض البصرة ، فهو نجد ، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد ، وما كان من وراء وجرة إلى البحر ، فهو تهامة ، وما كان بين تهامة ونجد ، فهو حجاز ، وإنما سمي حجازا ؛ لأنه يحجز بين تهامة ونجد . وقال الكرماني : الحجاز هو مكة والمدينة واليمن ومخاليفها وعمارتها . ( قلت ) : لم أدر من أين أخذ الكرماني أن اليمن من الحجاز ، نعم هي من جزيرة العرب ، قال المديني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ، ونجد ، وحجاز ، وعروض ، ويمن ، ولم يذكر أحد أن اليمن من أرض الحجاز . قوله : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى آخره موصولا لابن عمر . قوله : لما ظهر ، أي : غلب . قوله : لله ولرسوله وللمسلمين كذا في الأصول ، وكذا عند ابن السكن عن الفربري . وفي رواية فضيل بن سليمان التي تأتي : وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين ، ووفق المهلب بين الروايتين بأن رواية ابن جريج محمولة على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصلح ، ورواية فضيل محمولة على الحال التي كانت قبل ، وذلك أن خيبر فتح بعضها صلحا وبعضها عنوة ، فالذي فتح عنوة كان جميعه لله ولرسوله وللمسلمين ، والذي فتح صلحا كان لليهود ، ثم صار للمسلمين بعقد الصلح . قوله : ليقرهم ، أي : ليسكنهم . قوله : أن يكفوا بها ، أي : بأن يكفوا بها ، وكلمة أن مصدرية تقديره : لكفاية عمل نخيلاتها ومزارعها والقيام بتعهدها وعمارتها . وفي رواية أحمد عن عبد الرزاق أن يقرهم بها على أن يكفوا ، أي : على كفايتها . قوله : على ذلك ، أي : على ما ذكر من كفاية العمل ونصف الثمر لهم . قوله : فقروا بها بفتح القاف ، أي : سكنوا بها ، أي : بخيبر ، وضبطه بعضهم بضم القاف وله وجه . قوله : إلى تيماء وأريحاء تيماء بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف ، وبالمد من أمهات القرى على البحر من بلاد طيئ ، ومنها يخرج إلى الشام قاله ابن قرقول ، وفي المغرب : تيماء موضع قريب من المدينة ، وأريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها حاء مهملة وبالمد ويقال لها أريح أيضا ، وهي قرية بالشام قاله البكري ، سميت بأريحاء بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام . ( ذكر ما يستفاد منه ) : قال القرطبي : تمسك بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول بقوله نقركم بها على ذلك ما شئنا ، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا لأجل معلوم ، قالوا : وهذا الكلام كان جوابا لما طلبوا حين أراد إخراجهم منها ، فقالوا : نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل ، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته وبعد ذلك عاملهم على المساقاة ، وقد دل على ذلك قول عمر رضي الله تعالى عنه عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على شطر ما يخرج منها ، ففرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح ، وزعم النووي أن المساقاة جازت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة في أول الإسلام ، يعني : بغير أجل معلوم قال : وقال أبو ثور : إذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة . قال ابن بطال : وهو قول محمد بن الحسن . ( قلت ) : ليس هذا قول محمد بن الحسن ، وهذا غلط وإنما هو قول محمد بن سلمة ، فإنه قال تجوز المزارعة بلا بيان المدة ، فكذلك المساقاة تجوز لأنها كالمزارعة . وقال صاحب الهداية : وشرط بيان المدة في المساقاة لأنها كالمزارعة ، وكل واحد منهما كالإجارة ، فلا يجوز إلا ببيان المدة ، فإذا لم يبينا لم تجز ، وبه قال الشافعي وأحمد ، إلا أنه ينبغي أن يكون أقل المدة ما يمكن إدراك الثمرة فيه ، وبه قال أحمد . واختلفت أقوال الشافعي في أكثر مدة الإجارة والمساقاة ، فقال في موضع : سنة . وقال في موضع إلى ثلاثين سنة . وقال ابن قدامة في المغني : وهذا تحكم . وقال في موضع إلى ما شاء وبه قال أحمد . وقال أصحابنا في الاستحسان : إذا لم يبين المدة يجوز ، ويقع على أول ثمر يخرج في تلك السنة . ( فإن قلت ) : قد ذكرت الآن إذا لم يبينا المدة لم يجز ، وهنا تقول يجوز . ( قلت ) : ذاك قياس ، وهذا استحسان ويقع العقد على أول ثمرة تخرج في تلك السنة ؛ لأن لإدراكها وقتا معلوما وإن تأخر أو تقدم ، فذلك يسير ، فلا يقع بسببه المنازعة عادة بخلاف الزرع ، فإنه لا يجوز بلا ذكر المدة قياسا ، واستحسانا ؛ لأن ابتداءه يختلف كثيرا خريفا وصيفا وربيعا ، فتقع الجهالة في الابتداء ، والانتهاء بناء عليه ، ولو لم تخرج الثمرة في المساقاة في أول السنة التي وقع العقد فيها بدون ذكر المدة تبطل المساقاة ، وفي التوضيح : كل من أجاز المساقاة ، فإنه أجازها إلى أجل معلوم إلا ما ذكر ابن المنذر عن بعضهم أنه يؤول الحديث على جوازها بغير أجل ، وأئمة الفتوى على خلافه ، وأنها لا تجوز إلا بأجل معلوم . وقال مالك : الأمر عندنا في النخل تساقى السنتين والثلاث والأربع والأقل والأكثر ، وأجازها أصحابه في عشر سنين ، فما دونها . وقال القرطبي : فإن قيل لم ينص ابن عمر ولا غيره على مدة معلومة ممن روى هذه القصة ، فمن أين لكم اشتراط الأجل ، فالجواب أن الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : أقركم ما أقره الله لا يوجب فساد عقده ويوجب فساد عقد غيره بعده ؛ لأنه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها ، فكان بقاء حكمه موقوفا على تقرير الله تعالى له ، فإذا شرط ذلك في عقده لم يوجب فساده ، وليس كذلك صورته من غيره ؛ لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت . وفيه مساقاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - على نصف الثمر تقتضي عموم الثمر ، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها ، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي ، وأبي يوسف وبه قال أحمد وإسحاق ، وأبو ثور . وقال الشافعي : لا يجوز إلا في النخل والكرم خاصة ، وجوزها في القديم في سائر الأشجار المثمرة . وقال أصحابنا : تجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب ، وأصول الباذنجان ، ولم يجوز الشافعي قولا واحدا في الرطاب . وقال داود : لا يجوز إلا في النخل خاصة ، وعن مالك جواز المساقاة في المقاثي والبطيخ والباذنجان . وفيه : إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه اليهود من الحجاز ؛ لأنه لم يكن لهم عهد من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بقائهم في الحجاز دائما بل كان ذلك موقوفا على مشيئته ، ولما عهد - صلى الله تعالى عليه وسلم - عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب وانتهت النوبة إلى عمر رضي الله تعالى عنه أخرجهم إلى تيماء ، وأريحاء بالشام .
باب أي هذا باب فيه ذكر حديث ، وكذا وقع بغير ترجمة عند الجميع ، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله . 8 - حدثنا محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال : سمع رافع بن خديج قال : كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا ، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض ، قال : فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك ، فنهينا ، وأما الذهب والورق ، فلم يكن يومئذ . قيل : لا وجه لإدخال هذا الحديث في هذا الباب ، ولعل الناسخ غلط ، فكتبه في غير موضعه ، وأجيب بأن له وجها لعل وجهها من حيث إن من اكترى أرضا لمدة ، فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء ، فإذا تمت المدة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما ، فهذا من باب إباحة قطع الشجر . ( قلت ) : هذا المقدار كاف في طلب المطابقة في ذكر متن الحديث هنا . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد بن مقاتل . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري . الرابع : حنظلة بن قيس الزرقي بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف الأنصاري . الخامس : رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم ابن رافع الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضعين . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : السماع . وفيه : أن شيخه وشيخ شيخه رازيان ويحيى وحنظلة مدنيان . وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وفيه : أن شيخه من أفراده ، وأنه ذكر مجردا عن النسبة وكذلك عبد الله ذكر مجردا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن صدقة عن سفيان بن عيينة ، وفي الشروط عن مالك بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عمرو الناقد عن سفيان ، وعن أبي الربيع ، وعن أبي موسى ، وأخرجه أبو داود فيه عن إبراهيم بن موسى الرازي ، وعن قتيبة عن الليث ، وعن قتيبة عن مالك ، وأخرجه النسائي في المزارعة عن مغيرة بن عبد الرحمن ، وعن عمرو بن علي ، وعن يحيى بن حبيب ، وعن محمد بن عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة به . ( ذكر معناه ) : قوله : مزدرعا نصب على التمييز والمزدرع مكان الزرع ويجوز أن يكون مصدرا ، أي : كنا أكثر أهل المدينة زرعا ، والمزدرع أصله المزترع ؛ لأنه من باب الافتعال ، ولكن قلب التاء دالا ؛ لأن مخرج التاء لا يوافق الزاي لشدتها . قوله : نكري الأرض بضم النون من الإكراء . قوله : مسمى القياس فيه مسماة ؛ لأنه حال من الناحية ولكن ذكر باعتبار أن ناحية الشيء بعضه ، ويجوز أن يكون التذكير باعتبار الزرع ، ويروى تسمى بلفظ الفعل ، وهو أيضا حال . قوله : لسيد الأرض ، أي : مالكها جعل الأرض كالعبد المملوك ، وأطلق السيد عليه . قوله : قال ، أي : رافع بن خديج . قوله : فمما يصاب ذلك ، أي : فكثيرا ما يصاب ذلك البعض ، أي : يقع له مصيبة ويصير مؤوفا ، فيتلف ذلك ويسلم باقي الأرض وبالعكس تارة ، وهو معنى . قوله ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك ، أي : البعض . وفي رواية الكشميهني ، فمهما في الموضعين ورواية الأكثرين أولى ؛ لأن مهما يستعمل لأحد معان ثلاثة أحدها يتضمن معنى الشرط ، فيما لا يعقل غير الزمان ، والثاني الزمان والشرط ، والزمخشري ينكر ذلك ، والثالث الاستفهام ولا يناسب مهما هنا إلا بالتعسف يعلم ذلك من يتأمل فيه ، وأما من لا عربية له ، فلا يفهم من ذلك شيئا . وقال الكرماني : يحتمل أن يكون مهما بمعنى ربما ؛ لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ، سيما ومن التبعضية تناسب رب التقليلية ، وعلى هذا الاحتمال لا يحتاج أن يقال : إن لفظ ذلك من باب وضع المظهر موضع المضمر . قوله : فنهينا على صيغة المجهول ، أي : نهينا عن هذا الإكراء على هذا الوجه ؛ لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين ، فيؤدي إلى الأكل بالباطل . قوله : والورق بكسر الراء هو الفضة . وفي رواية الكشميهني الفضة عوض الورث . قوله : فلم يكن يومئذ ، يعني : فلم يكن الذهب والفضة يكرى بهما ، لا أن معناه : فليس الذهب والفضة موجودين . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : أن إكراء الأرض بجزء منها ، أي : بجزء مما يخرج منها منهي عنه ، وهو مذهب عطاء ومجاهد ومسروق والشعبي وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد وبه قال أبو حنيفة ومالك وزفر واحتجوا في ذلك بحديث رافع بن خديج المذكور . واحتجوا أيضا بما أخرجه الطحاوي : حدثنا يونس قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن يسار ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليزرعها أخاه ولا يكريها بالثلث ولا بالربع ولا بطعام مسمى ، وأخرجه مسلم أيضا وبما رواه البخاري أيضا عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل إلى آخره ، وسيأتي بعد عشرة أبواب ، وبما رواه مسلم من حديث عبد الله بن السائب قال : سألت عبد الله بن مغفل عن المزارعة ، فقال : أخبرني ثابت بن الضحاك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزارعة ، وبما رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث جابر بن عبد الله ، وسيأتي أيضا هذا بعد أبواب ، وبما رواه البخاري ومسلم من حديث سالم أن عبد الله بن عمر قال : كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى ، الحديث . وسيأتي هذا أيضا بعد أبواب إن شاء الله تعالى . ولما كانت أحاديث هؤلاء الأربعة مختلفة الألفاظ ومتباينة المعاني ؛ كثرت فيه مذاهب الناس ، وأقوال العلماء ، قال أبو عمر : لا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال ؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئة ، وكذلك لا يجوز كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما ولا مشروبا سوى الخشب والقصب والحطب ؛ لأنه في معنى المراقبة ، هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقال القاضي عياض : اختلف الناس في منع كراء الأرض على الإطلاق ، فقال به طاوس والحسن أخذا بظاهر النهي عن المحاقلة ، وفسرها الراوي بكراء الأرض فأطلق . وقال جمهور العلماء : إنما يمنع على التقييد دون الإطلاق ، واختلفوا في ذلك ، فعندهما أن كراءها بالجزء لا يجوز من غير خلاف ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي . وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيها بالقراض ، وأما إكراءها بالطعام مضمونا في الذمة ، فأجازه أبو حنيفة والشافعي . وقال ابن حزم : وممن أجاز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وسعد وابن مسعود وخباب وحذيفة ومعاذ رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن موسى وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي ، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المنذر ، واختلف فيها عن الليث ، وأجازها أحمد وإسحاق إلا أنهما قالا : إن البذر يكون من عند صاحب الأرض ، وإنما على العامل البقر والآلة والعمل ، وأجازه بعض أصحاب الحديث ، ولم يبال ممن جعل البذر منهما .
باب من أحيا أرضا مواتا أي هذا باب في بيان حكم من أحيى أرضا مواتا بفتح الميم وتخفيف الواو ، وهو الأرض الخراب ، وعن الطحاوي هو ما ليس بملك لأحد ولا هو من مرافق البلد ، وكان خارج البلد سواء قرب منه أو بعد في ظاهر الرواية ، وعن أبي يوسف أرض الموات هي البقعة التي لو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بأعلى صوته لم يسمعه أقرب من في العامر إليه . وقال القزاز : الموات : الأرض التي لم تعمر ، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة ، وإحياء الموات : أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد ، فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء ، فيصير بذلك ملكه سواء فيما قرب من العمران أم بعد ، وسواء أذن له الإمام بذلك أم لم يأذن عند الجمهور . وعند أبي حنيفة : لا بد من إذن الإمام مطلقا . وعند مالك : فيما قرب وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه ، وعن قريب يأتي بسط الكلام فيه ، إن شاء الله تعالى . ورأى ذلك علي في أرض الخراب بالكوفة موات أي رأى الإحياء علي بن أبي طالب في أرض الخراب بالكوفة ، هكذا وقع في رواية الأكثرين . وفي رواية النسفي : في أرض الموات . وقال عمر : من أحيا أرضا ميتة فهي له هذا التعليق وصله مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه مثله . وروى أبو عبيد بن سلام في كتاب الأموال بإسناده ، عن محمد بن عبد الله الثقفي ، قال : كتب عمر بن الخطاب أن من أحيى مواتا ، فهو أحق به ، وعن العباس بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال : من أحيى أرضا مواتا ليس في يد مسلم ولا معاهد ، فهي له ، وعن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : كان الناس يتحجرون على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه ، فقال : من أحيى أرضا ، فهي له ، قال يحيى : كأنه لم يجعلها له بالتحجير حتى يحييها ، وفي لفظ : وذلك أن قوما كانوا يتحجرون أرضا ، ثم يدعونها ولا يحيونها ، وعن عمرو بن شعيب قال : أقطع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ناسا من مزينة أو جهينة أرضا ، فعطلوها ، فجاء قوم فأحيوها ، فقال عمر رضي الله عنه : لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر رضي الله عنه لرددتها ، ولكن من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : وقال عند ذلك : من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمر ، فجاء غيره فعمرها ، فهي له ، وفي لفظ : حتى يمضي ثلاث سنين ، فأحياها غيره ، فهو أحق بها . قوله : ميتة قال شيخنا : هو بتشديد الياء ، وأصله ميوتة ، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، ولا يقال : هنا أرضا ميتة بالتخفيف ؛ لأنه لو خففت لحذف التأنيث كما قال الجوهري : إنه يستوي فيه المذكر والمؤنث ، قال الله تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ولم يقل ميتة . 16 - ويروى عن عمر وابن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم . أي يروى عن عمرو بن عوف بن يزيد المزني الصحابي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله . وقال في غير حق مسلم ، وليس لعرق ظالم فيه حق أي قال عمرو بن عوف المذكور ، وأشار به إلى أنه زاده . وقال : من أحيى أرضا ميتة في غير حق مسلم ، فهي له ، وليس لعرق ظالم فيه حق ، ووصله الطبراني وابن عدي والبيهقي من رواية كثير بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق . وفي رواية له : من أحيى مواتا من الأرض في غير حق مسلم ، فهو له ، وليس لعرق ظالم حق ، ورواه أيضا إسحاق بن راهويه قال : أخبرنا أبو عامر العقدي ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، حدثني أبي أن أباه حدثه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أحيى أرضا مواتا من غير أن يكون فيها حق مسلم ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق ، وكثير هذا ضعيف ، وليس لجده عمرو بن عوف في البخاري غير هذا الحديث ، وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري الذي يأتي حديثه في الجزية وغيرها . وقال الكرماني عقيب قوله وقال أي عمرو ، وفي بعض الروايات عمر ، أي : ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وابن عوف ، أي : عبد الرحمن ، ثم قال : فإن قلت : فذكر عمر يكون تكرارا . ( قلت ) : فيه فوائد : الأولى أنه تعليق بصيغة القوة ، وهذا بصيغة التمريض ، وهو بدون الزيادة ، وهذا معها ، وهو غير مرفوع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهذا مرفوع انتهى . ( قلت ) : عمر هنا بدون الواو ، يعني : عمر بن الخطاب ، قالوا : إنه تصحيف ، فلما جعلوا عمر بدون الواو جعلوا الواو واو عطف ، وقالوا : وابن عوف ، وأرادوا به عبد الرحمن بن عوف ، وذكر الكرماني ما ذكره ، ثم ذكر فيه فوائد الأولى المذكورة ، فلا حاجة إليها ؛ لأن ما ذكره ليس بصحيح في الأصل ، ومع هذا هو قال في آخر كلامه : والصحيح هو الأول ، يعني : أنه عمرو بالواو ، وهو ابن عوف المزني ، لا أنه عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف . قوله : وليس لعرق ظالم فيه حق روى لعرق بالتنوين وبالإضافة ، أي : من غرس في أرض غيره بدون إذنه ، فليس له في الإبقاء فيها حق ، فإن أضيف فالمراد بالظالم الغارس ، وسمي ظالما ؛ لأنه تصرف في ملك الغير بلا استحقاق ، وإن وصف به فالمغروس سمي به ؛ لأنه الظالم ، أو لأن الظلم وصل به على الإسناد المجازي . وقيل : معناه : لعرق ذي ظلم ، قال ابن حبيب : بلغني عن ربيعة أنه قال : العرق الظالم عرقان ، ظاهر وباطن ، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار ، والظاهر الغرس ، وعنه العروق أربعة : عرقان فوق الأرض وهما الغرس والنبات ، وعرقان في جوفها المياه والمعادن ، وفي المعرفة للبيهقي قال الشافعي : جماع العرق الظالم كل ما حفر أو غرس أو بني ظلما في حق امرئ بغير خروجه منه ، وفي كتاب الخراج لابن آدم عن الثوري وسئل عن العرق الظالم ، فقال : هو المنتزى . ( قلت ) : من انتزى على أرضي إذا أخذها ، وهو من باب الافتعال من النزو بالنون والزاي ، وهو الوثبة . وعند النسائي عن عروة بن الزبير هو الرجل يعمل الأرض الخربة وهي للناس ، وقد عجزوا عنها ، فتركوها حتى خربت .
ويروى فيه عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم . أي يروى في هذا الباب عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم . قال الكرماني : وإنما لم يذكر المروي بعينه ؛ لأنه ليس بشرطه بل ليس صحيحا عنده ، ولهذا قال : يروى ممرضا . ( قلت ) : نفس الحديث صحيح ، رواه الترمذي ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب عن هشام بن عروة ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، ثم قال : هذا حديث حسن صحيح ، وأخرجه النسائي أيضا عن محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم ، عن الثقفي ، وعن علي بن مسلم ، عن عباد بن عباد ، عن هشام بن عروة ، ولفظه : من أحيى أرضا ميتة ، فله فيها أجر ، وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة . وروى الترمذي أيضا من حديث سعيد بن زيد ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، وأخرجه أبو داود أيضا . وروى أبو داود أيضا من حديث سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أحاط حائطا على أرض ، فهي له . وروى ابن عدي من حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أحيى أرضا ميتة ، فهو أحق بها ، وإسناده ضعيف . وروى ابن عدي أيضا من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من عمر أرضا خرابا ، فأكل منها سبع أو طائر أو شيء كان له ذلك صدقة ، وفي إسناده سلمة بن سليمان الضبي ، قال ابن عدي : منكر الحديث عن الثقات . وروى الطبراني في الأوسط من حديث مروان بن الحكم قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، ومن أحاط على حائط ، فهو له . وروى الطبراني أيضا فيه من حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حق . وروى أبو داود من حديث أسمر بن مضرس من رواية عقيلة بنت أسمر ، عن أبيها قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم ، فهو له .
17 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعمر أرضا ليست لأحد ، فهو أحق . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، واسم أبي جعفر يسار الأموي القرشي المصري ، ومحمد بن عبد الرحمن أبو الأسود يتيم عروة بن الزبير ، وقد تقدما في الغسل ونصف الإسناد الأول مصريون ، والنصف الثاني مدنيون . وهذا الحديث من أفراده . قوله : أعمر بفتح الهمزة من باب الأفعال من الثلاثي المزيد فيه . وقال عياض : كذا وقع ، والصواب عمر ثلاثيا ، قال تعالى : وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وكذا قال في المطالع . وقال ابن بطال : ويحتمل أن يكون أصله من اعتمر أرضا ، وسقطت التاء من الأصل . ( قلت ) : لا حاجة إلى هذا الكلام مع ما فيه من توهم الغلط ؛ لأن صاحب العين ذكر أعمرت الأرض . وقال غيره : يقال : أعمر الله باب منزلك ، فالمراد من أعمر أرضا بالإحياء ، فهو أحق ، أي : أحق به من غيره وإنما حذف هذا الذي قدرناه للعلم به . ووقع في رواية أبي ذر : من أعمر على بناء المجهول ، أي : من أعمره غيره ، فالمراد من الغير الإمام ، وهذا يدل على أن إذن الإمام لا بد منه . ووقع في جمع الحميدي : من عمر ثلاثيا ، وكذا وقع عند الإسماعيلي من وجه آخر ، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه . قوله : فهو أحق زاد الإسماعيلي : فهو أحق بها ، أي : من غيره ، واحتج به الشافعي ، وأبو يوسف ومحمد على أنه لا يحتاج فيه إلى إذن الإمام ، فيما قرب وفيما بعد ، وعن مالك فيما قرب لا بد من إذن الإمام وإن كان في فيافي المسلمين والصحارى ، وحيث لا يتشاح الناس فيه فهي له بغير إذنه . وقال أبو حنيفة : ليس لأحد أن يحيي مواتا إلا بإذن الإمام ، فيما بعدت وقربت ، فإن أحياه بغير إذنه لم يملكه ، وبه قال مالك في رواية ، وهو قول مكحول وابن سيرين وابن المسيب والنخعي . واحتج أبو حنيفة بقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : لا حمى إلا لله ولرسوله في الصحيحين ، والحمى : ما حمي من الأرض ، فدل أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم . ( فإن قلت ) : احتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان ، فإنهم اتفقوا على أن ما أخذه أو صاده ملكه سواء قرب أو بعد وسواء أذن الإمام أم لم يأذن . ( قلت ) : هذا قياس بالفارق ، فإن الإمام لا يجوز له تمليك ماء نهر لأحد ولو ملك رجلا أرضا ملكه ولو احتاج الإمام إلى بيعها في نوائب المسلمين جاز بيعه لها ، ولا يجوز ذلك في مائهم ولا صيدهم ولا نهرهم ، وليس للإمام بيعها ولا تمليكها لأحد وإن الإمام فيها كسائر الناس ، واحتج بعضهم لأبي حنيفة بحديث معاذ يرفعه إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه . ( قلت ) : هذا رواه البيهقي من حديث بقية عن رجل لم يسمه عن مكحول عنه . وقال : هذا منقطع فيما بين مكحول ومن فوقه . وفيه رجل مجهول ولا حجة في مثل هذا الإسناد . ( فإن قلت ) : رواه ابن خزيمة من حديث عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ . ( قلت ) : قال عمرو متروك باتفاق . وأجيب عن أحاديث الباب بأنه يحتمل أن يكون معناها من أحياها على شرائط الإحياء ، فهي له ، ومن شرائطه تحظيرها وإذن له في ذلك وتمليكه إياها ويؤيد هذا ما رواه أحمد عن سمرة بن جندب ، وقد ذكرناه عن قريب ، وعن الطحاوي عن محمد بن عبيد الله بن سعيد أبي عون الثقفي الأعور الكوفي التابعي قال : خرج رجل من أهل البصرة ، يقال له أبو عبد الله إلى عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال : إن بأرض البصرة أرضا لا تضر بأحد من المسلمين ، وليس بأرض خراج ، فإن شئت أن تقطعنيها اتخذها قضبا وزيتونا ، فكتب عمر إلى أبي موسى إن كانت حمى ، فاقطعها إياه ، أفلا ترى أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يجعل له أخذها ولا جعل له ملكها إلا بإقطاع خليفة ذلك الرجل إياها ولولا ذلك لكان يقول له وما حاجتك إلى إقطاعي إياك تحميها وتعمرها ، فتملكها ، فدل ذلك أن الإحياء عند عمر رضي الله تعالى عنه هو ما أذن الإمام فيه للذي يتولاه ويملكه إياه ، قال الطحاوي : وقد دل على ذلك أيضا ما حدثنا ابن مرزوق قال : حدثنا أزهر السمان عن ابن عون ، عن محمد قال : قال عمر رضي الله عنه لنا رقاب الأرض ، فدل ذلك على أن رقاب الأرضين كلها إلى أئمة المسلمين ، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا بإخراجهم إياها إلى من رأوا على حسن النظر منهم للمسلمين إلى عمارة بلادهم وصلاحها ، قال الطحاوي : وهذا قول أبي حنيفة وبه نأخذ . قال عروة : قضى به عمر رضي الله عنه في خلافته أي قال عروة بن الزبير بن العوام قضى بالحكم المذكور ، وهو أن من أحيى أرضا ميتة ، فهي له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في أيام خلافته ، وقد تقدم في أول الباب عن عمر رضي الله تعالى عنه : من أحيى أرضا ميتة ، فهي له ، وقد ذكرنا أن مالكا وصله ، وهذا قوله ، والذي رواه عروة فعله ، وفي كتاب الخراج ليحيى بن آدم من طريق محمد بن عبيد الله الثقفي قال : كتب عمر بن الخطاب من أحيى مواتا من الأرض ، فهو أحق به . وروى من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أو غيره أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها ، فجاء غيره فعمرها ، فهي له ، وعنه قال أصحابنا : إنه إذا حجر أرضا ، ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره ؛ لأن التحجير ليس بإحياء ليتملكها به ؛ لأن الإحياء هو العمارة ، والتحجير للإعلام ، وذكر في المحيط أنه يصير ملكا للمحجر ، وذكر خواهر زاده أن التحجير يفيد ملكا مؤقتا إلى ثلاث سنين ، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد ، والأصل عندنا أن من أحيى مواتا هل يملك رقبتها ، قال بعضهم : لا يملك رقبتها وإنما يملك استغلالها ، وبه قال الشافعي في قول . وعند عامة المشايخ : يملك رقبتها ، وبه قال مالك ، وأحمد والشافعي في قول ، وثمرة الخلاف فيمن أحياها ثم تركها ، فزرعها غيره ، فعلى قول البعض : الثاني أحق بها ، وعلى قول العامة : الأول ينزعها من الثاني ، كمن أخرب داره أو عطل بستانه وتركه حتى مرت عليه سنون ، فإنه لا يخرج عن ملكه ولكن إذا حجرها ولم يعمرها ثلاث سنين يأخذها الإمام كما ذكرنا ، وتعيين الثلاث بأثر عمر رضي الله تعالى عنه ، ثم عندنا يملكه الذمي بالإحياء كالمسلم ، وبه قال مالك ، وأحمد في رواية . وقال الشافعي ، وأحمد في رواية : لا يملكه في دار الإسلام ، وسواء في ذلك الحربي والذمي والمستأمن ، واستدل الشافعي بحديث أسمر بن مضرس ، وقد ذكرناه عن قريب ، واستدل أصحابنا بعموم الأحاديث الواردة في هذا الباب ، وحكى الرافعي عن الأستاذ أبي طاهر أن الذمي يملك بالإحياء إذا كان بإذن الإمام .
باب ما جاء في الغرس أي هذا باب يذكر فيه ما جاء في غرس ما يغرس من أصول النباتات . 28 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا يعقوب ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أنه قال : إنا كنا نفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز تأخذ من أصول سلق لنا كنا نغرسه في أربعائنا ، فتجعله في قدر لها ، فتجعل فيه حبات من شعير لا أعلم إلا أنه قال : ليس فيه شحم ولا ودك ، فإذا صلينا الجمعة زرناها ، فقربته إلينا ، فكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك وما كنا نتغدى ولا نقيل إلا بعد الجمعة . مطابقته للترجمة في قوله : كنا نغرسه في أربعائنا وإدخاله هذا الحديث في كتاب المزارعة من حيث إن الغرس والزرع من باب واحد ، وقد مضى الحديث في آخر الجمعة في باب قول الله عز وجل فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فإنه أخرجه هناك مقطعا بطريقين ، وفيهما اختلاف ببعض زيادة ونقصان . الطريق الأول عن سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد ، والثاني عن عبد الله بن مسلمة ، عن ابن أبي حازم ، عن سهل ، وهاهنا أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد القاري من قارة حي من العرب ، أصله مدني سكن الإسكندرية ، عن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج المدني ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله : في أربعائنا قد مر عن قريب أن الأربعاء جمع ربيع ، وهو النهر الصغير ، ومعناه : كنا نغرسه على الأنهار والسلق بكسر السين المهملة ، والودك بفتحتين دسم اللحم . قوله : لا أعلم إلا أنه قال ليس فيه شحم ولا ودك من قول يعقوب الراوي .
29 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : يقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ، ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمعه إلى صدره ، فينسى من مقالتي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ، ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا ، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ إلى قوله : الرَّحِيمُ مطابقته للترجمة في قوله : وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، فإن المراد من ذلك عملهم في الأراضي بالزراعة والغرس ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب العلم في باب حفظ العلم أخصر من ذلك فيه تقديم وتأخير ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وهنا أخرجه ، عن موسى بن إسماعيل بن أبي سلمة المنقري البصري المدني ، يقال له التبوذكي ، وقد تكرر ذكره عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبي إسحاق الزهري القرشي المديني ، كان على قضاء بغداد ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله : والله الموعد إما مصدر ميمي وإما اسم زمان أو اسم مكان ، وعلى كل تقدير لا يصح أن يخبر به عن الله تعالى ، ولكن لا بد من إضمار تقديره في كونه مصدرا ، والله هو الواعد ، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة ، يعني : الواعد في فعله بالخير والشر ، والوعد يستعمل في الخير والشر ، يقال : وعدته خيرا ووعدته شرا ، فإذا أسقط الخير والشر ، يقال في الخير الوعد والعدة ، وفي الشر الإيعاد والوعيد ، وتقديره في كونه اسم زمان ، وعند الله الموعد يوم القيامة ، وتقديره في كونه اسم مكان ، وعند الله الموعد في الحشر ، وحاصل المعنى على كل تقدير ، فالله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذبا ويحاسب من ظن بي ظن السوء . قوله : عمل أموالهم ، أي : الزرع والغرس . قوله : على ملء بطني بكسر الميم . قوله : وأعي ، أي : أحفظ من وعى يعي وعيا : إذا حفظ ، وفهم وأنا واع ، والأمر منه ع ، أي : احفظ . قوله : ثم يجمعه بالنصب عطفا على قوله لن يبسط ، وكذا قوله فينسى والمعنى : إن البسط المذكور والنسيان لا يجتمعان ؛ لأن البسط الذي بعده الجمع المتعقب للنسيان منفي ، فعند وجود البسط ينعدم النسيان وبالعكس ، فافهم . قوله : نمرة بفتح النون وكسر الميم وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب ، والمراد بسط بعضها لئلا يلزم كشف العورة . قوله : فوالذي بعثه بالحق ، أي : فحق الله الذي بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ هذه آيتان في سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة الصحيحة والهدي النافع للقلوب من بعد ما بينه الله لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله ، قال ابن عباس : نزلت في رؤساء اليهود كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ومالك بن الضيف وغيرهم كانوا يتمنون أن يكون النبي منهم ، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - خافوا أن تذهب مأكلتهم من السفلة ، فعمدوا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم فغيروها في كتابهم ، ثم أخرجوها إليهم ، فقالوا : هذا نعت النبي الذي يبعث في آخر الزمان ، وهو لا يشبه نعت النبي الذي بمكة ، فلما تطرق السلفة إلى صفة النبي من التي غيروها جحدوه ؛ لأنهم وجدوه مخالفا ، فقال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وقال أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك ، ولعنة الله على عباده عبارة عن طرده إياهم وإبعاده ، ولعنة اللاعنين عبارة عن دعائهم باللعن . قوله : اللاعنون جمع لاعن ، يعني : دواب الأرض هكذا قال البراء بن عازب . وقال عطاء بن أبي رباح : اللاعنون كل دابة والجن والإنس . وقال مجاهد إذا أجدبت الأرض قالت : البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم . وقال قتادة ، وأبو العالية والربيع بن أنس يلعنهم اللاعنون ، يعني : يلعنهم ملائكة الله والمؤمنون ، ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه بقوله إلا الذين تابوا البقرة الآية . وفيه دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب تاب الله عليه . قوله : وبينوا ، أي : رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم وبينوا للناس ما كانوا كتموه ، وقد ورد أن الأمم السالفة لم يكن تقبل التوبة من مثل هؤلاء ، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم .
وقال لنا مسلم قال : حدثنا أبان ، قال : حدثنا قتادة ، قال : حدثنا أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم كذا وقع ، قال لنا مسلم في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة ، وفي رواية النسفي وآخرين . وقال مسلم بدون لفظ لنا ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم القصاب البصري ، وهو من أفراده ، وأبان بن يزيد العطار . وقال صاحب التلويح : كذا ذكره عن شيخه مسلم بغير لفظ التحديث ، حتى قال بعض العلماء : إنه معلق ، وأبى ذلك الحافظ أبو نعيم ، فزعم أن البخاري روى عنه هذا الحديث ، وأتى به لتصريح قتادة فيه بسماعه من أنس ليسلم من تدليس قتادة ، وأخرجه مسلم أيضا عن عبد بن حميد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا أبان بن يزيد العطار ، حدثنا قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ، أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - دخل نخلا لأم مبشر امرأة من الأنصار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من غرس هذا النخل مسلم أو كافر ؟ قالوا : مسلم بنحوهم ، يعني : بنحو حديث جابر ، وأنس ، وأم معبد ، وقد ذكرناه عن قريب . وقيل : إن البخاري لا يخرج لأبان إلا استشهادا ، وأجيب بأنه ذكر هنا إسناده ، ولم يسق متنه ؛ لأن غرضه بيان أنه صرح بالتحديث عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه .
بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب المزارعة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام المزارعة ، وهي مفاعلة من الزرع ، والزراعة هي الحرث والفلاحة ، وتسمى مخابرة ومحاقلة ، ويسميها أهل العراق القراح ، وفي المغرب القراح من الأرض كل قطعة على حيالها ، ليس فيها شجر ، ولا شائب سبخ ، وتجمع على أقرحة ، كمكان وأمكنة ، وفي الشرع المزارعة عقد على زرع ببعض الخارج . وفي رواية المستملي كتاب الحرث ، وفي بعض النسخ : كتاب الحرث والزراعة . باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه أي هذا باب في بيان فضل الزراعة وغرس الأشجار إذا أكل منه ، أي : من كل واحد من الزرع والغرس ، وهذا القيد لا بد منه لحصول الأجر ، وهذه الترجمة كذا هي في رواية النسفي والكشميهني بعد قوله كتاب المزارعة إلا أنهما أخرا البسملة عن كتاب المزارعة ، وفي بعض النسخ : باب ما جاء في الحرث والمزارعة وفضل الزرع ، ولم يذكر فيه كتاب المزارعة ، قيل : هو للأصيلي وكريمة . وقوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا وقوله بالجر عطف على قوله فضل الزرع ، وذكر هذه الآية لاشتمالها على الحرث والزرع ، وأيضا تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به ، وفيها وفي الآيات التي قبلها رد وتبكيت على المشركين الذين قالوا : نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كائنة ، وأنكروا البعث والنشور بأمور ذكرت ، فيها من جملتها قوله : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ، أي : تثيرون في الأرض وتعملون فيها ، وتطرحون البذار أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ، أي : تنبتونه وتردونه نباتا ينمي إلى أن يبلغ الغاية . قوله تعالى : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا أي : هشيما لا ينتفع به ولا تقدرون على منعه . وقيل : نبتا لا قمح فيه ، فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ أي : تفجعون . وقيل : تحزنون ، وهو من الأضداد ، تقول العرب : تفكهت ، أي : تنعمت وتفكهت ، أي : حزنت . وقيل : التفكه : التكلم فيما لا يعنيك ، ومنه قيل للمزاح فكاهة ، وأخذوا من قوله : أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ أن لا يقول أحد زرعت ، ولكن يقول حرثت ، وفي تفسير النسفي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يقولن أحدكم زرعت ، وليقل حرثت قال أبو هريرة : ألم تسمعوا قول الله تعالى : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( قلت ) : هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا ، وفي تفسير عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن ، يعني : السلمي أنه كره أن ، يقال : زرعت ، ويقول : حرثت . 1 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا أبو عوانة ، ح وحدثني عبد الرحمن بن المبارك قال : حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأخرجه بطريقين عن شيخين أحدهما عن قتيبة عن أبي عوانة بفتح العين المهملة الوضاح ابن عبد الله اليشكري عن قتادة ، والآخر عن عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العبسي ، وهو من أفراده ، يروي عن قتادة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي الوليد ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن قتيبة . وقال : وفي الباب عن أبي أيوب ، وأم مبشر وجابر وزيد بن خالد . ( قلت ) : أما حديث أبي أيوب ، فأخرجه أحمد في مسنده من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس ، وأما حديث أم مبشر ، فأخرجه مسلم في أفراده من رواية أبي معاوية عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن أم مبشر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو حديث عطاء ، وأبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر ، ولم يسق لفظه . وأما حديث جابر ، فأخرجه مسلم أيضا في أفراده من رواية عبد الملك بن سليمان العزرمي ، عن عطاء ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، وما أكل السبع ، فهو له صدقة ، وما أكلت الطير ، فهو له صدقة ، ولا يزراه أحدا إلا كان له صدقة ، وأخرجه أيضا من رواية الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم معبد أو أم مبشر الأنصارية في نخل لها ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : من غرس هذا النخل ، أمسلم أم كافر ؟ فقالت : بل مسلم ، فقال : لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء ، إلا كانت له صدقة ، وأخرجه أيضا من رواية زكريا بن إسحاق ، أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أم معبد ، ولم يشك ، فذكر نحوه . ( قلت ) : أم مبشر هذه هي امرأة زيد بن حارثة كما ورد في الصحيح في بعض طرق الحديث . وقال أبو عمرو : يقال : إنها أم بشر بنت البرار بن معرور . وقال النووي : ويقال : إن فيها أيضا أم بشير ، قال : فحصل أنه يقال لها أم مبشر ، وأم معبد ، وأم بشير ، قيل اسمها خليدة بضم الخاء ، ولم يصح ، وأما حديث زيد بن خالد وقال شيخنا في شرح هذا الحديث : وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن أبي الدرداء والسائب بن خلاد ومعاذ بن أنس وصحابي لم يسم . أما حديث أبي الدرداء ، فرواه أحمد في مسنده عنه أن رجلا مر به ، وهو يغرس غرسا بدمشق ، فقال : أتفعل هذا ، وأنت صاحب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : لا تعجل علي ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلا كان له به صدقة . وأما حديث السائب بن خلاد ، فأخرجه أحمد أيضا من رواية خلاد بن السائب عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من زرع زرعا فأكل منه الطير أو العافية كان له صدقة . وأما حديث معاذ بن أنس ، فأخرجه أحمد أيضا عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من بنى بيتا في غير ظلم ولا اعتداء ، أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جاريا ما انتفع من خلق الرحمن تبارك وتعالى أحد . ورواه ابن خزيمة في كتاب التوكل ، وأما حديث الصحابي الذي لم يسم ، فرواه أحمد أيضا من رواية فنج بفتح الفاء ، وتشديد النون وبالجيم ، قال : كنت أعمل في الدينباد ، وأعالج فيه ، فقدم يعلى بن أمية أميرا على اليمن وجاء معه رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم فجاءني رجل ممن قدم معه ، وأنا في الزرع ، وفي كمه جوز ، فذكر الحديث . وفيه : فقال رجل : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذني هاتين يقول : من نصب شجرة ، فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر ، كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة ، عند الله عز وجل . ( قلت ) : وعند يحيى بن آدم ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، حدثنا إسحاق بن أبي فروة ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن أبي أسيد يرفعه : من زرع زرعا أو غرس غرسا ، فله أجر ما أصابت منه العوافي ، وذكر علي بن عبد العزيز في المنتخب بإسناد حسن ، عن أنس رضي الله عنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه فضل الغرس والزرع ، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب ، واختلف في أفضل المكاسب ، فقال النووي : أفضلها الزراعة . وقيل : أفضلها الكسب باليد ، وهي الصنعة . وقيل : أفضلها التجارة ، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد . وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي بردة قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الكسب أطيب ؟ قال : عمل الرجل بيده ، وكل بيع مبرور . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، وقد يقال : هذا أطيب من حيث الحل ، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام ، فهو نفع متعد إلى غيره ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس ، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر ، كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس ، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق ، كانت التجارة أفضل ، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد ، كانت الصنعة أفضل ، وهذا حسن . وفيه : أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم دون الكافر ؛ لأن القرب إنما تصح من المسلم ، فإن تصدق الكافر أو بنى قنطرة للمارة أو شيئا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة ، وورد في حديث آخر أنه يطعم في الدنيا بذلك ويجازى به من دفع مكروه عنه ، ولا يدخر له شيء منه في الآخرة . فإن قلت : قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرق هذا الحديث ما من عبد ، وهو يتناول المسلم والكافر . ( قلت ) : يحمل المطلق على المقيد . وفيه : أن المرأة تدخل في قوله : ما من مسلم ؛ لأن هذا اللفظ من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد بهذا اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواء . وفيه : حصول الأجر للغارس والزارع ، وإن لم يقصدا ذلك حتى لو غرس وباعه ، أو زرع وباعه كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم كما ورد الأجر للجالب وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب . ( فإن قلت ) : في بعض طرق حديث جابر عند مسلم إلا كانت له صدقة إلى يوم القيامة ، فقوله إلى يوم القيامة هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة ، وإن فني الزرع والغراس أو يريد ما بقي ذلك الزرع والغراس منتفعا به ، وإن بقي إلى يوم القيامة . ( قلت ) : الظاهر أن المراد الثاني ، وزاد النووي : أن ما يولد من الغراس والزرع كذلك ، فقال فيه : إن أجر فاعل ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع ، وما يولد منه إلى يوم القيامة . وفيه : أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد ، وقد فعله كثير من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ، وقد ذهب قوم من المتزهدة إلى أن ذلك مكروه وقادح في الزهد ولعلهم تمسكوا في ذلك بما رواه الترمذي ، عن ابن مسعود مرفوعا لا تتخذوا الضيعة ، فتركنوا إلى الدنيا . وقال : حديث حسن ، ورواه ابن حبان أيضا في صحيحه ، وأجيب بأن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع ، والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا ، وأما إذا اتخذها غير مستكثر وقلل منها ، وكانت له كفافا وعفافا ، فهي مباحة غير قادحة في الزهد وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله إلا من أخذه بحقه ووضعه في حقه . وفيه : الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده . وفيه : جواز نسبة الزرع إلى الآدمي ، والحديث الذي ورد فيه المنع ؛ غير قوي . وفيه : قال الطيبي : نكر مسلما فأوقعه في سياق النفي ، وزاد من الاستغراقية وعم الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرا أو عبدا مطيعا أو عاصيا يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله ، أي حيوان كان يرجع نفعه إليه ويثاب عليه .
باب القطائع أي هذا باب في بيان حكم القطائع وهو جمع قطيعة من أقطعه الإمام أرضا يتملكه ويستبد به وينفرد ، والإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك ، وإقطاع الإمام تسويفه من مال الله تعالى لمن يراه أهلا لذلك ، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض وهو أن يخرج منها شيئا يحوزه إما أن يملكه إياه فيعمره أو يجعل له غلته مدة ، قلت : في صورة التمليك يملك الذي أقطع له وهو الذي يسمى المقطع له رقبة الأرض فيصير ملكا له يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم ، وفي صورة جعل الغلة له لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها . فعلى هذا يجوز للجندي الذي يقطع له أن يؤجر ما أقطع له لأنه يملك منافعها وإن لم يملك رقبته ، وله نظائر في الفقه منها : أنه إذا وقعت المصالحة على خدمة عبد سنة كان للمصالح أن يؤجره ومعلوم أنه لا يملك رقبته وإنما يملك منفعته ، ومنها أن المستؤجر يملك إجارة ما استأجره وإن كان لا يملك منه إلا المنفعة ، ومنها أن الوقف بأن غلته لفلان صحيح وله أن يؤجره في الصحيح ذكره في المحيط ، ومنها أن أم الوليد يجوز لسيدها أن يؤجرها مع أنه لا يملك منها سوى منفعتها فإذا جازت له الإجارة تجوز لها المزارعة أيضا لأن القرى والأراضي في الممالك الإسلامية لا يمكن أن ينتفع بها إلا بالكراء والزراعة ومباشرة أعمال الفلاحة من السقي والحصاد والدياس والتذرية وغير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها الاستغلال ، وذلك لا يحصل إلا بالمزارعة عليها أو بإيجارها لمن يقوم بهذه الأعمال فإن الجند لا يقدرون على القيام بذلك بأنفسهم إذ لو أمروا بذلك لصاروا أكرة وتعطل المعنى المطلوب منهم ، وهو القيام بما أعدوا له من مصالح المسلمين وهي قتال أعداء الإسلام وردع المفسدين وقمع الخارجين وصون الأموال والأنفس من السراق واللصوص وقطاع الطريق ، وحفظ مراصد الطرقات ومواطن المرابطات ، فمتى اشتغل الجند بذلك تفوت تلك المصالح ، كما قال أصحابنا في رزق القاضي إنه إذا كان فقيرا فالأفضل له بل الواجب عليه الأخذ لأنه متى اشتغل بالكسب أقعد عن إقامته فرض القضاء ، فإذا كان الأمر كذلك يجوز لهم الانتفاع بالذي يقطع لهم بالإجارة أو المزارعة فبأيهما تمكن الجندي فعل ، أما المزارعة فعلى قول الصاحبين فإنها في معنى الإجارة فليزارع الجند على قولهما بالشروط التي ذكرناها كما هي محررة في كتب الفقه ، والله أعلم . 24 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد ، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت أنسا رضي الله عنه قال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع من البحرين ، فقالت الأنصار : حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا ، قال : سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني . مطابقته للترجمة ظاهرة يعلم ذلك من قوله أن يقطع من البحرين ، وحماد هو ابن زيد ، وفي بعض النسخ ذكر منسوبا ويحيى بن سعيد هو الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الجزية عن أحمد بن يونس وفي فضل الأنصار عن عبد الله بن محمد . ( ذكر معناه ) قوله أن يقطع من البحرين يعني أراد أن يقطع من البحرين للأنصار ، وفي رواية البيهقي : دعا الأنصار ليقطع لهم البحرين ، وفي حديث الإسماعيلي : ليقطع لهم البحرين أو طائفة منها وكان الشك فيه من حماد ، قلت : الظاهر أنه أراد أن يقطع لهم قطعة منها لأن كلمة من في قوله من البحرين تقتضي التبعيض ولا ينافي أن تكون للبيان أيضا ، ولكل من الصورتين وجه ، والدليل على ذلك ما سيأتي في الجزية من طريق زهير عن يحيى بلفظ : دعى الأنصار ليكتب لهم بالبحرين لأن الظاهر أن معناه ليكتب لهم طائفة بالبحرين ، ويحتمل أن يكتب لهم البحرين كلها ، ويؤيد هذا ما رواه في مناقب الأنصار من رواية سفيان عن يحيى إلى أن يقطع لهم البحرين ، وقال الخطابي : يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد العامر من البحرين لكن في حقه من الخمس لأنه كان ترك أرضها فلم يقسمها ، وقال ابن قرقول : والذي في هذا الحديث ليس منها فإن البحرين كانت صلحا فلم يكن لهم في أرضها شيء ، وإنما هم أهل جزية ، وإنما معناه عند علمائنا إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه ، يقال منه أقطع بالألف ، وأصله من القطع كأنه قطعه له من جملة المال ، وقد جاء في حديث بلال بن الحارث ، أخرجه أحمد من رواية كثير بن عبد الله ، عن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده . ومن حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه أقطعه معادن القبلية ، والقبلية بفتح الباء الموحدة نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء ، وهي ناحية من سواحل البحر بينهما وبين المدينة خمسة أيام ، وقيل : هي من ناحية الفرع وهو موضع بين نخلة والمدينة ، هذا هو المحفوظ . وفي كتاب الأمكنة معادن القلبية بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء ، والبحرين على صيغة التثنية للبحر وهي من ناحية نجد على شطر بحر فارس وهي ديار القرامطة ولها قرى كثيرة وهي كثيرة التمور ، قوله حتى تقطع غاية لفعل مقدر أي لا تقطع لنا حتى تقطع لإخواننا المهاجرين ، قوله مثل الذي تقطع لنا وزاد في رواية البيهقي : فلم يكن ذلك عنده ، يعني بسبب قلة الفتوح يومئذ ، وقال ابن بطال : معناه أنه لم يرد فعل ذلك لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير ، قوله أثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة ، ويروى بضم الهمزة وإسكان الثاء ، وقال ابن قرقول : وبالوجهين قيده الجياني والوجهان صحيحان ، قال : ويقال أيضا إثرة بكسر الهمزة وسكون الثاء ، قال الأزهري : وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم ، وعن أبي علي القالي : الأثرة الشدة ، وفي الكتاب الواعي عن ثعلب : الأثرة بالضم خاصة الجدب والحال غير المرضية ، وعن غيره التفضيل في العطاء وجمع الأثرة أثر ، وروى الإسماعيلي : ستلقون بعدي أثرة للأنصار ، ورواها البخاري عن أسيد بن حضير في مناقب الأنصار وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف ، وعن أنس بن مالك بزيادة أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ، وقالوا : هذا يدل على أن الخلافة لا تكون فيهم ، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه ؟ ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز إقطاع الإمام من الأراضي التي تحت يده لمن شاء من الناس ممن يراه أهلا لذلك ، قال الخطابي : وذهب أهل العلم إلى أن أهل العامر من الأرض للحاضر النفع ، والأصول من الشجر كالنخل وغيرها ، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة كالملح والقير والنفط ونحوها لا يجوز إقطاعها ، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الملح والماء وما في معناهما مما يستحقه الأخذ له بالسبق إليه ، فليس لأحد أن يحتجرها لنفسه أو يحتظر منافعها على أحد من شركائه المسلمين ، وأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها فإن ذلك لا يوجب الملك البات ، ومن اقتطع شيئا منها كان له ما دام يعمل فيه فإذا قطع العمل عاد إلى أصله فكان للإمام إقطاعه غيره ، وفيه من أعلام نبوته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث ما أخبره بقوله سترون بعدي أثرة .
باب كتابة القطائع أي هذا باب في بيان كتابة القطائع لمن أقطع الإمام أرضا من الأراضي ليكون وثيقة بيده حتى لا ينازعه أحد . 25 - وقال الليث : عن يحيى بن سعيد ، عن أنس رضي الله عنه : دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين ، فقالوا : يا رسول الله ، إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها ، فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنكم سترون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني . هذا تعليق علقه الليث بن سعيد ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال أبو نعيم : ذكر البخاري حديث الليث بلا رواية ، قال : وأراه كأنه كان عنده عن عبد الله بن صالح ، فلذلك أرسله . قوله إن فعلت أي إن فعلت الإقطاع ، قوله ذلك أي المثل ، وقيل : معناه فلم يرد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذلك ، وقد ذكرنا هذا عن ابن بطال في الباب الذي قبله .
باب حلب الإبل على الماء أي هذا باب في بيان حقية حلب الإبل على الماء ، الحلب بفتح اللام يقال حلبت الناقة والشاة أحلبها حلبا بفتح اللام ، وقال الجوهري : الحلب بالتحريك اللبن المحلب ، والحلب أيضا مصدر . قوله على الماء ، قال بعضهم : أي عند الماء ، قلت : لم يذكر أحد من أهل اللغة والعربية أن على تجيء بمعنى عند ، بل على هاهنا بمعنى الاستعلاء بمعنى على ما يقرب منه ، كما في قوله تعالى أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى معناه على ما يقرب من النار ، وهنا معناه حلب الإبل على ما يقرب من الماء يعني على مكان قريب من الماء الذي تورد إليه للسقي . 26 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا محمد بن فليح ، قال : حدثني أبي ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حق الإبل أن تحلب على الماء . ورجاله ستة : إبراهيم بن المنذر بن عبد الله أبو إسحاق الحزامي المديني وهو من أفراده ، ومحمد بن فليح بضم الفاء وبالحاء المهملة مر في أول العلم ، وأبوه فليح بن سليمان أبو يحيى الخزاعي وكان اسمه عبد الملك فغلب عليه لقبه فليح ، وهلال بن علي هو هلال بن أبي ميمونة ويقال هلال بن أبي هلال الفهري المديني ، وعبد الرحمن بن أبي عمرة بفتح العين المهملة الأنصاري الثقة المشهور . قوله من حق الإبل أراد به الحق المعهود المتعارف بين العرب من التصدق باللبن على المياه إذ كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل على المياه لتنال من رسلها وتشرب من لبنها ، وهذا حق حلبها على الماء لا أنه فرض لازم عليهم ، وقد تأول بعض السلف في قوله تعالى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ هو أنه يعطي المساكين عند الجذاذ ، والحصاد ما تيسر من غير الزكاة ، وهذا مذهب ابن عمر ، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير ، وجمهور الفقهاء على أن المراد بالآية الزكاة المفروضة ، وهذا تأويل ابن عباس وغيره ، وهذا كما نهى عن جذاذ النخل بالليل لأجل حضور المساكين بالنهار ، وأجازه مالك ليلا ، قوله أن تحلب على صيغة المجهول ، وتحلب بالحاء المهملة في جميع الروايات ، وعن الداودي أنه روى بالجيم ، وقال أراد أنها تجلب أي تساق إلى موضع سقيها ، ورد عليه بأنه لو كان كذلك لقال أن تجلب إلى الماء لا على الماء ، والمقصود من حلبها على الماء حصول النفع لمن يحضر من المساكين هناك ، ولأن ذلك ينفع الإبل أيضا ، قوله على الماء قد ذكرنا وجهه ، وفي رواية أبي نعيم في المستخرج من طريق المعافى بن سليمان عن فليح : يوم وردها ، والله أعلم بحقيقة الحال .
قال أبو عبد الله : وقال ابن إسحاق : حدثني بشير مثله . هكذا وقع في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت قال : وقال ابن إسحاق : وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ، وبشير هو المذكور آنفا ، وعلى رواية الأصيلي وهو معلق .
30 - حدثنا يحيى بن قزعة ، أخبرنا مالك ، عن داود بن حصين ، عن أبي سفيان مولى أبي أحمد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : رخص النبي صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ، شك داود في ذلك . مطابقته للترجمة في قوله في بيع العرايا ، وقد ذكرنا وجه ذلك في الحديث السابق ، والحديث قد مضى في باب بيع التمر على رؤوس النخل ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن عبد الوهاب عن مالك إلى آخره ، وداود بن حصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة ، وهنا أخرجه عن يحيى بن قزعة بفتح القاف والزاي ، وقد مر الكلام فيما يتعلق به في الباب المذكور .
29 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء : سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة والمحاقلة ، وعن المزابنة وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها ، وأن لا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله إلا العرايا وقد ذكرنا الآن أن المعرى ليس له أن يمنع المعري عن الدخول في الحائط لتعهد العرية ، والحديث قد مضى في باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة ، ولكن ليس فيه ذكر المخابرة والمحاقلة والمزابنة ، وأخرجه هناك عن يحيى بن سليمان ، عن ابن وهب ، عن ابن جريج ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر . وهنا أخرجه عن عبد الله بن محمد بن عبد الله البخاري المعروف بالمسندي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، عن عطاء بن أبي رباح المكي . وتفسير المخابرة قد مضى في كتاب المزارعة ، وتفسير المحاقلة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، وتفسير المزابنة في حديث ابن عمر وابن عباس في باب بيع المزابنة ، وتفسير بقية الحديث في باب بيع التمر على رؤوس النخل .
28 - حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت رضي الله عنهم ، قال : رخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع العرايا بخرصها تمرا . مطابقته للترجمة من حيث إن المعرى ليس له أن يمنع المعري من دخوله في الحائط لتعهد العرية ، والحديث قد مضى في باب تفسير العرايا في كتاب البيوع فإنه أخرجه هناك عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت . وأخرجه هنا ، عن محمد بن يوسف أبي أحمد البخاري البيكندي ، عن سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري إلى آخره .
وعن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر في العبد . قال الكرماني : ولفظ عن مالك إما تعليق من البخاري وإما عطف على حدثنا الليث أي روى عمر الحديث في شأن العبد أو قال عمر في العبد إن ماله لبائعه أو أراد لفظ في العبد بعد إلا أن يشترط المبتاع ، وقال بعضهم : وعن مالك هو معطوف على قوله حدثنا الليث فهو موصول ، والتقدير : وحدثنا عبد الله بن يوسف ، عن مالك . وزعم بعض الشراح أنه معلق وليس كذلك ، وقد وصله أبو داود من حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر في النخل مرفوعا . وعن نافع عن ابن عمر في العبد ، قلت : إن أراد هذا القائل بقوله وزعم بعض الشراح أنه معلق أنه الكرماني ، والكرماني لم يزعم أنه معلق بل تردد فيه على ما ذكرنا ، ولئن سلمنا أنه زعم فزعمه بحسب الظاهر صحيح لأن التقدير الذي قدره هذا القائل خلاف الظاهر ، ويؤكد زعمه بعد التسليم قول هذا القائل ، وقد وصله أبو داود إلى آخره ، والكرماني لم ينف أصل الوصل في نفس الحديث بل زعم بحسب الظاهر أن البخاري لم يوصله ، ووصل أبي داود هذا لا يستلزم وصل البخاري ، ولئن سلمنا أنه موصول من جهة البخاري ، فماذا يدل عليه هاهنا ؟ فهذا المقام مقام نظر وتأمل وليس مقام المجازفة ، وقال صاحب التوضيح : قال الداودي في حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر في الثمرة : إن ما رواه عن عمرو هو وهم من نافع ، والصحيح ما رواه ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد والثمرة ، واعترض ابن التين ، فقال : لا أدري من أين أدخل الداودي الوهم على نافع وما المانع منه أن يكون عمر قال ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم ؟
27 - أخبرنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، حدثني ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ، ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع . مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها ، بيان ذلك أن الذي اشترى نخلا بعد التأبير تكون ثمرتها للبائع ثم ليس للمشتري أن يمنع البائع من الدخول في النخل لأن له حقا لا يصل إليه إلا بالدخول وهو سقي النخل وإصلاحها ، قوله إلا أن يشترط المبتاع أي المشتري بأن تكون الثمرة له ، فحينئذ لا يبقى للبائع حق أصلا ، والكلام مع الحديث قد مضى في كتاب البيوع مفصلا في باب من باع نخلا قد أبرت .
باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل أي هذا باب في بيان أمر الرجل الذي يكون له ممر أي حق المرور أو يكون له حق شرب بكسر الشين وهو النصيب من الماء ، قوله في حائط يتعلق بقوله ممر ، والحائط هو البستان ، قوله أو في نخل يتعلق بقوله شرب وذلك بطريق اللف والنشر ، وحكم هذا يعلم من أحاديث الباب فإنه أورد فيه خمسة أحاديث كلها قد مضى ، قيل : وجه دخول هذه الترجمة في الفقه التنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة بأن يكون لشخص ملك وللآخر الانتفاع فيه مثلا لرجل ثمرة في حائط رجل فله حق الدخول فيه لأخذ ثمرته ، أو لرجل أرض ولآخر فيها حق الشرب فله أخذ الشرب منها بالدخول فيها ، ويأتي بيان ذلك كله في أحاديث الباب . قال النبي صلى الله عليه وسلم : من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع . هذا الحديث مضى موصولا في كتاب البيوع في باب من باع نخلا قد أبرت من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، ومطابقته للترجمة في قوله فثمرتها للبائع لأن الثمرة التي بيعت بعد التأبير لما كانت للبائع لم يكن له وصول إليها إلا بالدخول في الحائط ، فإذا كان كذلك يكون له حق الممر ، ومعنى التأبير الإصلاح والإلقاح ، وقد مضى هناك مستوفى . فللبائع الممر والسقي حتى يرفع وكذلك رب العرية . قوله فللبائع إلى آخره من كلام البخاري استنبطه من أحاديث الباب ، وفيه أيضا لما في الترجمة من الإبهام ، ولا يظن أحد أن قوله فللبائع إلى آخره من الحديث ، ومن ظن هذا فقد أخطأ ، والفاء في قوله فللبائع تفسيرية ، ويروى وللبائع بالواو ، قوله الممر أي حق لأخذ الثمرة ، والسقي أي وسقى النخيل لأنه ملكه ، قوله حتى ترفع كلمة حتى للغاية أي إلى أن ترفع الثمرة أي تقطع ، وذلك لأن الشارع لما جعل الثمرة بعد التأبير للبائع كان له أن يدخل في الحائط لسقيها وتعهدها حتى تقطع الثمرة ، وليس لمشتري أصول النخيل أن يمنعه من الدخول والتطرق إليها ، قوله ترفع على صيغة المجهول ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم على معنى حتى يرفع البائع ثمرته ، قوله وكذلك رب العرية أي كالحكم المذكور حكم صاحب العرية ، وهي النخلة التي يعير صاحبها ثمرتها لرجل محتاج عامها ذلك ، وقد مر تفسيرها مستوفى في كتاب البيوع ، وصاحب العرية لا يمنع أن يدخل في حائط المعرى لتعهد عريته بالإصلاح والسقي ، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء ، وأما من له طريق مملوكة في أرض غيره ، فقال مالك : ليس له أن يدخل في طريقه بماشيته وغنمه لأنه يفسد زرع صاحبه ، وقال الكوفيون والشافعي : ليس لصاحب الأرض أن يزرع في موضع الطريق ، وقال الكرماني : رب العرية صاحب النخلة الذي باع ثمرتها له الممر والسقي ، ويحتمل أن يراد به صاحب ثمرتها . قلت : إذا باع لا يسمى عرية وإنما العرية هي التي ذكرناها الآن ، وعكس الكرماني في هذا فإنه جعل المعنى المقصود محتملا والذي هو محتمل جعله أصلا يفهم بالتأمل .
31 - حدثنا زكرياء بن يحيى ، أخبرنا أبو أسامة ، قال : أخبرني الوليد بن كثير ، قال : أخبرني بشير بن يسار مولى بني حارثة أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة - بيع الثمر بالتمر - إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم . مطابقته للترجمة في قوله إلا أصحاب العرايا ، وقد ذكرنا وجهه فيما سبق ، والحديث سبق أيضا في باب بيع الثمر على رؤوس النخل فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، قال : قال يحيى بن سعيد : سمعت بشيرا ، قال : سمعت سهل بن أبي حثمة إلى آخره ، وهنا أخرجه عن زكرياء بن يحيى الطائي الكوفي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن الوليد بن كثير ضد القليل عن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف وبالسين المهملة إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى .
بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب المساقاة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام المساقاة ، ولم يقع لفظ كتاب المساقاة في كثير من النسخ . ووقع في بعض النسخ كتاب الشرب . ووقع لأبي ذر التسمية ثم قوله في الشرب ، ثم قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقوله أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ إلى قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ووقع في بعض النسخ : باب في الشرب . وقوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقوله : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ إلى قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ووقع في شرح ابن بطال كتاب المياة خاصة ، وأثبت النسفي لفظ باب خاصة . أما المساقاة فهي المعاملة بلغة أهل المدنية ومفهومها اللغوي هو الشرعي وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها ولأهل المدينة لغات يختصون بها كما قالوا للمساقاة معاملة وللمزارعة مخابرة ، وللإجارة بيع ، وللمضاربة مقارضة وللصلاة سجدة . ( فإن قلت ) : المفاعلة تكون بين اثنين وهنا ليس كذلك . ( قلت ) : هذا ليس بلازم ، وهذا كما في قوله : قاتله الله ، يعني : قتله الله وسافر فلان بمعنى سفر ، أو لأن العقد على السقي صدر من اثنين كما في المزارعة ، أو من باب التغليب ، وأما الشرب فبكسر الشين المعجمة النصيب والحظ من الماء ، يقال : كم شرب أرضك ، وفي المثل آخرها شربا أقلها شربا ، وأصله في سقي الماء ؛ لأن آخر الإبل يرد ، وقد نزف الحوض ، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شربا على الوجوه الثلاثة ، يعني : الفتح والضم والكسر ، وسمعهم أيضا يقولون أعذب الله شربكم بالكسر ، أي : ماءكم . وقيل : الشرب أيضا وقت الشرب . وقال أبو عبيدة : الشرب بالفتح المصدر وبالضم والكسر ، يقال : شرب شربا وشربا وشربا وقرئ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ بالوجوه الثلاثة . وقول الله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وقول الله بالجر عطفا على قوله : كتاب المساقاة أو على قوله : في الشرب ، أو على قوله : باب الشرب ، أو على قوله : باب المياه على اختلاف النسخ وفي بعض النسخ : قال الله عز وجل : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ الآية . وقال قتادة : كل حي مخلوق من الماء . ( فإن قلت ) : قد رأينا مخلوقا من الماء غير حي . ( قلت ) : ليس في الآية لم يخلق من الماء إلا حي . وقيل : معناه أن كل حيوان أرضي لا يعيش إلا بالماء . وقال الربيع بن أنس : من الماء ، أي : من النطفة . وقال ابن بطال : يدخل فيه الحيوان والجماد ؛ لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست ، وحياتها خضرتها ونضرتها . وقوله جل ذكره أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْـزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ وقول بالجر عطف على قوله الأول لما أنزل الله تعالى : نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ثم خاطبهم بقوله : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ إلى قوله : وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ وكل هذه الخطابات للمشركين الطبيعيين لما قالوا : نحن موجودون من نطفة حدثت بحرارة كامنة ، فرد الله عليهم بهذه الخطابات ومن جملتها قوله : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أي : الماء العذب الصالح للشرب أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أي : السحاب . قوله : جَعَلْنَاهُ ، أي : الماء ، أُجَاجًا ، أي : ملحا شديد الملوحة زعافا مرا لا يقدرون على شربه . قوله : فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ، أي : فهلا تشكرون . الأجاج المر : المزن السحاب هذا تفسير البخاري ، وهو من كلام أبي عبيدة ؛ لأن الأجاج المر ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة مثله ، وقد ذكرنا الآن أنه الشديد الملوحة . وقيل : شديد المرارة . وقيل : المالح . وقيل : الحار ، حكاه ابن فارس ، وفي المنتهى : وقد أج يؤج أجوجا . قوله : المزن بضم الميم وسكون الزاي جمع مزنة ، وهي السحاب الأبيض ، وهو تفسير مجاهد وقتادة - رضي الله تعالى عنهما . ووقع في رواية المستملي وحده منصبا قبل قوله المزن . ووقع بعد قوله السحاب فراتا عذبا في رواية المستملي وحده ، وفسر الثجاج بقوله منصبا ، وقد فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة هكذا ، ويقال مطر ثجاج إذا انصب جدا ، والفرات أعذب العذوبة ، وهو منتزع من قوله تعالى : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وروى ابن أبي حاتم عن السدي : العذب الفرات الحلو ، ومن عادة البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ، ويفسرها تكثيرا للفوائد . باب في الشرب . أي هذا باب في بيان أحكام الشرب ، وقد مر تفسير الشرب عن قريب . ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوما كان أو غير مقسوم أي في بيان من رأى إلى آخره ، قال بعضهم : أراد البخاري بالترجمة الرد على من قال : إن الماء لا يملك . ( قلت ) : من أين يعلم أنه أراد بالترجمة الرد على من قال إن الماء لا يملك ، ويحتمل العكس ، وأيضا فقوله : إن الماء لا يملك ليس على الإطلاق ؛ لأن الماء على أقسام : قسم منه لا يملك أصلا وكل الناس فيه سواء في الشرب وسقي الدواب وكري النهر منه إلى أرضه ، وذلك كالأنهار العظام مثل النيل والفرات ونحوهما وقسم منه يملك ، وهو الماء الذي يدخل في قسمة أحد إذا قسمه الإمام بين قوم ، فالناس فيه شركاء في الشرب ، وسقي الدواب دون كري النهر ، وقسم منه يكون محرزا في الأواني كالجباب والدنان والجرار ونحوها ، وهذا مملوك لصاحبه بالإحراز ، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ حتى لو أتلفه رجل يضمن قيمته ، ولكن شبهة الشركة فيه باقية ، بقوله - صلى الله عليه وسلم - : المسلمون شركاء في الثلاث : الماء ، والكلأ ، والنار رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ، ورواه أبو داود ، عن رجل من الصحابة ، وأحمد في مسنده ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، والمراد : شركة إباحة لا شركة ملك ، فمن سبق إلى أخذ شيء منه في وعاء أو غيره ، وأحرزه ، فهو أحق به ، وهو ملكه دون سواه ، لكنه لا يمنع من يخاف على نفسه من العطش أو مركبه ، فإن منعه يقاتله بلا سلاح بخلاف الماء الثاني فإنه يقاتله فيه بالسلاح . قوله : من رأى صدقة الماء إلى آخره ، لم يبين المراد منه ، هل هو جائز أم لا ، وظاهر الكلام يحتمل الجواز ، وعدمه ، ولكن فيه تفصيل ، وهو أن الرجل إذا كان له شرب في الماء ، وأوصى أن يسقى منه أرض فلان يوما أو شهرا أو سنة أجيزت من الثلث ، فإن مات الموصى له بطلت الوصية بمنزلة ما إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان ، فمات الموصى له بطلت الوصية ، وإذا أوصى ببيع الشرب وهبته أو صدقته ، فإن ذلك لا يصح للجهالة ، أو للغرر ، فإنه على خطر الوجود ؛ لأن الماء يجيء وينقطع ، وكذا لا يصح أن يكون مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل ، ولا بدل الصلح عن الدعوى ، ولا يباع الشرب في دين صاحبه بدون أرض بعد موته ، وكذا في حياته ولو باع الماء المحرز في إناء أو وهبه لشخص أو تصدق به ، فإنه يجوز ولو كان مشتركا بينه وبين آخر ، فلا يجوز قبل القسمة ، فافهم هذه الفوائد التي خلت عنها الشروح . وقال عثمان قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بئر رومة ، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ، فاشتراها عثمان رضي الله عنه . أي قال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وهذا التعليق سقط من رواية النسفي ، ووصله الترمذي : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد هو ابن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : لما حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره ، ثم قال : أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض ، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : اثبت حراء ، فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، قالوا : نعم . قال : أذكركم بالله ، هل تعلمون أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في جيش العسرة : من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون ، فجهزت ذلك الجيش ، قالوا : نعم ، ثم قال : أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن ، فابتعتها ، فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل ، قالوا : اللهم نعم ، وأشياء عدها ، ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان رضي الله تعالى عنه . قوله : بئر رومة بإضافة بئر إلى رومة ، بضم الراء وسكون الواو وبالميم ، ورومة علم على صاحب البئر ، وهو رومة الغفاري . وقال ابن بطال : بئر رومة كانت ليهودي ، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب ، فيأتي المسلمون ليشربوا منها ، فلا يجدونه حاضرا ، فيرجعون بغير ماء ، فشكا المسلمون ذلك ، فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : من يشتريها ويمنحها للمسلمين ، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم ، فله الجنة ، فاشتراها عثمان ، وهي بئر معروفة بمدينة النبي عليه الصلاة والسلام ، اشتراها عثمان بخمسة وثلاثين ألف درهم ، فوقفها ، وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يشتري منها كل قربة بدرهم . قوله : فيكون دلوه فيها ، أي : دلو عثمان في البئر المذكور كدلاء كل المسلمين ، يعني : يوقفها ، ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية ، وظاهره أن له الانتفاع إذا شرطه ، ولا شك أنه إذا جعلها للسقاة أن له الشرب وإن لم يشترط لدخوله في جملتهم . وفيه : جواز بيع الآبار . وفيه : جواز الوقف على نفسه ولو وقف على الفقراء ، ثم صار فقيرا جاز أخذه منه .
1 - حدثنا سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح ، فشرب منه ، وعن يمينه غلام أصغر القوم ، والأشياخ عن يساره ، فقال : يا غلام ، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ ؟ قال : ما كنت لأؤثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله ، فأعطاه إياه . وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث مشروعية قسمة الماء ، وأنه يملك إذ لو كان لا يمكن لما جاءت فيه القسمة . ( فإن قلت ) : ليس في الحديث أن القدح كان فيه ماء . ( قلت ) : جاء مفسرا في كتاب الأشربة بأنه كان شرابا ، والشراب هو الماء أو اللبن المشوب بالماء . ورجاله سعيد بن أبي مريم ، وهو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري ، وأبو غسان بفتح الغين المعجمة ، وتشديد السين المهملة وبالنون واسمه محمد بن مضر الليثي المدني نزل عسقلان ، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج المدني ، قال أبو عمرو : روى أبو حازم هذا الحديث عن أبيه . وقال فيه : وعن يساره أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ ، وإنما هو محفوظ في حديث الزهري عن عمرو بن حرملة ، عن ابن عباس قال : دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على ميمونة ، فجاءتنا بإناء فيه لبن ، فشرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأنا معه ، وخالد عن يساره ، فقال لي : الشربة لك ، وإن شئت آثرت خالدا ، فقلت : ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا ، ثم قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : من أطعمه الله طعاما ، فليقل اللهم بارك لنا فيه ، وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله لبنا ، فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه . قوله : وعن يمينه غلام هو الفضل بن عباس ، حكاه ابن بطال ، وحكى ابن التين أنه أخوه عبد الله . قوله : بفضلي ويروى : بفضل ، وفيه فضيلة اليمين على الشمال ، وقد أمروا بالشرب بها والمعاطاة دون الشمال . وفيه : أن من استحق شيئا من الأشياء لم يدفع عنه صغيرا كان أو كبيرا إذا كان ممن يجوز إذنه .
2 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : حدثني أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنها حلبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاة داجن ، وهو في دار أنس بن مالك ، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس ، فأعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدح ، فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه - وعلى يساره أبو بكر ، وعن يمينه أعرابي فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي : أعط أبا بكر يا رسول الله عندك ، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ، ثم قال : الأيمن ، فالأيمن . مطابقته للترجمة في قوله : وشيب لبنها بماء والماء يجري فيه القسمة ، وأنه يملك ، وهذا الإسناد بعينه قد مر غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم ، والحديث أخرجه البخاري في الأشربة عن إسماعيل ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة ، وعن إسحاق بن موسى عن معن ، وأخرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، ستتهم عن مالك ، عن الزهري ، عن أنس . قوله : شاة داجن الداجن شاة ألفت البيوت ، وأقامت بها ، والشاة تذكر وتؤنث ، فلذلك قال : داجن ، ولم يقل داجنة . وقال ابن الأثير : الداجن الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم ، يقال : دجنت تدجن دجونا . قوله : وشيب على صيغة المجهول ، أي : خلط من شاب يشوب شوبا ، وأصل الشوب : الخلط . قوله : وعلى يساره إنما قال هنا بعلى ، وفي يمينه بعن ؛ لأنه لعل يساره كان موضعا مرتفعا ، فاعتبر استعلاؤه أو كان الأعرابي بعيدا عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : وعن يمينه أعرابي قيل : إنه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ، حكاه ابن التين ، واعترض عليه بأنه لا يقال له أعرابي ، قيل : الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس الذي مضى ذكره عن قريب ، وهو أنه قال : دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة . الحديث ، فظن أن القصة واحدة ، وليس كذلك ، فإن هذه القصة في بيت ميمونة ، وقصة أنس في داره ، وبينهما فرق . قوله : وخاف أن يعطيه جملة حالية والضمير في خاف يرجع إلى عمر رضي الله تعالى عنه ، وإنما قال : أعط أبا بكر تذكيرا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإعلاما للأعراب بجلالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وكذا وقع : أعط أبا بكر لجميع أصحاب الزهري ، وشذ معمر فيما رواه وهب عنه ، فقال عبد الرحمن بن عوف بدل عمر أخرجه الإسماعيلي ، والذي في البخاري هو الصحيح ، قيل : إن معمرا لما حدث بالبصرة حدث من حفظه ، فوهم في أشياء ، فكان هذا منها . ( قلت ) : الأوجه أن يقال : يحتمل أن يكون محفوظا أن يكون كل من عمر وعبد الرحمن ، قال : ذلك لتوفر دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر ، وهذا أحسن من أن ينسب معمر إلى الشذوذ والوهم ، قال النسائي : معمر بن راشد الثقة المأمون . وقال العجلي : بصري رحل إلى صنعاء ، وسكن بها وتزوج ، ورحل إليه سفيان ، وسمع منه هناك ، وسمع هو أيضا من سفيان . قوله : الأيمن فالأيمن بالنصب على تقدير : أعط الأيمن ، وبالرفع على تقدير الأيمن أحق ، ويدل على ترجيح رواية الرفع قوله في بعض طريقه : الأيمنون الأيمنون الأيمنون ، قال أنس : فهي سنة ، فهي سنة ، فهي سنة ، هكذا في رواية أبي طوالة ، عن أنس رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه مشروعية تقديم من هو على يمين الشارب في الشرب وإن كان مفضولا بالنسبة إلى من كان على يسار الشارب لفضل جهة اليمين على جهة اليسار ، وهل هو على جهة الاستحباب ، أو أنه حق ثابت للجالس على اليمين ، فقال القاضي عياض : إنه سنة ، قال : وهذا مما لا خلاف فيه ، وكذا قال النووي : إنها سنة واضحة ، وخالف فيه ابن حزم ، فقال : لا بد من مناولة الأيمن كائنا من كان ، فلا يجوز مناولة غير الأيمن إلا بإذن الأيمن قال : ومن لم يرد أن يناول أحدا فله ذلك . ( فإن قلت ) : في حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سقى قال ابدؤوا بالكبراء أو قال بالأكابر ، فكيف الجمع بين أحاديث الباب ؟ ( قلت ) : يحمل هذا الحديث على ما إذا لم يكن على جهة يمينه - صلى الله عليه وسلم - بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلا أو وراءه . وقال النووي : وأما تقديم الأفاضل والكبار ، فهو عند التساوي في باقي الأوصاف ، ولهذا يقدم الأعلم ، والأقرأ على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة . وفيه : أن غير المشروب مثل الفاكهة واللحم ونحوهما ، هل حكمه حكم الماء ؟ فنقل عن مالك تخصيص ذلك بالشرب . وقال ابن عبد البر وغيره : لا يصح هذا عن مالك . وقال القاضي عياض : يشبه أن يكون قول مالك : إن السنة وردت في الشرب خاصة ، وإنما يقدم الأيمن ، فالأيمن في غيره بالقياس ؛ لأن السنة منصوصة فيه ، وكيف ما كان فالعلماء متفقون على استحباب التيامن في الشرب وأشباهه . وفيه : جواز شوب اللبن بالماء لنفسه ولأهل بيته ولأضيافه ، وإنما يمتنع شوبه بالماء إذا أراد بيعه ؛ لأنه غش . وفيه : أن الجلساء شركاء في الهدية ، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد . ( فإن قلت ) : روي أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية . ( قلت ) : محمول على ما ذكرنا مع أن إسناده فيه لين . وفيه دلالة أن من قدم إليه شيء من الأكل أو الشرب فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب . ( الأسئلة والأجوبة في أحاديث هذا الباب ) . الأول : ما الحكمة في كون ابن عباس لم يوافق استئذان النبي صلى الله عليه وسلم له في أن يقدم في الشرب من هو أولى منه بذلك ؟ وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بذلك بقوله : اترك له حقك ، ولو أمره لأطاعه ، فلما لم يقع منه إلا استئذانه له في ذلك فقط لم يفوت نفسه حظه من سؤر النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني : ما الحكمة في كونه صلى الله تعالى عليه وسلم استأذن ابن عباس أن يعطي خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه قبله ولم يستأذن الأعرابي في أن يعطي أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قبله ، وأجيب بأنه إنما استأذن الغلام دون الأعرابي إدلالا على الغلام وهو ابن عباس ثقة بطيب نفسه بأصل الاستئذان والأشياخ أقاربه ، وأما الأعرابي فلم يستأذنه مخافة من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه ، وربما سبق إلى قلب ذلك الأعرابي شيء يأنف به لقرب عهده بالجاهلية . الثالث : هل من سبق إلى مجلس عالم أو كبير أو إلى موضع من المسجد أو إلى موضع مباح فهو أحق به ممن يجيء بعده أم لا ؟ أجيب بأن حكمه حكم الشرب في أن القاعد على اليمين أحق كائنا من كان ، فكذلك هنا السابق أحق كائنا من كان ولا يقام أحد من مجلس جلسه .
باب بيع الحطب والكلأ أي هذا باب في بيان حكم بيع الحطب والكلأ بفتح الكاف واللام وفي آخره همزة وهو العشب سواء كان رطبا أو يابسا ، وقد مر تفسيره غير مرة ، وجه إدخال هذا الباب في كتاب الشرب من حيث اشتراك الماء والحطب والكلأ في جواز الانتفاع بها لأنها من المباحات فلا يختص بها أحد دون أحد ، فمن سبقت يده إلى شيء من ذلك فقد ملكه ، وقال ابن بطال : إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاء من نبات الأرض متفق عليه حتى يقع ذلك في أرض مملوكة فترتفع الإباحة . 21 - حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا وهيب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لأن يأخذ أحدكم أحبلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس أعطي أم منع . مطابقته للترجمة في قوله فيأخذ حزمة من حطب فيبيع ، ووهيب مصغر وهب بن خالد البصري ، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب الاستعفاف في المسألة فإنه أخرجه هناك عن موسى ، عن وهب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن الزبير إلى آخره . وقد مر الكلام فيه هناك ، قوله وجهه أي ماء وجهه أي عرضه ، قوله أعطي أم منع كلاهما على بناء المجهول .
23 - حدثنا إبراهيم بن موسى ، قال : أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني ابن شهاب ، عن علي بن حسين بن علي ، عن أبيه حسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أنه قال : أصبت شارفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر ، قال : وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا أخرى فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه ، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة فاطمة وحمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه يشرب في ذلك البيت ومعه قينة ، فقالت : ألا يا حمز للشرف النواء فثار إليهما حمزة بالسيف ، فجب أسنمتهما وبقر خواصرهما ثم أخذ من أكبادهما ، قلت لابن شهاب : ومن السنام ؟ قال : قد جب أسنمتهما فذهب بها ، قال ابن شهاب : قال علي رضي الله عنه : فنظرت إلى منظر أفظعني ، فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر ، فخرج ومعه زيد ، فانطلقت معه فدخل على حمزة فتغيظ عليه ، فرفع حمزة بصره ، وقال : هل أنتم إلا عبيد لآبائي ؟ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقهقر حتى خرج عنهم ، وذلك قبل تحريم الخمر . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه فإنه يدل على ما ترجم به من جواز الاحتطاب وقلع الإذخر وبيعه من نوع الاحتطاب وبيع الحطب . وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير ، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني اليماني قاضيها ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن أحمد بن صالح ، وفيه وفي البيوع وفي اللباس وفي الخمس عن عبدان ، وأخرجه مسلم وأبو داود ، ومضى بعض الحديث في كتاب البيوع في باب ما قيل في الصواغ ، ومر تفسير ما ذكر هناك ولنذكر ما بقي وإن كان لا يخلو عن تكرار لأن كل ما تكرر تقرر . قوله شارفا بالشين المعجمة وبالفاء وهي المسنة من النوق ، قوله يوم بدر كانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، قوله ومعي صائغ ويروى ومعي رجل صائغ كذا هو في الأصول من الصوغ ، وفي التوضيح : وعند أبي ذر طالع باللام أي دال على الطريق ، وفي المطالع ومعي طالع كذا لأكثرهم وفسروه بالدليل يعني الطليعة ، ووقع للمستملي وابن السكن : صايغ وهو المعروف في غير هذا الموضع من هذا الكتاب ومسلم وغيره ، وقال الكرماني : وصائغ بالمهملة وبالهمزة بعد الألف وبالمعجمة وطابع بالموحدة وطالع باللام أي من يدله عليه ويساعده ، وقد يقال أيضا : إنه اسم الرجل ، قوله من بني قينقاع بفتح القاف وكسر النون وفتحها وضمها . ذكر معناه قوله قينة بفتح القاف الأمة وهاهنا المراد بها المغنية ، قوله ألا يا حمز للشرف النواء وهذه إشارة إلى ما في قصيدة مطلعها : ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها وضرجهن حمزة بالدماء وعجل من أطايبها لشرب قديرا من طبيخ أو شواء قوله ألا كلمة تنبيه ، قوله يا حمز مرخم ، قوله للشرف بضمتين جمع شارف هي المسنة من النوق وقد مر الآن ، وقال الداودي : الشرف القوم المجتمعون على الشراب ، قوله النواء بكسر النون صفة للشرف وهو جمع ناوية وهي السمينة ، وفي المطالع : النواء السمان ، والتي بكسر النون وفتحها وتشديد الياء الشحم ، ويقال : بالفتح الفعل وبالكسر الاسم ، ويقال : نوت الناقة إذا سمنت فهي ناوية ، والجمع نواء ، ووقع عند الأصيلي في موضع وعند القابسي أيضا النوى بكسر النون وبالقصر ، وحكى الخطابي أن عوام الرواة يقولون : النوى بفتح النون والقصر ، وفسره محمد بن جرير الطبري فقال : النوى جمع نواة يريد الحاجة ، وقال الخطابي : هذا وهم وتصحيف ، ثم فسر النوى بما تقدم وفسره الداودي بالحبا والكرامة وهذا أبعد ، قوله وهن أي الشرف المذكورة معقلات أي مشدودات بالعقال وهو الحبل الذي يعقل به البعير أي يشد ويربط حتى لا يذهب ، وإنما شدد معقلات للتكثير ، قوله بالفناء بكسر الفاء وهو المكان المتسع أمام الدار ، قوله في اللبات جمع لبة وهي المنحر ، قوله وضرجهن أمر من التضريج بالضاد المعجمة وبالجيم التدمية ، قوله حمزة أي يا حمزة فحذف منه حرف النداء ، قوله من أطايبها جمع أطيب ، العرب تقول : أطايب الجزور السنام والكبد ، قوله لشرب بفتح الشين وسكون الراء وهو الجماعة يشربون الخمر ، قوله قديرا نصب على أنه مفعول لقوله وعجل والقدير المطبوخ في القدر ، قوله فثار إليهما أي إلى الشارفين ، وثار من ثار يثور إذا قام بنهضة ، قوله فجب بالجيم والباء الموحدة المشددة أي قطع ، قوله أسنمتها الأسنمة جمع سنام ، ولكن المراد اثنان ، وهذا من قبيل قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا والمراد قلبا كما قوله ، وبقر بالباء الموحدة والقاف أي شق خواصراهما والمراد خصراهما والخاصرة الشاكلة ، قوله ثم أخذ من أكبادهما الأكباد جمع كبد ، وإنما أخذ من أكبادهما وأخذ السنامين لأنا قد ذكرنا الآن أن العرب تقول : أطايب الجزور السنام والكبد ، قوله قلت لابن شهاب القائل هو ابن جريج الراوي وهو من قوله هذا إلى قوله قال علي ليس من الحديث وهو مدرج ، وقوله قال علي هو ابن أبي طالب لا علي بن الحسين المذكور فيه ، وذكره ابن شهاب تعليقا . قوله أفظعني أي خوفني ، قال ابن فارس : أفظع الأمر وفظع اشتد وهو مفظع وفظيع ، ومادته فاء وظاء معجمة وعين مهملة ، قوله وعنده زيد بن حارثة أي عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن حارثة بن شراحيل القضاعي الكلبي حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه أصابه سباء فاشتري لخديجة رضي الله تعالى عنها فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صبي ، فأعتقه وتبناه . قال ابن عمر : ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة ، قتل بمؤتة رضي الله تعالى عنه ، ودخول علي رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة عنده فيه خصوصية به ، وكانوا يلجأون إليهم في نوائبهم . قوله فتغيظ عليه أي أظهر الغيظ عليه ، قوله إلا عبيد لآبائي أراد به التفاخر عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب ومن فوقه ، وقال الداودي : يعني أن عبد الله أبا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا طالب عمه كانا كالعبدين لعبد المطلب في الخضوع لحرمته وجواز تصرفه في مالهما ، وعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم والجد كالسيد ، قوله يقهقر في محل النصب على الحال ومعناه رجع إلى ورائه ، قوله وذلك قبل تحريم الخمر أي المذكور من هذه القضية كان قبل تحريم الخمر ؛ لأن حمزة رضي الله تعالى عنه استشهد يوم أحد وكان يوم أحد في السنة الثالثة من الهجرة يوم السبت منتصف شوال وتحريم الخمر بعده ؛ فلذلك عذره النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال وفعل ولم يؤاخذه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن للغانم قد يعطى من الغنيمة بوجهين من الخمس ومن الأربعة أخماس قاله التيمي ، وفيه أن مالك الناقة له الانتفاع بها بالحمل عليها ، وفيه جواز الاحتشاش ، وفيه سنة الوليمة ، وفيه إناخة الناقة على باب غيره إذا لم يتضرر به ، وفيه تبسط المرء في مال قريبه إذا كان يعلم أنه يحلله منه ، وفيه قبول خبر الواحد لأن عليا رضي الله تعالى عنه عمل على قول من أخبر بفعل حمزة حين استعدى عليه ، وفيه جواز الاجتماع على شرب الشراب المباح ، وفيه أن المأكول أو المشروب إذا قدم إلى الجماعة جاز أن يتناول كل واحد منهم من ذلك بقدر الحاجة من غير تقدير ، وفيه جواز الغناء بالقول والمباح من القول وإنشاد الشعر ، وفيه إباحة السماع من الأمة ، وفيه جواز النحر بالسيف ، وفيه جواز التخيير فيما يأكله كاختيار الكبد وذلك ليس بإسراف ، وفيه أن من دل إنسانا على مال لقريبه ليس ظالما ، وفيه حل ذبيحة من ذبح ناقة غيره بغير إذنه ، وفيه جواز تسمية الاثنين باسم الجماعة ، وفيه جواز الاستعداء على الخصم للسلطان ، وفيه أن للإنسان أن يستخدم غيره في أموره لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا زيدا وذهب به معه ، وفيه سنة الاستئذان في الدخول واستئذان الواحد كاف عنه وعن الجماعة ، وفيه أن السكران يلام إذا كان يعقل اللوم ، وفيه أن الإمام يلقى الخصم في كمال الهيئة لأنه صلى الله عليه وسلم أخذ رداءه حين ذهب إلى حمزة ، وفيه جواز إطلاق الكلام على التشبيه كما قال حمزة هل أنتم إلا عبيد آبائي أي كعبيد آبائي ، وفيه إشارة إلى شرف عبد المطلب ، وفيه علة تحريم الخمر من أجل ما جنى حمزة على الشارع من هجر القول ، وفيه أن للإمام أن يمضي إلى أهل بيت إذا بلغه أنهم على منكر فيغيره ، وفيه أن تضمين الجنايات من ذوي الأرحام العادم فيها أن يهدر من أجل القرابة كما هدر علي رضي الله تعالى عنه قيمة الناقتين مع تأكيد الحاجة إليهما وإلى ما كان يستقبله من الإنفاق في وليمة عرسه ، وفيه أن السكران إذا طلق أو افترى لا شيء عليه وعورض أن الشارع وعليا تركا حقوقهما وأيضا فالخمر كانت حلالا إذ ذاك بخلاف الآن فيلزم بذلك لأنه أدخله على نفسه هكذا ذكروا هذه الأشياء وفي هذا الزمان لا يمشي بعض ذلك بل يقف عليه من له اعتناء بالفقه ، والله أعلم .
22 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه . هذا الحديث مضى أيضا في كتاب الزكاة في الباب المذكور فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وأبو عبيد مصغر العبد وقد مر .
باب شرب الأعلى قبل الأسفل . أي هذا باب في بيان حكم شرب الأعلى قبل الأسفل ، وفي رواية الحموي والكشميهني : قبل السفلي ، قال بعضهم : والأول أولى ، قلت : لا أولوية هنا لأن معنى السفلي قبل صاحب الأرض السفلى ، ويجوز أن يقال في موضع الأعلى العليا على تقدير شرب صاحب الأرض العليا ، فتذكير الأعلى والأسفل باعتبار الصاحب وتأنيثهما باعتبار الأرض بالتقدير المذكور . 9 - حدثنا عبدان ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : خاصم الزبير رجل من الأنصار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا زبير أسق ثم أرسل ، فقال الأنصاري : أنه ابن عمتك ؟ فقال عليه السلام : اسق يا زبير ثم يبلغ الماء الجدر ثم أمسك ، فقال الزبير : فأحسب هذه الآية نزلت في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا زبير أسق ثم أرسل فإنه يعلم منه أن الزبير هو الأعلى لأن إرسال الماء لا يكون إلا من الأعلى إلى الأسفل ، وعبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ومعمر بفتحتين هو ابن راشد ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب . قوله ثم أرسل كذا في رواية الأكثرين بغير ذكر مفعوله ، وفي رواية الكشميهني ثم أرسل الماء ، قوله ثم يبلغ الماء الجدر هكذا هو في رواية كريمة والأصيلي ، وفي رواية غيرهما أسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ، وسقط من رواية أبي ذر ذكر الماء ، وفي رواية للبخاري في الأشربة من وجه آخر عن معمر : ثم أرسل الماء إلى جارك ، ومعاني بقية الألفاظ والحكم تقدمت في الباب السابق .
12 - حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ، فقال : دنت مني النار ، حتى قلت : أي رب ، وأنا معهم ؟ فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة ، قال : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حتى ماتت جوعا . مطابقته للترجمة من حيث إن هذه المرأة لما حبست هذه الهرة إلى أن ماتت بالجوع والعطش فاستحقت هذا العذاب ، فلو كانت سقتها لم تعذب ، ومن هنا يعلم فضل سقي الماء وهو المطابق للترجمة . وهذا الحديث بعين هذا الإسناد قد مر في كتاب الصلاة في باب ما يقرأ بعد التكبير ولكن بأطول منه . وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري ، ونافع بن عمر بن عبد الله الجمحي من أهل مكة ، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير بن عبد الله الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله دنت أي قربت ، قوله أي ربي يعني يا ربي ، قوله وأنا معهم فيه تعجب وتعجيب واستبعاد من قربه من أهل جهنم ، فكأنه قال : كيف قربوا مني وبيني وبينهم غاية المنافاة المقتضية لبعد المشرقين ؟ قوله فإذا امرأة كلمة إذا للمفاجأة ، قوله حسبت من كلام أسماء ، قوله أنه قال أي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال ، قوله تخدشها أي تكدحها ، وأصل الخدش قشر الجلد بعود أو نحوه ، من خدش يخدش خدشا من باب ضرب يضرب .
13 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار ، قال : فقال والله أعلم : لا أنت أطعمتيها ولا سقيتيها حين حبستيها ولا أنت أرسلتيها فأكلت من خشاش الأرض . مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق ، والحديث أخرجه مسلم في الأدب وفي الحيوان عن هارون بن عبد الله وعبد الله بن جعفر البرمكي . قوله في هرة أي في شأن هرة أو بسبب هرة ، قوله فدخلت فيها أي بسببها ، قوله قال فقال أي قال النبي صلى الله عليه وسلم : فقال الله تعالى ، أو مالك خازن النار ، قوله والله أعلم جملة معترضة بين قوله فقال وبين لا أنت إلى آخره ، قوله أطعمتها يروى أطعمتيها مع أخواتها آلة بإشباع كسراتها ياء ، قوله فأكلت ويروى فتأكل ، قوله من خشاش الأرض بكسر الخاء المعجمة وخفة الشين الأولى الحشرات وقد تفتح الخاء ، وقال النووي : وقد تضم أيضا ، وقال أبو عبيدة : الخشاش بالكسر إلا الطير الصغير ، فإنه بالفتح ، وفي الغريب للمصنف : الخشاش شرار الطير . قال القرطبي : وظاهر الحديث يدل على تملك الهرة لأنه أضافها للمرأة باللام التي هي ظاهرة في الملك ، وفيه أن النار مخلوقة ، وفيه أن بعض الناس معذب اليوم في جهنم ، وفيه في تعذيبها بسبب الهرة دلالة على أن فعلها كبيرة لأنها أصرت عليه .
باب فضل سقي الماء . أي هذا باب في بيان فضل سقي الماء لكل من له حاجة إلى ذلك . 11 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش ، فنزل بئرا فشرب منها ، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي ، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ، ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقد مر في كتاب الصلاة ، وأبو صالح ذكوان الزيات ، ورجال هذا الإسناد مدنيون إلا شيخ البخاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المظالم عن القعنبي ، وفي الأدب عن إسماعيل وأخرجه مسلم في الحيوان عن قتيبة ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي ، أربعتهم عن مالك . ( ذكر معناه ) قوله بينا قد ذكرنا غير مرة أن أصله بين ، فأشبعت فتحة النون فصار بينا ، ويضاف إلى جملة وهي هنا قوله رجل يمشي ، قوله فاشتد عليه الفاء فيه وقعت هنا موقع إذا تقديره بينا رجل يمشي إذا اشتد عليه العطش وهو جواب بينا ، ووقع في رواية المظالم بينما ، وكلاهما سواء في الحكم ، وفي رواية الدارقطني في الموطآت من طريق روح عن مالك يمشي بفلاة ، وله من طريق ابن وهب عن مالك يمشي بطريق مكة ، وليس في رواية مسلم هذه الفاء ، وقد ذكرنا فيما مضى أن الأفصح أن يقع جواب بينا وبينما بلا كلمة إذ وإذا ، ولكن وقوعه بهما كثير ، قوله العطش كذا في رواية الأكثرين وكذا في رواية في الموطأ ، ووقع في رواية المستملي العطاش وهو داء يصيب الإنسان فيشرب فلا يروى ، وقال ابن التين : والصواب العطش ، قال : وقيل : يصح على تقدير أن العطش يحدث منه داء فيكون العطاش اسما للداء كالزكام ، قوله فإذا هو كلمة إذا للمفاجأة ، قوله يأكل الثرى بالثاء المثلثة مقصور يكتب بالياء وهو التراب الندي ، قوله يلهث جملة وقعت حالا من الكلب ، قال ابن قرقول : لهث الكلب بفتح الهاء وكسرها إذا أخرج لسانه من العطش أو الحر ، واللهاث بضم اللام العطش ، وكذلك الطائر ، ولهث الرجل إذا أعيى ، ويقال معناه يبحث بيديه ورجليه في الأرض ، وفي المنتهى : هو ارتفاع النفس يلهث لهثا ولهاثا ، ولهث بالكسر يلهث لهثا ولهاثا مثال سمع سماعا إذا عطش ، قوله بلغ هذا مثل الذي بلغ بي أي بلغ هذا الكلب مثل الذي بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف أي بلغ هذا مبلغا مثل الذي بلغ بي ، وضبطه الحافظ الدمياطي بخطه بضم مثل ، قال بعضهم : ولا يخفى توجيهه ، قلت : كأنه لم يقف على توجيهه وهو أن يكون لفظ هذا مفعول بلغ ، وقوله مثل الذي بلغ بي فاعله فارتفاعه حينئذ على الفاعلية ، قوله فملأ خفه فيه محذوف قبله تقديره فنزل في البئر فملأ خفه ، وفي رواية ابن حبان : فنزع أحد خفيه ، قوله ثم أمسكه بفيه أي بفمه ، وإنما أمسك خفه بفمه لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر ، فدل هذا أن الصعود منها كان عسرا ، قوله ثم رقي بفتح الراء وكسر القاف على مثال صعد وزنا ، ومعنى يقال رقيت في السلم بالكسر إذا صعدت ، وذكره ابن التين بفتح القاف على مثال مضى ، وأنكره وقال عياض في المشارق : هي لغة طيئ يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام والأول أفصح وأشهر ، قوله فسقى الكلب وفي رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح حتى أرواه من الإرواء من الري ، وقد مضت هذه الرواية في كتاب الوضوء في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق عن عبد الصمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش ، فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه ، فشكر الله له حتى أدخله الجنة . قوله فشكر الله له أي أثنى عليه أو قبل عمله فغفر له ، فالفاء فيه للسببية أي بسبب قبول عمله ، غفر له كما في قولك إن يسلم فهو في الجنة أي بسبب إسلامه هو في الجنة ، ويجوز أن تكون الفاء تفسيرية ، تفسير قوله فشكر الله له لأن غفرانه له هو نفس الشكر كما في قوله تعالى فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ على قول من فسر التوبة بالقتل ، وقال القرطبي : معنى قوله فشكر الله له أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته ، وقال بعضهم : هو من عطف الخاص على العام ، قلت : لا يصح هذا هنا لأن شكر الله لهذا الرجل عبارة عن مغفرته إياه كما ذكرناه ، قوله قالوا أي الصحابة . من جملتهم سراقة بن مالك بن جعشم ، روى حديثه ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم ، عن أبيه ، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الضالة من الإبل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي ، فهل لي من أجر إن سقيتها ؟ فقال : نعم ، في كل ذات كبد حرى أجر . قوله وإن لنا هو معطوف على شيء محذوف تقديره الأمر كما ذكرت ، وإن لنا في البهائم أجرا أي في سقيها أو في الإحسان إليها ، قوله في كل كبد يجوز فيه ثلاثة أوجه : فتح الكاف ، وكسر الباء ، وفتح الكاف ، وسكون الباء للتخفيف كما قالوا في الفخذ فخذ وكسر الكاف وسكون الباء ، وقال أبو حاتم : الكبد يذكر ويؤنث ، ولهذا قال رطبة ، والجمع أكباد وأكبد وكبود ، وقال الداودي : يعني كبد كل حي من ذوات الأنفس ، والمراد بالرطبة رطوبة الحياة أو هو كناية عن الحياة ، قوله أجر مرفوع على الابتداء وخبره مقدما ، قوله في كل كبد تقديره أجر حاصل أو كائن في إرواء كل ذي كبد حي ، وأبعد الكرماني في سؤاله هنا حيث يقول : الكبد ليست ظرفا للأجر ، فما معنى كلمة الظرفية ؟ ثم قال : تقديره الأجر ثابت في إرواء أو في رعاية كل حي ، وجه الإبعاد أن كل من شم شيئا من علم العربية يعرف أن الجار والمجرور لا بد أن يتعلق بشيء إما ظاهرا أو مقدرا ، فإذا لم يصلح المذكور أن يتعلق به يقدر لفظ كائن أو حاصل أو نحوهما فلا حاجة إلى السؤال والجواب ، ثم قال : أو الكلمة للسببية يعني كلمة في للسببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم في النفس المؤمنة مائة إبل أي بسبب قتل النفس المؤمنة ، ومع هذا المتعلق محذوف أي بسبب قتل النفس المؤمنة الواجب مائة إبل ، وكذلك التقدير هنا بسبب إرواء كل كبد أجر حاصل ، وقال الداودي : هذا عام في جميع الحيوانات ، وقال أبو عبد الملك : هذا الحديث كان في بني إسرائيل ، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب فيه ، وأما قوله في كل كبد فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره ، وكذا قال النووي : إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم ، وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه . قلت : القلب الذي فيه الشفقة والرحمة يجنح إلى قول الداودي ، وفي القلب من قول أبي عبد الملك حزازة ، ويتوجه الرد على كلامه من وجوه : الأول : قوله كان في بني إسرائيل لا دليل عليه ، فما المانع أن أحدا من هذه الأمة قد فعل هذا وكوشف للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبره بذلك حثا لأمته على فعل ذلك ؟ وصدور هذا الفعل من أحد من أمته يجوز أن يكون في زمنه ويجوز أن يكون بعده بأن يفعل أحد هذا وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أنه سيكون كذا ، وأخبره بذلك في صورة الكائن لأن الذي يخبره عن المستقبل كالواقع لأنه مخبر صادق ، وكل ما يخبره من المغيبات الآتية كائن لا محالة ، والثاني قوله وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب لا يقوم به دليل على مدعاه لأن أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بإباحة الانتفاع بها للصيد وللماشية والزرع ، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم ورفع لحكمه ، والثالث دعوى الخصوص تحكم ولا دليل عليه لأن تخصيص العام بلا دليل إلغاء لحكمه الذي تناوله فلا يجوز ، والعجب من النووي أيضا أنه ادعى عموم الحديث المذكور للحيوان المحترم وهو أيضا لا دليل عليه ، وأصل الحديث مبني على إظهار الشفقة لمخلوقات الله تعالى من الحيوانات ، وإظهار الشفقة لا ينافي إباحة قتل المؤذي من الحيوانات ، ويفعل في هذا ما قاله ابن التيمي : لا يمتنع إجراؤه على عمومه ، يعني فيسقي ثم يقتل لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة ، فعلى قول مدعي الخصوص : الكافر الحربي والمرتد الذي استمر على ارتداده إذا قدما للقتل وكان العطش قد غلب عليهما ينبغي أن يأثم من يسقيهما لأنهما غير محترمين في ذلك الوقت ، ولا يميل قلب شفوق فيه رحمة إلى منع السقي عنهما يسقيان ثم يقتلان . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال بعضهم : فيه جواز السفر منفردا وبغير زاد ، قلت : قد ورد النهي عن سفر الرجل وحده ، والحديث لا يدل على أن رجلا كان مسافرا لأنه قال : بينا رجل يمشي فيجوز أن يكون ماشيا في أطراف مدينة أو عمارة أو كان ماشيا في موضع في مدينته وكان خاليا من السكان ، فإن قلت : قد مضى في أوائل الباب أن في رواية الدارقطني يمشي بفلاة ، وفي رواية أخرى : يمشي بطريق مكة ، قلت : لا يلزم من ذلك أن يكون الرجل المذكور مسافرا ، ولئن سلمنا أنه كان مسافرا لكن يحتمل أنه كان معه قوم فانقطع منهم في الفلاة لضرورة عرضت له ، فجرى له ما جرى فلا يفهم منه جواز السفر وحده فافهم ، وأما السفر بغير زاد فإن كان في علمه أنه يحصل له الزاد في طريقه فلا بأس ، وإن كان يتحقق عدمه فلا يجوز له بغير الزاد ، وفيه الحث على الإحسان إلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي بني آدم أعظم أجرا ، وفيه أن سقي الماء من أعظم القربات ، قال بعض التابعين : من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء فإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلبا ، فما ظنكم بمن سقى مؤمنا موحدا وأحياه بذلك ؟ وقال ابن التين : وروي عنه مرفوعا أنه دخل على رجل في السياق ، فقال له : ماذا ترى ؟ فقال : أرى ملكين يتأخران وأسودين يدنوان ، وأرى الشر ينمى والخير يضمحل ، فأعني منك بدعوة يا نبي الله ، فقال : اللهم اشكر له اليسير واعف عنه الكثير ، ثم قال له : ماذا ترى ؟ فقال : أرى ملكين يدنوان والأسودين يتأخران ، وأرى الخير ينمى والشر يضمحل ، قال : فما وجدت أفضل عملك ؟ قال : سقي الماء . وفي حديث سئل صلى الله عليه وسلم : أي الصدقة أفضل ؟ قال : سقي الماء ، وفيه ما احتج به على جواز الصدقة على المشركين لعموم قوله أجر ، وفيه أن المجازاة على الخير والشر قد يكون يوم القيامة من جنس الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم : من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم ، وقال بعضهم : ينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم ، فالمسلم أحق ، قلت : هذا قيد لا يعتبر به بل تجوز الصدقة على الكافر سواء يوجد هناك مسلم أو لا ، وقال بعضهم أيضا . وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق ، قلت : إنما يكون أحق فيما إذا قسم بينهما يخاف على المسلم من الهلاك أو إذا أخذ جزا للبهيمة يخاف على المسلم ، فأما إذا لم يوجد واحد منهما ينبغي أن لا تحرم البهيمة أيضا لأنها ذات كبد رطبة . تابعه حماد بن سلمة والربيع بن مسلم عن محمد بن زياد
باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار أي هذا باب في بيان حال شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار مقصوده الإشارة إلى أن ماء الأنهار الجارية غير مختص لأحد ، وقام الإجماع على جواز الشرب منها دون استئذان أحد لأن الله تعالى خلقها للناس وللبهائم ولا مالك لها غير الله ، فإذا أخذ أحد منها شيئا في وعائه صار ملكه فيتصرف فيه بالبيع والهبة والصدقة ونحوها ، فقال أبو حنيفة ومالك : لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلا وإلى أجل ، وقال محمد : هو مما يكال أو يوزن وقد صح أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ، فعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل ولا النسيئة لوجود علة الربا وهي الكيل والوزن ، وبه قال الشافعي لأن العلة الطعم . 19 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر . فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر ، فقال : ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ولو أنها مرت بنهر فشربت منه توضيحه أن ماء النهر لو كان مختصا لأحد لاحتيج إلى إذنه ، وحيث أطلقه الشارع يدل على أنه غير مختص بأحد ولا في ملك أحد ، وقال بعضهم : والمقصود منه أي من هذا الحديث قوله فيه ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ، ولم يرد أن يسقي فإنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب الماء ولو لم يرد ذلك صاحبها فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر بقصده من باب الأولى ، انتهى . قلت : غرض هذا القائل من هذا الكلام بيان المطابقة بين الترجمة والحديث المذكور ، ولكن بمعزل من ذلك وبعد عظيم لأن عقد الترجمة في بيان أن ماء الأنهار لا يختص بأحد يشرب منها الناس والدواب وليست بمعقودة في حصول الأجر بقصد صاحب الدابة وبغير قصده إذا شربت منه . ورجاله قد تكرر ذكرهم وأبو صالح ذكوان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الجهاد وفي علامات النبوة عن القعنبي ، وفي التفسير وفي الاعتصام عن إسماعيل كلاهما عن مالك عنه به ، وفي التفسير أيضا عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن مالك بقصة الحمر ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن سويد بن سعيد وعن يونس عن ابن وهب ، وأخرجه النسائي في الخيل عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك بقصة الخيل . ذكر معناه قوله أجر أي ثواب ، قوله ستر أي ساتر لفقره ولحاله ، قوله وزر أي إثم وثقل ، قوله ربطها في سبيل الله أي أعدها للجهاد ، وأصله من ربط الشيء ومنه المرابط وهو الرجل يحبس نفسه في الثغور ، والرباط وهو المكان الذي يرابط فيه المجاهد ويعد الأهبة لذلك ، وقيل : من ربط صاحبه عن المعاصي وعقله كمن ربط وعقل ، قوله فأطال بها في مرج أي شدها في طوله الطول بكسر الطاء وفتح الواو وفي آخره لام ، وكذلك الطيل بالياء موضع الواو وهو حبل طويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه ، وقيل : هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى ، وقال ابن وهب : هو الرسن والمرج الأرض الواسعة ، قال أبو المعاني : يجمع الكلأ الكثير والماء تمرج فيها الدواب حيث شاءت والجمع مروج ، قوله طيلها بكسر الطاء وقد مر الآن ، وأنكر يعقوب الياء ، وقال : لا يقال إلا بالواو ، وعن الأخفش هما سواء ، وزعم الخضراوي أن بعضهم أجاز فيه طوال كما تقول العامة ، وأنكر ذلك الزبيدي وقال لا أعرفه صحيحا ، وفي الجامع : ومنهم من يشدد فيقول طول ، ومنه قول الراجز : تعرضت لي في مكان حلي تعرض المهرة في الطول وقال الجوهري : لم يسمع في الطول الذي هو الحبل إلا بكسر الأول وفتح الثاني ، وشدده الراجز ضرورة ، وقد يفعلون مثل ذلك للتكثير ويزيدون في الحرف من بعض حروفه ، وفي المطالع : وعند الجرجاني في طولها في موضع من البخاري ، وكذا في مسلم ، قوله فاستنت أي أفلتت ومرحت ، والاستنان قال في التلويح : الاستنان تفعل من السنن ، وتبعه على ذلك صاحب التوضيح ، قلت : هذا غلط بل هو افتعال ، والسنن القصد ، وقيل : معنى استنت لجت في عدوها إقبالا وإدبارا ، وقيل : الاستنان يختص بالجري إلى فوق ، وقيل : هو النشاط والمرح ، وفي البارع : هو كالرقص ، وقيل : استنت رعت ، وقيل : الجري بغير فارس ، قوله شرفا بفتح الشين المعجمة والراء ما أشرف من الأرض وارتفع ، وقيل : الشرف والشرفان الشوط والشوطان سمي به لأن العادي به يشرف على ما يتوجه إليه ، قوله آثارها الآثار جمع أثر وأثر كل شيء بقيته ، والظاهر أن المراد به أثر خطواتها في الأرض بحافرها ، قوله بنهر بسكون الهاء وفتحها لغتان فصيحتان ذكرهما ثعلب ، وقال الهروي : الفتح أفصح ، وقال ابن خالويه : الأصل فيه التسكين ، وإنما جاز فتحه لأن فيه حرفا من حروف الحلق ، قال : وحروف الحلق إذا وقعت آخر الكلام فتح وسطها وإذا وقعت وسطا فتحت نفسها ، وقيل : لأنه حرف استعلاء ففتح لاستعلائه ، وفي الموعب : نهر ونهور مثل جمع وجموع ، وقال أبو حاتم : نهر وأنهار مثل جبل وأجبال ، قوله ولم يرد أن يسقيها من باب التنبيه لأنه إذا كان يحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا قصدها فأولى بأضعاف الحسنات ، قال القرطبي : لا يريد أن يسقيها أي يمنعها من شرب يضرها إذا احتبست للشرب لفوته ما يأمله أو إدراك ما يخافه أو لأنه كره أن يشرب من ماء غيره بغير إذنه ، قوله تغنيا نصب على التعليل أي استغناء عن الناس بطلب نتاجها الغنى والعفة ، قوله وتعففا عطف عليه أي لأجل ذلك تعففه عن سؤالهم بما يعمله عليها ويكتسبه على ظهورها ويتردد عليها إلى متاجره أو مزارعه ونحو ذلك فتكون سترا له عن الفاقة ، قوله ثم لم ينس حق الله في رقابها فيؤدي زكاة تجارتها ، قوله ولا ظهورها أي لا يحمل عليها ما لا تطيقه ، وقيل : أن يغيث بها الملهوف ومن تجب معونته ، وقيل : لا ينسى حق الله في ظهورها فيركب عليها في سبيل الله ، واستدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل السائمة وقد مر في كتاب الزكاة ، قوله فخرا نصب على التعليل أي لأجل التفاخر ، قوله ورياء عطف عليه أي لأجل الرياء ليقال إنه يربي خيل كذا ، وكذا قوله ونواء عطف على ما قبله أيضا أي ولأجل النواء بكسر النون وبالمد وهي المعادات وهي أن ينوي إليك وتنوي إليه أي ينهض ، وقال الداودي : بفتح النون والقصر ، وقال : كذا روي والمعروف الأول ، وقال ابن قرقول : القصر وفتح النون وهم ، وعند الإسماعيلي قال ابن أبي الحجاج عن أبي المصعب : بواء بالباء الموحدة ، قوله عن الحمر بضم الحاء والميم جمع حمار ، قوله الفاذة بالذال المعجمة أي المنفردة القليلة النظير في معناها ، وقال الخطابي : سئل عن صدقة الحمر وأشار إلى الآية بأنها جامعة لاشتمال اسم الخير على أنواع الطاعات وجعلها فاذة لخلوها عن بيان ما تحتها من تفصيل أنواعها وجمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات المتناولة لكل خير ومعروف ، ومعناه أن من أحسن إليها أو أساء رآه في الآخرة ، وقيل : إنما قيل إنها فاذة إذ ليس مثلها آية أخرى في قلة الألفاظ وكثرة المعاني لأنها جامعة بين أحكام كل الخيرات والشرور ، وكيفية دلالة الآية على الجواب هي أن سؤالهم أن الحمار له حكم الفرس أم لا ؟ فأجاب بأنه إن كان لخير فلا بد أن يجزى جزاءه ويحصل له الأجر وإلا فبالعكس وإنما لم يسأل صلى الله عليه وسلم عن البغال لقلتها عندهم أو لأنها بمنزلة الحمار . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه حجة من يحتج أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجتهدا وإنما كان يحكم بالوحي ، ورد بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يظهر له أو لم يفسر الله تعالى من أحكامها وأحوالها ما قاله في الخيل وغيرها ، وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم وهو تنبيه للأمة على الاستنباط والقياس ، وكيف يفهم معنى التنزيل لأنه نبه بما لم يذكر الله في كتابه وهي الحمر لما ذكر من عمل مثقال ذرة خيرا يره ؛ إذ كان معناهما واحدا ، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ، وفيه الحث على اقتناء الخيل إذا ربطها في سبيل الله ، ألا ترى أن أرواثها كانت حسنات يوم القيامة ؟ وفيه أن الرياء مذموم وأنه وزر ولا ينفعه العمل المشوب به يوم القيامة .
20 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثنا مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن زيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة ؟ فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ، قال : فضالة الغنم ؟ قال : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : فضالة الإبل ؟ قال : ما لك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها . مطابقته للترجمة في قوله ترد الماء بيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم منع عن التقاط الإبل لأنه لا يخاف عليها من العطش والجوع فترد ماء من المياه وتشرب لا يمنعها أحد لأن الله خلقه للناس وللبهائم وليس له مالك غير الله تعالى ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس عبد الله ابن أخت مالك بن أنس ، وربيعة بفتح الراء هو المشهور بربيعة الرأي ويزيد من الزيادة . ورجال الإسناد كلهم مدنيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي وهما ربيعة ويزيد . والحديث مضى في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر ، عن سليمان بن بلال ، عن ربيعة ، عن يزيد ، عن زيد بن خالد . وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى ، و العفاص بكسر العين المهملة وبالفاء هو الظرف الذي فيه النفقة ، و الوكاء الخيط الذي يربط به ، و السقاء القربة ، و الحذاء بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ما وطئ عليه البعير من خفه وأصله من حذاء النعال ، فقيل لخف الجمل حذاء من ذلك ، وكذا يقال لحافر الخيل .
باب سكر الأنهار أي هذا باب في بيان حكم سكر الأنهار ، السكر بفتح السين المهملة وسكون الكاف سد الماء وحبسه ، يقال : سكرت النهر إذا سددته ، وقال صاحب العين : السكر اسم ذلك السد ، وقال ابن دريد : وأصله من سكرت الريح سكن هبوبها ، وفي المغرب : السكر بالكسر الاسم وقد جاء فيه الفتح على تسميته بالمصدر . 8 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني ابن شهاب ، عن عروة ، عن عبد لله بن الزبير رضي الله عنهما أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر ، فأبى عليه ، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير : اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك . فغضب الأنصاري ، فقال : أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، فقال الزبير : والله إني لأحسب أن هذه الآية نزلت في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : سرح الماء يمر ، فأبى عليه أي امتنع عليه ولم يسرح الماء بل سكره ، والحديث صورته صورة الإرسال ولكنه متصل في المعنى . وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح ، وأخرجه أبو داود في القضايا عن أبي الوليد الطيالسي ، وأخرجه الترمذي في الأحكام وفي التفسير عن قتيبة ، وأخرجه النسائي في القضاء وفي التفسير عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه في السنة وفي الأحكام عن محمد بن رمح به . قوله : رجلا من الأنصار خاصم الزبير ، يعني الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة بالجنة ، قال شيخنا : لم يقع تسمية هذا الرجل في شيء من طرق الحديث فيما وقفت عليه ، ولعل الزبير وبقية الرواة أرادوا ستره لما وقع منه ، وحكى الداودي فيما نقله القاضي عياض عنه أن هذا الرجل كان منافقا ، فإن قلت : ذكر فيه أنه من الأنصار ، قلت : قال النووي : لا يخالف هذا قوله فيه أنه من الأنصار لأنه يكون من قبيلتهم لا من أنصار المسلمين ، قلت : يعكر على هذا قول البخاري في كتاب الصلح أنه من الأنصار قد شهد بدرا ، ويدل عليه أيضا قوله في الحديث في رواية الترمذي وغيره : فغضب الأنصاري ، فقال : يا رسول الله . ولم يكن غير المسلمين يخاطبونه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقولهم : يا رسول الله ، وإنما كانوا يقولون : يا محمد ، ولكن أجاب الداودي عن هذا الرجل بعد أن جزم أنه كان منافقا بأنه وقع منه ذلك قبل شهوده بدرا لانتفاء النفاق عمن شهد بدرا ، وأما قوله من الأنصار ، فيحمل على المعنى اللغوي يعني ممن كان ينصر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا بمعنى أنه كان من الأنصار المشهورين ، وقد أجاب التوربشتي عن هذا بقوله : قد اجترأ جمع بنسبة هذا الرجل إلى النفاق وهو باطل إذ كونه أنصاريا وصف مدح ، والسلف احترزوا أن يطلقوا على من اتهم بالنفاق الأنصاري ، فالأولى أن يقال هذا قول أزله الشيطان فيه عند الغضب ولا يستبدع من البشر الابتلاء بأمثال ذلك ، قلت : هذا اعتراف منه أن الذي خاصم الزبير هو حاطب ولكنه أبطل اتصافه بالنفاق ، واعتراف منه أنه أنصاري وليس بأنصاري إلا إذا حملنا ذلك على المعنى الذي ذكرناه آنفا . وقد سماه الواحدي في أسباب النزول ، وقال : إنه حاطب بن أبي بلتعة ، وكذا سماه محمد بن الحسن النقاش ومكي والمهدوي ، ورد عليهم بأن حاطبا مهاجري وليس من الأنصار ولكن يحسن حمله على المعنى الذي ذكرناه ، وقال الواحدي : وقيل : إنه ثعلبة بن حاطب ، وقال ابن بشكوال في المبهمات ، وقال شيخنا أبو الحسن مغيث مرارا : إنه ثابت بن قيس بن شماس ، قال : ولم يأت على ذلك بشاهد ذكره . وذكر أبو بكر بن المقري في معجمه من رواية الزهري عن عروة أن حميدا رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة الحديث ، قال أبو موسى المديني : هذا حديث صحيح له طرق ، ولا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلا في هذه الطريق ، وقال : حميد بضم الحاء وفي آخره دال مهملة ، قلت : روى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، سمعته من الزهري فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية ، قال : نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء الحديث ، فهذا إسناده قوي وإن كان مرسلا ، وإن كان ابن المسيب سمعه من الزبير يكون موصولا ، فهذا يقوي قول من قال : إن الذي خاصم الزبير حاطب بن أبي بلتعة وهو بدري وليس من الأنصار ، وقال النووي : قال العلماء : لو صدر مثل هذا الكلام اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه ، قالوا : وأما ترك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين الذين في قلوبهم مرض . وقال الثعلبي : فلما خرجا ، يعني الزبير وحاطبا ، مرا على المقداد ، فقال : لمن كان القضاء يا أبا بلتعة ؟ فقال : قضى لابن عمته ، ولوى شدقه ، فطن له يهودي كان مع المقداد ، فقال : قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم ، وايم الله لقد أذنبنا مرة في حياة موسى عليه الصلاة والسلام ، فدعانا موسى إلى التوبة منه ، فقال : اقتلوا أنفسكم ، فقتلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في ربنا حتى رضي عنا ، قلت : هذا موضع تأمل . قوله في شراج الحرة الشراج بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره جيم ، قيل : هو واحد ، وقيل : هو جمع شرج ، مثل رهن ورهان ، وبحر وبحار . وفي المنتهى لأبي المعاني : الشرج مسيل الماء من الحزن إلى السهل ، والجمع شراج وشروج وشرج ، وقيل : الشرج جمع شراج ، والشراج جمع شرج ، وفي المحكم : ويجمع على أشراج ، وفي رواية للبخاري : شريج الحرة ، وإنما أضيف إلى الحرة لكونها فيها ، وقال الداودي : الشراج نهر عند الحرة بالمدينة ، وهذا غريب ، وليس بالمدينة نهر ، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء من الأرض الصلبة الغليظة التي أفنيتها كلها حجارة سود نخرة كأنها مطرت ، والجمع حرات وحرار ، وفي مثلث ابن سيده : ويجمع أيضا على حرون ، وبالمدينة حرتان حرة واقم وحرة ليلى ، زاد ابن عديس في المثنى والمثلث : وحرة الحوض من المدينة والعقيق ، وحرة قبا في قبلة المدينة ، وزاد ياقوت وحرة الوبرة بالتحريك ، وأوله واو بعدها باء موحدة على أميال من المدينة ، وحرة النار قرب المدينة ، قوله التي يسقون بها ، وفي رواية شعيب كانا يسقيان به كلاهما ، قوله سرح الماء أمر من التسريح أي أرسله وسيبه ، ومنه سرحوا الماء في الخندق ، قوله يمر جملة وقعت حالا من الماء ، وقال بعضهم : وضبط الكرماني فأمره بكسر الميم وتشديد الراء على أنه فعل أمر من الإمرار ، قال : وهو محتمل ، قلت : لم أر ذلك في شرح الكرماني فإن كانت النسخ مختلفة فلا يبعد ، قوله فأبى عليه أي امتنع الزبير على الذي خاصمه من إرسال الماء ، وإنما قال الأنصاري ذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري ، فحبسه لإكمال سقي أرضه ثم يرسله إلى أرض جاره ، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك فأبى عليه ، قوله اسق يا زبير بكسر الهمزة من سقى يسقي من باب ضرب يضرب ، وحكى ابن التين بفتح الهمزة من الثلاثي المزيد فيه من أسقى يسقي إسقاء ، وقال بعضهم : حكى ابن التين بهمزة قطع من الرباعي ، قلت : هذا ليس بمصطلح ، فلا يقال : رباعي إلا لكلمة أصول حروفها أربعة أحرف ، وسقى ثلاثي مجرد ، فلما زيد فيه الألف صار ثلاثيا مزيدا ، فيه قوله ( أن كان ابن عمتك ) بفتح همزة أن ، وأصله لأن كان فحذف اللام ، ومثل هذا كثير ، والتقدير حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابن عمتك ، وكانت أم الزبير صفية بنت عبد المطلب وهي عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن مالك : يجوز فيه الفتح والكسر لأنها واقعة بعد كلام تام معلل بمضمون ما صدر بها ، فإذا كسرت قدر قبلها ألفا وإذا فتحت قدر اللام قبلها ، وقد ثبت الوجهان في قوله تعالى : نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ بالفتح قرأ نافع والكسائي والباقون بالكسر ، وقال بعضهم : وحكى الكرماني : إن كان بكسر الهمزة على أنها شرطية والجواب محذوف ، قال : ولا أعرف هذه الرواية ، نعم وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق ، فقال : اعدل يا رسول الله وإن كان ابن عمتك ، والظاهر أن هذه بالكسر ، انتهى . قلت : لم يذكر الكرماني هذا في شرحه ، وإن ذكره فله وجه موجه يدل عليه رواية عبد الرحمن بن إسحاق لأن إن فيها بالكسر جزما فلا يحتاج إلا أن يقال ، والظاهر أن هذه بالكسر ، وأيضا عدم معرفته بهذه الرواية لا يستلزم العدم مطلقا فافهم ، قوله فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي تغير ، وهذا كناية عن الغضب ، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال ، قوله ثم احبس الماء ليس المراد منه أمسك الماء بل أمسك نفسك عن السقي حتى يرجع إلى الجدر أي حتى يصير إليه ، والجدر بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وهو جر الجدار الذي هو الحائل بين المشارب وهو الحواجز التي تحبس الماء ، وقال أبو موسى المديني : ورواه بعضهم حتى يبلغ الجدر بضم الجيم والدال جمع جدار ، وقال ابن التين : ضبط في أكثر الروايات بفتح الدال وفي بعضها بالسكون ، وهو الذي في اللغة ، وهو أصل الحائط ، وقال القرطبي : لم يقع في الرواية إلا بالسكون ، والمعنى أن يصل الماء إلى أصول النخل ، قال : ويروى بكسر الجيم وهو الجدار ، والمراد به جدران الشربات ، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل ، والشربات بفتح الشين المعجمة والراء وبالباء الموحدة جمع شربة بالفتحات ، قال ابن الأثير : هي حوض يكون في أصل النخلة وحولها يملأ بماء لتشربه ، وحكى الخطابي الجذر بسكون الذال المعجمة وهو جذر الحساب ، والمعنى حتى يبلغ تمام الشرب ، قوله فقال الزبير : والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وزاد شعيب في روايته : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا قوله هذه الآية إشارة إلى قوله فَلا وَرَبِّكَ قوله في ذلك أي فيما ذكر من أمره مع خصمه ، وقال بعضهم : الزبير كان لا يجزم بذلك ، قلت : قوله والله يقتضي الجزم ، ويرد معنى الظن في قوله لأحسب لأنه يجوز أن يكون معناه لأعد هذه الآية أنها نزلت في ذلك ، ولا سيما قال الزبير في رواية ابن جريج التي تأتي عن قريب : والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك ، فانظر كيف أكد كلامه بالقسم وبإن وبالجملة الاسمية ، وكيف لا يكون الجزم بهذه المؤكدات مع أن هذا القائل قال : لكن وقع في رواية أم سلمة عند الطبري والطبراني الجزم بذلك وأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه . قلت : رواه الواحدي أيضا في أسباب النزول من طريق سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار رضي الله تعالى عنهم ، عن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه ، عن أم سلمة أن الزبير بن العوام خاصم رجلا ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير ، وقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته ، فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية ، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سلمة رجل من آل أبي سلمة ، قال : خاصم الزبير رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى للزبير ، فقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته ، فنزلت فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية . وهنا سبب آخر غريب جدا ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما ، فقال الذي قضى عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلقا إليه ، قال الرجل : يا ابن الخطاب ، قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا ، فقال : ردنا إلى عمر ، فردنا إليك ، فقال : أكذلك ؟ فقال : نعم ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما ، فخرج إليهما مشتملا على سيفه ، فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله ، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، قتل عمر والله صاحبي ، ولولا أني أعجزته لقتلني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل رجل مؤمن ، فأنزل الله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية ، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله ، فكره الله أن يسن ذلك بعد ، فقال : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إلى قوله وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ، وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود ، به قال ابن كثير وهو أثر غريب ومرسل ، وابن لهيعة ضعيف . طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره : حدثنا شعيب بن شعيب ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا عتبة بن ضمرة ، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل ، فقال المقضي عليه : لا أرضى ، فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ذهبا إليه ، فقال الذي قضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي ، فقال أبو بكر : فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى صاحبه أن يرضى ، قال : فأتيا عمر بن الخطاب فأتياه ، فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه ، فأبى أن يرضى ، ثم أتينا أبا بكر ، فقال : أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى ، فسأله عمر ، فقال كذلك ، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله ، فأنزل الله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ إلى آخر الآية . قوله فَلا وَرَبِّكَ أي ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم فقال : لا يؤمنون ، وقيل : هي متصلة بقصة اليهودي ، قوله فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي اختلف واختلط من أمرهم والتبس عليهم حكمه ، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه ، قوله حَرَجًا أي شكا وضيقا ، قوله وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أي فيما أمرتهم به ولا يعارضوه ، ودلت الآية على أن من لم يرض بحكم الرسول فهو غير مؤمن . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن ماء الأودية التي لم تستنبط بعمل فيها مباح ومن سبق إليه فهو أحق به ، وفيه أن أهل الشرب الأعلى يقدم على من هو أسفل منه ويحبس الأول الماء حتى يبلغ إلى جدر حائطه ، ثم يرسل الماء إلى من هو أسفل منه فيسقي كذلك ويحبس الماء كذلك ، ثم يرسله إلى من هو أسفل منه وهكذا ، وفي حديث الباب احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، وفي حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سبل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ، ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل ، والمهزور بالزاي ثم بالراء وادي بني قريظة ، قاله ابن الأثير . وفي حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه ابن ماجه عنه قال : إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء فيه إلى الكعبين ، ثم يرسل الماء إلى أسفل الذي يليه وكذلك حتى تنقضي الحوائط ، وفي حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي الذي أخرجه ابن ماجه أيضا عنه ، قال : قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سيل مهزور الأعلى قبل الأسفل فيسقي الأعلى إلى الكعبين ثم يرسل إلى من هو أسفل منه ، وقال الرافعي : لا مخالفة بين التقديرين لأن الماء إذا بلغ الكعب بلغ أصل الجدار ، وقال ابن شهاب : فقدرت الأنصار والناس قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، كان ذلك إلى الكعبين على ما يجيء إن شاء الله تعالى ، وقال أبو الحسن الماوردي : ليس التقدير بالبلوغ إلى الكعبين على عموم الأزمان والبلدان لأنه يدور بالحاجة ، والحاجة تختلف باختلاف الأرض وباختلاف ما فيها من زرع وشجر وبوقت الزراعة ووقت السقي ، وحمل بعض الفقهاء المتأخرين قول الفقهاء في أنه يسقي الأول أرضه ثم يرسله إلى الثاني ثم يرسله إلى الثالث - أن المراد بالأول من تقدم إحياؤه ، وبالثاني الذي أحيي بعد الأول وهكذا قاله صاحب المهمات وحمل كلام الرافعي عليه ، قال : وليس المراد الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب لا بالسبق فلذلك اعتبرناه . انتهى ، قلت : هذا ليس بشيء ، وليس مراد الرافعي وغيره من الفقهاء بالأول الذي هو أقرب إلى أصل الماء لأنا إذا اعتبرنا هذا يضيع حق الأول ، وذلك لأن الماء إذا نزل من علو فلم يسق الأول حتى نزل الماء إلى الأسفل وسقى به الأسفل ، وبعد ذلك كيف يعود الماء إلى الأول ؟ ولا سيما إذا كان الماء قليلا وانقطع بعد سقي الثاني ، وقد صرح النووي في شرح مسلم بأن المراد بالأول الذي يلي الماء إلا لمحيي الأول ، فقال عند ذكر حديث الزبير : فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبس الماء ويسقي أرضه إلى هذا الحد ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه ، فإن قلت : ما المراد بقوله ثم أرسل الماء إلى جارك فهل هو ما فضل عن الماء الذي حبسه أو إرسال جميع الماء المحبوس أو غيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين ؟ قلت : قال شيخنا : الصحيح الذي ذكره أصحاب الشافعي الأول وهو قول مطرف وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن وهب ، وقد كان ابن القاسم يقول : إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين من القائم أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس منه شيئا في حائطه ، قال ابن وهب : وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي في ذلك وهما أعلم بذلك لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل بالحديث ، وفيه حجة على ما حكي عن أبي حنيفة من أن الأعلى لا يقدم على الأسفل وإنما يسقون بقدر حصصهم ، قاله بعض الشافعية ، قلت : هذا وجه حكاه الرافعي عن الداركي وليس مراد أبي حنيفة من قوله إن الأعلى لا يقدم على الأسفل أنه يختص بالماء ويحرم الأسفل بل كلهم سواء في الاستحقاق غير أن الأول يسقي ثم الثاني ثم الثالث وهلم جرا ، والانتفاع في حق كل واحد بقدر أرضه وقدر حاجته فيكون بالحصص ، وفي المغني لابن قدامة : ولو كان نهيرا صغيرا وسيل فتشاح أهل الأرضين الشاربة عنه فإنه يبدأ بالأعلى ويسقي حتى يبلغ الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه كذلك إلى انتهاء الأراضي فإن لم يفضل عن الأول شيء أو الثاني أو الثالث لا شيء للباقين لأنه ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث ، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا ، والأصل فيه حديث الزبير رضي الله تعالى عنه ، وقال القرطبي في حديث الباب : إن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته ، وهذا ما لم يكن أصله ملكا للأسفل مختصا به فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئا وإن كان يمر عليه ، وفيه الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم أن لا يكلفوا النص على الدعاوي ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته ، وفيه إرشاد الحاكم إلى الإصلاح ، وقال ابن التين : مذهب الجمهور أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة ، ومنع ذلك مالك ، وعن الشافعي في ذلك خلاف والصحيح جوازه ، وفيه أن للحاكم أن يستوعي لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم ير قبولا منهما للصلح ولا رضى بما أشار به كما فعل صلى الله عليه وسلم ، وفيه توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته لأنه صلى الله عليه وسلم عاقبه عليه بما قال بأن استوعى للزبير حقه ووبخه الله تعالى في كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بالحكم ، فقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية ، وقيل : وقعت عقوبته في ماله وقد كانت تقع العقوبات في الأموال كأمره بشق الزقاق وكسر الجرار عند تحريم الخمر تغليظا للتحريم ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحكم وهو غضبان لأنه يفارق غيره من البشر ؛ إذ العصمة قائمة في حقه في حال الرضا والسخط أن لا يقول إلا حقا ، وفيه دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير كما له أن يقيمه . قال محمد بن العباس : قال أبو عبد الله : ليس أحد يذكر عروة عن عبد الله إلا الليث فقط . هكذا وقع في رواية أبي ذر عن الحموي وحده عن الفربري ، ولم يقع هذا في رواية غيره ، ومحمد بن العباس السلمي الأصبهاني وهو من أقران البخاري وتأخر بعده مات سنة ست وستين ومائتين ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه يعني هو الذي صرح بتفرد الليث بذكر عبد الله بن الزبير في إسناده ، وفيه نظر لأن ابن وهب روى عن الليث ويونس جميعا عن ابن شهاب أن عروة حدثه عن أخيه عبد الله بن الزبير بن العوام ، أخرجه النسائي وذكر الحميدي في جمعه أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه ، وفيه نظر أيضا لأنه بهذا السياق في رواية يونس المذكور ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي كما ذكرنا والله أعلم ، ومنه المن علينا .
4 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ . مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ابن خالد الأيلي ، يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة . والحديث أخرجه مسلم من رواية هلال بن أسامة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ : لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ ، وأخرجه أبو داود من رواية جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ، وأخرجه الترمذي من رواية الليث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة نحو رواية أبي داود . واختلف العلماء في أن هذا النهي للتحريم أو التنزيه ، فقال الطيبي : وبنوا ذلك على أن الماء يملك أم لا ؟ فالأولى حمله على الكراهة ، وفي التوضيح : والنهي فيه على التحريم عند مالك والأوزاعي ، ونقله الخطابي وابن التين عن الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واستحبه بعضهم وحمله على الندب ، والأصح عندنا أنه يجب بذله للماشية لا للزرع ، قلت : كذلك مذهب الحنفية الاختصاص بالماشية ، وفرق الشافعي فيما حكاه المزني عنه بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع . ولا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق به حتى يروى لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء ، فأما من لا يفضل له فلا يدخل في هذا النهي لأن صاحب الشيء أولى به ، وتأويل المنع عند مالك في المدونة وغيره معناه في آبار الماشية في الصحراء يحفرها المرء وبقربها كلأ مباح ، فإذا منع الماء اختص بالكلأ ، فأمر أن لا يمنع فضل الماء لئلا يكون مانعا للكلأ ، وقال القاضي في إشرافه في حافر البئر في الموات : لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوض . وقال قوم : يلزمه بالعوض أما حافرها في ملكه فله منع ما عمل من ذلك ويكون أحق بمائها حتى يروى ، ويكون للناس ما فضل إلا من مر بهم لشفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم ، وقال الكوفيون : له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه لا أن لا يكون لشفاههم ودوابهم ماء فيسقيهم وليس عليه سقي زرعهم ، وقال الطيبي ناقلا عن القاضي بعلامة قض اختلفت الروايات في هذا الحديث ، فروى البخاري : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ ، معناه من كان له بئر في موات من الأرض لا يمنع ماشية غيره أن ترد فضل مائه الذي زاد على ما احتاج إليه ليمنعها بذلك عن فضل الكلأ ، فإنه إذا منعهم عن فضل ماء من الأرض لا ماء بها سواه لم يمكن لهم الرعي بها فيصير الكلأ ممنوعا بمنع الماء ، وروى مسلم : لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ ، والمعنى : لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ أي لا يباع فضل الماء ليصير به البائع له كالبائع للكلأ ، فإن من أراد الرعي في حوالي مائه إذا منعه من الورود على مائه إلا بعوض اضطر إلى شرائه ، فيكون بيعه للماء بيعا للكلأ ، وقال النووي : لا يجب على صاحب البئر بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره فيما يملكه من الماء ويجب بذله للماشية ، وللوجوب شروط : أحدها أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحا ، والثاني أن يكون البذل لحاجة الماشية ، والثالث أن يكون هناك مرعى وأن يكون الماء في مستقره فالماء الموجود في إناء لا يجب بذل فضله على الصحيح ، ثم عابرو السبيل يبذل لهم ولمواشيهم ، ولمن أراد الإقامة في الموضع وجهان لأنه لا ضرورة في الإقامة والأصح الوجوب ، وإذا أوجبنا البذل هل يجوز أن يأخذ عليه أجرا كإطعام المضطر ؟ وجهان ، والصحيح لا لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء .
باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى أي هذا باب في بيان قول من قال إلى آخره ، قوله يروى بفتح الواو من الري ، وقال ابن بطال : لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يمنع فضل الماء . هذا تعليل للترجمة ، ووجهه أن منع فضل الماء إنما يتوجه إذا فضل عن حاجة صاحبه ، فهذا يدل على أنه أحق بمائه عند عدم الفضل ، والمراد من حاجة صاحبه حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته ، وهذا في غير الماء المحرز في الإناء ، فإن المحرز فيه لا يجب بذل فضله إلا للمضطر وهو الصحيح ، ثم قوله : لا يمنع على صيغة المجهول وبالرفع لأنه نفي بمعنى النهي ، وذكر عياض أنه في رواية أبي ذر بالجزم بلفظ النهي ، وهذا التعليق وصله البخاري عقيبه كما يجيء الآن . 3 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ . مطابقته للترجمة من حيث إن منع فضل الماء يدل على أن صاحب الماء أحق به عند عدم الفضل ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه البخاري في ترك الحيل عن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في إحياء الموات عن محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم ، أربعتهم عن مالك به ، وأخرجه أبو داود من رواية جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ البخاري ، وكذلك الترمذي من حديث قتيبة عن الليث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، وأخرجه ابن ماجه من رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ : لا يمنع أحدكم فضل الماء يمنع به الكلأ ، وفي لفظ بهذا الإسناد : ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار ، وأخرج ابن ماجه أيضا من رواية حارث عن عمرة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نفع البئر . وأخرج أحمد في مسنده : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله عز وجل فضله ، وأخرج أبو يعلى في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من منع فضل مائه منعه الله فضله يوم القيامة ، وروى ابن مردويه في تفسيره من رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا عباد الله فضل الماء ولا كلأ ولا نارا ، فإن الله جعلها متاعا للمقوين وقوة للمستضعفين . ( ذكر معناه ) قوله لا يمنع على صيغة المجهول ، قوله ليمنع به اللام هذه وإن كان النحاة يقولون إنها لام كي فهي لبيان العاقبة والمآل كما في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا قوله الكلأ بفتح الكاف واللام وبالهمزة العشب سواء كان يابسا أو رطبا ، وفي المحكم : هو اسم للنوع ولا واحد له ، ومعنى هذا الكلام ما قاله الخطابي : هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية ولا يكون لهم مقام إذا منعوا الماء ، فأمر صاحب الماء أن لا يمنع الماشية فضل مائة لئلا يكون مانعا للكلأ ، قلت : توضيح ذلك الذي عليه الجمهور أن يكون حول بئر رجل كلأ ليس عنده ماء غيره ، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي ، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي ، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية ، ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا منه امتنعوا من الرعي هناك ، وقال ابن بزيزة : منع الماء بعد الري من الكبائر . ذكره يحيى في خراجه .
باب لا حمى إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أي هذا باب في بيان حكم قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا حمى إلا لله ولرسوله وعقد هذه الترجمة بلفظ حديث الباب من غير زيادة عليه ، والحمى بكسر الحاء وفتح الميم بلا تنوين مقصور ، وفي المغرب : الحمى موضع الكلأ يحمى من الناس ولا يرعى ولا يقرب ، وفي الصحاح : حميته حماية أي دفعت عنه ، وهذا شيء حمى على فعل أي محظور لا يقرب ، قلت : دل هذا أن لفظ حمى اسم غير مصدر وهو على وزن فعل بكسر الفاء بمعنى مفعول أي محمي محظور هذا معناه اللغوي ، ومعناه الاصطلاحي ما يحمي الإمام من الموات لمواش يعينها ويمنع سائر الناس من الرعي فيها ، وقال ابن الأثير : قيل : كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضا في حيه استعوى كلبا فحمى مدى عواء الكلب لا يشرك فيه غيره ، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله وإبل الزكاة وغيرها ، كما حمى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه النقيع بالنون لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله ، قيل : فيه نظر من حيث إن الملوك والأشراف كانوا يحمون بما شاؤوا فلم يحك أحد أنهم كانوا يحمون بالكلب إلا ما نقل عن وائل بن ربيعة التغلبي ، فغلبت عليه اسم كليب لأنه حمى الحمى بعواء كلب كان يقطع يديه ويدعه وسط مكان يريده فأي موضع بلغ عواؤه لا يقربه أحد ، وبسببه كانت حرب البسوس المشهورة ، وقال ابن بطال : أصل الحمى المنع يعني لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ إلا الله ورسوله ، قال : وذكر ابن وهب أن النقيع الذي حماه سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدره ميل في ثمانية أميال ، والنقيع بالنون المفتوحة والقاف المكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره عين مهملة على عشرين فرسخا من المدينة ، وقيل : على عشرين ميلا ومساحته بريد في بريد ، قال ياقوت : وهو غير نقيع الخضمات الذي كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حماه ، وعكس ذلك أبو عبيد البكري ، وزعم الخطابي أن من الناس من يقوله بالباء الموحدة وهو تصحيف ، والأصل في النقيع أنه كل موضع يستنقع فيه الماء ، وزعم ابن الجوزي أن بعضهم ذهب إلى أنهما واحد والأول أصح . 18 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الصعب بن جثامة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا حمى إلا لله ولرسوله . الحديث عين الترجمة فلا مطابقة أقوى من هذا ، ورجاله سبعة ، كلهم قد ذكروا ويونس بن يزيد الأيلي والصعب ضد السهل ابن جثامة بفتح الميم وتشديد الثاء المثلثة الليثي مر في جزاء الصيد ، ورواية الليث عن يونس من الأقران لأن الليث قد سمع من شيخه ابن شهاب أيضا ، وفي هذا الإسناد تابعيان ابن شهاب وعبيد الله ، وصحابيان عبد الله بن عباس والصعب بن جثامة . وهذا الحديث من أفراده ، ووقع في الإلمام للشيخ تقي الدين القشيري أنه من المتفق عليه وهو وهم بل ربما يكون من الناسخ ، وأخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن ابن السرح عن ابن وهب عن يونس به ، وأخرجه النسائي في الحمى ، وفي السير عن أبي كريب عن ابن إدريس عن مالك عن ابن شهاب . قوله لا حمى إلا لله ولرسوله أي لا حمى لأحد يخص نفسه يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورد ذلك عنه من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة المسلمين ، كما فعل الصديق والفاروق وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك ، وعاب رجل من العرب عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال : بلاد الله حميت لمال الله ، وأنكر أيضا على عثمان أنه زاد في الحمى وليس لأحد أن ينكر ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قد تقدم إليه ولخلفائه الاقتداء به والاهتداء ، وإنما يحمي الإمام ما ليس بملك لأحد مثل بطون الأودية والجبال والموات وإن كان ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم في حماية الإمام أكثر ، وقال ابن التين معنى الحديث لا حمى إلا على ما أذن الله لرسوله أن يحميه لا ما كان يحميه العرب في الجاهلية ، قيل : الأرجح عند الشافعية أن الحمى مختص بالخليفة ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم ، وقال بعضهم : استدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات ، وتعقب بالفرق بينهما فإن الحمى أخص من الإحياء انتهى ، قلت : حصر الحمى لله ولرسوله يدل على أن حكم الأراضي إلى الإمام والموات من الأراضي ، ودعوى أخصية الحمى من الإحياء ممنوعة لأن كلا منهما لا يكون إلا فيما لا مالك له فيستويان في هذا المعنى .
وقال أبو عبد الله : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وأن عمر حمى السرف والربذة . وقع للأكثرين من الرواة هكذا ، وقال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدون لفظ أبو عبد الله ولم يقع ، قال أبو عبد الله : إلا في رواية أبي ذر ، وقال ابن التين : وقع في بعض روايات البخاري ، وقال أبو عبد الله : وبلغنا فجعله من قول البخاري ، وقال بعضهم : فظن بعض الشراح أنه من كلام البخاري المصنف وليس كذلك ، قلت : إن كان مراده من بعض الشراح ابن التين فليس كذلك لأن ابن التين لم يقل إنه من كلام البخاري وإنما هو ناقل وليس بقائل ، والضمير المرفوع في قوله فجعله يرجع إلى ناقل هذه الرواية من أبي ذر وليس يرجع إلى ابن التين ، ولم يدر نسبة الظن إلى أي شارح من شراح البخاري ، والحاصل أن رواية الأكثرين هي الصحيحة وأن الضمير في قوله وقال بلغنا يرجع إلى الزهري وأنه من البلاغ المنسوب إليه ، وذكر أبو داود أن القائل وبلغنا إلى آخره ابن شهاب هو الزهري رحمه الله ، وروى في سننه من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب فذكر الموصول والمرسل جميعا ، أما الموصول فرواه عن سعيد بن منصور ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ، وقال : لا حمى إلا لله . وأما المرسل فهو قال ابن شهاب : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ، قوله النقيع بالنون وقد مر تفسيره عن قريب ، قوله وأن عمر رضي الله تعالى عنه حمى الشرف والربذة عطف على قوله بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أيضا من بلاغ الزهري والشرف بفتح الشين المعجمة والراء وفي آخره فاء وهو المشهور ، وذكر عياض أنه عند البخاري بفتح السين المهملة وكسر الراء والصواب الأول لأن الشرف بالمعجمة من عمل المدينة وبالمهملة وكسر الراء من عمل مكة ولا تدخله الألف واللام بينها وبين مكة ستة أميال وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل اثني عشر ، والربذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحات قرية قريبة من ذات عرق بينها وبين المدينة ثلاث مراحل ، وقد مر تفسيره فيما مضى أيضا . وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه حمى الربذة لنعم الصدقة .
باب إثم من منع ابن السبيل من الماء . أي هذا باب في بيان إثم من منع ابن السبيل أي المسافر من الماء الفاضل عن حاجته ، وهذا القيد لا بد منه ، والدليل عليه قوله في حديث الباب رجل له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ، وقال ابن بطال : فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة ، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل . 7 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، قال : سمعت أبا صالح يقول : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط ، ورجل أقام سلعته بعد العصر . فقال : والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا ، فصدقه رجل ، ثم قرأ هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا مطابقته للترجمة في قوله رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل فإنه أحد الثلاثة الذين أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأن الله لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، ولو لم يأثم مانع ابن السبيل من الماء الفاضل عنه لما استحق هذا الوعيد . وعبد الواحد بن زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف البصري ، والأعمش هو سليمان ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان . قوله ثلاثة أي ثلاثة أشخاص وارتفاعه على أنه مبتدأ ، وقوله لا ينظر الله إليهم خبره ، وهذا عبارة عن عدم الإحسان إليهم ، قال الزمخشري : هو كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر مجاز فيما لا يجوز عليه والتنصيص على العدد لا ينافي الزائد ، فالذي ذكره من الوعيد لا ينحصر في هؤلاء الثلاثة ، قوله ولا يزكيهم أي يثني عليهم أولا يطهرهم من الذنوب ، قوله رجل مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره من الثلاثة رجل ، قوله كان له فضل ماء جملة في محل الرفع لأنها صفة لرجل ، قوله فمنعه أي فمنع الفاضل من الماء ، قوله ورجل أي الثاني من الثلاثة رجل بايع إماما ، المراد هو الإمام الأعظم ، وهذا هكذا في رواية الكشميهني وفي رواية غيره بايع إمامه ، والمراد من المبايعة هنا هو المعاقدة عليه والمعاهدة فكان كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره ، قوله إلا لدنيا أي إلا لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا ، وكلمة دنيا غير منون ، واضمحل منها معنى الوصفية لغلبة الاسمية عليها فلا تحتاج إلى من ونحوه ، والفاء في قوله فإن أعطاه تفسيرية تفسر مبايعته للإمام للدنيا ، قوله أقام من قامت السوق إذا نفقت ، قوله سلعته أي متاعه ، قوله بعد العصر هذا ليس بقيد وإنما خرج هذا مخرج الغالب إذ كانت عادتهم الحلف بمثله ، وذلك لأن الغالب أن مثله كان يقع في آخر النهار حيث أرادوا الانعزال عن السوق والفراغ عن معاملتهم ، وقيل : خصص العصر بالذكر لما فيه من زيادة الجراءة إذ التوحيد هو أساس التنزيهات ، والعصر هو وقت صعود ملائكة النهار ، ولهذا يغلظ في أيمان اللعان به ، وقيل : لأن وقت العصر وقت تعظم فيه المعاصي لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الرب تعالى فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي ويكون آخر عمله هو المرفوع فالخواتم هي المرجوة وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت ، قوله لقد أعطيت على صيغة المجهول ، وقد أكد يمينه الفاجرة بمؤكدات وهي بتوحيد الله تعالى وباللام ، وكلمة قد التي للتحقيق هنا ، قوله فصدقه رجل أي المشتري واشتراه بذلك الثمن الذي حلف أنه أعطيه بكذا اعتمادا على حلفه . ( ومما يستفاد منه ) ما ذكرنا أن صاحب الماء أولى به عند حاجته ، وفي التوضيح : فإذا كان الماء مما يحل منعه منع إلا بالثمن إلا أن لا يكون معهم ، وأما المواشي والسقاة التي لا يحل منع مائها فلا يمنعون فإن منعوا قوتلوا وكان هدرا ، وإن أصيب طالب الماء كانت ديته على صاحب الماء مع العقوبة والسجن ، كذا قاله الداودي ، وقال ابن التين أنها على عاقلته إن مات عطشا وإن أصيب أحد من المسافرين أخذ به جميع مانعي الماء وقتلوا به .
15 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض . مطابقته للترجمة في قوله عن حوضي فإنه يدل على أنه أحق بحوضه وبما فيه ، والترجمة أن صاحب الحوض أحق به ، وغندر بضم الغين وسكون النون مر غير مرة وهو لقبه واسمه محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة ، ومحمد بن زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف القرشي الجمحي أبو الحارث المدني ، مر في باب غسل الأعقاب ولا يشتبه عليك بمحمد بن زياد الألهاني ، وإن كان كل منهما تابعيا . والحديث أخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة به . وفي التلويح : لما أعاد البخاري هذا الحديث في الحوض ذكره معلقا من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة ، وهذا الحديث مما كاد أن يبلغ مبلغ القطع والتواتر على رأي جماعة من العلماء يجب الإيمان به فيما حكاه غير واحد ، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة كثيرة من الصحابة ، منهم في الصحيح ابن عمر وابن مسعود وجابر بن سمرة ، وجندب بن عبد الله وزيد بن أرقم ، وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ، وحذيفة . وعند أبي القاسم اللالكائي ثوبان وأبو بردة ، وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري ، وبريدة . وعن القاضي أبي الفضل وعقبة بن عامر ، وحارثة بن وهب والمستورد وأبو برزة وأبو أمامة ، وعبد الله بن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة ، وأبو بكر الصديق والفاروق والبراء وعائشة وأختها أسماء ، وأبو بكرة وخولة بن قيس وأبو ذر والصنابحي في آخرين . ( ذكر معناه ) قوله لأذودن أي لأطردن من ذاد يذود ذيادا أي دفعه وطرده ، ويروى فليذادن رجال أي يطردون ، وفي المطالع كذا رواه أكثر الرواة عن مالك في الموطأ ، ورواه يحيى ومطرف وابن نافع فلا يذادن ، ورواه ابن وضاح على الرواية الأولى وكلاهما صحيح المعنى ، والنافية أفصح وأعرف ، ومعناه فلا تفعلوا فعلا يوجب ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم على رقبته بعير أي لا تفعلوا ما يوجب ذلك ، قوله كما تذاد الغريبة من الإبل أي كما تطرد الناقة الغريبة من الإبل عن الحوض إذا أرادت الشرب مع إبله ، وعادة الراعي إذا ساق الإبل إلى الحوض لتشرب أن يطرد الناقة الغريبة إذا رآها بينهم ، واختلف في هؤلاء الرجال ، فقيل : هم المنافقون . حكاه ابن التين وقال ابن الجوزي : هم المبتدعون ، وقال القرطبي : هم الذين لا سيما لهم من غير هذه الأمة ، وذكر قبيصة في صحيح البخاري أنهم هم المرتدون الذين بدلوا ، وقال ابن بطال : فإن قيل : كيف يأتون غرا والمرتد لا غرة له ؟ فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تأتي كل أمة فيها منافقوها ، وقد قال الله تعالى : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فصح أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا حتى يضرب بينهم بسور ، والمنافق لا غرة له ولا تحجيل لكن المؤمنون سموا غرا بالجملة وإن كان المنافق في خلالهم ، وقال ابن الجوزي : فإن قيل : كيف خفي حالهم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال : تعرض علي أعمال أمتي ؟ فالجواب أنه إنما تعرض أعمال الموحدين لا المنافقين والكافرين .
16 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن أيوب وكثير بن كثير يزيد أحدهما على الآخر ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم ، أو قال : لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا ، وأقبل جرهم فقالوا : أتأذنين أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ولا حق لكم في الماء ، قالوا : نعم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قولها لجرهم ولا حق لكم في الماء لأنها أحق من غيرها ، وقال الخطابي : فيه أن من أنبط ماء في فلاة من الأرض ملكه ولا يشاركه غيره فيه إلا برضاه إلا أنه لا يمنع فضله إذا استغنى عنه ، وإنما شرطت هاجر عليهم أن لا يتملكوه ، قوله وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي وهو من أفراده ، وأيوب هو السختياني ، وكثير بن كثير ضد القليل في اللفظين ابن المطلب السهمي ، وهو عطف على أيوب ، قيل : يلزم أن يكون كل منهما مزيدا ومزيدا عليه ، أجيب : نعم ، باعتبارين . والحديث أخرجه البخاري أيضا مطولا في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وفيه أيضا عن أبي عامر وأخرجه النسائي في المناقب عن محمد بن عبد الأعلى ، ومحمد بن عبد الله بن المبارك ، عن أبي عامر العقدي وعثمان بن عمر ، كلاهما عن إبراهيم بن نافع . قوله أم إسماعيل هي هاجر وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم سار إلى مصر لما وقع القحط بالشام للميرة ومعه سارة ولوط عليهما الصلاة والسلام ، وكان بها أول الفراعنة سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم ، وقيل غير ذلك ، وكانت سارة من أجمل النساء وجرى ما جرى بينه وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم بسبب سارة على ما ذكره أهل السير ، فآخر الأمر نجى الله سارة من هذا الفرعون فأخدمها هاجر ، واختلف فيها فقال مقاتل : كانت من ولد هود صلى الله عليه وسلم ، وقال الضحاك : كانت بنت ملك مصر وكان ساكنا بمنف فغلبه ملك آخر فقتله وسبى ابنته فاسترقها ووهبها لسارة ، ثم وهبتها سارة لإبراهيم فواقعها فولدت إسماعيل ، ثم حمل إبراهيم إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة وذلك لأمر يطول ذكره ، ومكة إذ ذاك عضاه وسلم وسمر ، فأنزلهما في موضع الحجر وكان مع هاجر شنة ماء وقد نفد فعطشت وعطش الصبي ، فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم وجاء بهما إلى موضع زمزم ، فضرب بعقبه ففارت عين ، فلذلك يقال لزمزم ركضة جبريل صلى الله عليه وسلم ، فلما نبع الماء أخذت هاجر شنتها وجعلت تستقي فيها تدخره وهي تفور ، قال صلى الله عليه وسلم : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معينا فشربت ، وقال لها جبريل : لا تخافي الظمأ على أهل هذه البلدة فإنها عين ستشرب منها ضيفان الله ، وإن هاهنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه ، فكان كذلك حتى مرت رفقة من جرهم تريد الشام مقبلين من طريق كذا ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا على الجبل ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على الماء وعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأشرفوا فإذا هم بالماء ، فقالوا لهاجر : إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك ، فأذنت لهم فنزلوا هناك فهم أول سكان مكة ، فكانوا هناك حتى شب إسماعيل وماتت هاجر ، فتزوج إسماعيل امرأة منهم ، يقال لها الجداء ابنة سعد العملاقي ، وأخذ لسانهم فتعرب بهم وحكايته طويلة ليس هذا موضع بسطها . ثم اعلم أن جرهم صنفان : الأولى كانوا على عهد عاد فبادوا ودرست أخبارهم وهم من العرب البائدة ، وجرهم الثانية من ولد جرهم بن قطحان وكان جرهم أخا يعرب بن قحطان ، فملك يعرب اليمن وملك أخوه جرهم الحجاز ، وقال الرشاطي : جرهم وابن عمه قطورا هما كانا أهل مكة ، وكانا قد ظعنا من اليمن فأقبلا سيارة ، وعلى جرهم مضاض بن عمر وعلى قطورا السميدع رجل منهم ، فنزلا مكة وجرهم بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام ، قوله لو تركت زمزم بأن لا تغرف منها إلى القربة ولا تشح بها لكانت عينا معينا بفتح الميم أي جاريا ، قوله أو قال شك من الراوي ، قوله أتأذنين خطاب لهاجر بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله أن ننزل بنون المتكلم مع الغير ، ويروى أن أنزل باعتبار قول كل واحد منهم ، قال الكرماني : فإن قلت : نعم مقررة لما سبق ، وهاهنا النفي سابق ، قلت : يستعمل في العرف مقام بلى ، ولهذا يثبت به الإقرار حيث يقال : أليس لي عليك ألف ؟ فقال : نعم ، قلت : التحقيق فيه أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي ، وأن نعم تأتي بعد نفي وإيجاب فلا يحتاج أن يقال يستعمل في العرف مقام بلى .
قال علي : حدثنا سفيان غير مرة ، عن عمرو ، قال : سمع أبا صالح يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم . أي قال علي بن عبد الله المعروف بابن المديني : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمع أبا صالح ذكوان يبلغ به أي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأشار بهذا إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرا ، ولكنه صحح الموصول لأنه سمعه من الحفاظ موصولا ووصله أيضا عمرو الناقد وأخرجه مسلم عنه عن سفيان ، عن عمرو ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : أراه مرفوعا ، والله أعلم .
باب من رأى أن صاحب الحوض أو القربة أحق بمائه أي هذا باب في بيان حكم من رأى إلى آخره ، والحكم فيه أن من كان له حوض فيه ماؤه أو معه قربة فيها ماء فهو أحق بذلك الماء من غيره لأنه ملكه وتحت يده وله التصرف فيه بالبيع والشراء والهبة ونحو ذلك ، ولا يجوز لغيره أن يأخذ منه شيئا إلا بإذنه إلا المضطر في الشرب كما مر تفصيله فيما مضى . 14 - حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا عبد العزيز ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب وعن يمينه غلام هو أحدث القوم والأشياخ عن يساره ، قال : يا غلام أتأذن لي أن أعطي الأشياخ ؟ فقال : ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله ، فأعطاه إياه . قيل : لا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة لأنه ليس في الحديث إلا أن الأيمن أحق بالقدح من غيره وأجيب بأن مراد البخاري أن الأيمن إذا استحق ما في القدح بمجرد جلوسه واختص به ، فكيف لا يختص صاحب اليد والمتسبب في تحصيله ؟ قلت : فيه نظر لأن الفرق ظاهر بين الاستحقاقين ، فاستحقاق الأيمن غير لازم حتى إذا منع ليس له الطلب الشرعي بخلاف استحقاق صاحب اليد وهذا ظاهر ، وقال الكرماني : وجه تعلقه أي تعلق الحديث بالترجمة قياس ما في القربة والحوض على ما في القدح ، وتصرف بعضهم فيه بقوله : ومناسبته للترجمة ظاهرة إلحاقا للحوض والقربة بالقدح ، فكأن صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربا وسقيا ، انتهى . قلت : أما قياس الكرماني فقياس بالفارق وقد ذكرناه ، وأما قول بعضهم إلحاقا للحوض والقربة بالقدح فإن كان مراده بالقياس عليه فغير صحيح لما ذكرنا ، وإن كان مراده من الإلحاق أن صاحب القدح مثل صاحب القربة في الحكم فليس كذلك على ما لا يخفى ، وقوله فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربا وسقيا لا يخلو أن يقرأ ، قوله فكأن بكاف التشبيه دخلت على أن بفتح الهمزة أو كان بلفظ الماضي من الأفعال الناقصة ، وأيا ما كان ففساده ظاهر يعرف بالتأمل ، فإذا كان الأمر كذلك فلا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة إلا بالجر الثقيل بأن يقال : صاحب الحوض مثل صاحب القدح في مجرد الاستحقاق مع قطع النظر عن اللزوم وعدمه ، والحديث مضى قبل هذه بثمانية أبواب في باب في الشرب فإنه أخرجه هناك عن سعيد بن أبي مريم ، عن أبي غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد . وهنا أخرجه عن قتيبة بن سعيد ، عن عبد العزيز ، عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار ، عن سهل وقد مر الكلام فيه هناك .
17 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد أعطى أكثر مما أعطى وهو كاذب ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم ، ورجل منع فضل ماء ؛ فيقول الله : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ورجل منع فضل ماء لأنه استحق العقاب في الفضل ، فدل هذا أنه أحق بالأصل الذي في حوضه أو في قربته ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، وأبو صالح هو ذكوان السمان . والحديث مضى قبل هذا الباب بأربعة أبواب في باب إثم من منع ابن السبيل من الماء ، فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ولكن بينهما بعض اختلاف في المتن بزيادة ونقصان يعلم بالنظر ، فإن فيه هناك الرجل المبايع للإمام هو ثالث الثلاثة ولا منافاة بينهما إذا لم يحصر على هذه الثلاثة ولا على تلك الثلاثة . قوله أكثر مما أعطى على صيغة المجهول ، ويروى على صيغة المعلوم أي أكثر مما أعطى فلان الذي يستامه ، قوله وهو كاذب جملة حالية ، قوله اليوم أمنعك فضلي أي إنك إذا كنت تمنع فضل الماء الذي ليس بعملك وإنما هو رزق ساقه الله إليك أمنعك اليوم فضلي مجازاة لما فعلت ، وقيل : قوله اليوم أمنعك إلى آخره إشارة إلى قوله تعالى : أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْـزِلُونَ وحكى ابن التين عن أبي عبد الملك أنه قال : هذا يخفى معناه ولعله يريد أن البئر ليست من حفره وإنما هو في منعه غاصب ظالم ، وهذا لا يرد فيما حازه وعمله ، ويحتمل أن يكون هو حفرها ومنعها من صاحب الشفة أي العطشان ، ويكون معنى ما لم تعمل يداك أي لم تنبع الماء ولا أخرجته ، قلت : تقييد هذا بالبئر لا معنى له لأن قوله ورجل منع فضل ماء أعم من أن يكون ذلك الفضل في البئر أو في الحوض أو في القربة ونحو ذلك .
باب من حفر بئرا في ملكه لم يضمن أي هذا باب في بيان حكم من حفر بئرا في ملكه فإنه لا يضمن لأن له التصرف في ملكه . 5 - حدثنا محمود ، قال : أخبرنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المعدن جبار ، والبئر جبار ، والعجماء جبار ، وفي الركاز الخمس . مطابقته للترجمة في قوله : والبئر جبار ، يعني هدر لا شيء فيه ، والمراد من جبار البئر أنه إذا حفرها في موضع يسوغ له حفرها فسقط فيها أحد لا ضمان عليه ، وقيل : معناه أن يستأجر من يحفر له بئرا فانهارت عليه البئر فلا ضمان عليه ، وقد مر الحديث في كتاب الزكاة في باب في الركاز الخمس فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : العجماء جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس . هاهنا أخرجه عن محمود بن غيلان ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة واسمه عثمان بن عاصم ، عن أبي صالح ذكوان الزيات السمان إلى آخره . وعبيد الله بن موسى هو شيخ البخاري أيضا ، روى عنه بدون واسطة في أول الإيمان ، وهنا بواسطة محمود . قوله حدثنا محمود ، أخبرنا عبيد الله . وفي بعض النسخ : حدثني محمود وأخبرني عبيد الله ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى .
باب الخصومة في البئر والقضاء فيها . أي هذا باب في بيان الخصومة في البئر وفي بيان القضاء أي الحكم فيها أي في البئر . 6 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ هو عليها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ، فأنزل الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا الآية فجاء الأشعث فقال : ما حدثكم أبو عبد الرحمن في ؟ أنزلت هذه الآية ، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي ، فقال لي : شهودك ، قلت : ما لي شهود ، قال : فيمينه ، قلت : يا رسول الله ، إذا يحلف . فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ) . مطابقته للترجمة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في البئر المذكورة بطلب البينة من المدعي وبيمين المدعى عليه عند عجز المدعي عن إقامة البينة ، وعبدان لقب عبد الله المروزي وقد مر غير مرة ، وأبو حمزة بالحاء المهملة وبالزاي محمد بن ميمون السكري ، وقد مر في باب نفض اليدين في الغسل ، والأعمش هو سليمان ، وشقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي ، وعبد الله هو ابن مسعود ، والأشعث بن قيس أبو محمد الكندي وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر من الهجرة في وفد كندة ، وكانوا ستين راكبا فأسلموا ، وكان ممن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم وله قصة طويلة . والحديث أخرجه البخاري في الأشخاص ، وفي الشهادات عن محمد بن سلام ، وفي الأشخاص أيضا عن بشر بن خالد ، وفي النذور عن موسى ، وفي التفسير عن حجاج بن المنهال ، وفي الشركة عن قتيبة ، وفي النذور أيضا عن بندار ، وفي الأحكام عن إسحاق بن نصر ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن أبي بكر وإسحاق وابن نمير ، ثلاثتهم عن وكيع وعن ابن نمير عن أبيه ، وعن إسحاق عن جرير به ، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن محمد بن عيسى ، وأخرجه الترمذي في البيوع وفي التفسير عن هناد ، وأخرجه النسائي في القضاء عن هناد ، وفي التفسير عن الهيثم بن أيوب وعن محمد بن قدامة ولم يذكر حديث عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن عبد الله وعلي بن محمد وفي بعض الألفاظ اختلاف . ( ذكر معناه ) قوله يقتطع بها أي باليمين أي بسببها ، ومعنى يقتطع يأخذ قطعة بسبب اليمين من مال امرئ ، قوله هو عليها فاجر أي كاذب ، وهي جملة اسمية وقعت حالا بلا واو كما في قولك كلمته فوه إلى في ، قوله لقي الله تعالى يعني يوم القيامة ، قوله وهو عليه غضبان جملة اسمية وقعت حالا على الأصل ، قال ابن العربي : يعني بالغضب إرادة عقوبة أو عقوبة نفسها إذ يعبر بالغضب عن الوجهين جميعا ، وإذا لقيه وهو يريد عقابه أو قد عاقبه جاز بعد ذلك أن لا يريد عقابه وأن يدفع عنه تماديه إن كان أنزله به بشرط أن لا يكون متعلق إرادته عذاب واصب ، وقال شيخنا : الظاهر أن المراد بغضب الله معاملته بمعاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلمه كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ، فذكر منهم : ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم الحديث . وأما كون المراد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة نفسها فإنه يرده ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث الأشعث بن قيس مرفوعا : من حلف على يمين صبرا ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى يوم القيامة وهو مجتمع عليه غضبا عفا الله عنه أو عاقبه ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، فهذا يدل على أنه لم يرد بالغضب إرادة العقوبة أو العقوبة لأنه لو أراد عقوبته لوقعت العقوبة على وفق الإرادة . ( ذكر اختلاف الألفاظ فيه ) ففي حديث ابن مسعود والأشعث بن قيس ومعقل بن يسار : لقي الله وهو عليه غضبان ، وفي بعض طرق حديث الأشعث : لقي الله وهو أجذم ، وفي رواية عمران بن حصين والحارث بن برصاء وجابر بن عبد الله : فليتبوأ مقعده من النار ، وفي حديث أبي أمامة وجابر بن عتيك : أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ، وفي حديث أبي سودة : إن ذلك يعقم الرحم ، وفي حديث سعيد بن زيد : إنه لا يبارك له فيها ، وفي حديث ثعلبة بن صد مغيرة : نكتة سوداء في قلبه ، وكذلك في حديث عبد الله بن أنيس ، فإن قلت : ما التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : لا منافاة بين شيء من ذلك فقد يجتمع له جميع ذلك كله نعوذ بالله منه ، وإنما يشكل منه رواية : حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، فيحمل ذلك على المستحل لذلك أو على تقدير أن ذلك جزاؤه إن جازاه كما في قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا والله أعلم . ( ذكر بيان من خرج هذه الأحاديث ) أما حديث ابن مسعود فقد مضى الآن ، وأما حديث الأشعث بن قيس ففي حديث ابن مسعود وأخرجه بقية الأئمة ، وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه النسائي من رواية شعبة عن عياض عن أبي خالد ، قال : رأيت رجلين يختصمان عند معقل بن يسار ، فقال معقل : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله وهو عليه غضبان . وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا الإسناد ، وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود من رواية محمد بن سيرين عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار . وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، وأما حديث الحارث بن برصاء فأخرجه الحاكم من رواية عبيد بن جريج عن الحارث بن برصاء ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اقتطع مال أخيه المسلم بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار ، ليبلغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثا . وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق ، وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية عبد الله بن نسطاس عن جابر ابن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على منبري هذا على يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار . الحديث ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة واسمه إياس ، وقيل : ثعلبة ، والأصح أنه إياس فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ، فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : وإن كان قضيبا من أراك . وأما حديث جابر بن عتيك فأخرجه الحاكم من رواية أبي سفيان بن جابر بن عتيك عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار ، قالوا : يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال : وإن كان سواكا وإن كان سواكا . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأما حديث أبي سودة فأخرجه أحمد من رواية معمر عن شيخ من بني تميم عن أبي سودة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اليمين الفاجرة التي يقتطع بها الرجل مال المسلم يعقم الرحم ، وأما حديث سعيد بن زيد فأخرجه أحمد أيضا من رواية الحارث بن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة أن مروان قال : اذهبوا فأصلحوا بين هذين لسعيد بن زيد ، وروى الحديث وفيه : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين فلا بارك الله له فيها ، وأخرجه الحاكم وصححه وأما حديث ثعلبة بن مغيرة فأخرجه الحاكم في المستدرك من رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه سمع ثعلبة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة . وصححه ، وأما حديث عبد الله بن أنيس فأخرجه الترمذي في التفسير من رواية محمد بن زيد المهاجر عن أبي أمامة الأنصاري عن عبد الله بن أنيس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أكبر الكبائر الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا جعلها الله نكتة في قلبه يوم القيامة . وأخرجه الحاكم وصححه . قلت : وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أبي أوفى وأبي قتادة وعبد الرحمن بن شبل ، ومعاوية بن أبي سفيان ووائل بن حجر ، وأبي أمامة الباهلي اسمه صدي بن عجلان ، وأبو موسى وعدي بن عميرة . أما حديث أبي ذر فأخرجه مسلم والترمذي من رواية خرشة بن قتيبة الحر عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، قلت : من هم يا رسول الله فقد خابوا وخسروا ؟ فقال : المنان ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب . وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فرواه البخاري في أفراده على ما يأتي ، وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق ، وأما حديث عبد الرحمن بن شبل فرواه أحمد في مسنده والبيهقي في سننه من رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن التجار هم الفجار ، فقال رجل : يا رسول الله ألم يحل الله البيع ؟ قال : بلى ولكنهم يحلفون ويأثمون . وزاد أحمد : ويقولون فيكذبون ، وأما حديث معاوية فأخرجه الطبراني من رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل أن معاوية قال : إذا أتيت فسطاطي فقم في الناس فأخبرهم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن التجار إلى آخر ما ذكرناه الآن ، هكذا أسنده الطبراني في مسند معاوية وكأن الرواية عنده فيه ما سمعت بالضم ، وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية علقمة بن وائل عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أدبر : أما لئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض . وأما حديث أبي أمامة الباهلي فأخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من رواية خصيب الجزري عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه : إذا اشترى لم يذم ، وإذا باع لم يمدح ، ولم يدلس في البيع ، ولم يحلف فيما بين ذلك . وأما حديث أبي موسى فأخرجه البزار من حديث ثابت بن الحجاج ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في أرض أحدهما من حضرموت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدعى عليه : أتحلف بالله الذي لا إله إلا هو ؟ فقال المدعي : يا رسول الله ليس لي إلا يمينه ؟ قال : نعم ، قال : إذا يذهب بأرضي ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن حلف كاذبا لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزكه وله عذاب أليم . قال : فتورع الرجل عنها فردها عليه ، وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه النسائي عنه ، قال : أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجلان يختصمان في أرض ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ، قال : فمن تركها ؟ قال : له الجنة . وفي رواية : بين امرئ القيس ورجل من حضرموت ، وفيه : فقال امرؤ القيس : يا رسول الله ، فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق ؟ قال : له الجنة . قوله ما حدثكم أبو عبد الرحمن ؟ أي أي شيء حدثكم أبو عبد الرحمن ؟ وهو كنية عبد بن مسعود . قوله في بكسر الفاء وتشديد الياء ، قوله فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الآية ، هذه الآية الكريمة في سورة آل عمران : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ يعني إن الذين يعتاضون عما هداهم الله عليه من اتباع محمد وذكر صفته للناس وبيان أمره عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة ، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة : أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ أي لا نصيب لهم فِي الآخِرَةِ ولا حظ لهم منها وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بعين رحمته وَلا يُزَكِّيهِمْ أي ولا يطهرهم من الذنوب والأدناس ، بل يأمر بهم إلى النار وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ثم سبب نزول هذه الآية في الأشعث بن قيس كما ذكره في حديث الباب وذكر البخاري لسبب نزولها وجها آخر عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزل : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الآية ، وذكر الواحدي أن الكلبي قال : إن ناسا من علماء اليهود أولي فاقة اقتحموا إلى كعب بن الأشرف لعنه الله ، فسألهم : كيف تعلمون هذا الرجل يعني سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم ؟ قالوا : وما تعلمه أنت ؟ قال : لا ، قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله ، فقال كعب : لقد حرمكم الله خيرا كثيرا ، فقالوا : رويدا ، فإنه شبه علينا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا ، ففرح كعب لعنه الله فمارهم وأنفق عليهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال عكرمة : نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود كتموا ما عهد الله عز وجل إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشاء والمأكل التي كانت لهم على أتباعهم ، قوله : كانت لي بئر في أرض ، زعم الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرد بذكر البئر عن الأعمش ، قال : ولا أعلم فيمن رواه عن الأعمش إلا قال : في أرض . والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة ، ورد عليه بأن أبا حمزة لم ينفرد به لأن أبا عوانة رواه عن الأعمش في كتاب الأيمان والتفسير عن أبي وائل عن عبد الله ، وفيه قال الأشعث : كانت لي بئر في أرض ابن عم لي وسيجيء إن شاء الله تعالى ، وكذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث علي بن مسهر عن الأعمش ، وقال الطرقي : رواه عن أبي وائل منصور والأعمش ، فمنصور لم يرفع قول عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعمش يقول : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا ذكره الحافظ المزي في الأطراف ، وقال الطرقي : رواه عبد الملك بن أيمن ، وجامع ابن أبي راشد ، ومسلم البطين عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعا ، وليس فيه ذكر الأشعث ، ورواه كردوس التغلبي عن الأشعث بن قيس الكندي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، قال المزي : ومن مسند الأشعث بن قيس أبي محمد الكندي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مقرونا بعبد الله بن مسعود ، وربما جاء الحديث عن أحدهما مفردا ، قوله ابن عم لي واسمه معدان بن الأسود بن سعد بن معدي كرب الكندي ، والأشعث بن قيس بن معدي كرب ، وقيس والأسود أخوان ولقبه الجفشيش على وزن فعليل بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين أولاهما مكسورة بينهما ياء آخر الحروف ساكنة ، وقيل : بفتح الحاء المهملة ، وقيل : بالخاء المعجمة وبقية الحروف على حالها ، وقال الكرماني : وقيل : اسمه جرير وكنيته أبو الخير ، قلت : الأصح هو الذي ذكرناه ، قوله : فقال لي : شهودك ، أي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهودك بالنصب على تقدير أقم أو أحضر شهودك ، وكذا يمينه بالنصب أي فاطلب يمينه ويروى بالرفع فيهما ، والتقدير : فالمثبت لدعواك شهودك أو فالحجة القاطعة بينكما يمينه ، فيكون ارتفاعهما على أنهما خبرا مبتدأين محذوفين ، قوله إذا يحلف قال الكرماني : ويحلف بالنصب لا غير ، قلت : كلمة إذا حرف جواب وجزاء ينصب الفعل المستقبل مثل ما يقال : أنا آتيك ، فيقول : إذا أكرمك ، وإنما قال بالنصب لا غير لأنها تصدرت فيتعين النصب بخلاف ما إذا وقعت بعد الواو والفاء ، فإنه يجوز فيه الوجهان . ( ومما يستفاد من الحديث ) أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إذا أنكر ، وبه استدل من يقول : إنه إذا اعترف المدعي أنه لا بينه له لم يقبل دعواه بعد ذلك ، ورد بأنه ليس فيه حجة على ذلك لأن الأشعث لم يدع بعد ذلك أن له بينه ، وفيه أن للحاكم أن يطلب المدعي عليه عند عدم البينة وإن لم يطلبه صاحب الحق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالحلف ، وفيه إبطال مسألة الظفر لأنه صلى الله عليه وسلم ردده بين البينة واليمين فدل على عدم الأخذ بغير ذلك ، وأصرح من هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث وائل بن حجر عند مسلم وقد ذكرناه : ليس لك منه إلا ذلك .
باب شرب الأعلى إلى الكعبين . أي هذا باب في بيان شرب الأعلى إلى الكعبين ، وأشار بهذه الترجمة إلى بيان مقدار الماء للأعلى . 10 - حدثنا محمد ، قال : أخبرنا مخلد ، قال : أخبرني ابن جريج ، قال : حدثني ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرة يسقي بها النخل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسق يا زبير ، فأمره بالمعروف ثم أرسل إلى جارك ، فقال الأنصاري : أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : اسق ثم احبس حتى يرجع الماء إلى الجدر واستوعي له حقه ، فقال الزبير : والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ قال لي ابن شهاب : فقدرت الأنصار والناس قول النبي صلى الله عليه وسلم : اسق ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر ، وكان ذلك إلى الكعبين . مطابقته للترجمة في قوله وكان ذلك إلى الكعبين يعني رجوع الماء إلى الجدر وصوله إلى الكعبين ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في الباب الذي قبل الباب الذي قبله ، ومحمد هو ابن سلام ، وفي رواية أبي الوقت صرح به ، ومخلد بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وفي آخره دال مهملة هو ابن يزيد ، وقد مر في الجمعة وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، قوله فأمره بالمعروف قال الخطابي : معناه أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشرب ، وهي جملة معترضة بين قوله اسق يا زبير وبين قوله ثم أرسل ، قوله واستوعي له أي استوفى للزبير حقه واستوعب وهو من الوعاء كأنه جمعه له في وعائه ، وأبعد من قال أمره ثانيا أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري ، حكاه ابن الصباغ . والأشبه أنه أمره أن يستوفي حقه ويستقصي فيه تغليظا على الأنصاري ، وقال الخطابي : هذه الزيادة تشبه أن تكون من كلام الزهري ، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له من معنى الشرح والبيان ، قيل : الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدا حتى يرد ما يبين ذلك ولا يثبت الإدراج بالاحتمال ، قوله قال ابن شهاب هو الزهري الراوي عن عروة ، وهذا إلى آخره من كلام ابن شهاب ، حكى عنه ابن جريج الراوي عنه ، قوله والناس من باب عطف العام على الخاص أو معهود غير الأنصار ، قوله وكان ذلك أي قوله صلى الله عليه وسلم اسق ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر ، قوله إلى الكعبين أي يقدر إلى الكعبين يعني يكون مقدار الماء الذي يرجع إلى الجدر يبلغ الكعبين ، وقد ذكرنا أحاديث في الباب الذي قبل الباب الذي قبله فيما يتعلق بهذا الحكم ، وقال ابن التين : الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين ، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر ، قال : وأما الزرع فإلى الشراك ، وقال الطبري : الأراضي مختلفة ، فيمسك لكل أرض ما يكفيها لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين ، وقيل : معنى قوله إلى الجدر أي إلى الكعبين ، قلت : إن كان مراده الإشارة إلى هذا التقدير فله وجه ما وإلا فلا يصح تفسير الجدر بالكعبين . الجدر هو الأصل . هذا تفسير لفظ الجدر المذكور في الحديث من عند البخاري ، وقد مر الكلام فيه ، وهذا هنا وقع في رواية المستملي وحده .
باب لصاحب الحق مقال . أي هذا باب يذكر فيه لصاحب الحق مقال يعني إذا طلب وكرر قوله فيه لا يلام . ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد يحل عقوبته وعرضه ، قال سفيان : عرضه ، يقول : مطلتني ، وعقوبته الحبس . ذكر الحديث المعلق ، ثم ذكر عن سفيان تفسيره ، ومطابقته للترجمة تؤخذ من قوله عرضه ؛ لأن سفيان فسر العرض بقوله : مطلني حقي ، وهو مقال على ما لا يخفى ، أما المعلق فوصله أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية محمد بن ميمون بن مسيكة ، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ، والشريد بفتح الشين المعجمة هو ابن سويد الثقفي ، قيل : إنه من حضرموت فحالف ثقيفا ، شهد الحديبية رضي الله تعالى عنه ، قوله لي الواجد اللي بفتح اللام وتشديد الياء المطل ، يقال : لواه غريمه بدينه يلويه ليا وأصله لويا ، أدغمت الواو في الياء ، والواجد هو القادر على قضاء دينه ، قوله يحل بضم الياء من الإحلال ، وأما تفسير سفيان فوصله البيهقي من طريق الفريابي وهو من شيوخ البخاري ، عن سفيان بلفظ : عرضه أن يقول مطلني حقي ، وعقوبته أن يسجن . وقال إسحاق : فسر سفيان عرضه أذاه بلسانه ، وعن وكيع : عرضه شكايته ، واستدل به على مشروعية حبس المديون إذا كان قادرا على الوفاء تأديبا له لأنه ظالم حينئذ والظلم محرم وإن قل ، وإن ثبت إعساره وجب إنظاره وحرم حبسه ، واختلف في ثابت العسرة وأطلق من السجن : هل يلازمه غريمه ؟ فقال مالك والشافعي : لا ، حتى يثبت له مال آخر ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يمنع الحاكم الغرماء من لزومه . 17 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه ، فقال : دعوه فإن لصاحب الحق مقالا . مطابقته للترجمة في قوله فإن لصاحب الحق مقالا ويحيى هو ابن سعيد القطان ، والحديث مر في باب استقراض الإبل بأتم منه فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبة إلى آخره . وعن مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان ، عن سلمة إلى آخره في باب حسن التقاضي . وعن أبي نعيم ، عن سفيان ، عن سلمة إلى آخره في باب حسن القضاء .
باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به أي هذا باب يذكر فيه إذا وجد شخص مالا عند مفلس وهو الذي حكم الحاكم بإفلاسه ، قوله في البيع يتعلق بقوله وجد صورته أن يبيع رجل متاعا لرجل ثم أفلس الرجل الذي اشتراه ووجد البائع متاعه الذي باعه عنده فهو أحق به من غيره من الغرماء ، وفيه خلاف نذكره عن قريب ، قوله والقرض صورته أن يقرض لرجل مما يصح فيه القرض ثم أفلس المستقرض فوجد المقرض ما أقرضه عنده فهو أحق به من غيره ، وفيه الخلاف أيضا . قوله والوديعة صورته أن يودع رجل عند رجل وديعة ، ثم أفلس المودع فالمودع - بكسر الدال - أحق به من غيره بلا خلاف ، وقيل : إدخال البخاري القرض والوديعة مع الدين ، إما لأن الحديث مطلق ، وإما أنه وارد في البيع ، والحكم في القرض والوديعة أولى ، أما الوديعة فملك ربها لم ينتقل ، وأما القرض فانتقال ملكه عنه معروف وهو أضعف من تمليك المعاوضة ، فإذا أبطل التفليس ملك المعاوضة القوي بشرطه فالضعيف أولى ، قلت : قوله والحكم في القرض والوديعة أولى غير مسلم في القرض لأنه انتقل من ملك المقرض ودخل في ملك المستقرض ، فكيف يكون المقرض أولى من غيره وليس له فيه ملك واعترف هذا القائل أيضا أن القرض انتقل من ملك المقرض ؟ قوله فهو أحق به جواب إذا التي تضمنت معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في جوابها ، والضمير في به يرجع إلى قوله ماله يعني أحق به من غيره من غرماء المفلس . وقال الحسن : إذا أفلس وتبين لم يجز عتقه ولا بيعه ولا شراؤه . الحسن هو البصري ، قوله إذا أفلس أي رجل أو شخص فالقرينة تدل عليه ، قوله وتبين أي ظهر إفلاسه عند الحاكم فلا يجوز عتقه إلى آخره ، وقيد به لأنه ما لم يتبين إفلاسه عند الحاكم يجوز تصرفه في الأشياء كلها ، وأما عند التبين ففيه خلاف : فعند إبراهيم النخعي بيع المحجور وابتياعه جائز ، وعند أكثر العلماء لا يجوز إلا إذا وقع منه البيع لوفاء الدين ، وعند البعض : يوقف ، وبه قال الشافعي في قول ، واختلفوا في إقراره ، فالجمهور على قبوله . وقال سعيد بن المسيب : قضى عثمان من اقتضى من حقه قبل أن يفلس فهو له ، ومن عرف متاعه بعينه فهو أحق به . عثمان هو ابن عفان ، قوله من اقتضى من حقه معناه أن من كان له حق عند أحد فأخذه قبل أن يفلسه الحاكم فهو له لا يتعرض إليه أحد من غرمائه خاصة ، بل كل من أثبت عليه حقا يطالبه بخلاف ما إذا عرف أحد متاعه بعينه أنه عنده فإنه أحق به من غيره من سائر الغرماء ، وبه أخذ الشافعي ومالك وأحمد على ما يجيء بيانه ، وهذا التعليق وصله أبو عبيد في كتاب الأموال عن إسماعيل بن جعفر ، قال : حدثنا محمد بن أبي حرملة عن سعيد بن المسيب ، قال : أفلس مولى لأم حبيبة فاختصم فيه إلى عثمان رضي الله تعالى عنه ، فقضى أن من كان اقتضى من حقه شيئا قبل أن يتبين إفلاسه فهو له ومن عرف متاعه بعينه فهو له . 18 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، قال : أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره . مطابقته للترجمة لا تطابق إلا بقوله في البيع لأن أحاديث هذا الباب تدل على أن حديث الباب وارد في البيع ، منها ما رواه مسلم من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع لم يعرفه أنه لصاحبه الذي باعه ، ومنها ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من رواية يحيى بن سعيد بإسناد حديث الباب بلفظ : إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء ، ومنها ما رواه ابن حبان من طريق هشام بن يحيى المخزومي ، عن أبي هريرة بلفظ : إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته والباقي مثله ، ومنها ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلا : أيما رجل باع سلعة فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به ، قيل : يلتحق به القرض والوديعة ، قلت : قد ردينا هذا عن قريب بما فيه الكفاية . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي ، الثاني : زهير مصغر الزهر بن معاوية الجعفي مر في الوضوء ، الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري ، الرابع : أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي مر في الوحي ، الخامس : عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة العادل القرشي الأموي ، السادس : أبو بكر بن عبد الرحمن الذي يقال له راهب قريش لكثرة صلاته ، السابع : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده وأنه وزهيرا كوفيان والبقية مدنيون ، وفيه أربعة من التابعين يحيى وثلاثة بعده ، وفيه أن يحيى ومن بعده كلهم ولوا القضاء على المدينة ، وفيه أن يحيى وأبا بكر بن محمد وعمر بن عبد العزيز من طبقة واحدة ، وفيه شك أحد الرواة بين قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله سمعت رسول الله قال بعضهم : أظنه من زهير ، قلت : الظن لا يجدي شيئا لأن الاحتمال في غيره قائم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن يونس به وعن يحيى بن يحيى ، وعن قتيبة ومحمد بن رمح ، وعن أبي الربيع الزهراني ويحيى بن حبيب ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن المثنى ، وعن ابن أبي عمر ، وعن ابن أبي حسين . وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي ، وعن محمد بن عوف ، وعن القعنبي عن مالك ، وعن سليمان بن داود . وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به ، وعن عبد الرحمن بن خالد وإبراهيم بن الحسن ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة به ، وعن محمد بن رمح به ، وعن هشام بن عمار . ( ذكر حكم هذا الحديث في الاحتجاج به ) احتج به عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير ، وطاووس والشعبي والأوزاعي ، وعبيد الله بن الحسن ، ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود ؛ فإنهم ذهبوا إلى ظاهر هذا الحديث ، وقالوا : إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد اشتراه وهو قائم بعينه فإن صاحبه أحق به من غيره من الغرماء ، وقال أبو عمر : أجمع فقهاء الحجاز وأهل الأثر على القول بجملته أي بجملة الحديث المذكور وإن اختلفوا في أشياء من فروعه ، ثم قال : واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم كما لهم في قبض السلعة من الفضل ، فقال مالك : لهم ذلك وليس لصاحبها أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن ، وقال الشافعي : ليس للغرماء في هذا مقال ، قال : وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة فالغرماء أبعد من ذلك ، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعل صاحبها أحق بها منهم . وبه قال أبو ثور وأحمد وجماعة ، واختلف مالك والشافعي أيضا إذا اقتضى صاحب السلعة من ثمنها شيئا ، فقال ابن وهب وغيره عن مالك : إن أحب صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن ويقبض سلعته كان ذلك له ، وقال الشافعي : لو كانت السلعة عبدا فأخذ نصف ثمنه ثم أفلس الغريم كان له نصف العبد لأنه بعينه ويبيع النصف الثاني الذي بقي للغرماء ولا يرد شيئا مما أخذ لأنه مستوف لما أخذ . وبه قال أحمد ، واختلف مالك والشافعي في المفلس يموت قبل الحكم عليه وقبل توقيفه ، فقال مالك : ليس حكم المفلس كحكم الميت ، وبائع السلعة إذا وجدها بعينها أسوة للغرماء في الموت بخلاف التفليس ، وبه قال أحمد ، وفي التوضيح : مقتضى الحديث رجوعه أي رجوع صاحب السلعة ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث وهو الجديد من قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وخالف في القديم فقال : يضارب بباقي الثمن فقط ، واستدلت الشافعية بقوله من أدرك ماله بعينه على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من صفاتها فهو أسوة الغرماء . وبسط بعض الشافعية الكلام هنا ، وجعله على وجوه : الأول : لا بد في الحديث من إضمار ، ولم يكن البائع قبض ثمنها لأنه إذا قبضه فلا رجوع له فيه إجماعا . الثاني : خصص مالك والشافعي في قول قديم له رجوعه في العين بما إذا لم يكن قبض من ثمنها شيئا ، فإن قبض بعضه صار في بقيته أسوة الغرماء ، وقد قلنا آنفا : إن الشافعي لم يفرق في الجديد بين قبض بعض الثمن وبين عدم قبضه لعموم الحديث . الثالث : استدل الشافعي وأحمد برواية عمر بن خلدة ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه الحديث . رواه أبو داود وغيره على التسوية بين حالتي الإفلاس حيا وميتا أن لصاحب السلعة الرجوع ، وفرق مالك بينهما ، وقال : هو في حالة الموت أسوة الغرماء . الرابع : استدل بقوله أدرك ماله بعينه على أنها إذا هلكت أو أخرجها عن ملكه ببيع أو هبة أو عتق أو نحوه أنه لا يرجع فيها لأنها ليست على يد المشتري . الخامس : استدل به على أن التصرف الذي لا يزيل الملك لا يبطل حق الرجوع للبائع كالتدبير واستيلاد أم الولد وهو كذلك بالنسبة إلى المدبر عند من يجوز بيعه وهو الصحيح ، وأما بالنسبة إلى أم الولد فليس له الرجوع فيها على الصواب ، قال شيخنا : وأما ما وقع في فتاوى النووي من أنه يرجع فهو غلط ، وقد عبر هو في تصحيح التنبيه بأن الصواب أنه لا يرجع . السادس : ما المراد بالمفلس المذكور في الحديث وفي قول الفقهاء ، قال الرافعي نقلا عن الأئمة : إن المفلس من عليه ديون لا تفي بماله ، واعترض عليه بأمرين ، أحدهما : أنه لا بد من تقييد ذلك بضرب الحاكم الحجر عليه ، فإن من هذه حاله ولم يضرب عليه الحجر يصح بيعه وشراؤه بلا خلاف . والثاني : أنه تتقيد الديون بديون العباد أما ديون الله تعالى كالزكاة ونحوها فإنه لا يضرب عليه الحجر بعجز ماله عنها إذا كان ماله يفي بديون العباد كما جزم به الرافعي في كتاب الإيمان . السابع : قوله ماله بعينه ، وفي رواية الترمذي وغيره فوجد الرجل سلعته عنده بعينها دليل على أنه لا يختص ذلك بالبيع ، بل لو أقرضه دراهم ثم أفلس فوجد الرجل الدراهم بعينها فهو أحق بها من بقية الغرماء لأن السلعة لغة المتاع . قاله الجوهري ، وفي بعض طرقه في الصحيح أيضا : فوجد الرجل متاعه أو ماله . الثامن : لو أجره شيئا بمنجل وتفلس المستأجر قبل قبض الأجرة أنه يفسخ الإجارة ويرجع بالعين المستأجرة ، وقد صرح به الرافعي ، قال ابن دقيق العيد : وإدراجه تحت لفظ الحديث متوقف على المنافع ، هل يطلق عليها اسم المتاع والمال ؟ قال : وإطلاق المال عليها أقوى ، قلت : يطلق عليها اسم المتاع لغة ، قال الجوهري : المتاع السلعة والمتاع المنفعة . التاسع : يدخل تحت ظاهر الحديث ما إذا التزم في ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان ثم أفلس والأجرة بيده قائمة فإنه يثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة ، قاله ابن دقيق العيد . العاشر : فيه حجة لأحد الوجهين أن المفلس المضروب عليه الحجر يحل الديون المؤجلة عليه والصحيح أنه لا يحل . الحادي عشر : قد يستدل به لأصح الوجهين أن الغرماء إذا قدموا صاحب العين القائمة بثمنها لم يسقط حقه من الرجوع في العين . الثاني عشر : قد يستدل به على أن لصاحب العين الاستبداد في الرجوع في عينه وهو أحد الوجهين ، وقيل : ليس ذلك إلا بالحاكم . الثالث عشر : قد يستدل به لأصح الوجهين أنه لو امتنع المشتري من تسليم الثمن أو هرب أو امتنع الوارث من تسليم الثمن وحجر الحاكم عليه أنه لصاحب العين الرجوع إلى حقه ، لقوله أيما امرئ أفلس فهذا مفهوم شرط وصفة ، فيقتضي أنه لا رجوع في حق غير المفلس . الرابع عشر : استدل به لأصح الوجهين أنه إذا باعه عبدين فتلف أحدهما رجع في الباقي بحصته ، وقيل : يرجع فيه بكل الثمن . الخامس عشر : استدل به لأحد الوجهين أنه إذا وجد رب السلعة سلعته عند المفلس بعد أن خرجت ثم عادت إليه بغير عوض أنه يرجع كالميراث والهبة وهو الذي صححه الرافعي في الشرح الصغير ، وصحح النووي من زياداته في الروضة عدم الرجوع لأنه تلقاه من مالك آخر غير صاحب العين . السادس عشر : استدل به على رجوع البائع وإن كان للمفلس ضامن بالثمن ، وقد فرق صاحب التتمة بين أن يضمن بإذن المشتري أو لا فإن ضمن بإذنه فليس له الفسخ وإن ضمن بغير إذنه فوجهان . السابع عشر : استدل به من ذهب إلى أن البائع يرجع فيه وإن كان المبيع شخصا مشفوعا ولم يعلم الشفيع حتى حجر على المشتري وهو وجه ، والصحيح أنه يأخذه الشفيع ويكون الثمن بين الغرماء ، وقيل : يأخذه الشفيع ويخص البائع بالثمن جمعا بين الحقين . الثامن عشر : فيه أنه يرجع وإن وجده معيبا . التاسع عشر : فيه أنه لا يرجع بالزوائد المنفصلة لأنها ليست متاعه . العشرون : استدل به على أن البائع له الرجوع وإن كان المشتري قد بنى وغرس فيها ، وفيه خلاف وتفصيل معروف في كتب الفقه ، انتهى . قلت : ذهب إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي في رواية ، ووكيع بن الجراح وعبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إلى أن بائع السلعة أسوة للغرماء ، وصح عن عمر بن عبد العزيز أن من اقتضى من ثمن سلعته شيئا ثم أفلس فهو والغرماء فيه سواء وهو قول الزهري ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نحو ما ذهب إليه هؤلاء ، وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه ، وبهذا يرد على ابن المنذر في قوله ولا نعلم لعثمان في هذا مخالفا من الصحابة ، وقول عثمان مر عن قريب في أوائل الباب ، وروى الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال : هو والغرماء فيه شرعا سواء ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي وسأله رجل أنه وجد ماله بعينه ؟ فقال : ليست لك دون الغرماء . وأجاب الطحاوي عن حديث الباب أن المذكور فيه من أدرك ماله بعينه ، والمبيع ليس هو عين ماله وإنما هو عين مال قد كان له ، وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب والعواري والودائع وما أشبه ذلك فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء ، وفي ذلك جاء هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي يدل عليه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة رضي الله تعالى عنه فإنه حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن سعيد بن زيد بن عقبة ، عن أبيه ، عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من سرق له متاع أو ضاع له متاع فوجده عند رجل بعينه فهو أحق بعينه ، ويرجع المشتري على البائع بالثمن . وأخرجه الطبراني أيضا ، فهذا يبين أن المراد من حديث أبي هريرة أنه على الودائع والعواري والمغصوب ونحوها ، وأن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في يد رجل بعينه وليس للغرماء فيه نصيب لأنه باق على ملكه لأن يد الغاصب يد التعدي والظلم وكذلك السارق بخلاف ما إذا باعه وسلمه إلى المشتري فإنه يخرج عن ملكه وإن لم يقبض الثمن . فإن قلت : حديث سمرة هذا فيه الحجاج بن أرطاة والنخعي فيه مقال ؟ قلت : ما للحجاج وقد روى عنه مثل الإمام أبي حنيفة والثوري وشعبة وابن المبارك ؟ وقال العجلي : كان فقيها ، وقال أحد مفتي الكوفة : وكان جائز الحديث ، وقال أبو زرعة : صدوق مدلس ، وقال ابن حبان : صدوق يكتب حديثه ، وقال الخطيب : أحد العلماء بالحديث والحفاظ له ، وفي الميزان : أحد الأعلام وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير وسعيد بن زيد وثقه ابن حبان ، وأبوه زيد بن عقبة وثقه العجلي والنسائي . وقد تكلم جماعة ممن يلوح منهم لوائح التعصب بما فيه ترك مراعاة حسن الأدب ، فقال القرطبي في المفهم : تعسف بعض الحنفية في تأويل هذا الحديث بتأويلات لا تقوم على أساس ، وقال النووي : وتأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة ، وقال ابن بطال : قال الحنفية : البائع أسوة للغرماء ودفعوا حديث التفليس بالقياس ، وقالوا : السلعة مال المشتري وثمنها في ذمته ، والجواب أنه لا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة أما مع وجودها فهي حجة على من خالفها ، فإن قال الكوفيون : نؤوله بأنه محمول على المودع والمقرض دون البائع ، قلنا : هذا فاسد لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه ، والمودع أحق بعينه سواء كان على صفته أو قد تغير عنها ، فلم يجز حمل الخبر عليه ووجب حمله على البائع لأنه إنما يرجع بعينه إذا وجده بصفته لم يتغير ، فإذا تغير فإنه لا يرجع . وقال الكرماني : وقال بعضهم : هذا التأويل غير صحيح إذ لا خلاف أن صاحب الوديعة أحق بها سواء وجدها عند مفلس أو غيره ، وقد شرط الإفلاس في الحديث ، وقال صاحب التوضيح : وحمل أبو حنيفة الحديث على الغصب والوديعة لأنه لم يذكر البيع فيه ، وأول الحديث بتأويلات ضعيفة مردودة ، وتعلق بشيء يروى عن علي وابن مسعود ، وليس بثابت عنهما ، وتركوا الحديث بالقياس بأن يده قد زالت كيد الراهن . وقال بعض الشافعية : في الحديث المذكور حجة على أبي حنيفة حيث قال : هو أسوة الغرماء ، وأجابوا عن الحديث بأجوبة : أحدها : أنهم قالوا : هذا الحديث مخالف للأصول الثابتة ، فإن المبتاع قد ملك السلعة وصارت في ضمانه ، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه ، قالوا : والحديث إذا خالف القياس يشترط فيه فقه الراوي ، وأبو هريرة ليس كذلك . والثاني : أن المراد الغصوب والعواري والودائع والبيوع الفاسدة ونحوها . والثالث : أنه محمول على البيع قبل القبض . وهذه الأجوبة فاسدة ، أما الأول : فإن كل حديث أصل برأسه فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له ، وقد ينقض ملك المالك في غير موضع كالشفعة والطلاق قبل الدخول بعد أن ملكت الصداق ، وتقديم صاحب الرهن على الغرماء ، واختلاف المتبايعين ، وتعجيز المكاتب ، وغير ذلك . وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة في الصلاة مع كونه مخالفا للأصول وضعفه أيضا ، وأما الثاني فيبطله قوله أيما امرئ أفلس فإن المغصوب منه ومن ذكر معه أحق بمتاعه من المفلس وغيره ، وأما الثالث فيبطله ووجد الرجل سلعته عنده وهي قبل القبض ليست عند المفلس ، ولا يقال وجدها صاحبها وأدركها وهي عنده . قلت : هؤلاء كلهم صدروا عن مكرع واحد ، أما القرطبي والنووي فإنهما ادعيا بأن تأويل الحنفية ضعيف مردود ولم يبينا وجه ذلك ، وأما ابن بطال فإنه قال الحنفية : دفعوا حديث المفلس بالقياس ولا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة ، وليس كما قال لأنهم ما دفعوا الحديث بالقياس بل عملوا بهما ، أما عملهم بالحديث فظاهر قطعا لأنه قال : من أدرك ماله بعينه ، وإدراك المال بعينه لا يتصور إلا فيما قالوا نحو الغصوب والعواري والودائع ونحو ذلك ؛ لأن ماله في هذه الأشياء محقق ولم يخرج عن ملكه بوجه من الوجوه فلا يشاركه فيه أحد ، وأما عملهم بالقياس فظاهر قطعا أيضا لأن المبيع خرج عن ملك البائع ودخل في ملك المشتري ، فإن لم يكن الثمن مقبوضا فكيف يجوز تخصيص البائع به ومنع تشريك غيره من أصحاب الحقوق التي هي متعلقة بذمة المشتري ؟ فهذا لا يقبله النقل والقياس على أنه نقل عن إمامه مالك بن أنس أن القياس مقدم على خبر الواحد ؛ حيث يقول : إن القياس حجة بإجماع الصحابة ، وفي اتصال خبر الواحد بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم احتمال ، وكان القياس الثابت بالإجماع أقوى ، ونحن نقول : إجماع الصحابة على تقديم خبر الواحد على القياس ، وخبر الواحد حجة بالإجماع والشبهة بالقياس في الأصل وفي الخبر في الاتصال ، فيرجح الخبر عليه ، ودعواه بأن تأويل الكوفيين فاسد لأنه جعل لصاحب المتاع إذا وجده بعينه فاسدة ؛ لأنا لا نكرر جعله لصاحب المتاع إذا وجده بعينه ، فكل من كان صاحب المتاع فله الرجوع ، والبائع هنا خرج عن كونه صاحب المتاع لأن المتاع خرج من ملكه ، وتبدل الصفة هنا كتبدل الذات فصار المبيع غير ماله وقد كان عين ماله أولا ، فإن قلت : أنت ذكرت عقيب ذكر الحديث أن أحاديث الباب تدل على أن حديث الباب وارد في البيع ، ثم ذكرت عن مسلم وغيره ما يدل على ذلك ؟ قلت : إنما ذكرت ذلك لأجل بيان ترجمة البخاري حيث قال : باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع إلى آخره ، وذلك أن مذهبه مثل مذهب من يجعل البائع أسوة الغرماء ، فذكرت ما ذكرت لأجل بيان ذلك ولأجل المطابقة بين الترجمة والحديث . وأما حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فإنه مضطرب لأن مالكا رواه في موطئه عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وقال أبو داود : هو أصح ممن رواه عن مالك مسندا ، وقال الدارقطني : ولا يثبت هذا عن الزهري مسندا وإنما هو مرسل ، وقال أبو عمر : كذا هو مرسل في جميع الموطآت التي رأينا ، وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمنا مرسلا إلا عبد الرزاق فإنه رواه عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي بكر ، عن أبي هريرة فأسنده . وقد اختلف في ذلك عن عبد الرزاق ، فإن قلت : المرسل حجة عندكم ؟ قلت : نعم ولكن المسند أقوى لأن عدالة الراوي شرط قبول الحديث وهي معلومة في المسند بالتصريح ، وفي المرسل مشكوكة أو معلومة بالدلالة ، والصريح أقوى من الدلالة ، والعجب من هؤلاء أنهم لا يرون المرسل حجة ثم يعملون به في مواضع ، وأما قول صاحب التوضيح تعلق أبو حنيفة بشيء يروى عن علي وابن مسعود وليس بثابت عنهما ليس كذلك لأنا قد ذكرنا فيما مضى أن قتادة روى عن خلاس بن عمرو عن علي رضي الله تعالى عنه أنه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه ، وصححه ابن حزم ، وأما نقلهم عن الحنفية بأنهم قالوا : والحديث إذا خالف القياس يشترط فقه الراوي ، وأبو هريرة ليس كذلك ، فهذا تشنيع منهم عليهم لأن الشيخ أبا الحسن الكرخي قال : ليس فقه الراوي شرطا لتقديم خبره على القياس ، بل يقبل خبر كل عدل فقيها كان أو غيره إذا لم يكن معارضا بدليل أقوى منه ، وتبعه على ذلك جماعة من المشايخ ، وقال صدر الإسلام : وإليه مال أكثر العلماء ، والذي ذكروه هو مذهب عيسى بن أبان وبعض المتأخرين مع أن أحدا منهم لم يذكر أبا هريرة بما نسب إليه من قلة الفقه ، وكيف لم يكن فقيها وكان يفتي في زمن الصحابة ولم تكن الفتوى في زمانهم إلا للفقهاء ؟ وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ فاستجاب الله دعاءه فيه حتى انتشر في العالم ذكره . وأما قولهم كل حديث أصل برأسه فسلمنا ذلك إذا كان كل واحد متعلقا بأصل غير الأصل الذي يتعلق به الآخر ، وأما إذا كان حديثان أو أكثر ومخرجهما واحد فلا يفرق حينئذ بينهما ، وأما قولهم وقد ينقض ملك المالك كالشفعة إلى آخره غير صحيح لأن مشتري الدار لا يثبت له الملك مع وجود الشفيع ، ولو قبضها فملكه على شرف السقوط ، ولا يتم له الملك إلا بترك الشفيع شفعته ، والمرأة لا تملك الصداق قبل الدخول ملكا تاما وهو أيضا على شرف السقوط ، ولهذا لو قبضت صداقها وطلقها زوجها يرجع عليها بنصف الصداق ، والملك في الصورتين غير تام ، فكيف يقال وقد ينقض ملك المالك ؟ وأما الرهن فإن يد المرتهن يد استيفاء لا يد ملك ، ولهذا ليس له أن يتصرف فيه تصرف الملاك ، وأما عند اختلاف المتبايعين فلا يثبت الملك لأحدهما إلا بعد الاتفاق على الإتمام أو على الفسخ ، وأما المكاتب فإنه عبد ولو بقي عليه درهم فمتى يملك نفسه حتى يقال ينقض ملكه عند العجز ، وأما قولهم وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة في الصلاة مع كونه مخالفا للأصول وضعفه أيضا فإنما أخذوا به لكون راويه معروفا بالعدالة ، والمعروف بالعدالة يقبل قوله وإن لم يكن معروفا بالفقه سواء وافق خبره القياس أو خالفه ، وأما تضعيفهم خبر القهقهة فغير صحيح لأنه رواه جماعة من الصحابة الفقهاء كأبي موسى الأشعري وجابر وعمران وسلمة بن زيد رضي الله تعالى عنهم ، وقد أتقنا الكلام فيه في شرحنا للهداية .
باب إذا قاص أو جازفه في الدين تمرا بتمر أو غيره أي هذا باب يذكر فيه إذا قاص بتشديد الصاد من المقاصصة وهي أن يقاص كل واحد من الاثنين أو أكثر صاحبه فيما هم فيه من الأمر الذي بينهم ، وهاهنا المقاصصة في الدين ، قوله أو جازفه من المجازفة وهي الحدس بلا كيل ولا وزن ، قوله في الدين يرجع إلى كل واحد من قوله قاص وقوله أو جازفه ، والضمير في قاص يرجع إلى المديون بدلالة القرينة عليه وكذلك الضمير المرفوع في جازفه يرجع إليه ، وأما الضمير المنصوب فيرجع إلى صاحب الدين ، قوله تمرا بتمر أو غيره أي سواء كانت المقاصصة أو المجازفة تمرا بتمر أو غير التمر نحو قمح بقمح أو شعير بشعير ونحو ذلك ، وجواب إذا محذوف تقديره فهو جائز . 12 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا أنس ، عن هشام ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستتنظره جابر فأبى أن ينظره ، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيها ، ثم قال لجابر : جد له فأوف له الذي له ، فجده بعدما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت له سبعة عشر وسقا ، فجاء جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان فوجده يصلي العصر ، فلما انصرف أخبره بالفضل ، فقال : أخبر ذلك ابن الخطاب ، فذهب جابر إلى عمر فأخبره ، فقال له عمر : لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليباركن فيها . قال المهلب : لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمرا مجازفة بدين لما فيه من الجهل والغرر ، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ ذلك ورضي ، انتهى . قلت : غرضه من ذلك إظهار عدم صحة هذه الترجمة ، وأجيب عن هذا بأن مقصود البخاري أن الوفاء يجوز فيه ما لا يجوز في المعاوضات ، فإن معاوضة الرطب بالتمر لا يجوز إلا في العرايا ، وقد جوزه صلى الله عليه وسلم في الوفاء المحض ، وأنس هو ابن عياض يكنى أبا ضمرة من أهل المدينة ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير ، ووهب بن كيسان أبو نعيم مولى عبد الله بن الزبير بن العوام المدني . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الصلح عن بندار وأخرجه أبو داود في الوصايا عن أبي كريب ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن عبد الرحمن بن إبراهيم . ( ذكر معناه ) قوله وسقا الوسق بفتح الواو ستون صاعا ، قوله فأبى أن ينظره أي امتنع عن إنظاره ، وكلمة أن مصدرية ، قوله ثمر نخله يروى بالمثلثة وبالمثناة قاله الكرماني ، قوله جد له بضم الجيم أمر من جد يجد ، وقد مر عن قريب ، قوله سبعة عشر ويروى تسعة عشر ، قوله بالذي كان أي من البركة والفضل على الدين ، قوله ابن الخطاب أي عمر رضي الله تعالى عنه ، وفائدة الإخبار له زيادة الإيمان لأنه كان معجزة إذ لم يكن يفي أولا وزاد آخرا ، وتخصيصه عمر بذلك لأنه كان معتنيا بقضية جابر مهتما بها أو كان حاضرا في أول القضية داخلا فيها ، قوله ليباركن بصيغة المجهول مؤكدا بالنون الثقيلة ، قوله فيها أي في الثمر وهو جمع ثمرة .
باب من استعاذ من الدين أي هذا باب في بيان من استعاذ بالله من ارتكاب الدين ، وفي بعض النسخ باب الاستعاذة من الدين . 13 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، ح وحدثنا إسماعيل ، قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن محمد بن أبي عتيق ، عن ابن شهاب ، عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ويقول : اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم ! قال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن المغرم هو الدين ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأخوه عبد الحميد أبو بكر ، وسليمان هو ابن بلال ، وابن شهاب هو الزهري ، والرجال كلهم مدنيون ، والحديث مضى بأتم منه في كتاب الصلاة في باب الدعاء قبل السلام ، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن عروة إلى آخره . قوله من المأثم مصدر ميمي بمعنى الإثم ، وكذلك المغرم بمعنى الغرامة وهي لزوم الأداء ، وأما الغريم فهو الذي عليه الدين ، قوله ووعد يعني بالوفاء غدا أو بعد غد مثلا ، والوعد وإن كان نوعا من التحديث ولكن التحديث يختص بالماضي والوعد بالمستقبل . قال ابن بطال : فيه وجوب قطع الذرائع لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما استعاذ من الدين لأنه ذريعة إلى الكذب والخلف في الوعد مع ما فيه من الذلة وما لصاحب الدين عليه من المقال .
باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مطلا أي هذا باب في بيان حكم من أخر من الحكام غريم شخص أي أخر طلب حقه من غريمه إلى الغد ، قوله أو نحوه مثلا إلى يومين أو ثلاثة ونحو ذلك ، قوله ولم ير ذلك أي تأخيره إلى الغد ونحوه مطلا أي تسويفا بالحق ، وهذه الترجمة ساقطة في رواية النسفي وحديثها كذلك ، ولذلك لم يشرحها أكثر الشراح . وقال جابر : اشتد الغرماء في حقوقهم في دين أبي ، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبلوا ثمر حائطي ، فأبوا فلم يعطهم الحائط ولم يكسره لهم ، وقال : سأغدو عليك غدا ، فغدا علينا حين أصبح ، فدعا في ثمرها بالبركة فقضيتهم . مطابقته للترجمة في قوله سأغدو عليك غدا ، وهذا التعليق قد أخرجه موصولا فيما مضى عن قريب في باب إذا قضى دون حقه أو حلله وفي الباب الذي يليه أيضا ، وفيه زيادة وهي قوله ولم يكسره لهم ، وذكرها في كتاب الهبة ومعناه .
باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه أي هذا باب في بيان حكم من باع من الحكام مال المفلس أو المعدم بكسر الدال وهو الفقير ، قوله فقسمه أي قسم مال المفلس بين غرمائه ، قوله أو أعطاه أي أو أعطى مال المعدم له بعد أن باعه لينفق على نفسه ، وفيه اللف والنشر ، قاله الكرماني ووجهه ما ذكرته . 19 - حدثنا مسدد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حسين المعلم ، حدثنا عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : أعتق رجل غلاما له عن دبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله ، فأخذ ثمنه فدفعه إليه . الترجمة جزآن ، أحدهما : بيع مال المفلس وقسمته بين الغرماء ، والثاني : بيع مال المعدوم ودفعه إليه لينفقه على نفسه ، فلا مطابقة بينهما وبين حديث الباب بحسب الظاهر كما قاله ابن بطال بكلام حاصله نفي المطابقة ، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانا ، ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه أو يسلمه إلى المديان ليقسمه ، فلهذا ترجم على التقديرين مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى . وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن في الترجمة لفا ونشرا و أو في الموضعين للتنويع ، ويخرج أحدهما من الآخر ، قلت : أما قول المجيب الأول بأنه يحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانا ، فليس بطائل أن يقال بالاحتمال بل هو في نفس الأمر إنما باعه لكونه مديانا كما ثبت ذلك في بعض طرق حديث جابر أنه كان عليه دين أخرجه النسائي ، وقال : أخبرنا أبو داود ، قال : حدثنا محاضر ، قال : حدثنا الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر قال : أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين ، فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم فأعطاه ، فقال : اقض دينك ، وأما قول بعضهم : والذي يظهر لي أن في الترجمة لفا ونشرا ، فليس له وجه أن ينسب ذلك إلى نفسه لأنه مسبوق به ، فإن الكرماني قال : والكلام يحتمل اللف والنشر كما ذكرناه عن قريب ، وقوله أيضا ويخرج أحدهما من الآخر مسبوق به أيضا ، ومع هذا فيه نظر . والتوجيه الحسن في ذكر المطابقة بين الترجمة والحديث أن يقال : إن حديث جابر المذكور له طرق منها هذا الذي أخرجه النسائي ، ففيه أن الرجل كان مديونا وباع النبي صلى الله عليه وسلم الغلام الذي دبره فدفعه إليه ، وقال له : اقض دينك ، كما في حديثه وهذا يطابق الجزء الأول للترجمة غاية ما في الباب اقتصر في حديث الباب على قوله فدفعه إليه ، وفي حديث النسائي فأعطاه ، فقال : اقض دينك ، فإن قلت : ليس في الترجمة أن المديون هو الذي قسمه فلا مطابقة ، قلت : لما أمره بقضاء دينه من ثمن العبد فكأنه هو الذي تولى قسمته بين غرمائه لأن التدبير حق من الحقوق ، فلما أبطله الشارع هنا احتاج إلى الحكم به ، وكان من ضرورة الحكم به أمره بقسمته بين الغرماء لأن البيع لم يكن إلا لأجلهم ، ومن طرق حديث جابر ما رواه النسائي أيضا ، وقال : حدثنا هلال بن العلاء ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثني عبد الله بن عبد الكريم ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله تعالى عنه : أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر ، فاحتاج مولاه فأمره ببيعه فباعه بثمانمائة درهم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنفقه على عيالك ، فإنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول . وفي رواية للنسائي ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك الحديث ، وهذا يطابق الجزء الثاني للترجمة على الوجه الذي ذكرناه ، وحديث الباب مضى مختصرا في البيوع في باب بيع المدبر ، فإنه أخرجه هناك عن ابن نمير ، عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن سلمة بن كهيل ، عن عطاء ، عن جابر قال : باع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المدبر . قوله عن دبر معناه قال لعبده أنت حر بعد موتي أو دبرتك ، واسم المدبر بفتح الباء يعقوب ، واسم مولاه أبو مذكور ، والثمن ثمانمائة درهم . وقد مر الكلام فيه هناك ، ونعيم بضم النون وفتح العين المهملة ابن عبد الله النحام بفتح النون وتشديد الحاء المهملة القرشي العدوي ، سمي النحام لأنه صلى الله عليه وسلم قال : دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم ، والنحمة السعلة ، أسلم قديما بمكة ثم هاجر عام الحديبية وشهد ما بعدها من المشاهد ، قتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة من الهجرة رضي الله تعالى عنه .
وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ، فدفعها إليه إلى أجل مسمى الحديث . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهو قطعة من حديث مطول الذي يذكر فيه قضية الرجل الذي أسلف ألف دينار في أيام بني إسرائيل ، وقد مر في الكفالة ومر الكلام فيه هناك ، وذكره في هذا الباب في معرض الاحتجاج على جواز التأجيل في القرض ، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا تلزمنا أم لا .
وقال عطاء وعمرو بن دينار : هو إلى أجله في القرض . عطاء هو ابن أبي رباح ، ووصل هذا التعليق عبد الرزاق عن ابن جريج عنهما ، وقال ابن التين : قول عطاء وعمر ، وبه يقول أبو حنيفة ومالك ، قلت : ليس هذا مذهب أبي حنيفة ، ومذهبه كل دين يصح تأجيله إلا القرض فإن تأجيله لا يصح .
باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى أو أجله في البيع أي هذا باب يذكر فيه إذا أقرض الرجل رجلا دراهم أو دنانير أو شيئا مما يصح فيه القرض إلى أجل مسمى أي إلى مدة معينة ، قوله أو أجله أي أو أجل الثمن في عقد البيع أو أجل العقد فيه ، يعني باعه إلى أجل مسمى ، ولا يقال فيه إضمار قبل الذكر لأن القرينة تدل عليه وهي قوله في البيع ، وهاتان مسألتان وجوابهما محذوف تقديره فهو جائز أو يجوز أو نحو ذلك ، أما المسألة الأولى ففيها خلاف ، فقال ابن بطال : اختلف العلماء في تأخير الدين في القرض إلى أجل ، فقال أبو حنيفة وأصحابه : سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل له أن يأخذه متى أحب ، وكذلك العارية وغيرها لأنه عندهم من باب العدة والهبة غير مقبوضة ، وهو قول الحارث العكلي وأصحابه وإبراهيم النخعي . وقال ابن أبي شيبة : وبه نأخذ ، وقال مالك وأصحابه : إذا أقرضه إلى أجل ثم أراد أخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك ، أما المسألة الثانية فليس فيها خلاف بين العلماء لجواز الآجال في البيع لأنه من باب المعاوضات فلا يأخذه قبل محله ، وفي التوضيح : وقال الشافعي : إذا أخر الدين الحال فله أن يرجع فيه متى شاء ، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره . قال ابن عمر في القرض إلى أجل : لا بأس به وإن أعطي أفضل من دراهمه ما لم يشترط . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن وكيع ، حدثنا حماد بن سلمة ، قال : سمعت شيخا يقال له المغيرة ، قلت لابن عمر : إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي ، قال : لا بأس ما لم تشترط ، قال وكيع : وحدثنا هشام الدستوائي ، عن القاسم بن أبي بزرة ، عن عطاء بن يعقوب ، قال : استسلف مني ابن عمر ألف درهم فقضاني دراهم أجود من دراهمي ، وقال : ما كان فيها من فضل فهو نائل مني إليك أتقبله ؟ قلت : نعم .
باب الشفاعة في وضع الدين أي هذا باب في بيان الشفاعة في وضع الدين أي حط شيء من أصل الدين ، وكذا فسره ابن الأثير في قوله صلى الله عليه وسلم من أنظر معسرا أو وضع له ، وليس المراد من الوضع إسقاطه بالكلية . 20 - حدثنا موسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن مغيرة ، عن عامر ، عن جابر رضي الله عنه قال : أصيب عبد الله وترك عيالا ودينا ، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا من دينه فأبوا ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستشفعت به عليهم فأبوا ، فقال : صنف تمرك كل شيء منه على حدته : عذق ابن زيد على حدة ، واللين على حدة ، والعجوة على حدة . ثم أحضرهم حتى آتيك ، ففعلت ، ثم جاء فقعد عليه وقال لكل رجل حتى استوفى وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس ، وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم على ناضح لنا فأزحف الجمل فتخلف علي ، فوكزه النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ، قال : بعنيه ولك ظهره إلى المدينة ، فلما دنونا استأذنت ، فقلت : يا رسول الله ، إني حديث عهد بعرس ، قال صلى الله عليه وسلم : فما تزوجت ؟ بكرا أم ثيبا ؟ قلت : ثيبا ، أصيب عبد الله وترك جواري صغارا ، فتزوجت ثيبا تعلمهن وتؤدبهن ، ثم قال : ائت أهلك ، فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني ، فأخبرته بإعياء الجمل وبالذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم ووكزه إياه ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم غدوت إليه بالجمل فأعطاني ثمن الجمل والجمل وسهمي مع القوم . مطابقته للترجمة في قوله فاستشفعت به عليهم ، والحديث مضى في كتاب البيوع في باب الكيل على البائع والمعطي ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن جرير عن مغيرة عن الشعبي عن جابر . وهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ، عن أبي عوانة بفتح العين الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن مغيرة بن مقسم ، عن عامر الشعبي ، عن جابر بن عبد الله . وقد مر الكلام فيه هناك ، ولنتكلم فيما لم يذكر هناك . قوله عبد الله هو أبو جابر ، استشهد يوم أحد ، وهو معنى قوله أصيب ، وقال الذهبي : عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السلمي أبو جابر نقيب بدري قتل في أحد ، قوله وترك عيالا بكسر العين جمع عيل بتشديد الياء ، كجياد جمع جيد من عال عياله مانهم وأنفق عليهم ، وقد مضى أنه ترك سبع بنات أو تسعا . قوله فطلبت إلى أصحاب الدين أي أنهيت طلبي إليهم ، وفي الأصل : الطلب يستعمل بدون صلة فلما قصد المبالغة استعمله بحرف الغاية ، قوله صنف أمر من التصنيف وهو أن يجعل الشيء أصنافا ويميز بعضها عن بعض ، قوله على حدة أي كل واحد على حياله والهاء عوض من الواو ، قوله عذق ابن زيد هو نوع من التمر جيد ، والعذق بفتح العين وكسرها وسكون الذال المعجمة ، وقيل : بالفتح النخلة ، قلت : وفي التوضيح بخط الدمياطي : عذق زيد ، قوله واللين بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف نوع من التمر ، وقيل : التمر الرديء ، وهو جمع لينة وهي النخلة . قاله ابن عباس ، أو النخل كله ما خلا البرني ، وقال الكرماني : اللين لو أن التمر ما خلا العجوة ، وأما العجوة فهي من أجود تمور المدينة ، ويقال : أهل المدينة يسمون العجوة ألوانا ، وقيل : اللين الدقل وأصله لون ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، قوله وقال لكل رجل أي أعطى لكل رجل من أصحاب الديون حتى استوفى حقه ، وقد مر أن قال : يستعمل لمعان كثيرة فكل معنى بحسب ما يليق به ، قوله كما هو كلمة ما موصولة مبتدأ وخبره محذوف أو زائدة أي كمثله ، وفي رواية : بقي منه بقية ، وفي أخرى : بقي منه أوسق ، وفي رواية : بقي منه سبعة عشر وسقا ، قوله لم يمس على صيغة المجهول ، قوله على ناضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة وهو الجمل الذي يسقى عليه النخل ، قوله فأزحف الجمل أي كل وأعيى ، ومادته زاي وحاء مهملة وفاء ، يقال : أزحفه المسير إذا أعياه . وأصله أن البعير إذا تعب يجر رسنه وكأنه كنى بقوله أزحف على بناء الفاعل عن جره الرسن عن الإعياء ، وقال ابن التين : صوابه فزحف ثلاثي إلا أنه ضبط بضم الهمزة وكسر الحاء في أكثر النسخ وفي بعضها بفتحها والأول أبين ، قوله فوكزه بالزاي أي ضربه بالعصا ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي وركزه بالراء موضع الواو أي ركز فيه العصي والمراد به المبالغة في ضربه بها ، قوله ولك ظهره إلى المدينة أراد به ركوبه عليه إلى المدينة ، قوله فلامني من اللوم ، وكان لومه إما لكونه محتاجا إليه وإما لكونه باعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهبه منه ، قوله وسهمي بالنصب أي وأعطاني أيضا سهمي من الغنيمة ، ويروى فسهمني بلفظ فعل الماضي ، وفيه فوائد كثيرة ذكرناها هناك .
15 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عامر ، قال : حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه . مطابقته للترجمة من الحيثية المذكورة في الحديث السابق ورجاله قد ذكروا على نسق واحد في باب كراء الأرض بالذهب والفضة . حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا فليح ، عن هلال بن علي . لكن فيه عن هلال عن عطاء بن يسار . وهنا عن هلال ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي ، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو ، وفليح بن سليمان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن إبراهيم بن المنذر إلى آخره . ( ذكر معناه ) قوله ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة يعني أحق وأولى بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة من أنفسهم ، ولهذا أطلق ولم يعين فيجب عليهم امتثال أوامره والاجتناب عن نواهيه . قوله اقرؤوا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ في معرض الاحتجاج لما قاله تنبيها لهم على أن هذا الذي قاله وحي غير متلو طابقه وحي متلو ، وتكلم المفسرون في قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وروي عن ابن عباس وعطاء يعني إذا دعاهم النبي إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أولى بهم من طاعة أنفسهم ، وعن مقاتل يعني طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى من طاعة بعضكم لبعض ، وقيل : إنه أولى بهم في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود عليهم لما فيه من مصلحة الخلق والبعد عن الفساد ، وقيل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم ، وأنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم ، وقيل : لأن أنفسهم تحرسهم من نار الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرسهم من نار العقبى ، وقال ابن التين عن الداودي : قوله اقرؤوا إن شئتم أحسبه من كلام أبي هريرة وليس كما ظن ، فقد روى جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قوله فليرثه عصبته العصبة عند أهل الفرائض اسم لمن يرث جميع المال إذا انفرد والفاضل بعد فرض ذوي السهام ، وقيل : العصبة قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك من قولهم عصب القوم بفلان أي أحاطوا به ، وهم كل من يلتقي مع الميت في أب أو جد ويكونون معلومين ، وأما المرأة فلا تسمى عصبة على الإطلاق . قال أبو المعاني : الواحد عاصب قياس غير مسموع ، وكذا قاله الأزهري . قوله من كانوا كلمة من موصولة وإنما ذكرها ليتناول أنواع العصبة فإن العصبة له أنواع ثلاثة لأنه إن لم يتوقف على وجود غيره فهو عصبة بنفسه ، وإن توقف فإن كان توقفه على وجود ذكر أو أنثى فالأول عصبة بغيره والثاني عصبة مع غيره على ما عرف في موضعه ، فإن قلت : من أين العموم ؟ قلت : العموم من كلمة من لأن ألفاظ الموصولات عامات ، وقال الكرماني : ويحتمل أن تكون من شرطية ولم يبين وجه ذلك ، قوله أو ضياعا بفتح الضاد المعجمة مصدر ضاع يضيع ، وقال ابن الجوزي : معناه من ترك شيئا ضائعا كالأطفال ونحوهم فليأتني ذلك الضائع فأنا مولاه أي وليه ، ورواه بعضهم ضياعا بكسر الضاد ، وهو جمع ضائع كما يقال : جائع وجياع ، قال : والأول أصح ، وقال الخطابي : الضياع في الأصل مصدر ثم جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع من ولد أو عيال .
باب الصلاة على من ترك دينا أي هذا باب في بيان حكم الصلاة على الميت الذي ترك دينا ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن الدين لا يخل بالدين ، وأن الاستعاذة منه ليست لذاته بل لما رتب عليه من غوائله ، وأنه صلى الله عليه وسلم صار يصلي على من مات وعليه دين بعد أن كان لا يصلي عليه ، وعقده هذه الترجمة لبيان ذلك على ما نبينه الآن . 14 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك كلا فإلينا . مطابقته للترجمة من حيث إن هذا الحديث روي عن أبي هريرة من وجوه في آخر كتاب الوكالة في باب الدين ، رواه أبو سلمة عنه ، وفي الفرائض رواه أبو سلمة أيضا عنه ، وفي سورة الأحزاب رواه عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه ، وفي هذا الباب رواه أيضا عبد الرحمن عنه على ما يجيء عن قريب ، وهنا أيضا رواه أبو حازم عنه ، وهنا أخرجه عن أبي الوليد هشام ابن عبد الملك الطيالسي ، عن شعبة ، عن عدي ، عن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي واسمه سلمان الأشجعي ، وأخرجه مسلم أيضا في الفرائض ، عن عبيد الله بن معاذ ، وعن أبي بكر بن نافع ، وعن زهير بن حرب . وأخرجه أبو داود في الخراج ، عن حفص بن عمر ، كلهم عن شعبة . وفيه من جملة الألفاظ من ترك دينا فعلي ، قال ابن بطال : هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين ، قلت : وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي عليه قبل فتح الفتوحات ، فلما فتح الله منها ما فتح صار صلى الله عليه وسلم يصلي عليه ، فصار فعله هذا ناسخا لفعله الأول كما قاله ابن بطال ، وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى ذلك ، فحصلت المطابقة بين الترجمة وحديث الباب من هذه الحيثية . قوله كلا بفتح الكاف وتشديد اللام ، قال ابن الأثير : الكل الثقل من كل ما يتكلف ، و الكل العيال ، قلت : الدين من كل ما يتكلف ، قوله إلينا معناه يرجع أمر الكل إلينا فإن كان على الميت دين فعليه وفاؤه كما نص عليه بقوله من ترك دينا فعلي وإن لم يكن عليه دين وترك شيئا فلورثته إن كانوا وإلا فالأمر إليه صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا ترك عيالا ولم يترك شيئا لأن أمور المسلمين كلها يرجع إليه في كل حال .
22 - حدثنا عثمان ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الشعبي ، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . مطابقته للترجمة في قوله وإضاعة المال ، ورجاله ذكروا غير مرة ، وعثمان هو ابن أبي شيبة ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، والشعبي هو عامر بن شراحيل . وهؤلاء كلهم كوفيون لكن سكن جرير الري ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم منصور والشعبي ووراد . والحديث مر في كتاب الزكاة في باب قول الله تعالى لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا بأخصر منه ، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن خالد الحذاء ، عن الشعبي إلى آخره . قوله عقوق الأمهات أصل العقوق القطع كأن العاق لأمه يقطع ما بينهما من الحقوق ، وإنما خص الأمهات بالذكر وإن كان عقوق الآباء أيضا حراما لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء وللتنبيه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك ، ولأن ذكر أحدهما يدل على أن الآخر مثله بالضرورة ولكن تعيين الأم لما ذكرنا ، قوله ووأد البنات الوأد مصدر وأدت الوائدة ابنتها تئدها إذا دفنتها حية ، وقال ابن التين : بإسكان الهمزة ، وضبط ابن فارس بفتحها ، وقال أبو عبيد : كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد ، ويقولون : القبر صهر ونعم الصهر ، وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة ، وبعضهم يفعله تخفيفا للمؤنة . قوله ومنع أي وحرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه ، قوله وهات أي وحرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه ، وقيل : نهى عن منع الواجب من ماله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها ، ونهى عن استدعاء ما لا يجب عليهم من الحقوق وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم ، فكأنه ينتصف ولا ينصف ، وهذا من أسمج الخلال . وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد بن حنبل : ما معنى منع وهات ؟ قال : أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي فتمد يدك فتأخذ من الناس ، وقال ابن التين : وضبط منع بغير ألف وصوابه منعا بالألف لأنه مفعول حرم ، قلت : صرح الكرماني بقوله منعا بالألف ، حيث قال : فإن قلت : كيف صح عطفه ؟ أي عطف هات على منعا ثم أجاب بقوله : تقديره هات وهات ، إذ هو باعتبار لازم معناه وهو الأخذ ، انتهى . قلت : لأن معنى هات أعطني ، ومن لازم العطاء الأخذ ، تقول : هات يا رجل بكسر التاء ، وللاثنين هاتيا مثل إيتيا ، وللجمع هاتوا ، وللمرأة هاتي بالياء وللمرأتين هاتيا وللنساء هاتين مثل عاطين ، قوله قيل وقال إما فعلان وإما مصدران ، فإذا كانا فعلين يكون قيل مجهول ، قال : الذي هو ماض ، والمعنى على هذا نهي عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا ، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء ، خلوين من الضمير ، ومنه قولهم الدنيا قال وقيل وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم : لا تعرف القال من القيل ، وإذا كانا مصدرين يكون معناه نهى عن قيل وقول يقال قلت قولا وقالا وقيلا ، وأصل قالا قولا قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وأصل قيلا قولا قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، وقيل : هذا النهي إنما يصح في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته ، فأما من حكى ما صح ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولا ذم ، وقيل : هذا الكلام يتضمن بعمومه النميمة والغيبة فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال والإصغاء إليه أقبح وأفحش ، قوله وكثرة السؤال فيه وجوه : أحدها السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها ، والثاني مسألة الناس من أموالهم ، وقال التوربشتي : ولا أدري حمله على هذا فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة ، والثالث : كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء ، والرابع : كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وقال ابن بطال : وكثرة السؤال إما في العلميات وإما في الأموال ، قوله وإضاعة المال قد مر تفسيره في أول الباب ، وقال الطيبي : التقسيم الحاصر فيه الحاوي لجميع الأقسام أن تقول إن الذي يصرف إليه المال إما أن يكون واجبا كالنفقة والزكاة ونحوها وهذا لا ضياع فيه ، وهكذا إن كان مندوبا إليه وإما أن يكون حراما أو مكروها وهذا قليله وكثيره إضاعة وسرف ، وإما أن يكون مباحا ولا إشكال إلا في هذا القسم إذ كثير من الأموال يعده بعض الناس من المباحات ، وعند التحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها والإسراف في النفقة والتوسع في لبس الثياب والأطعمة الشهية اللذيذة ، وأنت تعلم أن القسوة وغلظة الطبع تتولد من لبس الرقاق وأكل الشهيات ، ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى يضيع فيهلك ، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران ، وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر .
باب ما ينهى عن إضاعة المال وقول الله تعالى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ و إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وقال في قوله تعالى أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ وقال تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ والحجر في ذلك وما ينهى عن الخداع أي هذا باب في بيان النهي عن إضاعة المال ، وكلمة ما مصدرية ، وإضاعة المال صرفه في غير وجهه ، وقيل : إنفاقه في غير طاعة الله تعالى والإسراف والتبذير . قوله وقول الله بالجر عطف على ما قبله ، قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية النسفي : إن الله لا يحب الفساد ، والأول هو الذي وقع في التلاوة ، والثاني سهو من الناسخ ، والفساد خلاف الصلاح . قوله ولا يصلح عمل المفسدين كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية ابن شبويه والنسفي لا يحب بدل لا يصلح ، وأصل التلاوة إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وغير هذا سهو من الكاتب ، وقيل : يحتمل أنه لم يقصد التلاوة ، قلت : فيه بعد لا يخفى . قوله أَصَلاتُكَ في سورة هود ، وأولها قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ إلى قوله إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات ، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم أصلواتك تأمرك السخرية والهزء ، وإسناد الأمر إلى الصلاة على طريق المجاز ، قوله أَنْ نَتْرُكَ أي بأن نترك أي بترك ما يعبد آباؤنا ، قوله أَوْ أَنْ نَفْعَلَ أي أتأمرنا صلواتك بأن نفعل في أموالنا ما تشاء أنت وهو ما كان يأمرهم من ترك التطفيف والبخس ، وقال زيد بن أسلم : كان مما ينهاهم شعيب عليه الصلاة والسلام عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم ، وكانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة ، وكانوا يتعاملون بالصحاح عددا وبالمكسور وزنا ويبخسون ، قوله إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قول منهم على سبيل الاستهزاء ونسبتهم إياه إلى غاية السفه ، ووجه ذكر هذه الآية في هذه الترجمة في قوله أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ لأن تصرفهم في الدراهم والدنانير على الوجه الذي ذكرناه إضاعة للمال ، وكان شعيب عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك فلما لم يتركوا هذه الفعلة عذبهم الله تعالى ، قوله وقال أي وقال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ هذه الآية في النساء ، وتمامها الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ووجه ذكر هذه الآية هنا أيضا هو أن إيتاء الأموال للسفهاء إضاعتها ، وقال الضحاك عن ابن عباس : المراد بالسفهاء النساء والصبيان ، وقال سعيد بن جبير : هم اليتامى ، وقال قتادة وعكرمة ومجاهد : هم النساء ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها ، وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حرب بن شريح ، عن معاوية بن قرة ، عن أبي هريرة : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ قال : الخدم وهم شياطين الأنس ، قوله قياما أي تقوم بها معايشكم من التجارات وغيرها ، قوله وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وعن ابن عباس : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه وأنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم . وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ورجل كان له دين على رجل فلم يشهد عليه . وقال مجاهد : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا يعني في البر والصلة ، قوله والحجر في ذلك بالجر عطف على قوله إضاعة المال أي الحجر في ذلك أي في السفه ، وقال ابن كثير في تفسيره : ويؤخذ الحجر على السفهاء من هذه الآية ، أعني قوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ وهم أقسام : فتارة يكون الحجر على الصغير فإنه مسلوب العبارة ، وتارة يكون الحجر للجنون ، وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين ، وتارة يكون الحجر للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها ، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه ، انتهى . والسفيه هو الذي يضيع ماله ويفسده بسوء تدبيره ، والحجر في اللغة : المنع ، وفي الشرع : المنع من التصرف في المال ، وقال أصحابنا : السفه هو العمل بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى ، ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة والتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضا ؛ مثل دفع المال إلى المغني واللعاب ، وشراء الحمام الطيارة بثمن غال ، والغبن في التجارات من غير محمدة . وأبو حنيفة لا يرى الحجر بسبب السفه ، وبه قال زفر ، وهو مذهب إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين ، وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يحجر على السفيه ، روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، واحتج أبو حنيفة بحديث ابن عمر الذي يأتي الآن : إذا بايعت فقل لا خلابة ، فإنه صلى الله عليه وسلم وقف على أنه كان يغبن في البيوع فلم يمنعه من التصرف ولا حجر عليه ، وحجة الآخرين الآية المذكورة ، وهي قوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الآية ، قوله وما ينهى عن الخداع عطف على ما قبله ، وتقديره أي باب في بيان كذا وكذا وفي بيان ما ينهى عن الخداع أي في البيوع . 21 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أخدع في البيوع ، فقال : إذا بايعت ، فقل : لا خلابة ، فكان الرجل يقوله . مطابقته للترجمة من حيث إن الرجل كان يغبن في البيوع وهو من إضاعة المال ، والحديث قد مر في البيوع في باب ما يكره من الخداع في البيع ، فإنه أخرجه هناك عن عبيد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار إلى آخره ، وأخرجه هنا عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن دينار إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك ، والخلابة بكسر الخاء المعجمة الخداع .
باب مطل الغني ظلم أي هذا باب يذكر فيه مطل الغني ظلم ، فلفظ باب منون غير مضاف ، ومطل الغني كلام إضافي ، وظلم خبره ، وأصل المطل من مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا ضربتها ومددتها لتطول ، وكل ممدود ممطول ومنه اشتقاق المطل بالدين وهو الليان به ، يقال : مطله وماطله بحقه . 16 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم . نفس الترجمة هو لفظ الحديث بعينه وهو جزء من حديث أخرجه في الحوالة في باب إذا حال على مليء . حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن ابن ذكوان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : مطل الغني ظلم ومن اتبع على مليء فليتبع . وقد مر الكلام فيه هناك . وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى البصري ، ومعمر هو ابن راشد .
باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه أي هذا باب يذكر فيه العبد إلى آخره وأصل راع راعي فاعل إعلال قاض ، قوله ولا يعمل أي العبد في مال سيده إلا بإذنه إلا فيما كان من المعروف المعتاد أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكسرة فلا يحتاج فيه إلي إذنه . 23 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كلكم راع ومسئول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته . قال : فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال : والرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته ، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته . مطابقته للترجمة في قوله والخادم في مال سيده راع لأن المراد من الخادم هنا هو العبد وإن كان أعم منه ، وجاء في النكاح والعبد راع على مال سيده ورجاله بهذا النسق مرت مرارا ، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني . والحديث قد مر في كتاب الجمعة في باب الجمعة في القرى والمدن ، فإنه أخرجه هناك عن بشر بن محمد ، عن عبد الله ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم بن عمر إلى آخره ، قوله والخادم في مال سيده راع كذا هو للأكثرين ، وفي رواية أبي ذر والخادم في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس أي هذا كتاب في بيان حكم الاستقراض وهو طلب القرض ، قوله والحجر وهو لغة المنع وشرعا منع عن التصرف وأسبابه كثيرة محلها الفروع ، قوله والتفليس من فلسه الحاكم تفليسا يعني يحكم بأنه يصير إلى أن يقال : ليس معه فلس ، ويقال : المفلس من تزيد ديونه على موجوده ، سمي مفلسا لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير ، وقيل : سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه لأنهم لا يتعاملون به في الأشياء الخطيرة ، وهذه الترجمة هكذا في رواية أبي ذر ولكن بلا بسملة في أولها وعند غيره البسملة في أولها ، وفي رواية النسفي باب بدل كتاب ولكن عطف الترجمة التي تليه عليه بغير باب . باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته أي هذا باب في بيان حكم من اشترى بالدين ، والحال أنه ليس عنده ثمن الذي اشتراه ، قوله أو ليس أي الثمن بحضرته وقت الشراء ، وهذا أخص من الأول لأن الأول يحتمل أن لا يكون الثمن عنده أصلا لا بحضرته ولا في منزله ، والثاني لا يستلزم نفي الثمن إلا بحضرته فقط وجواب من محذوف تقديره فهو جائز ، وقد أجمعوا على أن الشراء بالدين جائز لقوله تعالى : إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ فإن قلت : روى أبو داود والحاكم من طريق سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مرفوعا : لا أشتري ما ليس عندي ثمنه ، قلت : هذا الحديث ضعفوه ، واختلف في وصله وإرساله ، ويحتمل أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى ضعف هذا الحديث المذكور . 1 - حدثنا محمد ، أخبرنا جرير ، عن المغيرة ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كيف ترى بعيرك أتبيعنيه ؟ قلت : نعم ، فبعته إياه فلما قدم المدينة غدوت إليه بالبعير فأعطاني ثمنه . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشترى جمل جابر ولم يكن الثمن حاضرا ولم يعطه إلا بالمدينة ، ومحمد هو ابن سلام ، وقال الغساني : وما وقع في بعض النسخ محمد بن يوسف فليس بشيء ، قلت : قد وقع في رواية أبي ذر محمد بن يوسف البيكندي ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، والمغيرة هو ابن مقسم بكسر الميم ، والشعبي هو عامر ، والكل قد ذكروا غير مرة . وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرا ، وقد أخرجه في كتاب البيوع في باب شراء الدواب مطولا ، ومضى الكلام فيه مستوفى ، قوله أتبيعنيه بنون الوقاية ويروى أتبيعه .
2 - حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش ، قال : تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السلم ، فقال : حدثني الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه الشراء بالدين ، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري ، والأعمش هو سليمان ، وإبراهيم هو النخعي ، والحديث مضى في كتاب البيوع في باب شراء الطعام إلى أجل ، واليهودي اسمه أبو الشحم ، والمراد من السلم السلف لا السلم المصطلح ، وقد مر الكلام فيه هناك والله أعلم بحقيقة الحال .
باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز أي هذا باب يذكر فيه إذا قضى المديون دون حق صاحب الدين أو حلله فهو جائز ، وقال ابن بطال : وقع في الترجمة في النسخ كلها بكلمة أو ، والصواب الواو لأنه لا يجوز أن يقضي دون حقه ، وتسقط مطالبته بالباقي إلا أن يحلل منه ، ولا خلاف فيه أنه لو حلله من جميع الدين وأبرأه منه جاز ذلك ، فكذلك إذا حلله من بعضه . 11 - حدثنا عبدان ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا يونس عن الزهري ، قال : حدثني ابن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين ، فاشتد الغرماء في حقوقهم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا ، فلم يعطهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطي ، وقال : سنغدو عليك ، فغدا علينا حين أصبح ، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة ، فجددتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها . مطابقته للترجمة في قوله فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي بيان ذلك أن تمر حائط جابر كان أقل من دين أبيه ، فسألهم أن يقضي دون حقهم ويحللوا أباه ، فلما أبوا أتى النبي صلى الله عليه وسلم في صبيحة غد ذلك اليوم وشاهد النخل ودعا في ثمرها بالبركة ، فجده جابر وقضى دينهم وبقي من ذلك الثمر شيء ببركة النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عبدان وهو عبد الله بن عثمان وعبدان لقبه ، الثاني : عبد الله بن المبارك ، الثالث : يونس بن يزيد الأيلي ، الرابع : محمد بن مسلم الزهري ، الخامس : ابن كعب بن مالك ، واختلف فيه فذكر أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي في الأطراف والطرقي أنه عبد الرحمن وتبعهم الحميدي في ذلك ، وذكر الحافظ المزي أنه عبد الله ، وقال صاحب التلويح : ولم يستدل على ذلك ، وتبعه صاحب التوضيح في ذلك ، قلت : بل استدل بأن وهبا روى الحديث عن يونس بسند الباب فسماه عبد الله ، وكذلك في رواية الإسماعيلي ، السادس : جابر بن عبد الله . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين وفي موضع بصيغة الإفراد ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان ، وأن يونس أيلي ، وابن كعب مدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي . قوله فاشتد الغرماء يعني في الطلب ، قوله ويحللوا أبي يعني يجعلونه في حل ويبرئونه عن الدين ، قوله فأبوا أي امتنعوا عن أخذ ثمر الحائط لأنه كان أقل من الدين ، قوله فجددتها من الجداد بالمهملتين وهو صرام النخل وهو قطع تمرتها ، يقال : جد التمرة يجدها جدا ، قوله من ثمرها أي من ثمر النخل . وفيه من الفوائد : تأخير الغريم إلى الغد ونحوه بالعذر كما أخر جابر غرماءه رجاء بركة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان وعده أن يمشي معه ، فحقق الله رجاءه وظهرت بركته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وثبت ما هو من أعلام نبوته ، وفيه مشي الإمام في حوائج الناس لأجل استشفاعه في الديون .
10 - حدثنا خلاد ، قال : حدثنا مسعر ، قال : حدثنا محارب بن دثار ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، قال مسعر : أراه قال : ضحى ، فقال : صل ركعتين ، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني . مطابقته للترجمة في قوله فقضاني وزادني لأن القضاء مع زيادة هو حسن القضاء ، وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، وهو من أفراد البخاري ، وفي بعض النسخ مذكور بأبيه ، ومسعر بكسر الميم ابن كدام ، ومحارب بضم الميم وكسر الراء ابن دثار بكسر الدال وبالثاء المثلثة ، مر في الصلاة إذا قدم من سفر ، والحديث بعينه وبعين الإسناد المذكور قد مضى في كتاب الصلاة في باب الصلاة إذا قدم من سفر ، ومضى الكلام فيه هناك مستقصى .
باب حسن القضاء أي هذا باب في بيان استحباب حسن القضاء أي قضاء الدين أي أدائه . 9 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاءه يتقاضاه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعطوه ، فطلبوا سنه فلم يجدوا له إلا سنا فوقها ، فقال : أعطوه ، فقال : أوفيتني وفى الله بك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خياركم أحسنكم قضاء . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، وسفيان هو ابن عيينة ، قوله فوقها أي أغلى منها ثمنا من حيث الحسن والسن ، قوله إن خياركم وفي رواية أبي الوليد التي مضت فإن خيركم أحسنكم قضاء ، وفي رواية تأتي في الهبة فإن من خيركم ، وفي رواية ابن المبارك أفضلكم أحسنكم قضاء .
باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها أي هذا باب في بيان حال من أخذ شيئا من أموال الناس بطريق القرض أو بوجه من وجوه المعاملات حال كونه يريد أداء هذه الأموال أو حال كونه يريد إتلافها يعني قصده مجرد الأخذ ، ولا ينظر إلى الأداء ، وجواب من محذوف حذفه اكتفاء بما في نفس الحديث لكن تقديره من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه يعني يسر له ما يؤديه من فضله لحسن نيته ، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها على صاحبها أتلفه الله يعني يذهبه من يده فلا ينتفع به لسوء نيته ويبقى عليه الدين ويعاقب به يوم القيامة ، وروى الحاكم مصححا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تدان ، فقيل لها : ما لك والدين وليس عندك قضاء ؟ قالت : إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عز وجل عون فأنا ألتمس ذلك العون . وعن أبي أمامة : يرفعه من تداين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة . وعن محمد بن جحش صحيح الإسناد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال : سبحان الله ! ما أنزل الله من التشديد ، فسئل عن ذلك التشديد ، قال : الدين ، والذي نفس محمد بيده لو قتل رجل في سبيل الله ثم عاش وعليه دين ما دخل الجنة . وعن ثوبان على شرطهما مرفوعا : من مات وهو بريء من ثلاث : الكبر ، والغلول ، والدين دخل الجنة . 3 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها سبكت منه . ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بضم الهمزة ونسبته إليه ، الثاني : سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي ، الثالث : ثور بفتح الثاء المثلثة ابن زيد أخي عمرو الديلي بكسر الدال وهو غير ثور بن يزيد بلفظ الفعل فإنه شامي كلاعي ، الرابع : أبو الغيث بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ثاء مثلثة مولى أبي عبد الله بن المطيع ، الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ورواته كلهم مدنيون ، وفيه أن شيخه من أفراده . والحديث أخرجه ابن ماجه في الأحكام عن يعقوب بن حميد ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن ثور ببعضه : من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله . ( ذكر معناه ) قوله أداءها قال الكرماني : أي ردها إلى المقرض ، قلت : تخصيص المقرض ليس بشيء بل معناه أدى أموال الناس التي أخذها سواء كانت تلك الأموال من جهة القرض أو من جهة معاملة من وجوه المعاملات ، قوله أدى الله عنه ، وفي رواية الكشميهني : أداها الله عنه ، وروى ابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة : ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا . قوله أتلفه الله أي في معاشه أو في نفسه ، وقيل : المراد بالإتلاف عذاب الآخرة ، وقد ذكرنا معناه آنفا بغير هذا الوجه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة وأن العقوبة قد تكون من جنس الذنب لأنه صلى الله عليه وسلم قد جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه ومكان إتلافه إتلاف الله له ، وفيه الحض على ترك استئكال أموال الناس والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة لأن الأعمال بالنيات ، وفيه الترغيب في تحسين النية لأن الأعمال بالنيات ، وفيه أن من اشترى شيئا بدين وتصرف فيه وأظهر أنه قادر على الوفاء ثم تبين الأمر بخلافه أن البيع لا يرد بل ينتظر به حلول الأجل لاقتصاره صلى الله عليه وسلم على الدعاء ولم يلزمه برد البيع ، قيل : وفيه الترغيب في الدين لمن ينوي الوفاء ، وروى ابن ماجه والحاكم من رواية محمد بن علي عن عبد الله بن جعفر أنه كان يستدين ، فسئل ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه . وإسناده حسن ، وقال الداودي : وفيه أن من عليه دين لا يعتق ولا يتصدق وإن فعل رد ، قلت : الحديث لا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالات .
باب هل يعطى أكبر من سنه ؟ أي هذا باب يذكر فيه هل يعطي المستقرض للمقرض أكبر من السن الذي اقترضه ، وجواب هل محذوف تقديره نعم يعطي . 8 - حدثنا مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان ، قال : حدثني سلمة بن كهيل ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطوه ، فقالوا : ما نجد إلا سنا أفضل من سنه ، فقال الرجل : أوفيتني أوفاك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطوه ، فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى هو القطان ، وسفيان هو الثوري ، وقد مضى الحديث في الباب الذي قبل هذا بباب ، قوله أوفيتني أي أعطيت حقي وافيا كاملا ، والفرق بين أوفاك الله و أوفى بك الله أن الأول الإكمال والثاني بمعنى ضد الغدر ، يقال : وفى بعهده وأوفى .
5 - حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد ، حدثنا أبي ، عن يونس ، قال ابن شهاب : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : قال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين . وجه مطابقته للترجمة مثل الوجه المذكور في الحديث السابق ، وأحمد بن شبيب بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى الحبطي البصري ، وهو من أفراده وأبوه سعيد بن الحبطي بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من بني تميم ، وهو الحارث بن عمرو ويونس هو ابن يزيد الأيلي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الرقاق ، قوله ذهبا نصب على التمييز ، ونظيره قوله تعالى : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا وقال ابن مالك : وقوع التمييز بعد مثل قليل ، قوله ما يسرني جواب لو ، وقال ابن مالك : الأصل في وقوع جواب لو أن يكون ماضيا مثبتا ، وهنا وقع مضارعا منفيا بما ، فكأنه أوقع المضارع موضع الماضي أو كأن الأصل ما كان يسرني فحذف كان وهو جواب لو ، وفيه ضمير وهو اسمه وقوله ويسرني خبره ، قوله أن لا يمر في محل الرفع لأنه فاعل ما يسرني ، قوله علي بتشديد الياء لأن كلمة على دخلت على ياء المتكلم ، قوله ثلاث أي ثلاث ليال وارتفاعه على أنه فاعل يمر ، قوله وعندي الواو فيه للحال ، قوله منه أي من الذهب ، قوله شيء مرفوع على أنه مبتدأ مقدما خبره هو قوله منه ، قوله إلا شيء ارتفاع شيء على أنه بدل من شيء الأول ، قوله أرصده جملة في محل الرفع لأنها صفة لشيء ، ووقع للأصيلي وكريمة : ما يسرني أن لا يمكث وعندي منه شيء ، وكلمة لا زائدة ، قاله بعضهم ، قلت : إذا كانت كلمة ما في ما يسرني نافية فنعم ، وأما إذا كانت موصولة فلا . رواه صالح وعقيل عن الزهري . أي روى صالح بن كيسان وعقيل بضم العين ابن خالد ، كلاهما عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عبيد الله ، عن أبي هريرة في معنى حديث أبي ذر .
باب أداء الديون أي هذا باب في بيان وجوب أداء الديون ، قوله الديون بلفظ الجمع هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره باب أداء الدين بالإفراد . وقال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ساق الأصيلي وغيره الآية كلها ، وأبو ذر اقتصر على قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، وأكثرهم على أنها نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي العبدري سادن الكعبة حين أخذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مفتاح الكعبة يوم الفتح ، ذكره ابن سعد وغيره ، وقال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب : إنها نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس ، وفي الحديث : إن الله تعالى مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه ، وقيل : نزلت في السلطان يعظ النساء ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا قال : يدخل فيه وعظ السلطان النساء يوم العيد ، وقال شريح رحمه الله لأحد الخصمين : أعط حقه ، فإن الله تعالى قال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا قال شريح : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ إنما هذا في الربا خاصة ، وربط المديان إلى سارية ، ومذهب الفقهاء أن الآية عامة في الربا وغيره ، وقال ابن عباس : الآية عامة ، قالوا : هذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والكفارات والنذور والصيام وغير ذلك ، فهو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها مما يأتمنون فيه بعضهم على بعض ، فأمر الله تعالى بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء ، ثم إن البخاري أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه لأن الأمانة فسرت في الآية بالأوامر والنواهي ، فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق ، قوله أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي بأن تحكموا بالعدل ، قوله إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ قال الزمخشري : نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إما أن تكون منصوبة موصوفة بــ يعظكم به وإما أن تكون مرفوعة موصولة كأنه قيل : نعم شيئا يعظكم به أو نعم الشيء الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم ما يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم ، وقرئ نعما بفتح النون ، قوله إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا هما من أوصاف الذات والسمع إدراك المسموعات حال حدوثها والبصر إدراك المبصرات حال وجودها ، وقيل : إنهما في حقه تعالى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما ولا يحتاج فيهما إلى آلة لأن صفاته مخالفة لصفات المخلوقين بالذات فافهم . 4 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو شهاب ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أبصر يعني أحدا ، قال : ما أحب أنه تحول لي ذهبا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث إلا دينارا أرصده لدين ، ثم قال : إن الأكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ، وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ، وقال : مكانك ، وتقدم غير بعيد ، فسمعت صوتا فأردت أن آتيه ، ثم ذكرت قوله مكانك حتى آتيك ، فلما جاء ، قلت : يا رسول الله الذي سمعت أو قال الصوت الذي سمعت ، قال : وهل سمعت ؟ قلت : نعم ، قال : أتاني جبريل عليه السلام ، فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : وإن فعل كذا وكذا ؟ قال : نعم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ما يدل على الاهتمام بأداء الدين ، وهو قوله إلا دينارا أرصده لدين ، وفيه ما يدل على شدة أمر الدين والمديون إذا نوى أداءه يرزقه الله تعالى ما يؤديه منه . ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله أبو عبد الله التميمي اليربوعي ، الثاني : أبو شهاب واسمه عبد ربه الحناط بالحاء المهملة والنون المشهور بالأصغر ، الثالث : سليمان الأعمش ، الرابع : زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني ، الخامس : أبو ذر واسمه جندب بن جنادة في الأشهر . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه مذكور باسم جده وأنه والأعمش وزيد بن وهب كوفيون وأن أبا شهاب مدائني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه راو مذكور بكنيته وآخر بلقبه . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاستئذان عن عمر بن حفص وفي الرقاق عن حسن بن الربيع ، وفيه عن قتيبة ، وفي بدء الخلق عن محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة به وعن يحيى بن يحيى ومحمد بن عبد الله وأبي بكر وأبي كريب ، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن عبدة بن عبد الرحيم وعن بشر بن خالد وعن يعقوب بن إبراهيم ، وعن الحسين بن منصور وعن عمران بن بطال وعن أبي قدامة عن معاذ بن هشام . ( ذكر معناه ) قوله أنه أي أن أحدا ، قوله تحول بفتح التاء المثناة من فوق على وزن تفعل في رواية أبي ذر هكذا ، وفي رواية غيره بضم التاء آخر الحروف على صيغة المجهول من باب التفعيل ، ومعنى تحول صار فيستدعي اسما مرفوعا وخبرا منصوبا فالاسم هو الضمير في تحول الذي يرجع إلى أحدا ، والخبر هو قوله ذهبا ، قوله يمكث فعل وفاعله هو قوله دينار أي دينار واحد ، وهو جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله ذهبا ، قوله منه أي من الذهب ، قوله فوق ثلاث أي فوق ثلاث ليال وهي ظرف والعامل فيه يمكث ، قوله إلا دينارا مستثنى مما قبله ، قوله أرصده جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله دينارا ، و أرصده بضم الهمزة من الإرصاد ، يقال : أرصدته أي هيأته وأعددته . وحكى ابن التين أنه روى أرصده بفتح الهمزة من قولك رصدته أي رقبته ، وقال ابن قرقول : قوله إلا دينارا أرصده أي أعده بضم الهمزة وفتحها ثلاثي ورباعي ، يقال : أرصدته ورصدته أرصده بالخير والشر أعددته له ، وقيل : رصدته ترقبته وأرصدته أعددته ، قال الله تعالى : وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وقال تعالى : شِهَابًا رَصَدًا ومنه من يرصد لي عير قريش والرصد الطلب ، قوله إن الأكثرين هم الأقلون أي إن الأكثرين مالا هم الأقلون ثوابا ، قوله إلا من قال بالمال هكذا وهكذا معناه إلا من صرف المال على الناس يمينا وشمالا وأماما ، و قال هنا ليس من القول بمعنى الكلام بل معناه صرف أو فرق أو أعطى ونحو ذلك لأن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان ، فتقول : قال بيده أي أخذه ، وقال برجله أي مشى ، وقال الشاعر : وقالت له العينان سمعا وطاعة أي أومأت ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع كما روي في حديث السهو ، قال : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق ، روي أنهم أومأوا برؤوسهم أي نعم ولم يتكلموا ، ويقال : قال بمعنى أقبل وبمعنى مال واستراح وضرب وغلب وغير ذلك ، قوله وأشار أبو شهاب هو عبد ربه الراوي المذكور في سند الحديث ، قوله وقليل ما هم جملة اسمية لأن قوله هم مبتدأ ، وقوله قليل مقدما خبره ، وكلمة ما زائدة أو صفة ، قوله مكانك بالنصب أي الزم مكانك ، قوله الذي سمعت خبر مبتدأ محذوف تقديره ما هو الذي سمعت ، قوله أو قال شك من الراوي أي ما هو الصوت الذي سمعت ، قوله هل سمعت ؟ استفهام على سبيل الاستخبار ، قوله وإن فعل كذا وكذا أي وإن زنى وسرق ونحوهما ، والرواية التي في الرقاق تفسر هذا وهي قوله وإن زنى وسرق ، ووقع في رواية المستملي : ومن فعل كذا وكذا عوض ، وإن الشرطية . ومما يستفاد من الحديث الاهتمام بأمر الدين وتهيئته لأدائه وصرف المال إلى وجوه القربات عند القدرة عليه والخوف من استغراق الدين لأن المديون إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ، والاحتراز من المطل عند القدرة لأنه في معنى الخيانة في الأمانة ، وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعود ، قال : إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة ، قال : وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها ، فيقال له يوم القيامة : أد أمانتك ، فيقول : من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال : نحن نريكها ، فيمثل له في قعر جهنم ، فيقال له : انزل فأخرجها ، فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت فهوت وهوى في إثرها أبدا ، وفيه ما يدل على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
باب حسن التقاضي أي هذا باب في بيان استحباب حسن التقاضي أي حسن المطالبة . 7 - حدثنا مسلم ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك ، عن ربعي ، عن حذيفة رضي الله عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : مات رجل ، فقيل له ، قال : كنت أبايع الناس فأتجوز عن الموسر وأخفف عن المعسر ، فغفر له . مطابقته للترجمة في قوله كنت أبايع الناس إلى آخره ، فإنه يتضمن حسن التقاضي ، ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي البصري القصاب ، وعبد الملك هو ابن عمير القرشي الكوفي ، وربعي بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ابن حراش ، مر في باب إثم من كذب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، والحديث قد مضى في كتاب البيوع في باب من أنظر معسرا ، فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن منصور : أن ربعي بن حراش حدثه إلى آخره ، قوله فقيل له قال : فيه حذف تقديره فقيل له : ما كنت تصنع ؟ قال : كنت ووقع هنا في رواية المستملي ، فقيل له : ما كنت تقول ؟ قال أبو مسعود : سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم . أبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو ، قوله سمعته أي سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل : هذا موصول بالإسناد المذكور ولكن صورته صورة التعليق ، وأخرجه مسلم ، قال : حدثنا علي بن حجر وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن حجر ، قال : حدثنا جرير ، عن المغيرة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن ربعي بن حراش ، قال : اجتمع حذيفة وأبو مسعود ، قال حذيفة : لقي رجل ربه ، فقال : ما عملت ؟ قال : ما عملت من الخير إلا أني كنت رجلا ذا مال ، قال : فكنت أطالب به الناس فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور ، قال : تجاوزوا عن عبدي ، قال أبو مسعود : هكذا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول .
باب استقراض الإبل . أي هذا باب في بيان جواز استقراض الإبل ، وهذه الترجمة على ما ذهب إليه من جواز استقراض الحيوان ، وهو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد أيضا ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز استقراض الحيوان ، واحتج المجوزون بحديث الباب ، وقد مر الكلام فيه في الوكالة . 6 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أخبرنا سلمة بن كهيل ، قال : سمعت أبا سلمة ببيتنا يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له ، فهم أصحابه ، فقال : دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا ، فأعطوه إياه ، وقالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : اشتروه فأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دفع الحيوان عوض الحيوان ، فإن قلت : ظاهر الحديث لا يدل على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اقترض من الرجل سنا ، ولم يبين في هذا بصورة القرض صريحا حتى يقال : إنه يدل على جواز استقراض الحيوان ، ولهذا جاء في رواية مسلم في هذا الحديث : قال أبو هريرة : كان لرجل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حق فأغلظ له الحديث ، والحق أعم من القرض ، وكذلك في رواية الطحاوي في هذا الحديث : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم دين فتقاضاه الحديث ، والدين يشمل القرض وغيره ، قلت : صرح في رواية الترمذي فيه ، فقال أبو هريرة : استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا ، فأعطاه سنا خيرا من سنه . وجاء في رواية لمسلم من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا الحديث ، وفي رواية النسائي : عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سن من الإبل الحديث ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، فدل أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اقترض بعيرا ثم أعطى عوضه بعيرا أحسن منه ، فدل على جواز الاستقراض في الحيوان ، وقد أجاب المانعون من استقراض الحيوان بما ذكرناه فيما مضى في وكالة الشاهد والغائب جائزة ذكره في الوكالة ، فإنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن سفيان ، عن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : كان رجل الحديث ، وهنا أخرجه عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن شعبة بن الحجاج إلى آخره ، ومضى الكلام فيه مستوفى هناك . قوله بينا يحدث قد ذكرنا غير مرة أن بينا وبينما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة يضافان إلى جملة ، ورأيت في نسخة صحيحة مقروءة : سمعت أبا سلمة بمنى يحدث وعلى هامشها سمعت أبا سلمة ببيتنا يحدث ، ولم ألتزم صحة هذين والله أعلم ، قوله تقاضى أي طلب قضاء الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله فأغلظ له يحتمل إغلاظه في طلب حقه وتشدده فيه لا في كلام مؤذ يسمعه إياه فإن ذلك كفر ممن فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون القائل بهذا غير مسلم من اليهود كما جاء مفسرا منهم في غير هذا الحديث ، لكن جاء في رواية عبد الرزاق أنه كان أعرابيا فكأنه جرى على عادته من جفائه وغلظه في الطلب ، قوله فهم به أصحابه أي عزموا أن يوقعوا به فعلا ، قوله دعوه أي اتركوه وهو أمر من يدع ، قوله اشتروا له بعيرا وفي رواية عبد الرزاق : التمسوا له مثل سن بعيره ، قوله من سنه السن هي المعروفة ثم سمى بها صاحبها ، فإن قلت : في حديث مسلم عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع ، فقال : لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء انتهى ، فكيف الجمع بين الروايتين ؟ قلت : أمر بالشراء أولا ، ثم قدمت إبل الصدقة فأعطاه منها أو أمره بالشراء من إبل الصدقة ممن استحق منها شيئا ، ويؤيده رواية ابن خزيمة : استسلف من رجل بكرا ، فقال : إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك ، قوله فإن خيركم أي أخيركم ، فالخير والشر يستعملان للتفضيل على لفظهما بمعنى الأخير والأشر ، والله أعلم .
( باب اتباع الجنائز من الإيمان ) أي هذا باب وهو منون ، ويجوز ترك التنوين بإضافته إلى الجملة أعني قوله : اتباع الجنائز من الإيمان ، فقوله : اتباع الجنائز ، كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : "من الإيمان" خبره ، أي اتباع الجنائز شعبة من شعب الإيمان ، واتباع بتشديد التاء مصدر اتبع من باب الافتعال ، والجنائز جمع جنازة بالجيم المفتوحة والمكسورة والكسر أفصح ، وقيل : بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت ، وقيل : عكسه ، مشتقة من جنز إذا ستر ، وقال الجوهري : الجنازة بالكسر ، والعامة تقول بالفتح ، والمعنى للميت على السرير ، وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش ، وفي العباب لابن الأعرابي : الجنازة بالكسر السرير ، والجنازة بالفتح الميت ، وقال ابن السكيت ، وابن قتيبة يقال : الجنازة والجنازة ، وقال الأصمعي : الجنازة بالكسر الميت نفسه ، قال : والعوام يتوهمون أنه السرير ، وقال النضر : الجنازة السرير مع الرجل جميعا ، وقال الخليل : الجنازة بالكسر خشب الشرجع ، وقد جرى في أفواه الناس الجنازة بالفتح ، والنحارير ينكرون ذلك ، وقال غيره : إذا لم يكن عليه ميت فهو سرير أو نعش ، وكل شيء ثقل على قوم واغتموا به فهو جنازة ، وقال ابن عباد : الجنازة بالكسر المريض ، وطعن فلان في جنازته ورمى في جنازته إذا مات ، وقال ابن دريد : جنزت الشيء أجنزه جنزا إذا سترته ، وزعم قوم أن منه اشتقاق الجنازة ، قال : ولا أدري ما صحته ، وقال الليث : جنز الشيء إذا جمع ، وقيل : منه اشتقاق الجنازة لأن الثياب تجمع على الميت ، وقال ابن دريد : إن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري ، فأخبر الحسن بذلك فقال : إذا جنزتموها فآذنوني ، قال : فاسترككنا هذه الكلمة من الحسن يومئذ يعني التجنيز ، فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : الإنسان له حالتان حالة الحياة ، وحالة الممات ، فالمذكور في الباب الأول هو أركان الدين التي يحصل الثواب بإقامتها بمباشرة الأحياء بدون واسطة ، والمذكور في هذا الباب هو الثواب الذي يحصل بمباشرة الأحياء بواسطة الأموات ، وقال بعضهم : ختم المصنف التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة لأن ذلك آخر أحوال الدنيا ، قلت : هذا ليس بصحيح لأنه بقي من الأبواب المترجمة بشعب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ، وهو مذكور بعد أربعة أبواب من هذا الباب ، وكيف يصح أن يقال : ختم بهذه الترجمة التراجم المذكورة ، فإن قلت : ما وجه قوله في الباب السابق : باب الزكاة من الإسلام ، وفي هذا الباب : باب اتباع الجنائز من الإيمان ؟ قلت : راعى المناسبة والمطابقة فيهما ، فإن المذكور في الباب الأول لفظ الإسلام حيث قال : فإذا هو يسأل عن الإسلام ، والمذكور في هذا الباب لفظ الإيمان حيث قال : من اتبع جنازة مسلم إيمانا فترجم الباب على لفظة الإيمان . 1 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا عوف ، عن الحسن ومحمد ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ، ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن مباشرة العمل الذي فيه الثواب قدر قيراطين ، والقراط مثل جبل أحد شعبة من شعب الإيمان ، ورأيت من ذكر من الشراح وجه مطابقة الحديث للترجمة قد تعلق بقوله : "إيمانا واحتسابا" ، وهذا لا وجه له فإن المراد من معنى الإيمان هاهنا معناه اللغوي معناه مصدقا بأنه حق وطاعة ، وقد مر الكلام فيه ، وفي قوله : "واحتسابا" مستوفى في باب قيام ليلة القدر من الإيمان . ( بيان رجاله ) وهم ستة ، الأول : أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وفي آخره فاء ومعناه الموسع ونسبته إليه وكنيته أبو بكر السدوسي البصري ، روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، الثاني : روح بفتح الراء وبالحاء المهملة ابن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمر بن مرثد البصري ، قال الخطيب : كان كثير الحديث ، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير ، وكان ثقة ، قال علي بن المديني : نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مائة ألف حديث كتبت منها عشرة آلاف ، وقال يحيى بن معين : لا بأس به صدوق ، توفي سنة خمس ومائتين ، روى له الجماعة ، الثالث : عوف بالفاء ابن أبي جميلة بندويه بفتح الباء الموحدة والنون الساكنة والدال المهملة المضمومة ، وواو ساكنة وياء آخر الحروف مفتوحة ، وغلط من قال : بوزن راهويه ، وقيل : اسمه بنده ، أي العبد ، يعرف بالأعرابي ، ولم يكن أعرابيا ، وإنما قيل : لفصاحته ، العبدي الهجري البصري سمع جمعا من كبار التابعين منهم الحسن ، وعنه الأعلام الثوري وشعبة وغيرهما ، وثقته مجمع عليها ولد سنة تسع وخمسين ومات سنة ست ، وقيل : سنة سبع وأربعين ومائة ونسب إلى التشيع ، روى له الجماعة ، الرابع الحسن البصري ، وقد مر ذكره ، الخامس محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري التابعي الجليل أخو أنس ، ومعبد ، ويحيى ، وحفصة ، وكريمة أولاد سيرين ، وسيرين مولى أنس من سبي عين التمر ، وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا ، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون وذكر أبو علي الحافظ خالدا بدل كريمة قال : وأكبرهم معبد وأصغرهم حفصة ، قلت : وفي أولاد سيرين أيضا عمرة وسودة قال ابن سعد : أمها أم ولد كانت لأنس ، وذكر بعضهم من أولاده أيضا أشعب ، فهؤلاء عشرة كاتب أنس رضي الله عنه سيرين على عشرين ألف درهم فأداها وعتق ، وأم محمد ، وأخته صفية مولاة الصديق طيبها ثلاث من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ودعون لها ، وحضر أملاكها ثلاثة عشر بدريا منهم أبي بن كعب يدعو وهم يؤمنون ، سمع جمعا من الصحابة وخلقا من التابعين قال هشام بن حسان : أدرك ثلاثين صحابيا ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه ، وهو أكبر من أخيه أنس ، وعنه خلق من التابعين الشعبي ، وقتادة ، وأيوب ، مات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم ، روى له الجماعة ، السادس أبو هريرة رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ما خلا أبا هريرة رضي الله عنه ، ومنها أن البخاري رحمه الله تعالى قرن فيه بين الحسن ومحمد بن سيرين لما أسلفنا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور فقرنه بمحمد بن سيرين لأنه سمع منه فالاعتماد عليه ، وعلى قول من يقول : إن الحسن سمع منه لا يخلو إما أن يكونا سمعا هذا الحديث من أبي هريرة مجتمعين ، وإما أن يكونا سمعا منه مفترقين ، وإنما أورده البخاري كما سمع ، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى عليه السلام فإنه أخرج فيها حديثا من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد ، وأخرج أيضا في بدء الخلق عنهما عن أبي هريرة حديثا آخر ، واعتماده في كل ذلك على ابن سيرين لأن الحسن وإن صح سماعه عن أبي هريرة فإنه كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته على السماع ، وقال الكرماني : قالوا : لم يصح سماع الحسن عن أبي هريرة ، أقول : فعلى هذا التقدير يكون لفظ : عن أبي هريرة ، متعلقا بمحمد فقط ، أو يكون مرسلا ، قلت : قوله : أو يكون مرسلا ، إن أراد به أن الحديث يكون مرسلا فلا يصح ، وإن أراد به الإرسال من جهة الحسن فله وجه على تقدير عدم سماعه من أبي هريرة . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه النسائي في الإيمان عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق ، وفي الجنائز عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر كلاهما عن عوف عن محمد به . ( بيان اللغات ) قوله : "اتبع" بتشديد التاء المثناة من فوق في أكثر الروايات ، وفي رواية الأصيلي : تبع بدون الألف وكسر الباء الموحدة ، يقال : تبعت الشيء تبعا وتباعة بفتح التاء ، وتبع وأتبع واتبع واحد ، وقيل : اتبعه لحقه ومشى خلفه ، واتبعه حذا حذوه ، وفي العباب : تبعت القوم بالكسر أتبعهم تبعا وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم ، واتبعت القوم مثل تبعتهم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ، وأتبعت أيضا غيري ، وقوله تعالى : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وقال ابن عرفة أي لحقهم أو كاد ، ومنه قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ أي لحقه ، وقال الفراء : يقال : تبعه وأتبعه لحقه وألحقه ، وكذلك قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وقوله تعالى : فَأَتْبَعَ سَبَبًا و فأتبع سببا بقطع الهمزة في قراءة أهل الشام والكوفة كل ذلك لحق ، وقال الأزهري في قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ أراد أتبعهم إياهم ، قوله : "إيمانا واحتسابا" قد مر الكلام عليهما في قيام ليلة القدر ، قوله : "يرجع" من الرجوع لا من الرجع ، قوله : "قيراط" أصله قراط بتشديد الراء بدليل جمعه على قراريط ، فأبدل من إحدى الرائين ياء كما في الدينار أصله دنار بدليل جمعه على دنانير ، والقيراط في اللغة نصف دانق ، وقال الطيبي : قيل : القيراط جزء من أجزاء الدينار ، وهو نصف عشرة في أكثر البلاد ، وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين جزءا ، وقد يطلق ويراد به بعض الشيء ، وفي العباب : وزن القيراط يختلف باختلاف البلاد فهو عند أهل مكة ربع سدس الدينار ، وعند أهل العراق نصف عشر الدينار انتهى ، وعند الفقهاء القيراط جزء من عشرين جزءا من الدينار ، وكل قيراط ثلاث حبات فيكون الدينار ستين حبة ، وكل حبة أربع أرزات فيكون مائتين وأربعين أرزة ، ويقال : القيراط طسوجتان ، والطسوجة حبتان ، والحبة شعيرتان ، والشعيرة ذرتان ، والذرة فتيلتان ، وقد أراد الشارع من القيراط هاهنا قدر جبل أحد ، والمقصود أن القيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى ، وهذا الحديث يدل على عظم مقداره في هذا الموضوع ، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا إلا كلب صيد ، أو زرع ، أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط بل يجوز أن يكون أقل منه أو أكثر ، قلت : بل الظاهر أن القيراط في الأجر أعظم من القيراط المذكور في نقص الأجر ، لأنه من قبيل المطلوب تركه ، والأول من قبيل المطلوب فعله ، وهو الصلاة على الجنازة ، وحضور دفنها ، وقد رأينا عادة الشرع تعظيم الحسنات وتضعيفها دون السيئات كرما منه تعالى ، ورحمة ، ولطفا ، والحاصل أن القيراط اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير ، وبين في هذا الحديث أنه مثل أحد ، وفي رواية للحاكم : القيراط أعظم من أحد ، ثم قال : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وفي رواية للحاكم من حديث أبي بن كعب مرفوعا : " والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد " ، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة ، وفيه مقال ، وفي السنن الصحاح المأثورة من حديث أبي هريرة مرفوعا : "من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراطا ، فإن شيعها كتب الله له قيراطين ، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط ، فإن شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط ، القيراط مثل أحد" ، قوله : "مثل أحد" بضمتين وهو الجبل الذي بجنب المدينة على نحو ميلين منها ، وهو في شمال المدينة ، وسمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هنالك ، وفي الحديث من طريق أبي عيسى بن جبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة قال : وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار" ، قال السهيلي : وفي أحد قبر هارون عليه السلام أخي موسى الكليم ، وفيه قبض ، وثمة واراه موسى عليه السلام ، وكانا قد مرا بأحد حاجين أو معتمرين . ( بيان الإعراب ) قوله : "ومحمد" بالجر عطف على الحسن ، قوله : "من اتبع" كلمة من موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء ، واتبع جملة من الفعل والفاعل "وجنازة مسلم" كلام إضافي مفعوله ، والجملة صلة الموصول ، قوله : "إيمانا واحتسابا" منصوبان على الحال بمعنى مؤمنا ومحتسبا ، وقد مر الكلام فيه في باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ، قوله : "وكان معه" أي مع المسلم هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : وكان معها ، أي مع الجنازة ، وهذه الجملة عطف على قوله : "اتبع" ، قوله : "حتى يصلي عليها" على صيغة المعلوم بكسر اللام والضمير في "يصلي" يرجع إلى من وفي عليها إلى الجنازة ، ويروى بفتح اللام على صيغة المجهول ، وقوله : "عليها" مفعول ناب عن الفاعل ، وكذلك روي ، ويفرغ من دفنها على الوجهين ، وحتى هذه للغاية ، وأن الناصبة بعدها مضمرة ، وقوله : "يصلي" "ويفرغ" منصوبان بها ، قوله : "فإنه يرجع من الأجر" خبر المبتدأ أعني قوله : "من" وإنما دخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط كما ذكرنا ، وكلمة "من" بيانية ، فإن قلت : ما محل قوله : من الأجر ؟ قلت : حال من قوله : بقيراطين ، وفي الحقيقة هي صفة ، ولكنها لما قدمت صارت حالا والباء في "بقيراطين" تتعلق بقوله : "يرجع" ، قوله : "كل قيراط" كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : "مثل أحد" أيضا كلام إضافي خبره ، وأحد منصرف لأنه علم المذكر ، قوله : "ومن صلى" مثل قوله : "من اتبع جنازة مسلم" ، وقوله : "ثم رجع" عطف على صلى ، قوله : "قبل أن تدفن" نصب على الظرف ، وأن مصدرية ، والتقدير قبل الدفن ، وقوله : "فإنه" خبر المبتدأ كما في الأول ، قوله : "من الأجر" حال من قوله : "بقيراط" . ( بيان المعاني ) قوله : "فإنه يرجع من الأجر بقيراطين" حصول القيراطين هاهنا مقيد بثلاثة أشياء الأول : الاتباع ، والثاني : الصلاة عليه ، والثالث : حضور الدفن ، فإن قلت : لو اتبع حتى دفنت ولم يصل عليها ، هل له القيراطان ؟ قلت : لا ، إذ المراد أن يصلي هو أيضا جمعا بين الروايتين ، وحملا للمطلق على المقيد ، وقال النووي : اعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت ، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان ، فلمن صلى وحضر الدفن القيراطان ، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد ، ولا يقال : يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة قراريط كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث ، لأن هذا النوع صريح ، والحديث المطلق ، والمحتمل محمول عليه ، وأما الرواية التي فيها : "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان" فمعناه فله تمام قيراطين بالمجموع ونظيره قوله تعالى : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ثم قال : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ قال : وأما الدفن ففيه وجهان الصحيح أنه تسوية القبر بالتمام ، والثاني أنه نصب اللبن عليه ، وإن لم يهل عليه التراب قال : ثم في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهو أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها ، وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن ، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني ، وكذا لو حضر الدفن ، ولم يصل أو اتبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له ، وإنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكنه له أجر في الجملة ، وعن أشهب أنه كره اتباع الجنازة والرجوع قبل الصلاة ، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا ينصرف بعد الدفن إلا بالإذن وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه . ( استنباط الأحكام ) الأول فيه الحث على الصلاة على الميت ، واتباع جنازته ، وحضور دفنه ، وقال أبو الزناد : حض النبي صلى الله عليه وسلم على التواصل في الحياة بقوله : "صل من قطعك وأعط من حرمك" ، "ولا تقاطعوا ولا تدابروا" ، وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له ، الثاني فيه أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيمانا واحتسابا فإن حضورها على ثلاثة أقسام احتسابا ومكافأة ومخافة ، والأول هو الذي يجازى عليه الأجر ، ويحط الوزر ، والثاني لا يعد ذلك في حقه ، والثالث الله أعلم بما فيه ، الثالث فيه وجوب الصلاة على الميت ودفنه ، وهو إجماع ، الرابع فيه الحض على الاجتماع لهما ، والتنبيه على عظم ثوابهما وهي مما خصت به هذه الأمة ، الخامس فيه حجة ظاهرة للحنفية في أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها بظاهر قوله : "من اتبع" وهو مذهب الأوزاعي أيضا ، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وذهب قوم إلى التوسعة في ذلك ، وأنهما سواء ، وهو قول الثوري ، وأبي مصعب من أصحاب مالك ، وقال بعضهم : وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل ولا حجة فيه لأنه يقال : تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه ، وكذلك اتبعه بالتشديد ، قلت : هذا القائل نفى حجة هؤلاء بما هو حجة عليه لأنه فسر لفظ تبع بمعنيين أحدهما حجة لمن زعم أن المشي خلفها أفضل ، والآخر ليس بحجة عليه ، ولا هو حجة لخصمه فافهم ، ثم الركوب وراء الجنازة لا بأس به ، والمشي أفضل ، وقالت الشافعية : لا فرق عندنا بين الراكب والماشي يعني في المشي أمامها خلافا للثوري حيث قال : إن الراكب يكون خلفها وتبعه الرافعي في شرح المسند ، وكأنه قلد الخطابي فإنه كذا ادعى ، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة ، وقال به من المالكية أيضا أبو مصعب . سؤال لم كان الجزاء بالقيراط دون غيره ؟ الجواب : إنه أقل مقابل عادة ، آخر لم خص بأحد ؟ الجواب : لأنه أعظم جبال المدينة والشارع كان يحبه وهو أيضا يحبه والله سبحانه وتعالى أعلم . تابعه عثمان المؤذن ، قال : حدثنا عوف ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . أي تابع روحا عثمان بن الهيثم في الرواية عن عوف الأعرابي ، وعثمان هذا أيضا من شيوخ البخاري يروي عنه في مواضع بلا واسطة ، وفي بعض المواضع عن محمد غير منسوب عنه ، وهو محمد بن يحيى الذهلي ، ثم البخاري رضي الله عنه : إن كان سمع هذا الحديث من عثمان هذا ، فهو له أعلى بدرجة لأنه من روايته رباعي ، ومن رواية المنجوفي خماسي ، فإن قلت : فلم ذكر رواية المنجوفي أولا مع أنها أنزل من رواية عثمان ؟ قلت : لأن رواية المنجوفي موصولة ، وهي أشد إتقانا من رواية عثمان ، فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى ذكر متابعة عثمان ؟ قلت : لأجل التنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين لأن عوفا ربما كان ذكره وربما كان حذفه مرة ، فأثبت الحسن ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في المستخرج قال : حدثنا أبو إسحاق بن حمزة ، ثنا أبو طالب بن أبي عوانة ، ثنا سليمان بن سيف ، ثنا عثمان بن الهيثم ، فذكر الحديث ولفظه موافق لرواية روح بن عبادة إلا في قوله : وكان معها ، قال بدلها : فلزمها ، وفي قوله : ويفرغ من دفنها ، فإنه قال بدلها : ويدفن ، وقال في آخره : قيراط بدل قوله فإنه يرجع بقيراط ، والباقي سواء ، وقال الكرماني : فإن قلت : إذا قال البخاري عن فلان نجزم بأنه سمعه منه عند إمكان السماع ، فإذا قال : تابعه ، لم نجزم بأنه سمعه منه ، قلت : قياس المتابعة على العنعنة يقتضي ذلك لكن صرحوا في العنعنة ولم يصرحوا فيها ، قوله : "نحوه" أي نحو ما تقدم ، وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : "من اتبع جنازة" إلى آخره ، ثم عثمان هذا هو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن جهم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري المؤذن بجامعها روى عن عوف الأعرابي ، وابن جريج وغيرهما ، وروى عنه البخاري ، وروى هو والنسائي عن رجل عنه توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومائتين .
( باب إفشاء السلام من الإسلام ) أي هذا باب وإن لم يقدر هكذا لا يستحق الإعراب على ما ذكرنا غير مرة فحينئذ باب منون وقوله " السلام " مرفوع لأنه مبتدأ ، وقوله " من الإسلام " خبره ، والتقدير في الأصل هذا باب في بيان أن السلام من جملة شعب الإسلام ، وفي رواية كريمة " باب إفشاء السلام من الإسلام " وهو موافق للحديث المرفوع في قوله ( على من عرفت ومن لم تعرف ) ، والإفشاء بكسر الهمزة مصدر من أفشى يفشي يقال : أفشيت الخبر إذا نشرته وأذعته ، وثلاثيه فشى يفشوا فشوا ومنه تفشى الشيء إذا اتسع . وجه المناسبة بين البابين هو أن من جملة المذكور في الباب السابق أن الدين هو الإسلام والإسلام لا يكمل إلا باستعمال خلاله ، ومن جملة خلاله إفشاء السلام للعالم ، وفي هذا الباب يبين هذه الخلة في الحديث الموقوف والمرفوع جميعا مع زيادة خلة أخرى فيهما وهي إطعام الطعام وزيادة خلة أخرى في الموقوف وهي الإنصاف من نفسه ، وأما وجه كون إفشاء السلام من الإسلام فقد بيناه في باب إطعام الطعام . ( وقال عمار : ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار ) . الكلام فيه على وجوه : الأول : في ترجمة عمار وهو أبو اليقظان بالمعجمة عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بالنون ، وهو زيد بن مالك بن أدد بن يشجب بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، هكذا نسبه ابن سعد رحمه الله ؛ أمه سمية - بصيغة التصغير من السمو - بنت خياط ، أسلمت وكذا ياسر مع عمار قديما ، وقتل أبو جهل سمية وكانت أول شهيدة في الإسلام ، وكانت مع ياسر وعمار رضي الله تعالى عنهم يعذبون بمكة في الله تعالى فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فيقول : ( صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) ، وكانوا من المستضعفين . قال الواقدي : وهم قوم لا عشائر لهم بمكة ولا منعة ولا قوة ، كانت قريش تعذبهم في الرمضاء فكان عمار رضي الله عنه يعذب حتى لا يدري ما يقول وصهيب كذلك وفكيهة كذلك وبلال وعامر بن فهيرة وفيهم نزل قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا ومن قرأ " فتنوا " بالفتح وهو ابن عامر ، فالمعنى فتنوا أنفسهم ، وعن عمرو بن ميمون قال : ( أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان عليه السلام يمر به ويمر بيده على رأسه فيقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم ، تقتلك الفئة الباغية ) ، وعن ابن ابنه قال : ( أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وذكر آلهتهم بخير ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما وراءك ؟ قال : شر يا رسول الله ، والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ، قال : فكيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا بالإيمان ، قال : فإن عادوا فعد، وفيه نزل : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ شهد بدرا والمشاهد كلها وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة ، وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلا هو وصهيب . روى عن علي رضي الله عنه ، وعن غيره من الصحابة ، روي له اثنان وستون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث ، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حذيفة وكان رجلا آدم طويلا أشهل العينين بعيد ما بين المنكبين لا يغير شيبه ، قتل بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي رضي الله عنه عن ثلاث وقيل عن أربع وتسعين سنة ، ودفن هناك بصفين وقتل وهو مجتمع العقل ، وقال الكرماني وياسر رهن في القمار هو ووالده وولده فقمروهم فصاروا بذلك عبيدا للقامر فأعزهم الله بالإسلام ، وعمار أول من بنى مسجدا لله في الله ، بنى مسجد قباء ، ولما قتل دفنه علي رضي الله عنه بثيابه حسب ما أوصاه به ثمة ولم يغسله ، وقال صاحب ( الاستيعاب ) وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم ولكن يصلى عليهم ، وقال مسدد : لم يكن في المهاجرين أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر . قلت : وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أيضا أسلم أبواه ، وفي ( شرح قطب الدين ) وكان أبوه ياسر خالف أبا حذيفة بن المغيرة ولما قدم ياسر من اليمن إلى مكة زوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية فولدت له عمارا فأعتقها أبو حذيفة ، وعمار روى له الجماعة . الثاني : قول عمار الذي علقه البخاري رواه القاسم اللالكائي بسند صحيح عن علي بن أحمد بن حفص حدثنا أبو العباس أحمد بن علي المرهبي ، حدثنا أبو محمد بن الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا قطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه ، ورواه رسته أيضا عن سفيان حدثنا أبو إسحاق فذكره ، ورواه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري ، ورواه يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق شعبة وزهير بن معاوية وغيرهما ، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار رضي الله عنه ولفظ شعبة : ( ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان ) ، وهكذا روي في جامع معمر عن أبي إسحاق ، وكذا حدث به عبد الرزاق في ( مصنفه ) عن معمر ، وحدث به عبد الرزاق بآخره فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا أخرجه البزار في مسنده وابن أبي حاتم في ( العلل ) كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي ، وكذا رواه البغوي في ( شرح السنة ) من طريق أحمد بن كعب الواسطي ، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن الصباح الصغاني ، ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعا ، وقال البزار : غريب ، وقال أبو زرعة : هو خطأ ، فقد روي مرفوعا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في ( الكبير ) ، ولكن في إسناده ضعف ، والله أعلم . الثالث : في إعرابه ومعناه . فقوله " ثلاث " مرفوع بالابتداء وهو في الحقيقة صفة لموصوف محذوف تقديره خصال ثلاث فقامت الصفة مقام الموصوف المرفوع بالابتداء ، ويجوز أن يقال يجوز وقوع النكرة مبتدأ إذا كان الكلام بها في معنى المدح نحو طاعة خير من معصية ، وقد عدوه من جملة المواضع التي يقع فيها المبتدأ نكرة ، وقوله " من " مبتدأ ثان وهي موصوفة متضمنة لمعنى الشرط وجمعهن صلتها ، وقوله " فقد جمع الإيمان " خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول والفاء في " فقد " لتضمن المبتدأ معنى الشرط والإيمان منصوب بجمع ومعناه فقد حاز كمال الإيمان تدل عليه رواية شعبة : ( فقد استكمل الإيمان ) ؛ قوله " الإنصاف " خبر مبتدأ محذوف والتقدير إحدى ثلاث الإنصاف يقال أنصفه من نفسه وانتصفت أنا منه ، وقال الصغاني : الإنصاف العدل والنصف والنصفة الاسم منه يقال جاء منصفا أي مسرعا ؛ قوله " وبذل السلام " أي الثاني من الثلاث بذل السلام بالذال المعجمة ، وفي ( العباب ) بذلت الشيء أبذله وأبذله وهذه عن ابن عباد أي أعطيته وجدت به ثم قال في آخر الباب والتركيب يدل على ترك صيانة الشيء ؛ قوله " للعالم " بفتح اللام وأراد به كل الناس من عرفت ومن لم تعرف . فإن قلت : العالم اسم لما سوى الله تعالى فيدخل فيه الكفار ولا يجوز بذل السلام لهم . قلت : ذاك خرج بدليل آخر وهو قوله عليه السلام : ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى ) إلخ كما تقدم . قوله " والإنفاق " أي الثالث الإنفاق من الإقتار بكسر الهمزة وهو الافتقار ، يقال أقتر الرجل إذا افتقر . فإن قلت على هذا التفسير يكون المعنى الإنفاق من العدم وهو لا يصح . قلت : كلمة "من" ههنا يجوز أن تكون بمعنى في كما في قوله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي فيه ، والمعنى : والإنفاق في حالة الفقر ، وهو من غاية الكرم ويجوز أن يكون بمعنى عند كما في قوله تعالى : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي عند الله ، والمعنى : والإنفاق عند الفقر ويجوز أن يكون بمعنى الغاية كما في قولك أخذته من زيد ، فيكون الافتقار غاية لإنفاقه ، وفي الحقيقة هي للابتداء لأن المنفق في الإقتار يبتدئ منه إلى الغاية ، وقال أبو الزناد بن سراج جمع عمار في هذه الألفاظ الخير كله ؛ لأنك إذا أنصفت من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك وبينك وبين الناس ولم تضيع شيئا أي مما لله وللناس عليك ، وأما بذل السلام للعالم فهو كقوله عليه السلام : ( وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس ، وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم ، فقد مدح الله عز وجل من هذه صفته بقوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وهذا عام في نفقة الرجل على عياله وأضيافه وكل نفقة في طاعة الله تعالى . وفيه أن نفقة المعسر على عياله أعظم أجرا من نفقة الموسر . قلت : هذه الكلمات جامعة لخصال الإيمان كلها لأنها إما مالية أو بدنية ، فالإنفاق إشارة إلى المالية المتضمنة للوثوق بالله تعالى والزيادة في الدنيا وقصر الأمل ونحو ذلك ، والبدنية إما مع الله تعالى أي التعظيم لأمر الله تعالى ، وهو الإنصاف أو مع الناس ، وهو الشفقة على خلق الله تعالى ، وهو بذل السلام الذي يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار ، ويحصل به التآلف والتحابب ونحو ذلك . 1 - ( حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير؟ قال : تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن الباب يتضمن أحد شطريه . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : قتيبة على صورة تصغير قتبة بكسر القاف واحدة الأقتاب وهي الأمعاء ، قال الصنعاني : وبها سمي الرجل قتيبة ، وقال ابن عدي : اسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عليه ، وقال ابن منده : اسمه علي بن سعيد بن جميل البغلاني منسوب إلى بغلان بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة قرية من قرى بلخ ، وقيل : إن جده كان مولى للحجاج بن يوسف ، فهو ثقفي مولاهم وكنيته أبو رجاء ، روى عن مالك وغيره عن أئمة ، وقال الكرماني روى عنه أحمد وأصحاب الكتب الستة . قلت : روى عنه يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ، وروى النسائي وابن ماجه عن رجل عنه ، وقال محمد بن بكير البرساني : كان ثبتا صاحب حديث وسنة ، وقال الأثرم أثنى عليه أحمد ، وقال يحيى والنسائي : ثقة ، وكان كثير المال كما كان كثير الحديث ، توفي سنة أربعين ومائتين ، وقال علي بن محمد السمسار سمعته يقول : ولدت ببلخ يوم الجمعة حين تعالى النهار لست مضين من رجب سنة ثمان وأربعين ومائة ، وقال الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) مات في ثاني رمضان . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : يزيد بن أبي حبيب المصري . الرابع : أبو الخير مرثد بفتح الميم وبالثاء المثلثة . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص وكلهم قد تقدموا . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مصريون ما خلا قتيبة ، ومنها أن رواته كلهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) قد ذكرنا فيما مضى أنه أخرجه في ثلاثة مواضع وأخرجه مسلم والنسائي أيضا ، وأخرجه فيما مضى عن عمرو بن خالد عن ليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو ، وههنا عن قتيبة عن ليث إلخ بعين هؤلاء ونبه بذلك على المغايرة بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث ، وهي تشعر بتكثير الطرق ، وقد علم أنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة على أنه بوب به هناك على أن الإطعام من الإسلام ، وههنا على أن السلام من الإسلام ، وقال الكرماني : فإن قلت كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا باب الإطعام والسلام من الإسلام بأن يدخلهما في سلك واحد ويتم المطلوب . قلت : لعل عمرو بن خالد ذكره في معرض بيان أن الإطعام منه ، وقتيبة في بيان أن السلام منه فلذلك ميزهما مضيفا إلى كل راو ما قصده في روايته ، وقال بعضهم : هذا ليس بطائل لأنه يبقى السؤال بحاله إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما مفترقين . قلت : هذا الذي قاله ليس بطائل وهو جواب حسن ويندفع السؤال به ، ولو كان المصنف جمعهما لكان تغييرا لما أفرده كل واحد من شيخيه ولم يرد تغيير ذلك ؛ فلذلك ميزهما بالبابين ، فافهم ، وباقي الكلام ذكرناه فيما مضى مستوفى .
( باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ) الكلام فيه على أنواع ، الأول أن قوله : "باب" مرفوع مضاف إلى ما بعده تقديره هذا باب في بيان خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وكلمة أن مصدرية تقديره : من حبط عمله ، وليس في بعض النسخ كلمة "من" ، وهي وإن لم تكن موجودة لكنها مقدرة إذ المعنى عليها ، قوله : "يحبط" على صيغة المعلوم من حبط عمله يحبط حبطا وحبوطا من باب علم يعلم ، وقال أبو زيد : حبط بالفتح ، وقرئ : "فقد حبط عمله" بفتح الباء وهو البطلان ، قال الكرماني : فإن قلت : القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد الاعتزال ، فما وجه قول البخاري هذا ؟ قلت : هذا الإحباط ليس بذاك لأن المراد به الإحباط بالكفر أو بعدم الإخلاص ونحوه ، وقال النووي : المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعل عالما بأنه يوجب الكفر ، قلت : فيه نظر لأن الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر ، وبالفعل الموجب للكفر ، وإن لم يعلم أنه كفر ، قوله : "يحبط عمله" المراد ثواب عمله فالمضاف فيه محذوف ، قوله : "وهو لا يشعر" جملة اسمية وقعت حالا من شعر يشعر من باب نصر ينصر ، وفي العباب : شعرت بالشيء بالفتح أشعر به بالضم شعرا وشعرة وشعرى بالكسر فيهن وشعرة بالفتح ، وشعورا ومشعورا ومشعورة علمت به ، وفطنت له ، ومنه قولهم : ليت شعري ، الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو أن حصول الثواب بالقيراطين أو بقيراط الذي هو مثل جبل أحد إنما يحصل إذا كان عمله احتسابا خالصا لله تعالى ، وفي هذا الباب ما يشير إلى أنه قد يعرض للعامل ما يحبط عمله فيحرم بسببه الثواب الموعود وهو لا يشعر ، وفي نفس الأمر ذكر هذا الباب استطرادي لأجل التنبيه على ما ذكرنا ، وإلا كان المناسب أن يذكر عقيب الباب السابق باب أداء الخمس من الإيمان ، لأن الأبواب المعقودة هاهنا في بيان شعب الإيمان ، الثالث : ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم : إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ، ممن قال : لا إله إلا الله ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب ، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء ، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين ، وما نقلوه عن الصحابة رضي الله عنهم وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه ، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى وقال القاضي عياض : المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة ، الخوارج تكفر بالذنوب ، والمعتزلة يفسقون بها ، وكلهم يوجب الخلود في النار ، والمرجئة تقول : لا تضر الذنوب مع الإيمان ، وغلاتهم تقول : يكفي التصديق بالقلب وحده ، ولا يضر عدم غيره ، ومنهم من يقول : يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، وقال غيره : إن من المرجئة من وافق القدرية كالصالحي والخالدي ، ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا ، والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء ، وهو التأخير ، وقوله تعالى : "أرجئه وأخاه" أي أخره ، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان والنية والقصد ، وقيل : من الرجاء لأنهم يقولون : لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة ، وقيل : مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا . وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . الكلام فيه على وجوه ، الأول : أن إبراهيم هو ابن زيد بن شريك التيمي تيم الرباب أبو أسماء الكوفي قيل : قتله الحجاج بن يوسف ، وقيل : مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي فوقع الرسول بإبراهيم التيمي فأخذه وحبسه ، فقيل له : ليس إياك أراد ، فقال : أكره أن أدفع عن نفسي وأكون سببا لحبس رجل مسلم بريء الساحة فصبر في السجن حتى مات قال يحيى : هو ثقة مرجئ ، ومن غرائبه ما روى عن الأعمش عن إبراهيم التيمي قال : إني لأمكث ثلاثين يوما لا آكل ، ومات سنة اثنتين وتسعين ، روى له الجماعة ، وتيم الرباب بكسر الراء قال الحازمي : تيم الرباب وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة ، وقال معمر بن المثنى : تيم الرباب ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود قيل : سموا به لأنهم غمسوا أيديهم في رب ، وتحالفوا عليه هذا قول ابن الكلبي ، وقال غيره : سموا به لأنهم ترببوا أي تحالفوا على بني سعد بن زيد ، قلت : الرب بضم الراء وتشديد الباء الموحدة الطلاء الخاثر ، الثاني : أن قول إبراهيم هذا رواه أبو قاسم اللالكائي في سننه بسند جيد عن القاسم بن جعفر ، أنبأنا محمد بن أحمد بن حماد ، حدثنا العباس بن عبد الله ، حدثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن أبي حيان ، عن إبراهيم به ، ورواه البخاري في تاريخه ، عن أبي نعيم ، وأحمد بن حنبل في الزهد ، كلاهما عن سفيان الثوري ، عن أبي حيان التيمي ، عن إبراهيم التيمي به ، الثالثة : مطابقة هذا للترجمة من حيث إنه كان يخاف أن يكون مكذبا في قوله : "إنه مؤمن" لتقصيره في العمل فيحرم بذلك الثواب وهو لا يشعر ، الرابع : في معناه قوله : "مكذبا" روي بفتح الذال بمعنى خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفا لقولي فيقول : لو كنت صادقا ما فعلت خلاف ما تقول ، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس ، وروي بكسر الذال ، وهي رواية الأكثرين ومعناه أنه لم يبلغ غاية العمل وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقصر في العمل فقال : كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ فخشي أن يكون مكذبا أي مشابها للمكذبين .
1- حدثنا محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا شعبة ، عن زبيد ، قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر . قد قلنا آنفا : إن حديث عبد الله هذا للترجمة الثانية ، وهي قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره ، فإن قلت : كيف مطابقته على الترجمة ؟ قلت : لما دل الحديث على إبطال قول المرجئة القائلين بعدم تفسيق مرتكبي الكبائر وعدم جعل السباب فسوقا ، وعدم مقاتلة المسلم كفرانا لحقه طابق قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : أبو عبد الله محمد بن عرعرة بالعينين المهملتين والراء المكررة غير منصرف للعلمية والتأنيث ابن البرند بكسر الباء الموحدة والراء المكسورة ويقال بفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة ، وكأنه فارسي معرب ابن النعمان القرشي السامي بالسين المهملة نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب البصري مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة قال الشيخ قطب الدين : انفرد به البخاري عن مسلم ، قلت : ليس كذلك ، فإن مسلما روى له معه ، وكذا أبو داود روى له نبه عليه الحافظ المزي ، واقتصر صاحب الكمال على أبي داود ، الثاني شعبة بن الحجاج وقد مر ذكره ، الثالث : زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ابن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن ، ويقال له : أبو عبد الله اليامي بالياء آخر الحروف جد للقبيلة بطن من همدان ويقال : الإيامي أيضا الكوفي ، روى عن أبي وائل ، وجمع من التابعين ، وعنه الأعمش وغيره من التابعين ، وجلالته متفق عليها ، وكان من العباد المتنسكين ، قال البخاري : مات سنة اثنتين وعشرين ومائة ، وليس في الصحيحين زبيد بالضبط المذكور إلا هذا ، وأما زبيد بضم الزاي وباليائين باثنتين من تحت أبي الصلت فمذكور في الموطأ ، وليس له ذكر في الكتابين ، الرابع : أبو وائل بالهمزة بعد الألف شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة كوفي تابعي أدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وقال : أدركت سبع سنين من سني الجاهلية ، وقال : كنت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلي ، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وابن مسعود وعمارا وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، وعنه خلق من التابعين ، وغيرهم ، وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه ، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يثني عليه ، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ ، وقال أبو سعيد بن صالح : كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة ، روى له الجماعة ، الخامس : عبد الله بن مسعود ، وقد تقدم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والسؤال والعنعنة ، ومنها أن رجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي ومنها أنهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن محمد بن عرعرة عن شعبة ، وفي الأدب عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، وأخرجه مسلم في الإيمان أيضا عن محمد بن بكار بن الريان ، وعون بن سالم كلاهما عن محمد بن طلحة ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن محمد بن المثنى ، عن عبد الرحمن ، عن سفيان ثلاثتهم عنه به ، وأخرجه الترمذي في البر عن محمود بن غيلان ، عن وكيع ، عن سفيان به ، وقال فيه : قال زبيد : قلت لأبي وائل : أنت سمعته من عبد الله ؟ قال : نعم ؟ وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمود بن غيلان به ، وعن عمر بن علي ، عن ابن أبي عدي ، وعن محمود بن غيلان ، عن أبي داود كلاهما عن شعبة به ، وعن قتيبة ، عن جرير به موقوفا . ( بيان اللغة ) قوله : عن المرجئة أي الفرقة الملقبة بالمرجئة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، قوله : سباب المسلم بكسر السين وتخفيف الباء بمعنى السب ، وهو الشتم وهو التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه ، وقال بعضهم : هو مصدر يقال : سب يسب سبا وسبابا ، قلت : هذا ليس بمصدر سب يسب وإنما هو اسم بمعنى السب كما قلنا ، أو مصدر من باب المفاعلة ، وفي المطالع السباب المشاتمة ، وهي من السب وهو القطع ، وقيل : من السبة وهي حلقة الدبر كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل وعلى الثاني كشف العورة وما ينبغي أن يستتر ، وفي ( العباب ) التركيب يدل على القطع ثم اشتق منه الشتم ، وقال إبراهيم الحربي : السباب أشد من السب ، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه ، قلت : هذا أيضا يصرح بأن السباب ليس بمصدر فافهم ، قوله : فسوق مصدر ، وفي ( العباب ) : الفسق الفجور ، يقال : فسق يفسق ويفسق أيضا عن الأخفش فسقا وفسوقا أي فجر ، وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ أي خروج عن الحق يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ومنه قوله تعالى : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعة ربه ، وقال الليث : الفسق الترك لأمر الله تعالى ، وكذلك الميل إلى المعصية ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها على الناس ، وقال أبو عبيدة : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي جاز عن طاعته ، وقال أبو الهيثم : الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم ، قوله : وقتاله أي مقاتلته ، ويحتمل أن يكون معناها المخاصمة ، والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة . ( بيان الإعراب ) قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أصله بأن النبي إلى آخره ، وقوله : قال جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ، قوله : سباب المسلم كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : فسوق خبره ، فإن قلت : هذا إضافة إلى الفاعل أو المفعول ؟ قلت : بل إضافة إلى المفعول ، قوله : وقتاله كذلك إضافته إلى المفعول ، وارتفاعه بالابتداء وخبره كفر . ( بيان المعاني ) قوله : عن المرجئة معناه سألت أبا وائل عن الطائفة المرجئة هل هم مصيبون في مقالتهم ، ومخطئون ؟ ولهذا قال أبو وائل في جوابه لزبيد بن الحارث : حدثني عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، يعني أنهم مخطئون لأنهم لا يجعلون سباب المسلم فسوقا ، ولا قتاله كفرا في حق المسلم ، ولا يفسقون مرتكبي الذنوب ، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخلاف ما ذهبوا إليه ، فدل ذلك على كونهم على خطأ وضلال ، وبهذا التقدير الذي قدرناه يطابق جواب أبي وائل سؤال زبيد ، وقال بعضهم في التقدير : أي عن مقالة المرجئة ، وهذا لا يصح لأن على هذا التقدير لا يطابق الجواب السؤال فإن قلت : في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال : لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له فدل هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم ، وأن ذلك كان حين ظهورهم ، قلت : لا نسلم هذه الدلالة بل الذي يدل على أنه وقف على مقالتهم حتى سأل أبا وائل هل هي صحيحة أو باطلة ، فإن قلت : هذا الحديث وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذي يكفرون بالمعاصي ، قلت : لا نسلم ذلك لأنه لم يرد بقوله : وقتاله كفر حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة ، بل إنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير ، والإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ، ولا بفعل معصية أخرى ، وقال ابن بطال ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين ، لأن الله تعالى جعلهم إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقاطع والمقاتلة ، فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم ، ويقال : أطلق عليه الكفر لشبهه به لأن قتال المسلم من شأن الكافر ، ويقال : المراد به الكفر اللغوي ، وهو الستر لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه ، فلما قاتله كأنه كشف عنه هذا الستر ، وقال الكرماني : المراد أنه يؤول إلى الكفر لشؤمه أو أنه كفعل الكفار ، وقال الخطابي : المراد به الكفر بالله تعالى ، فإن ذلك في حق من فعله مستحلا بلا موجب ، ولا تأويل ، أما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل ، وقال بعضهم فيما قاله الكرماني بعد وما قاله الخطابي أبعد منه ثم قال : لأنه لا يطابق الترجمة ، ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال ، فإن مستحلا لعن المسلم بغير تأويل كفر أيضا ، قلت : إذا كان اللفظ محتملا لتأويلات كثيرة هل يلزم منه أن يكون جميعها مطابقا للترجمة فمن ادعى هذه الملازمة فعليه البيان ، فإذا وافق أحد التأويلات للترجمة فإنه يكفي للتطابق ، وقوله : ولو كان مرادا لم يحصل التفريق إلخ غير مسلم ، لأنه تخصيص الشق الثاني بالتأويل لكونه مشكلا بحسب الظاهر ، والشق الأول لا يحتاج إلى التأويل لكون ظاهره غير مشكل ، فإن قلت : جاء في رواية مسلم : لعن المسلم كقتله ، قلت : التشبيه لا عموم له ، ووجه التشبيه هو حصول الأذى بوجهين أحدهما في العرض ، والآخر في النفس ، فإن قلت : السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر ، فلم قال في الأول : فسوق ، وفي الثاني : كفر ؟ قلنا : لأن الثاني أغلظ أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه .
2 - ( أخبرنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس قال : أخبرني عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال : إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع ، والخمس ) . هذا الحديث للترجمة الأولى ، ووجه تطابقه إياها من حيث إن فيه ذم التلاحي ، وإن صاحبه ناقص لأنه يشتغل عن كثير من الخير بسببه سيما إذا كان في المسجد ، وعند جهر الصوت بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم بل ربما ينجر إلى بطلان العمل ، وهو لا يشعر قال تعالى : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ وقال بعضهم بعد أن أخذ هذا الكلام من الكرماني : ومن هنا يتضح مناسبة الحديث للترجمة ومطابقتها له ، وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب ، قلت : إن هذا عجيب شديد يأخذ كلام الناس وينسبه إلى نفسه مدعيا أن غيره قد خفي عليه ذلك على أن هذا الذي ذكره الكرماني في وجه المطابقة إنما يقاد بالجر الثقيل على ما لا يخفى على من يتأمله ، فإذا أمعن الناظر فيه لا يجد لذكر هذا لحديث هنا مناسبة ولا مطابقا للترجمة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : قتيبة بن سعيد ، وقد مر ذكره في باب السلام من الإسلام ، الثاني : إسماعيل بن جعفر الأنصاري المدني ، وقد مر في باب علامات المنافق ، الثالث : حميد بضم الحاء ابن أبي حميد ، واسم أبي حميد تير بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، ومعناه بالعربية السهم ، وقيل : تيرويه ، وقيل : اسمه طرخان ، وقيل : مهران كنيته أبو عبيدة بضم العين الخزاعي البصري مولى طلحة الطلحات ، وهو مشهور بحميد الطويل ، قيل : كان قصيرا طويل اليدين ، فقيل له ذلك ، وكان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه ، والأخرى إلى رجليه ، وقال الأصمعي : رأيته ولم يكن بذلك الطويل بل كان في جيرانه رجل يقال له : حميد القصير ، فقيل له : الطويل للتمييز بينهما ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة ، الرابع أنس بن مالك وقد مر ذكره ، الخامس عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، وقد مر ذكره في باب علامة الإيمان حب الأنصار . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة ، ولكن في رواية الأصيلي ، حدثنا أنس ، فعلى روايته أمن من تدليس حميد ، ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، ومنها أن رواته ما بين بلخي ومدني وبصري . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه أيضا في الصوم عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث ، وفي الأدب عن مسدد عن بشر بن المفضل بن مغفل ثلاثتهم عن حميد الطويل عنه به ، وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن محمد بن المثنى به ، وعن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به ، وعن عمران بن موسى ، عن يزيد بن زريع ، عن حميد به . ( بيان اللغات ) قوله : فتلاحى بفتح الحاء من التلاحي بكسر الحاء وهو التنازع ، قال الجوهري : تلاحوا إذا تنازعوا ، وقال الشيخ قطب الدين : الملاحاة الخصومة والسباب ، والاسم اللحاء بكسر اللام ممدودا ، قلت : الذي ذكره من باب المفاعلة والذي في الحديث من باب التفاعل لأن تلاحى أصله تلاحي بفتح الياء على وزن تفاعل قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والمصدر تلاح أصله تلاحي فأعل إعلال قاض فإن قلت : قد علم أن باب التفاعل لمشاركة الجماعة نحو تخاصم القوم ، وباب المفاعلة لمشاركة اثنين نحو قاتل زيد وعمرو ، وكان القياس هنا أن يذكر من باب الملاحاة لأنها كانت بين رجلين ، قلت : التحقيق في هذا الباب أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقا بغيره مع أن الغير فعل مثل ذلك ، ووضع تفاعل لنسبته إلى المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق له ، فلذلك جاء الأول زائدا على الثاني بمفعول أبدا ، فإن كان تفاعل من فاعل المتعدي إلى مفعول كضارب لم يتعد ، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب يتعدى إلى واحد وقد يفرق بينهما من حيث المعنى فإن البادئ في فاعل معلوم دون تفاعل ، وجاء تلاحى هاهنا من باب التفاعل لأجل اشتراك الاثنين فيه من غير قصد إلى تعلق له ، وكذا البادئ فيه غير معلوم ، ولما كان تلاحى هاهنا من لاحيته لم يتعد إلى مفعول فافهم ، فإنه موضع دقيق ، قوله : التمسوها من الالتماس وهو الطلب . ( بيان الإعراب ) ، قوله : خرج أي من الحجرة جملة في محل الرفع لأنها خبر أن ، قوله : يخبر جملة مستأنفة ، والأولى أن تكون حالا ، وقد علم أن المضارع إذا وقع حالا وكان مثبتا لا يجوز فيه الواو ، فإن قلت : الخروج لم يكن في حال الإخبار قلت : هذه تسمى حالا مقدرة أي خرج مقدر الإخبار ، وذلك كما في قوله تعالى : فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ أي مقدرين الخلود ، ولا شك أن الخروج حالة تقدير الإخبار كالدخول حالة تقدير الخلود ، قوله فتلاحى فعل ورجلان فاعله ، وكلمة من بيانية مع ما فيها من معنى التبعيض ، قوله : إني خرجت مقول القول ، قوله : لأخبركم بنصب الراء بأن المقدرة بعد لام التعليل إذ أصله : لأن أخبركم ، وأخبر يقتضي ثلاثة مفاعيل الأول : كاف الخطاب ، وقوله : بليلة القدر سد مسد المفعول الثاني ، والثالث لأن التقدير : أخبركم بأن ليلة القدر هي الليلة الفلانية ، ولا يجوز أن يكون بليلة القدر المفعول الثاني ، ويكون الثالث محذوفا لأن المفعول الأول في هذا الباب كمفعول أعطيت ، والمفعول الثاني والثالث كمفعول علمت بمعنى إذا ذكر أحدهما يجب ذكر الآخر ، لأنهما في المعنى كالمبتدأ والخبر فلا بد من ذكر أحدهما إذا ذكر الآخر ، قوله : وإنه بكسر الهمزة عطف على قوله : إني والضمير فيه للشأن ، وقوله : تلاحى فلان جملة في محل الرفع على أنه خبر إن ، قوله : فرفعت عطف على تلاحى ، والفاء تصلح للسببية ، قوله : وعسى أن يكون قد علم أن فاعل عسى على نوعين أحدهما أن يكون اسما نحو عسى زيد أن يخرج ، فزيد مرفوع بالفاعلية ، وأن يخرج في موضع نصب لأنه بمنزلة قارب زيد الخروج ، والثاني أن تكون أن مع جملتها في موضع الرفع نحو : عسى أن يخرج زيد ، فتكون إذ ذاك بمنزلة قرب أن يخرج أي خروجه إلا أن المصدر لم يستعمل ، وقوله : عسى أن يكون من قبيل الثاني ، والضمير في يكون يرجع إلى الرفع الدال عليه قوله : فرفعت وقوله : خيرا نصب بأنه خبر يكون . ( بيان المعاني ) قوله : فتلاحى رجلان هما عبد الله بن أبي حدرد بفتح الحاء المهملة وفتح الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره دال أخرى ، وكعب بن مالك كان على عبد الله دين لكعب يطلبه فتنازعا فيه ورفعا صوتيهما في المسجد ، قوله : فرفعت قال النووي : أي رفع بيانها أو علمها وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة قال : وشذ قوم فقالوا : رفعت ليلة القدر ، وهذا غلط لأن آخر الحديث يرد عليهم ، فإنه قال عليه الصلاة والسلام : التمسوها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها لا يقال : كيف يؤمر بطلب ما رفع علمه لأنا نقول المراد طلب التعبد في مظانها وربما يقع العمل مصادفا لها لا أنه مأمور بطلب العلم بعينها ، والأوجه أن يقال : رفعت من قلبي بمعنى نسيتها يدل عليه ما جاء في رواية مسلم من حديث أبي سعيد : فجاء رجلان يحتقان بتشديد القاف أي يدعي كل منهما أنه المحق معهما الشيطان فنسيتها ويعلم من حديث عبادة أن سبب الرفع التلاحي ، ومن حديث أبي سعيد هو النسيان ، ويحتمل أن يكون السبب هو المجموع ولا مانع منه ، قوله : وعسى أن يكون خيرا لكم لتزيدوا في الاجتهاد وتقوموا في الليالي لطلبها فيكون زيادة في ثوابكم ، ولو كانت معينة لاقتنعتم بتلك الليلة فقل عملكم ، قوله : التمسوها في السبع أي ليلة السبع والعشرين من رمضان والتسع والعشرين منه ، والخمس والعشرين منه ، وهكذا وقع في معظم الروايات بتقديم السبع الذي أولها السين على التسع الذي أولها التاء ، وفي بعض الروايات بالعكس ، وهكذا وقع في مستخرج أبي نعيم ، فإن قلت : من أين استفيد التقييد بالعشرين وبرمضان ؟ قلت : من الأحاديث الأخر الدالة عليهما ، وقد مر في باب قيام ليلة القدر الأقوال التي ذكرت فيها . ( بيان استنباط الأحكام ) الأول فيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها ، الثاني أن الملاحاة والمخاصمة سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة ، فإن الأمة حرمت أعلام هذه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة لكن في قوله : وعسى أن يكون خيرا بعض التأنيس لهم ، وقال النووي : أدخل البخاري في هذا الباب لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما ورفعهما الصوت بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام ففيه مذمة الملاحاة ، ونقصان صاحبها ، وقال الكرماني : فإن قلت : إذا جاز أن يكون الرفع خيرا فلا مذمة فيه ، ولا شر ، ولا حبط عمل ، قلت : إن أريد بالخير اسم التفضيل ، فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرا من عدم الرفع من جهة أخرى وهي جهة كونه سببا لزيادة الاجتهاد المستلزمة لزيادة الثواب ، وإلا فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرا ، وإن كان عدم الرفع أزيد خيرا ، وأولى منه ، ثم إن خيرية ذاك كانت محققة ، وخيرية هذا مرجوة لأن مفاد عسى هو الرجاء لا غير ، الثالث فيه الحث على طلب ليلة القدر ، الرابع قال القاضي عياض : فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة وأنها مثل العقوبة المعنوية ، وقال بعضهم : فإن قيل : كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة ؟ قلنا : إنما كانت كذلك لوقوعها في المسجد ، وهو محل الذكر لا اللغو سيما في الوقت المخصوص أيضا بالذكر وهو شهر رمضان ، قلت : طلب الحق غير مذموم لا في المسجد ولا في الوقت المخصوص ، وإنما المذمة فيها ليست راجعة إلى مجرد الخصومة في الحق ، وإنما هي راجعة إلى زيادة منازعة حصلت بينهما عن القدر المحتاج إليه ، وتلك الزيادة هي اللغو ، والمسجد ليس بمحل اللغو مع ما كان فيها من رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فافهم .
ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق . الحسن هو البصري رحمه الله ، أي ما خاف الله تعالى إلا مؤمن ، ولا أمن الله تعالى إلا منافق ، وكل واحد من خاف وأمن يتعدى بنفسه ، قال تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وقال الجوهري : أمنته على كذا وائتمنته بمعنى ، وقال تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وقال : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وقال الكرماني : ما خافه أي ما خاف من الله تعالى فحذف الجار ، وأوصل الفعل إليه ، وكذا في أمنه إذ معناه أمن منه وأمنه بفتح الهمزة وكسر الميم ، قلت : إذا كان الفعل متعديا بنفسه فلا يحتاج إلى تقدير حرف يوصل به الفعل إلا في موضع يحتاج فيه إلى تضمين معنى فعل بمعنى فعل آخر ، وهاهنا ليس كذلك ، وقال بعضهم عقب كلام الكرماني بعد نقله هذا الكلام : وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ، ومن نقل عنه ، قلت : وأثر الحسن هذا أخرجه الفريابي عن قتيبة ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن المعلى بن زياد : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن ، وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق ، قال : وحدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن الحسن : والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ، وحدثنا عبد الأعلى بن حماد ، وحدثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يقول الإنسان : لم يكن لهم هم غير النفاق ، وحدثنا هشام بن عمار ، حدثنا أسد بن موسى ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن : لما ذكر أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه ، وحدثنا هشام ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا محمد بن سليمان قال : سأل أبان عن الحسن فقال : نخاف النفاق ، قال : وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحدثنا شيبان ، قال : حدثنا ابن الأشهب عن طريف قال : قلت للحسن رضي الله عنه : إن ناسا يزعمون أن لا نفاق أو لا يخافون - شك أبو الأشهب - فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا ، وقال أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا هشام ، سمعت الحسن يقول : والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق ، وما أمنه إلا منافق ، فإن قلت : هذه الآثار الثلاثة صحيحة عند البخاري ، فلم ذكر الأولين بلفظ قال التي هي صيغة الجزم بالصحة ، وذكر الثالث بلفظ يذكر على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض ؟ قلت : لما نقل الأثرين الأولين بمثل ما نقل عن إبراهيم التيمي ، وابن أبي مليكة من غير تغيير ذكرهما بصيغة الجزم بالصحة ، ونقل أثر الحسن بالمعنى على وجه الاختصار ، فلذلك ذكره بصيغة التمريض وصيغة التمريض لا تختص عنده بضعف الإسناد وحده ، بل إذا وقع التغيير من حيث النقل بالمعنى أو من حيث الاختصار يذكره بصيغة التمريض ، وهذا هو التحقيق في مثل هذا الموضع ، وليس مثل ما ذكره الكرماني بقوله : قلت ، ليشعر بأن قولهما ثابت عنده صحيح الإسناد ، لأن قال هو صيغة الجزم وصريح الحكم بأنه صدر منه ، ومثله يسمى تعليقا بصيغة التصحيح بخلاف يذكر فإنه لا جزم فيه فيعلم أن فيه ضعفا ، ومثله تعليق بصيغة التمريض . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ هذا عطف على قوله : خوف المؤمن والتقدير باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وخوف التحذير من الإصرار على النفاق ، وكلمة ما مصدرية ، ويحذر على صيغة المجهول بتخفيف الذال وتشديدها ، والجملة محلها من الإعراب الجر لأنها عطف على المجرور كما قلنا ، وآثار إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فإن قلت : فلم أوقعها معترضة ؟ قلت : لأنه عقد الباب على ترجمتين الأولى الخوف من حبط العمل ، والثانية الحذر من الإصرار على النفاق ، وذكر فيه ثلاثة من الآثار ، وآية من القرآن ، وحديثين مرفوعين ، ولما كانت الآثار الثلاثة متعلقة بالترجمة الأولى ذكرها عقيبها ، والآية وأحد الحديثين وهو حديث عبد الله متعلقان بالترجمة الثانية ذكرهما عقيبها ، وأما الحديث الآخر وهو حديث عبادة فإنه يتعلق بالترجمة الأولى أيضا على ما نذكره ، وهذا فيه صيغة اللف والنشر غير مرتب ، والترجمة الثانية في الرد على المرجئة لأنهم قالوا : لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان ، وذكر البخاري الآية ردا عليهم لأنها في مدح من استغفر من ذنبه ولم يصر عليه ، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك ، وكأنه لمح في ذلك حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا أخرجه أحمد في مسنده بإسناد حسن قال : ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ، أي يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ، ثم لا يستغفرون ، قاله مجاهد وغيره ، وحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا أخرجه الترمذي بإسناد حسن : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ، والآية المذكورة في سورة آل عمران وهي : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ يفهم من الآية أنهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكونون محل الحذر والخوف ، وقال الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه ، وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر له ذلك ، فنزلت هذه الآية ، وفي رواية الكلبي : أن رجلين أنصاريا وثقيفيا آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان ، قال : فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه ، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته ، وكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر أمراته ضاحية قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها ، فوقعت في نفسه ، فدخل عليها ، ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها ، فوضعت كفها على وجهها ، فقبل ظاهر كفها ، ثم ندم واستحيى ، وأدبر راجعا ، فقالت : سبحان الله ، خنت أمانتك وعصيت ربك ، ولم تصب حاجتك ، قال : فندم على صنعه ، فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي ، فأخبرته امرأته بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه ، فوافقه ساجدا لله عز وجل ، وهو يقول : رب ذنبي ذنبي ، قد خنت أخي ، فقال له يا فلان : قم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك ، لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة ، فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة ، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بتوبته فتلاها على رسول الله عليه الصلاة والسلام : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إلى قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ فقال علي رضي الله عنه : أخاص هذا لهذا الرجل أم للناس عامة ؟ قال : بل للناس عامة في التوبة ، قال : الحمد لله رب العالمين .
وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . الكلام فيه أيضا على وجوه الأول : أن ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن وتصغير الأب ، واسم أبي مليكة بضم الميم زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي الأحول كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا اتفق على جلالته سمع العبادلة الأربعة ، وعائشة وأختها أسماء ، وأم سلمة ، وأبا هريرة ، وعقبة بن الحارث ، والمسور بن مخرمة ، وأدرك بالسن جماعة ، ولم يسمع منهم كعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، مات سنة سبع عشرة ومائة ، روى له الجماعة ، الثاني : أن قوله هذا أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه موصولا من غير بيان العدد ، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له مطولا ، الثالث : في معناه فقوله : كلهم يخاف النفاق أي حصول النفاق في الخاتمة ، على نفسه إذ الخوف إنما يكون عن أمر في الاستقبال ، وما منهم من أحد يجزم بعدم عروض النفاق كما هو جازم في إيمان جبريل عليه السلام بأنه لا يعرضه النفاق هكذا فسره الكرماني ، وتبعه بعضهم على هذا المعنى ، وليس المعنى هكذا ، وإنما المعنى أنهم كلهم كانوا على حذر وخوف من أن يخالط إيمانهم النفاق ، ومع هذا لم يكن منهم أحد يقول : إن إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام لأن جبريل معصوم لا يطرأ عليه الخوف من النفاق ، بخلاف هؤلاء فإنهم غير معصومين ، فإن قلت : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا : من شهد لا إله إلا الله وأني رسول الله كان مؤمنا كإيمان جبريل عليه السلام ، قلت : ذكره أبو سعيد النقاش في الموضوعات ، وقال ابن بطال : لما طالت أعمارهم حتى رأوا ما لم يقدروا على إنكاره خشوا على أنفسهم أن يكونوا في حيز من نافق أو داهن ، ويقال : عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي عليه السلام عن قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ فقال : هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويفرقون أن لا يتقبل منهم ، وقال بعض السلف في قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بدت سيئات ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون قوله : وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة استفادها من أحوالهم أيضا وهي أنهم كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصانه ، قلت : لا يفهم ذلك من حالهم ، وإنما الذي يفهم من حالهم أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة لعدم العصمة ، ويؤيد ذلك ما روي عن عائشة وبعض السلف .
باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا . فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره : إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه . الكلام فيه على وجوه : الأول : وجه المناسبة بين البابين هو أن في الباب الأول : ذكر الإيمان بالله ورسوله ، وفي هذا الباب يبين أن المعتبر المعتد به من هذا الإيمان ما هو . الثاني : يجوز في قوله : باب الوجهان أحدهما الإضافة إلى الجملة التي بعده ، وتكون كلمة إذا للظرفية المحضة ، والتقدير : باب حين عدم كون الإسلام على الحقيقة ، والوجه الآخر أن ينقطع عن الإضافة ، وتكون إذا متضمنة معنى الشرط ، والجزاء محذوف ، والتقدير : باب إن لم يكن الإسلام على الحقيقة لا يعتد به أو لا ينفعه أو لا ينجيه ، ونحو ذلك ، وعلى كلا التقديرين ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب ، وقال الكرماني : فإن قلت : إذا للاستقبال ، ولم لقلب المضارع ماضيا ، فكيف اجتماعهما ؟ قلت : إذا هنا لمجرد الوقت ، ويحتمل أن يقال : لم لنفي الكون المقلوب ماضيا ، وإذا لاستقبال ذلك النفي . الثالث : مطابقة الآيات للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة أن الإسلام إذا لم يكن على الحقيقة لا ينفع ، والآيات تدل على ذلك على ما لا يخفى . الرابع : قوله : على الاستسلام أي : الانقياد الظاهر فقط ، والدخول في السلم ، وليس هذا إسلاما على الحقيقة ، وإلا لما صح نفي الإيمان عنهم ؛ لأن الإيمان والإسلام واحد عند البخاري ، وكذا عند آخرين ؛ لأن الإيمان شرط صحة الإسلام عندهم . قوله : أو الخوف من القتل ، أي : أو كان الإسلام على الخوف من القتل ، وكلمة على للتعليل . قوله : فهو على قوله : أي فهو وارد على مقتضى قوله عز وجل : إن الدين عند الله الإسلام . الخامس : الكلام في قوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ الآية ، وهو على أنواع : الأول : في سبب نزولها ، وهو ما ذكره الواحدي أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة ، وأظهروا الشهادتين ، ولم يكونوا مؤمنين في السر ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وكانوا يقولون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه ، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية . النوع الثاني : في معناها ، فقوله : الأعراب هم أهل البدو ، قاله الزمخشري ، وفي ( العباب ) : ولا واحد للأعراب ، ولهذا نسب إليها ، ولا ينسب إلى الجمع ، وليست الأعراب جمعا للعرب كما كانت الأنباط جمعا للنبط ، وإنما العرب اسم جنس سميت العرب ؛ لأنه نشأ أولاد إسماعيل عليه السلام بعربة وهي من تهامة ، فنسبوا إلى بلدهم ، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ، ونطق بلسان أهلها فهو عرب يمنهم ومعدهم ، وقال الأزهري : والأقرب عندي أنهم سموا عربا باسم بلدهم العربات ، وقال إسحاق بن الفرج : عربة باجة العرب ، وباجة العرب دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام قال ، وفيها يقول قائلهم : وعربة أرض ما يحل حرامها من الناس إلا اللوذعي الحلاحل يعنى به النبي صلى الله عليه وسلم : أحلت له مكة ساعة من نهار ، ثم هي حرام إلى يوم القيامة . قال : واضطر الشاعر إلى تسكين الراء من عربة فسكنها . قلت : اللوذعي الخفيف الذكي الظريف الذهن الحديد الفؤاد الفصيح اللسان كأنه يلذع بالنار من ذكائه وحرارته ، والحلاحل ، بضم الحاء الأولى ، وكسر الثانية : كلاهما مهملتان السيد الركين ، ويجمع على حلاحل بالفتح . قوله : آمَنَّا مقول قولهم ، وقال الزمخشري : الإيمان هو التصديق بالله مع الثقة ، وطمأنينة النفس ، والإسلام الدخول في السلم ، والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين : ألا ترى إلى قوله : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ، فاعلم أن كل ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان . فإن قلت : ما وجه قوله : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ؟ والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا . قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا ، ودفع ما انتحلوه ، فقيل : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه ، فلم يقل : كذبتم ، واستغنى بالجملة التي هي لم تؤمنوا عن أن يقال : لا تقولوا : الاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان . فإن قلت : قوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ بعد قوله : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا يشبه التكرار من غير استقلال بفائدة متجددة . قلت : ليس كذلك فإن فائدة قوله : لَمْ تُؤْمِنُوا تكذيب دعواهم ، وقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ توقيت لما أمروا به أن يقولوا كأنه قيل لهم : ولكن قولوا : أسلمنا حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم . النوع الثالث : قال أبو بكر بن الطيب هذه الآية حجة على الكرامية ، ومن وافقهم من المرجئة في قولهم : إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب ، وقد رد الله تعالى قولهم في موضع آخر من كتابه ، فقال : أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ولم يقل : كتب في ألسنتهم ، ومن أقوى ما يرد عليهم به الإجماع على كفر المنافقين ، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين . النوع الرابع : أن البخاري استدل بذكر هذه الآية هاهنا على أن الإسلام الحقيقي ، هو المعتبر ، وهو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره ، ألا ترى كيف . قال تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا حيث قالوا بألسنتهم دون تصديق قلوبهم ، وقال : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ الوجه السادس : في قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ والكلام فيه على وجوه : الأول : إن هذه الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى ، وهي قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الآية ، وقرئ ، بفتح أن على البدلية من الأول ، كأنه قال : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ، وقرأ أبي بن كعب : إن الدين عند الله الإسلام بلام التأكيد في الخبر . الثاني : قال الكلبي لما ظهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة ، قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان ، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرفاه بالصفة والنعت قالا له : أنت محمد . قال : نعم ، قالا : وأنت أحمد . قال : نعم ، قالا : إنا نسألك عن شهادة ، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك ، وصدقناك قال لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : سلاني ، فقالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى ، فأنزل الله تعالى على نبيه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَهِدَ اللَّهُ إلى قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ فأسلم الرجلان ، وصدقا برسول الله عليه السلام . الثالث : أن البخاري استدل بها على أن الإسلام الحقيقي هو الدين ؛ لأنه تعالى أخبر أن الدين هو الإسلام ، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولا ، واستدل بها أيضا على أن الإسلام والإيمان واحد ، وأنهما مترادفان ، وهو قول جماعة من المحدثين ، وجمهور المعتزلة ، والمتكلمين ، وقالوا أيضا : إنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ والأصل في الاستثناء أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، فيكون الإسلام هو الإيمان ، وعورض بقوله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا فلو كان الإيمان والإسلام واحدا لزم إثبات شيء ونفيه في حالة واحدة وأنه محال . الوجه السابع في قوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ والكلام فيه على وجهين : الأول : في معناه فقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ أي : ومن يطلب من بغيت الشيء طلبته ، وبغيتك الشيء طلبته لك ، يقال : بغى يبغي بغية وبغاء بالضم ، وبغاية . قوله : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ جواب الشرط . قوله : وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي من الذين وقعوا في الخسران مطلقا من غير تقييد قصدا للتعميم ، وقرئ : ومن يبتغ غير الإسلام بالإدغام . الثاني : أن البخاري استدل به مثل ما استدل بقوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ واستدل به أيضا على اتحاد الإيمان والإسلام ؛ لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا ، وأجيب بأن المعنى : ومن يبتغ دينا غير دين محمد عليه السلام فلن يقبل منه . قلت : ظاهره يدل على أنه لو كان الإيمان غير الإسلام لم يقبل قط ، فتعين أن يكون عينه ؛ لأن الإيمان هو الدين ، والدين هو الإسلام لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ فينتج أن الإيمان هو الإسلام ، وقد حققنا الكلام فيه فيما مضى في أول كتاب الإيمان . 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عامر بن سعد بن أبى وقاص ، عن سعد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا ، وسعد جالس ، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي ، فقلت : يا رسول الله ، ما لك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنا ، فقال : أو مسلما ، فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي ، فقلت : مالك ، عن فلان : فوالله إني لأراه مؤمنا ، فقال : أو مسلما ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فعدت لمقالتي ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا سعد ، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي أن الإسلام إن لم يكن على الحقيقة لا يقبل ، فلذلك قال عليه السلام : أو مسلما ؛ لأن فيه النهي عن القطع بالإيمان ؛ لأنه باطن لا يعلمه إلا الله ، والإسلام معلوم بالظاهر ، وقال بعضهم : مناسبة الحديث للترجمة من حيث إن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام ، وإن لم يعلم باطنه . قلت : ليست المناسبة إلا ما ذكرناه فإن موضوع الباب ليس على إطلاق المسلم على من يظهر الإسلام على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي . الثاني : شعيب بن أبي حمزة الأموي . الثالث : محمد بن مسلم الزهري . الرابع : عامر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري سمع أباه ، وعثمان ، وجابر بن سمرة ، وجماعة من الصحابة ، روى عنه سعيد بن المسيب ، وسعد بن إبراهيم ، والزهري ، وآخرون ، وكان ثقة كثير الحديث ، مات سنة ثلاث أو أربع ومائة بالمدينة ، روى له الجماعة . الخامس : أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص بالقاف المشددة من الوقص ، وهو الكسر ، واسمه مالك بن وهيب ، ويقال : أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر الخلافة إليهم ، وأمه حمنة بنت سفيان أخي حرب ، وإخوته بني أمية ابن عبد شمس يلتقي سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب ، وهو الأب الخامس ، أسلم قديما ، وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة ، وقيل : بعد ستة ، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد ، وكان مجاب الدعوة ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ، وأول من أراق دما في سبيل الله ، وكان يقال له : فارس الإسلام ، وكان من المهاجرين الأولين هاجر إلى المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث وسبعون حديثا اتفقا منها على خمسة عشر ، وانفرد البخاري بخمسة ، ومسلم بثمانية عشر ، روى له الجماعة ، وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر رضي الله عنه ، وولاه عمر العراق ، وهو الذي بنى الكوفة ، ولما قتل عثمان رضي الله عنه اعتزل سعد الفتن ، ومات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين ، وقيل : خمس ، وهو ابن بضع وسبعين سنة ، وحمل إلى المدينة على أرقاب الرجال ، وصلى عليه مروان بن الحكم ، وهو يومئذ والي المدينة ، ودفن بالبقيع ، وهو آخر العشرة موتا ، وعن محمد بن سعد عن جابر بن عبد الله ، قال : أقبل سعد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فقال : هذا خالي فليرني امرؤ خاله ، وذلك أن أمه عليه السلام آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف ، وفي الصحابة من اسمه سعد فوق المائة ، والله أعلم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة . ومنها أن فيه ثلاثة زهريين مدنيين . ومنها أن فيه ثلاثة تابعين يروي بعضهم عن بعض ابن شهاب ، وعامر ، وصالح ، وصالح أكبر من ابن شهاب ؛ لأنه أدرك ابن عمر رضي الله عنهما . ومنها أن فيه رواية الأكابر عن الأصاغر . ومنها أن قوله : عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو هنا ، ووقع في رواية الإسماعيلي ، عن سعد ، هو ابن أبي وقاص . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وأخرجه في الزكاة ، عن محمد بن عزيز ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح ، كلاهما عن الزهري به ، عن عامر ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، والزكاة ، عن ابن عمر . وعن سفيان ، عن الزهري ، وعن زهير ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح ، كلهم عن الزهري ، به . وفي الزكاة عن إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد ، أنبأنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وأخرجه أبو داود أيضا من طريق معمر ، وقد اعترض على مسلم في بعض طرق هذا الحديث ، في قوله : عن سفيان عن الزهري به ، ورواه الحميدي ، وسعيد بن عبد الرحمن ، ومحمد بن الصباح الجرجراي ، كلهم عن سفيان ، عن معمر ، عن الزهري به ، وهذا هو المحفوظ عن سفيان ، ذكره الدارقطني في الاستدراكات على مسلم ، وأجاب النووي بأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة ومن معمر عن الزهري ، فرواه على الوجهين ، وقال بعض الشراح : وفيما ذكره نظر ولم يبين وجهه ، ووجهه أن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري بزيادة معمر بينهما ، والروايات قد تظافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم ، والموجود في مسند شيخ مسلم محمد بن يحيى بن أبي عمر بلا إسقاط ، وكذلك أخرج أبو نعيم في مستخرجه من طريقه ، وزعم أبو مسعود في ( الأطراف ) أن الوهم من ابن أبي عمر ويحتمل ذلك بأن صدر منه الوهم لما حدث به مسلما ، ولكن هذا احتمال غير متعين ويحتمل أن يكون الوهم من مسلم ويحتمل أن يكون مثل ما قاله النووي ، وباب الاحتمالات مفتوح . ( بيان اللغات ) قوله رهطا قال ابن التياني : قال أبو زيد : الرهط ما دون العشرة من الرجال ، وقال صاحب ( العين ) : الرهط عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة ، وبعض يقول من سبعة إلى عشرة ، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر ، وتخفيف الرهط أحسن ، تقول : هؤلاء رهطك وراهطك وهم رجال عشيرتك ، وعن ثعلبة : الرهط بنو الأب الأدنى ، وعن النصر جاءنا أرهوط منهم مثل أركوب ، والجمع أرهط وأراهط ، وفي ( المحكم ) : لا واحد له من لفظه ، وقد يكون الرهط من العشرة ، وفي ( الجامع ) و ( الجمهرة ) : الرهط من القوم وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وربما جاوزوا ذلك قليلا ، ورهط الرجل بنو أبيه ، ويجمع على أرهط ويجمع الجمع على أرهاط ، وفي ( الصحاح ) رهط الرجل قومه وقبيلته ، يقال : هم رهط دينه ، والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة ، والجمع أرهط وأرهاط وأراهط ، وفي ( مجمع الغرائب ) : الرهط جماعة غير كثيري العدد . قوله هو أعجبهم إلي أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي . قوله عن فلان لفظة فلان كناية عن اسم سمي به المحدث عنه الخاص ويقال في غير الناس الفلان والفلانة بالألف واللام . قوله فعدت لمقالتي يقال : عاد لكذا إذا رجع إليه ، والمقالة والمقال مصدران ميميان بمعنى القول . قوله أن يكبه الله بفتح الياء وضم الكاف أي يلقيه منكوسا هذا من النوادر على عكس القاعدة المشهورة ، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة والمتعدي بالهمزة فإن أكب لازم و كب متعد ونحوه أحجم وحجم ، وقد ذكر البخاري هذا في كتاب الزكاة فقال : يقال : أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد ، فإذا وقع الفعل قلت كبه وكببته ، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها : أنسل ريش الطائر ونسلته ، وأنزفت البئر ونزفتها أنا ، وأمريت الناقة درت لبنها ، ومريتها أنا ، وأنشق البعير رفع رأسه وشنقتها أنا ، وأقشع الغيم وقشعته الريح ، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي : كبه وأكبه معا ، وفي ( العباب ) : يقال كبه الله لوجهه صرعه على وجهه ، يقال : كب الله العدو ، وأكب على وجهه سقط ، وهذا من النوادر أن يقال أفعلت أنا وفعلت غيري . ( بيان الإعراب ) قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى تقدير الكلام عن سعد قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ، وأعطى جملة في محل الرفع على أنها خبر إن ، ورهطا منصوب على أنه مفعول أعطى ، وقد علم أن باب أعطيت يجوز فيه الاقتصار على أحد مفعوليه ، تقول أعطيت زيدا ولا تذكر ما أعطيته ، أو أعطيت درهما ولا تذكر من أعطيته ، وقوله أعطى رهطا من قبيل الأول ، والتقدير أعطى رهطا شيئا من الدنيا بخلاف أفعال القلوب فإنه لا يجوز الاقتصار فيها على أحد المفعولين لأنها داخلة على المبتدأ والخبر ، فكما لا يستغني المبتدأ عن الخبر ولا الخبر عن المبتدأ فكذلك لا يستغني أحد المفعولين عن صاحبه ، ولكن يجوز أن يسكت عنهما جميعا ويجعلان نسيا منسيا نحو قوله : من يسمع يخل ، كما في قولهم فلان يعطي ويمنع . قوله وسعد جالس جملة اسمية وقعت حالا . قوله رجلا مفعول لقوله ترك واسمه جعيل بن سراقة الضمري سماه الواقدي في المغازي ؛ قوله هو أعجبهم إلي جملة اسمية في محل النصب على أنها صفة لقوله رجلا ؛ قوله ما لك عن فلان أي : أي شيء حصل لك أعرضت عن فلان أو عداك عن فلان أو من جهة فلان بأن لم تعطه ، وكلمة ما للاستفهام واللام تتعلق بمحذوف وكذلك كلمة عن وهو حصل في اللام وأعرضت ونحوه في عن ؛ قوله فوالله مجرور بواو القسم ؛ قوله لأراه وقع بضم الهمزة ههنا في رواية أبي ذر وغيره وكذلك في الزكاة ، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره ، وقال أبو العباس القرطبي : الرواية بضم الهمزة من أراه بمعنى أظنه ، وقال النووي هو بفتح الهمزة أي أعلمه ، ولا يجوز ضمها على أن يجعل بمعنى أظنه لأنه قال : ثم غلبني ما أعلم منه ، ولأنه راجع النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فلو لم يكن جازما باعتقاده لما كرر المراجعة ، وقال بعضهم : لا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب ، ومنه قوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ سلمنا ، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنية فيكون نظريا لا يقينيا . قلت : بل الذي ذكره يدل على تعين الفتح لأن قسم سعد وتأكيد كلامه بأن واللام وصوغه في صورة الاسمية ومراجعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتكرار نسبة العلم إليه يدل على أنه كان جازما باعتقاده ، وهذا لا يشك فيه ، وقوله : لكن لا يلزم من إطلاق العلم إلخ ، لا يساعد هذا القائل لأن سعدا وقت الإخبار كان عالما بالجزم لما ذكرنا من الدلائل عليه ، فكيف يكون نظريا لا يقينيا في ذلك الوقت ؟ قوله فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم أو مسلما قال القاضي : هو بسكون الواو على أنها أو التي للتقسيم والتنويع أو للشك والتشريك ، ومن فتحها أخطأ وأحال المعنى ، ويقال أمره أن يقولهما معا لأنه أحوط ؛ لأن قوله أو مسلما لا يقطع بإيمانه . وروى ابن أبي شيبة عن زيد بن حبان عن علي بن مسعدة الباهلي ثنا قتادة عن أنس يرفعه : ( الإسلام علانية والإيمان في القلب ، ثم يشير بيده إلى صدره : التقوى ههنا التقوى ههنا ) ، ويرد هذا ما رواه ابن الأعرابي في ( معجمه ) في هذا الحديث فقال : ( لا تقل مؤمن قل مسلم ) ، والذي رواه ابن أبي شيبة ، قال ابن عدي : هو غير محفوظ ، وقال الكرماني : معناه أن لفظة الإسلام أولى أن يقولها لأنها معلومة بحكم الظاهر ، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى ، وقال صاحب ( التحرير ) في ( شرح صحيح مسلم ) هذا حكم على فلان بأنه غير مؤمن ، وقال النووي : ليس فيه إنكار كونه مؤمنا ، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان لعدم موجب القطع ، وقد غلط من توهم كونه حكما بعدم الإيمان ، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه وهو قوله : لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ، وقال الكرماني : فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالا على ما عقد له الباب وأيضا لا يكون لرد الرسول عليه السلام على سعد فائدة ولئن سلمنا أن فيه إشارة إليه ، فذلك حصل بعد تكرار سعد إخباره بإيمانه وجاز أن ينكر أولا ثم يسلم آخرا لحصول أمر يفيد العلم به ، وقال بعضهم : وهو تعقب مردود ولم يبين وجهه ، ثم قال : وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل . قلت : قد بينا نحن أيضا هناك أن الذي ذكره ليس بوجه صحيح فليعد إليه هناك . قوله قليلا نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي سكوتا قليلا ؛ قوله ما أعلم كلمة ما موصولة في محل الرفع على أنه فاعل غلبني ؛ قوله غيره أحب إلي منه جملة اسمية وقعت حالا وهكذا هو عند أكثر الرواة ، وفي رواية الكشميهني ( أعجب إلي ) ، ووقع في رواية الإسماعيلي بعد قوله أحب إلي منه ، وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه الله إلى آخره ؛ قوله خشية نصب على أنه مفعول له لأعطي أي لأجل خشية أن يكبه الله بإضافة خشية إلى ما بعده و أن مصدرية ، والتقدير لأجل خشية كب الله إياه في النار ، وقال الكرماني : سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره ، وتقديره لأجل خشية من أن يكبه الله ، ورواية الإضافة مع تعريفه لأنه مضاف إلى أن مع الفعل ، و أن مع الفعل معرفة ويجوز في المفعول لأجله التعريف والتنكير . قلت : لا حاجة فيه إلى تقدير من لعدم الداعي إلى تقديرها بل لفظة خشية مضاف إلى ما بعدها على التقدير الذي ذكرناه ، فافهم . ( بيان المعاني والبيان ) فيه حذف المفعول الثاني من باب أعطيت في الموضعين ، الأول في قوله أعطى رهطا ، والثاني في قوله إني لأعطي الرجل تنبيها على التعميم بأي شيء كان أو جعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد ، والمعنى إيجاد هذه الحقيقة يعني إيجاد الإعطاء ، والفائدة فيهما قصد المبالغة وفيه من باب الالتفات وهو في قوله أعجبهم إلي ؛ لأن السياق كان يقتضي أن يقال أعجبهم إليه لأنه قال : وسعد جالس ، ولم يقل : وأنا جالس ، وهو التفات من الغيبة إلى التكلم ، وأما قوله وسعد جالس ففيه وجهان ، الأول : أن يكون فيه التفات على قول صاحب ( المفتاح ) من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة ، وأما على قول غيره فليس فيه التفات لأنهم شرطوا أن يكون الانتقال من التكلم والخطاب والغيبة محققا ، وصاحب ( المفتاح ) لم يشترط ذلك ، بل قال : الانتقال أعم من أن يكون محققا أو مقدرا . والوجه الثاني : أن يكون هذا من باب التجريد وهو أن يجرد من نفسه شخصا ويخبر عنه وذلك أن القياس في قوله وسعد جالس أن يقول : وأنا جالس ، ولكنه جرد من نفسه ذلك وأخبر عنه بقوله جالس ، وهو من محسنات الكلام من الضروب المعنوية الراجعة إلى وظيفة البلاغة ، وفيه من باب الكناية وهو في قوله خشية أن يكبه الله ؛ لأن الكب في النار لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم وهو كناية وليس بمجاز ، فإن قلت : لم لا يكون مجازا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم إذ الملازمة في الكناية لا بد أن تكون مساوية ؟ قلت : شرط المجاز امتناع معنى المجاز والحقيقة ، وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكب فهو كناية لا غير . فإن قلت : الكب قد يكون للمعصية فلا يستلزم الكفر . قلت : المراد من الكب كب مخصوص لا يكون إلا للكافر وإلا فلا تصح الكناية أيضا ، وإنما قلنا : إن المراد كب مخصوص لأن معنى قوله خشية أن يكبه الله في النار مخافة من كفره الذي يؤديه إلى كب الله إياه في النار ، والضمير في يكبه للرجل في قوله إني لأعطي الرجل أي أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره إذا لم يعط ، والتقدير أنا أعطي من في إيمانه ضعف لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر به فيكبه الله تعالى في النار كأنه أشار إلى المؤلفة أو إلى من إذ منع نسب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل ، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعا عن دينه ولا سوء اعتقاد ولا ضرر فيما يحصل له من الدنيا ، والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفا ، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة وترك جعيلا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه خاطبه سعد رضي الله عنه في أمره لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم لما اختبر منه دونهم ، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة فنبهه النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين : أحدهما نبهه على الحكمة في إعطاء أولئك الرهط ومنع جعيل مع كونه أحب إليه ممن أعطى لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لم يؤمن ارتدادهم فيكبون في النار ، والآخر : نبهه صلى الله عليه وسلم على أنه ينبغي التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر . فإن قلت : كيف لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة مثل سعد رضي الله عنه لجعيل بالإيمان . قلت : قوله فوالله إني لأراه مؤمنا لم يخرج الشهادة وإنما خرج مخرج المدح له والتوسل في الطلب لأجله ، فلهذا ناقشه في لفظه ، وفي الحديث ما يدل على أنه قبل قوله فيه وهو قوله عليه الصلاة والسلام : يا سعد إني لأعطي الرجل إلخ ، ومما يدل على ذلك ما روي في مسند محمد بن هارون الروياني وغيره بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجيشاني ( عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : كيف ترى جعيلا ؟ قال : قلت : كشكله من الناس يعني المهاجرين ، قال : فكيف ترى فلانا ؟ قال : قلت : سيدا من سادات الناس ، قال : فجعيل خير من ملء الأرض من فلان ، قال : قلت : ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع ، قال : إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به ) ، انتهى ، فهذه منزلة جعيل رضي الله عنه عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان الأمر كذلك علم أن حرمانه وإعطاء غيره كان لمصلحة التأليف . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : فيه جواز الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم ؛ الثاني : فيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد إذا لم يؤد إلى مفسدة ؛ الثالث : فيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم فيه القطع ؛ الرابع : فيه أن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم ؛ الخامس : فيه أن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة ؛ السادس : فيه أنه ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها ؛ السابع : فيه أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة لينظر فيه الفاضل ؛ الثامن : فيه أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه النص كالعشرة المبشرة بالجنة ؛ التاسع : فيه أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب وعليه الإجماع ؛ ولهذا كفر المنافقون واستدل به جماعة على جواز قول المسلم : أنا مؤمن ، مطلقا من غير تقييده بقوله إن شاء الله تعالى . قال القاضي : فيه حجة لمن يقول بجواز قوله أنا مؤمن من غير استثناء ورد على من أباه ، وقد اختلف فيها من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا ، وكل قول إذا حقق كان له وجه ، فمن لم يستثن أخبر عن حكمه في الحال ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ ، وإلى التوسعة في القولين ذهب الأوزاعي وغيره وهو قول أهل التحقيق نظرا إلى ما قدمناه ورفعا للخلاف . العاشر : قالوا فيه دليل على جواز الحلف على الظن وهي يمين اللغو وهو قول مالك والجمهور . قلت : قد اختلف العلماء في يمين اللغو على ستة أقوال ، أحدها قول مالك كما ذكروه عنه ، وقال الشافعي : هي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصد اليمين كقول الإنسان لا والله وبلى والله ، واستدل بما روي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا : ( إن لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله ) ، وحكى ذلك محمد عن أبي حنيفة رضي الله عنه ، وأما المشهور عند أصحابنا أن لغو اليمين هو الحلف على أمر يظنه كما قال والحال أنه خلافه كقوله في الماضي : والله ما دخلت الدار وهو يظن أنه لم يدخلها والأمر خلاف ذلك ، وفي الحال عمن يقبل والله إنه لزيد وهو يظن أنه زيد فإذا هو عمرو . الحادي عشر : قال القاضي عياض : هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإسلام والإيمان وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح لكن لا يكون مؤمن إلا مسلما ، وقد يكون مسلم غير مؤمن ، ولفظ هذا الحديث يدل عليه ، وقال الخطابي : هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان فيقال له مسلم أي مستسلم ، ولا يقال له مؤمن وهو معنى الحديث ، قال الله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا أي استسلمنا ، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن فيقال للمسلم مؤمن وللمؤمن مسلم ، وقد حققنا الكلام فيه فيما مضى في أول كتاب الإيمان . ( ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري عن الزهري ) . أي روى هذا الحديث هؤلاء الأربعة عن الزهري وتابعوا شعيبا في روايته عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه وفي هذا وشبهه من قول الترمذي ، وفي الباب عن فلان وفلان إلى آخره فوائد إحداها هذه. الثانية : أن تعلم رواته ليتتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما . الثالثة : ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه ، فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير ذلك المذكور في الإسناد ، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فيتوهمه غلطا وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان ، فإذا قيل في الباب عن فلان وفلان ونحو ذلك زال الوهم المذكور . الرابعة : الوفاء بشرطه صريحا إذ شرطه على ما قيل أن يكون لكل حديث راويان فأكثر . الخامسة : أن يصير الحديث مستفيضا فيكون حجة عند المجتهدين الذين اشترطوا كون الحديث مشهورا في تخصيص القرآن ونحوه ، والمستفيض أي المشهور ما زاد نقلته على الثلاث . قوله يونس هو ابن يزيد الأيلي ، وقد مر ذكره . وصالح هو ابن كيسان المدني وروايته عن الزهري من رواية الأكابر عن الأصاغر لأنه أسن من الزهري ، وقد مر ذكره أيضا ، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد البصري ، وقد تقدم ذكره أيضا . وابن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري ابن أخي محمد الإمام أبي بكر الزهري المشهور ، روى عن عمه محمد ، وروى عنه يعقوب بن إبراهيم سعد والدراوردي والقعنبي ، روى عنه البخاري في الصلاة والأضاحي ، ومسلم في الإيمان والصلاة والزكاة ، وقال الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في كتاب ( المدخل ) ومما عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديث محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري أخرج له البخاري في الأصول ومسلم في الشواهد ، وقال ابن أبي حاتم ليس بالقوي يكتب حديثه ، وقال فيه ابن معن ضعيف ، وقال ابن عدي : ولم أر بحديثه بأسا ولا رأيت له حديثا منكرا ، وقال عباس عن يحيى بن معين : ابن أخي الزهري أمثل من أبي أويس ، وقال مرة فيه : ليس بذلك القوي ، قال الواقدي : قتله غلمانه بأمر ابنه وكان ابنه سفيها شاطرا قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر المنصور ، توفي أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة ثم وثب غلمانه على ابنه بعد سنين فقتلوه ، وجزم النووي في شرحه بأن محمدا هذا مات سنة اثنتين وخمسين ومائة . أما رواية يونس عن الزهري فهي موصولة في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رسته بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها تاء مثناة من فوق وبعدها هاء ، ولفظه قريب من سياق الكشميهني ؛ وأما رواية صالح عن الزهري فهي موصولة عند البخاري في كتاب الزكاة ، وأما رواية معمر عنه فهي موصولة عند أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه ، وقال فيه : إنه إنما أعاد السؤال ثلاثا ، وعند أبي داود أيضا من طريق معمر عنه ولفظه : ( إني أعطي رجلا وأدع من أحب إلي منهم لا أعطيه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم ) ؛ وأما رواية ابن أخي الزهري عن الزهري فهي موصولة عند مسلم ، وفيه السؤال والجواب ثلاث مرات ، وقال في آخره خشية أن يكب على البناء للمفعول ، وفي روايته لطيفة وهي رواية أربعة من بني زهرة هو وعمه وعامر وأبوه على الولاء ، والله تعالى أعلم .
باب : من قال : إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الكلام فيه على أنواع : الأول : إن لفظ باب مضاف إلى ما بعده ، ولا يجوز غيره قطعا ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب من قال الخ ، وأصل الكلام هذا باب في بيان قول من قال : إن الإيمان هو العمل . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إنه عقد الباب : الأول : للتنبيه على أن الأعمال من الإيمان ردا على المرجئة ، وهذا الباب أيضا معقود لبيان أن الإيمان هو العمل ردا عليهم . وقال الشيخ قطب الدين في شرحه في هذا الباب إنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ، وقال : قال القاضي عياض عن غلاتهم : إنهم يقولون : إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة ، وإن لم يعتقده بقلبه . الثالث : وجه مطابقة الآية للترجمة هو أن الإيمان لما كان هو السبب لدخول العبد الجنة ، والله عز وجل أخبر بأن الجنة هي التي أورثوها بأعمالهم حيث قال : بما كنتم تعملون . دل ذلك على أن الإيمان هو العمل ، وفي الآية الأخرى أطلق على قول : لا إله إلا الله العمل ، فدل على أن الإيمان هو العمل ، فعلى هذا معنى قوله : بما كنتم تعملون . بما كنتم تؤمنون على ما زعمه البخاري على ما نقل عن جماعة من المفسرين ، ولكن اللفظ عام ، ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل ، ولهذا قال النووي : هو تخصيص بلا دليل ، وهاهنا مناقشة أخرى ، وهي أن إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث إن الإيمان هو عمل القلب ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان ، وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباته أن العمل من أداء الإيمان ردا على من يقول : إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان ، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى ، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان ، فهذا لا نزاع فيه لأحد ؛ لأن الإيمان عمل القلب ، وهو التصديق . الرابع : قوله : وتلك إشارة إلى الجنة المذكورة في قوله : ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ، وهي مبتدأ ، والجنة خبره . وقوله : التي أورثتموها صفة الجنة . وقال الزمخشري أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة ، والتي أورثتموها خبر المبتدأ ، والتي أو التي أورثتموها صفة ، وبما كنتم تعملون الخبر ، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبارا ، وفي الوجه الأول تتعلق بأورثتموها ، وقرئ : ورثتموها . فإن قلت : الإيراث إبقاء المال بعد الموت لمن يستحقه ، وحقيقته ممتنعة على الله تعالى ؟ فما معنى الإيراث هاهنا . قلت : هذا من باب التشبيه . قال الزمخشري : شبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة ، ويقال : المورث هنا الكافر ، وكان له نصيب منها ، ولكن كفره منعه ، فانتقل منه إلى المؤمنين ، وهذا معنى الإيراث ، ويقال : المورث هو الله تعالى ، ولكنه مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث . فإن قلت : كلمة ما في قوله : بِمَا كُنْتُمْ ما هي ؟ قلت : يجوز أن تكون مصدرية فالمعنى : بكونكم عاملين ، ويجوز أن تكون موصولة ، فالمعنى بالذي كنتم تعملونه . فإن قلت : كيف الجمع بين هذه الآية ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله . قلت : الباء في قوله : بِمَا كُنْتُمْ ليست للسببية بل للملابسة ، أي : أورثتموها ملابسة لأعمالكم ، أي : لثواب أعمالكم أو للمقابلة نحو : أعطيت الشاة بالدرهم ، وقال الشيخ جمال الدين : المعنى الثامن للباء المقابلة ، وهي الداخلة على الأعواض كاشتريته بألف درهم ، وقولهم هذا بذاك ، ومنه قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة ، وكما قال الجميع في : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ؛ لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا ، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ، وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البابين جمعا بين الأدلة . وقال الكرماني : أو إن الجنة في تلك الجنة جنة خاصة ، أي : تلك الجنة الخاصة الرفيعة العالية بسبب الأعمال . وأما أصل الدخول فبرحمة الله . قلت : أشير بهذه الجنة إلى الجنة المذكورة فيما قبلها ، وهي الجنة المعهودة ، والإشارة تمنع ما ذكره . وقال النووي في الجواب : إن دخول الجنة بسبب العمل ، والعمل برحمة الله تعالى . قلت : المقدمة الأولى ممنوعة ؛ لأنها تخالف صريح الحديث فلا يلتفت إليها . وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون عن قول : لا إله إلا الله . الكلام فيه على وجوه : الأول : إن العدة بكسر العين ، وتشديد الدال هي الجماعة . قلت : أو كثرت ، وفي ( العباب ) تقول أنفدت عدة كتب ، أي : جماعة كتب ، ويقال : فلان إنما يأتي أهله العدة ، أي : يأتي أهله في الشهر ، والشهرين ، وعدة المرأة أيام إقرائها ، وأما العد بدون الهاء فهو الماء الذي لا ينقطع كماء العين ، وماء البئر ، والعد أيضا الكثرة . قوله : عدة مرفوع بقال ، ويجوز فيه : قال ، وقالت : لأن التأنيث في عدة غير حقيقي ، وكلمة من في قوله : من أهل العلم للبيان . قوله : في قوله يتعلق بقال ، والخطاب في فَوَرَبِّكَ للنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والواو فيه للقسم ، وقوله : لَنَسْأَلَنَّهُمْ جواب القسم مؤكدا باللام . قوله : عن قول يتعلق بقوله : لَنَسْأَلَنَّهُمْ ، أي : لنسألنهم عن كلمة الشهادة التي هي عنوان الإيمان ، وعن سائر أعمالهم التي صدرت منهم . الثاني : أن الجماعة الذين ذهبوا إلى ما ذكره نحو أنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، ومجاهد بن جبر رضي الله عنهم . وأخرج الترمذي مرفوعا عن أنس : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ قال : عن لا إله إلا الله ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ، وهو ضعيف لا يحتج به ، والذي روى عن ابن عمر في ( التفسير ) للطبري ، وفي كتاب ( الدعاء ) للطبراني ، والذي روى عن مجاهد في تفسير عبد الرزاق وغيره . وقال النووي : في الآية وجه آخر ، وهو المختار ، والمعنى لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف ، وقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ، ثم روى حديث الترمذي وضعفه . وقال بعضهم : لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله : أَجْمَعِينَ فيدخل فيه المسلم والكافر ، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف بخلاف باقي الأعمال ، ففيها الخلاف ، فمن قال : إنهم مخاطبون ، يقول : إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها ، ومن قال : إنهم غير مخاطبين يقول : إنما يسألون عن التوحيد فقط ، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه ، فحمل الآية عليه أولى بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيها من الاختلاف . قلت : هذا القائل قصد بكلامه الرد على النووي ، ولكنه تاه في كلامه ، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام ، وإنما قال : دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل ، والأمر كذلك فإن الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره ، ثم دعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل من خارج ، فإن استدلوا بالحديث المذكور فقد أجاب عنه بأنه ضعيف . وهذا القائل فهم أيضا أن النزاع في أن التخصيص والتعميم هنا إنما هو من جهة التعميم في قوله : أَجْمَعِينَ ، وليس كذلك ، وإنما هو في قوله : عما كانوا يعملون فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيدا أو غيره ، وتخصيصه بالتوحيد تحكم قوله : فيدخل فيه المسلم ، والكافر غير مسلم ؛ لأن الضمير في لنسألنهم يرجع إلى المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، وهم ناس مخصوصون ، ولفظة أجمعين وقعت توكيدا للضمير المذكور في النسبة مع الشمول في أفراده المخصوصين ، ثم تفريع هذا القائل بقوله : فإن الكافر إلخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى . الثالث : ما قيل : إن هذه الآية أثبتت السؤال على سبيل التوكيد القسمي ، وقال في آية أخرى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان . فنفت السؤال ، وأجيب بأن في القيامة مواقف مختلفة ، وأزمنة متطاولة ، ففي موقف أو زمان يسألون ، وفي آخر لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ ، وقال الزمخشري في هذه الآية لنسألهم سؤال تقريع ، ويقال . قوله : لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان نظير قوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى . وقال لمثل هذا فليعمل العاملون ، أي قال الله تعالى : لِمِثْلِ هَذَا والإشارة بهذا إلى قوله : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وذكر هذه الآية لا يكون مطابقا للترجمة إلا إذا كان معنى قوله : فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ فليؤمن المؤمنون ، ولكن هذا دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ، وإلى هذه الآية من قوله تعالى : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قصة المؤمن وقرينه ، وذلك أنه كان يتصدق بماله لوجه الله عز وجل ، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه ، فقال : وأين مالك ؟ قال : تصدقت به ليعوضني الله خيرا منه ، فقال : أئنك لمن المصدقين بيوم الدين أو من المتصدقين لطلب الثواب ، والله لا أعطيك شيئا ، وقوله تعالى أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ حكاية عن قول القرين ، ومعنى لمدينون : لمجزيون من الدين ، وهو الجزاء . وقوله : قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يعني : قال ذلك القائل : هل أنتم مطلعون إلى النار ، ويقال : القائل هو الله تعالى ، ويقال : بعض الملائكة يقول لأهل الجنة : هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار . وقوله : فَاطَّلَعَ أي : فإن اطلع . قوله : فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ، أي : في وسطها . قوله : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ إن مخففة من الثقيلة ، وهي تدخل على كاد كما تدخل على كان ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والإرداء الإهلاك ، وأراد بالنعمة العصمة ، والتوفيق ، والبراءة من قرين السوء ، وإنعام الله بالثواب ، وكونه من أهل الجنة . قوله : مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي : من الذين أحضروا العذاب ، وقوله : إن هذا لهو الفوز العظيم ، أي : إن هذا الأمر الذي نحن فيه ، ويقال : هذا من قول الله تعالى تقريرا لقولهم وتصديقا له ، وقوله : لمثل هذا فليعمل العاملون . مرتبط بقوله : إن هذا ، أي : لأجل مثل هذا الفوز العظيم ، وهو دخول الجنة ، والنجاة من النار فليعمل العاملون في الدنيا ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والذي بعد ابتداء من قول الله عز وجل لا حكاية عن قول المؤمن ، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل . قلت : المفسرون ذكروا في قائل هذا ثلاثة أقوال : الأول : أن القائل هو ذلك المؤمن . والثاني : أنه هو الله عز وجل . والثالث : أنه هو بعض الملائكة ، ولا يحتاج أن يقال في ذلك بالاحتمال الذي ذكره هذا الشارح ؛ لأن كلامه يوهم بأن هذا تصرف من عنده فلا يصح ذلك ، ثم قوله : ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف ، أراد به البخاري كلام غير صحيح أيضا من وجهين أحدهما أن البخاري لم يقصد ما ذكره هذا الشارح قط ؛ لأن مراد من ذكر هذه الآية بيان إطلاق العمل على الإيمان ليس إلا ، والآخر ذكر فعل ، وإبهام فاعله من غير مرجع له ، ومن غير قرينة على تعيينه غير صحيح .
1 - حدثنا أحمد بن يونس ، وموسى بن إسماعيل ، قالا : حدثنا إبراهيم بن سعد ، قال : حدثنا ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي إطلاق العمل على الإيمان . وقال ابن بطال : الآية حجة في أن العمل به ينال درجات الآخرة ، وأن الإيمان : قول وعمل ، ويشهد له الحديث المذكور ، وأراد به هذا الحديث ، ثم قال : وهو مذهب جماعة أهل السنة . قال أبو عبيدة : وهو قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، ومن بعدهم ، ثم قال : وهو مراد البخاري بالتبويب ، وقال أيضا في هذا الحديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان من العمل ، وفرق في أحاديث أُخَر بين الإيمان والأعمال ، وأطلق اسم الإيمان مجردا على التوحيد وعمل القلب ، والإسلام على النطق وعمل الجوارح ، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد ، وتمامه بتصديق العمل بالجوارح ، فلهذا أجمعوا أنه لا يكون مؤمن تام الإيمان إلا باعتقاد ، وقول وعمل ، وهو الإيمان الذي ينجي رأسا من نار جهنم ، ويعصم المال والدم ، وعلى هذا يصح إطلاق الإيمان على جميعها ، وعلى بعضها من عقد أو قول أو عمل ، وعلى هذا لا شك بأن التصديق والتوحيد أفضل الأعمال ؛ إذ هو شرط فيها . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : أحمد بن يونس ، هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي يكنى بأبي عبد الله ، واشتهر بأحمد بن يونس منسوبا إلى جده ، يقال : إنه مولى الفضيل بن عياض سمع مالكا وابن أبي ذئب ، والليث ، والفضيل ، وخلقا كثيرا ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وإبراهيم الحربي ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه ، وروى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه عن رجل عنه . قال أبو حاتم : كان ثقة متقنا . وقال أحمد فيه : شيخ الإسلام ، توفي في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة . الثاني : موسى بن إسماعيل المنقري بكسر الميم ، وقد سبق ذكره . الثالث : إبراهيم بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وقد سبق ذكره . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وقد سبق ذكره . الخامس : سعيد بن المسيب ، بضم الميم ، وفتح الياء على المشهور ، وقيل : بالكسر ، وكان يكره فتحها ، وأما غير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف كالمسيب بن رافع ، وابنه العلاء بن المسيب وغيرهما ، والمسيب ، هو ابن حزن ، بفتح الحاء المهملة ، وسكون الزاي المعجمة ابن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بالياء آخر بالحروف ، والذال المعجمة ابن عمران بن مخزوم بن يقظة ، بفتح الياء آخر الحروف ، والقاف ، والظاء المعجمة ابن مرة القرشي المخزومي المدني إمام التابعين ، وفقيه الفقهاء ، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم فتح مكة ، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وقيل : لأربع ، سمع عمر ، وعثمان ، وعليا ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبا هريرة رضي الله عنهم ، وهو زوج بنت أبي هريرة ، وأعلم الناس بحديثه ، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم ، واتفقوا على جلالته وإمامته ، وتقدمه على أهل عصره في العلم والتقوى ، وقال ابن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه . وقال أحمد : سعيد أفضل التابعين ؟ فقيل له : فسعيد عن عمر حجة ، قال : فإذا لم يقبل سعيد عن عمر ، فمن يقبل ؟ وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب ، وهو أثبتهم . وقال النووي في ( تهذيب الأسماء ) : وأما قولهم : إنه أفضل التابعين فمرادهم أفضلهم في علوم الشرع ، وإلا ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إن خير التابعين رجل يقال له : أويس ، وبه بياض ، فمروه فليستغفر لكم . وقال أحمد بن عبد الله : كان صالحا فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكان أعور . وقال ابن قتيبة : كان جده حزن أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : أنت سهل ؟ قال : لا ، بل أنا حزن ، ثلاثا . قال سعيد : فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا ، ففي ولده سوء خلق ، وكان حج أربعين حجة لا يأخذ العطاء ، وكان له بضاعة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ، وكان جابر بن الأسود على المدينة ، فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير فأبى فضربه ستين سوطا ، وطاف به المدينة ، وقيل : ضربه هشام بن الوليد أيضا حين امتنع للبيعة للوليد ، وحبسه وحلقه ، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة ، وكان يقال لهذه السنة : سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم . وقال الشيخ قطب الدين في ( شرحه ) ، وفي نسب سعيد هذا : يتفاضل النساب في تحقيقه ، فإن في بني مخزوم عابدا بالباء الموحدة ، والدال المهملة ، وعايذ بالمثناة آخر الحروف ، والذال المعجمة ، فالأول هو عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، ومن ولده السائب والمسيب ابنا أبي السائب ، واسم أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله ، وولده عبد الله بن السائب شريك النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : نعم الشريك . وقيل : الشريك أبوه السائب ، وعتيق بن عابد بن عبد الله ، وكان على خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما عايذ بن عمران فمن ولده سعيد وأبوه كما تقدم ، وفاطمة أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت عمرو بن عايذ بن عمران ، وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عايذ بن عمران ، وهبيرة هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب فر من الإسلام يوم فتح مكة ، فمات كافرا بنجران ، والله أعلم . السادس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه ، وقد مر ذكره . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها أن فيه شيخين للبخاري . ومنها أن فيه أربعة كلهم مدنيون . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في كتاب الإيمان ، وأخرجه النسائي أيضا نحوه ، وفي رواية للنسائي : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإيمان بالله ورسوله ، ولم يزد ، وأخرجه الترمذي أيضا ، ولفظه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال خير ، وذكر الحديث ، وفيه قال : الجهاد سنام العمل . ( بيان اللغات ) قوله : أفضل ، أي : الأكثر ثوابا عند الله ، وهو أفعل التفضيل من فضل يفضل ، من باب دخل يدخل ، ويقال : فضل يفضل من باب سمع يسمع ، حكاها ابن السكيت ، وفيه لغة ثالثة فضل بالكسر يفضل بالضم ، وهي مركبة شاذة لا نظير لها . قال سيبويه : هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين . قال : وكذلك نعم ينعم ، ومت تموت ، ودمت تدوم ، وكدت تكاد ، وفي ( العباب ) فضلته فضلا ، أي : غلبته بالفضل ، وفضل منه شيء ، والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة . قوله : الجهاد مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة ، وجهادا ، وهو من الجهد بالفتح ، وهو المشقة ، وهو القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله ، والسبيل : الطريق ، يذكر ويؤنث . قوله : حج مبرور الحج في اللغة القصد ، وأصله من قولك : حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى ، فقيل : حج البيت ؛ لأن الناس يأتونه في كل سنة ، قاله الأزهري ، وفي ( العباب ) رجل محجوج ، أي : مقصود ، وقد حج بنو فلان فلانا إذا أطالوا الاختلاف إليه . قال المخبل السعدي : واشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا قال ابن السكيت : يقول : يكثرون الاختلاف إليه هذا الأصل ، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله للنسك تقول : حججت البيت أحجه حجا فأنا حاج ، ويجمع على حجج مثل بازل وبزل ، وعائذ وعوذ ، انتهى . وفي الشرع : الحج قصد زيارة البيت على وجه التعظيم . وقال الكرماني : الحج قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة . قلت : الحلول ، بضم الحاء المهملة ، يقال : قوم حلول ، أي : نزول ، وكذلك حلال بالكسر ، والسب بكسر السين المهملة ، وتشديد الباء الموحدة العمامة ، والزبرقان بكسر الزاي ، وسكون الباء الموحدة ، وكسر الراء المهملة ، وبالقاف هو لقب ، واسمه الحصين . قال ابن السكيت : لقب الزبرقان لصفرة عمامته ، والمبرور هو الذي لا يخالطه إثم ، ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث ، وقيل : هو المقبول ، ومن علامات القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيرا من الحال الذي قبله ، وقيل : هو الذي لا رياء فيه ، وقيل : هو الذي لا تتعقبه معصية ، وهما داخلان فيما قبلهما ، والبر بالكسر الطاعة والقبول ، يقال : بر حجك ، بضم الباء وفتحها لازمين ، وبر الله حجك ، وأبر الله ، أي قبله فله أربع استعمالات ، وقال الأزهري : المبرور المتقبل ، يقال : بر الله حجه يبره ، أي تقبله ، وأصله من البر ، وهو اسم لجماع الخير ، وبررت فلانا أبره برا إذا وصلته ، وكل عمل صالح بر ، وجعل لبيد البر التقوى ، فقال : وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال إلا معمرات ودائع قوله : مضمرات ، يعني : الخفايا من التقى . قوله : وما المال إلا معمرات أي : المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ، ثم يصير لغيركم ، وأما قول عمرو بن أم مكتوم : نحز رؤوسهم في غير بر فمعناه في غير طاعة ، وفي ( العباب ) : المبرة والبر خلاف العقوق ، وقوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أي : بالاتساع في الإحسان والزيادة منه ، وقوله عز وجل : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ قال السدي : يعني الجنة ، والبر أيضا الصلة ، تقول : منه بررت ، والذي بالكسر ، وبررته بالفتح أبره برا ، والمبرور الذي لا شبهة فيه ، ولا خلابة ، وقال أبو العباس : هو الذي لا يدالس فيه ، ولا يوالس ، يدالس فيه : يظلم فيه ، ويوالس : يخون . ( بيان الإعراب ) : قوله : سئل جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر أن ، والسائل هو أبو ذر رضي الله عنه ، وحديثه في العتق . قوله : أي العمل كلام إضافي مبتدأ ، وخبره أفضل ، وأي هاهنا استفهامية ، ولا تستعمل إلا مضافا إليه إلا في النداء والحكاية ، يقال : جاءني رجل ، فتقول : أي يا هذا ، وجاءني رجلان ، فتقول : أيان . ورجال فتقول : أيون . فإن قلت : أفضل أفعل التفضيل ، ولا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة ، وهي الإضافة واللام ، ومن فلا يجوز أن يقال : زيد أفضل . قلت : إذا علم يجوز استعماله مجردا ، نحو : الله أكبر ، أي : أكبر من كل شيء ، ومنه قوله تعالى : أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وسواء في ذلك كون أفعل خبرا كما في الآية أو غير خبر كما في قوله تعالى : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وقد يجرد أفعل عن معنى التفضيل ، ويستعمل مجردا مؤولا باسم الفاعل ، نحو قوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وقد يؤول بالصفة كما في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قوله : قال أي النبي عليه السلام ، قوله : إيمان بالله مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو إيمان بالله ، والتقدير أفضل الأعمال الإيمان بالله . قوله : ورسوله بالجر تقديره : والإيمان برسوله . قوله : قيل مجهول . قال : وأصله قول ، نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ، فصار قول بكسر القاف وسكون الواو ، ثم قلبت الواو ياء لسكونها ، وانكسار ما قبلها فصار : قيل ، والقائل هو السائل في الأول . قوله : ثم ماذا ، كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكري ، وما مبتدأ ، وذا خبره ، وكلمة ما استفهامية ، وذا اسم إشارة ، والمعنى : ثم أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله ، ويجوز أن تكون الجملة كلها استفهاما على الترتيب . قوله : الجهاد مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو الجهاد ، والتقدير : أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهاد ، وكذلك الكلام في إعراب قوله : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور . ( بيان المعاني والبيان ) فيه حذف المبتدأ في ثلاث مواضع ، الذي هو المسند إليه لكونه معلوما احترازا عن العبث ، وفيه تنكير الإيمان والحج ، وتعريف الجهاد ، وذلك لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما بخلاف الجهاد ؛ فإنه قد يتكرر ، فالتنوين للإفراد الشخصي ، والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل ، وقال بعضهم : وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم ، وهو يعطي الكمال ، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد ، وهو يعطي الإفراد الشخصي فلا يسلم الفرق . قلت : هذا التعقيب فاسد ؛ لأنه لا يلزم من كون التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائما للتعظيم ، بل يكون تارة للإفراد ، وتارة للنوعية ، وتارة للتعظيم ، وتارة للتحقير ، وتارة للتكثير ، وتارة للتقليل ، ولا يعرف الفرق ، ولا يميز إلا بالقرينة الدالة على واحد منها ، وهاهنا دلت القرينة على أن التنكير للإفراد الشخصي ، وقوله : وبأن التعريف من وجوهه العهد فاسد عند المحققين ؛ لأن عندهم أصل التعريف للعهد ، وفرق كثير بين كونه للعهد ، وبين كون العهد من وجوهه على أنا وإن سلمنا ما قاله ، ولكنا لا نسلم كونه للعهد هاهنا ؛ لأن تعريف الاسم تارة يكون لواحد من أفراد الحقيقة الجنسية باعتبار عهديته في الذهن لكونه فردا من أفرادها ، وتارة يكون لاستغراق جميع الأفراد ، ولا يفرق بينهما إلا بالقرينة على أنا نقول : إن المعهود الذهني في المعنى كالنكرة نحو : رجل ، فإن السوق في قولك : ادخل السوق يحتمل كل فرد ، فرد من أفراد السوق على البدل ، كما أن رجلا يحتمل كل فرد ، فرد من ذكور بني آدم على البدل ، ولهذا يقدر يسبني في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني وصفا للئيم لا حالا لوجوب كون ذي الحال معرفة ، واللئيم كالنكرة فافهم . فإن قلت : قد وقع في ( مسند الحارث بن أبي أسامة ) ، عن إبراهيم بن سعد ، ثم جهاد بالتنكير ، كما وقع إيمان وحج . قلت : يكون التنكير في الجهاد على هذه الرواية للإفراد الشخصي كما في الإيمان ، والحج مع قطع النظر عن تكرره عند الاحتياج ، أو يكون التنوين في الثلاثة إشارة إلى التعظيم ، وبهذا يرد على من يقول : إن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة ؛ لأن مخرجه واحد ، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة ، ولقد صدق القائل : إنباض عن غير توتير . ( بيان استنباط الفوائد ) منها الدلالة على نيل الدرجات بالأعمال . ومنها الدلالة على أن الإيمان قول وعمل . ومنها الدلالة على أن الأفضل بعد الإيمان الجهاد ، وبعده الحج المبرور . فإن قلت : في حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على وقتها . ثم ذكر بر الوالدين ، ثم الجهاد ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه : أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : الإيمان بالله ، والجهاد في سبيله . قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها . الحديث ، ولم يذكر فيه الحج ، وكلها في الصحيح . قلت : قد ذكر الإمام الحسين بن الحسن بن محمد بن حكيم الحليمي الشافعي عن القفال الكبير الشافعي الشاشي ، واسمه أبو بكر محمد بن علي في كيفية الجمع وجهين ، أحدهما : أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روي أنه عليه السلام قال : حجة لمن يحج أفضل من أربعين غزوة ، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة ، والآخر أن لفظة من مرادة ، والمراد من أفضل الأعمال كذا ، كما يقال : فلان أعقل الناس ، أي : من أعقلهم ، ومنه قوله عليه السلام : خيركم خيركم لأهله ، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس . قلت : وبالجواب الأول أجاب القاضي عياض ، فقال : أَعْلَمَ كل قوم بما لهم إليه حاجة ، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة ، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه أو علمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام ، ولا بلغه عمله ، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقه أولى من الصلاة وغيرها ، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا ، فيكون برهما أفضل لقوله عليه السلام : ففيهما فجاهد ، وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . قلت : الحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال ، ولهذا سقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في هذا الحديث المذكور في هذا الباب ، ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد ، ويقال : إنه قد يقال : خير الأشياء كذا ، ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص ، بل في حال دون حال . ( فإن قيل ) : كيف قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام ، والجهاد فرض كفاية ، يقال : إنما قدمه للاحتياج إليه أول الإسلام ، ومحاربة الأعداء ، ويقال : إن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفاية ، وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية ، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة ، وما زاد نفل فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث ، ولأنه شارك الحج في الفرضية . وزاد بكونه نفعا متعديا إلى سائر الأمة ، وبكونه ذبا عن بيضة الإسلام ، وقد قيل : ثم هاهنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى : ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقيل : ثم لا يقتضي ترتيبا ، فإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية ، وهو أفضل من النفل بلا شك ، وقال إمام الحرمين في كتاب ( الغياثى ) : فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث إن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها ، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم ، ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته ، والله أعلم .
باب : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم . الكلام فيه على وجوه : الأول : أن قوله : باب ينبغي أن لا يعرب ؛ لأنه كتعديد الأسماء من غير تركيب ، والإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، وقال بعضهم : بابٌ ، هو منون في الرواية ، والتقدير : باب في تفسير قوله تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وتجوز الإضافة ، أي : باب تفسير قوله : وإنما جعل الحديث تفسيرا للآية ؛ لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد ففسره قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن قوله : باب ، هو منون في الرواية دعوى بلا برهان ، فمن قال من المشايخ الكبار : إن هذه رواية ممن لا يعتمد على كلامهم على أن الرواية إذا خالفت الدراية لا تقبل ، اللهم إلا إذا وقع نحو هذا في الألفاظ النبوية ، فحينئذ يجب تأويلها على وفق الدراية ، وقد قلنا : إن هذا بمفرده لا يستحق الإعراب إلا إذا قدرنا نحو هذا باب بالتنوين أو بالإعراب بلا تنوين بتقدير الإضافة إلى الجملة التي بعده . الثاني : أن تقديره بقوله : باب في تفسير قوله تعالى ليس بصحيح ؛ لأن البخاري ما وضع هذا الباب في تفسير هذه الآية ؛ لأنه ليس في صدد التفسير في هذه الأبواب ، وإنما هو في صدد بيان أمور الإيمان ، وبيان أن الأعمال من الإيمان على ما يراه ، واستدل على ذلك في هذا الباب بالآية المذكورة ، وبالحديث المذكور ، أما الآية فلأن المذكور فيها التوبة التي هي الرجوع من الكفر إلى التوحيد ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وكذلك في الحديث المذكور فيه هذه الأشياء الثلاثة ، فكما ذكر في الآية أن من أتى بهذه الأشياء الثلاثة فإنه يُخلَّى . فكذلك ذكر في الحديث أن من أتى بهذه الأشياء الثلاثة فإنه قد يعصم دينه وماله إلا بحق ، ومعنى التخلية والعصمة واحد هاهنا ، وهذا هو وجه المناسبة بين الآية المذكورة ، والحديث المذكور . النظر الثالث : أن قوله : ففسره قوله عليه السلام : حتى يشهدوا أن لا إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ليس كذلك ؛ لأنه ما أخرج الحديث هاهنا تفسيرا للآية ، وإنما أخرجه هاهنا لأجل الرد على المرجئة في قولهم : إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال على أنه قد روي عن أنس رضي الله عنه أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن ، ولا شك أن الحديث المذكور متقدم عليها ؛ لأن النبي عليه السلام إنما أمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله في ابتداء البعثة ، والمتقدم لا يكون مفسرا للمتأخر . الوجه الثاني في الكلام في الآية المذكورة ، وهو على أنواع : الأول : أن هذه الآية الكريمة في سورة براءة ، وأولها قوله عز وجل : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في مشركي مكة وغيرهم من العرب ، وذلك أنهم عاهدوا المسلمين ، ثم نكثوا إلا ناسا منهم : وهم بنو ضمرة ، وبنو كنانة ، فنبذوا العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين إن شاءوا لا يتعرض لهم ، وهي الأشهر الحرم ، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها فإذا انسلخت قاتلوهم ، وهو معنى قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية. النوع الثاني : في لغات الآية ، فقوله : انْسَلَخَ معناه خرج ، يقال : انسلخ الشهر من سنته ، والرجل من ثيابه ، والحبة من قشرها ، والنهار من الليل المقبل ؛ لأن النهار مكور على الليل ، فإذا انسلخ ضوؤه بقي الليل غاسقا قد غشي الناس ، وقال الزمخشري : انسلخ الشهر ، كقولهم انجرد الشهر ، وسنة جرداء ، والأشهر الحرم ثلاث متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب الفرد الذي بين جمادى ، وشعبان . قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ يعني : الذين نقضوكم ، وظاهروا عليكم . قوله : حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني من حل أو حرام . قوله : وَخُذُوهُمْ يعني ائسروهم ، والأخيذ الأسير . قوله : وَاحْصُرُوهُمْ . يعني : قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام ، قولهم : كل مرصد . يعني كل ممر ومجتاز ترصدونهم به . قوله : فَإِنْ تَابُوا ، أي : عن الشرك ، وأقاموا الصلاة ، أي : أدوها في أوقاتها ، وآتوا الزكاة ، أي : أعطوها . قوله : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ . يعني : أطلقوا عنهم قيد الأسر والحصر أو معناه كفوا عنهم ، ولا تتعرضوا لهم ؛ لأنهم عصموا دماءهم وأموالهم بالرجوع عن الكفر إلى الإسلام وشرائعه ، وعن ابن عباس : دعوهم ، وإتيان المسجد الحرام ، إن الله غفور يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر رحيم بالعفو عنهم. النوع الثالث : قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ جملة متضمنة معنى الشرط ، وقوله : فاقتلوا جوابه . قوله : كُلَّ مَرْصَدٍ نصب على الظرف كقوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قوله : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ جواب الشرط ، أعني قوله : فَإِنْ تَابُوا . الوجه الثالث : ذكر الآية والتبويب عليها للرد على المرجئة كما ذكرنا ، وللتنبيه على أن الأعمال من الإيمان ، وأنه قول وعمل ، كما هو مذهبه ، ومذهب جماعة من السلف . 1 - حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، قال : حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة ، قال : حدثنا شعبة ، عن واقد بن محمد ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله . معنى الحديث مطابق لمعنى الآية ، فلذلك قرن بينهما ، وتعلقهما بكتاب الإيمان بجعلهما بابا من أبوابه ، هو أن يعلم منه أن من آمن صار معصوما ، وأن يعلم أن إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة من جملة الإيمان على ما ذهب إليه . بيان رجاله ، وهم ستة : الأول : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان ، هو المسندي ، بضم الميم ، وفتح النون ، وقد تقدم . الثاني : أبو روح ، بفتح الراء ، وسكون الواو ، وهو كنيته ، واسمه الحرمي ، بفتح الحاء ، والراء المهملتين ، وكسر الميم ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو اسمه بلفظ النسبة تثبت فيه الألف واللام ، وتحذف كما في مكي بن إبراهيم ، وهو ابن عمارة ، بضم العين المهملة ، وتخفيف الميم ابن أبي حفصة ، واسم أبي حفصة نابت بالنون ، وقيل : بالثاء المثلثة ، والأول أشهر ، وقيل : اسمه عبيد العتكي مولاهم البصري سمع شعبة وغيره ، روى عنه عبيد الله بن عمر القواريري ، وعنه مسلم ، وعلي بن المديني ، وعبد الله المسندي عند البخاري ، توفي سنة إحدى ومائتين ، روى له الجماعة إلا الترمذي ، وقال يحيى بن معين : صدوق ، ووهم الكرماني في هذا في موضعين : أحدهما أنه جعل الحرمي نسبة ، وليس هو بمنسوب إلى الحرم أصلا ؛ لأنه بصري الأصل والمولد ، والمنشأ والمسكن ، والوفاة ، والآخر أنه جعل اسم جده اسمه حيث قال أبو روح كنيته ، واسمه نابت ، وحرمي نسبته ، والصواب ما ذكرناه ، والمسمى بحرمي أيضا اثنان حرمي بن حفص العتكي ، روى له البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وحرمي بن يونس المؤدب ، روى له النسائي . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمرو ، وواقد أخو أبي بكر ، وعمر ، وزيد ، وعاصم ، وكلهم رووا عن أبيهم محمد ، ومحمد أبوهم هذا ، روى عن جده عبد الله ، وعن ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير . قال أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين : واقد هذا ثقة ، روى له البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وواقد هذا بالقاف ، وليس في الصحيحين وافد بالفاء . الخامس : أبوه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، وثقه أبو حاتم ، وأبو زرعة ، وروى له الجماعة . السادس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، والسماع . ومنها أن في رواية ابن عساكر : حدثنا عبد الله بن محمد المسندي بزيادة المسندي . وفي رواية الأصيلي : عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر . ومنها أن فيه رواية الأبناء عن الآباء ، وهو كثير ، لكن رواية الشخص ، عن أبيه ، عن جده أقل ، وواقد هنا روى عن أبيه ، عن جد أبيه . ومنها أن إسناد هذا الحديث غريب تفرد بروايته شعبة عن واقد ، قاله ابن حبان ، وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه الحرمي المذكور ، وعبد الملك بن الصباح ، وهو عزيز ، عن الحرمي ، تفرد به عنه المسندي ، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة ، وابن حبان ، والإسماعيلي وغيرهم ، وهو غريب عن عبد الملك ، تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم ، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به . الحديث ، وأخرجه مسلم أيضا ، وأخرجه البخاري أيضا من حديث أنس رضي الله عنه كما سيأتي في الصلاة ، وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر ، والحديث المذكور أخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه ، ولم يقل : إلا بحق الإسلام . ( بيان اللغات ) : قوله : أمرت على صيغة المجهول ، والأمر هو قول القائل لمن دونه : افعل ، على سبيل الاستعلاء ، وقال الكرماني : وأصح التعاريف للأمر هو القول الطالب للفعل ، وليس كذلك على ما لا يخفى ، والأمر في الحقيقة ، هو المعنى القائم في النفس ، فيكون قوله : افعل عبارة عن الأمر المجازي تسمية للدال باسم المدلول . قوله : ويقيموا الصلاة معنى إقامة الصلاة إما تعديل أركانها ، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها ، وسننها ، وآدابها من أقام العود إذا قومه ، وإما المداومة عليها من قامت السوق إذا نفقت ، وإما التجلد والتشمر في أدائها من قامت الحرب على ساقها ، وإما أداؤها تعبيرا عن الأداء بالإقامة ؛ لأن القيام بعض أركانها والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم . قوله : ويؤتوا الزكاة ، أي : يعطوها ، والزكاة هي القدر المخرج من النصاب للمستحق . قوله : عصموا ، أي : حفظوا وحقنوا ، ومعنى العصم في اللغة المنع ، ومنه العصام ، وهو الخيط الذي تشد به فم القربة سمي به لمنعه الماء من السيلان . وقال الجوهري : العصمة الحفظ ، يقال : عصمه فانعصم ، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية ، وعصم يعصم عصما بالفتح إذا اكتسب ، وقال بعضهم : العصمة مأخوذة من العصام ، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة . قلت : هذا القائل قلب الاشتقاق ، وإنما العصام مشتق من العصمة ؛ لأن المصادر هي التي يشتق منها ، ولم يقل بهذا إلا من لم يشم رائحة علم الاشتقاق والدماء جمع دم ، نحو : جمال ، جمع جمل إذ أصل دم دمو بالتحريك ، وقال سيبويه : أصله دمي على فعل بالتسكين ؛ لأنه يجمع على دماء ودمى ، مثل : ظباء وظبى ، ودلو ودلاء ودلى . قال : ولو كان مثل قفا ، وعصى لما جمع على ذلك ، وقال المبرد : أصله فعل بالتحريك ، وإن جاء جمعه مخالفا لنظائره ، والذاهب منه الياء ، والدليل عليها قولهم في تثنيته دميان . ( بيان الإعراب ) : قوله : أمرت جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل ، وقعت مقولا للقول . قوله : أن أقاتل أصله بأن أقاتل ، وحذف الباء الجارة من أن كثير سائغ مطرد ، وأن مصدرية تقديره مقاتلة الناس . قوله : حتى يشهدوا ، كلمة حتى هاهنا للغاية بمعنى إلى . فإن قلت : غاية لماذا ؟ قلت : يجوز أن يكون غاية للقتال ، ويجوز أن يكون غاية للأمر به . قوله : يشهدوا منصوب بأن المقدرة إذ أصله أن يشهدوا ، وعلامة النصب سقوط النون ؛ لأن أصله يشهدون . قوله : أن لا إله إلا الله أصله بأن لا إله إلا الله ، والدليل عليه ما جاء في الرواية الأخرى حتى يقولوا . قوله : وأن محمدا عطف على أن لا إله إلا الله ، والتقدير : وحتى يشهدوا أن محمدا رسول الله . قوله : ويقيموا عطف على يشهدوا أيضا ، وأصله : وحتى أن يقيموا الصلاة ، وأن يؤتوا الزكاة . قوله : فإذا للظرف ، لكنه يتضمن معنى الشرط . قوله : ذلك في محل النصب على أنه مفعول فعلوا ، وهو إشارة إلى ما ذكر من شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وتذكير الإشارة باعتبار المذكور . قوله : عصموا جملة من الفعل ، والفاعل جواب لإذا ، وقوله : دماؤهم مفعول الجملة ، و أموالهم عطف عليه . قوله : إلا بحق الإسلام استثناء مفرغ ، والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور ، والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء إذ هو شرطه ، أي : لا يجوز إهدار دمائهم ، واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام ، والتحقيق فيه أن الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي . وقال ابن مالك بجوازه في كل موجب في معنى النفي ، نحو : صمت إلا يوم الجمعة ، إذ معناه لم أفطر ، والتفريغ إما في نهي صريح كقوله تعالى : وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ أو فيما هو بمعناه كالشرط في قوله تعالى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ وإما في نفي صريح كقوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ أو فيما هو بمعناه كقوله تعالى : فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ثم الإضافة في بحق الإسلام يجوز أن تكون بمعنى اللام ، ويجوز أن تكون بمعنى من ، وبمعنى في على ما لا يخفى . قوله : وحسابهم كلام إضافي مبتدأ ، و على الله خبره ، والمعنى وحسابهم بعد هذه الأشياء على الله في أمر سرائرهم . ( بيان المعاني والبيان ) : قوله : أمرت أقيم فيه المفعول مقام الفاعل لشهرة الفاعل ، ولتعينه بذلك إذ لا آمر للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير الله تعالى ، والتقدير : أمرني الله تعالى بأن أقاتل الناس ، وكذلك إذا قال الصحابي : أمرنا بكذا ، يفهم منه أن الآمر هو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذ لا آمر بينهم إلا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لأنه هو المشرع ، وهو المبين ، وأما إذا قال التابعي : أمرنا بكذا ، فإن ذلك محتمل . وقال الكرماني : إذا قال الصحابي : أمرنا بكذا فهم منه أن الرسول عليه السلام هو الآمر له ، فإن من اشتهر بطاعة رئيسه إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره به ، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين ، والتعويل على شهادة العقل ، وقال بعضهم : وقياسه في الصحابي إذا قال : أمرت ، فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنهم مجتهدون ، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له ذلك الرئيس . قلت : أخذ كلام الكرماني ، وقلب معناه ؛ لأن الكرماني جعل قوله : فإن من اشتهر بطاعة رئيس إلى آخره علة لقوله : فهم منه أن الرسول عليه السلام ، هو الآمر له ، وهذا القائل أوقع هذه العلة حاملا وداعيا ، وهو عكس المقصود ، وقوله أيضا من حيث إنهم مجتهدون لا دخل له في الكلام ؛ لأن الحيثية تقع قيدا ، وهذا القيد غير محتاج إليه هاهنا ؛ لأنا قلنا : إن الصحابي إذا قال : أمرت معناه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنه ، هو الآمر بينهم ، وهو المشرع ، وليس المعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إني مجتهد ، وهذا كلام في غاية السقوط . قوله : أقاتل الناس إنما ذكر باب المفاعلة التي وضعت لمشاركة الاثنين ؛ لأن الدين إنما ظهر بالجهاد ، والجهاد لا يكون إلا بين اثنين ، والألف واللام في الناس للجنس يدخل فيه أهل الكتاب الملتزمين لأداء الجزية . قلت : هؤلاء قد خرجوا بدليل آخر ، مثل : حتى يعطوا الجزية ، ونحوه ، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ : أمرت أن أقاتل المشركين . قال الكرماني : والناس قالوا : أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب ؛ لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية . قلت : فعلى هذا تكون اللام للعهد ، ولا عهد إلا في الخارج ، والتحقيق ما قلنا ، ولهذا قال الطيبي : هو من العام الذي خص منه البعض ؛ لأن القصد الأولى من هذا الأمر حصول هذا المطلوب لقوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه ، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة ، وتثبت العصمة ، قال : ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين ، وفعل الصلاة ، والزكاة ، عن إعلاء كلمة الله تعالى ، وإذعان المخالفين ، فيحصل في بعضهم بذلك ، وفي بعضهم بالجزية ، وفي الآخرين بالمهادنة . قال : وأيضا الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول . قلت : بل الظاهر أن الحديث المذكور متقدم على مشروعية أخذ الجزية ، وسقوط القتال بها ، فحينئذ تكون اللام للجنس كما ذكرنا ، وأيضا المراد من وضع الجزية أن يضطروا إلى الإسلام ، وسبب السبب سبب ، فيكون التقدير : حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق ، وهو قوله عز وجل : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . أو نقول : إن المقصود هو القتال أو ما يقوم مقامه ، وهو أخذ الجزية أو المقصود هو الإسلام منهم أو ما يقوم مقامه في دفع القتال ، وهو إعطاء الجزية ، وكل هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية ، فافهم . قوله : فإذا فعلوا ذلك قد قلنا : إن ذلك مفعول فعلوا . فإن قلت : المشار إليه بعضه قول فكيف إطلاق الفعل عليه . قلت : إما باعتبار أنه عمل اللسان ، وإما على سبيل التغليب للاثنين على الواحد . قوله : وحسابهم على الله على سبيل التشبيه ، أي : هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع ، وذلك أن لفظة على مشعرة بالإيجاب في عرف الاستعمال ، ولا يجب على الله شيء ، وكأن الأصل فيه أن يقال : وحسابهم لله أو إلى الله . وأما عند المعتزلة فهو ظاهر ؛ لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلا ، والمعنى أن أمور سرائرهم إلى الله تعالى ، وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم أو معناه هذا القتال ، وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية ، وهو مما يتعلق بنا ، وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار ، والثواب والعقاب ، وكميتهما ، وكيفيتهما فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيها . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : قال النووي : يستدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل ، وعليه الجمهور . قلت : لا يصح هذا الاستدلال ؛ لأن المأمور به هو القتال ، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل ؛ لأن باب المفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين ، ولا كذلك القتل فافهم . ثم اختلف أصحاب الشافعي : هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام الأصح الأول ، والصحيح أنه يقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها ، وأنه يقتل بالسيف ، وهو مقتول حدا . وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه : تارك الصلاة عمدا يكفر ، ويخرج من الملة ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ، فعلى هذا له حكم المرتد فلا يغسل ، ولا يصلى عليه ، وتبين منه امرأته ، وقال أبو حنيفة والمزني : يحبس إلى أن يحدث توبة ، ولا يقتل ، ويلزمهم أنهم احتجوا به على قتل تارك الصلاة عمدا ، ولم يقولوا بقتل مانع الزكاة مع أن الحديث يشملها ، ومذهبهم أن مانع الزكاة تؤخذ منه قهرا ، ويعزر على تركها . وسئل الكرماني هاهنا عن حكم تارك الزكاة ، ثم أجاب بأن حكمهما واحد ، ولهذا قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة ، فإن أراد أن حكمهما واحد في المقاتلة فمسلم ، وإن أراد في القتل فممنوع ؛ لأن الممتنع من الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرا بخلاف الصلاة أما إذا انتصب صاحب الزكاة للقتال لمنع الزكاة فإنه يقاتل ، وبهذه الطريقة قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة ، ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا ، ولو ترك صوم رمضان حبس ، ومنع الطعام والشراب نهارا ؛ لأن الظاهر أنه ينويه ؛ لأنه معتقد لوجوبه كما ذكر في كتب الشافعية . الثاني : قال النووي : يستدل به على وجوب قتال مانعي الصلاة والزكاة ، وغيرهما من واجبات الإسلام قليلا كان أو كثيرا . قلت : فعن هذا قال محمد بن الحسن : إن أهل بلدة أو قرية إذا اجتمعوا على ترك الأذان فإن الإمام يقاتلهم ، وكذلك كل شيء من شعائر الإسلام . الثالث : فيه أن من أظهر الإسلام ، وفعل الأركان يجب الكف عنه ، ولا يتعرض له . الرابع : فيه قبول توبة الزنديق ، ويأتي إن شاء الله تعالى في المغازي قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : إني لم أؤمر أن أشق على قلوب الناس ، ولا عن بطونهم . الحديث بطوله جوابا لقول خالد رضي الله عنه : ألا أضرب عنقه ؟ فقال عليه السلام : لعله يصلي ، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه . ولأصحاب الشافعي رحمه الله في الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، ويعلم ذلك بأن يطلع الشهود على كفر كان يخفيه ، أو علم بإقراره خمسة أوجه : أحدها : قبول توبته مطلقا ، وهو الصحيح المنصوص عن الشافعي ، والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أفلا شققت عن قلبه . والثاني : وبه قال مالك : لا تقبل توبته ورجوعه إلى الإسلام ، لكنه إن كان صادقا في توبته نفعه ذلك عند الله تعالى ، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين ، والثالث : إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تقبل توبتهم ، وتقبل توبة عوامهم . والرابع : إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل ، وإن جاء تائبا ابتداء ، وظهرت مخائل الصدق عليه قبلت ، وحكي هذا القول عن مالك ، وممن حكاه عبد الواحد السفاقسي قال : قال مالك : لا تقبل توبة الزنديق إلا إذا كان لم يطلع عليه ، وجاء تائبا فإنه تقبل توبته . والخامس : إن تاب مرة قبلت منه ، وإن تكررت منه التوبة لم تقبل ، وقال صاحب ( التقريب ) من أصحابنا : روى بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة في الزنديق الذي يظهر الإسلام ، قال : أستتيبه كالمرتد ، وقال أبو يوسف مثل ذلك زمانا ، فلما رأى ما يصنع الزنادقة من إظهار الإسلام ، ثم يعودون قال : إن أتيت بزنديق أمرت بقتله ، ولم أستتبه ، فإن تاب قبل أن أقتله خليته ، وروى سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة رحمه الله في نوادر له قال : قال أبو حنيفة : اقتلوا الزنديق المستتر فإن توبته لا تعرف . الخامس : قالوا : فيه دليل على أن الاعتقاد الجازم كاف في النجاة خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة ، وجعله شرطا في الإسلام ، وهو كثير من المعتزلة . وقول بعض المتكلمين : وقال النووي : قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة التي يحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف . قال الإمام المقترح : اختلف الناس في وجوب المعرفة على الأعيان ، فذهب قوم إلى أنها لا تجب ، وقوم إلى وجوبها ، وادعى كل واحد من الفريقين الإجماع على نقيض ما ادعى مخالفه ، واستدل النافون بأنه قد ثبت من الأولين قبول كلمتي الشهادة من كل ناطق بها ، وإن كان من البله والمغفلين ، ولم يقل له : هل نظرت أو أبصرت ، واستدل المثبتون من الأولين الأمر بها مثل ابن مسعود وعلي ، ومعاذ رضي الله عنهم ، وأجابوا عن الأول : بأن كلمتي الشهادة مظنة العلم والحكم في الظاهر يدار على المظنة ، وقد كان الكفرة يذبون عن دينهم ، وما رجعوا إلا بعد ظهور الحق ، وقيام علم الصدق ، والمقصود إخلاص العبد فيما بينه وبين الله تعالى ، فلا بد أن يكون على بصيرة من أمره ، ولقد كانوا يفهمون الكتاب العربي فهما ، وافيا بالمعاني ، والكتاب العزيز مشتمل على الحجج والبراهين . قلت : وهذا الثاني هو مختار إمام الحرمين ، والإمام المقترح ، والأول مختار الأكثرين ، والله أعلم . السادس : فيه اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام ، وأنه لا يكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما . السابع : فيه عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع . الثامن : فيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة ، والحكم بما يقتضيه الظاهر . التاسع : فيه دليل على أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده إنما كان على الظاهر ، والحساب على السرائر إلى الله تعالى دون خلقه ، وإنما جعل إليهم ظاهر أمره دون خفيه . العاشر : أن هذا الحديث مبين ، ومقيد لما جاء من الأحاديث المطلقة ، منها ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه ، ومناظرته مع أبي بكر رضي الله عنه في شأن قتال مانعي الزكاة ، وفيه : فقال عمر رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه ، وحسابهم على الله ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فانتقال أبي بكر رضي الله عنه إلى القياس ، واعتراض عمر رضي الله عنه عليه أولى دليل على أنه خفي عليهما ، وعلى من حضرهما من الصحابة رضي الله عنهم حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور كما خفي عليهم حديث جزية المجوس ، وشأن الطاعون ؛ لأنه لو استحضروه لم ينتقل أبو بكر رضي الله عنه إلى القياس ، ولم ينكر عمر رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه . قلت : ومن هذا ؟ قال بعضهم في صحة حديث ابن عمر المذكور نظر ؛ لأنه لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة ، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله . ولما انتقل من الاستدلال بهذا النص إلى القياس إذ قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؛ لأنها قرينتها في كتاب الله عز وجل ، وأجيب عن ذلك بأنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر رضي الله عنهما أن يكون استحضره في تلك الحالة ، ولو كان مستحضرا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة ، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد ، وقالوا : لم يستدل أبو بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط ، بل استدل أيضا من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي ذكره : إلا بحق الإسلام . قال أبو بكر رضي الله عنه : والزكاة حق الإسلام ، وقالوا أيضا : لم ينفرد ابن عمر رضي الله عنه بالحديث المذكور ، بل رواه أبو هريرة رضي الله عنه بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . قلت : في القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة رضي الله عنهم ، ويطلع عليها آحادهم . الحادي عشر فيه أن من أتى بالشهادتين ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وإن كان لا يؤاخذ لكونه معصوما لكنه يؤاخذ بحق من حقوق الإسلام من نحو قصاص أو حد أو غرامة متلف ، ونحو ذلك ، وقال الكرماني : إلا بحق الإسلام من قتل النفس ، وترك الصلاة ، ومنع الزكاة . قلت : قوله : من قتل النفس لا خلاف فيه أن عصمة دمه تزول عند قتل النفس المحرمة . وأما قوله : وترك الصلاة فهو بناء على مذهبه ، وأما قوله : ومنع الزكاة ليس كذلك فإن مذهب الشافعي أن مانع الزكاة لا يقتل ، ولكنه يؤخذ منه قهرا ، وأما إذا انتصب للقتال فإنه يقاتل بلا خلاف ، وقد بيناه عن قريب . الثاني عشر : فيه وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهلها . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : إذا شهد وأقام وأدى فمقتضى الحديث أن يترك القتال ، وإن كفر بسائر ما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، لكنه ليس كذلك ، وأجيب بأن الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلا بعد صدور هذا الحديث أو علم ذلك بدليل آخر خارجي كما جاء في الرواية الأخرى : ويؤمنوا بي وبما جئت به . ومنها ما قيل : لم نص على الصلاة والزكاة مع أن حكم سائر الفرائض كحكمهما ؟ وأجيب لكونهما أُما العبادات البدنية ، والمالية ، والعيار على غيرهما ، والعنوان له ، ولذلك سمى الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام . ومنها ما قيل : إذا شهدوا عصموا ، وإن لم يقيموا ، ولم يؤتوا إذ بعد الشهادة لا بد من الانكفاف عن القتال في الحال ، ولا تنتظر الإقامة ، والإيتاء ولا غيرهما ، وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله : إلا بحق الإسلام فإن الإقامة والإيتاء منه ، وأجيب بأنه إنما ذكرهما تعظيما لهما ، واهتماما بشأنهما ، وإشعارا بأنهما في حكم الشهادة أو المراد ترك القتال مطلقا مستمرا لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة والزكاة ، وذلك لا يحصل إلا بالشهادة وإيتاء الواجبات كلها .
باب الحياء من الإيمان . أي : هذا باب ، والباب منون ، والحياء مرفوع ، سواء أضفت إليه الباب أم لا ؛ لأنه مبتدأ ، ومن الإيمان خبره . فإن قلت : قد قلت : إن الباب منون ، ولا شك أنه خبر مبتدأ محذوف فيكون جملة ، وقوله الحياء من الإيمان جملة أخرى ، وعلى تقدير عدم الإضافة ما الرابطة بين الجملتين . قلت : هي محذوفة تقدير الكلام : هذا باب فيه الحياء من الإيمان ، يعني بيان أن الحياء من الإيمان ، وبيان تفسير الحياء ، ووجه كونه من الإيمان قد تقدما في باب أمور الإيمان . وجه المناسبة بين البابين أن في الباب الأول بيان تفاضل الإيمان في الأعمال ، وهذا الباب أيضا من جملة ما يفضل به الإيمان ، وهو الحياء الذي يحجب صاحبه عن أشياء منكرة عند الله وعند الخلق . 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار ، وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن الحياء من الإيمان . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزأ منه فبوب عليه كما هو عادته . بيان رجاله ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي نزيل دمشق ، وقد ذكره . الثاني : الإمام مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال ، وقال ابن المسيب كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله ، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر رضي الله عنه . وقال مالك : لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه ، كان يلبس الثوب بدرهمين . وقال ابن راهويه : أصح الأسانيد كلها الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم ، وكان يقبله ، ويقول : ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخا ، مات بالمدينة سنة ست ومائة ، وقيل : خمس ، وقيل : ثمان ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك ، وله إخوة : عبد الله ، وعاصم ، وحمزة ، وبلال ، وواقد ، وزيد . وكان عبد الله وصى أبيهم فيهم ، روى عنه منهم أربعة : عبد الله ، وسالم ، وحمزة ، وبلال . الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله . ومنها أن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة . ومنها أن في رواية الأكثرين : أخبرنا مالك . وفي رواية الأصيلي : حدثنا مالك بن أنس . وفي رواية كريمة : مالك بن أنس . والحديث في الموطأ . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن عبد الله ، عن مالك . وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري ، وأخرجه مسلم هنا أيضا عن الناقدي ، وزهير عن سفيان ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، ولم يقع لمسلم لفظة : دعه ، وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) . قوله : مر علي رجل ، يقال : مر عليه ، ومر به ، بمعنى واحد ، أي : اجتاز ، وفي ( العباب ) مر عليه ، وبه يمر مرا ، أي : اجتاز ، وبنو يربوع يقولون : مر علينا بكسر الميم ، ومر يمر مرا ومرورا وممرا ، أي : ذهب ، والممر موضع المرور أيضا ، والأنصار جمع الناصر ، كالأصحاب جمع الصاحب ، أو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف . قوله : يعظ أخاه ، أي : ينصح أخاه من الوعظ ، وهو النصح والتذكير بالعواقب ، وقال ابن فارس هو التخويف والإنذار . وقال الخليل بن أحمد : هو التذكير بالخير فيما يرق القلب ، وفي ( العباب ) الوعظ ، والعظة والموعظة مصادر . قولك : وعظته عظة . قوله : دعه ، أي : اتركه ، وهو أمر لا ماضي له ، قالوا : أماتوا ماضي يدع ويذر . قلت : استعمل ماضي دع ، ومنه قراءة من قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف ، فعلى هذا هو أمر من ودع يدع ، وأصل يدع يودع حذفت الواو فصار يدع ، والأمر دع ، وفي ( العباب ) قولهم : دع ذا ، أي : اتركه ، وأصله : ودع يدع ، وقد أميت ماضيه ، لا يقال : ودعه إنما يقال : تركه ، ولا وادع ، ولكن تارك ، وربما جاء في ضرورة الشعر ، ودعه فهو مودوع على أصله . قال أنس بن زنينم . ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الوعد حتى ودعه ثم قال الصغاني : وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف أعني بتخفيف الدال ، وكذلك قرأ بهذه القراءة عروة ، ومقاتل ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة ، ويزيد النحوي رحمهم الله تعالى . ( بيان الإعراب ) : قوله : مر علي رجل جملة في محل الرفع ؛ لأنها وقعت خبرا ؛ لأن قوله : من الأنصار صفة لرجل ، والألف واللام فيه للعهد ، أي : أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آووا ونصروا من أهل المدينة رضي الله عنهم . قوله : وهو يعظ أخاه جملة اسمية محلها النصب على الحال . قوله : في الحياء يتعلق بقوله : يعظ . قوله : ودعه جملة من الفعل والفاعل والمفعول ؛ لأنها وقعت مقول القول . قوله : فإن الحياء الفاء فيه للتعليل . ( بيان المعاني والبيان ) : قوله : وهو يعظ أخاه يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرجل الذي وعظ أخا للواعظ في الإسلام على ما هو عرف الشرع ، فعلى هذا يكون مجازا لغويا أو حقيقة عرفية ، والآخر وهو الظاهر أن يكون أخاه في القرابة والنسب ، فعلى هذا هو حقيقة . قوله : في الحياء فيه حذف ، أي : في شأن الحياء ، وفي حقه ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه ، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن وعظه ، فقال : دعه ، أي : اتركه على حيائه ؛ فإن الحياء من الإيمان . وقال التيمي : الوعظ : الزجر ، يعني : يزجره عن الحياء ، ويقول له : لا تستحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يستحي ؛ فإن الحياء من الإيمان ، إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ، ويكثر مثل هذا في زماننا . وقال ابن قتيبة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، وقال بعضهم : الأولى أن نشرح ، يعني قوله : يعظ بما جاء عن المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن ابن شهاب ، ولفظه يعاتب أخاه في الحياء ، يقول : إنك لتستحيي حتى كأنه يقول : قد أضربك ، انتهى . قلت : هذا بعيد من حيث اللغة فإن معنى الوعظ الزجر ، ومعنى العتب الوجد ، وفي ( العباب ) عتبه عليه إذا وجد يعتب عليه ، ويعتب عتبا ومعتبا على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ، ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر غاية ما في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء ، وعاتبه عليه ، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة ، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء ، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فوعظه أخوه على مباشرة الحياء ، وعاتبه على ذلك ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : دعه ، أي : اتركه على هذا الخلق الحسن ؛ لأن الحياء خير له في ذلك بل في كل الأوقات ، وكل الحالات يدل على ذلك ما جاء في الرواية الأخرى : الحياء لا يأتي إلا بخير ، وفي رواية أخرى : الحياء خير كله . فإن قلت : ما وجه التأكيد بأن في قوله : فإن الحياء من الإيمان ، وإنما يؤكد بأن ونحوها إذا كان المخاطب منكرا أو شاكا . قلت : الظاهر أن المخاطب كان شاكا بل كان منكرا له ؛ لأنه منعه من ذلك ، فلو كان معترفا بأنه من الإيمان لما منعه من ذلك ، ولئن سلمنا أنه لم يكن منكرا لكنه جعل كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه ، ويجوز أن يكون هذا من باب التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب ، ويجوز أن يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ، ويؤكد عليها ، وإن لم يكن ثمة إنكار أو شك من أحد فافهم . وقال بعضهم : والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان فلهذا وقع التأكيد . قلت : هذا كلام من لم يذق شيئا ما من علم المعاني ، فإن الخطاب لمثل هذا الناهي الذي ذكره لا يحتاج إلى تأكيد ؛ لأنه ليس بمنكر ولا متردد ، وإنما هو خالي الذهن ، وهو لا يحتاج إلى التأكيد فإنه كما يسمع الكلام ينتقش في ذهنه على ما عرف في كتب المعاني والبيان . فإن قلت : ما معنى الحياء ؟ قلت : قد فسرته فيما مضى عند قوله : والحياء شعبة من الإيمان ، وقال التيمي : الحياء : الاستحياء ، وهو ترك الشيء لدهشة تلحقك عنده . قال تعالى : ويستحيون نساءكم ، أي : يتركون . قال : وأظن أن الحياة منه ؛ لأنه البقاء من الشخص ، وقال الكرماني : ليس هو ترك الشيء ، بل هو دهشة تكون سببا لترك الشيء . قلت : التحقيق أن الحياء تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم ، وليس هو بدهشة ، ولا ترك الشيء ، وإنما ترك الشيء من لوازمه . فإن قلت : يمنع ما قلت إسناده إلى الله تعالى في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قلت : هذا من باب المشاكلة ، وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، فلما قال المنافقون : أما يستحي رب محمد يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه ؟ أجيبوا بأن الله لا يستحي ، والمراد لا يترك ضرب المثل بهذه الأشياء ، فأطلق عليه الاستحياء على سبيل المشاكلة كما في قوله : فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ومن هذا القبيل قوله عليه السلام : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ، وهذا جار على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية شبه ترك الله تعالى تخييب العبد ، ورد يديه صفرا بترك الكريم رد المحتاج حياء ، فقيل : ترك الله رد المحتاج حياء ، كما قيل : ترك الكريم رد المحتاج حياء ، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء هاهنا ، فلذلك استعير ترك المستحيي لترك ضرب المثل ، ثم نفي عنه . فإن قلت : ما معنى من في قوله : من الإيمان . قلت : معناه التبعيض ، والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث السالف : الحياء شعبة من الإيمان . فإن قلت : قد علم ذلك منه ، فما فائدة التكرار ؟ قلت : كان المقصود ثمة بيان أمور الإيمان ، وأنه من جملتها ، فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض ، وهاهنا ذكره بالقصد ، وبالذات مع فائدة مغايرة الطريق . فإن قلت : إذا كان الحياء بعض الإيمان ، فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان ، وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان ، فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عمن لم يستح ، وانتفاء الإيمان كفر . قلت : لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة لإيمان ؛ لأن المعنى فإن الحياء من مكملات الإيمان ، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة ، نعم الإشكال قائم على قول من يقول : الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ، وهذا لم يقل به المحققون كما ذكرنا فيما مضى . قلت : من فوائده الحض على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها ، وكل ما يستحى من فعله ، والدلالة على أن النصيحة إنما تعد إذا وقعت موقعها ، والتنبيه على زجر مثل هذا الناصح .
قال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير . الكلام فيه من وجوه : الأول : أن هذا من باب تعليقات البخاري ، ولكنه أخرجه مسندا في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل ، عن وهيب ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، به . وسياقه أتم من سياق مالك ، لكنه قال : من خردل من إيمان . كرواية مالك ، وقد اعترض على البخاري بهذا ، ولا يرد عليه ؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في مسنده ، عن عفان بن مسلم ، عن وهيب ، فقال : من خردل من خير كما علقه البخاري ، وقد أخرج مسلم عن أبي بكر هذا ، لكن لم يسق لفظه . الثاني : في إيراد البخاري هذه الزيادة من حديث وهيب . هنا فوائد : منها قول وهيب : حدثنا عمرو آتيا بلفظ التحديث بخلاف مالك فإنه أتى بلفظة : عن ، وفيها خلاف معروف : هل يدل على الاتصال والسماع أم لا ، فأزال البخاري بهذه الزيادة توهم الخلاف مع أن مالكا غير مدلس ، والمشهور عند أهل هذا الفن أن لفظة عن محمولة على الاتصال إذا لم يكن المعنعن مدلسا . ومنها إزالة الشك الذي جاء في حديث مالك عن عمرو في قوله : الحياء أو الحياة فأتى به وهيب مجردا من غير شك ، فقال : نهر الحياة . ومنها قوله : من خير ، وتقدم الكلام عليه . الثالث : قوله : الحياة بالجر على الحكاية ، والمعنى أن وهيبا وافق مالكا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده ، وجزم بقوله في نهر الحياة ، ولم يشك كما شك مالك رحمه الله تعالى . قوله : وقال خردل من خير : بجر خردل أيضا على الحكاية ، أي : قال وهيب في روايته : مثقال حبة من خردل من خير ، فخالف مالكا أيضا في هذه اللفظة كما ذكرنا . قوله : وهيب ، بضم الواو ، وفتح الهاء ، وسكون الياء ، آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري ، روى عن هشام بن عروة ، وأيوب ، وسهيل ، وعمرو بن يحيى ، وغيرهم ، روى عنه القطان ، وابن مهدي ، وأبو داود الطيالسي ، وخلق كثير ، اتفق على توثيقه ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث حجة ، وكان يملي من حفظه ، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، روى له الجماعة وقد سجن فذهب بصره . قوله : حدثنا عمرو ، بفتح العين ، هو عمرو بن يحيى المازني ، وقد مر ذكره عن قريب .
2 - حدثنا محمد بن عبيد الله ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي ، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما دون ذلك ، وعرض علي عمر بن الخطاب ، وعليه قميص يجره ، قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ، قال : الدين . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القميص بالدين ، وذكر فيه أنهم متفاضلون في لبسها ، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان . وقال النووي : دل الحديث على أن الأعمال من الإيمان ، وأن الإيمان والدين بمعنى واحد ، وأن أهل الإيمان يتفاضلون . قلت : تفاضلهم في الإيمان ليس في نفس الإيمان ، وحقيقته ، وإنما هو في الأعمال التي يزداد بها نور الإيمان كما عرف فيما مضى ، وقوله : الإيمان والدين بمعنى واحد ليس كذلك ، وقد أوضحنا الفرق فيما مضى . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : محمد بن عبيد الله بالتصغير ابن محمد بن زيد بن أبي زيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه أبو ثابت المدني سمع جمعا من الكبار ، وعنه البخاري ، والنسائي ، عن رجل عنه ، وغيرهما من الأعلام . قال أبو حاتم : صدوق . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب سمع أباه ، والزهري ، وهشام بن عروة ، وغيرهم ، روى عنه شعبة وعبد الرحمن بن مهدي ، وابناه يعقوب ومحمد ، وخلق كثير . قال أحمد ، ويحيى ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة : ثقة . وقال أبو زرعة كثير الحديث . وربما أخطأ في أحاديث ، وقدم بغداد فأقام بها ، وولَّى بيت المال بها لهارون الرشيد ، وأبوه سعد ولي قضاء المدينة ، وكان من جملة التابعين ، وكان مولد إبراهيم سنة عشر ومائة ، وتوفي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : صالح ، هو ابن كيسان أبو محمد الغفاري المدني التابعي لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، ثم تلمذ بعد ذلك للزهري ، وتلقن منه العلم ، وابتدأ بالتعلم ، وهو ابن تسعين سنة ، ومات وهو ابن مائة وستين سنة . الرابع : ابن شهاب ، وهو محمد بن مسلم الزهري ، وقد تقدم . الخامس : أبو أمامة ، بضم الهمزة ، واسمه أسعد بن سهل بن حنيف ، بضم المهملة ابن واهب بن العليم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة بن عمرو بن خنيس بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا الخارج من اليمن أيام سيل العرم بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن ، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ، أخي حمير ، أمه حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة ، وكان أبو أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوج رسول الله عليه السلام حبيبة سهل بن حنيف ، فولدت له أسعد هذا ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكناه باسم جده لأمه ، وكنيته ، وبرك عليه ، ومات سنة مائة ، وهو ابن نيف وتسعين سنة ، روى له الجماعة عن الصحابة ، وروى له النسائي ، وابن ماجه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبت في رواية الأصيلي ، عن أبي أمامة بن سهل ، هو ابن حنيف ، والحاصل أنه مختلف في صحبته ، ولم يصح له سماع ، وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرواية . السادس : أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ، واسمه سعد بن مالك ، وقد مر بيانه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أنه كالذي قبله في أن رجاله مدنيون ، وهذا في غاية الاستطراف إذ اقتران إسنادين مدنيين قليل جدا . ومنها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، والتصريح بالسماع . ومنها أن فيه رواية ثلاثة من التابعيين أو تابعيين ، وصحابيين ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن محمد بن عبيد الله كما ترى ، وأخرجه أيضا في التفسير عن علي ، عن يعقوب ، عن صالح ، وفي فضل عمر رضي الله عنه ، عن يحيى بن بكير ، جميعا عن الليث ، عن عقيل . وفي التعبير : عن سعيد بن عفير ، عن الليث ، عن عقيل : عن الزهري ، عن أبي أمامة عنه ، ورواه مسلم في الفضائل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن صالح ، وعن الزهري ، والحلواني ، وعبد بن حميد ، عن يعقوب ، عن أبيه ، عن صالح ، عن الزهري به ، وأخرجه الترمذي ، والنسائي أيضا . وأخرجه الترمذي أيضا عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن بعض أصحاب النبي عليه السلام ، ولم يسمعه . ( بيان اللغات ) : قوله : يعرضون علي ، أي : يظهرون لي ، يقال : عرض الشيء إذا أبداه ، وأظهره ، وفي ( العباب ) عرض له أمر كذا يعرض بالكسر ، أي : ظهر ، وعرضت عليه أمر كذا ، وعرضت له الشيء ، أي : أظهرته له ، وأبرزته إليه ، يقال : عرضت له ثوبا ، فكان حقه ، وذكر في هذه المادة معاني كثيرة جدا ، ثم قال في آخره : والعين ، والراء ، والضاد تكثر فروعها ، وهي مع كثرتها ترجع إلى أصل واحد ، وهو العرض الذي يخالف الطول ، ومن حقق النظر ودققه علم صحة ذلك . قوله : قمص ، بضم القاف والميم جمع قميص ، نحو : رغيف ورغف ، ويجمع أيضا على قمصان ، وأقمصة كرغفان ، وأرغفة . قوله : الثدي ، بضم الثاء المثلثة ، وكسر الدال ، وتشديد الياء جمع الثدي ، وهو على وزن فعل كفلس ، يجمع على فعول كفلوس ، وأصل الثدي الذي هو الجمع ثدوي على وزن فعول ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فصارت ثدي ، بضم الدال ، ثم أبدلت كسرة من ضمة الدال لأجل الياء فصار ثديا ، وجاء أيضا ثدي بكسر الثاء أيضا إتباعا لما بعدها من الكسرة ، وجاء جمعه أيضا على أثد ، وأصله أثدي على وزن أفعل كيد تجمع على أيد ، استثقلت الضمة على الياء ، فحذفت فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء فصار أثد . وقال الجوهري : الثدي يذكر ويؤنث ، وهي للمرأة والرجل جميعا . وقيل : يختص بالمرأة ، والحديث يرد عليه ، والمشهور ما نص عليه الجوهري ، وفي ( كتاب خلق الإنسان ) ، وفي الصدر ثديان ، وثلاثة أثد ، فإذا كثرت فهي الثدي ، يقال : امرأة ثدياء إذا كانت عظيمة الثديين ، ولا يقال : رجل أثدأ . قوله : أولت من التأويل ، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء ، والمراد هنا التعبير ، وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح ، وقيل : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحا ، وهذا أخص منه ، وأما تفسير القرآن فهو المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن الصحابة ، وأما تأويله فهو ما يستخرج بحسب القواعد العربية . ( بيان الإعراب ) : قوله : بينا أصله بين أشبعت الفتحة فصارت ألفا ، وقال الجوهري : بينا : فعلى مشبعة الفتحة . قال الشاعر : فبينا نحن نرقبه أتانا . أي : بين أوقات رقبتنا إياه ، والجمل يضاف إليها أسماء الزمان ، نحو : أتيتك زمن الحجاج أمير ، ثم حذف المضاف الذي هو أوقات ، وولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها ، والأصمعي يستفصح طرح إذ وإذا في جوابه . والآخرون يقولون : بينا أنا قائم إذ جاء أو إذا جاء فلان ، والذي جاء في الحديث هو الفصيح ، فلذلك اختاره الأصمعي رحمه الله تعالى . قوله : أنا مبتدأ أو نائم خبره . وقوله : رأيت الناس جواب بينا من الرؤية بمعنى الإبصار فيقتضي مفعولا واحدا ، وهو قوله : الناس فعلى هذا يكون قوله : يعرضون علي جملة حالية ، ويجوز أن يكون من الرؤيا بمعنى العلم ، فيقتضي حينئذ مفعولين ، وهما : قوله : الناس يعرضون علي ، ويجوز رفع الناس على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : يعرضون علي ، والجملة مفعول قوله : رأيت كما في قول الشاعر . رأيت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا ويروى : سمعت الناس ، والقائل هو ذو الرمة الشاعر المشهور ، وصيدح علم الناقة ، وينتجعون من انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه ، وأراد ببلال هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قاضي البصرة كان جوادا ممدوحا رحمه الله . قوله : وعليهم قمص جملة اسمية ، وقعت حالا . قوله : منها ، أي : من القمص ، وهو خبر لقوله : ما يبلغ الثدي ، وما موصولة في محل الرفع على الابتداء ، والثدي منصوب ؛ لأنه مفعول يبلغ ، وكذلك إعراب . قوله : ومنها دون ذلك ، أي : أقصر ، فيكون فوق الثدي لم ينزل إليه ، ولم يصل به لقلته . قوله : وعرض على صيغة المجهول ، وعمر بن الخطاب مسند إليه ، مفعول ناب عن الفاعل . قوله : وعليه قميص جملة اسمية ، وقعت حالا ، وقوله يجره جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المرفوع الذي فيه العائد إلى عمر رضي الله عنه ، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى القميص ، والجملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة للقميص ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من الأحوال المتداخلة ، وقد علم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا وقعت حالا ، وكانت مثبتة تكون بلا واو . قوله : قالوا ، أي : الصحابة . قوله : ذلك : مفعول قوله : أولت . قوله : الدين بالنصب ، أي : أولت الدين . ( بيان المعاني والبيان ) فيه من الفصاحة استعمال جواب بينا بدون إذا ، وإذ . ومنها استعمال جمع الكثرة في الثدي لأجل المطابقة ، وفيه من التشبيه البليغ ، وهو أنه شبه الدين بالقميص ، ووجه التشبيه الستر ، وذلك أن القميص يستر عورة الإنسان ، ويحجبه من وقوع النظر عليها ، فكذلك الدين يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أوله الدين بهذا الاعتبار . وقال أهل العبارة : القميص في النوم معناه الدين ، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة ، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليقتدى بها ، وقال ابن بطال :معلوم أن عمر رضي الله عنه في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثديه ، وتأويله عليه السلام ذلك بالدين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى دينا كالإيمان الواقع على القول . وقال القاضي : أخذ ذلك أهل التعبير من قوله تعالى : وثيابك فطهر ، يريد به نفسك ، وإصلاح عملك ودينك على تأويل بعضهم ؛ لأن العرب تعبر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر ، وجره عبارة عما فضل عنه ، وانتفع الناس به بخلاف جره في الدنيا للخيلاء فإنه مذموم . فإن قيل : يلزم من الحديث أن يكون عمر رضي الله عنه أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأن المراد بالأفضل الأكثر ثوابا ، والأعمال علامات الثواب ، فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر ، وهو خلاف الإجماع . قلت : لا يلزم إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلمنا انحصار القسمة لكن ما خصص القسم الثالث بعمر رضي الله عنه ، ولم يحصره عليه سلمنا التخصيص به ، لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق رضي الله عنه بحسب تواتر القدر المشترك بينها ، ومثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى ، فدليلكم آحاد ، ودليلنا متواتر سلمنا التساوي بين الدليلين ، لكن الإجماع منعقد على أفضليته ، وهو دليل قطعي ، وهذا دليل ظني ، والظن لا يعارض القطع ، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقرير الدليل ، وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات بأن يقال : ما أردته إما مجمع عليه أو لا ، فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع ، وإلا فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه ، لا يقال : كيف ، يقال : الإجماع منعقد على أفضلية الصديق رضي الله تعالى عنه ، وقد أنكر ذلك طائفة الشيعة والخوارج من العثمانية ؛ لأنا نقول لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال ، والأصل إجماع أهل السنة والجماعة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها الدلالة على تفاضل أهل الإيمان . ومنها الدلالة على فضيلة عمر رضي الله عنه . ومنها تعبير الرؤيا ، وسؤال العالم بها عنها . ومنها جواز إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يحس به بإعجاب ونحوه ، ويكون الغرض التنبيه على فضله لتعلم منزلته ، ويعامل بمقتضاها ، ويرغب الاقتداء به ، والتخلق بأخلاقه .
باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال أي : هذا باب تفاضل أهل الإيمان ، والأصل هذا باب في بيان تفاضل أهل الإيمان في أعمالهم ، وتفاضل مجرور بإضافة الباب إليه ، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، وقوله : في الأعمال خبره ، ويكون الباب مضافا إلى جملة ، وقوله في الأعمال يتعلق بتفاضل أو يتعلق بمقدر نحو الحاصل ، وكلمة في للسببية ، كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : في النفس المؤمنة مائة إبل أي : التفاضل الحاصل بسبب الأعمال . وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول ثلاث خصال ، والناس متفاوتون فيها ، والفاضل من استكمل الثلاث فقد حصل فيه التفاضل في العمل ، وهذا الباب أيضا في التفاضل في العمل . 1 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحياء - أو : الحياة ، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي أن المذكور فيه هو أن القليل جدا من الإيمان يخرج صاحبه من النار والتفاوت في شيء فيه القلة والكثرة ظاهر ، وهو عين التفاضل ، لا يقال : الحديث ، إنما يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال ، لا في نفس الأعمال ؛ إذ المقصود منه بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر ، وبعضهم يدخلون آخرا ؛ لأنا نقول يدل على تفاوت الناس في الأعمال أيضا ؛ لأن الإيمان إما التصديق ، وهو عمل القلب ، وإما التصديق مع العمل ، وعلى التقديرين قابل للتفاوت إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو أقل منه أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعا ، ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إما تجوزا بإطلاق السبب ، وإرادة المسبب ، وإما إضمارا بتقدير لفظ الثواب مضافا إليها . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : إسماعيل بن عبد الله أبي أويس بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عم مالك بن أنس أخي الربيع ، وأنس وأبي سهيل نافع أولاد مالك بن أبي عامر ، وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس سمع خاله وأباه وأخاه عبد المجيد ، وإبراهيم بن سعد ، وسليمان بن بلال ، وآخرين ، روى عنه الدارمي ، والبخاري ، ومسلم ، وغيرهم من الحفاظ . وروى مسلم أيضا عن رجل عنه ، وروى له أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولم يخرج له النسائي ؛ لأنه ضعفه . وقال أبو حاتم : محله الصدق وكان مغفلا ، وقال يحيى بن معين : هو ووالده ضعيفان ، وعنه يسرقان الحديث ، وعنه إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك ، يعني أنه لا يحسن الحديث ، ولا يعرف أن يؤديه ، ويقرأ في غير كتابه ، وعنه مختلط يكذب ليس بشيء ، وعنه يساوي فلسين ، وعنه لا بأس به ، وكذلك قال أحمد : قال أبو القاسم اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له ما لم يبن لغيره ؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف ، وقال الدارقطني : لا أختاره في الصحيح ، وقال ابن عدي : روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها ، وأثنى عليه ابن معين ، وأحمد ، والبخاري يحدث عنه بالكثير ، وهو خير من أبيه . وقال الحاكم عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه ، وقد احتجا به معا ، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة ، أي : فإنه قال : كذاب . قلت : قد غمزه من لا يحتاج إلى كفيل ، ومن قوله حجة مقبولة . وقد أخرجه البخاري عن غيره أيضا ، فاللين الذي فيه يجبر إذن ، مات في سنة ست ، ويقال : في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين . الثاني : مالك بن أنس ، وقد تقدم ذكره . الثالث : عمرو ، بفتح العين ابن يحيى بن عمارة ، ووقع بخط النووي في شرحه عثمان ، وهو تحريف ابن أبي حسن تميم بن عمرو ، وقيل : يحيى بن عمر . وحكاه الذهبي في الصحابة ابن قيس بن يحرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني ، روى عن أبيه ، وعن غيره من التابعين ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وغيره من التابعين ، وغيرهم ، والأنصاري من أقرانه ، وروى عن يحيى بن كثير ، وهو من أقرانه أيضا ، وثقه أبو حاتم ، والنسائي ، توفي سنة أربعين ومائة ، وعمارة صحابي بدري عقبي ، ذكره أبو موسى ، وأبو عمر ، وفيه نظر ، نعم أبوه صحابي عقبي بدري . وقال ابن سعد : وشهد الخندق وما بعد هذا . وأم عمرو هذا هي أم النعمان بنت أبي حنة بالنون ابن عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية ابن خنساء بن مندول بن عمرو بن غانم بن مازن بن النجار . الرابع : أبو يحيى بن عثمان بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني سمع أبا سعيد ، وعبد الله بن زيد ، وعنه ابنه ، والزهري ، وغيرهما ، روى له الجماعة . الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل ، عن مالك ، وفي صفة الجنة والنار عن وهيب بن خالد ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون ، عن ابن وهب ، عن مالك . وعن أبي بكر ، عن عفان ، عن وهيب . وعن حجاج ابن الشاعر ، عن عمرو بن عون ، عن خالد بن عبد الله ، ثلاثتهم عن عمرو بن يحيى به . وقع هذا الحديث للبخاري عاليا برجل عن مسلم . وأخرجه النسائي أيضا ، وهذا الحديث قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى . وقد وافق إسماعيل على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ، ومعن بن عيسى ، عن مالك ، وليس هو في الموطأ . قال الدارقطني : هو غريب صحيح . وفي رواية الدارقطني من طريق إسماعيل : يدخل الله . وزاد من طريق معن : يدخل من يشاء برحمته ، وكذا الإسماعيلي على طريق ابن وهب . ( بيان اللغات ) قوله : مثقال حبة المثقال كالمقدار لفظا ومعنى ، مفعال من الثقل ، وفي ( العباب ) مثقال الشيء ميزانه من مثله ، وقوله تعالى : مثقال ذرة ، أي : زنة ذرة . قال : وكلا يوافيه الجزاء بمثقال . أي بوزن ، وحكى أبو نصر ألقي عليه مثاقيله ، أي : مؤنته ، والثقل ضد الخفة ، والمثقال في الفقه من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة ، قاله الكرماني . قلت : ذكر في ( الاختيار ) أن المثقال عشرون قيراطا ، وكذا ذكر في ( الهداية ) ، وفي ( العباب ) القيراط معروف ، ووزنه يختلف باختلاف البلاد ، فهو عند أهل مكة حرسها الله تعالى ربع سدس الدينار ، وعند أهل العراق نصف عشر الدينار . قلت : ذكر الفقهاء أن القيراط طسوجتان ، والطسوجة شعيرتان ، والشعيرة ذرتان ، والذرة فتيلتان ، والفتيلة شعرتان ، وأما المراد هاهنا من المثقال فقد قيل : هو وزن مقدر ، الله أعلم بقدره ، وليس المراد المقدر هذا المعلوم فقد جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، والحبة بفتح الحاء ، وتشديد الباء الموحدة واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها ، وفي ( المحكم ) ، وجمع الحبة : حبات ، وحبوب ، وحب ، وحبان ، الأخيرة نادرة . قوله : من خردل ، بفتح الخاء المعجمة ، هو نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلة بذلك ، يعني : يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان ، وقال في ( العباب ) الخردل معروف ، واحدته خردلة . قوله : في نهر الحياء كذا في هذه الرواية بالمد ، وهي رواية الأصيلي ، ولا وجه له كما نبه عليه القاضي . وفي رواية كريمة وغيرها بالقصر ، وعليه المعنى ؛ لأن المراد كل ما يحصل به الحياة ، والحيا بالقصر هو المطر ، وبه يحصل حياة النبات ، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل ، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه . قوله : كما تنبت الحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء الموحدة بذر العشب ، وجمعه حبب كقربة ، وقرب ، ويحتمل أن يكون اللام للعهد ، ويراد به حبة بقلة الحمقاء ؛ لأن شأنه أن ينبت سريعا على جانب السيل فيتلفه السيل ، ثم ينبت فيتلفه السيل ، ولهذا سميت بالحمقاء ؛ لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبت . وقال الجوهري : الحبة بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت . وفي الحديث : ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، وتسمى الرجلة بكسر الراء والجيم : بقلة الحمقاء ؛ لأنها لا تنبت إلا في المسيل . وقال الكسائي : هو حب الرياحين . ففي بعض الروايات : في حميل السيل ، وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه . قيل : فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، وفي ( المحكم ) الحبة : بذور البقول والرياحين ، واحدها حب ، وقيل : إذا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء فهي حبة ، وقيل : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار ، وقيل : ما كان له حب من النبات ، فاسم ذلك الحب الحبة ، وقال أبو حنيفة الدينوري : الحبة بالكسر جميع بذور النبات ، واحدتها حبة بالفتح ، وعن الكسائي : أما الحب فليس إلا الحنطة والشعير ، واحدتها حبة بالفتح ، وإنما افترقا في الجمع ، والحبة بذر كل نبات ينبت وحده من غير أن يبذر ، وكل ما بذر فبذره حبة بالفتح . وقال الأصمعي : ما كان له حب من النبت فاسمه حبة إذا جمع الحبة . وقال أبو زياد : كل ما يبس من البقل كله ذكوره وأحراره يسمى الحبة إذا سقط على الأرض وتكسر ، وما دام قائما بعد يبسه فإنه يسمى القت ، وفي ( الغريبين ) حب الحنطة ، يسمى حبة بالتخفيف ، والحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ، ثم إذا مطرت في قابل تنبت ، وفي ( العباب ) الحبة بالكسر بذور الصحراء ، والجمع الحبب . قوله : في جانب السيل كذا هاهنا ، وجاء حميل بدل جانب ، وفي رواية وهيب : حماة السيل ، والحميل بمعنى المحمول ، وهو ما جاء به من طين أو غثاء ، والحمأة ما تغير لونه من الطين ، وكله بمعنى ، فإذا اتفق فيه حبة على شط مجراه فإنها تنبت سريعا . قوله : صفراء تأنيث الأصفر من الاصفرار ، وهو من جنس الألوان للرياحين ، ولهذا تسر الناظرين ، وسيد رياحين الجنة الحناء ، وهو أصفر . قوله : ملتوية ، أي : منعطفة منثنية ، وذلك أيضا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه ، وتميله ، والله تعالى أعلم . ( بيان الإعراب ) قوله : يدخل أهل الجنة فعل وفاعل ، ولفظة أهل مضافة إلى الجنة ، والجنة الثانية بالنصب ؛ لأنه مفعول ، وأصله في الجنة ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأن الجنة محدودة ، وكان الحق أن يقال : دخلت في الجنة ، كما في قولك : دخلت في الدار ؛ لأنها محدودة إلا أنهم حذفوا حرف الجر اتساعا ، وأوصلوا الفعل إليه ، ونصبوه نصب المفعول به ، وذهب الجرمي إلى أنه فعل متعد نصب الدار كنحو بنيت الدار ، وقد دفعوا . قوله : بأن مصدره يجيء على فعول ، وهو من مصادر الأفعال اللازمة ، نحو : قعد قعودا ، وجلس جلوسا ، ولأن مقابله لازم أعني خرجت . قلت : فيه نظر ؛ لأنه غير مطرد ؛ لأن ذهب لازم ، وما يقابله جاء متعد . قال الله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ قوله : وأهل النار كلام إضافي عطف على الأهل الأول : والتقدير : ويدخل أهل النار النار ، والكلام في النار الثانية مثل الكلام في الجنة الثانية . قوله : ثم يقول الله عز وجل . كلمة ثم هاهنا واقعة في موقعها ، وهو الترتيب مع المهلة . قوله : أخرجوا ، بفتح الهمزة ؛ لأنه أمر من الإخراج ، وهو خطاب للملائكة ، وقوله : من كان في قلبه إلى آخره جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : أخرجوا ، ومن موصولة ، وقوله : كان في قلبه مثقال حبة صلتها ، ومثقال حبة كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه اسم كان وخبره ، هو قوله : في قلبه مقدما ، وقيل : يجوز أن يكون أخرجوا بضم الهمزة من الخروج ، فعلى هذا يكون من منادى قد حذف منه حرف النداء ، والتقدير : أخرجوا يا من كان في قلبه مثقال حبة ، وقوله : من خردل يتعلق بمحذوف ، وهو حاصلة ، والتقدير : مثقال حبة حاصلة من خردل ، وهي في محل الجر على أنها صفة لمجرور ، وقوله : من إيمان يتعلق بمحذوف آخر ، والتقدير : من خردل حاصل من إيمان ، وهو أيضا في محل الجر نحوها ، ويجوز أن تتعلق من هذه بقوله : من كان ، ولا يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفا جر من جنس واحد ، فافهم . قوله : فيخرجون منها ، أي : من النار ، والفاء فيه للاستئناف تقديره : فهم يخرجون ، كما في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ قوله : قد اسودوا جملة قد وقعت حالا ، أي : صاروا سودا كالفحم من تأثير النار . قوله : فيلقون على صيغة المجهول جملة معطوفة على الجملة الأولى بالفاء التي تقتضي الترتيب . قوله : شك مالك جملة معترضة بين قوله : فيلقون في نهر الحياة ، وبين قوله : فينبتون ، وأراد أن الترديد بين الحياء والحياة إنما هو من مالك بن أنس الإمام ، وهو الذي شك فيه . وأخرج مسلم هذا الحديث من رواية مالك فأيهم الشاك ، وقد فسر هنا قوله : فينبتون عطف على قوله : فيلقون . قوله : كما تنبت الحبة الكاف للتشبيه ، وما مصدرية ، والتقدير كنبات الحبة ، ومحل الجملة النصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، أي : فينبتون نباتا كنبات الحبة . قوله : ألم تر خطاب لكل من يتأتى منه الرؤية . قوله : تخرج جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن . قوله : صفراء ملتوية حالان متداخلتان أو مترادفتان . ( بيان المعاني والبيان ) . قوله : يدخل فعل مضارع ، وقد علم أنه صالح للحال والاستقبال ، فقيل : حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال ، وقيل : بالعكس . وقال ابن الحاجب : الصحيح أنه مشترك بينهما ؛ لأنه يطلق عليهما على السوية ، وهو دليل الاشتراك ، وفي قوله : على السوية نظر لا يخفى ، ثم إنه لا يخلص للاستقبال إلا بالسين ، ونحوه ، وكان القياس هاهنا أن يذكر بأداة مخلصة للاستقبال ؛ لأن دخول الجنة والنار إنما هو في الاستقبال ، ولكنه محقق الوقوع ، ذكره بصورة الحال . قوله : من إيمان ذكره منكرا ؛ لأن المقام يقتضي التقليل ، ولو عرف لم يفد ذلك . فإن قلت : فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به ؛ لأنه إيمان ما قلت لا يكفيه ؛ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرف أو نكر . قوله : مثقال حبة من خردل من باب التمثيل ليكون عيارا في المعرفة ، وليس بعيار في الوزن ؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل لكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس ليفهم ، ويشبه به ليعلم ، والتحقيق فيه أنه يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ، ثم يوزن ويدل عليه ما جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة . وقال إمام الحرمين : الصحف المشتملة على الأعمال يزنها الله تعالى على قدر أجور الأعمال ، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها ، وجاء به الشرع ، وليس في العقل ما يحيله ، ويقال : للوزن معنيان أحدهما هذا ، والآخر تمثيل الأعراض بجواهر ، فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة . وحكى الزجاج وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه إنما يوزن خواتيم الأعمال ، فإن كانت خاتمة عمله حسنا جوزي بخير ، ومن كانت خاتمة عمله شرا جوزي بشر ، ثم اعلم أن المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد ، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ، ففي رواية فيه : أخرجوا من قال : لا إله إلا الله ، وعمل من الخير ما يزن كذا ، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرا قط غير التوحيد . وقال القاضي : هذا هو الصحيح إذ معنى الخير هاهنا أمر زائد على الإيمان ؛ لأن مجرده لا يتجزى ، وإنما يتجزى الأمر الزائد عليه ، وهي الأعمال الصالحة من ذكر خفي أو شفقة على مسكين ، أو خوف من الله تعالى ، ونية صادقة في عمل وشبهه ، وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله : من إيمان ومن خير ما جاء منه ، أي : من اليقين إلا أنه قال : المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق ، وبه يقع التفاضل فإن اتبعه بالعمل عظم ثوابه ، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه . فإن قلت : كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ، ومقداره . قلت : لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد . قوله : كما تنبت الحبة الخ فيه تشبيه متعدد ، وهو التشبيه من حيث الإسراع ، ومن حيث ضعف النبات ، ومن حيث الطراوة ، والحسن ، والمعنى : من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا منبسطا متبخترا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة ، وهذا يؤيد كون اللام في الحبة للجنس ؛ لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة ، وقد ذكرنا وجه كونها للعهد . ( بيان استنباط الفوائد ) : الأولى : فيه حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار . الثانية : فيه حجة على المعتزلة حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار . الثالثة : فيه دليل على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال . الرابعة : ما قيل : إن الأعمال من الإيمان لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خردل من إيمان ، والمراد ما زاد على أصل التوحيد . قلت : لا دلالة فيه على ذلك أصلا على ما لا يخفى .
1- ( حدثنا مسدد ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا أبو حيان التيمي ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث ، قال : ما الإسلام ؟ قال : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان ، قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : متى الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها ، إذا ولدت الأمة ربها ، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية ، ثم أدبر فقال : ردوه فلم يروا شيئا ، فقال : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم ) مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : مسدد بن مسرهد ، وقد مر ذكره في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ، الثاني : إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم أبو بشر مولى بني أسد بن خزيمة المشهور بابن علية بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء وكانت امرأة عاقلة نبيلة وكان صالح المزي ووجوه أهل البصرة وفقهاؤها يدخلون عليها فتبرز لهم وتحادثهم وتسائلهم ، وقد مر ذكره في باب حب الرسول من الإيمان ، الثالث أبو حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، واسمه يحيى بن حيان الكوفي التيمي ، قال أحمد بن عبد الله : هو ثقة صالح بر صاحب سنة مات سنة خمس وأربعين ومائة ، روى له الجماعة ونسبته إلى تيم الرباب وحيان إما مشتق من الحياة فلا ينصرف أو من الحين فينصرف ، الرابع أبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير البجلي تقدم ذكره في باب الجهاد من الإيمان ، الخامس أبو هريرة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن إسماعيل بن إبراهيم قد ذكره البخاري في باب حب الرسول من الإيمان بنسبته إلى أمه حيث قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن عبد العزيز وذكره هاهنا باسم أبيه ، وهذا دليل على كمال ضبط البخاري ، وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه فأداه كما سمعه ، ومنها أن فيه أبا حيان وهو غير تابعي ، وقد روى عنه تابعيان كبيران أيوب والأعمش . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه هاهنا عن مسدد عن إسماعيل ، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير كلاهما عن أبي حيان به ، وفي الزكاة مختصرا عن عبد الرحيم عن عقيل ، عن زهير ، عن أبي حيان ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، كلاهما عن إسماعيل بن علية ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن محمد بن بشر ، عن أبي حيان ، وعن زهير ، عن جرير ، عن عمارة كلاهما عن أبي زرعة ، وأخرجه ابن ماجه في السنة بتمامه وفي الفتن ببعضه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه أبو داود في السنة عن عثمان ، عن جرير ، عن أبي فروة الهمداني ، عن أبي زرعة ، عن أبي ذر ، وأبي هريرة ، وأخرجه النسائي في الإيمان ، عن محمد بن قدامة ، عن جرير به ، وفي العلم عن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير مختصرا من غير ذكر سؤال السائل ، وقد أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته فمشهوره رواية كهمس بن الحسن ، عن عبد الله ، عن بريدة بن يحيى بن يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، وأخرجه أبو داود أيضا في السنة عن عبيد الله بن معاذ به ، وعن مسدد ، عن يحيى بن سعيد به ، وعن محمود بن خالد عن الفريابي ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص ، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن : أبي عمار الحسين بن حريث الخزاعي ، عن وكيع به ، وعن محمد بن المثنى ، عن معاذ بن معاذ به ، وعن أحمد بن محمد ، عن ابن المبارك ، عن كهمس به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الإيمان عن إسحاق بن إبراهيم ، عن النضر بن شميل ، عن كهمس به ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن محمد ، عن وكيع به ، قلت : رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ وتابعه مطر الوراق عن عبيد الله بن بريدة ، وأخرجهما أبو عوانة في صحيحه ، وسليمان التيمي عن يحيى بن يعمر أخرجهما ابن خزيمة في صحيحه ، وكذا رواه عثمان بن عثمان ، وعبد الله بن بريدة لكنه قال : يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن معا عن ابن عمر ، عن عمر رضي الله عنه ، وأخرجه أحمد في مسنده ، وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله ، فرواه عن يحيى بن يعمر ، عن عبد الله بن عمر ، قال : بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعله من مسند ابن عمر لا من روايته عن أبيه ، وأخرجه أحمد أيضا ، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء الخراساني . عن يحيى بن يعمر ، وكذا روى من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر أخرجهما الطبراني ، وفي الباب عن أنس رضي الله عنه أخرجه البزار بإسناد حسن ، وعن جرير البجلي أخرجه أبو عوانة في صحيحه ، وعن ابن عباس ، وأبي عامر الأشعري أخرجهما أحمد بإسناد حسن . ( بيان اختلاف الروايات فيه ) قوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس وفي رواية أبي داود عن أبي فروة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، قال : فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه ، وكنا نجلس بجنبته واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به ، ويكون مرتفعا إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه ، قوله : فأتاه رجل ، وفي التفسير للبخاري : إذ أتاه رجل يمشي وفي رواية النسائي عن أبي فروة : فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا ، كأن ثيابه لم يمسها دنس ، وفي رواية مسلم من طريق كهمس من حديث عمر رضي الله عنه : بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، وفي رواية ابن حبان : شديد سواد اللحية لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، ولسليمان التيمي : ليس عليه سحناء سفر ، وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي عليه السلام كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي عليه السلام ، قلت : السحناء بفتح السين والحاء المهملتين والنون وهي الهيئة وكذلك السحنة بالتحريك ، قال أبو عبيدة : لم أسمع أحدا يقولها أعني السحناء بالتحريك غير الفراء ، قوله : فقال : ما الإيمان ؟ وزاد البخاري في التفسير : فقال : يا رسول الله ، ما الإيمان ؟ ، قوله : أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله ، وفي رواية الأصيلي : واتفقت الرواة على ذكرها في التفسير ، قوله : وبلقائه كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل وكذا لمسلم من الطريقين ، ولم يقع في بقية الروايات ، ووقع في حديثي أنس وابن عباس : وبالموت وبالبعث بعد الموت ، قوله : ورسله وفي رواية الأصيلي : وبرسوله ووقع في حديث أنس ، وابن عباس رضي الله عنهم : والملائكة والكتاب والنبيين ، وكذا في رواية النسائي عن أبي ذر ، وعن أبي هريرة ، قوله : وتؤمن بالبعث زاد البخاري في التفسير : وبالبعث الآخر وفي رواية مسلم في حديث عمر رضي الله عنه : واليوم الآخر وزاد الإسماعيلي في مستخرجه هنا : وتؤمن بالقدر وهي رواية أبي فروة أيضا ، وفي رواية كهمس ، وسليمان التيمي : وتؤمن بالقدر خيره وشره ، وكذا في حديث ابن عباس ، وكذا لمسلم في رواية عمارة بن القعقاع ، وأكده بقوله في رواية عطاء ، عن ابن عمر بزيادة : حلوه ومره في الله ، قوله : وتصوم رمضان وفي حديث عمر رضي الله عنه : وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، وكذا في حديث أنس في رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم ، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة فحسب ، ولم يذكر في حديث ابن عباس غير الشهادتين ، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الجميع ، وزاد بعد قوله : وتحج البيت وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وفي رواية مطر الوراق : وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وفي رواية مسلم : وتقيم الصلاة المكتوبة ، قوله : أن تعبد الله كأنك تراه ، وفي رواية عمارة بن القعقاع : أن تخشى الله كأنك تراه ، وفي رواية أبي فروة : فإن لم تره فإنه يراك ، قوله : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، وفي رواية أبي فروة : فنكس فلم يجبه ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم رفع رأسه قال : ما المسؤول ، قوله : سأخبرك وفي التفسير : سأحدثك ، قوله : عن أشراطها ، وفي حديث عمر رضي الله عنه : قال : فأخبرني عن أماراتها وفي رواية أبي فروة : ولكن لها علامات تعرف بها ، وفي رواية سليمان التيمي : ولكن إن شئت عن أشراطها قال : أجل ، ونحوه في حديث ابن عباس وزاد : فحدثني ، قوله : إذا ولدت الأمة ربها ، وفي التفسير : ربتها بتاء التأنيث ، وكذا في حديث عمر رضي الله عنه ، وفي رواية : إذا ولدت الأمة بعلها يعني السراري ، وفي رواية عمارة : إذا رأيت الأمة تلد ربتها ، ونحوه لأبي فروة ، وفي رواية عثمان بت غياث : إذا ولدت الإماء أربابهن بلفظ الجمع ، قوله : رعاة الإبل البهم بضم الباء الموحدة ، وفي رواية الأصيلي : بفتحها ، وفي رواية مسلم : رعاء البهم ، وفي رواية : وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ، وزاد الإسماعيلي في رواية : الصم البكم قوله : في خمس ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما : سبحان الله خمس ، وفي رواية عطاء الخراساني قال : فمتى الساعة قال : هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ، قوله : والآية وفي رواية الإسماعيلي : وتلا الآية إلى آخر السورة ، وفي رواية مسلم إلى قوله : خبير ، وكذا في رواية أبي فروة ، ووقع للبخاري في التفسير : إلى الأرحام ، قوله : فقال : ردوه ، وزاد في التفسير : فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا ، قوله : جاء يعلم ، وفي التفسير : ليعلم وفي رواية الإسماعيلي : أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا ، ومثله لعمارة ، وفي رواية أبي فروة : والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم وإنه لجبريل وفي حديث أبي عامر : ثم ولى فلم نر طريقه ، قال النبي عليه السلام : سبحان الله هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ، والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة ، وفي رواية سليمان التيمي : ثم نهض فولى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي بالرجل ، فطلبناه كل مطلبة فلم يقدر عليه ، فقال : هل تدرون من هذا ؟ هذا جبريل عليه السلام أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه ، فوالذي نفسي بيده ما اشتبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه ، وما عرفته حتى ولى ، وفي حديث عمر رضي الله عنه : قال : ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال : يا عمر ، أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم ، هذا لفظ مسلم ، وفي رواية الترمذي قال عمر رضي الله عنه : فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث فقال : يا عمر ، هل تدري من السائل الحديث ، وأخرجه أبو داود بنحوه ، وفيه : فلبثت ثلاثا ، وفي رواية أبي عوانة : فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ، وفي رواية ابن حبان : بعد ثالثة وفي رواية ابن منده : بعد ثلاثة أيام . ( بيان اللغات ) قوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس أي ظاهرا لهم ، وجالسا معهم غير محتجب ، والبروز الظهور ، وقال ابن سيده : برز يبرز بروزا خرج إلى البراز ، وهو الفضاء ، وبرزه إليه ، وأبرزه ، وكلما ظهر بعد خفاء فقد برز قال تعالى : وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً قال الهروي : أي ظاهرة ليس فيها مستظل ولا متفيأ ، وفي الأفعال لابن طريف : برز الشيء برزا ، ذكره عنه صاحب الواعي ، قوله : فأتاه رجل أي ملك في صورة رجل ، قوله : وملائكته جمع ملك ، وأصله ملأك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة ، وزيدت التاء فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع ، وهم أجسام علوية نورانية مشكلة بما شاءت من الأشكال ، قوله : وبلقائه قال الخطابي : أي برؤية ربه تعالى في الآخرة ، قوله : ورسله جمع رسول ، قال الكرماني : الرسول هو النبي الذي أنزل عليه الكتاب ، والنبي أعم منه ، قلت : هذا التعريف غير صحيح لأنه غير جامع لأن كثيرا من الأنبياء عليهم السلام لم ينزل عليهم كتب وهم رسل مثل سليمان ، وأيوب ، ولوط ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ونحوهم ، والتعريف الصحيح : أن يقال : الرسول من أنزل عليه كتاب أو أنزل عليه ملك ، والنبي بخلافه ، فكل رسول نبي ، ولا عكس ، قوله : بالبعث وهو بعث الموتى من القبور ، ويقال : المراد منه بعثة الأنبياء عليهم السلام ، والأول أظهر ، قوله : أن تعبدوا الله من العبادة ، وهي الطاعة مع خضوع ، وتذلل ، قال الهروي : يقال : طريق معبد إذا كان مذللا للسالكين ، وكل من دان للملك فهو عابد له ، وفي المحكم : عبد الله يعبده عبادة ومعبدة ومعبدة تأله له ، وفي الصحاح : التعبد التنسك ، قوله : ما الإحسان مصدر أحسن من حسن من الحسن ، وهو ضد القبح ، ويأتي عن قريب معناه الشرعي ، قوله : عن أشراطها بفتح الهمزة جمع شرط بالتحريك يعني علاماتها ، وقيل : مقدماتها ، وقيل : صغار أمورها ، وفي المحكم ، والجامع : أوائلها ، وفي الغريبين : عن الأصمعي ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم ، والمراد أشراطها السابقة لأشراطها المقارنة لها كطلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة ، ونحوهما ، قوله : ربها الرب المالك ، والسيد ، والمصلح ، وفي العباب : رب كل شيء مالكه ، والرب اسم من أسماء الله تعالى ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة ، وقد قالوه في الجاهلية للمالك قال الحارث بن حلزة اليشكري في المنذر ماء السماء : وهو الرب والشهيد على يوم الحوارين والبلابلا وقال ابن الأنباري : ويقال الرب مخففا ، وربيت القوم أي كنت فوقهم ، ورب الضيعة أصلحها وأتمها ، ورب فلان ولده يربه ربا ، ورب بالمكان أقام به ، والربة المولاة ، ثم قال : وفي حديث النبي عليه السلام حين سأله جبريل عليه السلام عن أمارات الساعة فقال : أن تلد الأمة ربتها ، ويقال : فلانة ربة البيت ، وهن ربات الحجال ، قوله : وإذا تطاول أي تفاخر بطول البنيان وتكبر به ، والرعاة بضم الراء جمع راع كالقضاة جمع قاض ، وكذا الرعاة بكسر الراء جمع راع كالجياع جمع جايع ، قوله : والبهم بضم الباء الموحدة جمع الأبهم ، وهو الذي لا شية له ، قاله الكرماني ، وقال القاضي : جمع بهيم ، وهو الأسود الذي لا يخالطه لون غيره وهو شر الإبل ، قلت : إذا كان البهم صفة للرعاة ينبغي أن يكون جمع بهيم ، وإن كان صفة للإبل ينبغي أن يكون جمع بهماء ، وكلا الوجهين جائز كما نذكره في الإعراب ، وأما البهم بفتح الباء كما هو في رواية الأصيلي فلا وجه له هاهنا ، قاله القاضي عياض : وأما قوله في رواية مسلم : رعاء البهم فهو بفتح الباء فهو جمع بهيمة وهي صغار الضأن والمعز ، وقال النووي : هذا قول الجمهور ، وقال بعضهم : رواية مسلم إذا رأيت رعاء البهم بحذف لفظة إبل أنسب من رواية البخاري وهي زيادة لفظة الإبل لأنهم أضعف أهل البادية ، أما أهل الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء ، والمعنى في الكل أن أهل الفقر والحاجة تصير لهم الدنيا حتى يتباهوا في البنيان ، قلت : ذكر ابن التياني في كتاب الموعب أن البهم صغار الضأن الواحدة بهمة للذكر والأنثى ، والجمع بهم ، وجمع البهم بهام وبهامات ، وفي العين : البهمة اسم للذكر ، والأنثى من أولاد بقر الوحش ، ومن كل شيء من ضرب الغنم والمعز ، وفي المخصص يكون بعد العشرين يوما بهمة من الضأن والمعز إلى أن يفطم ، وفي المحكم وقيل : هي بهمة إذا شبت والجمع بهم ، وبهم وبهام وبهامات جمع الجمع ، وقال ثعلب : البهم صغار المعز ، وفي الجامع للقزاز : بهمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء يقال لأولاد الوحش من الظباء وما جانس الضأن والمعز : بهم ، وفي الصحاح : البهام جمع بهم ، والبهم جمع بهمة والبهمة اسم للمذكر والمؤنث ، والسخال أولاد المعز ، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعا : بهام وبهم أيضا ، وفي المغيث لأبي موسى المديني وقيل : البهمة السخلة انتهى ، والبهيمة ذوات الأربع من دواب البر والبحر ، قوله : ثم أدبر من الإدبار وهو التولي . ( بيان الإعراب ) قوله : بارزا نصب لأنه خبر كان ، قوله : يوم نصب على الظرف ، قوله : للناس يتعلق ببارزا ، قوله : ما الإيمان جملة اسمية وقعت مقول القول ، قوله : أن تؤمن خبر المبتدأ أعني قوله : الإيمان ، وأن مصدرية ، قوله : وتؤمن بالنصب عطفا على قوله : أن تؤمن ، قوله : أن تعبد الله في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ ، أعني قوله : الإسلام ، وأن مصدرية ، قوله : ولا تشرك بالنصب عطفا على أن تعبد ، قوله : شيئا نصب على أنه مفعول لتشرك ، قوله : وتقيم بالنصب عطفا على أن تعبد ، وكذلك وتؤدي الزكاة ، وكذلك وتصوم رمضان ، وأن مقدرة في الجميع ، قوله : ما الإحسان كلمة ما للاستفهام مبتدأ والإحسان خبره والألف واللام فيه للعهد في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ و هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ولتكرره في القرآن وترتب الثواب عليه ، سأل عنه جبريل عليه السلام ، قوله : قال : أن تعبد الله أي قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فقوله : أن مصدرية في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره : الإحسان عبادتك الله كأنك تراه ، وقال الكرماني : فإن قلت : كأنك ، ما محله من الإعراب ؟ قلت : هو حال من الفاعل أي تعبد الله مشبها بمن يراه انتهى كلامه ، قلت : تحقيق الكلام هنا أن كأن للتشبيه قال الجوهري في فصل أن ، وقد تزاد على أن كاف التشبيه تقول : كأنه شمس ، وقال غيره : أنه حرف مركب عند الجمهور حتى ادعى ابن هشام ، وابن الخباز الإجماع عليه ، وليس كذلك قالوا : والأصل في كأن زيدا أسد ، أن زيدا كأسد ، ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به ، ففتحت همزة أن لدخول الجار ، وذكروا لها أربعة معان أحدها وهو الغالب عليها والمتفق عليه التشبيه ، وهذا المعنى أطلقه الجمهور لكأن ، وزعم جماعة منهم ابن السيد أنه لا يكون إلا إذا كان خبرها اسما جامدا نحو كأن زيدا أسد ، بخلاف كأن زيدا قائم ، أو في الدار ، أو عندك ، أو يقدم ، فإنها في ذلك كله للظن ، والثاني الشك والظن ، والثالث التحقيق ، والرابع التقريب ، قاله الكوفيون ، وحملوا عليه ، قوله : كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فإذا علم هذا فنقول : قوله : كأنك تراه ينزل على أي معنى من المعاني المذكورة ، فالأقرب أن ينزل على معنى التشبيه ، فالتقدير : الإحسان عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائيا ، وهذا التقدير أحسن وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو في حال العبادة مشبها بالرائي إياه ، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه ، وعبادة المشبه بالرائي بنفسه ، وأما على قول ابن السيد فتحمل كأن على معنى الظن لأن خبرها غير جامد فافهم ، قوله : فإن لم تكن تراه أي فإن لم تكن ترى الله وكلمة إن للشرط ، وقوله : لم تكن تراه جملة وقعت فعل الشرط ، فإن قلت : أين جزاء الشرط ؟ قلت : محذوف تقديره : فإن لم تكن تراه فأحسن العبادة فإنه يراك ، فإن قلت : لم لا يكون قوله : فإنه يراك جزاء للشرط ؟ قلت : لا يصح لأنه ليس مسببا عنه وينبغي أن يكون فعل الشرط سببا لوقوع الجزاء كما تقول في : إن جئتني أكرمتك ، فإن المجيء هو السبب للإكرام وعدمه سبب لعدمه ، وهاهنا عدم رؤية العبد ليست بسبب لرؤية الله تعالى فإن الله تعالى يراه سواء وجدت من العبد رؤية أو لم توجد ، فإن قلت : ما الفاء في قوله : فإنه ؟ قلت : للتعليل على ما لا يخفى ، قوله : متى الساعة ؟ جملة اسمية وقعت مقول القول ، وفي بعض النسخ : فمتى ، فإن صحت فالفاء فيها زائدة ، قوله : ما المسؤول كلمة ما بمعنى ليس ، وقوله : بأعلم خبرها ، وزيدت فيها الباء لتأكيد معنى النفي ، قوله : وسأخبرك السين هنا لتأكيد الوعد بالإخبار كما في قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين ، قوله : إذا ولدت الأمة إنما قال : إذا ، ولم يقل : إن ، لأن الشرط محقق الوقوع ، فجاء بلفظ إذا التي للجزم بوقوع مدخولها فلهذا يصح أن يقال : إذا قامت القيامة كان كذا ، ولا يصح أن يقال : إن قامت القيامة كان كذا ، فإن قلت : أين الجزاء ؟ قلت : هو محذوف تقديره : إذا ولدت الأمة فهي أي الولادة من أشراطها ، وقال الكرماني : والأظهر أن تكون إذا متمحضة لمجرد الوقت أي وقت الولادة ، ووقت التطاول ، قلت : هذا تقدير ناقص ، والمعنى الصحيح عندي كون إذا لمجرد الوقت ، وأن يقدر مبتدأ محذوف ، والتقدير : وسأخبرك عن أشراطها هي وقت ولادة الأمة ربها ، ووقت تطاول الرعاء في البنيان ، قوله : رعاة الإبل كلام إضافي مرفوع لأنه فاعل تطاول ، وقوله : البهم روي بالرفع على أنه صفة للرعاة أي الرعاة السود ، وقال الخطابي : معناه الرعاء المجهولون الذين لا يعرفون جمع أبهم ، ومنه أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته ، وروي بالجر على أنه صفة للإبل ، أي : رعاة الإبل السود ، قالوا : وهي شرها كما ذكرناه عن قريب ، قوله : في البنيان يتعلق بقوله : تطاول ، قوله : في خمس في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : علم وقت الساعة في جملة خمس ، وقوله : لا يعلمهن إلا الله صفة لخمس ، ومحلها الجر أو التقدير : هي في خمس من الغيب كما جاء في رواية عطاء الخراساني : هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ، قوله : الآية يجوز فيه الرفع على تقدير أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي الآية مقروءة إلى آخرها ، والنصب على تقدير أن يكون مفعولا لفعل مقدر ، أي اقرأ الآية ، والجر على تقدير : إلى الآية ، أي إلى مقطعها وتمامها ، وفيه ضعف لا يخفى ، قوله : هذا جبريل جاء مثل قولك : هذا زيد قام ، قوله : يعلم الناس جملة وقعت حالا ، فإن قلت : لم يكن معلما وقت المجيء فكيف يكون حالا ؟ قلت : هذه حال مقدرة كما في قوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ( بيان المعاني ) قوله : فأتاه رجل قد ذكرنا في حديث عمر في رواية مسلم : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي عليه السلام فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبرني عن الإسلام ، الحديث ، والضمير في فخذيه يعود على النبي عليه السلام ، وقال النووي : على فخذي نفسه يعني نفس جبريل عليه السلام ، وأعاد الضمير إليه وتبعه على ذلك التوربشتي شارح المصابيح ، وليس كذلك بل الضمير يعود على النبي عليه السلام كما ذكرنا ، والدليل على ذلك ما جاء في رواية سليمان التيمي : ثم وضع يده على ركبتي النبي وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي ، ورجحه الطيبي من جهة البحث ، والظاهر أنه لم يقف على رواية سليمان ، فلذلك رجحه من جهة البحث ، ونظر النووي فيما قاله التنبيه على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه لاقتضاء باب الأدب ذلك ، ولكن على رواية سليمان إنما فعل جبريل ذلك لزيادة المبالغة في تعمية أمره ليقوى ظن الحاضرين أنه من جفاة الأعراب ، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي عليه السلام كما ذكرنا في رواية سليمان التيمي ، ولهذا استغربت الصحابة رضي الله عنهم صنيعه لأنه ليس من أهل البلد ، وجاء ماشيا ليس له أثر السفر ، فإن قيل : كيف عرف عمر رضي الله عنه أنه لم يعرفه أحد قيل : من قول الحاضرين كما في رواية عثمان بن عفان فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا : ما نعرف هذا ، قوله : أن تؤمن بالله الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى ، وأنه لا يجوز عليه العدم ، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة الإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة ، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات وعن صفات الأجسام والمتحيزات ، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء ، قوله : وملائكته أي الإيمان بجميع ملائكته ، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام وجب الإيمان به ، ومن لم يعرف اسمه آمنا به إجمالا ، وكذلك الأنبياء المرسلون من علمنا اسمه آمنا به ، ومن لم نعلم آمنا به إجمالا ، وما كان من ذلك ثابتا بالنص أو التواتر كفر من يكفر به ، والإيمان برسل الله عليهم السلام هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى ، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، وأنهم بلغوا عن الله رسالاته ، وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه وأنه يجب احترامهم ، وأن لا يفرق بين أحد منهم ، قوله : وبلقائه الإيمان بلقائه هو التصديق برؤية الله تعالى في الآخرة ، قاله الخطابي واعترض عليه النووي بأن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى ، فإنها مختصة لمن مات مؤمنا ، والمرء لا يدري بم يختم له ، فكيف يكون من شروط الإيمان ، ورد عليه بأن المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر ، وقد قيل : إنها مكررة لأنها داخلة في الإيمان بالبعث وهو القيام من القبور ، قلنا : لا نسلم التكرار لأن المراد باللقاء ما بعد تلك ، وقال النووي : اختلفوا في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله والبعث ، فقيل : اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث عند قيام الساعة ، وقيل : اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب ، قوله : وتقيم الصلاة المراد بها المكتوبة كما صرح بها في رواية مسلم ، وهو احتراز عن النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه ، فتحمل المطلقة هاهنا على المقيدة في الرواية الأخرى جمعا بينهما ، قوله : الزكاة المفروضة قيل : احترز بالمفروضة عن الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها ليست مفروضة حال الأداء ، وقيل : احترز من صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية ، قوله : ما الإحسان وهو يستعمل لمعنيين أحدهما متعد بنفسه كقولك : أحسنت كذا ، إذا حسنته وكملته منقولة بالهمزة من حسن الشيء ، والآخر بحرف الجر كقولك : أحسنت إليه إذا أوصلت إليه النفع والإحسان ، وفي الحديث بالمعنى الأول فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله تعالى ومراقبته ، ويقال : الإحسان على مقامين ؛ الأول : كما قال صلى الله عليه وسلم : أن تعبد الله كأنك تراه فهذا مقام ، الثاني : قوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال عبد الجليل : الأول على ثلاثة أقسام ، الأول في مقام الإسلام وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة معاصي وطاعات ومباحات المعايش ، فأما قسم المعاصي على اختلاف أنواعها فإن العبد مأمور بأن يعلم أن الله يراه ، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه ويبصره على أي حالة كانت وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كف عن المعصية ورجع عنها ، وأما الإنسان فيذهل عن نظر الله إليه فينسى حين المعصية أنه يراه أو يكون جاهلا فيظن أن الله تعالى بعيد منه ، ولا يتذكر ، ويعلم أنه يحرك جوارحه حين العمل المعمول فينسى ذلك أو يجهل فيقع في المعصية ، ولو علم وتحقق أن والده أو رجلا كبيرا لو يراه حين المعصية لكف عنها ، وهرب منها فإذا علم العبد أن الله يراه في حين المعصية كف عنها بحصول البرهان الإحساني عنده ، وهو البرهان الذي أوتيه ورآه يوسف عليه السلام ، وهو قيام الدليل الواضح العلمي بأن الله تعالى موجود حق ، وأنه ناظر إلى كل شيء ومصرف لكل شيء ومحركه ومسكنه فمن أراه الله تعالى هذا البرهان عند جميع المهمات صرف عنه السوء والفحشاء من جميع المنكرات ، الثاني قسم الطاعات فهي أن تعلم أن الله تعالى موجود حق وتبرهن عنده أنه يراه لا محالة إلا أن يكون زنديقا جاحدا لا يقر برب ، فإن كان مقرا بوجوده فترك العبادة فإنما تركها تهاونا لنقصان البرهان الإحساني عنده ، وهذه حال المضيعين للفرائض لجهلهم بقدر الآمر وقدر أمره ، الثالث من المباحات وهو محل الغفلة والسهو عن هذا المقام الإحساني ، فإذا تذكر العبد أن الله تعالى يراه في تصرفه وأنه أمره بالإقبال عليه ، وقلة الإعراض عنه استحيى أن يراه مكبا على الخسيس الفاني مستغرقا في الاشتغال به عن ذكره ، وعن الإقبال على ما يقطع عنه ، المقام الثاني في عالم الغيب فإن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة من موت وقبر وحشر وعرض وحساب وغير ذلك وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك العالم ومواطنه تهيأ لذلك العرض فيتزين للآخرة بزينة أهل الآخرة ما استطاع ، وأما المقام الثالث في الإحسان فإن العبد إذا علم أن سره موضع نظر الله تعالى وجب عليه تصفية سره لمولاه وإصلاح ذلك وتنقيته مما يكرهه الله تعالى أن يراه وينظر إليه في قلوب أوليائه فيزيل الصفات المهلكات ، ويطهره منها ، ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة ، قوله : كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال النووي : هذا أصل عظيم من أصول الدين ، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وتلخيص معناه أن تعبد الله عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى ، فإنه لا يستبقي شيئا من الخضوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح ومراعاة الآداب ما دام في عبادته ، وقوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك يعني أنك إنما تراعي الأدب إذا رأيته ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه ، وهذا المعنى موجود ، وإن لم تره لأنه يراك ، وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة فيها ، وقال : هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم ، واستحياء منهم ، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته ، وقال القاضي عياض : قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ، وأعمال الجوارح ، وإخلاص السرائر ، والحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ، ومتشعبة منه ، قوله : متى الساعة الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة ، وفي عرف المعدلين جزء من أربعة وعشرين جزءا من أوقات الليل والنهار ، قوله : إذا ولدت الأمة ربها أي مالكها وسيدها وذكروا في معنى هذا أوجها ، الأول : قال الخطابي : معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك ، وسبي ذراريهم ، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها ، وقال النووي وغيره : هذا قول الأكثرين ، وقال بعضهم : لكن في كونه المراد نظر لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة ، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام ، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع في قيام الساعة ، قلت : في نظره نظر لأن قوله : إذا ولدت الأمة ربها كناية عن كثرة التسري من كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد الشرك ، وهذا بلا شك لم يكن واقعا وقت المقالة ، والتسري وإن كان موجودا حين المقالة ولكنه لم يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك ، والمراد أن يكون من هذه الجهة فافهم . والثاني معناه أن الإماء يلدن الملوك فتكون أم الملك من جملة الرعية وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته ، وهذا قول إبراهيم الحربي ، والثالث : معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري ، وعلى هذا القول لا يختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن ، فإن الأمة قد تلد حرا بوطء غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا ، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو بنتها وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد ، والرابع أن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها ، وهذا بطريق المجاز لأنه لما كان سببا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك ، والخامس أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة وغير ذلك ، وأطلق عليه ربها مجازا لذلك ، وقال بعضهم : يجوز أن يكون المراد بالرب المربي فيكون حقيقة ، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه ، قلت : هذا ليس بأوجه الأوجه بل أضعفها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عد هذا من أشراط الساعة لكونه على نمط خارج على وجه الاستغراب أو على وجه دال على فساد أحوال الناس ، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل فافهم ، وأما رواية بعلها فالصحيح في معناها أن البعل هو السيد أو المالك ، فيكون بمعنى ربها على ما سلف . قال أهل اللغة : بعل الشيء ربه ومالكه ، قال تعالى : أَتَدْعُونَ بَعْلا أي ربا قاله ابن عباس ، والمفسرون ، وقيل : المراد هنا الزوج ، وعلى هذا معناه نحو ما سبق أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه ولا يدري ، وهذا أيضا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى ، قوله : وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان المعنى أن أهل البادية أهل الفاقة تنبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا في إطالة البنيان يعني العرب تستولي على الناس وبلادهم ويزيدون في بنيانهم ، وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى أيضا فيها اتساع الإسلام ، قال الكرماني : ومحصله أن من أشراطها تسلط المسلمين على البلاد والعباد ، وقال ابن بطال : معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وغيرهم من علامات القيامة ، وروى الطبراني من حديث ابن أبي جمرة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : من انقلاب الدين تفصح النبط واتخاذهم القصور في الأمصار ، وقال القرطبي : المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به ، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان ، وقال الطيبي : المقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال والقرينة الثانية ظاهرة في صيرورة الأعزة أذلة ألا ترى إلى الملكة بنت النعمان حيث سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كيف أنشدت ؟ بينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرف قوله : في خمس إلى آخره ، قال القرطبي : لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث ، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ بهذه الخمس ، وهو الصحيح ، قال : فمن ادعى علم شيء منها غير مسند إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبا في دعواه ، قال : وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان غير أمر عادي ، وليس ذلك بعلم ، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة ، والجعل وإعطائها في ذلك . ( استنباط الأحكام ) وهو على وجوه ، الأول فيه أن الإيمان هو أن يؤمن العبد بالله وملائكته وبلقائه ورسله ويؤمن بالبعث والنشور ، الثاني أن الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ، الثالث : أن الإحسان أن تعبد الله كأنه يراك وتراه ، الرابع : احتج به من يدعي تغاير الإيمان والإسلام ، ومع هذا تقدم غير مرة أن الإسلام والإيمان والدين عند البخاري عبارات عن معنى واحد ، وقال محيي السنة : جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال ، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد ، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : أتاكم جبريل يعلمكم دينكم والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا ، وقال ابن الصلاح : ما في الحديث بيان لأصل الإيمان ، وهو التصديق الباطن ، وأصل الإسلام وهو الاستسلام ، والانقياد الظاهر ، ثم اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام ، وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ، ولهذا فسر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام هاهنا ، واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان ، وهو التصديق الباطن ، ويتناول الطاعات ، فإن ذلك كله استسلام ، فتحقق ما ذكرنا أنهما يجتمعان فيه ، ويفترقان ، وقال من قال إنهما حقيقتان متباينتان : إن حديث جبريل عليه السلام جاء على الوضع الأصلي بالتفرقة بين الإيمان والإسلام فالإيمان في اللغة التصديق مطلقا ، وفي الشرع التصديق بقواعد الشرع ، والإسلام في اللغة الاستسلام والانقياد ، ومنه قوله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وفي الشرع الانقياد في الأفعال الظاهرة الشرعية لكن الشرع توسع فأطلق الإيمان على الإسلام في حديث وفد عبد القيس ، وقوله : الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأطلق الإسلام يريد به الأمرين قال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال بعض العلماء : تنافس العلماء في هذه الأسماء تنافسا لا طائل تحته ، فإنهم متفقون على أنه يستفاد منها بالشرع زيادة على أصل الوضع ، فهل ذلك المعنى يصير تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي كما في لفظ الدابة أو هي مبقاة على الوضع اللغوي ، والشرع إنما تصرف في شروطها وأحكامها ، قلت : وهذا الثاني هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني ، قال : والقول بالأول يحصل غرض الشيعة على الصحابة ، فإذا قيل : إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة ، وهم قد آمنوا ، يقولون : الإيمان هو التصديق في قلوبهم لكن الشرع نقل هذه الألفاظ إلى الطاعات وهم صدقوا ، وما أطاعوا في أمر الخلافة ، فإذا قلنا لم تنقل انسد الباب الردي ، وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي : يمكننا أن نقول بأن الأسماء الشرعية منقولة إلا هذه المسألة ، الخامس فيه وجوب الإيمان بهذه المذكورات في الحديث ، السادس فيه عظم مرتبة هذه الأركان التي فسر الإسلام بها ، السابع فيه جواز قول رمضان بلا شهر ، الثامن فيه عظم محل الإخلاص والمراقبة ، التاسع فيه لا أدري من العلم والاعتراف بعدم العلم ، وأن ذلك لا ينقصه ولا يزيل ما عرف من جلالته بل ذلك دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تبجحه بما ليس عنده ، العاشر فيه دليل على تمثل الملائكة بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم كقوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وقد كان جبريل عليه السلام يتمثل بصورة دحية ، ولم يره النبي عليه السلام في صورته التي خلق عليها غير مرتين ، فإن قلت : لو كان جبريل عليه السلام متمثلا بصورة دحية في ذلك الوقت لكان النبي عليه السلام عرفه من أول الأمر ، وما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال ، قلت : من ادعى أن جبريل ما يتمثل إلا بصورة دحية فقط فعليه البيان على أن الذي ذكرنا من الروايات أن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة لكنه غير معروف لديهم يرد عليه ، فإن قلت : وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث وأنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي ، قلت : قوله : نزل في صورة دحية الكلبي وهم لأن دحية معروف عندهم ، وقد قال عمر رضي الله عنه في حديثه : ما يعرفه منا أحد ، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي ، فقال في آخره : فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم حسب ، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات ، الحادي عشر قال القرطبي : هذا الحديث يصلح أن يقال له : أم السنة ، لما تضمن من جملة علم السنة ، وقال الطيبي : لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابه المصابيح ، وشرح السنة اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا ، وقال القاضي عياض : اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا ، ومن أعمال الجوارح ، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ، ومتشعبة منه ، الثاني عشر فيه دليل على أن رؤية الله تعالى في الدنيا بالأبصار غير واقعة ، فإن قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم قد رآه ، قلت : قال بعضهم : وأما النبي عليه السلام فذاك لدليل آخر ، قلت : رؤية النبي عليه السلام ربه عز وجل لم يكن في دار الدنيا بل كانت في الملكوت العليا والدنيا لا تطلق عليها ، والدليل الصريح على عدم وقوع رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا ما رواه مسلم من حديث أبي أمامة ، قال عليه السلام : واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ، وأما الرؤية في الآخرة فمذهب أهل الحق أنها واقعة بالأبصار ، فإن قلت : الرؤية يشترط فيها خروج شعاع وانطباع صورة المرئي في الحدقة والمواجهة والمقابلة ورفع الحجب ، فكيف يجوز ذلك على الله سبحانه وتعالى ؟ قلت : هذه الشروط للرؤيا عادة في الدنيا ، وأما في الآخرة فيجوز أن يكون الله تعالى مرئيا لنا إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة فتحصل بدون هذه الشروط ، ولهذا جوز الأشاعرة أن يرى أعمى الصين بقعة أندلس ، وقد ادعى بعض غلاة الصوفية جواز رؤية الله تعالى بالأبصار في دار الدنيا ، وقال في قوله : فإن لم تكن تراه إشارة إلى مقام المحو والفناء وتقديره : فإن لم تصر شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه ، قلت : هذا تأويل فاسد بدليل رواية كهمس فإن لفظها : فإنك إن لا تراه فإنه يراك فسلط النفي على الرؤية لا على الكون ، وكذلك يبطل تأويلهم رواية أبي فروة : فإن لم تراه فإنه يراك ، ورد عليهم بعضهم بقوله : لو كان المراد ما زعموا لكان قوله : تراه محذوف الألف لأنه يصير مجزوما لكونه على تأويلهم جواب الشرط ، ولم يجئ حذف الألف في شيء من طرق هذا الحديث ، وهذا الجواب لا يقطع به شغبهم لأن لهم أن يقولوا : الجزاء جملة حذف صدرها تقديره : فأنت تراه ، والجزم في الجملة لا يظهر ، والمقدر كالملفوظ ، قوله : متى الساعة قال القرطبي : المقصود من هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها ، كما ورد في كثير من الآيات والحديث ، فلما حصل الجواب بما ذكر حصل اليأس من معرفتها بخلاف الأسئلة الماضية ، فإن المراد بها استخراج الأجوبة ليتعلمها السامعون ، ويعملوا بها ، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم ، وجبريل عليهما السلام أيضا ، لكن كان عيسى سائلا ، وجبريل مسئولا ، قال الحميدي : حدثنا سفيان ، حدثنا مالك بن مغول ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن الشعبي قال : سأل عيسى ابن مريم جبريل عليه السلام عن الساعة قال : فانتفض بأجنحته ، وقال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، قوله : جاء يعلم الناس دينهم أي قواعد دينهم ، وكلياتها ، وقال ابن المنير : فيه دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما لأن جبريل عليه السلام لم يصدر منه سوى السؤال ، ومع ذلك فقد سماه معلما ، وقد اشتهر قولهم : السؤال نصف العلم . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : ما سبب ورود هذا الحديث ؟ وأجيب بأن سببه ما رواه مسلم من رواية عمارة بن القعقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سلوني فهابوه أن يسألوه ، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه ، فقال : يا رسول الله ، ما الإسلام ، الحديث ، ومنها ما قيل : ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن ، وفيه تعريف الشيء بنفسه ؟ وأجيب بأنه ليس تعريفا بنفسه إذ المراد من المحدود الإيمان الشرعي ، ومن الحد الإيمان اللغوي أو المتضمن للاعتراف ، ولهذا عدي بالباء ، أي أن تصدق معترفا بكذا ، ومنها ما قيل : كيف بدأ جبريل عليه السلام بالسؤال قبل السلام ؟ وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره ، أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي ، قلت : الأولان ضعيفان ، والاعتماد على الثالث لأنه ثبت في رواية أبي فروة بعد قوله : كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال : السلام عليك يا محمد ، فرد عليه السلام ، قال : أدنو يا محمد ، قال : ادن ، فما زال يقول : أدنو مرارا ، ويقول : ادن ، ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما لكن قال : السلام عليك يا رسول الله ، وفي رواية : يا رسول الله ، أدنو ؟ فقال : ادن ، ولم يذكر السلام فاختلفت الرواية : هل قال : يا محمد أو قال يا رسول الله ؟ وهل سلم أو لا ؟ وطريق التوفيق أن رواية من قال : سلم مقدمة على رواية من سكت عنه أو أنه قال أولا : يا محمد ، كما كان الأعراب يقوله قصدا للتعمية ، ثم خاطبه بعد ذلك ، بقوله : يا رسول الله ، ووقع عند القرطبي أنه قال : السلام عليكم يا محمد ، واستنبط من هذا أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه ، ومنها ما قيل : لم قدم السؤال عن الإيمان ؟ وأجيب بأنه الأصل ، وثنى بالإسلام ، فإنه يظهر به تصديق الدعوى ، وثلث بالإحسان لأنه متعلق بهما ، وقد وقع في رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام ، وثنى بالإيمان ، وقالوا : إنما بدأ بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر ثم بالإيمان لأنه بالأمر الباطن ، ورجح الطيبي هذا ، وقال : لما فيه من الترقي ، ووقع في رواية مطر الوراق : بدأ بالإسلام ، وثنى بالإحسان ، وثلث بالإيمان ، ويمكن أن يقال هنا : إن الإحسان هو الإخلاص كما ذكرنا فكما أن محله القلب فكذلك ذكر في القلب ، والحق أن هذا التقديم والتأخير من الرواة ، والله تعالى أعلم . ومنها ما قيل : إن السؤال عن ماهية الإيمان لأنه سأله بكلمة ما ، ولا يسأل بها إلا عن الماهية ، وماهية الإيمان التصديق ، والجواب غير مطابق ، وأجيب بأنه عليه السلام علم منه أنه إنما سأله عن متعلقات الإيمان إذ لو كان سؤاله عن حقيقته لكان جوابه التصديق ، وقال الطيبي : قوله : أن تؤمن بالله يوهم التكرار وليس كذلك ، فإنه يتضمن معنى أن تعترف ، ولهذا عداه بالباء ، وقال بعضهم : والتصديق أيضا يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين ، قلت : الطيبي ادعى تضمين الإيمان معنى الاعتراف ، وكون التصديق يتعدى بالباء لا يمنع دعوى تضمين الإيمان معنى الاعتراف حتى يقال : لا يحتاج إلى دعوى التضمين ، ومنها ما قيل : الإيمان بالكتب أيضا واجب ، ولم تركه ؟ وأجيب بأن الإيمان بالرسل مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم على أنه مذكور في رواية الأصيلي هاهنا كما ذكرناه ، ومنها ما قيل : لم كرر لفظ تؤمن في قوله : وتؤمن بالبعث ، وأجيب بأنه نوع آخر من المؤمن به ، لأن البعث سيوجد فيما بعد ، وأخواته موجودة الآن ، ومنها ما قيل : ظاهر الحديث يدل على أن الإيمان لا يتم إلا على من صدق بجميع ما ذكر ، فما بال الفقهاء يكتفون بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله ؟ وأجيب بأن الإيمان برسوله هو الإيمان به ، وبما جاء به من ربه ، فيدخل جميع ذلك تحت ذلك ، ومنها ما قيل : إن المراد من قوله : ( أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ) إن كان معرفة الله تعالى وتوحيده فلا يحتاج إلى قوله : ( ولا تشرك به شيئا ) ، وإن كان المراد الطاعة مطلقا فيدخل فيها جميع الوظائف ، وما الفائدة بعد ذلك في ذكر الصلاة والصوم ؟ وأجيب بأن المراد النطق بالشهادتين صرح بذلك في حديث عمر رضي الله عنه ، قال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولما عبر الراوي عن ذلك بالعبادة احتيج أن يوضح ذلك بقوله : ولا تشرك به شيئا ، ولم يحتج إليه في رواية عمر رضي الله تعالى عنه لاستلزامها ذلك ، ولئن سلمنا أن المراد منها مطلق الطاعة فذكر الصلاة وأخواتها يكون من باب عطف الخاص على العام ، ومنها ما قيل : إن السؤال عن الإسلام عام ، والجواب خاص لقوله : أن تعبد الله ، وكذا قوله في الإيمان : أن تؤمن ، وفي الإحسان : أن تعبد ، وأجيب بأنه ليس المراد بمخاطبة الأفراد اختصاصه بذلك بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من تخلف عنهم ، وقد بين ذلك بقوله في آخر الحديث : يعلم الناس دينهم ، ومنها ما قيل : لم لم يذكر الحج ؟ وأجيب بأنه لم يكن فرض حينئذ ، ويرد هذا ما رواه ابن منده في كتاب الإيمان بإسناده الذي هو على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي من حديث عمر رضي الله عنه ، أوله أن رجلا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله ، فهذا يدل على أنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين ، والصواب أن تركه من الرواة إما ذهولا ، وإما نسيانا ، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض ، ففي رواية كهمس : وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، وكذا في حديث أنس ، وفي رواية عطاء الخرساني لم يذكر الصوم ، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب كما ذكرناه عن قريب ، ومنها ما قيل : لفظة أعلم في قوله : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم ، والنفي توجه إلى الزيادة ، فيلزم أن يكون معناه أنهما متساويان في العلم به ، لكن الأمر بخلافه لأنهما متساويان في نفي العلم به ، وأجيب بأن اللازم ملتزم لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه وهو نفس وجودها ، وأنه صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون صالحا لأن يسأل عنه ذلك لما عرف أن المسؤول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل ، ومنها ما قيل : لم قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل والمقام يقتضي أن يقال : لست بأعلم بها منك ؟ وأجيب بأنه إنما قال كذلك إشعارا بالتعميم تعريضا للسامعين إن كل سائل ومسؤول فهو كذلك ، ومنها ما قيل : إن الأشراط جمع شرط ، وأقله ثلاثة على الأصح ، ولم يذكر هنا إلا اثنان ، وأجيب بأنه إما أنه ورد على مذهب أن أقله اثنان ، أو حذف الثالث لحصول المقصود بما ذكر ، وقال بعضهم : في هذه الأجوبة نظر ، ولو أجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصواب ، قلت : هذا الذي قاله بعيد عن الصواب لأنه كيف يكون هذا دليلا لمن يقول : إن أقل الجمع اثنان ، لأنه لا يخلو إما أن يستدل على ذلك بلفظ الأشراط ، أو بلفظ إذا ولدت ، وإذا تطاول فكل منهما لا يصح أن يكون دليلا ، أما الأول فلأنه لم يقل أحد أنه ذكر الأشراط ، وأراد به الشرطين بل المراد أكثر من ثلاثة ، وأما الثاني فلأنه ليس بصورة التثنية حتى يقال ذكرها وأراد بها الجمع فافهم ، وقوله : أو حذف الثالث لحصول المقصود هو الجواب المرضي لأن المذكور من الأشراط ثلاثة ، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها لأن البخاري ذكر هنا الولادة والتطاول ، وفي التفسير ذكر الولادة ورؤوس الحفاة ، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها ، وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة ، وكذا في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن علية ، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع ، ومنها ما قيل : لم ذكر جمع القلة والعلامات أكثر من العشرة في الواقع ؟ وأجيب بأنه جاز لأنه قد تستقرض القلة للكثرة ، وبالعكس أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط ، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف ، ومنها ما قيل : كيف أطلق الرب على غير الله تعالى وقد ورد النهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام : ولا يقل أحدكم : ربي ، وليقل : سيدي ومولاي ؟ وأجيب بأن هذا من باب التشديد والمبالغة ، وأن الرسول عليه السلام مخصوص به ، قلت : الممنوع إطلاق الرب على غير الله تعالى بدون الإضافة ، وأما بالإضافة فلا يمنع ، يقال : رب الدار ، ورب الناقة ، ومنها ما قيل : من أين استفاد الحصر من قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية ، حتى يوافق الحصر الذي في الحديث ؟ وأجيب من تقديم عنده ، وأما بيان الحصر في أخواتها فلا يخفى على العارف بالقواعد ، ومنها ما قيل : ما وجه الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ، أجيب بأنه إما لأنهم كانوا سألوا الرسول عن هذه الخمس فنزلت الآية جوابا لهم ، وإما لأنها عائدة إلى هذه الخمس فافهم ، ومنها ما قيل : ما النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وكذا في التعبير بالدراية دون العلم ؟ وأجيب للمبالغة والتعميم إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة ، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصا بها ، ولم يقع منه على علم كان عدم اطلاعه على علم غير ذلك من باب أولى ، ومنها ما قيل : ما الحكمة في سؤال الساعة حيث عرف جبريل عليه السلام أن وقتها غير معلوم لخلق الله ؟ وأجيب بأن أقله التنبيه على أنه لا يطمع أحد في التطلع إليه ، والفصل بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، ومنها ما قيل : إن جبريل عليه السلام سأل فقط والناس تعلموا الدين من الجواب لا منه ، فكيف قال : يعلم الناس ، بإسناد التعليم إليه ؟ وأجيب بأنه لما كان سببا فيه أطلق المعلم عليه ، أو لما كان غرضه التعليم أطلق عليه . ( قال أبو عبد الله جعل ذلك كله من الإيمان ) أبو عبد الله هو البخاري ، قوله : جعل أي النبي عليه الصلاة والسلام ، وأشار بذلك إلى ما ذكر في الحديث ، فإن قلت : قال البخاري أولا فجعل ذلك كله دينا ، وقال : هاهنا جعل ذلك كله من الإيمان ، قلت : أما جعله دينا فظاهر حيث قال عليه السلام في آخر الحديث : يعلم الناس دينهم ، وأما جعله إيمانا فكلمة من إما تبعيضية ، والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى ، وعند الناس فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه ، وإما ابتدائية ولا يخفى أن مبدأ الإحسان والإسلام هو الإيمان بالله إذ لولا الإيمان به لم تتصور العبادة له .
( باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ) الكلام فيه على أنواع ، الأول أن التقدير : هذا باب في بيان سؤال جبرائيل عليه السلام إلخ ، والباب مضاف إلى السؤال والسؤال إلى جبريل إضافة المصدر إلى فاعله ، وجبريل لا ينصرف للعلمية والعجمة ، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية في أوائل الكتاب ، وقوله : "النبي" منصوب لأنه مفعول المصدر ، وقوله : "عن الإيمان" يتعلق بالسؤال ، الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو المؤمن الذي يخاف أن يحبط عمله ، وفي هذا الباب يذكر بماذا يكون الرجل مؤمنا ومن المؤمن في الشريعة ، الثالث : قوله : "وعلم الساعة" عطف على قوله : "الإيمان" أي علم القيامة ، وقال الزمخشري : سميت ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها ، أو على العكس لطولها فهو تمليح كما يقال في الأسود كافور ، أو لأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من الساعات عند الخلق ، فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : ووقت الساعة لأن السؤال عن وقتها حيث قال : متى الساعة ؟ وكلمة متى للوقت ، وليس السؤال عن علمها ، قلت : فيه حذف تقديره : وعلم وقت الساعة بقرينة ذكر متى ، والعلم لازم السؤال إذ معناه : أتعلم وقت الساعة ، فأخبرني فهو متضمن للسؤال عن علم وقتها . وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له ثم قال : جاء جبريل عليه السلام يعلمكم دينكم ، فجعل ذلك كله دينا ، وما بين النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان ، وقوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وبيان مجرور لأنه عطف على قوله : سؤال ، قوله : "له" أي لجبريل عليه السلام ، وقد أعاد الكرماني الضمير إلى المذكور من قوله : "عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة" وهذا وهم منه ثم تكلف بجواب عن سؤال بناه على ما زعمه ذلك ، فقال : فإن قلت : لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الساعة فكيف قال : وبيان النبي عليه السلام له لأن الضمير إما راجع إلى الأخير ، أو إلى مجموع المذكور ، قلت : إما أنه أطلق وأراد أكثره إذ حكم معظم الشيء حكم كله أو جعل الحكم فيه بأنه لا يعلمه إلا الله بيانا له ، قوله : "ثم قال" أي النبي عليه السلام ، وهذا إشارة إلى كيفية استدلاله من سؤال جبريل عليه السلام ، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم إياه على جعل كل ذلك دينا فلذلك قال ثم قال بالجملة الفعلية عطفا على الجملة الاسمية لأن الأسلوب يتغير بتغير المقصود لأن مقصوده من الكلام الأول هو الترجمة ومن هذا الكلام كيفية الاستدلال ، فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان وفي عطف الفعلية على الاسمية وعكسها خلاف بين النحاة ، قوله : "فجعل" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : "ذلك" إشارة إلى ما ذكر في حديث أبي هريرة الآتي ، فإن قلت : علم وقت الساعة ليس من الإيمان فكيف قال كله ، قلت : الاعتقاد بوجودها وبعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى من الدين أيضا أو أعطى للأكثر حكم الكل مجازا ، وفيه نظر لأن لفظة "كل" يدفع المجاز ، قوله : "وما بين النبي صلى الله عليه وسلم" كلمة الواو هنا بمعنى المصاحبة ، والمعنى جعل النبي عليه السلام سؤال جبريل وجواب النبي عليه السلام كله دينا مع ما بين لوفد عبد القيس من الإيمان وبينه في قصتهم بما فسر به الإسلام هاهنا ، وأراد بهذا الإشعار بأن الإيمان والإسلام واحد على ما هو مذهبه ومذهب جماعة من المحدثين ، وقد نقل أبو عوانة الإسفرائني في صحيحه عن المزني صاحب الشافعي رحمه الله الجزم بأنهما واحد ، وأنه سمع ذلك منه ، وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما ، وقد بسطنا الكلام فيه في أوائل كتاب الإيمان ، وكلمة ما مصدرية تقديره مع بيان النبي عليه السلام لوفد عبد القيس ، قوله : "وقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ " عطف على قوله : "وما بين النبي عليه السلام" والتقدير : ومع قوله تعالى : " وَمَنْ يَبْتَغِ " أي مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين أي : ومن يطلب غير الإسلام دينا والابتغاء الطلب .
باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان أي : هذا باب من كره ، ويجوز في باب التنوين ، والوقف ، والإضافة إلى الجملة ، وعلى كل التقدير . قوله : من مبتدأ ، وخبره قوله : من الإيمان ، وأن في الموضعين مصدرية ، وكذلك كلمة ما ومن موصولة ، وكره أن يعود صلتها ، وفيه حذف تقدير الكلام باب كراهة من كره العود في الكفر ككراهة الإلقاء في النار من شعب الإيمان ، والكراهة ضد الإرادة ، والرضا والعود بمعنى الصيرورة . وقال الكرماني ضمن فيه معنى الاستقرار حتى عدى بفي ، ونحوه . قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قلت : في تجيء بمعنى إلى كما في قوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وجه المناسبة بين البابين أن في الباب الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أصحابه بعمل كانوا يسألونه أن يعملوا بأكثر من ذلك ، وذلك لوجدانهم حلاوة الإيمان من شدة محبتهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وهذا الباب أيضا يتضمن هذا المعنى ؛ لأن فيه من أحب الله ، ورسوله أكثر مما يحب غير الله ورسوله فإنه يفوز بحلاوة الإيمان . 1 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه ، وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث مشتمل على ثلاثة أشياء ، وفيما مضى بوبه على جزء منه ، وهاهنا بوب على جزء آخر ؛ لأن عادته قد جرت في التبويب على ما يستفاد من الحديث ، ولا ، يقال : : إنه تكرار ؛ لأن بينه ، وبين ما سبق تفاوت كثير في الإسناد والمتن ، أما في الإسناد ففيما مضى عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وهاهنا عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس . وأما في المتن ففيما مضى لفظه أن يكون الله ورسوله أحب ، وأن يحب المرء ، وأن يكره ، وأن يقذف موضع أن يلقى ، وهاهنا كما تراه مع زيادة بعد أن أنقذه الله على أن المقصود من إيراده هاهنا تبويب آخر غير ذلك التبويب لما قلنا ، وأما شيخ البخاري هاهنا فهو أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل ، بفتح الباء الموحدة ، والجيم المكسورة ، بعدها الياء آخر الحروف الساكنة ، وفي آخره لام . الأزدي الواشحي بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة البصري ، وواشح بطن من الأزد سكن مكة ، وكان قاضيها سمع شعبة ، والحمادين ، وغيرهم . وعنه أحمد والذهلي ، والحميدي والنجاري ، وهؤلاء شيوخه ، وقد شاركهم في الرواية عنه ، وروى عنه أبو داود أيضا ، وروى مسلم ، والترمذي ، وابن ماجه ، عن رجل ، عنه . قال أبو حاتم : هو إمام من الأئمة لا يدلس ، ويتكلم في الرجال والفقه ، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف ما رأيت في يده كتابا قط ، ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحرزوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل . قال البخاري : ولد سنة أربعين ومائة ، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين ، وكانت وفاته بالبصرة ، وكان قد عزل من قضاء مكة ، ورجع إليها . ( ومن لطائف إسناده ) أنهم كلهم بصريون ، وهو أحد ضروب علو الرواية . قوله : ثلاث ، أي : ثلاث خصال أو خلال ، وقد مر الإعراب فيه . قوله : من كان الله يجوز في إعرابه الوجهان أحدهما أن يكون بدلا من ثلاث أو بيانا ، والآخر أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، وتقدير الأول : من الذين فيهم الخصال الثلاث من كان الله إلى آخره ، ويجوز أن يكون خبرا لقوله ثلاث على تقدير كون الجملة الشرطية صفة لثلاث ، وقال الكرماني : يقدر قبل من الأولى والثانية لفظة محبة ، وقيل : من الثالثة : لفظ كراهة ، أي : محبة من كان ومن أحب ، وكراهة من كره ، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه ، وغلبة المحبة والكراهة عليهم جاز حذف المضاف منها . قلت : لا حاجة إلى هذا التقدير لاستقامة الإعراب ، والمعنى بدونه على ما لا يخفى . قوله : بعد إذ أنقذه الله بعد نصب على الظرف ، وإذ كلمة ظرف كما في قوله تعالى : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومعنى أنقذه الله : خلصه ونجاه ، وهو من الإنقاذ ، وثلاثيه النقذ . قال ابن دريد : النقذ مصدر نقذ بالكسر ينقذ نقذا بالتحريك إذا نجى . قال تعالى : فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا أي : خلصكم ، يقال : أنقذته ، واستنقذته ، وتنقذته إذا خلصته ، ونجيته . قال تعالى : لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ وفي ( العباب ) : والتركيب يدل على الاستخلاص .
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم أي : هذا باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ، والإضافة هاهنا متعينة ، وقوله : أنا أعلمكم بالله مقول القول ، كذا في رواية أبي ذر ، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه ، وفي رواية الأصيلي : أعرفكم ، فعن قريب يأتي الفرق بين المعرفة والعلم . وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول يبين فيه أن من الدين الفرار من الفتن ، وهذا لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل حيث يحفظ دينه ويعتزل الناس خوفا من الفتن ، وقوة الدين تدل على قوة المعرفة بالله تعالى ، فكلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه ، ومن هذا الباب يبين أن أعرف الناس بالله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم ، هو أقوى دينا من الكل . وبقي الكلام هاهنا في ثلاثة مواضع : الأول : أن هذا كتاب الإيمان ، فما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان . والثاني : ما مناسبة قوله : وأن المعرفة فعل القلب بما قبله ، ولا تعلق للحديث به أصلا ، ولا دلالة له عليه ، لا عقلا ولا وضعا . والثالث : ما مناسبة ذكر قوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ هاهنا ، فلا تعلق له بالإيمان ؛ لأنه في الإيمان ، ولا تعلق له بالباب أيضا ؟ قلت : أما وجه الأول فهو أن المعرفة بالله تعالى والعلم به من الإيمان ، فحينئذ دخل في كتاب الإيمان ، وفيه رد على الكرامية ؛ لأنهم يقولون : إن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وزعموا أن المنافق مؤمن في الظاهر ، وكافر في السريرة ، فيثبت له حكم المؤمنين في الدنيا ، وحكم الكافرين في الآخرة ، وأشار البخاري بالرد عليهم بأن الإيمان هو أو بعضه فعل القلب بالحديث المذكور . وأما وجه الثاني فهو أن الصحابة رضي الله عنهم لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : لا يتهيأ لكم ذلك لأني أعلمكم ، والعلم من جملة الأفعال ، بل من أشرفها ؛ لأنه عمل القلب ، فناسب قوله : وأن المعرفة فعل القلب بما قبله . وأما وجه الثالث فهو أنه أراد أن يستدل بالآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم ، ولا بد من انضمام العقيدة إليه ، ولا شك أن الاعتقاد فعل القلب ، فهو مناسب لقوله : وأن المعرفة فعل القلب ، ولا يضر استدلاله كون مورد الآية في الأيمان بالفتح ؛ لأن مدار العلم فيها أيضا على عمل القلب فنبه البخاري هاهنا على شيئين : أحدهما : الرد على الكرامية الذي هو متفق عليه بالوجه الذي ذكرنا . والآخر الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه على مقتضى مذهبه ؛ لأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنا أعلمكم بالله يدل ظاهرا على أن الناس متفاوتون في معرفة الله تعالى ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلمهم ، فإذا كان كذلك يكون الإيمان قابلا للزيادة والنقصان . قوله : وأن المعرفة ، بفتح الهمزة عطفا على القول لا على المقول ، وإلا لكان تكرارا ؛ إذ المقول ، وما عطف عليه حكمهما واحد ، ويجوز كسر إن ، ويكون كلاما مستأنفا . قوله : لقول الله تعالى استدلال بهذه الآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم . قوله : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، أي : بما عزمت عليه قلوبكم ، وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته ، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها ، وقوله عليه السلام : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به محمول على ما إذا لم يستقر ، وذلك معفو عنه بلا شك ؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار . فإن قلت : ما حقيقة المعرفة ؟ قلت : في اللغة : المعرفة مصدر عرفته أعرفه ، وكذلك العرفان ، وأما في اصطلاح أهل الكلام فهي معرفة الله تعالى بلا كيف ولا تشبيه . والفرق بينها وبين العلم أن المعرفة عبارة عن الإدراك الجزئي ، والعلم عن الإدراك الكلي . وبعبارة أخرى العلم إدراك المركبات ، والمعرفة إدراك البسائط ، وهذا مناسب لما يقوله أهل اللغة من أن العلم يتعدى إلى مفعولين ، والمعرفة إلى مفعول واحد ، وقال إمام الحرمين : أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى ، وقد استدل عليه بقوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ واختلف في أول واجب على المكلف ، فقيل : معرفة الله تعالى ، وقيل : النظر ، وقيل : القصد إلى النظر الصحيح ، وقال الإمام الذي أراه أنه لا اختلاف بينهما فإن أول واجب خطابا ومقصودا المعرفة ، وأول واجب اشتغالا وأداء القصد ، فإن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ، ولا يتوصل إلى المعارف إلا بالقصد . 1 - حدثنا محمد بن سلام ، قال : أخبرنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فإنها جزء منه . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو عبد الله محمد بن سلام بن الفرج السلمي مولاهم البخاري البيكندي سمع ابن عيينة ، وابن المبارك ، وغيرهما من الأعلام ، وعنه الأعلام الحفاظ كالبخاري ونحوه أنفق في العلم أربعين ألفا ، ومثلها في نشره ، ويقال : إن الجن كانت تحضر مجلسه ، وقال : أدركت مالكا ، ولم أسمع منه ، وكان أحمد يعظمه ، وعنه أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب ، وله رحلة ، ومصنفات في أبواب من العلم ، وانكسر قلمه في مجلس شيخ ، فأمر أن ينادى قلم بدينار فطارت إليه الأقلام ، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين ، وانفرد البخاري به عن الكتب الستة . ثم اعلم أن سلاما والد محمد المذكور بالتخفيف على الصواب ، وبه قطع المحققون ، منهم : الخطيب ، وابن ماكولا ، وهو ما ذكره غبخار في ( تاريخ بخارى ) ، وهو أعلم ببلاده ، وحكاه أيضا عنه ، فقال : قال سهل بن المتوكل : سمعت محمد بن سلام يقول : أنا محمد بن سلام بالتخفيف ، ولست بمحمد بن سلام ، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن ، وأما صاحب ( المطالع ) فادعى أن التشديد رواية الأكثرين ، ولعله أراد أكثر شيوخ بلده . وقال النووي : لا يوافق على هذه الدعوى فإنها مخالفة للمشهور . الثاني : أبو محمد عبدة بسكون الباء ابن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي ، هكذا نسبه محمد بن سعد في ( الطبقات ) ، وقيل : اسمه عبد الرحمن وعبدة لقبه ، سمع جماعة من التابعين ، منهم هشام ، والأعمش ، وعنه الأعلام أحمد وغيره ، قال أحمد : ثقة ثقة ، وزيادة مع صلاح ، وقال العجلي : ثقة رجل صالح صاحب قرآن ، توفي بالكوفة في جمادى ، وقيل : في رجب سنة ثمان وثمانين ومائة . قال الترمذي ، وقال البخاري : سنة سبع ، روى له الجماعة . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبو عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة رضي الله عنها ، وقد ذكروا في باب الوحي . ( بيان الأنساب ) السلمي ، بضم السين ، وفتح اللام في قيس غيلان ، وفي الأزد ، فالذي في قيس غيلان سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان ، والذي في الأزد سليم بن بهم بن غنم بن دوس ، وهو من شاذ النسب ، وقياسه سليمي . البخاري نسبة إلى بخارى ، بضم الباء الموحدة مدينة مشهورة بما وراء النهر خرجت منها العلماء ، والصلحاء ، ويشتمل على بخارى ، وعلى قراها ، ومزارعها سور واحد نحو اثني عشر فرسخا في مثلها ، وقال ابن حوقل : ورساتيق بخارى تزيد على خمسة عشر رستاقا ، جميعها داخل الحائط المبني على بلادها ، ولها خارج الحائط أيضا عدة مدن منها فربر ، وغيرها البيكندي بباء موحدة مكسوة ، ثم ياء آخر الحروف ساكنة ، ثم كاف مفتوحة ، ثم نون ساكنة ، نسبة إلى بيكند بلدة من بلاد بخارى على مرحلة منها خربت ، ويقال : الباكندي أيضا ، ويقال : بالفاء أيضا الفاكندي ، وينسب إليها ثلاثة أنفس انفرد البخاري بهم ، أحدهم محمد بن سلام المذكور ، وثانيهم محمد بن يوسف ، وثالثهم يحيى بن جعفر الكلابي في قيس غيلان ، ينسب إلى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه تحديثا ، وإخبارا ، وعنعنة ، والإخبار في قوله : أخبرنا عبيدة بن سليمان . وفى رواية الأصيلي : حدثنا . ومنها أن إسناده مشتمل على بخاري ، وكوفي ، ومدني . ومنها أن رواته أئمة أجلاء . ( بيان من أخرجه ) هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم ، وهو من غرائب الصحيح ، لا يعرف إلا من هذا الوجه ، وهو مشهور عن هشام ، فرد مطلق من حديثه ، عن أبيه ، عن عائشة . ( بيان اللغات ) . قوله : بما يطيقون من أطاق يطيق إطاقة ، وطوقتك الشيء ، أي : كلفتك به . قوله : كهيئتك الهيئة الحالة والصورة ، وفي ( العباب ) الهيئة : الشارة ، وفلان حسن الهيئة ، والهيئة بالفتح ، والكسر ، والهيء على فيعل الحسن الهيئة من كل شيء ، يقال : هاء يهاء هيئة . قوله : إن الله قد غفر الغفر في اللغة الستر ، وفي ( العباب ) الغفر التغطية ، والغفر ، والغفران ، والمغفرة واحد ، ومغفرة الله لعبده إلباسه إياه العفو ، وستر ذنوبه . قوله : فيغضب من غضب عليه غضبا ومغضبة ، أي : سخط ، وقال ابن عرفة : الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ، ويكون منه محمود ومذموم ، والمذموم ما كان في غير الحق ، وأما غضب الله تعالى فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه . وقال الطحاوي رحمه الله : إن الله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى . قال في ( العباب ) : وأصل التركيب يدل على شدة وقوة . ( بيان الإعراب ) . قوله : رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم اسم كان وخبره . قوله : إذا أمرهم قوله : قالوا جواب إذا قوله : لسنا كهيئتك ليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه الصلاة والسلام ، فلا بد من تأويل في أحد الطرفين ، فقيل : المراد من كهيئتك كمثلك ، أي : كذاتك أو كنفسك ، وزيد لفظ الهيئة للتأكيد نحو : مثلك لا يبخل أو التقدير في لسنا ليس حالنا ، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه ، واتصل الفعل بالضمير ، فقيل : لسنا ، فالنون اسم ليس وخبره . قوله : كهيئتك . قوله : ما تقدم جملة في محل النصب على أنها مفعول غفر ، وكلمة من بيانية ، وقوله ، وما تأخر عطف عليه ، والتقدير : وما تأخر من ذنبك . قوله : فيغضب على صورة المضارع فهو وإن كان بلفظ المضارع ، ولكن المقصود حكاية الحال الماضية ، واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين ، وفي أكثر النسخ : فغضب بلفظ الماضي . قوله : حتى يعرف الغضب على صيغة المجهول ، والغضب مرفوع به ، وإما يعرف فإنه منصوب بتقدير أن ، أي : حتى أن يعرف الغضب ، والنصب هو الرواية ، ويجوز فيه الرفع بأن يكون عطفا على فيغضب فافهم . قوله : إن أتقاكم ، أي : أكثركم تقوى وخشية من الله تعالى ، واتقاكم اسم إن ، وأعلمكم عطف عليه ، وقوله : أنا خبره ، وفي كتاب أبي نعيم ، وأعلمكم بالله ؛ لأنا بزيادة لام التأكيد . ( بيان المعاني ) . قوله : إذا أمرهم من الأعمال ، أي : إذا أمر الناس بعمل أمرهم بما يطيقون ظاهره أنه كان يكلفهم بما يطاق فعله ، لكن السياق دل على أن المراد أنه يكلفهم بما يطاق الدوام على فعله ، ووقع في معظم الروايات : كان إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بتكرار أمرهم ، وفي بعضها : أمرهم مرة واحدة ، وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث من طريق عبدة ، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام عند أحمد ، وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ، ولفظه : كان إذا أمر الناس بالشيء قالوا ، والمعنى على التكرير كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه فأمرهم . الثاني : يكون جواب الشرط . فإن قلت : فعلى هذا ما يكون . قوله : قالوا . قلت : يكون جوابا ثانيا . قوله : إنا لسنا كهيأتك ، أرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة ، والرغبة في الخير ، يقولون : أنت مغفور لك ، لا تحتاج إلى عمل ، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة ؟ فرد عليهم ، وقال : أنا أولى بالعمل ؛ لأني أعلمكم وأخشاكم . قوله : إن الله قد غفر لك اقتباس من قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وقد عرفت ما في هذا التركيب من المؤكدات . فإن قلت : النبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكبائر والصغائر ، فما ذنبه الذي غفر له ؟ قلت : المراد منه ترك الأولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل ، وترك الأفضل كأنه ذنب لجلالة قدر الأنبياء عليهم السلام ، ويقال : المراد منه ذنب أمته . قوله : أتقاكم إشارة إلى كمال القوة العملية ، و أعلمكم إلى كمال القوة العلمية ، ولما كان عليه السلام جامعا لأقسام التقوى حاويا لأقسام العلوم ما خصص التقوى ولا العلم ، وأطلق ، وهذا قريب مما قال علماء المعاني : قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق ، ويعلم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه أفضل من كل واحد ، وأكرم عند الله ، وأكمل ؛ لأن كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية ، وهو الذي بلغ الدرجة العليا ، والمرتبة القصوى منهما يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع حيث قال : أتقاكم وأعلمكم خطابا للجميع . ( بيان استنباط الفوائد ) ، وهو على وجوه : الأول : أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ، ومحو الخطيئات ؛ لأنه عليه السلام لم ينكر عليهم استدلالهم من هذه الجهة بل من جهة أخرى . الثاني : أن العبادة الأولى فيها القصد وملازمة ما يمكن الدوام عليه . الثالث : أن الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادا على صلاحه . الرابع : أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلته إذا دعت إلى ذلك حاجة . الخامس : أنه ينبغي أن يحرص على كتمانها فإنه يخاف من إشاعتها زوالها . الثالث : فيه جواز الغضب عند رد أمر الشرع ، ونفوذ الحكم في حال الغضب ، والتغير . السابع : فيه دليل على رفق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأمته ، وأن الدين يسر ، وأن الشريعة حنيفية سمحة . الثامن : فيه الإشارة إلى شدة رغبة الصحابة في العبادة ، وطلبهم الازدياد من الخير .
( باب ) كذا وقع بلا ترجمة في رواية كريمة ، وأبي الوقت ، وسقط ذلك بالكلية من رواية أبي ذر ، والأصيلي ، وغيرهما ، ورجح النووي الأول قال : لأن الترجمة يعني سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث ، فلا يصح إدخاله فيه ، وقد قيل : نفي التعليق لا يتم هنا على الحالين لأنه إن ثبت لفظ باب بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله فلا بد له من تعلق به ، وإن لم يثبت فتعلقه به متعين لكنه يتعلق بقوله في الترجمة جعل ذلك كله دينا ، ووجه بيان التعلق أنه سمى الدين إيمانا في حديث هرقل فيتم مراد البخاري بكون الدين هو الإيمان ، فإن قلت : لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل ، قلت : إنه ما قاله من قبل اجتهاده ، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأيضا فهرقل قاله بلسانه الرومي ، فرواه عنه أبو سفيان بلسانه العربي ، وألقاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو من علماء اللسان ، فرواه عنه ، ولم ينكره ، فدل على أنه صحيح لفظا ومعنى ، وقد يقال : إن هذا لم يكن أمرا شرعيا ، وإنما كان محاورة ولا شك أن محاوراتهم كانت على العرف الصحيح المعتبر الجاري على القولين ، فجاز الاستدلال بها ، فإن قلت : باب كيف يقرأ ، وهل له حظ من الإعراب ؟ قلت : إن قدرت له مبتدأ يكون مرفوعا على الخبرية والتقدير : هذا باب ، وإلا لا يستحق الإعراب ، لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، ويكون مثل الأسماء التي تعد ، وهو هنا بمنزلة قولهم بين الكلام فصل كذا وكذا يذكرونه ليفصلوا به بين الكلامين . حدثنا إبراهيم بن حمزة قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره قال : أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له : سألتك هل يزيدون أم ينقصون ، فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد . لم يضع لهذا ترجمة ، وإنما اقتصر من حديث أبي سفيان الطويل على هذه القطعة لتعلق غرضه بها ، وساقه في كتاب الجهاد تاما بهذا الإسناد الذي أورده هاهنا ، ومثل هذا يسمى خرما ، وهو أن يذكر بعض الحديث ، ويترك البعض فمنعه بعضهم مطلقا ، وجوزه الآخرون مطلقا ، والصحيح أنه يجوز من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ، ولا تختلف الدلالة ، ولا فرق بين أن يكون قد رواه قبل على التمام أو لم يروه ، قال الكرماني : فممن وقع هذا الخرم ، قلت : الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري ، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر ، قلت : كيف يكون الخرم من الزهري ، وقد أخرجه البخاري بتمامه بهذا الإسناد في كتاب الجهاد ، وليس الخرم إلا من البخاري للعلة التي ذكرناها آنفا . ( ذكر رجاله ) وهم ستة الأول : إبراهيم بن حمزة بن محمد بن مصعب بن عبد الله بن زبير بن العوام القرشي الأسدي المدني روى عن جماعة من الكبار ، وروى عنه البخاري ، وأبو داود ، وغيرهما ، وروى النسائي عن رجل عنه قال ابن سعد : ثقة صدوق مات سنة ثلاثين ومائتين بالمدينة ، الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني ، وقد مر فيما مضى ، الثالث : صالح بن كيسان الغفاري المدني ، وتقدم ، الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وتقدم ذكره غير مرة ، الخامس : عبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن ، وتكبير الأب ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وقد مر ذكره ، السادس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن رواته مدنيون ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين ، ومنها أن بينه وبين الزهري هاهنا ثلاثة أنفس ، وفي الحديث المتقدم الذي فيه قصة هرقل شيخان هما أبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة . ثم اعلم أنا قد استوفينا الكلام في هذا الحديث في أول الكتاب غير أن فيه هاهنا بعض التغييرات في الألفاظ نشير إليها فنقول : قوله : "هل يزيدون" وقع هنا "أيزيدون" بالهمزة ، وكان القياس بالهمزة لأن أم المتصلة مستلزمة للهمزة ، ولكن نقول : إن أم هاهنا منقطعة لا متصلة تقديره : بل أينقصون حتى يكون إضرابا عن سؤال الزيادة واستفهاما عن النقصان ، ولئن سلمنا أنها متصلة لكنها لا تستلزم الهمزة بل الاستفهام قال الزمخشري : أم لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة فهو أعم من الهمزة ، فإن قيل : شرط بعض النحاة وقوع المتصلة بين الاسمين ، قلت : قد صرحوا أيضا بأنها لو وقعت بين الفعلين جاز اتصالها لكن بشرط أن يكون فاعل الفعلين متحدا كما في مسألتنا ، فإن قلت : المعنى على تقدير الاتصال غير صحيح لأن هل لطلب الوجود ، وأم المتصلة لطلب التعيين سيما في هذا المقام فإنه ظاهر أنه للتعيين ، قلت : يجب حمل مطلب هل على أعم منه تصحيحا للمعنى وتطبيقا بينه وبين الرواية المتقدمة في أول الكتاب ، قوله : "فزعمت" وفيما مضى : "فذكرت" ، قوله : "وكذلك أمر الإيمان" ، وفيما مضى : "وكذلك الإيمان" ، قوله : "هل يرتد" ، وفيما مضى : "أيرتد" ، قوله : "فزعمت" ، وفيما مضى : "فذكرت" ، قوله : "لا يسخطه أحد" لم يذكر فيما مضى .
باب من الدين الفرار من الفتن . أي : هذا باب ، ولا يجوز فيه الإضافة ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن معنى الباب الأول : متضمن معنى هذا الباب ، وذلك لأن النقباء من الأنصار ، والأنصار كلهم خيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم في محبته فرارا بدينهم من فتن الكفر والضلال ، وكذلك هذا الباب يبين فيه ترك المسلم الاختلاط بالناس ، ومعاشرتهم ، واختياره العزلة والانقطاع فرارا بدينه من فتن الناس ، والاختلاط بهم . فإن قلت : لم لم يقل : باب من الإيمان الفرار من الفتن ، كما ذكر هكذا في أكثر الأبواب الماضية ، والأبواب الآتية ، وأيضا عقد الكتاب في الإيمان . قلت : إنما قال ذلك ليطابق الترجمة الحديث الذي يذكره في الباب ، فإن المذكور فيه الفرار بالدين من الفتن ، ولا يحتاج أن يقال : لما كان الإيمان والإسلام مترادفين عنده ، وقال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ أطلق الدين في موضع الإيمان . فإن قلت : قال النووي في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر ؛ لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينا ، وإنما هو صيانة للدين . قلت : لم يرد بكلامه الحقيقة ؛ لأن الفرار ليس بدين ، وإنما المراد أن الفرار للخوف على دينه من الفتن شعبة من شعب الدين ، ولهذا ذكره بمن التبعيضية ، وتقدير الكلام : باب الفرار من الفتن شعبة من شعب الدين . 1 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن . المطابقة بين الحديث والترجمة ظاهرة على ما ذكرنا . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن مسلمة ، بفتح الميم ، واللام ، وسكون السين المهملة ابن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي البصري ، وكان مجاب الدعوة ، روى عن مالك ، والليث بن سعد ، ومخرمة بن بكير ، وابن أبي ذئب ، وسمع من أحاديث شعبة حديثا واحدا اتفق على توثيقه وجلالته ، وأنه حجة ثبت ، رجل صالح ، وقيل لمالك : إن عبد الله قدم ، فقال : قوموا بنا إلى خير أهل الأرض ، روى عنه البخاري ، ومسلم ، وأكثرا ، وروى الترمذي والنسائي عن رجل عنه ، وروى مسلم عن عبد بن حميد عنه حديثا واحدا في الأطعمة ، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين بمكة . الثاني : مالك بن أنس إمام دار الهجرة . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، واسمه عمرو بن زيد بن عوف بن منذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأنصاري المازني المدني ، ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة ، روى له البخاري ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال الخطيب في كتابه ( رافع الارتياب ) : إن الصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة . قال ابن المديني ، ووهم ابن عيينة ، حيث قال : عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، وقال الدارقطني : لم يختلف على مالك في اسمه . قلت : في ( الثقات ) لابن حبان خالفهم مالك ، فقال : عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة . الرابع : أبوه عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، وثقه النسائي ، وابن حبان ، وروى له البخاري ، وأبو داود ، وكان جده شهد أحدا ، وقتل يوم اليمامة شهيدا مع خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وأبوه عمرو ، مات في الجاهلية ، قتله بردع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر من الأوس ، ثم أسلم بردع ، وشهد أحدا . الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن عبيد ، وقيل : عبد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر استصغر يوم أحد فرد ، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، واستشهد أبوه يوم أحد ، روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثا . اتفقا منها على ستة وأربعين وانفرد البخاري بستة عشر ، ومسلم باثنين وخمسين ، روى عن جماعة من الصحابة ، منهم : الخلفاء الأربعة ، ووالده مالك ، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان ، وروى عنه جماعة من الصحابة ، منهم : ابن عمر ، وابن عباس ، وخلق من التابعين ، توفي بالمدينة سنة أربع وستين ، وقيل : أربع وسبعين ، روى له الجماعة ، واعلم أن منهم من قال : إن اسم أبي سعيد هذا سنان بن مالك بن سنان ، والأصح ما ذكرناه أنه سعد بن مالك بن سنان ، وفي الصحابة أيضا سعد بن أبي وقاص مالك وسعد بن مالك العذري قدم في وفد عذرة . ( بيان الأنساب ) القعنبي ، هو عبد الله بن مسلمة شيخ البخاري ، ونسبته إلى جده قعنب ، والقعنب في اللغة الشديد ، ومنه يقال للأسد : القعنب ، ويقال : القعنب الثعلب الذكر . والمازن في قبائل ، ففي قيس بن غيلان مازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان ، وفي قيس بن غيلان أيضا مازن بن صعصعة . وفي فزارة مازن بن فزارة ، وفي ضبة مازن بن كعب ، وفي مذحج مازن بن ربيعة ، وفي الأنصار مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، وفي تميم مازن بن مالك ، وفي شيبان بن ذهل مازن بن شيبان ، وفي هذيل مازن بن معاوية ، وفي الأزد مازن بن الأزد ، والخدري ، بضم الخاء المعجمة ، وسكون الدال المهملة نسبة إلى خدرة أحد أجداد أبي سعيد ، وقال ابن حبان في ( ثقاته ) في ترجمة أبي سعيد : إن خدرة من اليمن ، ومراده أن الأنصار من اليمن ، فهم بطن من الأنصار ، وهم نفر قليل بالمدينة ، وقال أبو عمر : خدرة وخدارة بطنان من الأنصار ، فأبو مسعود الأنصاري من خدارة ، وأبو سعيد من خدرة ، وهما ابنا عوف بن الحارث كما تقدم ، وضبط أبو عمر خدارة ، بضم الخاء المعجمة ، وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم المكسورة ، وصوبه الرشاطي ، وكذا نص عليه العسكري في الصحابة ، والحافظ أبو الحسن المقدسي . واعلم أن الخدري بالضم ، يشتبه بالخدري بالكسر ، نسبة إلى خدرة بطن من ذهل بن شيبان ، وبالخدري بفتح الخاء ، والدال ، وهو محمد بن حسن متأخر ، روى عن أبي حاتم ، وبالجدري بفتح الجيم ، والدال ، وهو عمير بن سالم ، وبكسر الجيم ، وسكون الدال الجدري نسبة إلى جدرة بطن من كعب . ( بيان لطائف الإسناد ) ، منها أن هذا الإسناد كله مدنيون . ومنها أن فيه فرد تحديث ، والباقي عنعنة . ومنها أن فيه صحابي ابن صحابي . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) . هذا من أفراد البخاري عن مسلم . ورواه هاهنا عن القعنبي ، وفي الفتن عن ابن يوسف ، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل ثلاثتهم عن مالك به ، وفي الرقاق وعلامات النبوة عن أبي نعيم ، عن الماجشون ، عن عبد الرحمن به ، وهو من أحاديث مالك في الموطأ ، وزعم الإسماعيلي في ( مستخرجه ) أن إسحاق بن موسى الأنصاري رواه عن معن ، عن مالك ، فجعله من قول أبي سعيد لم يجاوزه ، وقال الإسماعيلي : أسنده ابن وهب التنيسي وسويد وغيرهم ، والحديث أخرجه أبو داود والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) : قوله : يوشك ، بضم الياء ، وكسر الشين المعجمة ، أي : يقرب ، ويقال في ماضيه : أوشك ، ومن أنكر استعماله ماضيا فقد غلط ، فقد كثر استعماله ، قال الجوهري : أوشك فلان يوشك إيشاكا ، أي : أسرع . قال جرير : إذا جهل اللئيم ، ولم يقدر لبعض الأمر أوشك أن يصابا قال : والعامة تقول : يوشك ، بفتح الشين ، وهي لغة رديئة . وقال ابن السكيت ، واشك يواشك وشاكا ، مثل : أوشك ، ويقال : إنه مواشك ، أي : مسارع . وفي ( العباب ) قولهم : وشك ذا خروجا بالضم يوشك ، أي : يسرع ، وقال ابن دريد : الوشك السرعة ، ويقال الوشك والوشك ، ودفع الأصمعي الوشك يعني بالكسر . وقال الكسائي : عجبت من وشكان ذلك الأمر ، ومن وشكانه ، أي : من سرعته ، وفي المثل : وشكان ماذا إذابة وحقنا ، أي : أي ما أسرع ما أذيب هذا السمن وحقن ، ونصب إذابة ، وحقنا على الحال ، وإن كانا مصدرين ، كما يقال : سرع ذا مذابا ومحقونا ، ويجوز أن يحمل على التمييز كما يقال : حسن زيد وجها ، يضرب في سرعة وقوع الأمر ، ولمن يخبر بالشيء قبل أوانه ، ويقال : وشكان ذا إهالة . فإن قلت : هل يستعمل منه اسم الفاعل ؟ قلت : نعم ، ولكنه نادر . قال كثير بن عبد الرحمن : فإنك موشك أن لا تراها وتغدو دون غاضرة العوادي وغاضرة بالمعجمتين اسم جارية أم البنتين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، والعوادي عوائق الدهر ، وموانعه . قوله : غنم الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث جميعا ، وعلى الذكور وحدهم ، وعلى الإناث وحدها ، فإذا صغرتها الحقتها الهاء ، فقلت : غنيمة ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لازم لها ، ويقال له خمس من الغنم ذكور ، فيؤنث العدد ؛ لأن العدد يجري على تذكيره ، وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى . قوله : يتبع بتشديد التاء وتخفيفها ، فالأول من باب الافتعال من اتبع اتباعا ، والثاني من تبع بكسر الباء يتبع بفتحها تبعا بفتحتين ، وتباعة بالفتح ، يقال : تبعت القوم إذا مشى خلفهم أو مروا به فمضى معهم . قوله : شعف الجبال بشين معجمة مفتوحة ، وعين مهملة مفتوحة ، جمع شعفة بالتحريك رأس الجبل ، ويجمع أيضا على شعوف ، وشعاف ، وشعفات . قاله في ( العباب ) ، وفي ( الموعب ) عن الأصمعي : إن الشعاف بالكسر ، وعن ابن قتيبة شعفة كل شيء أعلاه . قوله : ومواقع القطر ، أي : المطر ، والمواقع جمع موقع بكسر القاف ، وهو موضع نزول المطر . قوله : يفر من فر يفر فرارا ومفرا إذا هرب ، والمفر بكسر الفاء موضع الفرار ، والفتن جمع فتنة ، وأصل الفتنة الاختبار ، يقال : فتنت الفضة على النار إذا خلصتها ، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار للمكروه ، ثم كثر استعماله في أبواب المكروه ، فجاء مرة بمعنى الكفر كقوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ويجيء للإثم كقوله تعالى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ويكون بمعنى الإحراق كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي : حرقوهم ، ويجيء بمعنى الصرف عن الشيء كقوله تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ( بيان الإعراب ) : قوله : يوشك من أفعال المقاربة عند النحاة ، وضع لدنو الخبر أخذا فيه ، وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال ، فيجوز أوشك زيد يجيء ، وأن يجيء ، وأوشك أن يجيء زيد على الأوجه الثلاثة ، وخبره يكون فعلا مضارعا مقرونا بأن ، وقد يسند إلى أن كما قلنا في الأوجه الثلاثة . والحديث من هذا القبيل حيث أسند يوشك إلى أن والفعل المضارع فسد ذلك مسد اسمه وخبره ، ومثله قول الشاعر : يوشك أن يبلغ منتهى الأجل فالبر لازم برجا ووجل قوله : خير يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وخبره قوله : غنم ، ويكون في يكون ضمير الشأن ؛ لأنه كلام تضمن تحذيرا وتعظيما لما يتوقع ، وأما النصب فعلى كونه خبر يكون مقدما على اسمه ، وهو قوله : غنم ، ولا يضر كون غنم نكرة ؛ لأنها وصفت بقوله : يتبع بها ، وقد ، روى غنما بالنصب ، وهو ظاهر ، والأشهر في الرواية نصب خبر ، وفي رواية الأصيلي بالرفع ، والضمير في بها يرجع إلى الغنم ، وقد ذكرنا أنه اسم جنس يجوز تأنيثه باعتبار معنى الجمع . قوله : شعف الجبال كلام إضافي منصوب على أنه مفعول يتبع . قوله : ومواقع القطر أيضا كلام إضافي منصوب عطفا على شعف الجبال . قوله : يفر بدينه من الفتن ، أي : من فساد ذات البين وغيرها ، وقوله : يفر جملة من الفعل ، والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى المسلم ، وهي في محل النصب على الحال إما من الضمير الذي في يتبع أو من المسلم ، ويجوز وقوع الحال من المضاف إليه نحو قوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا فإن قلت : إنما يقع الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزأ من المضاف إليه أو في حكمه كما في : رأيت وجه هند قائمة ، فإنه يجوز ولا يجوز قولك : رأيت غلام هند قائمة ، والمال ليس بجزء للمسلم . قلت : المال لشدة ملابسته بذي المال كأنه جزء منه ، وكذلك الملة ليس بجزء لإبراهيم حقيقة ، وإنما هي بمنزلة الجزء منه ، ويجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية ، وهي في الحقيقة جواب سؤال مقدر ، ويقدر ذلك بحسب ما يقتضيه المقام ، والباء في بدينه للسببية ، وكلمة من في قوله : من الفتن ابتدائية تقديره : يفر بسبب دينه ، ومنشأ فراره الدين ، ويجوز أن تكون الباء للمصاحبة كما في قوله تعالى : اهْبِطْ بِسَلامٍ أي : معه . ( بيان استنباط الفوائد ) ، وهو على وجوه : الأول : فيه فضل العزلة في أيام الفتن إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين ، وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان ، وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل . قال النووي : مذهب الشافعي والأكثرين إلى تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفوائد ، وشهود شعائر الإسلام ، وتكثير سواد المسلمين ، وإيصال الخير إليهم ، ولو بعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز ، وإفشاء السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون على البر والتقوى ، وإعانة المحتاج ، وحضور جماعاتهم ، وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد ، فإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه ، وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفا بوظائف العبادة التي تلزمه ، وما يكلف به قال : والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي . وقال الكرماني : المختار في عصرنا تفضيل الانعزال لندور خلو المحافل عن المعاصي . قلت : أنا موافق له فيما قال ، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور . الثاني : فيه الاحتراز عن الفتن ، وقد خرجت جماعة من السلف عن أوطانهم ، وتغربوا خوفا من الفتنة ، وقد خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة في فتنة عثمان رضي الله عنه . الثالث : فيه دلالة على فضيلة الغنم ، واقتنائها على ما نقول عن قريب إن شاء الله تعالى . الرابع : فيه إخبار بأنه يكون في آخر الزمان فتن ، وفساد بين الناس ، وهذا من جملة معجزاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم قيد بالغنم ، وأجيب بأن هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربا ، والشبهات المكروهة ، وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة ، وقد رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أنها سهلة الانقياد خفيفة المؤنة كثيرة النفع . ومنها ما قيل : لم قيد الاتباع بالمواضع الخالية مثل شعف الجبال ونحوها ؟ وأجيب بأنها أسلم غالبا من المعادلات المؤدية إلى الكدورات . ومنها ما قيل : ما وجه كون الغنم خير مال المسلم ؟ وأجيب بأنه لما كان فيها الجمع بين الرفق والربح ، وصيانة الدين كانت خير الأموال التي يعتنى بها المسلم . ومنها ما قيل : لم قيد الاتباع المذكور بقوله : يفر بدينه من الفتن ؟ وأجيب للإشعار بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصاما للدين لا للأمر الدنيوي كطلب كثرة العلف ، وقلة أطماع الناس فيه . ومنها ما قيل : كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة ، وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة ، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد والجمعة ، وأهل الآفاق لوقوف عرفة ، وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم ، ولهذا قال الفقهاء : يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ، ومن القرية إلى البلد لا عكسهما ، وأجيب بأن ذلك عند عدم الفتنة ، وعدم وقوعه في المعاصي ، وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء ، وأما اتباع الشعف ، والمقاطر ، وطلب الخلوة ، والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات .
( باب كفران العشير وكفر بعد كفر ) الكلام فيه على وجهين : الأول : وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الأبواب التي قبله هو أن المذكور في الأبواب الماضية هو أمور الإيمان والكفر ضده ، والمناسبة بينهما من جهة التضاد لأن الجامع بين الشيئين على أنواع عقلي بأن يكون بينهما اتحاد في التصور أو تماثل أو تضايف كما بين الأقل والأكثر والعلو والسفل ، ووهمي بأن يكون بين تصور الشيئين شبه تماثل كلوني بياض وصفرة ، أو تضاد كالسواد والبياض والإيمان والكفر ، وشبه تضاد كالسماء والأرض وخيالي بأن يكون بينهما تقارن في الخيال وأسبابه مختلفة كما عرف في موضعه ، ولم أر شارحا ذكر وجه المناسبة ههنا كما ينبغي ، وقال بعض الشارحين : أردف البخاري هذا الباب بالذي قبله لينبه على أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله ، فأجابهم أنه عليه السلام أراد كفرهن حق أزواجهن وذلك لا محالة نقص من إيمانهن لأنه يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر ، فظهر بهذا أن الأعمال من الإيمان وأنه قول وعمل ، وقال النووي في الحديث أراد به حديث الباب أنواع من العلم منها ما ترجم له وهو أن الكفر قد يطلق على غير الكفر بالله تعالى ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة ، وهذا كما ترى ليس في كلام واحد منهم ما يليق بوجه المناسبة ، والوجه ما ذكرناه ولكن كان ينبغي أن يذكر هذا الباب والذي بعده من الأبواب الأربعة عقيب باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( الدين النصيحة لله ) إلخ بعد الفراغ من ذكر الأبواب التي فيها أمور الإيمان رعاية للمناسبة الكاملة . ( الوجه الثاني في الإعراب والمعنى ) فقوله " باب " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده ، والتقدير هذا باب في بيان كفران العشير وبيان كفر دون كفر ، وقوله "وكفر" عطف على كفران ، وقوله " دون كفر " كلام إضافي صفته و " دون " نصب على الظرف و "الكفران " مصدر كالكفر ، والفرق بينهما أن الكفر في الدين والكفران في النعمة ، وفي ( العباب ) الكفر نقيض الإيمان ، وقد كفر بالله كفرا ، والكفر أيضا جحود النعمة وهو ضد الشكر ، وقد كفرها كفورا وكفرانا وأصل الكفر التغطية ، وقد كفرت الشيء أكفره بالكسر كفرا بالفتح أي سترته ، وكل شيء غطى شيئا فقد كفره ، ومنه الكافر لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله ، ويقال للزارع الكافر لأنه يغطي البذر تحت التراب ، ورماد مكفور إذا سفت الريح التراب عليه حتى غطته ، والعشير فعيل بمعنى معاشر كالأكيل بمعنى المؤاكل من المعاشرة وهي المخالطة وقيل الملازمة ، قالوا : المراد ههنا الزوج يطلق على الذكر والأنثى لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه ، وحمله البعض على العموم والعشير أيضا الخليط والصاحب ، وفي ( العباب ) العشير المعاشر ؛ قال الله تعالى : لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ والعشير الزوج . ثم روى الحديث المذكور والعشير العشر كما يقال للنصف نصيف وللثلث ثليث وللسدس سديس ، والعشير في حساب مساحة الأرض عشر القفيز ، والقفيز عشر الجريب ، والعشيرة القبيلة والمعشر الجماعة . قوله " وكفر دون كفر " أشار به إلى تفاوت الكفر في معناه أي وكفر أقرب من كفر كما يقال هذا دون ذلك أي أقرب منه ، والكفر المطلق هو الكفر بالله وما دون ذلك يقرب منه ، وتحقيق ذلك ما قاله الأزهري الكفر بالله أنواع : إنكار وجحود ، وعناد ونفاق ؛ وهذه الأربعة من لقى الله تعالى بواحد منها لم يغفر له ؛ فالأول أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد كما قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ الآية ، أي الذين كفروا بالتوحيد وأنكروا معرفته . والثاني أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه وهذا ككفر إبليس وبلعام وأمية بن أبي الصلت . والثالث : أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد ككفر أبي طالب . والرابع : أن يقر بلسانه ويكفر بقلبه ككفر المنافقين . قال الأزهري : ويكون الكفر بمعنى البراءة كقوله تعالى حكاية عن الشيطان : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي تبرأت ، قال : وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا ، فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه يرتكب الكبائر من القتل والسعي في الأرض بالفساد ومنازعة الأمر أهله وشق عصا المسلمين ونحو ذلك ، انتهى ، وقد أطلق الشارع الكفر على ما سوى الأربعة وهو كفران الحقوق والنعم كهذا الحديث ونحوه ، وهذا مراده من قوله " وكفر دون كفر " ، وفي بعض الأصول : ( وكفر بعد كفر ) وهو بمعنى الأول . ( فيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . أي في الباب يروى حديث عن أبي سعيد الخدري هذه رواية كريمة ، وفي رواية غيرها فيه أبو سعيد أي يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد سعد بن مالك الخدري الصحابي المشهور ، وأشار بهذا إلى أن الحديث الذي ذكره في هذا الباب له طريق غير الطريق التي ساقها ههنا ، وقد أخرج البخاري حديث أبي سعيد في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم للنساء : ( تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، فقلن : وبم يا رسول الله؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير ) ، الحديث ، وقال بعضهم : يحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد : ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) . قلت : هذا بعيد ومراده ما ذكرناه ، ويؤيده ما في حديث ابن عباس من قوله " وتكفرن العشير " كذا في حديث أبي سعيد وترجمة الباب بهذه اللفظة ولا يناسب الترجمة إلا حديثاهما ، فافهم . 1 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن ، قيل : أيكفرن بالله؟ قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها في كفران العشير وإطلاق الكفر على غير الكفر بالله . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي المدني ، وقد تقدم ذكره . الثاني : الإمام مالك بن أنس ، وقد تقدم ذكره أيضا . الثالث : أبو أسامة زيد بن أسلم القرشي العدوي مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، روى عن : أبيه وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وسلمة بن الأكوع وعطاء بن يسار وغيرهم ، روى عنه : مالك والزهري ومعمر وأيوب ويحيى وعبد الله بن عمر والثوري وبنوه عبد الله وعبد الرحمن وأسامة وغيرهم . قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة ، القاضي المدني الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله ، سمع أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم وروى عنه عمرو بن دينار وزيد بن أسلم وغيرهما ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، وقال يحيى بن معين وأبو زرعة : هو ثقة توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة ، وقيل أربع وتسعين ، روى له الجماعة . الخامس : عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون إلا ابن عباس وهو أيضا أقام بالمدينة ، ومنها أنهم أئمة أجلاء كبار . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه ههنا عن عبد الله بن مسلمة عن مالك وهو طرف من حديث طويل أورده في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تاما ، وأخرجه في الصلاة في باب من صلى وقدامه نار بهذا الإسناد بعينه ، وأخرجه في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي مقتصرا على موضع الحاجة ، وأخرجه في عشرة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضا ، وأخرجه في كتاب العلم عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أيوب عن ابن عباس ، وأخرجه مسلم في العيدين عن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أيوب ، وعن أبي رافع بن أبي رفاعة عن عبد الرزاق عن ابن جريج كلاهما عن عطاء ، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر أيضا ، وأخرجاه من حديث جابر رضي الله عنه أيضا . فإن قلت : ما فائدة تقطيع هذا الحديث وإخراج طرف منه ههنا ثم إخراجه تاما في موضع آخر بعين الإسناد الذي ههنا؟ قلت : مذهبه جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يقطعه منه لا يستلزم فساد المعنى وغرضه من ذلك تنويع الأبواب وربما يتوهم من لا يحفظ الحديث ولا له كثرة الممارسة فيه أن المختصر حديث مستقل بذاته وليس بعض غيره لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء الحديث التام كما في هذا الحديث ، فإن أوله هنا قوله عليه السلام " أريت النار " إلى آخر ما ذكر منه ، وأول التام عن ابن عباس قال : ( خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، فذكر قصة صلاة الكسوف ، ثم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها القدر المذكور هنا وكثير ممن يعد أحاديث البخاري يظن أن مثل هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف ابتداء الحديث ، فمن ذلك قالوا عدة أحاديثه بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها ، وكذا ذكر ابن الصلاح والنووي ومن بعدهما وليس كذلك ، بل إذا حرر ذلك لا يزيد على ألفي حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " أريت " بضم الهمزة من الرؤية التي بمعنى التبصير ؛ قوله " العشير " قد مر تفسيره ؛ قوله " الإحسان " مصدر أحسن ، يقال : أحسنت به وأحسنت إليه إذا فعلت معه جميلا وأصله من الحسن خلاف القبح ؛ قوله " الدهر " هو الزمان ، والجمع الدهور ويقال الدهر الأبد ، وقال الأزهري : الدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول ويقع على مدة الدنيا كلها ، وقال ابن دريد : قال قوم : الدهر مدة الدنيا من ابتدائها إلى انقضائها ، وقال آخرون بل دهر كل قوم زمانهم ؛ قوله " قط " لتأكيد نفي الماضي ، وفيها لغات فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة فيهما وبفتحها مع تشديد الطاء المكسورة وبالفتح مع إسكان الطاء وبالفتح بكسر الطاء المخففة ؛ قال الجوهري : قال الكسائي : كان أصلها قطط فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه ، ثم قال بعد حكايته فيها لغات منها عن بعضهم قَطُّ وقَطِْ بالتخفيف وزاد القاضي قط بكسر القاف مع التخفيف هذا كله إذا كانت زمنية أما إذا كانت بمعنى حسب وهو الاكتفاء فهي مفتوحة ساكنة الطاء ، تقول : رأيته مرة واحدة فقط ، قال القاضي : وقد يكون هذا للتقليل أيضا . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " أريت " على صيغة المجهول بمعنى أبصرت والضمير الذي فيه هو القائم مقام المفعول الأول وقوله " النار " هو المفعول الثاني ؛ قوله " فرأيت " عطف على " أريت " وقوله " أكثر أهلها " كلام إضافي منصوب لأنه مفعول أول لرأيت وقوله " النساء " بالنصب أيضا لأنه مفعول ثان ، وفي بعض الروايات : ( رأيت النار أكثر أهلها النساء ) بدون ؛ قوله "فرأيت" ، فعلى هذا أريت بمعنى أعلمت ، فالتاء مفعوله الأول نائب عن الفاعل والنار مفعوله الثاني والنساء مفعوله الثالث ، وقوله " أكثر أهلها " منصوب لأنه بدل من النار ويجوز رفع أكثر على أنه مبتدأ والنساء بالرفع أيضا خبره والجملة تكون حالا بدون الواو كما في قوله تعالى : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وفي صحيح مسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين ) الحديث ، فقوله "أكثر" بالنصب إما على المفعول أو على الحال على مذهب ابن السراج وأبي علي الفارسي وغيرهما ممن قال : إن أفعل لا يتعرف بالإضافة ، وقيل : هو بدل من الكاف في رأيتكن ؛ وقولها " وما لنا أكثر أهل النار " قال النووي : نصب أكثر على الحكاية ؛ قوله " يكفرن " بياء المضارعة جملة استئنافية ، والتقدير هن يكفرن وهي في الحقيقة جواب سائل سأل يا رسول الله لم وجاء بكفرهن بالباء السببية المتعلقة بقول أكثر أو بفعل الرؤية . قوله " أيكفرن بالله " الهمزة للاستفهام ، وهذا الاستفسار دليل على أن لفظ الكفر مجمل بين الكفر بالله والكفر الذي للعشير ونحوه . قوله " قال " أي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قوله " يكفرن العشير " أي هن يكفرن العشير ، وقوله "يكفرن" جملة في محل الرفع على الخبرية ، والعشير نصب على المفعولية . وقوله " ويكفرن الإحسان " عطف على الجملة الأولى ؛ فإن قلت : كيف عدى "يكفرن" بالباء في قوله " أيكفرن بالله " ولم يعديها في قوله " يكفرن العشير " ؟ قلت : لأن في الأول يتضمن معنى الاعتراف بخلاف الثاني ، فإن قلت : ما كفران العشير ، وما كفران الإحسان؟ قلت : كفران العشير ليس لذاته بل الكفران له هو الكفران لإحسانه ، فالجملة الثانية في الحقيقة بيان للجملة الأولى . فإن قلت : ما الألف واللام في العشير ؟ قلت : للعهد إن فسر العشير بالزوج ، وللجنس أو الاستغرق إن فسر بالمعاشر مطلقا . فإن قلت : أيها الأصل في اللام ؟ قلت : قال الكرماني : الجنس هو الحقيقة فيحمل عليها إلا إذا دلت قرينة على التخصيص والتعميم فتتبع القرينة حينئذ ، وهذا حكم عام لهذه في جميع المواضع ، والذي عليه المحققون أن أصل اللام للعهد ، وقد عرف في موضعه ؛ قوله " لو أحسنت " ، وفي بعض النسخ : ( إن أحسنت ) ، فإن قلت : لو لامتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح هنا هذا المعنى ؟ قلت : لو هنا بمعنى "إن" يعني لمجرد الشرطية ، ومثله كثير ، ويحتمل أن يكون من قبيل قوله عليه السلام : ( نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه ) بأن يكون الحكم ثابتا على النقيضين والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور . قوله " أحسنت " ليس الخطاب فيه لأحد بعينه وإنما مراده بهذا كل من يأتي منه أن يكون مخاطبا به . فإن قلت : أصل وضع الضمير أن يكون مستعملا لمعين مشخص. قلت : نعم ، ولكن هذا على سبيل التجوز . فإن قلت : لو لم يكن عاما لما جاز استعماله في كل مخاطب كزيد مثلا حقيقة . قلت : عام باعتبار أمر عام لمعنى خاص بخلاف العلم ، فإنه خاص بالاعتبارين . والتحقيق فيه أن اللفظ قد يوضع وضعا عاما لأمور مخصوصة كاسم الإشارة ، فإنه وضع باعتبار المعنى العام الذي هو الإشارة الحسية للخصوصيات التي تحته أي لكل واحد مما يشار إليه ، ولا يراد به عند الاستعمال العموم على سبيل الحقيقة ، وقد يوضع وضعا عاما لموضوع له عام نحو الرجل فلا يراد به خاص حقيقة وهو عكس الأول ، وقد يوضع وضعا خاصا لموضوع له خاص نحو العلم كزيد ونحوه والمضمرات من القسم الأول ، فإن أريد بالضمير في أحسنت مخاطب معين كان حقيقة وإلا كان مجازا ومثله قوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ ؛ قوله " الدهر " نصب على الظرف . قوله " ثم رأت " جملة معطوفة على ما قبلها ، وقد علم أن في "ثم" معنى المهلة والتراخي ؛ قوله " شيئا " نصب على أنه مفعول رأت أي شيئا قليلا لا يوافق مزاجها أو شيئا حقيرا لا يعجبها ، فحينئذ التنوين فيه للتقليل أو التحقير ؛ قوله " خيرا " مفعول ما رأيت . ( بيان المعاني والبيان ) فيه حذف الفاعل لكونه متعينا للفعل أو لشهرته وهو في قوله " أريت " إذ أصله أراني الله النار ، وفيه الجملة الاستئنافية التي تدل على السؤال والجواب وهو قوله " يكفرن " ، وقال بعض الشارحين : هذا جواب سؤال مذكور في الحديث المذكور في كتاب الكسوف ، التقدير : فبم يا رسول الله ؟ قال : يكفرن أي هن يكفرن ، وفيه ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب وهو قوله " لو أحسنت " كما في قوله : ( بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ، وفيه أن التنكير فيه للتحقير كما في قوله " شيئا " كقوله تعالى : إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا ( بيان استنباط الفوائد ) منها تحريم كفران الحقوق والنعم إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام . وقال النووي : توعده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار يدل على أنهما من الكبائر . وقال ابن بطال : فيه دليل على أن العبد يعذب على جحد الإحسان والفضل وشكر النعم قال : وقد قيل : إن شكر المنعم واجب ، ومنها الدلالة على عظم حق الزوج ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) ؛ ولأجل هذا المعنى خص كفران العشير من بين أنواع الذنوب وقرن فيه حق الزوج على الزوجة بحق الله ، فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله ؛ فلذلك أطلق عليها الكفر لكنه كفر لا يخرج عن الملة ، ومنها فيه وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة ، ومنها فيه مراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه . ومنها فيه أن النار أي جهنم التي هي دار عذاب الآخرة مخلوقة اليوم وهو مذهب أهل السنة ، ومنها فيه الدلالة على جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق ، ومنها فيه التنبيه على أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله فأجابهم عليه السلام بأنه أراد كفرهن حق أزواجهن ، ومن فوائد حديث مسلم أن اللعن من المعاصي . قال النووي رحمه الله : فيه أنه كبيرة فإن قال تكثرن اللعن والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة ، وقال عليه السلام : ( لعن المؤمن كقتله ) ، قال : واتفق العلماء على تحريم اللعن ولا يجوز لعن أحد بعينه مسلما أو كافرا أو دابة إلا بعلم بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس عليهما اللعنة ، واللعن بالوصف ليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة وآكل الربا وشبههم ؛ واللعن في اللغة الطرد والإبعاد ، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى . قوله " ناقصات عقل " اختلفوا في العقل ، فقيل هو العلم لأن العقل والعلم في اللغة واحد ، ولا يفرقون بين قولهم عقلت وعلمت ، وقيل العقل بعض العلوم الضرورية ، وقيل قوة يميز بها بين حقائق المعلومات ، واختلفوا في محله فقال المتكلمون : هو في القلب، وقال بعض العلماء : هو في الرأس ، والله تعالى أعلم .
باب كذا وقع باب في كل النسخ ، وغالب الروايات بلا ترجمة ، وسقط عند الأصيلي بالكلية فالوجه على عدمه ، هو أن الحديث الذي فيه من جملة الترجمة التي قبله ، وعلى وجوده ، هو أنه لما ذكر الأنصار في الباب الذي قبله أشار في هذا الباب إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار ؛ لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند عقبة منى في الموسم ، ولأن الأبواب الماضية كلها في أمور الدين ، ومن جملتها كان حب الأنصار ، والنقباء كانوا منهم ، ولمبايعتهم أثر عظيم في إعلاء كلمة الدين ، فلا جرم ذكرهم عقيب الأنصار ، ولما لم يكن له ترجمة على الخصوص ، وكان فيه تعلق بما قبله فصل بينهما بقوله : باب كما يفعل بمثل هذا في مصنفات المصنفين بقولهم : فصل كذا مجردا . فإن قلت : أهو معرب أم لا ؟ قلت : كيف يكون معربا ، والإعراب لا يكون إلا بالتركيب ، وإنما حكمه حكم الأسامي التي تعد بلا تركيب بعضها ببعض فافهم . 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله ، أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، وكان شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك . وجه تخصيص الذكر بهذا الحديث هنا أن الأنصار هم المبتدئون بالبيعة على إعلاء توحيد الله وشريعته حتى يموتوا على ذلك ، فحبهم علامة الإيمان مجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم ، ومواساتهم لهم في أموالهم كما وصفهم الله تعالى ، واتباعا لحب الله لهم قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وكان الأنصار ممن تبعه أولا فوجب لهم محبة الله ، ومن أحب الله ، وجب على العباد حبه . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي . الثاني : شعيب بن أبي حمزة القرشي . الثالث : محمد بن مسلم الزهري . الرابع : أبو إدريس عائذ الله بالذال المعجمة بن عبد الله بن عمر الخولاني الدمشقي ، روى عن عبد الله بن مسعود ، وعن معاذ على الأصح ، وسمع عبادة بن الصامت ، وأبا الدرداء ، وخلقا كثيرا ، ولد يوم حنين ، وقال ابن ميمونة : ولاه عبد الملك القضاء بدمشق ، وكان من عباد الشام وقرائهم ، مات سنة ثمانين ، روى له الجماعة . الخامس : عبادة - بضم العين - ابن الصامت بن قيس بن أحرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم ، وهو قوقل بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الوليد الأنصاري الخزرجي شهد العقبة الأولى والثانية ، وبدرا وأحدا ، وبيعة الرضوان ، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأحد وثمانون حديثا ، اتفقا منها على ستة أحاديث ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بحديثين ، وهو أول من ولي قضاء فلسطين ، وكان طويلا جسيما جميلا فاضلا ، توفي سنة أربع وثلاثين ، وفي ( الاستيعاب ) وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضيا ومعلما ، فأقام بحمص ، ثم انتقل إلى فلسطين ، ومات بها ، ودفن ببيت المقدس ، وقبره بها معروف ، وقيل : توفي بالرملة ، واعلم أن عبادة بن الصامت فرد في الصحابة رضي الله عنهم ، وفيهم عبادة بدون ابن الصامت اثني عشر نفسا . ( بيان الأنساب ) الخولاني في قبائل ، حكى الهمداني في كتاب ( الإكليل ) قال خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، وخولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد . قال : وخولان حضور ، وخولان ردع ، هو ابن قحطان . وفي كتاب ( المعارف ) خولان بن سعد بن مذحج ، وأبو إدريس من خولان ابن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد ، وكذلك منهم : أبو مسلم الخولاني ، واسمه عبد الرحمن بن مشكم ، وخولان فعلان من خال يخول ، يقال منه فلان خائل إذا كان حسن القيام على المال ، والخزرجي نسبة إلى الخزرج ، وهو أخ الأوس ، وقال ابن دريد : الخزرج الريح العاصف . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن الإسناد كله شاميون . ومنها أن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة ، وقد مر الكلام بين حدثنا ، وأخبرنا . ومنها أن فيه رواية القاضي عن القاضي ، وهما أبو إدريس وعبادة بن الصامت . ومنها أن فيه رواية من رأى النبي عليه السلام ، عمن رأى النبي عليه السلام ، وذلك لأن أبا إدريس من حيث الرواية تابعي كبير ، ومع هذا قد ذكر في الصحابة ؛ لأن له رواية ، وأبوه عبد الله بن عمرو الخولاني صحابي . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في خمسة مواضع هنا ، وفي المغازي ، والأحكام عن أبي اليمان ، عن شعبة ، وفي وفود الأنصار عن إسحاق بن منصور ، عن يعقوب ، عن أبي أخي الزهري ، وعن علي ، عن ابن عيينة . قال البخاري : عقيبه وتابعه عبد الرزاق ، عن معمر . وفي الحدود : عن ابن يوسف ، عن معمر . وأخرجه مسلم في الحدود ، عن يحيى ابن يحيى ، وابن بكر ، والناقد ، وإسحاق بن نمير ، عن ابن عيينة ، وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، كلهم عن الزهري ، به . وأخرجه الترمذي مثل إحدى روايات البخاري ومسلم ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال : تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . وأخرجه النسائي ، ولفظه : قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهط ، فقال : أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تشربوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور ، ومن ستره الله فذلك إلى الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . وله في الأخرى نحو رواية الترمذي . ( بيان اللغات ) . قوله : وكان شهد ، أي : حضر ، وأصل الشهود الحضور ، يقال : شهده شهودا ، أي : حضره ، وهو من باب علم يعلم ، وجاء شهد بالشيء ، بضم الهاء يشهد به من الشهادة . قال في ( العباب ) : هذه لغة في شهد يشهد ، وقرأ الحسن البصري : وما شهدنا إلا بما علمنا ، بضم الهاء . وقوم شهود ، أي : حضور ، وهو في الأصل مصدر كما ذكرنا ، وشهد له بكذا شهادة ، أي : أدى ما عنده من الشهادة ، وشهد الرجل على كذا شهادة ، وهو خبر قاطع . قوله : بدرا ، وهو موضع الغزوة الكبرى العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر ويؤنث ، ماء معروف على نحو أربعة مراحل من المدينة ، وقد كان لرجل يدعى بدرا ، فسميت باسمه . قلت : بدر اسم بئر حفرها رجل من بني النجار ، اسمه بدر ، وفي ( العباب ) : فمن ذكر قال : هو اسم قليب ، ومن أنثه قال : هو اسم بئر . وقال الشعبي : بدر بئر كانت لرجل سمي بدرا . وقال أهل الحجاز : هو بدر بن قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر . وقال ابن الكلبي : هو رجل من جهينة . قوله : أحد النقباء جمع نقيب ، وهو الناظر على القوم ، وضمينهم ، وعريفهم ، وقد نقب على قومه ينقب نقابة ، مثال : كتب يكتب كتابة إذا صار نقيبا ، وهو العريف . قال الفراء : إذا أردت أنه لم يكن نقيبا بفعل . قلت : نقب نقابة بالضم نقابة بالفتح ، ونقب بالكسر لغة . قال سيبويه : النقابة بالكسر اسم ، وبالفتح المصدر مثل الولاية ، والولاية . قوله : ليلة العقبة ، أي : العقبة التي تنسب إليها جمرة العقبة التي بمنى ، وعقبة الجبل معروفة ، وهو الموضع المرتفع العالي منه ، وفي ( العباب ) : التركيب يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة . قوله : وحوله ، يقال : حوله ، وحواله ، وحواليه ، وحوليه ، بفتح اللام في كلها ، أي : يحيطون به . قوله : عصابة بكسر العين ، وهي الجماعة من الناس لا واحد لها ، وهو ما بين العشرة إلى الأربعين ، وأخذ إما من العصب الذي بمعنى الشدة ، كأنهم يشد بعضهم بعضا ، ومنه العصابة ، أي : الخرقة تشد على الجبهة ، ومنه العصب ؛ لأنه يشد الأعضاء بمعنى الإحاطة ، يقال : عصب فلان بفلان إذا أحاط به . قوله : بايعوني من المبايعة ، والمبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه ، سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه ، فمن طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الثواب ، ومن طرفهم التزام الطاعة ، وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به ، وفي باب وفود الأنصار : تعالوا بايعوني . قوله : لا تشركوا بالله شيئا أي : وحدوه سبحانه وتعالى ، وهذا هو أصل الإيمان ، وأساس الإسلام ، فلذلك قدمه على إخوته . قوله : شيئا عام ؛ لأنه نكرة في سياق النهي ؛ لأنه كالنفي . قوله : ببهتان البهتان بالضم الكذب الذي يبهت سامعه ، أي : يدهشه لفظاعته ، يقال : بهته بهتانا إذا كذب عليه بما يبهته من شدة نكره ، وزعم البناني أن أبا زيد قال : بهته يبهته بهتانا رماه في وجهه أو من ورائه بما لم يكن ، والبهات الذي يعيب الناس بما لم يفعلوا . وقال يعقوب ، والكسائي : هو الكذب ، وقال صاحب ( العين ) : البهت استقبالك بأمر تقذفه به ، وهو منه بريء لا يعلمه ، والاسم البهتان ، والبهت أيضا الحيرة ، وقال الزجاج وقطرب : بهت الرجل انقطع وتحير ، وبهذا المعنى بهت وبهت قال : والبهتان الكذب الذي يتحير من عظمه وشأنه ، وقد بهته إذا كذب عليه . زاد قطرب : بهاتة وبهتا . وفي ( المحكم ) : باهته استقبله بأمر يقذفه به ، وهو منه بريء لا يعلمه ، والبهيتة الباطل الذي يتحير من بطلانه ، والبهوت المباهت ، والجمع بهت وبهوت ، وعندي أن بهوتا جمع باهت لا جمع بهوت ، وقراءة السبع : فبهت الذي كفر . وقراءة ابن حيوة : فبهت ، بضم الهاء لغة في بهت ، وقال ابن جني : وقد يجوز أن يكون بهت بالفتح لغة في بهت ، وقال الأخفش : قراءة بهت كدهش ، وحزن قال : وبهت بالضم أكثر من بهت بالكسر ، يعني : أن الضمة تكون للمبالغة ، وفي ( المنتهى ) لأبي المعالي : بهته يبهته بهتا إذا أخذه بغتة ، وبهته بهتا ، وبهتانا وبهتا ، فهو بهات إذا قال عليه ما لم يفعله مواجهة ، وهو مبهوت ، والبهت لا يكون إلا مواجهة بالكذب على الإنسان وأما قول أبي النجم : سبي الحماة وابهتوا عليها . فإن على مقحمة ، وإنما الكلام بهته ، ولا يقال : بهت عليه ، وفي ( الصحاح ) بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير ، وبهت بالضم مثله ، وأفصح منهما بهت ؛ لأنه يقال : رجل مبهوت ، ولا يقال : باهت ولا بهيت ، قاله الكسائي . قلت : فيه نظر لما مر ، ولقول القزاز بهت يبهت ، وفيه لغة أخرى ، وهي بهت يبهت بهتا . قال هو وابن دريد في ( الجمهرة ) : هو رجل باهت ، وبهات ، وقال الهروي : ولا يأتين ببهتان ، أي : لا يأتين بولد عن معارضته فتنسبه إلى الزوج كان ذلك بهتان وفرية ، ويقال : كانت المرأة تلتقط الولد فتتبناه . وقال الخطابي : معناه هاهنا قذف المحصنات ، وهو من الكبائر ، ويدخل فيه الاغتياب لهن ، ورميهن بالمعصية ، وقال أيضا : لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحا ومواجهة ، وهذا كما يقول الرجل فعلت هذا بين يديك ، أي : بحضرتك . قوله : تفترونه من الافتراء ، وهو الاختلاق ، والفرية : الكذب ، يقال : فرى فلان كذا إذا اختلقه ، وافتراه : اختلقه ، والاسم الفرية ، وفلان يفري الفرى إذا كان يأتي بالعجب في عمله . قال تعالى : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا أي : مصنوعا مختلقا ، ويقال : عظيما . قوله : ولا تعصوا ، وفي باب وفود الأنصار : ولا تعصوني ، والعصيان خلاف الطاعة . قوله : في معروف ، أي : حسن ، وهو ما لم ينه الشارع فيه أو معناه مشهور ، أي : ما عرف فعله من الشارع ، واشتهر منه ، ويقال في معروف ، أي : في طاعة الله تعالى ، ويقال : في كل بر وتقوى . وقال البيضاوي : المعروف ما عرف من الشارع حسنه . وقال الزجاج : أي : المأمور به ، وفي ( النهاية ) هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات . قوله : فمن وفى منكم ، أي : ثبت على ما بايع عليه ، يقال : بتخفيف الفاء ، وتشديدها ، يقال : وفى بالعهد ، وأوفى ، ووفّى ، ثلاثي ، ورباعي ، ووفى بالشيء ثلاثي ، ووفت ذمتك أيضا ، وأوفى الشيء ووفى ، وأوفى الكيل ، ووفاه ، ولا يقال فيهما : وفى . قوله : ومن أصاب من ذلك شيئا من هي التبعيضية ، وشيئا عام ؛ لأنه نكرة في سياق الشرط ، وصرح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادة العموم كنكرة وقعت في سياقه . قوله : كفارة الكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي : تسترها ، يقال : كفرت الشيء أكفر بالكسر كفرا ، أي : سترته ، ورماد مكفور إذا سفت الريح التراب عليه حتى غطته ، ومنه الكافر ؛ لأنه ستر الإيمان وغطاه . ( بيان الإعراب ) . قوله : عائذ الله عطف بيان عن قوله : أبو إدريس ، ولهذا ارتفع . قوله : أن عبادة أصله بأن عبادة . قوله : وكان شهد بدرا الواو فيه هي الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها ، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ، وكذلك الواو في قوله : وهو أحد النقباء ، ولا شك أن كون شهود عبادة بدرا ، وكونه من النقباء صفتان من صفاته ، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال ، ولا للعطف على ما لا يخفى على من له ذوق سليم . قوله : بدرا منصوب بقوله : شهد ، وليس هو مفعول فيه ، وإنما هو مفعول به ؛ لأن تقديره شهد الغزوة التي كانت ببدر . قوله : وهو مبتدأ ، وخبره أحد النقباء ، وليلة العقبة نصب على الظرفية . قوله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصله بأن . فإن قلت : كيف هذا التركيب : أن عبادة بن الصامت ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن قوله : وكان شهد بدرا إلى قوله : إن معترض . قلت : تقديره : أن عبادة بن الصامت قال أو أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساقط من أصل الرواية ، وسقوط هذا غير جائز ، وإنما جرت عادة أهل الحديث بحذف قال إذا كان مكررا نحو : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا ينطقون بها عند القراءة ، وأما هنا فلا وجه لجواز الحذف ، والدليل عليه أنه ثبت في رواية البخاري هذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرا ، والظاهر أنها سقطت من النساخ من بعده فاستمروا عليه ، وقد روى أحمد بن حنبل ، عن أبي اليمان بهذا الإسناد أن عبادة حدثه . قوله : قال جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن . قوله : وحوله عصابة جملة اسمية ، وقعت حالا ، وقوله : عصابة هي المبتدأ ، وحوله نصب على الظرفية مقدما خبره ، قوله : من أصحابه جملة في محل الرفع على أنها صفة للعصابة ، أي عصابة كائنة من أصحابه ، وكلمة من للتبعيض ، ويجوز أن تكون للبيان . قوله : بايعوني جملة مقول القول . قوله : على أن ، كلمة أن : مصدرية ، أي : على ترك الإشراك بالله شيئا . قوله : ولا تسرقوا ، وما بعده كلها عطف على لا تشركوا . قوله : تفترونه جملة في محل الجر على أنها صفة لبهتان . قوله : ولا تعصوا أيضا عطف على المنفي فيما قبله . قوله : فمن وفى كلمة من شرطية مبتدأ ، ووفى جملة صلتها . قوله : فأجره مبتدأ ثان ، وقوله على الله خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ الشرط . قوله : ومن مبتدأ موصولة ، تتضمن معنى الشرط ، وأصاب جملة صلتها وشيئا مفعولة . قوله : فعوقب على صيغة المجهول عطف على قوله : أصاب . قوله : فهو مبتدأ ثان ، وقوله : كفارة خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول : والفاء لأجل الشرط . قوله : ومن أصاب الخ إعرابه مثل إعراب ما قبله . فإن قلت : فلم قال في قوله : فعوقب بالفاء ، وفي قوله : ثم ستره الله ثم قلت : الفاء هاهنا للتعقيب ، ثم التعقيب في كل شيء بحسبه ، فيجوز هاهنا أن يكون بين الإصابة والعقاب مدة طويلة أو قصيرة ، وذلك بحسب الوقوع ، ويجوز أن تكون الفاء للسببية كما في قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً وأما ثم فإن وضعها للتراخي ، وقد يتخلف ، وهاهنا ، ثم ليست على بابها ؛ لأن الستر عند إرادة الله تعالى تكون عقيب الإصابة ، ولا يتراخى فافهم . ( بيان المعاني ) . قوله : وكان شهد بدرا قد قلنا : إنه صفة لعبادة ، والواو لتأكيد لصوقها بالموصوف . فإن قلت : هذا كلام من ؟ قلت : يجوز أن يكون من كلام أبي إدريس ، فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة ، ويجوز أن يكون من كلام الزهري فيكون منقطعا ، وكذا الكلام في قوله : وهو أحد النقباء . والمراد من النقباء نقباء الأنصار ، وهم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وهم اثنا عشر رجلا ، وهم العصابة المذكورة : أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث ، وأخوه معاذ ، وهما ابنا عفراء ، وذكوان بن عبد قيس ، وذكر ابن سعد في طبقاته أنه مهاجري أنصاري ، ورافع بن مالك الزرقيان ، وعبادة بن الصامت ، وعباس بن عبادة بن نضلة ، ويزيد بن ثعلبة من بلى ، وعقبة بن عامر ، وقطبة بن عامر ، فهؤلاء عشرة من الخزرج ، ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان من بلى ، وعويم بن ساعدة ، اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة إذا لقي رهطا من الخزرج ، فقال : ألا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، وكانوا قد سمعوا من اليهود أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أظل زمانه ، فقال بعضهم لبعض : والله إنه لذاك فلا تسبقن اليهود عليكم ، فأجابوه فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم فشا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأتى في العام القابل اثنا عشر رجلا إلى الموسم من الأنصار ، أحدهم عبادة بن الصامت ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة ، وهي بيعة العقبة الأولى : فبايعوه بيعة النساء ، يعني ما قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ ثم انصرفوا ، وخرج في العام الآخر سبعون رجلا منهم إلى الحج ، فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق . قال كعب بن مالك : لما كانت الليلة التي وعدنا فيها بتنا أول الليل مع قومنا ، فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس لا غير ، فقال : العباس : يا معشر الخزرج ، إن محمدا منا حيث علمتم ، وهو في منعة ونصرة من قومه وعشيرته ، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم ، فإن كنتم وافين بما عاهدتموه فأنتم وما تحملتم ، وإلا فاتركوه في قومه ، فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم داعيا إلى الله ، مرغبا في الإسلام ، تاليا للقرآن ، فأجبناه بالإيمان ، فقال : إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم به أبناءكم ، فقلنا : ابسط يدك نبايعك عليه ، فقال صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ، فأخرجنا من كل فرقة نقيبا ، وكان عبادة نقيب بني عوف ، فبايعوه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذه بيعة العقبة الثانية ، وله بيعة ثالثة مشهورة ، وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمى بيعة الرضوان ، وهذه بعد الهجرة بخلاف الأوليين ، وعبادة شهدها أيضا فهو من المبايعين في الثلاث رضي الله عنه . قوله : ولا تسرقوا فيه حذف المفعول ليدل على العموم . قوله : فعوقب فيه حذف أيضا تقديره فعوقب به ، وهكذا هو في رواية أحمد . قوله : فهو ، أي : العقاب ، وهذا مثل هو في قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى فإنه يرجع إلى العدل الذي دل عليه اعدلوا ، وكذلك قوله : فعوقب يدل على العقاب ، وقوله : هو يرجع إليه قوله : كفارة فيه حذف أيضا تقديره كفارة له ، وهكذا في رواية أحمد ، وكذا في رواية للبخاري في باب المشيئة من كتاب التوحيد . وزاد أيضا : وطهور . قال النووي : عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فالمرتد إذا قتل على الردة لا يكون القتل له كفارة . قلت : أو يكون مخصوصا بالإجماع . أو لفظ ذلك إشارة إلى غير الشرك بقرينة الستر ، فإنه يستقيم في الأفعال التي يمكن إظهارها وإخفاؤها ، وأما الشرك ، أي : الكفر فهو من الأمور الباطنة ، فإنه ضد الإيمان وهو التصديق القلبي على الأصح ، وقال الطيبي : قالوا : المراد منه المؤمنون خاصة ؛ لأنه معطوف على قوله : فمن وفى ، وهو خاص بهم لقوله منكم تقديره ، ومن أصاب منكم أيها المؤمنون من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا ، أي : أقيم الحد عليه لم يكن له عقوبة لأجل ذلك القيام ، وهو ضعيف ؛ لأن الفاء في فمن لترتب ما بعدها على ما قبلها ، والضمير في منكم للعصابة المعهودة ، فكيف يخصص الشرك بالغير ، فالصحيح أن المراد بالشرك الرياء ؛ لأنه الشرك الخفي . قال الله تعالى : وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ويدل عليه تنكير شيئا ، أي : شركا أياما كان ، وفيه نظر ؛ لأن عرف الشارع يقتضي أن لفظة الشرك عند الإطلاق تحمل على مقابل التوحيد سيما في أوائل البعثة ، وكثرة عبدة الأصنام ، وأيضا عقيب الإصابة بالعقوبة في الدنيا ، والرياء لا عقوبة فيه ، فتبين أن المراد الشرك ، وأنه مخصوص . وقال الشيخ الفقيه عبد الواحد السفاقسي في ( شرحه للبخاري ) . في قوله : فعوقب به في الدنيا يريد به القطع في السرقة ، والحد في الزنا ، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس ، فكنى بالأولاد عنه ، وعلى هذا إذا قتل القاتل كان كفارة له . وحكي عن القاضي إسماعيل ، وغيره أن قتل القاتل حد ، وإرداع لغيره ، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم ؛ لأنه لم يصل إليه حق ، وقيل : يبقى له حق التشفي . قلت : وردت أحاديث تدل صريحا أن حق المقتول يصل إليه بقتل القاتل . منها ما رواه ابن حبان وصححه : أن السيف محاء للخطايا . ومنها ما رواه الطبراني ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : إذا جاء القتل محا كل شيء ، وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما نحوه . ومنها ما رواه البزار عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا : لا يمر القتل بذنب إلا محاه ، وقوله إن قتل القاتل حد ، وإرداع الخ فيه نظر ؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز العفو عن القاتل ، وقال القاضي عياض : ذهب أكثر العلماء إلى الحدود كفارة لهذا الحديث ، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا ، لكن حديث عبادة أصح إسنادا ، ويمكن يعني على طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلم ، ثم أعلمه الله تعالى آخرا . وقال الشيخ قطب الدين : واحتج من وفق بقوله تعالى : ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ لكن من قال : إن الآية في الكفارة فلا حجة فيها ، وأيضا يمكن أن يكون حديث عبادة مخصصا لعموم الآية أو مبينا أو مفسرا لها . فإن قيل : حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى ، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر ، فكيف يكون حديثه متقدما . قيل : يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديما ، ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : إن الحدود كفارة كما سمعه عبادة ، وقال بعضهم : فيه تعسف ، ويبطله أن أبا هريرة رضي الله عنه صرح بسماعه ، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك ، والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح ، وهو سابق على حديث عبادة ، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة ، وإنما نص بيعة العقبة ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك ، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه ، ثم صدرت مبايعات أخرى ، منها هذه البيعة ، وإنما وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة ، وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف ، والدليل على ذلك عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها ، وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال : قرأ آية النساء ، ولمسلم من طريق معمر ، عن الزهري قال : فتلا علينا آية النساء أن لا يشركن بالله شيئا ، وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل ، عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء : أن لا تشركوا بالله شيئا . الحديث ، وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة . ولمسلم من طريق أبي الأشعث ، عن عبادة في هذا الحديث : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء . فهذه أدلة صريحة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بل بعد فتح مكة ، وذلك بعد إسلام أبي هريرة ، ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة ، عن أبيه ، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم : أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا . فذكر مثل حديث عبادة ، ورجاله ثقات ، وقد قال إسحاق بن راهويه : إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . انتهى . وإذا كان عبد الله بن عمر واحد من حضر هذه البيعة ، وليس هو من الأنصار ، ولا ممن حضر بيعتهم بمنى صح تغاير البيعتين بيعة الأنصار ليلة العقبة ، وهي قبل الهجرة إلى المدينة ، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة ، وشهدها عبد الله بن عمر ، وكان إسلامه بعد الهجرة ، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا ، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به ، فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقته ، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك ، انتهى كلامه . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن قوله : ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه غير مسلم من وجهين : أحدهما أنه يحتمل أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمعه من صحابي آخر ، فلذلك صرح بالسماع ، وهذا غير ممنوع ولا محال ، والآخر أنه يحتمل أنه صرح بالسماع لتوثقه بالسماع من صحابي آخر ، فإن الصحابة كلهم عدول لا يتوهم فيهم الكذب . الثاني : أن قوله : وإن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك لا يلزم من عدم نزول الحدود في تلك الحالة انتفاء كون الحدود كفارات في المستقبل غاية ما في الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في حديث عبادة أن من أصاب مما يجب فيه الحدود التي تنزل عليه بعد هذا ، ثم عوقب بسبب ذلك بأن أخذ منه الحد فإن ذلك الحد يكون كفارة له ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم قبل نزول الحدود أن حال أمته لا تستقيم إلا بالحدود ، فأخبر في حديث عبادة بناء على ما كان على ما كان علمه قبل الوقوع . الثالث : أن قوله : والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح غير مسلم ؛ لأن الحديث أخرجه الحاكم في ( مستدركه ) ، والبزار في ( مسنده ) من رواية معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، وقد علم مساهلة الحاكم في باب التصحيح على أن الدارقطني قال : إن عبد الرزاق تفرد بوصله ، وإن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله ، فإذا كان الأمر كذلك فمتى يساوي حديث أبي هريرة حديث عبادة بن الصامت حتى يقع بينهما تعارض ، فيحتاج إلى الجمع والتوفيق . فإن قلت : قد وصله آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب ، أخرجه الحاكم أيضا . قلت : ولو وصله ، هو أو غيره ، فإن قطع غيره مما يورث عدم التساوي بحديث عبادة ، وصحة حديث عبادة متفق عليها بخلاف حديث أبي هريرة على ما نص عليه القاضي عياض وغيره فلا تساوي ، فلا تعارض ، فلا احتياج إلى التكلف بالجمع والتوفيق . الرابع : أن قوله : والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة غير مسلم ؛ لأن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلاء قد جزموا بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى ، ونقيم بصحة ما قالوا دلائل . منها أنه ذكر في هذا الحديث : وحوله عصابة ، وفسروا أن العصابة هم النقباء الاثنا عشر ، ولم يكن غيرهم هناك ، والدليل على صحة هذا ما في رواية النسائي في حديث عبادة هذا : قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهط . الحديث . وقد قال أهل اللغة : إن الرهط ما دون العشرة من الرجال ، لا يكون فيهم امرأة . قال الله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ قال ابن دريد : ربما جاوز ذلك قليلا ، قاله في ( العباب ) ، والقليل ضد الكثير ، وأقل الكثير ثلاثة ، وأكثر القليل اثنان ، فإذا أضفنا الاثنين إلى التسعة يكون أحد عشر ، وكان المراد من الرهط هنا أحد عشر نقيبا ، ومع عبادة يكونون اثني عشر نقيبا ، فإذا ثبت هذا فقد دل قطعا أن هذه المبايعة كانت بمكة ليلة العقبة البيعة الأولى ؛ لأن البيعة التي وقعت بعد فتح مكة على زعم هذا القائل كان فيها الرجال والنساء ، وكانوا بعد كثير . والثاني : أن قوله : ليلة العقبة دليل على أن هذه البيعة كانت هي الأولى ؛ لأنه لم يذكر في بقية الأحاديث ليلة العقبة ، وإنما ذكر في حديث الطبراني يوم فتح مكة ، ولا يلزم من كون البيعة يوم فتح مكة أن تكون البيعة المذكورة هي إياها غاية الأمر أن عبادة قد أخبر أنه وقعت بيعة أخرى يوم فتح مكة ، وكان هو فيمن بايعوه عليه السلام . والثالث : أن ما وقع في الصحيحين من طريق الصنابحي ، عن عبادة رضي الله عنه قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا . الحديث يدل على أن المبايعة المذكورة في الحديث المذكور كانت ليلة العقبة ، وذلك لأنه أخبر فيه أنه كان من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وأخبر أنهم بايعوه ، ولم يثبت لنا أن أحدا بايعه عليه السلام قبلهم ، فدل على أن بيعتهم أول المبايعات ، وأن الحديث المذكور كان ليلة العقبة ، وأما احتجاج هذا القائل في دعواه بما وقع في الأحاديث التي ذكرها من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات المذكورة على ما ذكره فلا يتم ؛ لأنه يحتمل أن عبادة لما حضر البيعات مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع منه قراءة الآيات المذكورة في البيعات التي وقعت بعد الحديبية أو بعد فتح مكة ، ذكرها في حديثه بخلاف حديث البيعة الأولى ، فإنه ليس فيه قراءة شيء من الآيات ، وتمسك هذا القائل أيضا بما زاد في رواية الصنابحي في الحديث المذكور ، ولا ننتهب على أن هذه البيعة متأخرة ؛ لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرضا ، والمراد بالانتهاب ما يقع بعد القتال في المغانم ، وهذا استدلال فاسد ؛ لأن الانتهاب أعم من أن يكون في المغانم وغيرها ، وتخصيصه بالمغانم تحكم ، ومخالف للغة . ( استنباط الأحكام ) ، وهو على وجوه : الأول : أن آخر الحديث يدل على أن الله لا يجب عليه عقاب عاص ، وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب مطيع أصلا إذ لا قائل بالفصل . الثاني : أن معنى قوله : فهو إلى الله ، أي : حكمه من الأجر والعقاب مفوض إلى الله تعالى ، وهذا يدل على أن من مات من أهل الكبائر قبل التوبة إن شاء الله عفا عنه ، وأدخله الجنة أول مرة ، وإن شاء عذبه في النار ، ثم يدخله الجنة ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة ، وقالت المعتزلة : صاحب الكبيرة إذا مات بغير التوبة لا يعفى عنه فيخلد في النار ، وهذا الحديث حجة عليهم ؛ لأنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل التوبة وبعدها العفو عنها . الثالث : قال المازري : فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب . الرابع : قال الطيبي : فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد ، وبالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه . الخامس : فيه أن الحدود كفارات ، ويؤيد ذلك ما رواه من الصحابة غير واحد ، منهم : علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أخرج حديثه الترمذي ، وصححه الحاكم ، وفيه : ومن أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا ، فالله أكرم أن يثني بالعقوبة على عبده في الآخرة ، ومنهم أبو تميمة الجهني ، أخرج حديثه الطبراني بإسناد حسن باللفظ المذكور ، ومنهم خزيمة بن ثابت ، أخرج حديثه أحمد بإسناد حسن ، ولفظه : من أصاب ذنبا أقيم الحد على ذلك الذنب فهو كفارته ، ومنهم ابن عمر ، أخرج حديثه الطبراني مرفوعا : ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : قتل غير الأولاد أيضا منهي إذا كان بغير حق ، فتخصيصه بالذكر يشعر بأن غيره ليس منهيا ، وأجيب بأن هذا مفهوم اللقب ، وهو مردود على أنه لو كان من باب المفهومات المعتبرة المقبولة فلا حكم له هاهنا ؛ لأن اعتبار جميع المفاهيم إنما هو إذا لم يكن خرج مخرج الأغلب ، وهاهنا هو كذلك ؛ لأنهم كانوا يقتلون الأولاد غالبا خشية الإملاق ، فخصص الأولاد بالذكر ؛ لأن الغالب كان كذلك . قال التيمي : خص القتل بالأولاد لمعنيين : أحدهما أن قتلهم هو أكبر من قتل غيرهم ، وهو الوأد ، وهو أشنع القتل . وثانيهما أنه قتل وقطيعة رحم فصرف العناية إليه أكثر . ومنها ما قيل : ما معنى الإطناب في قوله : ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم حيث قيل : تأتوا ، ووصف البهتان بالافتراء ، والافتراء والبهتان من واد واحد ، وزيد عليه بين أيديكم وأرجلكم ، وهلا اقتصر على ولا تبهتوا الناس ، وأجيب بأن معناه مزيد التقرير ، وتصوير بشاعة هذا الفعل . ومنها ما قيل : فما معنى إضافته إلى الأيدي ، والأرجل ، وأجيب بأن معناه : ولا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم ، واليد والرجل كنايتان عن الذات ؛ لأن معظم الأفعال يقع بهما ، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال له هذا بما كسبت يداك أو معناه ، ولا تغشوه من ضمائركم ؛ لأن المفتري إذا أراد اختلاق قول فإنه يقدره ويقرره أولا في ضميره ، ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان ، وهو القلب ، والأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم ، والثاني عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنيا على الغش المبطن . وقال الخطابي : معناه : لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحا مواجهة ، وهذا كما يقول الرجل : فعلت هذا بين يديك ، أي : بحضرتك ، وقال التيمي : هذا غير صواب من حيث إن العرب وإن قالت : فعلته بين أيدي القوم ، أي : بحضرتهم لم تقل : فعلته بين أرجلهم ، ولم ينقل عنهم هذا البتة ، وقال الكرماني : هو صواب إذ ليس المذكور الأرجل فقط ، بل المراد الأيدي ، وذكر الأرجل تأكيدا له ، وتابعا لذلك ،فالمخطئ مخطئ ، ويقال : يحتمل أن يراد بما بين الأيدي والأرجل القلب ؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه ، فلذلك نسب إليه الافتراء فإن المعنى لا ترموا أحدا بكذب تزورونه في أنفسكم ، ثم تبهتون صاحبكم بألسنتكم ، وقال أبو محمد بن أبي جمرة : يحتمل أن يكون قوله : بين أيديكم : ، أي : في الحال . قوله : وأرجلكم ، أي : في المستقبل ؛ لأن السعي من أفعال الأرجل . وقال غيره : أصل هذا كان في بيعة النساء ، وكنى بذلك كما قال الهروي في ( الغريبين ) عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها ، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا . قلت : وقد جاء في رواية لمسلم : ولا نقتل أولادنا ، ولا يعضه بعضنا بعضا ، أي : لا يسخر ، وقيل : لا يأتي ببهتان ، يقال : عضهت الرجل رميته بالعضيهة . قال الجوهري : العضيهة البهيتة ، وهو الإفك والبهتان ، تقول : يا للعضيهة بكسر اللام ، وهي استغاثة ، وأصله من عضهه عضها بالفتح . وقال الكسائي : العضه الكذب ، وجمعها عضون ، مثل : عزة وعزون ، ويقال : نقصانه الهاء ، وأصله عضهة . ومنها ما قيل : لم قيد قوله : ولا تعصوا بقوله : في معروف ، وأجيب بأنه قيده بذلك تطييبا لنفوسهم ؛ لأنه عليه السلام لا يأمر إلا بالمعروف . وقال النووي : يحتمل في معنى الحديث ، ولما تعصوني ، ولا أجد عليكم أولى من اتباعي إذا أمرتكم بالمعروف ، فيكون التقييد بالمعروف عائدا إلى الاتباع ، ولهذا قال : لا تعصوا ، ولم يقل : ولا تعصوني . قلت : في رواية الإسماعيلي في باب وفود الأنصار : ولا تعصوني فحينئذ الأحسن هو الجواب الأول : وقال الزمخشري في آية المبايعات . فإن قلت : لو اقتصر على قوله : لا يعصينك فقد علم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف . قلت : نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب . ومنها ما قيل : قد ذكر في الاعتقاديات والعمليات كلتيهما ، فلِمَ اكتُفي في الاعتقاديات بالتوحيد ؟ وأجيب بأنه هو الأصل والأساس . ومنها ما قيل : فلم ما ذكر الإتيان بالواجبات ، واقتصر على ترك المنهيات ؟ وأجيب بأنه لم يقتصر حيث قال : ولا تعصوا في معروف إذ العصيان مخالفة الأمر أو اقتصر ؛ لأن هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ، ولم تشرع الأفعال بعد . ومنها ما قيل : لم قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات ، وأجيب بأن التخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل . ومنها ما قيل : فلم ترك سائر المنهيات ، ولم يقل مثلا : ولا تقربوا مال اليتيم ، وغير ذلك ، وأجيب بأنه لم يكن في ذلك الوقت حرام آخر أو اكتفى بالبعض ليقاس الباقي عليه أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات . ومنها ما قيل : إن قوله : فأجره على الله يشعر بالوجوب على الله لكلمة على ، وأجيب بأن هذا ، وارد على سبيل التفخيم ، نحو : قوله تعالى : فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء . ومنها ما قيل : لفظ الأجر مشعر بأن الثواب إنما هو مستحق كما هو مذهب المعتزلة ، لا مجرد فضل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وأجيب بأنه إنما أطلق الأجر ؛ لأنه مشابه للأجر صورة لترتبه عليه .
( باب أداء الخمس من الإيمان ) الكلام فيه على أنواع الأول : أن لفظ باب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده ، والتقدير هذا باب أداء الخمس ، أي باب في بيان أن أداء الخمس شعبة من شعب الإيمان ، ويجوز أن يقطع عن الإضافة فحينئذ أداء الخمس كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : "من الإيمان" خبره ، الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الحلال الذي هو المأمور به ، والحرام الذي هو المنهي عنه ، فكذلك في هذا الباب المذكور هو المأمور به ، والمنهي عنه ، أما المأمور به فهو الإيمان بالله ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وإعطاء الخمس ، وأما المنهي عنه فهو الحنتم وأخواتها ، وبهذا الباب ختمت الأبواب التي يذكر فيها شعب الإيمان وأموره ، الثالث : قوله : "الخمس" بضم الخاء من خمست القوم أخمسهم بالضم إذا أخذت منهم خمس أموالهم ، وأما خمستهم أخمسهم بالكسر فمعناه إذا كنت خامسهم ، أو كملتهم خمسة بنفسك ، وهو المراد من قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وقد قيل : إنه روي هنا بفتح الخاء ، وهي الخمس من الأعداد ، وأراد بها قواعد الإسلام الخمس المذكورة في حديث : "بني الإسلام على خمس" ، فهذا وإن كان له وجه ولكن فيه بعد لأن الحج لم يذكر هاهنا ، ولأن غيره من القواعد قد تقدم ذكره ، وهاهنا إنما ترجم الباب على أن أداء خمس الغنيمة من الإيمان ، فإن قلت : ما وجه كونه من الإيمان ؟ قلت : لما سأل الوفد عن الأعمال التي إذا عملوها يدخلون بها الجنة فأجيبوا بأشياء من جملتها أداء الخمس ، فأداء الخمس من الأعمال التي يدخل بها الجنة ، وكل عمل يدخل به الجنة فهو من الإيمان ، فأداء الخمس من الإيمان فافهم . 1 - حدثنا علي بن الجعد ، قال : أخبرنا شعبة ، عن أبي جمرة قال : كنت أقعد مع ابن عباس يجلسني على سريره ، فقال : أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي ، فأقمت معه شهرين ، ثم قال : إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال : من القوم ، أو من الوفد ؟ قالوا : ربيعة ، قال : مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ، ولا ندامى ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام ، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ، وندخل به الجنة ، وسألوه عن الأشربة ، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع ، أمرهم بالإيمان بالله وحده قال : أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس ، ونهاهم عن أربع : عن الحنتم ، والدباء ، والنقير ، والمزفت ، وربما قال : المقير ، وقال : احفظوهن ، وأخبروا بهن من وراءكم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنه عقد الباب على جزء منه ، وهو قوله : "وأن تعطوا من المغنم خمسا" فإن قلت : لم عين هذا للترجمة دون غيره من الذي ذكره معه ؟ قلت : قد عقد لكل واحد غيره بابا على ما تقدم . ( بيان رجاله ) وهم أربعة الأول : أبو الحسن علي بن الجعد بفتح الجيم ابن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي سمع الثوري ومالكا وغيرهما من الأعلام ، وعنه أحمد ، والبخاري ، وأبو داود ، وآخرون ، وقال موسى بن داود : ما رأيت أحفظ منه ، وكان أحمد يحض على الكتابة منه ، وقال يحيى بن معين : هو رباني العلم ثقة ، فقيل له هذا الذي كان منه يعني أنه كان يتهم بالجهم ، فقال : ثقة صدوق ، وقيل : إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد ، وبقي ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ، ولد سنة ست وثلاثين ومائة ، ومات سنة ثلاثين ومائتين ، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد ، الثاني شعبة بن الحجاج ، وقد تقدم ، الثالث : أبو جمرة بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران بن عصام ، وقيل : عاصم بن واسع الضبعي البصري سمع ابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وخلقا من التابعين ، وعنه أيوب وغيره من التابعين وغيرهم كان مقيما بنيسابور ، ثم خرج إلى مرو ثم إلى سرخس ، وبها توفي سنة ثمان وعشرين ومائة وثقته متفق عليها ، وقال ابن قتيبة : مات بالبصرة ، وكان أبوه عمران رجلا جليلا قاضي البصرة ، واختلف في أنه صحابي أم لا ، وليس في الصحيحين من يكنى بهذه الكنية غيره ، ولا من اسمه جمرة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضا ، ولا في الموطأ ، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم حمزة بالحاء المهملة والزاي ، وذلك وهم ، وما عداه أبو حمزة بالحاء والزاء ، وقد روى مسلم عن أبي حمزة بالحاء المهملة عن أبي عطاء القصاب بياع القصب الواسطي حديثا واحدا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية ، وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس خلفه ، وقال بعض الحفاظ : يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة بالحاء والزاي إلا هذا ، ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن ابن عباس أبو حمزة فهو هذا ، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب والوصف كأبي حمزة القصاب ، والضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة من بني ضبيعة بضم أوله مصغر ، أو هو بطن من عبد القيس كما جزم الرشاطي ، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم : بنو ضبيعة أيضا ، وقد وهم من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري فقد روى الطبراني ، وابن منده في ترجمة نوح بن مخلد جد أبي جمرة أنه قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له : ممن أنت ؟ قال : من ضبيعة ربيعة ، فقال : خير ربيعة عبد القيس ، ثم الحي الذي أنت منهم ، الرابع : عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، والإخبار في أخبرنا شعبة ، وفي كثير من النسخ حدثنا شعبة ، ومنها أن رجاله ما بين بغدادي ، وواسطي ، وبصري ، ومنها أن فيهم من هو من الأفراد ، وهو أبو جمرة ، وكذا علي بن الجعد انفرد به البخاري ، وأبو داود عن بقية الستة . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في عشرة مواضع هنا كما ترى ، وفي الخمس عن أبي النعمان ، عن حماد ، وفي خبر الواحد عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، وعن إسحاق ، عن النضر ، عن شعبة ، وفي كتاب العلم عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، وفي الصلاة عن قتيبة ، عن عباد بن عباد ، وفي الزكاة عن حجاج بن المنهال عن حماد ، وفي الخمس عن أبي النعمان ، عن حماد ، وفي مناقب قريش عن مسدد ، عن حماد ، وفي المغازي عن سليمان بن حرب ، عن حماد ، وعن إسحاق ، عن أبي عامر العقدي ، عن قرة ، وفي الأدب عن عمران بن ميسرة ، عن عبد الوارث ، عن أبي التياح ، وفي التوحيد عن عمرو بن علي ، عن أبي عاصم ، عن قرة ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي موسى ، وبندار ثلاثتهم عن عبد ربه ، وعن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، وعن نصر بن علي ، عن أبيه كلاهما عن قرة به ، وفيه ، وفي الأشربة عن خلف بن هشام ، عن حماد بن زيد ، وعن يحيى بن يحيى ، عن عباد بن عباد به ، وأخرجه أبو داود في الأشربة عن سليمان بن حرب ، ومحمد بن عبيد بن حساب كلاهما عن حماد بن زيد به ، وعن مسدد ، عن عباد بن عباد به ، وفي السنة عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن سعيد ، عن شعبة به ، وأخرجه الترمذي في السير عن قتيبة ، عن عباد بن عباد به ، وعن قتيبة ، عن حماد بن زيد به مختصرا ، وفي الإيمان عن قتيبة عنهما بطوله ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في العلم عن بندار به ، وفي الإيمان عن قتيبة ، عن عباد بن عباد به ، وفي الأشربة عن أبي داود الحراني ، عن أبي عتاب بن سهل بن حماد ، عن قرة به ، وفي الصلاة عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن شعبة به ، ومعنى حديثهم واحد ، ولم يذكر البخاري في طرقه قصة الأشج ، وذكرها مسلم في الحديث فقال عليه السلام للأشج أشج عبد القيس : "إن فيك لخصلتين يحبهما الله الأناة والحلم" . ( بيان اللغات ) قوله : "على سريره" وفي العباب : السرير معروف ، وجمعه أسرة ، وسرر قال الله تعالى : عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ إلا أن بعضهم يستثقل اجتماع الضمتين مع التضعيف فيرد الأولى منهما إلى الفتح لخفته فيقول : سرر ، وكذلك ما أشبهه من الجمع مثل ذليل وذلك ، ونحوه انتهى ، وقيل : إنه مأخوذ من السرور لأنه مجلس السرور ، قلت : السرير أيضا مستقر الرأس والعنق ، وقد يعبر بالسرير عن الملك والنعمة وخفض العيش ، وقال ابن السكيت : السرير موضع بأرض بني كنانة ، قوله : "سهما" أي نصيبا ، والجمع سهمان بالضم ، قوله : "إن وفد عبد القيس" قال ابن سيده : يقال : وفد عليه وإليه وفدا ووفودا ووفادة وإفادة على البدل قدم ، وأوفده عليه وهم الوفد والوفود فأما الوفد فاسم جمع ، وقيل : جمع ، وأما الوفود فجمع وافد ، وقد أوفده إليه ، وفي الجامع للقزاز : ووفودة ، والقوم يفدون وأوفدتهم أنا أيضا ، وواحد الوفد وافد ، وفي الصحاح : وفد فلان على الأمير رسولا ، والجمع وفد ، وجمع الوافد أوفاد ، والاسم الوفادة ، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته ، وفي المغيث : الوفد قوم يجتمعون فيردون البلاد ، وكذا ذكره الفارسي في مجمع الغرائب ، وقال صاحب التحرير : والوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات ، وقال القاضي : هم القوم يأتون الملك ركابا ، ويؤيد ما ذكره أن ابن عباس فسر قوله تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا قال : ركبانا ، وعبد القيس أبو قبيلة ، وهو ابن أفصى بفتح الهمزة وسكون الفاء وبالصاد المهملة المفتوحة ابن دعمي بضم الدال المهملة وسكون العين المهملة وبياء النسبة ابن جديلة بفتح الجيم بن أسد بن ربيعة بن نزار كانوا ينزلون البحرين ، وحوالي القطيف والأحساء وما بين هجر إلى الديار المصرية ، قوله : "ربيعة" هو ابن نزار بن معد بن عدنان ، وإنما قالوا : ربيعة لأن عبد القيس من أولاده ، قوله : "مرحبا" أي صادفت مرحبا أي سعة ، فاستأنس ، ولا تستوحش ، قوله : "خزايا" جمع خزيان من الخزي ، وهو الاستحياء من خزي يخزى من باب علم يعلم خزاية أي استحيى فهو خزيان ، وقوم خزايا وامرأة خزيا ، وكذلك خزي يخزي من هذا الباب بمعنى ذل وهان ومصدره خزي ، وقال ابن السكيت : وقع في بلية ، وأخزاه الله والمعنى هاهنا على هذا يعني غير أذلاء مهانين فافهم ، قوله : "ولا ندامى" جمع ندمان بمعنى النادم ، وقيل : جمع نادم ، قوله : "في الشهر الحرام" المراد به الجنس فيتناول الأشهر الحرم الأربعة : رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ويعرف المحرم دون رجب وسمي الشهر بالشهر لشهرته وظهوره ، وبالحرام لحرمة القتال فيه ، قوله : "وهذا الحي" قال ابن سيده : إنه بطن من بطون العرب ، وفي المطالع : هو اسم لمنزل القبيلة ، ثم سميت القبيلة به ، وذكر الجواني في الفاصلة أن العرب على طبقات عشر أعلاها الجذم ، ثم الجمهور ، ثم الشعوب واحدها شعب ثم القبيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، ثم العشيرة ، ثم الفصيلة ، ثم الرهط ، وقال الكلبي : وأول العرب شعوب ، ثم قبائل ، ثم عمائر ، ثم بطون ، ثم أفخاذ ، ثم فصائل ، ثم عشائر ، وقدم الأزهري العشائر على الفصائل قال : وهم الأحياء ، وقال ابن دريد : الشعب الحي العظيم من الناس ، قلت : الجذم بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة أصل الشيء ، والشعب بالفتح ما تشعب من قبائل العرب والعجم والعمارة بكسر العين وتخفيف الميم ، وجوز الخليل فتح عينها قال في العباب : وهي القبيلة والعشيرة ، وقيل : هي الحي العظيم ينفرد بظعنه ، قوله : "مضر" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف ، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، ويقال لها : مضر الحمراء ، ولأخيه ربيعة الفرس لأنهما لما اقتسما الميراث أعطي مضر الذهب وربيعة الخيل ، وكفار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة ، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم ، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الحرم لامتناعهم من القتال فيها ، قوله : "بأمر فصل" بلفظ الصفة لا بالإضافة ، والأمر إما واحد الأمور أي الشأن ، وإما واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل ، وفصل بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة إما بمعنى الفاصل كالعدل أي يفصل بين الحق والباطل ، وإما بمعنى المفصل أي واضح بحيث ينفصل به المراد عن غيره ، قوله : "من المغنم" أي الغنيمة قال الجوهري : المغنم والغنيمة بمعنى ، قوله : "الحنتم" بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق قال أبو هريرة : هي الجرار الخضر ، وقال ابن عمر : هي الجرار كلها ، وقال أنس بن مالك : جرار يؤتى بها من مضر مقيرات الأجواف ، وقالت عائشة : جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر ، وقال ابن أبي ليلى : أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف ، وكانوا ينبذون فيها ، وقال عطاء : هي جرار تعمل من طين ، ودم ، وشعر ، وفي المحكم : الحنتم جرار خضر تضرب إلى الحمرة ، وفي مجمع الغرائب : حمر ، وقال الخطابي : هي جرة مطلية بما يسد مسام الخزف ، ولها التأثير في الانتباذ لأنها كالمزفت ، وقال أبي حبيب : الحنتم الجر وكل ما كان من فخار أبيض وأخضر ، وقال المازري : قال بعض أهل العلم : ليس كذلك إنما الحنتم ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره ، قوله : "والدباء" بضم الدال وتشديد الباء وبالمد ، وقد يقصر ، وقد تكسر الدال وهو اليقطين اليابس أي الوعاء منه ، وهو القرع ، وهو جمع والواحدة دباءة ، ومن قصر قال : دباة ، قال عياض : ولم يحك أبو علي والجوهري غير المد ، قوله : "والنقير" بفتح النون وكسر القاف ، وجاء تفسيره في صحيح مسلم : "إنه جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه" ، قوله : "والمزفت" بتشديد الفاء أي المطلي بالزفت أي القار بالقاف ، وربما قال ابن عباس : المقير بدل المزفت ، ويقال : الزفت نوع من القار ، وقال ابن سيده : هو شيء أسود يطلى به الإبل والسفن ، وقال أبو حنيفة : إنه شجر مر ، والقار يقال له : القير بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف ، قيل : هو نبت يحرق إذا يبس يطلى به السفن وغيرها كما يطلى بالزفت ، وفي مسند أبي داود الطيالسي بإسناد حسن عن أبي بكرة قال : أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ، ثم يموت ، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينتبذون الرطب والبسر ، ثم يدعونه حتى يهدر ، ثم يموت ، وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر ، وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت . ( بيان الإعراب ) ، قوله : "كنت أقعد" التاء في كنت اسم كان ، والجملة أعني "أقعد" في محل النصب خبره قوله : "مع ابن عباس" أي مصاحبا معه أو هو بمعنى عند أي عند ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله : "فيجلسني" عطف على قوله : "أقعد" فإن قلت : الإجلاس قبل القعود فكيف جاء بالفاء ؟ قلت : الإجلاس على السرير بعد القعود ، وما الدليل على امتناعه ، قوله : "أجعل" بالنصب بأن المقدرة بعد حتى ، "وسهما" منصوب لأنه مفعول "أجعل" ، وكلمة "من" في "من مالي" بيانية مع دلالته على التبعيض ، قوله : "فأقمت معه" أي مصاحبا له ، وإنما قال : معه ، ولم يقل : عنده مطابقة لقوله : "أقم عندي" لأجل المبالغة ، لأن المصاحبة أبلغ من العندية ، قوله : "شهرين" نصب على الظرف والتقدير : مدة شهرين ، قوله : "من القوم" جملة اسمية وكلمة من للاستفهام ، قوله : "أو من الوفد" شك من الراوي ، والظاهر أنه شعبة ، ويحتمل أن يكون أبا جمرة ، وليس كما قال الكرماني ، والظاهر أنه من ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله : "ربيعة" خبر مبتدأ محذوف تقديره : نحن ربيعة ، والجملة مقول القول ، قوله : "قال : مرحبا" أي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : مرحبا ، وهو اسم وضع موضع الترحيب وانتصابه على المصدرية من رحبت الأرض ترحب من باب كرم يكرم رحبا بضم الراء إذا اتسعت ، قال سيبويه : هو من المصادر النائية عن أفعالها تقديره : رحبت بلادك رحبا ، وقال غيره : هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره تستعمله العرب كثيرا ، ومعناه صادفت رحبا أي سعة فاستأنس ولا تستوحش ، وفي العباب : والعرب تقول أيضا : مرحبك الله ، ومسهلك ، ومرحبا بك الله ومسهلا ، وقال العسكري : أول من قال : مرحبا سيف ذو يزن فإن قلت : ما الباء في بالقول قلت : يجوز أن تكون للتعدية ويجوز أن تكون زائدة ، قوله : " "غير خزايا" كلام إضافي منصوب على الحال فإن قلت : إنه بالإضافة صار معرفة وشرط الحال أن تكون نكرة ، قلت : شرط تعرفه أن يكون المضاف ضدا للمضاف إليه ، ونحوه ، وهاهنا ليس كذلك ، ويروى غير بكسر الراء على أنه صفة للقوم ، فإن قلت : إنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة ، قلت : للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت فيه ، ولا تعيين ، وفي رواية مسلم : "غير خزايا ولا الندامى" ، باللام في الندامى ، وفي بعض الروايات : "غير الخزايا ولا الندامى" باللام فيهما ، وقال النووي : وفي رواية البخاري في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة : "مرحبا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا ولا ندامى" ووقع في رواية النسائي من طريق قرة : "فقال : مرحبا بالوفد ليس خزايا ولا النادمين" ، وهذا يشهد لمن قال : كان الأصل في "ولا ندامى نادمين" ، ولكنه اتبع خزايا تحسينا للكلام كما يقال : لا دريت ولا تليت ، والقياس : لا تلوت ، وبالغدايا والعشايا ، والقياس بالغدوات ، فجعل تابعا لما يقارنه ، وإذا أفردت لم يجز إلا الغدوات ، وكذلك قوله عليه السلام : "ارجعن مأزورات غير مأجورات" ، ولو أفردت لقيل : موزورات بالواو لأنه من الوزر ، ومنه قول الشاعر : هناك أخبية ولاج أبوبة فجمع الباب على أبوبة اتباعا لأخبية ، ولو أفرد لم يجز ، وقال القزاز والجوهري ويقال في نادم : ندمان فعلى هذا يكون الجمع على الأصل ، ولا يكون من باب الإتباع ، قوله : "أن نأتيك" في محل النصب على المفعولية ، وأن مصدرية والتقدير : إنا لا نستطيع الإتيان إليك ، قوله : "الحرام" بالجر صفة للشهر ، وفي رواية الأصيلي وكريمة : إلا في شهر الحرام ، وهي رواية مسلم أيضا ، وهو من إضافة الاسم إلى صفته بحسب الظاهر كمسجد الجامع ، ونساء المؤمنات ، ولكنه مؤول تقديره : إلا في شهر الأوقات الحرام ، ومسجد الوقت الجامع ، وقال بعضهم : هذا من إضافة الشيء إلى نفسه ، قلت : إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز كما عرف في موضعه ، وفي رواية قرة أخرجها البخاري في المغازي : "إلا في أشهر الحرم" وتقدير في أشهر الأوقات الحرم ، والحرم بضمتين جمع حرام ، وفي رواية حماد بن زيد أخرجها البخاري في المناقب : "إلا في كل شهر حرام" ، قوله : "وبيننا وبينك" الواو فيه للحال ، وكلمة "من" في قوله : "من كفار" مضر للبيان ، ومضر مضاف إليه ، ولكن جره بالفتح لأن الصرف منع منها للعلمية والتأنيث ، قوله : "فمرنا" جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المستتر في مر ، والمفعول وهو نا ، وأصل مر اؤمر بهمزتين لأنه من أمر يأمر فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال فصار امر فاستغني عن همزة الوصل فحذفت فبقي مر على وزن عل لأن المحذوف فاء الفعل ، قوله : بأمر فصل" كلاهما بالتنوين على الوصفية لا الإضافة ، قوله : "نخبر به" روي بالرفع وبالجزم أما الرفع فعلى أنه صفة لأمر ، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر ، قوله : "من وراءنا" كلمة "من" بفتح الميم موصولة في محل الرفع على الابتداء ، وقوله : "وراءنا" خبره ، والجملة في محل النصب على أنها مفعول نخبر ، والخبر في الحقيقة محذوف تقديره من استقروا وراءنا ، أي خلفنا ، والمراد قومهم الذين خلفوهم في بلادهم ، وقد علم أن نحو خلف ووراء إذا وقع خبرا فإن كان بدلا عن عامله المحذوف نحو زيد خلفك أو وراءك بقي على ما كان عليه من الإعراب ، وإن لم يكن بدلا نحو ظهرك خلفك ورجلاك أسفلك جاز فيه الوجهان النصب على الظرفية والرفع على الخبرية ، ثم اعلم أن لفظة وراء من الأضداد لأنه يأتي بمعنى خلف ، وبمعنى قدام ، وهي مؤنثة ، وقال ابن السكيت يذكر ويؤنث وهو مهموز اللام ذكره الصغاني في باب ما يكون في آخره همزة ، وذكر الجوهري في باب ما يكون في آخره ياء ، وهو غلط فكأنه ظن أن همزته ليست بأصلية وليس كذلك بدليل وجودها في تصغيره ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات : من ورائنا بكسر الميم ، قلت : قال الشيخ قطب الدين في شرحه ، ولا خلاف أن قوله : "نخبر به من وراءنا" بفتح الميم والهمزة ، فإن قلت : إن صح ما قاله الكرماني فما تكون من بالكسر ، قلت : إن صحت هذه الرواية يحتمل أن تكون من للغاية بمعنى أن قومهم يكونون غاية لأخبارهم ، قوله : "وندخل به الجنة" برفع اللام وجزمها عطفا على قوله : نخبر الموجه بوجهين ، وفي بعض الروايات : ندخل بدون الواو ، وكذا وقع في مسلم بلا واو ، وعلى هذه الرواية يتعين رفعه ، وهي جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، قوله : "وسألوه" أي النبي عليه الصلاة والسلام عن الأشربة أي عن ظروف الأشربة ، فالمضاف محذوف ، والتقدير : سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة فعلى هذا يكون محذوف الصفة فافهم ، قوله : "فأمرهم بأربع" الفاء للتعقيب أي بأربع خصال أو بأربع جمل لقوله : حدثنا بجمل من الأمر ، وهي رواية قرة عند البخاري في المغازي ، وقوله : "ونهاهم" عطف على "فأمر" ، قوله : "أمرهم بالإيمان" تفسير لقوله : "فأمرهم بأربع" ، ولهذا ترك العاطف ، فإن قلت : كيف يكون تفسيرا والمذكور خمس ، قلت : قال النووي : عد جماعة الحديث من المشكلات حيث قال : أمرهم بأربع ، والمذكور خمس ، واختلفوا في الجواب عنه فقال البيضاوي : الظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة المأمور بها ، والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانا واختصارا ، وقال الطيبي : من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصبا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه ، كأن ما سواه مرفوض مطرح فهاهنا لما لم يكن الغرض في إيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مقرين بهما بدليل قولهم : الله ورسوله أعلم ، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما ، وأنهما كافيتان لهم ، وكان الأمر في أول الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر ، وجعل الإعطاء منها لأنه هو الغرض من الكلام لأنهم كانوا أصحاب غزوات مع ما فيه من بيان أن الإيمان غير مقصور على ذكر الشهادتين ، وقال القرطبي : قيل : إن أول الأربع المأمور بها أقام الصلاة وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما كما قيل في قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وهذا نحو كلام الطيبي فإن قلت : قوله : "وأقام الصلاة" مرفوع عطفا على قوله : "شهادة أن لا إله إلا الله" ، وهذا يرد ما قاله الطيبي والقرطبي ، وأجيب بأنه يجوز أن يقرأ : وأقام الصلاة بالجر عطفا على قوله : "أمرهم بالإيمان" ، والتقدير : أمرهم بالإيمان مصدرا به وبشرطه في الشهادتين ، وأمرهم بإقام الصلاة إلى آخره ، ويعضد هذا رواية البخاري في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة ، ولفظه : "أربع وأربع أقيموا" إلى آخره ، فإن قيل : ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع الخصال في تفسير الإيمان والتقدير المذكور يخالفه فأجاب ابن رشد بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى ، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة ، فأجيبوا بأشياء من أداء الخمس والأعمال التي يدخل بها الجنة هي أعمال الإيمان فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير ، فإن قلت : قد قال في رواية حماد بن زيد ، عن أبي جمرة : "أمركم بأربع : الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة" أخرجها البخاري في المغازي ، وأخرج في فرض الخمس ، وعقد بيده الحجاج بن منهال فدل على أن الشهادة إحدى الأربع ، وكذا في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت ولفظه : "أمركم بأربع ونهاكم عن أربع الإيمان بالله ثم فسرها لهم شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله" الحديث ، وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع لأنه أعاد الضمير في قوله ثم فسرها مؤنثا فيعود على الأربع ، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرا ، قلت : أجاب عنه القاضي ، وابن بطال بأنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر ، وكانوا أهل جهاد وغنائم ، قال النووي : وهو الصحيح ، وقال الكرماني : ليس الصحيح ذلك هاهنا لأن البخاري عقد الباب على أن أداء الخمس من الإيمان فلا بد أن يكون داخلا تحت أجزاء الإيمان كما أن ظاهر العطف يقتضي ذلك بل الصحيح ما قيل : إنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك ، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان ، قلت : لو اطلع الكرماني على رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة ، ورواية عباد بن عباد لما نفى الصحيح وأثبت غير الصحيح ، والتعليل الذي علله هو السؤال الذي أجاب عنه ابن رشد ، فإن قلت : قد وقع في رواية البخاري في الزكاة : " وشهادة أن لا إله إلا الله " بواو العطف ، قلت : هذه زيادة شاذة لم يتابع عليها ، قوله : "وأن تعطوا" عطف على قوله : "بأربع" أي أمركم بأربع ، وبأن تعطوا ، وأن مصدرية ، والتقدير : وبإعطاء الخمس من المغنم ، قوله : "ونهاهم" عطف على قوله : "أمرهم" ، قوله : "عن الحنتم" بدل من قوله : "عن أربع" ، وما بعده عطف عليه ، وفيه المضاف محذوف تقديره : ونهاهم عن نبيذ الحنتم ، والدباء ، قوله : "وربما" كلمة رب هاهنا للتقيل ، وإذا زيدت عليها ما فالغالب أن تكفها عن العمل ، وأن تهيئها للدخول على الجمل الفعلية ، وأن يكون الفعل ماضيا لفظا ومعنى ، فإن قلت : ما تقول في قوله تعالى : رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا قلت : هو مؤول بالماضي على حد قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قوله : "وأخبروا بهن" بفتح الهمزة ، قوله : "من وراءكم" مفعول ثان "لأخبروا" ، ومن بفتح الميم موصولة مبتدأ ، وقوله : "وراءكم" خبره ، والتقدبر : أخبروا الذين كانوا وراءكم ، أو استقروا ، ورواية البخاري بفتح "من" كما ذكرنا ، وكذا رواية مسلم من طريق ابن المثنى وغيره ، ووقع له من طريق ابن أبي شيبة : من ورائكم بكسر الميم والهمزة . ( بيان المعاني ) قوله : "كنت أقعد مع ابن عباس رضي الله عنهما" يعني زمن ولايته البصرة من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ووقع في رواية البخاري في العلم بيان السبب في إكرام ابن عباس لأبي جمرة ، وهو : "كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس" وفي مسلم : "كنت بين يدي ابن عباس وبين الناس" ، فقيل : إن لفظة "يدي" زائدة ، وقيل : "بينه" مرادة مقدرة أي بينه وبين الناس ، قوله : "أترجم" من الترجمة ، وهي التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم فقيل : كان يتكلم بالفارسية وكان يترجم لابن عباس عمن تكلم بها ، وقال ابن الصلاح : وعندي أنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس إما لزحام أو لاختصار يمنع من فهمه ، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى ، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعده قال النووي : والظاهر أنه يفهمهم عنه ، ويفهمه عنهم ، وقال القاضي : فيه جواز الترجمة والعمل بها ، وجواز المترجم الواحد لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة على المشهور قلت : قال أصحابنا : والواحد يكفي للتزكية ، والرسالة والترجمة لأنها خبر ، وليست بشهادة حقيقة ، ولهذا لا يشترط لفظة الشهادة ، قوله : "إن وفد عبد القيس" قال النووي : كانوا أربعة عشر راكبا كبيرهم الأشج ، وسمى منهم صاحب التحرير وصاحب منهج الراغبين شارحا مسلم ثمانية أنفس ، الأول رئيسهم وكبيرهم الأشج ، واسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر كذا نسبه أبو عمر ، وقال ابن الكلبي : المنذر بن عوف بن عمرو بن زياد بن عصر ، وكان سيد قومه ، قلت : عصر بفتح المهملتين بن عوف بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بضم اللام ، وفي آخره زاي معجمة بن أفصى بالفاء بن عبد القيس بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، وإنما قال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأشج لأثر كان في وجهه ، الثاني عمرو بن المرجوم بالجيم واسم المرجوم عامر بن عمرو بن عدي بن عمرو بن قيس بن شهاب بن زيد بن عبد الله بن زياد بن عصر كان من أشراف العرب وساداتها ، الثالث عبيد بن همام بن مالك بن همام ، الرابع الحارث بن شعيب ، الخامس مزيدة بن مالك ، السادس منقذ بن حبان ، السابع الحارث بن حبيب العايشي بالمعجمة ، الثامن صحار بضم الصاد وتخفيف الحاء ، وفي آخره راء كلها مهملات ، وقال صاحب التحرير : لم أظفر بعد طول التتبع لأسماء الباقين ، قلت : الستة الباقية على ما ذكروا هم عتبة بن حروة والجهيم بن قثم ، والرسيم العدوي ، وجويرة الكندي والزارع بن عائد العبدي ، وقيس بن النعمان ، وقال البغوي في معجمه ، حدثني زياد بن أيوب ، ثنا إسحاق بن يوسف ، انبأنا عوف عن أبي القموس زيد بن علي حديث الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عبد القيس ، وفيه قال النعمان بن قيس : "سألناه عن أشياء حتى سألناه عن الشراب فقال : لا تشربوا من دباء ولا حنتم ، ولا في نقير ، واشربوا في الحلال الموكى عليه ، فإن اشتد عليكم فاكسروه بالماء فإن أعياكم فأهريقوه" الحديث ، فإن قلت : روى ابن منده ثم البيهقي من طريق هود العصري عن جده لأمه مزيدة قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم : سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هو خير أهل المشرق فقام عمر رضي الله عنه فلقي ثلاثة عشر راكبا فرحب وقرب من القوم ، وقال : من القوم ؟ قالوا : وفد عبد القيس ، وروى الدولابي وغيره من طريق أبي خيرة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها الراء الصباحي بضم الصاد المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف حاء مهملة نسبة إلى الصباح بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس ، قال : "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا أربعين رجلا فنهانا عن الدباء والنقير" الحديث ، قلت : أجاب بعضهم عن الأول بأنه يمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب ، وعن الثاني بأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد ، قلت : هذا عجيب منه لأنه لم يسلم التنصيص على العدد المذكور فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر وأربعين ، حتى قال : وقد وقع في جملة من الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس فعد منهم أخا الزارع ، وابن مطر ، وابن أخيه ، وشمرخا السعدي ، وقال : روى حديثه ابن السكن ، وأنه قدم مع وفد عبد القيس وجذيمة بن عمرو ، وجارية بالجيم ابن جابر ، وهمام بن ربيعة ، وقال : ذكرهم ابن شاهين ، ونوح بن مخلد جد أبي جمرة الصباحي ، قلت : ومن الذين كانوا في الوفد الأعور بن مالك بن عمر بن عوف بن عامر بن ذبيان بن الديل بن صباح ، وكان من أشراف عبد القيس وشجعانهم في الجاهلية ، قال أبو عمرو الشيباني : وكان ممن وفد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسلم مع الأشج ذكره الرشاطي ، ومنهم القائف وإياس ابنا عيسى بن أمية بن ربيعة بن عامر بن ذبيان بن الديل بن صباح ، وكانا من سادات بني صباح ، ومنهم شريك بن عبد الرحمن ، والحارث بن عيسى ، وعبد الله بن قيس ، والذراع بن عامر ، وعيسى بن عبد الله كانوا مع الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأشج ذكرهم كلهم أبو عبيدة ، ومنهم ربيعة بن خراش ذكره المدائني ، وقال : إنه وفد ، ومنهم محارب بن مرثد ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد عبد القيس ذكره ابن الكلبي ، ومنهم عباد بن نوفل بن خداش ، وابنه عبد الرحمن بن عباد ، وعبد الرحمن بن حيان ، وأخوه الحكم بن حيان ، وعبد الرحمن بن أرقم ، وفضالة بن سعد ، وحسان بن يزيد ، وعبد الله بن همام ، وسعد بن عمر ، وعبد الرحمن بن همام ، وحكيم بن عامر ، وأبو عمرو بن شييم كلهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا من سادات عبد القيس وأشرافها وفرسانها ، ذكرهم أبو عبيدة فهؤلاء اثنان وعشرون رجلا زيادة على ما ذكره هذا القائل ، فجملة الجمع تكون خمسة وأربعين نفسا فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح ، ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين وكان سبب قدومهم أن منقذ بن حبان أحد بني غنم بن وديعة كان يتجر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الهجرة فمر به صلى الله تعالى عليه وسلم ، فنهض منقذ إليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا منقذ بن حبان ، كيف جمع قومك ، ثم سأله عن أشرافهم يسميهم ، فأسلم منقذ ، وتعلم الفاتحة ، واقرأ ، ثم رحل إلى هجر ، فكتب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جماعة عبد القيس فكتمه ، ثم اطلعت عليه امرأته ، وهي بنت المنذر بن عائد ، وهو الأشج المذكور ، وكان منقذ يصلي ، ويقرأ فذكرت لأبيها فتلاقيا فوقع الإسلام في قلبه ، ثم سار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم ، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : "أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ لم يسلم قوم حتى وتروا" ، قال القاضي : كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، قوله : "قالوا ربيعة" فيه التعبير بالبعض عن الكل لأنهم بعض ربيعة ، ويدل عليه ما جاء في رواية أخرى ، وهي طريق عباد بن عباد عن أبي جمرة ، فقالوا : "إنا هذا الحي من ربيعة" أخرجها البخاري في الصلاة ، والترمذي أيضا والحي منصوب على الاختصاص ، قوله : "غير خزايا ولا ندامى" معناه لم يكن منكم تأخر الإسلام ، ولا أصابكم قتال ، ولا سبي ، ولا أسر وما أشبهه مما تستحيون منه ، أو تذلون ، أو تفضحون بسببه ، أو تندمون عليه ، وهذا يدل على أنهم أسلموا قبل وفودهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدل عليه أيضا قولهم : يا رسول الله ، ويدل أيضا على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة ، وكانت مساكنهم بالبحرين ، وما والاها من أطراف العراق ، ولهذا قالوا في رواية شعبة عند البخاري في العلم : "إنا نأتيك من شقة بعيدة" ويدل على سبقهم أيضا ما رواه البخاري في الجمعة من طريق أبي جمرة الصباحي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "إن أول جمعة جمعت بعد جمعة مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وهي بضم الجيم وبعد الألف ثاء مثلثة مفتوحة وهي قرية مشهورة لهم وفي المطالع جواثى بواو ومخففة ، ومنهم من يهمزها ، وهي مدينة بالبحرين وإنما جمعت بعد رجوع وفدهم إليهم فدل على أنهم سبقوا جميع المدن إلى الإسلام ، وجاء في هذا الخبر : "إن وفد عبد القيس لما وصلوا إلى المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام الأشج فجمع رجالهم ، وعقل ناقته ، ولبس ثيابا جددا ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : تبايعوني على أنفسكم وقومكم فقال القوم : نعم ، فقال : الأشج ، يا رسول الله ، إنك لن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا وترسل معنا من يدعوهم فمن اتبع كان منا ومن أبي قاتلناه ، قال : صدقت ، إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" ، وجاء في مسند أبي يعلى الموصل : "أكانا في أم حدثا قال : بل قديم ، قلت : الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله تعالى" ، والأناة بفتح الهمزة مقصورة ، قال الجوهري : الأناة على وزن قناة ، يقال : تأنى في الأمر أي توقف ، وانتظر ، ورجل آن على وزن فاعل أي كثير الأناة ، وقال القاضي : آنيت ممدودا ، وأنيت ، وتأنيت ، وزاد غيره استأنيت ، وأصل الحلم بالكسر العقل . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه الأول : فيه وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة ، الثاني قال ابن التين : يستنبط من قوله : "اجعل لك سهما من مالي" على جواز أخذ الأجرة على التعليم ، الثالث فيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين ، والفهم عنهم كما فعله ابن عباس رضي الله عنهما ، الرابع فيه استحباب قول : مرحبا للزوار ، الخامس : فيه أنه ينبغي أن يحث الناس على تبليغ العلم ، السادس فيه الأمر بالشهادتين ، السابع فيه الأمر بالصلاة ، الثامن فيه الأمر بأداء الزكاة ، التاسع فيه الأمر بصيام شهر رمضان ، العاشر فيه وجوب الخمس في الغنيمة ، قلت : أم كثرت ، وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية ، الحادي عشر النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع ، وهي أن تجعل في الماء حبا من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب لأنه يسرع فيها الإسكار فيصير حراما ، ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يبقى فيها المسكر بل إذا صار مسكرا شقها غالبا ثم إن هذا النهي كان في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ ، ففي صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا " ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، والجمهور ، وذهبت طائفة إلى أن النهي باق منهم مالك ، وأحمد ، وإسحاق حكاه الخطابي عنهم قال : وهو مروي عن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وذكر ابن عباس هذا الحديث لما استفتي دليل على أنه يعتقد النهي ، ولم يبلغه الناسخ ، والصواب الجزم بالإباحة لتصريح النسخ ، الثاني عشر فيه دليل على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر ، الثالث عشر فيه أنه لا عيب على الطالب للعلوم أو المستفتي أن يقول للعالم : أوضح لي الجواب ونحو هذه العبارة ، الرابع عشر فيه ندب العالم إلى إكرام الفاضل ، الخامس عشر فيه أن الثناء على الإنسان في وجهه لا يكره إذا لم يخف فيه بإعجاب ونحوه ، السادس عشر فيه دليل على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد . لأنه فسر الإسلام فيما مضى بما فسر الإيمان هاهنا ، السابع عشر فيه أن الأعمال الصالحة إذا قبلت تدخل صاحبها الجنة ، الثامن عشر فيه أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم ، التاسع عشر فيه دليل على العذر عند العجز عن توفية الحق واجبا أو مندوبا قاله ابن أبي جمرة ، العشرون فيه الاعتماد على أخبار الآحاد كما ذكرناه . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : إن قوله : كنت فعل ماض ، وقوله : أقعد ، للحال أو للاستقبال فما وجه الجمع بينهما ؟ أجيب بأن أقعد حكاية عن الحال الماضية فهو ماض ، وذكر بلفظ الحال استحضارا لتلك الصورة للحاضرين ، ومنها ما قيل : كيف قال : أمرهم بأربع ثم قال : أمرهم بالإيمان ؟ أجيب بأن الإيمان باعتبار الأجزاء الأربعة صح إطلاق الأربع عليه ، ومنها ما قيل : لم لم يذكر الحج وهو أيضا من أركان الدين ؟ أجيب بأجوبة الأول : إنما ترك ذكره لكونه على التراخي ، وهذا ليس بجيد لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به ، وفيه خلاف بين الفقهاء ، فعند أبي يوسف وجوبه على الفور ، وهو مذهب مالك أيضا ، ومذهب أحمد أنه على التراخي ، وهو مذهب الشافعي لأن فرض الحج كان بعد الهجرة ، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان قادرا على الحج في سنة ثمان ، وفي سنة تسع ، ولم يحج إلا في عشر ، وأجيب بأنه عليه السلام كان عالما بإدراكه ، فلذلك أخره بخلاف غيره مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب ، الثاني إنما تركه لشهرته عندهم ، وهذا أيضا ليس بجيد لأنه عند غيرهم أشهر منه عندهم ، الثالث إنما تركه لأنه لم يكن لهم سبيل إليه من أجل كفار مضر ، وهذا أيضا ليس بجيد لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان على أن الدعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج باطلة لأن الحج يقع في الأشهر الحرم ، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها لكن يمكن أن يقال : إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون به الجنة فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا ، ولهذا اقتصر في المناهي على الانتباذ في الأوعية لكثرة تعاطيهم لها ، الرابع وهو المعتمد عليه ما أجاب به القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض ، لأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة ، والحج فرض في سنة تسع ، فإن قلت : الأصح أن الحج فرض سنة ست ، وقدومهم في سنة ثمان أو عام الفتح كما نقل عنه ، وقد ذكرناه ، قلت : اعتماد القاضي على أنه فرض في سنة تسع ، فإن قلت : أخرج البيهقي في السنن الكبير من طريق أبي قلابة عن أبي زيد الهروي عن قرة في هذا الحديث ، وفيه ذكر الحج ، ولفظه : " وتحجوا البيت الحرام " ، ولم يتعرض لعدد ، قلت : هذه رواية شاذة ، وقد أخرجه البخاري ، ومسلم ، ومن استخرج عليهما ، والنسائي ، وابن خزيمة من طريق قرة ، ولم يذكر أحد منهم الحج ، ومنها ما قيل : لم عدل عن لفظ المصدر الصريح في قوله : "وأن تعطوا من المغنم" إلى ما في معنى المصدر ، وهي أن مع الفعل أجيب بأنه للإشعار بمعنى التجدد الذي للفعل لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك بخلاف إعطاء الخمس ، فإن فرضيته كانت متجددة ، ومنها ما قيل : لم خصصت الأوعية المذكورة بالنهى ؟ أجيب بأنه يسرع إليه الإسكار فيها فربما شربه بعد إسكاره ، من لم يطلع عليه ، ومنها ما قيل : ما الحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير في قوله : بأربع ، وعن أربع أجيب لأجل تشويق النفس إلى التفصيل لتسكن إليه ، ولتحصيل حفظها للسامع حتى إذا نسي شيئا من تفاصيل ما أجمل طلبته نفسه بالعدد ، فإذا لم يستوف العدد الذي حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع فافهم والله أعلم بالصواب .
باب علامة الإيمان حب الأنصار أي : هذا باب ، ويجوز بالإضافة إلى الجملة ، والتقدير : باب فيه علامة الإيمان حب الأنصار ، وجه المناسبة بين البابين أن هذا الباب داخل في نفس الأمر في الباب الأول ؛ لأن حب الأنصار داخل في قوله : وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله . فإن قلت : فما فائدة التخصيص ؟ قلت : الاهتمام بشأنهم والعناية بتخصيصهم في إفرادهم بالذكر . 1 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر ، قال : سمعت أنسا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) ، وهم أربعة : الأول : أبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك البصري ، مولى باهلة ، سمع مالكا ، وشعبة ، والحمادين ، وسفيان بن عيينة ، وآخرين . روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وإسحاق بن راهويه ، ومحمد بن يحيى ، ومحمد بن مسلم بن وارة . قال أحمد بن حنبل : متقن . وقال أبو زرعة : أدرك الوليد نصف الإسلام ، وكان إماما في زمانه جليلا عند الناس ، وقال أحمد بن عبد الله : هو ثقة في الحديث يروي عن سبعين امرأة ، وكانت الرحلة بعد أبي داود الطيالسي إليه ، ولد سنة ست وثلاثين ومائة ، ومات سنة سبع وعشرين ومائتين ، روى عنه البخاري وأبو داود . وروى الباقون ، عن رجل ، عنه . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : عبد الله بن عبد الله بن جبر ، بفتح الجيم ، وسكون الباء الموحدة ، وفي آخره راء ، ابن عتيك الأنصاري المدني . أهل المدينة يقولون : جابر . والعراقيون : جبر سمع عمر وأنسا ، روى عنه مالك ، ومسعر ، وشعبة ، روى له البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي . الرابع : أنس بن مالك رضي الله عنه . ( بيان الأنساب ) الطيالسي نسبة إلى بيع الطيالسة ، وهو جمع طيلسان ، بفتح اللام ، وقيل : بكسرها أيضا ، والفتح أعلى ، والهاء في الجمع للعجمة ؛ لأنه فارسي معرب . قال الأصمعي : أصله تالشان ، والأنصاري ليس بنسبة لأب ولا لأم ، بل الأنصار قبيل عظيم من الأزد ، سميت بذلك لنصرتهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، والنسبة إنما تكون إلى الواحد ، وواحد الأنصار ناصر ، مثل : أصحاب وصاحب ، وكان القياس في النسبة إلى الأنصار ناصري ، فقالوا : أنصاري كأنهم جعلوا الأنصار اسم المعنى ، والمدني نسبة إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما يقال في النسبة إلى ربيع ربعي ، وفي جذيمة جذمي ، وقد تنسب هذه النسبة إلى غيرها من المدن . وقال الرشاطي : قالوا في الرجل والثوب إذا نسب إلى المدينة : مدني ، والطير ونحوه : مديني . وفي ( مختصر العين ) : يقال : رجل مدني ، وحمام مديني ، وقال الجوهري : إذا نسبت إلى مدينة الرسول عليه السلام قلت : مدني ، وإلى مدينة منصور قلت : مديني ، وإلى مدائن كسرى قلت : مدائني للفرق بين النسب لئلا تختلط . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن هذا الإسناد من رباعيات البخاري فوقع عاليا ، ووقع لمسلم خماسيا . ومنها أن فيه التحديث والإخبار بالجمع ، والإفراد والسماع . ومنها أن فيه راويا وافق اسمه اسم أبيه . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا ، وأخرجه أيضا في فضائل الأنصار ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة به . وأخرجه مسلم عن ابن المثنى ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة به ، ولفظ مسلم : آية المنافق ، وآية المؤمن . وأخرجه النسائي أيضا . ( بيان اللغات ) . قوله : آية الإيمان ، أي : علامة الإيمان وأصلها أوية بالتحريك ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . قال سيبويه : موضع العين من الآية واو ؛ لأن ما كان موضع العين واوا ، وموضع اللام ياء أكثر مما موضع العين واللام ياءان ، مثل : شويث أكثر من جبيت ، وتكون النسبة إليه أوي . قال الفراء : هي من الفعل فاعلة ، وإنما ذهبت منه اللام ، ولو جاءت تامة لجاءت آيية ، ولكنها خففت ، وجمع الآية : آي ، وآياي ، وآيات ، ويقال في النسبة إلى آية : آيي ، والمشهور أن عينها ياء ، ووزنها فاعة ؛ لأن الأصل آيية فحذفوا الياء . الثانية : التي هي لام ، ثم فتحوا التي هي عين لأجل تاء التأنيث . قوله : الأنصار جمع ناصر ، كالأصحاب جمع صاحب ، ويقال : جمع نصير كشريف وأشراف ، والأنصار سموا به لنصرتهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم ولد الأوس والخزرج ابنا حارثة أو ثعلبة العنقاء لطول عنقه ابن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن ، وهو جماع غسان بن الأزد ، واسمه دراء ، على وزن فعال ابن الغوث بن نبت يعرب بن يقطن ، وهو قحطان ، وإلى قحطان جماع اليمن ، وهو أبو اليمن كلها ، ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل ، فيقول : قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل . هذا قول الكلبي ، ومنهم من ينسبه إلى غيره ، فيقول قحطان بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام . فعلى الأول العرب كلها من ولد إسماعيل عليه السلام ، وعلى الثاني : من ولد إسماعيل ، وقحطان ، وقال حسان بن ثابت : أما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا والماء غسان وغسان ماء كان شربا لولد مازن بن الأزد ، وكان الأنصار الذين هم الأوس والخزرج يعرفون قبل ذلك بابني قيلة ، بفتح القاف ، وسكون الياء آخر الحروف ، وهي الأم التي تجمع القبيلتين ، فسماهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : الأنصار ، فصار ذلك علما عليهم ، وأطلق أيضا على أولادهم ، وحلفائهم ، ومواليهم ، ويقال : سماهم الله تعالى بذلك ، فقال : وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قوله : النفاق هو إظهار الإيمان ، وإبطان الكفر ، وقال ابن الأنباري في الاعتلال في تسمية المنافق منافقا ثلاثة أقوال : أحدها أنه سمي به ؛ لأنه يستر كفره ، ويغيبه فشبه بالذي يدخل النفق ، وهو السرب يستتر فيه . والثاني أنه نافق كاليربوع فشبه به ؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه . والثالث أنه إنما سمي به لإظهاره غير ما يضمر تشبيها باليربوع ، فكذلك المنافق ظاهره إيمان ، وباطنه كفر ، ونافق اليربوع أخذ في نافقائه ، ونفق اليربوع ، أي : استخرجه ، والنافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ، ويظهر غيره ، وهو موضع يرققه ، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق ، أي : خرج ، ثم اعلم أن النفاق ، هو بكسر النون ، وأما النفاق بالفتح فهو من نفق البيع نفاقا ، أي : راج ، ونفقت الدابة نفوقا ، أي : ماتت ، والنفاق بالكسر أيضا جمع النفقة من الدراهم ، وغيرها مثال ثمرة وثمار ، ونفقت نفاق القوم بالكسر ينفق نفقا بالتحريك ، أي : فنيت ، وأنفق الرجل ماله ، وأنفق القوم نفقت سوقهم ، وقال تعالى : خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ أي : خشية الفناء ، والنفاد . وقال قتادة : أي : خشية إنفاقه ، وقال الصغاني : التركيب يدل على انقطاع الشيء وذهابه ، وعلى إخفاء شيء وإغماضه . ( بيان الإعراب ) . قوله : آية الإيمان كلام إضافي مرفوع بالابتداء ، وخبره قوله : حب الأنصار ، ومثل هذه تسمى قضية ثنائية ، وأهل المعقول يشترطون الرابطة ، ويقولون : التقدير في مثلها آية الإيمان هي حب الأنصار كما يقدرون في نحو : زيد قائم ، زيد هو قائم ، ويسمونها قضية ثلاثية ، وقد ضبط أبو البقاء العكبري : إنه الإيمان حب الأنصار بهمزة مكسورة ، ونون مشددة ، وهاء الضمير ، وبرفع الإيمان فأعربه ، فقال : إن للتأكيد ، والهاء ضمير الشأن ، والإيمان مبتدأ ، وما بعده خبره ، والتقدير : إن الشأن الإيمان حب الأنصار ، وهذا مخالف لجميع الروايات التي وقعت في الصحاح والسنن ، والمسانيد ، وما أقربه أن يكون تصحيفا . قوله : وآية النفاق أيضا كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : بغض الأنصار خبره . ( بيان المعاني ) فيه ما قال أهل المعاني من أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين تفيد الحصر ، ولكن هذا ليس بحصر حقيقي ، بل هو حصر ادعائي تعظيما لحب الأنصار ، كأن الدعوى أنه لا علامة للإيمان إلا حبهم ، وليس حبهم إلا علامته ، ويؤيده ما قد جاء في صحيح مسلم : آية المؤمن من حب الأنصار : بتقديم الآية ، وحب الأنصار آية الإيمان بتقديم الحب . فإن قلت : إذا كان حب الأنصار آية الإيمان فبغضهم آية عدمه ؛ لأن حكم نقيض الشيء نقيض حكم الشيء ، فما الفائدة في ذكر : آية النفاق بغض الأنصار ؟ قلت : هذا التقرير ممنوع ، ولئن سلمنا فالفائدة في ذكره التصريح به ، والتأكيد عليه ، والمقام يقتضي ذلك ؛ لأن المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار ، وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين ، وبذل الأموال ، والأنفس ، والإيثار على أنفسهم ، والإيواء ، والنصر ، وغير ذلك ، قالوا : وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء ، وبقية العشرة ، والمهاجرين بل في كل الصحابة ، إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة ، وغناء في الدين ، وأثر حسن فيه ، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان ، وبغضهم محض النفاق ، ويدل عليه ما روي مرفوعا في فضل أصحابه كلهم : من أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم . وقال القرطبي : وأما من أبغض والعياذ بالله أحدا منهم من غير تلك الجهة لأمر طار من حدث ، وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه ، لم يصر بذلك منافقا ولا كافرا ، فقد وقع بينهم حروب ، ومخالفات ، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق ، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام ، فإما أن يقال : كلهم مصيب أو المصيب واحد ، والمخطئ معذور مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه ، فمن وقع له بغض في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك فهو عاص يجب عليه التوبة ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم ، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين ، والدنيا إلا بهم ، وبسببهم قال الله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ الآية ، وقد أجاب بعضهم عن الحصر المذكور بأن العلامة كالخاصة تطرد ، ولا تنعكس ، ثم قال : وإن أخذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به . قلت : هذا الحصر يفيد حصر المبتدأ على الخبر ، ويفيد حصر الخبر على المبتدأ ، وهو نظير قولك الضاحك الكاتب فإن معناه حصر الضاحك على الكاتب ، وحصر الكاتب على الضاحك ، وكيف يُدعى فيه الاطراد دون الانعكاس ، فإن آية الإيمان كما هي محصورة على حب الأنصار ، كذلك حب الأنصار محصور على آية الإيمان بمقتضى هذا الحصر ، ولكن قد قلنا إن هذا حصر ادعائي فلا يلزم منه المحذور . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة ، لكنهم كانوا أضعاف الآلاف . وأجيب بأن القلة والكثرة إنما تعتبران في نكرات الجموع ، وأما في المعارف فلا فرق بينهما . ومنها ما قيل : المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر بأن يقال آية الكفر كذا ، فلمَ عدل عنه ؟ وأجيب بأن البحث في الذين ظاهرهم الإيمان ، وهذا البيان ما يتميز به المؤمن الظاهري عن المؤمن الحقيقي ، فلو قيل : آية الكفر بغضهم لا يصح ، إذ هو ليس بكافر ظاهرا . ومنها ما قيل : هل يقتضي ظاهر الحديث أن من لم يحبهم لا يكون مؤمنا ، وأجيب بأنه لا يقتضي إذ لا يلزم من عدم العلامة عدم ما له العلامة ، أو المراد كمال الإيمان . ومنها ما قيل : هل يلزم منه أن من أبغضهم يكون منافقا ، وإن كان مصدقا بقلبه ، وأجيب بأن المقصود بغضهم من جهة أنهم أنصار لرسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم ، ولا يمكن اجتماعه مع التصديق لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
( باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى ) الكلام فيه على وجوه ، الأول : أن التقدير هذا باب بيان ما جاء ، وارتفاع الباب على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو مضاف إلى كلمة ما التي هي موصولة ، وأن مفتوحة في محل الرفع على أنها فاعل جاء ، والمعنى ما ورد في الحديث : "إن الأعمال بالنية" أخرجه البخاري هاهنا بهذا اللفظ على ما يأتي الآن ، وكذلك أخرجه بهذا اللفظ في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه أخرج هذا الحديث في سبعة مواضع عن سبعة شيوخ ، وقوله : "ولكل امرئ ما نوى" من بعض هذا الحديث ، وقوله : "والحسبة" ليس من لفظ الحديث أصلا ، لا من هذا الحديث ، ولا من غيره ، وإنما أخذه من لفظة "يحتسبها" التي في حديث أبي مسعود رضي الله عنه الذي ذكره في هذا الباب ، فإن قلت : والحسبة عطف على قوله : "بالنية" وداخل في حكمه ، وقوله : "ما جاء" يشمل كليهما وكل منهما يؤذن بأنه من لفظ الحديث ، وليس كذلك ؟ قلت : لا نسلم ، أما المعطوف فلا يلزم أن يكون مشاركا للمعطوف عليه في جميع الأحكام ، وأما شمول قوله : "ما جاء" كلا اللفظين فإنه أعم أن يكون باللفظ المروي بعينه أو بلفظ يدل عليه مأخوذ منه ، وقوله : الحسبة اسم من قوله : "يحتسبها" الذي ورد في حديث أبي مسعود رضي الله عنه ، فحينئذ دخلت هذه اللفظة تحت قوله : "ما جاء" ، فإن قلت : سلمنا ذلك ، ولكن قوله : "ولكل امرئ ما نوى" من تتمة قوله : "الأعمال بالنية" ، وقوله : والحسبة ليس منه ولا من غيره بهذا اللفظ ، فكان ينبغي أن يقول : باب ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى ، والحسبة ، قلت : نعم كان هذا مقتضى الظاهر ، ولكن لما كان لفظ الحسبة من الاحتساب وهو الإخلاص كان ذكره عقيب النية أمس من ذكره عقيب قوله : "ولكل امرئ ما نوى" لأن النية إنما تعتبر إذا كانت بالإخلاص قال الله تعالى : " مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " وجواب آخر وهو أنه عقد هذا الباب على ثلاث تراجم : الأولى : هي أن الأعمال بالنية ، والثانية : هي الحسبة ، والثالثة : هي قول : "ولكل امرئ ما نوى" ، ولهذا أخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث لكل ترجمة حديث ، فحديث عمر رضي الله عنه لقوله : "الأعمال بالنية" ، وحديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه لقوله : والحسبة ، وحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لقوله : "ولكل امرئ ما نوى" فلو أخر لفظ الحسبة إلى آخر الكلام وذكره عقيب قوله : "ولكل امرئ ما نوى" كان يفوت قصده التنبيه على ثلاث تراجم ، وإنما كان يفهم منه ترجمتان الأولى من قوله : "الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى" ، والثانية من قوله : "والحسبة" فانظر إلى هذه النكات هل ترى شارحا ذكرها أو حام حولها ، وكل ذلك بالفيض الإلهي والعناية الرحمانية . الوجه الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة ، ولا يكون العمل عملا إلا بالنية والإخلاص ، فلذلك ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور ، وأيضا فالبخاري أدخل الإيمان في جملة الأعمال فيشترط فيها النية ، وهو اعتقاد القلب بقوله عليه الصلاة والسلام : "الأعمال بالنية" ، وقال ابن بطال : أراد البخاري الرد على المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب ألا يرى إلى تأكيده بقوله : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" إلى آخر الحديث . الوجه الثالث : أن الحسبة بكسر الحاء وسكون السين المهملة اسم من الاحتساب ، والجمع الحسب يقال : احتسبت بكذا أجرا عند الله أي اعتددته أنوي به وجه الله تعالى ، ومنه قوله عليه السلام : "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ، وفي حديث عمر رضي الله عنه : "يا أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته" ، وقال الجوهري : يقال : احتسبت بكذا أجرا عند الله ، والاسم الحسبة بالكسر ، وهي الأجر ، وكذا قال في العباب : الحسبة بالكسر الأجر ، ويقال : إنه يحسن الحسبة في الأمر إذا كان حسن التدبير له ، والحسبة أيضا من الحساب مثال العقدة والركبة ، وقال ابن دريد : احتسبت عليه بكذا أي أنكرته عليه ، ومنه محتسب البلد ، واحتسب فلان ابنا أو بنتا إذا مات ، وهو كبير ، فإن مات صغيرا قيل : افترطه ، وقال ابن السكيت : احتسبت فلانا اختبرت ما عنده ، والنساء يحتسبن ما عند الرجال لهن أي يختبرن ، وقال بعضهم : المراد بالحسبة طلب الثواب ، قلت : لم يقل أحد من أهل اللغة : إن الحسبة طلب الثواب بل معناها ما ذكرناه من أصحاب اللغات ، وليس في اللفظ أيضا ما يشعر بمعنى الطلب ، وإنما الحسبة هو الثواب على ما فسره الجوهري ، والثواب هو الأجر على أنه لا يفسر به في كل موضع ، ألا ترى إلى حديث عمر رضي الله عنه ، فإن فيه أجر حسبته ، ولو فسرت الحسبة بالأجر في كل المواضع يصير المعنى فيه كتب له أجر عمله ، وأجر أجره ، وهذا لا معنى له ، وإنما المعنى له أجر عمله ، وأجر احتساب عمله ، وهو إخلاصه فيه ، أو المعنى : من اعتد عمله ناويا كتب له أجر عمله ، وأجر نيته . فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام . هذا من مقول البخاري لا من تتمة ما جاء ، والدليل عليه ما صرح به في رواية ابن عساكر فقال : قال أبو عبد الله : فدخل فيه الإيمان إلخ ، والمراد بأبي عبد الله هو البخاري نفسه ، فإن قلت : ما الفاء في قوله : فدخل ، قلت فاء جواب شرط محذوف تقديره : إذا كان الأعمال بالنية ، فدخل فيه الإيمان إلخ ، والضمير في "فيه" يرجع إلى ما تقدم من قوله : باب ما جاء أن الأعمال بالنية إلخ ، والتذكير باعتبار المذكور ، ثم اعلم أنه ذكر هنا سبعة أشياء . الأول : الإيمان ، فدخوله في ذلك على ما ذهب إليه البخاري من أن الإيمان عمل ، وقد علم أن معنى الإيمان إما التصديق أو معرفة الله تعالى بأنه واحد لا شريك له ، وكل ما جاء من عنده حق ، فإن كان المراد الأول فلا دخل للنية فيه لأن الشارع قال : الأعمال بالنية ، والأعمال حركات البدن ، ولا دخل للقلب فيه ، وإن كان المراد الثاني فدخول النية فيه محال لأن معرفة الله تعالى لو توقفت على النية مع أن النية قصد المنوي بالقلب لزم أن يكون عارفا بالله قبل معرفته ، وهو محال ، ولأن المعرفة وكذا الخوف والرجاء متميزة لله تعالى بصورتها ، وكذا التسبيح وسائر الأذكار ، والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب . الثاني الوضوء فدخوله في ذلك على مذهبه ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وعامة أصحاب الحديث ، وعن أبي حنيفة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي : لا يدخل ، وقالوا : ليس الوضوء عبادة مستقلة ، وإنما هي وسيلة إلى الصلاة ، وقال الخصم : ونوقضوا بالتيمم ، فإنه وسيلة ، وقد اشترط الحنفية النية فيه ، قلت : هذا التعليل ينتقض بتطهير الثوب والبدن عن الخبث ، فإنه طهارة ، ولم يشترط فيها النية ، فإن قالوا : الوضوء تطهير حكمي ثبت شرعا غير معقول لأنه لا يعقل في المحل نجاسة تزول بالغسل إذ الأعضاء طاهرة حقيقة وحكما ، أما حقيقة فظاهر ، وأما حكما فلأنه لو صلى إنسان وهو حامل محدث جازت الصلاة ، وإذا ثبت أنه تعبدي ، وحكم الشرع بالنجاسة في حق الصلاة فجعلها كالحقيقة كان مثل التيمم حيث جعل الشارع ما ليس بمطهر حقيقة مطهرا حكما فيشترط فيه النية كالتيمم تحقيقا لمعنى التعبد إذ العبادة لا تتأدى بدون النية بخلاف غسل الخبث فإنه معقول لما فيه من إزالة عين النجاسة عن البدن أو الثوب فلا يتوقف على النية ، قلنا : الماء مطهر بطبعه لأنه خلق مطهرا ، قال الله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا كما أنه مزيل للنجاسة ومطهر بطبعه ، وإذا كان كذلك تحصل الطهارة باستعماله سواء نوى أو لم ينو كالنار يحصل بها الإحراق ، وإن لم يقصد ، والحدث يعم البدن لأنه غير متجزئ فيسري إلى الجميع ، ولهذا يوصف به كله ، فيقال : فلان محدث كسائر الصفات إذ ليس بعض الأعضاء أولى بالسراية من البعض إذ لو خصص بعض الأعضاء بالحدث لخص موضع خروج النجاسة بذلك لأنه أولى المواضع به لخروج النجاسة منه لكنه لم يخص فإنه لا يقال مخرجه محدث ، فإذا لم يخص المخرج بذلك فغيره أولى ، وإذا ثبت أن البدن كله موصوف بالحدث كان القياس غسل كله إلا أن الشرع اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة التي هي الأمهات للأعضاء تيسيرا ، وأسقط غسل الباقي فيما يكثر وقوعه كالحدث الأصغر دفعا للحرج ، وفيما عداه ، وهو الذي لا يكثر وجوده كالحدث الأكبر مثل الجنابة والحيض والنفاس أقر على الأصل حيث أوجب غسل البدن فيها ، فثبت بما ذكرنا أن ما لا يعقل معناه وصف كل البدن بالنجاسة مع كونه طاهرا حقيقة ، وحكمها دون تخصيص المخرج ، وكذا الاقتصار على غسل بعض البدن ، وهو الأعضاء الأربعة بعد سراية الحدث إلى جميع البدن غير معقول ، وكونهما مما لا يعقل لا يوجب تغيير صفة المطهر فبقي الماء مطهرا كما كان ، فيطهر مطلقا ، والنية لو اشترطت إنما تشترط للفعل القائم بالماء ، وهو التطهير لا الوصف القائم بالمحل ، وهو الحدث لأنه ثابت بدون النية ، وقد بينا أن الماء فيما يقوم به من صفة التطهير لا يحتاج إلى النية لأنه مطهر طبعا فيكون التطهير به معقولا فلا يحتاج إلى النية كما لا يحتاج في غسل الخبث بخلاف التراب فإنه غير مطهر بطبعه لكونه ملوثا بالطبع ، وإنما صار مطهرا شرعا حال إرادة الصلاة بشرط فقد الماء ، فإذا وجدت نية إرادة الصلاة صار مطهرا ، وبعد إرادة الصلاة وصيرورته مطهرا شرعا مستغن عن النية كما استغنى الماء عنها بلا فرق بينهما . الثالث : الصلاة ولا خلاف أنها لا تجوز إلا بالنية . الرابع : الزكاة ففيها تفصيل وهو أن صاحب النصاب الحولي إذا دفع زكاته إلى مستحقيها لا يجوز له ذلك إلا بنية مقارنة للأداء أو عند عزل ما وجب منها تيسيرا له ، وأما إذا كان له دين على فقير فأبرأه عنه سقط زكاته عنه نوى به الزكاة أولا ، ولو وهب دينه من فقير ونوى عن زكاة دين آخر على رجل آخر أو نوى زكاة عين له لا يصح ، ولو غلب الخوارج على بلدة فأخذوا العشر سقطت عن أرباب الأموال بخلاف الزكاة ، فإن للإمام أن يأخذها ثانيا لأن التقصير هاهنا من جهة صاحب المال حيث مر بهم ، وهناك التقصير في الإمام حيث قصر فيهم ، وقالت الشافعية : السلطان إذا أخذ الزكاة فإنها تسقط ، ولو لم ينو صاحب المال لأن السلطان قائم مقامه ، قلت : كان ينبغي على أصلهم أن لا تسقط إلا بالنية منه لأن السلطان قائم مقامه في دفعها إلى المستحقين لا في النية ، ولا حرج في اشتراط النية عند أخذ السلطان . الخامس : الحج ولا خلاف فيه أنه لا يجوز إلا بالنية لأنه داخل في عموم الحديث ، فإن قلت : قال الشافعي : إذا نوى الحج عن غيره ينصرف إلى حج نفسه ويجزيه عن فرضه ، وقد ترك العمل بعموم الحديث ، قلت : قالت الشافعية : أخرجه الشافعي من عموم الحديث بحديث شبرمة ، والعمل بالخاص مقدم لأنه جمع بين الدليلين ، وحديث شبرمة رواه أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل ، وهناد بن السري المعنى واحد قال إسحاق : أنبأنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عروة ، عن سعيد بن جبير : "عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، قال : من شبرمة ؟ قال : أخ له أو قريب له ، قال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة " رواته كلهم رجال مسلم إلا إسحاق بن إسماعيل شيخ أبي داود ، وقد وثقه بعضهم ، وقال البيهقي : هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه ، وقد أخرجه ابن ماجه أيضا في سننه ، وجاء في رواية البيهقي : "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ، وفي رواية له أيضا : "هذه عنك وحج عن شبرمة" ، وقالوا : فهم من هذا الحديث أنه لا بد من تقديم فرض نفسه ، وهو قول ابن عباس ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجت الحنفية بما رواه البخاري ومسلم : " أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله ، إن أبي أدركته فريضة الحج ، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم ، حجي عن أبيك " من غير استفسار هل حججت أم لا ، وهذا أصح من حديث شبرمة على أن الدارقطني قال : الصحيح من الرواية : "اجعلها في نفسك ثم حج عن شبرمة " ، قالوا : كيف يأمره بذلك ، والإحرام وقع عن الأول قلنا : يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين لم يكن الإحرام لازما على ما روي عن بعض الصحابة أنه تحلل في حجة الوداع عن الحج بأفعال العمرة ، فكان يمكنه فسخ الأول ، وتقديم حج نفسه ، والزيادات التي رواها البيهقي لم تثبت . السادس الصوم ففيه خلاف فمذهب عطاء ، ومجاهد ، وزفر أن الصحيح المقيم في رمضان لا يحتاج إلى نية لأنه لا يصح في رمضان النفل فلا معنى للنية ، وعند الأئمة الأربعة : لا بد من النية غير أن تعيين الرمضانية ليس بشرط عند الحنفية حتى لو صام رمضان بنية قضاء أو نذر عليه أو تطوع أنه يجزئ عن فرض رمضان ، فإن قلت : لم قدم الحج على الصوم ؟ قلت : بناء على ما ورد عنده في حديث : "بني الإسلام على خمس" ، وقد تقدم . السابع الأحكام ، قال الكرماني : قوله : "الأحكام" أي بتمامها ، فيدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات والجراحات إذ يشترط في كلها القصد إليه ، ولهذا لو سبق لسانه من غير قصد إلى بعت ورهنت وطلقت ونكحت لم يصح شيء منها ، قلت : كيف يصح أن يقال : الأحكام بتمامها ، وكثير منها لا يحتاج إلى نية بخلاف بين العلماء ، فإن قال : هذا بناء على مذهبه فمذهبه ليس كذلك ، فإن القاضي أبا الطيب نقل عن البويطي عن الشافعي أن من صرح بلفظ الطلاق ، والظهار ، والعتق ، ولم يكن له نية يلزمه في الحكم ، وكذلك أداء الدين ، ورد الودائع ، والأذان ، والتلاوة ، والأذكار ، والهداية إلى الطريق ، وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بلا نية إجماعا ، وقال بعضهم : والأحكام أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فيشمل البيوع ، والأنكحة ، والأقارير ، وغيرها ، قلت : هذا أيضا مثل ذلك فإن رد الودائع فيما تقع به فيه المحاكمة مع أن النية ليست بشرط فيه إجماعا ، وكذلك أداء الدين ، فإن قلت : مؤدي الدين أو راد الوديعة يقصد براءة الذمة ، وذلك عبادة ، قلت : نحن لا ندعي أن النية لا توجد في مثل هذه الأشياء ، وإنما ندعي عدم اشتراطها ، ومؤدي الدين إذا قصد براءة الذمة برئت ذمته ، وحصل به الثواب ، وليس لنا فيه نزاع ، وإذا أدى من غير نية براءة الذمة هل يقول أحد : إن ذمته لا تبرأ . وقال ابن المنير : كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلا بل المقصود به طلب الثواب فالنية شرط فيه ، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة ، وتقاضته الطبيعة فلا يشترط فيه النية إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب ، قال : وإنما اختلفت العلماء في بعض الصور لتحقق مناط التفرقة ، قال : وأما ما كان من المعاني المختصة كالخوف ، والرجاء ، فهذا لا يقال فيه باشتراط النية لأنه لا يمكن إلا منويا ، ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته ، فالنية فيها شرط عقلي ، وكذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل . قلت : فيه نظر من وجوه ؛ الأول : في قوله كل عمل لا يظهر له فائدة فإنه منقوض بتلاوة القرآن ، والأذان ، وسائر الأذكار ، فإنها أعمال لا تظهر لها فائدة عاجلا بل المقصود منها طلب الثواب مع أن النية ليست بشرط فيها بلا خلاف ، الثاني في قوله : وكل عمل ظهرت إلى آخره فإنه منقوض أيضا بالبيع والرهن والطلاق والنكاح بسبق اللسان من غير قصد ، فإنه منقوض لم يصح شيء منها على أصلهم لعدم النية ، الثالث في قوله : وأما ما كان من المعاني المختصة إلى آخره ، فإنه جعل النية فيه حقيقة تلك المعاني ثم قال : فالنية فيها شرط عقلي وبين الكلامين تناقض ، الرابع في قوله : وكذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل ، فإنه بنى عدم اشتراط النية للنية على الفرار من التسلسل ، وليس كذلك لأن الشارع شرط النية للأعمال ، وهي حركات البدن ، والنية خطرة القلب ، وليست من الأعمال ، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : "نية المؤمن خير من عمله" ، فإذا كانت النية عملا يكون المعنى : عمل المؤمن خير من عمله ، وهذا لا معنى له . وقال الله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ على نيته . قال الكرماني : الظاهر أنه جملة حالية لا عطف وحكاه بعضهم عنه ثم قال : أي مع أن الله قال قلت : ليت شعري ما هذه الحال ، وأين ذو الحال ، وهل هي مبنية لهيئة الفاعل ، أو لهيئة المفعول على أن القواعد النحوية تقتضي أن الفعل الماضي المثبت إنما يقع حالا إذا كان فيه قد لأن الماضي من حيث إنه منقطع الوجود عن زمان الحال مناف له ، فلا بد من قد لتقربه من الحال لأن القريب من الشيء في حكمه ، فإن قلت : لا يلزم أن تكون ظاهرة بل يجوز أن تكون مضمرة كما في قوله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي قد حصرت ، قلت : أنكر الكوفيون إضمار قد ، وقالوا : هذا خلاف الأصل ، وأولوا الآية بأو جاؤوكم حاصرة صدورهم ، نعم يمكن أن تجعل الواو هنا للحال ، لكن بتقدير محذوف ، وتقدير هذه الجملة اسمية ، وهو أن يقال : تقديره : وكيف لا يدخل الإيمان وأخواته التي ذكرها في قوله : الأعمال بالنية ، والحال أن الله تعالى قال : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وقوله : لا عطف ليس بسديد لأنه يجوز أن يكون للعطف على محذوف تقديره : يدخل فيه الإيمان إلخ ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : "الأعمال بالنية" ، وقال تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وتفسير بعضهم بقوله : أي إن الله تعالى يشعر بأن الواو هاهنا للمصاحبة وقد تبع الكرماني بأنها للحال ، وبينهما تناف على أن الواو بمعنى مع لا تخلو إما أن تكون من باب المفعول معه أو هي الواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول ، كقوله : ولبس عباءة وتقر عيني . والثاني شرطه أن يتقدم الواو نفي أو طلب ، ويسمي الكوفيون هذه واو الصرف وليس النصب بها خلافا لهم ، ومثاله : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وقول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله . والواو هنا ليست من القبيلين المذكورين ، ويجوز أن تكون الواو هاهنا بمعنى لام التعليل على ما نقل عن المازري أنها تجيء بمعنى لام التعليل فالمعنى على هذا فدخل فيه الإيمان وأخواته لقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ قال الليث : الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله ، والمعنى أن كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه ، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعمة واليأس عند الشدة ، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ، ويدل عليه قوله تعالى : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا وقال الزجاج : على شاكلته على طريقته ومذهبه ، ونقل ذلك عن مجاهد أيضا ، ومن هذا أخذ الزمخشري ، وقال : أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل كل حاله في الهدى والضلالة من قولهم : طريق ذو شواكل ، وهي الطرق التي تتشعب منه ، والدليل عليه قوله : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا أي أسد مذهبا وطريقة ، وقوله : على نيته تفسير لقوله : " عَلَى شَاكِلَتِهِ " ، وحذف منه حرف التفسير ، وهذا التفسير روي عن الحسن البصري ، ومعاوية بن قرة المزني ، وقتادة فيما أخرجه عبد بن حميد ، والطبري عنهم ، وفي العباب ، وقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ أي على ناحيته وطريقته ، وقال قتادة : أي على جانبه وعلى ما ينوي ، وقال ابن عرفة : أي على خليقته ومذهبه وطريقته ، ثم قال في آخر الباب : والتركيب يدل معظمه على المماثلة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ولكن جهاد ونية . هو قطعة من حديث لابن عباس رضي الله عنهما أوله : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" أخرجه هاهنا معلقا وأخرجه مسندا في الحج والجهاد والجزية ، أما في الحج فعن عثمان بن أبي شيبة ، وفيه وفي الجزية عن علي بن عبد الله كلاهما عن جرير ، وأما في الجهاد فعن آدم عن شيبان ، وعن علي بن عبد الله ، وعمرو بن علي كلاهما ، عن يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، وأخرجه مسلم في الجهاد ، عن يحيى بن يحيى ، وفيه وفي الحج عن إسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير ، وفيهما أيضا عن محمد بن رافع ، عن يحيى بن آدم ، وفي نسخة عن محمد بن رافع ، وإسحاق ، عن يحيى بن آدم ، عن مفضل بن مهلهل ، وفي الجهاد أيضا عن أبي بكر ، وأبي كريب كلاهما عن وكيع ، عن سفيان ، وعن عبد بن حميد ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، وفي نسخة : عن شيبان بدل إسرائيل خمستهم عن منصور ، عنه به ، وأخرجه أبو داود في الجهاد ، والحج عن عثمان به مقطعا ، وأخرجه الترمذي في السير عن أحمد بن عبدة الضبي ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن منصور به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي البيعة عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن سعيد به ، وفي الحج عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، وعن محمد بن رافع به مختصرا ، والمعنى أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ، ولكن حصلوه في الجهاد ونية صالحة ، وفيه الحث على نية الخير مطلقا ، وأنه يثاب على النية ، قوله : "جهاد" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ولكن طلب الخير جهاد ونية . ونفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة هذا من معنى حديث أبي مسعود الذي يذكره عن قريب ، قوله : "ونفقة الرجل" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله : "صدقة" ، وقوله : "يحتسبها" حال من الرجل أي حال كونه مريدا بها وجه الله تعالى ، وقد فسرنا معنى الاحتساب مستوفى عن قريب ، وقال الكرماني : ذكر هذا تقوية لما ذكره من قبل ، قلت : لما عقد الباب على ثلاث تراجم ذكر لكل ترجمة ما يطابقها من الكلام بعد قوله : فدخل فيه الإيمان ، والوضوء ، والصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والأحكام ، فقوله : وقال تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ لقوله : "إن الأعمال بالنية" ، وقوله : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ولكن جهاد ونية" لقوله : "ولكل امرئ ما نوى" وقوله : "ونفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة" لقوله : "والحسبة" ولذلك ذكر ثلاثة أحاديث ، فحديث عمر رضي الله عنه لقوله : "الأعمال بالنية" ، وحديث أبي مسعود لقوله : "والحسبة" ، وحديث سعد بن أبي وقاص لقوله : "ولكل امرئ ما نوى" . 1- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه . قد مر الكلام فيه مستوفى في أول الكتاب لأنه صدر كتابه بهذا الحديث ، وكذلك الكلام في رجاله ، ومسلمة بفتح الميمين واللام ، وقال الكرماني : فإن قلت : لما كان الحديث بتمامه صحيحا ثابتا عند البخاري لم خرمه في صدر الكتاب مع أن الخرم جوازه مختلف فيه ؟ قلت : لا خرم بالجزم لأن المقامات مختلفة فلعل في مقام بيان أن الإيمان من النية واعتقاد القلب سمع الحديث تماما ، وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما يصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى ، ثم إن الخرم محتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه ، ثم إن كان منه فخرمه ثمة لأن المقصود يتم بذلك المقدار ، فإن قلت : كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده ، وهو أن النية ينبغي أن تكون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم قلت : لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس انتهى ، قلت : هذا كله إطناب في الكلام ، والذي ينبغي أن يقال : إن هذه الزيادة والنقصان في هذا الحديث وأمثاله من اختلاف الرواة ، فكل منهم قد روى ما سمعه فلا خرم فيه لا من البخاري ، ولا من شيوخه ، وإنما البخاري ذكر كل ما رواه من الأحاديث التي فيها زيادة ونقصان بحسب ما يناسب الباب الذي وضعه ترجمة له .
3 - حدثنا الحكم بن نافع قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : حدثني عامر بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك . هذا الحديث للترجمة الثالثة كما ذكرنا ، وهذا الإسناد بعينه قد ذكر في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل . والحكم بفتح الكاف هو أبو اليمان الحمصي والزهري هو محمد بن مسلم . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) هذا الحديث قطعة من حديث طويل مشهور أخرجه البخاري هاهنا كما ترى وفي المغازي عن محمد بن يونس ، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل ، وفي الهجرة عن يحيى بن قزعة ، ثلاثتهم عن إبراهيم بن سعد ، وفي الجنائز عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، وفي الفرائض عن أبي اليمان ، عن شعيب أيضا ، وعن الحميدي ، عن سفيان خمستهم عنه به ، وأخرجه مسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى ، عن إبراهيم بن سعد به ، وعن قتيبة ، وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن سفيان به ، وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عنه به ، وأخرجه أبو داود في الوصايا أيضا عن عثمان بن أبي شيبة ، عن سفيان به ، وأخرجه الترمذي فيه أيضا عن محمد بن يحيى بن أبي عمر ، عن سفيان به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن عثمان بن سفيان عن سفيان به ، وفي عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي اليوم والليلة عن محمد بن سلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك ببعضه ، وأخرجه ابن ماجه في الوصايا عن هشام بن عمار ، والحسين بن الحسن المروزي ، وسهل بن أبي سهل بن سهل الرازي ثلاثتهم عن سفيان به . ( بيان الإعراب ) قوله : إنك إن حرف من الحروف المشبهة بالفعل فالكاف اسمها ، ولن تنفق خبرها ، وكلمة لن حرف نصب ونفي واستقبال وفيه ثلاثة مذاهب الأول : أنه حرف مقتضب برأسه ، وهذا مذهب الجمهور ، والثاني وهو مذهب الفراء أن أصله لا فأبدلت النون من الألف فصار لن ، والثالث وهو مذهب الخليل والكسائي أن أصله لا أن فحذفت الهمزة تخفيفا والألف لالتقاء الساكنين ، وقال الزمخشري : إنه يفيد توكيد النفي قاله في الكشاف ، وقال في أنموذجه يفيد تأبيد النفي ورد بأنه دعوى بلا دليل وقالوا : لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ولكان ذكر الأبد في : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا تكرارا والأصل عدمه ، قوله : تنفق منصوب بها ، وقوله : نفقة نصب على أنه مفعول مطلق ، قوله : تبتغي جملة من الفعل والفاعل وقعت حالا من الضمير الذي في لن تنفق ، والباء في بها إما للمقابلة كما في قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وإما للسببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، وإما للظرفية بمعنى فيها ، وإنما قلنا هكذا لأن تبتغي متعد يقال : ابتغيت الشيء وتبغيته إذا طلبته من بغيت الشيء طلبته ، قوله : وجه الله كلام إضافي مفعول تبتغي ، قوله : إلا أجرت بضم الهمزة على صيغة المجهول ، والمستثنى محذوف لأن الفعل لا يقع استثناء والتقدير : لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا نفقة أجرت بها ، ويكون قوله : أجرت بها صفة للمستثنى ، والمعنى على هذا لأن النفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاء لوجه الله تعالى لأنها لو لم تكن لوجه الله تعالى لما كانت مأجورا فيها ، وقال الكرماني : التقدير : إلا في حالة أجرت بها ثم فسر ذلك بقوله : أي لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى في حال من الأحوال إلا وأنت في حال مأجوريتك عليها ، قلت : لو قدر هكذا لن تنفق نفقة لوجه الله تعالى إلا حال كونك مأجورا عليها كان أحسن على ما لا يخفى ، فإن قلت : الاستثناء متصل أو منقطع قلت : متصل لأن المستثنى من جنس المستثنى منه ، قوله : بها الباء إما للسببية ، وإما للمقابلة ، وإما بمعنى على ، ولهذا في بعض النسخ عليها بدل بها ، والباء تجيء بمعنى على كما في قوله تعالى : مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ قوله : حتى قال الكرماني : هي العاطفة لا الجارة وما بعدها منصوب المحل ، وبعضهم تبعه على هذا قلت : حتى هذه ابتدائية أعني حرف تبتدأه بعده الجمل أي تستأنف فتدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية وذلك لأن حتى العاطفة لها شروط منها أنها لا تعطف الجمل لأن شرط معطوفها أن يكون جزءا مما قبلها أو كجزء منه ، ولا يتأتي ذلك إلا في المفردات على أن العطف بحتى قليل ، وأهل الكوفة ينكرونه ألبتة ، وما بعد حتى هاهنا جملة لأن قوله : ما موصولة مبتدأ وخبره محذوف ، وكذا العائد إلى الموصول تقديره : حتى الذي تجعل في فم امرأتك فأنت مأجور فيه ، ووجه آخر يمنع من كون حتى عاطفة هو أن المعطوف غير المعطوف عليه ، فإذا جعلت حتى عاطفة لا يستفاد أن ما يجعل في فم امرأته مأجور فيه فإن قلت : قال الكرماني : يستفاد ذلك من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف ، قلت : القيد في المعطوف عليه هو الابتغاء لوجه الله تعالى والآجر ليس بقيد فيه لأنه أصل الكلام والمقصود في المعطوف حصول الأجر بالإنفاق المقيد بالابتغاء فافهم . ( بيان المعاني ) فيه تمثيل باللقمة مبالغة في حصول الأجر لأن الأجر إذا ثبت في لقمة زوجة غير مضطرة ثبت فيمن أطعم المحتاج كسرة أو رغيفا بالطريق الأولى ، وقال النووي : هذا بيان لقاعدة مهمة وهي أن ما أريد به وجه الله تعالى ثبت فيه الأجر ، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ نفس من لذة أو غيرها ، فلهذا مثل صلى الله عليه وسلم بوضع اللقمة في فم الزوجة ومعلوم أنه غالبا يكون بحظ النفس والشهوة واستمالة قلبها ، فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملا أخرويا إذا أريد به وجه الله تعالى فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى ، وهو مباعد للحظوظ النفسانية ، قوله : تبتغي بها وجه الله أي ذاته عز وجل المعنى أنه لا يطلب غير الله تعالى ، وقال الكرماني : الوجه والجهة بمعنى يقال : هذا وجه الرائي أي هو الرائي نفسه ، قلت : هذا كلام الجوهري فإن أراد بذكره أن الوجه هاهنا بمعنى الجهة فلا وجه له ، وإن أراد أنه من قبيل هذا وجه الرائي فلا وجه له أيضا لأنه يقتضي أن تكون لفظة وجه زائدة ، وحمل الكلام على الفائدة أولى ، وقال الكرماني هنا أيضا فإن قلت مفهومه : إن الآتي بالواجب إذا كان مرائيا فيه لا يؤجر عليه ، قلت : هو حق نعم يسقط عنه العقاب لكن لا يحصل له الثواب ، قلت : حكمه بسقوط العقاب مطلقا غير صحيح بل الصحيح التفصيل فيه ، وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط لأنه أتى بعين الواجب ولكنه كان مأمورا أن يأتي بما عليه بالإخلاص وترك الرياء ، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص لأنه مأمور به وتارك المأمور به يعاقب ، قوله : في فم امرأتك وفي رواية الكشميهني : في في امرأتك وهو رواية الأكثرين ، وقال القاضي عياض : حذف الميم أصوب ، وبالميم لغة قليلة ، قلت : لأن أصل فم فوه على وزن فعل بدليل قولهم : أفواه وهو جمع ما كان على فعل ساكن العين معتلا ، كقولهم : ثوب وأثواب وحوض وأحواض فإذا أفردت عوضت من واوها ميم لتثبت ولا تعوض في حال الإضافة إلا شاذا ، وإعرابه في الميم مع فتح الفاء في الأحوال الثلاث تقول : هذا فم ورأيت فما وانتفعت بفم ، ومنهم من يكسر الفاء على كل حال ، ومنهم من يرفع على كل حال ، ومنهم من يعربه من مكانين ، فإن قلت : لم خص المرأة بالذكر ، قلت : لأن عود منفعتها إلى المنفق فإنها تؤثر في حسن بدنها ولباسها والزوجة من أحظ حظوظه الدنيوية وملاذه والغالب من الناس النفقة على الزوجة لحصول شهوته وقضاء وطره بخلاف الأبوين ، فإنها ربما تخرج بكلفة ومشقة فأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم أنه إذا قصد باللقمة التي يضعها في فم الزوجة وجه الله تعالى وجعل له الأجر مع الداعية فمع غير الداعية وتكلف المشقة أولى .
2- حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني عدي بن ثابت قال : سمعت عبد الله بن يزيد ، عن أبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة . قد قلنا : إن الباب معقود على ثلاث تراجم لكل ترجمة حديث يطابقها ، وهذا الحديث للترجمة الثانية ، وهي قوله : والحسبة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : الحجاج بن منهال بكسر الميم أبو محمد الأنماطي السلمي مولاهم وغيره سمع شعبة من الأعلام ، وروى عنه محمد بن يحيى الذهلي ، وابن وارة ، والبغوي ، وإسماعيل القاضي ، والبخاري ، وآخرون اتفق على توثيقه ، وكان رجلا صالحا ، وكان سمسارا يأخذ من كل دينار حبة ، فجاء خراساني موسر من أصحاب الحديث فاشترى له أنماطا ، وأعطاه ثلاثين دينارا فقال : خذ هذه سمسرتك ، قال : دنانيرك أهون علي من هذا التراب ، هات من كل دينار حبة ، وأخذ ذلك ، قال أحمد بن عبد الله : هو بصري ثقة مات بالبصرة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين . قال الشيخ قطب الدين في شرحه : وروى له البخاري ، وروى مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه عن رجل عنه ، وقال النووي في شرحه : روى عنه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وقال المزني في تهذيبه : روى له الستة ، والصواب أن البخاري ، ومسلما ، وأبا داود رووا عنه ، والثلاثة البقية رووا له ، وليس في الكتب الستة حجاج بن منهال سواه ، الثاني شعبة بن حجاج ، وقد مر ذكره غير مرة ، الثالث عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي سمع جده لأمه عبد الله بن زيد الأنصاري ، والبراء بن عازب ، وغيرهما من الصحابة روى عنه الأعمش ، وشعبة ، وغيرهما ، قال أحمد : ثقة ، وقال أبو حاتم : صدوق ، وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم مات سنة ست عشرة ومائة ، روى له الجماعة ، الرابع عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة واسمه عبد الله بن خثيم بن مالك بن أوس أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء لطول عنقه ابن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد الأنصاري الخطمي الصحابي سكن الكوفة ، وكان أميرا عليها شهد الحديبية ، وهو ابن سبع عشرة سنة ، وشهد صفين والجمل والنهروان مع علي رضي الله عنه ، وكان الشعبي كاتبه ، وكان من أفاضل الصحابة ، وقيل : إن لأبيه يزيد صحبة ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وعشرون حديثا ، أخرج البخاري منها حديثين أحدهما في الاستسقاء موقوف ، وفي المظالم حديث النهي عن النهبى والمثلة ، ومسلم أحدهما ، وأخرجا له عن البراء ، وأبي مسعود ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ، مات زمن ابن الزبير رضي الله عنهما قال الواقدي : وفي الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة هذا أحدهم ، والثاني عبد الله بن يزيد القاري له ذكر في حديث عائشة أنه عليه السلام سمع قراءته ، والثالث عبد الله بن يزيد النخعي ، والرابع عبد الله بن يزيد البجلي له حديث : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه أورده ابن قانع ، والخامس غلط فيه ابن المبارك في حديث ابن مربع كانوا على مساجدكم ، الخامس أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بفتح الهمزة وكسر السين ، وقيل : بضمها ، وقيل : يسيرة بضم أوله ابن عسيرة بفتح العين وكسر السين المهملتين ابن عطية بن جدارة بكسر الجيم ، وقال ابن عبد البر بضم الخاء المعجمة ابن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي البدري شهد العقبة مع السبعين ، وكان أصغرهم ، وشهد أحدا ، ثم الجمهور على أنه لم يشهد بدرا ، وإنما سكنها ، وقال حمدون بن شهاب الزهري ، وابن إسحاق صاحب المغازي ، والبخاري في صحيحه : شهدها ، وكذا الحكم بن عتبة ، وقال ابن سعد : قال محمد بن عمر ، وسعد بن إبراهيم وغيرهما : لم يشهد بدرا ، وقال الحكم وغيره من أهل الكوفة : شهدها ، وأهل المدينة أعلم بذلك ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وحديثان اتفقا منها على تسعة ، وللبخاري حديث ، ولمسلم سبعة روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي ، وابنه بشير ، وغيرهما ، سكن الكوفة ومات بها ، وقيل : بالمدينة قبل الأربعين ، قيل : سنة إحدى وثلاثين ، وقيل : سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ، روى له الجماعة ، وفي الصحابة أبو مسعود هذا ، وأبو مسعود الغفاري قيل : اسمه عبد الله ، وثالث الظاهر أنه الأول . ( بيان الأنساب ) الأنماطي بفتح الهمزة وسكون النون نسبة إلى بيع الأنماط ، وهو جمع نمط ، وهو ضرب من البسط السلمي بضم السين ، وفتح اللام نسبة إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان ، وهو من شاذ النسب والقياس السليمي ، وقال الرشاطي : السلمي في قيس غيلان ، وفي الأزد ، فالذي في قيس غيلان سليم بن منصور كما ذكرنا ، والذي في الأزد سليم بن فهم بن غنم بن دوس ، الخطمي بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء نسبة إلى خطمة أحد أجداد عبد الله بن يزيد ، وقد ذكرنا أن اسمه عبد الله ، وإنما سمي خطمة لأنه ضرب رجلا على خطمه أي أنفه ، وقال الجوهري : الخطم من كل طائر منقاره ، ومن كل دابة مقدم أنفه ، وفيه ، والمخاطم الأنوف واحدها مخطم بكسر الطاء ، ورجل أخطم طويل الأنف ، البدري بفتح الباء الموحدة نسبة إلى بدر ، وهو الموضع الذي لقي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين من قريش فأعز الإسلام وأظهر دينه وهذا الموضع يسمى بدرا باسم الذي احتفر فيه البئر ، وهو بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة ، بينه وبين المدينة ثمانية برد وميلان . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار ، والسماع ، والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصري ، وواسطي ، وكوفي ، ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، ومنها أنه وقع للبخاري غالبا خماسيا ، ولمسلم من جميع طرقه سداسيا . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن حجاج بن منهال ، وفي المغازي عن مسلم ، وفي النفقات عن آدم ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن ابن معاذ ، عن أبيه ، وعن محمد بن بشار ، وأبي بكر بن رافع ، عن غندر ، وعن أبي كريب ، عن وكيع كلهم عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن أبي مسعود به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الزكاة ، عن ابن بشار ، عن غندر ، وفي عشرة النساء عن إسماعيل بن مسعود ، عن بشر بن المفضل كلاهما ، عن شعبة . ( بيان اللغات ) قوله : أنفق من إنفاق المال وهو إنفاده وإهلاكه ، والنفقة اسم وهي من الدراهم وغيرها ، ويجمع على نفاق بالكسر نحو ثمرة وثمار ، وقال الزمخشري : أنفق الشيء وأنفده أخوان ، وعن يعقوب : نفق الشيء ونفد واحد ، وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذهاب ، ونحو ذلك إذا تأملت قلت معنى قوله : أخوان بينهما الاشتقاق الأكبر فإن بينهما تناسبا في التركيب ، وفي المعنى لاشتمال كل منهما على معنى الخروج والذهاب . قوله : على أهله وفي العباب الأهل أهل الرجل وأهل الدار وكذلك الأهلة والجمع أهلات وأهلون والأهالي زادوا فيه الياء على غير قياس كما جمعوا ليلا على ليالي ، وقد جاء في الشعر : أهال مثل فرخ وأفراخ وأنشد الأخفش : وبلدة ما الأنس من أهالها ترى بها العوهق من وئالها ومنزل أهل به أهله وقال ابن السكيت : مكان مأهول فيه أهله ، ومكان آهل له أهل ، وقال ابن عباد يقولون : هو أهلة لكل خير بالهاء ، والفرق بين الأهل والآل أن الآل يستعمل في الأشراف وفي العباب : آل الرجل أهله ، وعياله ، وآله أيضا أتباعه ، قال تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وقال ابن عرفة : يعني من آل إليه بدين أو مذهب أو نسب ، وآل النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته ، وقال أنس رضي الله عنه : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آل محمد ؟ قال : كل تقي ، قلت : هو واوي فلذلك ذكره أهل اللغة في باب أول ، قوله : يحتسبها من الاحتساب ، وقد فسرناه عن قريب ، قوله : صدقة وهي ما تصدقت به على الفقراء . ( بيان الإعراب ) قوله : إذا كلمة فيها معنى الشرط وأنفق الرجل جملة من الفعل والفاعل فعل الشرط ، قوله : على أهله يتعلق بأنفق ، قوله : يحتسبها جملة فعلية مضارعية وقعت حالا من الرجل والمضارع إذا وقع حالا وكان مثبتا لا يجوز فيه الواو على ما عرف ، قوله : فهو له صدقة جواب الشرط ، فلذلك دخلت فيه الفاء قوله : فهو مبتدأ والجملة أعني قوله : له صدقة خبره ، فقوله : صدقة مبتدأ ، وله مقدما خبره ، والضمير أعني هو يرجع إلى الإنفاق الذي يدل عليه قوله : أنفق كما في قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي العدل أقرب إلى التقوى . ( بيان المعاني ) في قوله : إذا أنفق حذف المعمول ليفيد التعميم والمعنى إذا أنفق أي نفقة كانت صغيرة أو كبيرة ، وفيه ذكر إذا دون إن لأن أصل إن عدم الجزم بوقوع الشرط وأصل إذا الجزم به وغلب لفظ الماضي مع إذا على المستقبل في الاستعمال ، فإن استعمال إذا أكرمتني أكرمتك مثلا أكثر من استعمال إذا تكرمني أكرمك لكون الماضي أقرب إلى القطع بالوقوع من المستقبل نظرا إلى اللفظ لا إلى المعنى ، فإنه يدل على الاستقبال لوقوعه في سياق الشرط ، وفيه التنبيه بالحال لإفادة زيادة تخصيص له فكلما ازداد الكلام تخصيصا ازداد الحكم بعدا كما أنه كلما ازداد عموما ازداد قربا ، ومتى كان احتمال الحكم أبعد كانت الفائدة في إيراده أقوى ، قوله : يحتسبها أي يريد بها وجه الله والنفقة المطلقة في الأحاديث ترد إلى هذا الحديث وأمثاله المقيد بالنية لحديث امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وامرأة من الأنصار وسؤالهما : أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وأيتامهما ؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة ، وقول أم سلمة رضي الله عنهما : هل لي أجر في بني أبي سلمة أنفق عليهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم لك أجر ما أنفقت ، وقال القرطبي في قوله : يحتسبها أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى . ( بيان البيان ) فيه إطلاق النفقة على الصدقة مجازا إذ لو كانت الصدقة حقيقية كانت تحرم على الرجل أن ينفق على زوجته الهاشمية ووجود الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجات الهاشميات وغيرها قام قرينة صارفة عن إرادة الحقيقة ، والعلاقة بين الموضوع له ، وبين المعنى المجازي ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه ، فإن قلت : كيف يتشابهان ؟ وهذا الإنفاق واجب والصدقة في العرف لا تطلق إلا على غير الواجب اللهم إلا أن تقيد بالفرض ونحوه ؟ قلت : التشبيه في أصل الثواب لا في كميته ، ولا كيفيته ، فإن قلت : شرط البيانيون في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى وهاهنا بالعكس لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل ، قلت : هذا هو التشابه لا التشبيه والتشبيه لا يشترط فيه ذلك ، وتحقيق هذا الكلام أنه إذا أريد مجرد الجمع بين الشيئين في أمر وأنهما متساويان في جهة التشبيه كعمامتين متساويتين في اللون فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به احترازا من ترجيح أحد المتساويين في جهة التشبيه على الآخر ، لأن في التشبيه ترجيحا ، وفي التشابه تساويا ، ويجوز التشبيه أيضا في موضع التشابه لكن إذا وقع التشبيه في باب التشابه صح فيه العكس بخلافه فيما عداه ، وكان حكم المشبه به على خلاف ما ذكر من أن حقه أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه وأقوى حالا كتشبيه غرة الفرس بالصبح وعكسه ، فيقال : بدا الصبح كغرة الفرس وبدت غرة الفرس كالصبح ، متى أريد بوجه الشبه ظهور منير في سواد أكثر منه مظلم . أو حصول بياض فإنه متى كان المراد بوجه الشبه هذا كان من باب التشابه ، وينعكس التشبيه لعدم اختصاص وجه الشبه ، حينئذ بشيء من الطرفين بخلاف ما لو لم يكن وجه الشبه ذلك كالمبالغة في الضياء ، فإنه لا يكون من باب التشابه ولا مما ينعكس فيه التشبيه ، قوله : على أهله خاص بالولد والزوجة لأنه إذا كان الإنفاق في الأمر الواجب كالصدقة فلا شك أن يكون آكد ، ويلزم منه كونه صدقة في غير الواجب بالطريق الأولى .
باب حلاوة الإيمان أي : هذا باب في بيان حلاوة الإيمان ، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ المحذوف ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول مشتمل على أن كمال الإيمان لا يكون إلا إذا كان الرسول صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليه من سائر الخلق ، وهذا الباب يبين أن ذلك من جملة حلاوة الإيمان ، ولأن هذا الباب مشتمل على ثلاثة أشياء ، والباب الذي قبله جزء من هذه الثلاثة ، وهذا أقوى وجوه المناسبة . 1 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : محمد بن المثنى بلفظ المفعول من التثنية بالمثلثة ابن عبيد بن قيس بن دينار أبو موسى العنزي البصري المعروف بالزمن سمع ابن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وإسماعيل بن علية ، والقطان ، وغيرهم ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، والمحاملي ، قال الخطيب : كان ثقة ثبتا يحتج سائر الأئمة بحديثه ، وقدم بغداد ، وحدث بها ، ثم رجع إلى البصرة فمات بها ، قال غيره : سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وولد هو وبندار بالسنة التي مات فيها حماد بن سلمة سنة سبع وستين ومائة ، روى عنه الجماعة ، وروى الترمذي أيضا ، عن رجل عنه ، وقال : لا بأس به . الثاني : عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي العاصي بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسار بن مالك بن خطيط بن جشم بن قسي ، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان الثقفي البصري ، سمع يحيى الأنصاري ، وأيوب السختياني ، وخلقا ، روى عنه محمد بن إدريس الشافعي ، والإمام أحمد ، وابن معين ، وابن المديني ، وثقه يحيى ، والعجلي ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وفيه ضعف ، ولد سنة ثمان ومائة ، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة ، وقال خليفة بن خياط : اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع سنين ، روى له الجماعة . الثالث : أيوب بن أبي تميمة ، واسمه كيسان السختياني البصري مولى عزة ، ويقال : جهينة ، ومواليه حلفاء بني جريش رأى أنس بن مالك ، وسمع عمر بن سلمة الجرمي ، وأبا عثمان النهدي ، والحسن ، ومحمد بن سيرين ، وأبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، ومجاهدا ، وخلقا كثيرا ، روى عنه محمد بن سيرين ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والأعمش ، ومالك ، والسفيانان ، والحمادان ، وروى عنه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أيضا ، وقال ابن المديني : له نحو ثمان مائة حديث ، وقال النسائي : ثقة ثبت ، وقال إسماعيل بن علية ، ولد سنة ست وستين ، وقال البخاري عن علي بن المديني : مات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة زاد غيره ، وهو ابن ثلاث وستين ، روى له الجماعة . الرابع : أبو قلابة بكسر القاف ، وبالباء الموحدة ، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو ، وقيل : عامر بن نائل بن مالك الجرمي البصري سمع ثابت بن قيس بن الضحاك الأنصاري ، وأنس بن مالك الأنصاري ، وغيرهم من الصحابة ، روى عن أيوب وقتادة ، ويحيى ابن أبي كثير اتفق على توثيقه ، توفي بالشام سنة أربع ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، وقد مر ذكره . ( بيان الأنساب ) العنزي ، بفتح العين المهملة ، والنون ، وبالزاي نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان حي من ربيعة . والثقفي بالثاء المثلثة ، والقاف ، بعدها الفاء نسبة إلى ثقيف ، وهو قسي بن منبه ، وقد ذكرناه الآن . والسختياني ، بفتح السين المهملة نسبة إلى بيع السختيان ، وهو الجلد ، وقال الجوهري : سمي بذلك ؛ لأنه كان يبيع الجلود . قال صاحب المطالع : ومنهم من يضم السين ، وقال بعضهم : حكي ضم السين وكسرها . قلت : هذا اللفظ أعجمي ، ولم يسمع منهم إلا فتح السين ، والجرمي ، بفتح الجيم في قبائل ، ففي قضاعة جرم بن ريان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وفي بجيلة جرم بن علقمة بن عبقر ، وفي عاملة جرم بن شعل بن معاوية ، وفي طي جرم ، وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن طي . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء على ما ذكرنا . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا ومسلم أيضا كلاهما ، عن محمد بن المثنى إلى آخره بهذا الإسناد ، وأخرجه في هذا الباب أيضا بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك التقية إلى أن قتل ، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله ، ولفظ هذه الرواية : وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه . وهي أبلغ من لفظ حديث الباب ؛ لأنه سوى فيه بين الأمرين ، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى ، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه ، وفي رواية للبخاري ومسلم : من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا . وأخرجه الترمذي والنسائي أيضا في رواية أخرى : ثلاث من كن فيه ، وجد حلاوة الإيمان وطعمه : أن يكون الله ، ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب في الله ، ويبغض في الله ، وأن يوقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا . ( بيان اللغات ) . قوله : حلاوة الإيمان الحلاوة مصدر حلا الشيء يحلو ، وهو نقيض المر ، واحلولى مثله ، وأحليت الشيء جعلته حلوا ، وأحليته أيضا وجدته حلوا ، وحاليته ، أي : طايبته ، والحلوى نقيض المرى يقال : خذ الحلوى ، وأعطه المرى ، وتحالت المرأة إذا أظهرت حلاوة وعجبا ، وأما حلوت فلانا على كذا مالا ، فأنا أحلوه حلوا وحلوانا ، فمعناه : وهبت له شيئا على شيء يفعله لك غير الأجرة ، وأما حليت المرأة أحليها حليا ، وحلوتها فمعناها جعلت لها حليا ، ويقال : حلي فلان يعني بالكسر ، وفي عيني ، وبصدري - أو : في صدري - يحلى حلاوة إذا أعجبك ، قال الراجز : إن سراجا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تجهره وهذا من المقلوب ، والمعنى يحلى بالعين ، وكذلك حلا فلان بعيني وفي عيني يحلو حلاوة . وقال الأصمعي حلى في عيني بالكسر ، وحلا في فمي بالفتح ، وحليت الرجل وصفت حليته ، وحليت الشيء في عين صاحبه ، وحليت الطعام جعلته حلوا ، والحلواء التي تؤكل تمد وتقصر . وأما معنى الحلاوة في الحديث ، فقال التيمي : حسنه ، وقال النووي : معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات ، وتحمل المشاق في الدين ، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا ، ومحبة العبد الله تعالى بفعل طاعته ، وترك مخالفته ، وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : تفسير التيمي من الحلاوة التي بابها من حلى فلان بعيني حلاوة إذا حسن ، وتفسير النووي من حلا الشيء يحلو حلوا وحلاوة ، وهو نقيض المر ، ولكل منهما وجه ، والأظهر الثاني : على ما لا يخفى قوله : يكره من كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية ، فهو شيء كريه ومكروه ، ومعناه عدم الرضا . قوله : أن يقذف من القذف بمعنى الرمي ، وقال الصغاني : التركيب يدل على الرمي والطرح ، والقذف بالحجارة الرمي بها ، وقذف المحصنة قذفا ، أي : رماها ، ويُقَل : هم بين خاذف وقاذف ، فالخاذف بالحصى ، والقاذف بالحجارة . ( بيان الإعراب ) . قوله : ثلاث مرفوع على أنه مبتدأ . فإن قلت : هو نكرة ، كيف يقع مبتدأ . قلت : النكرة تقع مبتدأة بالمسوغ ، وهاهنا ثلاثة وجوه : الأول : أن يكون التنوين في ثلاث عوضا ، عن المضاف إليه تقديره : ثلاث خصال ، فحينئذ يقرب من المعرفة . الثاني : أن يكون هذا صفة لموصوف محذوف تقديره خصال ثلاث ، والموصوف هو المبتدأ في الحقيقة ، فلما حذف قامت الصفة مقامه . الثالث : يجوز أن يكون ثلاث موصوفا بالجملة الشرطية التي بعده ، والخبر على هذا الوجه هو قوله : أن يكون ، وأن مصدرية ، والتقدير : كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وعلى التقديرين الأولين الخبر هو الجملة الشرطية ؛ لأن قوله : من مبتدأ موصول ، يتضمن معنى الشرط ، وقوله : كن فيه جملة صلته ، وقوله : وجد خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول . فإن قلت : الجملة إذا وقعت خبرا فلا بد من ضمير فيها يعود إلى المبتدأ ؛ لأن الجملة مستقلة بذاتها ، فلا يربطها بما قبلها إلا الضمير ، وليس هاهنا ضمير يعود إليه ، والضمير في فيه يرجع إلى من لا إلى ثلاث . قلت : العائد هاهنا محذوف تقديره : ثلاث من كن فيه منها وجد حلاوة الإيمان ، كما في قولك : البر الكر بستين ، أي : منه ، وقال ابن يعيش في قوله تعالى : ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ إن من مبتدأ ، وصلته صبر ، وخبره إن المكسورة مع ما بعدها ، والعائد محذوف تقديره إن ذلك منه . فإن قلت : إذا جعلت الجملة خبرا فما يكون إعراب قوله : أن يكون الله ؟ قلت : يجوز فيه الوجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من ثلاث ، والآخر أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : أحد الذين فيهم الخصال الثلاث أن يكون الله الخ . قوله : وجد بمعنى أصاب ، فلذلك اكتفى بمفعول واحد ، وهو قوله : حلاوة الإيمان . قوله : ورسوله بالرفع عطف على لفظة الله الذي هو اسم يكون . قوله : أحب بالنصب ؛ لأنه خبر يكون . فإن قلت : كان ينبغي أن يثني أحب حتى يطابق اسم كان ، وهو اثنان . قلت : أفعل التفضيل إذا استعمل بمن فهو مفرد مذكر لا غير ، فلا يحتاج إلى المطابقة . فإن قلت : أفعل التفضيل مع من كالمضاف والمضاف إليه . فلا يجوز الفصل بينهما . قلت : أجيز ذلك بالظرف للاتساع . قوله : وأن يحب المرء عطف على أن يكون الله . قوله : يحب جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير فيه الذي يرجع إلى من . وقوله المرء بالنصب مفعوله . قوله : لا يحبه إلا لله جملة وقعت حالا بدون الواو ، وقد علم أن الفعل المضارع إذا وقع حالا ، وكان منفيا يجوز فيه الواو ، وتركه نحو جاءني زيد لا يركب أو ولا يركب . قوله : وأن يكره عطف على أن يحب . قوله : أن يعود جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : يكره ، وأن يكره ، وأن مصدرية ، تقديره : وأن يكره العود . فإن قلت : المشهور أن يقال عاد إليه معدى بإلى لا بفي . قلت : قال الكرماني : قد ضمن فيه معنى الاستقرار ، كأنه قال أن يعود مستقرا فيه ، وهذا تعسف ، وإنما في هذا بمعنى إلى كما في قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا أي : تصيرن إلى ملتنا . قوله : كما يكره الكاف للتشبيه بمعنى مثل ، وما مصدرية ، أي : مثل كرهه . قوله : أن يقذف في محل النصب ؛ لأنه مفعول يكره ، وأن مصدرية ، أي : القذف ، وهو على صيغة المجهول فافهم . ( بيان المعاني ) قال النووي : هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام . قلت : كيف لا وفيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عينه ، ولا تصح محبة الله ورسوله حقيقة ، ولا حب لغير الله ولا كراهة الرجوع في الكفر إلا لمن قوي الإيمان في نفسه ، وانشرح له صدره ، وخالطه دمه ولحمه ، وهذا هو الذي وجد حلاوته ، والحب في الله من ثمرات الحب لله ، وقال ابن بطال : محبة العبد لخالقه التزام طاعته ، والانتهاء عما نهى عنه ، ومحبة الرسول كذلك ، وهي التزام شريعته ، وقال بعضهم : المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه فيحب ما أحب ، ويكره ما يكره . قال القاضي عياض : ومعنى حب الله الاستقامة في طاعته ، والتزام أوامره ونواهيه في كل شيء ، والمراد ثمرات المحبة ؛ فإن أصل المحبة الميل لما يوافق المحبوب ، والله سبحانه منزه أن يميل أو يمال إليه ، وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ ميل الإنسان لما يوافقه ، إما للاستحسان كالصورة الجميلة ، والمطاعم الشهية وشبههما ، أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء ، وإن لم يكن في زمانهم أو لمن يحسن إليه ، ويدفع المضرة عنه ، وهذه المعاني كلها موجودة في حق النبي صلى الله عليه وسلم من كمال الظاهر ، والباطن ، وجمعه الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم ، وإبعادهم عن الجحيم . قوله : وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله هذا حث على التحاب في الله ؛ لأجل أن الله جعل المؤمنين إخوة . قال الله تعالى : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ومن محبته ومحبة رسوله محبة أهل ملته ، فلا تحصل حلاوة الإيمان إلا أن تكون خالصة لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية ، ولا الحظوظ البشرية ، فإن من أحب لذلك انقطعت تلك المحبة عند انقطاع سببها . قوله : وأن يكره إلى آخره ، معناه أن هذه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها ، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان ، ومن كشف له عن محاسن الإسلام ، وقبح الجهالات والكفران . وقيل : المعنى : أن من وجد حلاوة الإيمان ، وعلم أن الكافر في النار يكره الكفر لكراهته لدخول النار . قلت : وقائل هذا المعنى حافظ على بقاء لفظ العود على معناه الحقيقي ، ومعناه هنا معنى الصيرورة . قال تعالى : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ( بيان البيان ) . قوله : حلاوة الإيمان فيه استعارة بالكناية ، وذلك لأن الحلاوة إنما تكون في المطعومات ، والإيمان ليس مطعوما ، فظهر أن هذا مجاز ؛ لأنه شبه الإيمان بنحو العسل ، ثم طوى ذكر المشبه به ؛ لأن الاستعارة هي أن يذكر أحد طرفي التشبيه مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به ، فالمشبه إيمان ، والمشبه به عسل ونحوه . والجهة الجامعة ، وهو وجه الشبه الذي بينهما هو الالتذاذ وميل القلب إليه ، فهذه هي الاستعارة بالكناية ، ثم لما ذكر المشبه أضاف إليه ما هو من خواص المشبه به ولوازمه ، وهو الحلاوة على سبيل التخيل ، وهي استعارة تخييلية ، وترشيح للاستعارة . قوله : كما يكره أن يقذف في النار تشبيه وليس باستعارة ؛ لأن الطرفين مذكوران ، فالمشبه هو العود في الكفر ، والمشبه به وهو القذف في النار ، ووجه الشبه هو وجدان الألم وكراهة القلب إياه . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : ما الحكمة في كون حلاوة الإيمان في هذه الأشياء الثلاثة ؟ وأجيب بأن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان كمال الإيمان المحصل لتلك اللذة ؛ لأنه لا يتم إيمان امرئ حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات هو الله سبحانه وتعالى ، ولا مانح ولا مانع سواه ، وما عداه تعالى وسائط ليس لها في ذاتها إضرار ولا إنفاع ، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هو العطوف الساعي في صلاح شأنه ، وذلك يقتضي أن يتوجه بكليته نحوه ، ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطا بينه وبينه ، وأن يتيقن أن جملة ما أوعد ووعد حق تيقنا ، يخيل إليه الموعود كالواقع ، والاشتغال بما يؤول إلى الشيء ملابسة به فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة ، وأكل مال اليتيم أكل النار ، والعود إلى الكفر إلقاء في النار . ومنها ما قيل : لم عبر عن هذه الحالة بالحلاوة ؟ وأجيب : لأنها أظهر اللذات المحسوسة ، وإن كان لا نسبة بين هذه اللذة واللذات الحسية . ومنها ما قيل : لم قيل : مما سواهما ، ولم يقل : ممن سواهما ؟ وأجيب بأن ما أعم بخلاف من فإنها للعقلاء فقط . ومنها ما قيل : كيف قال : سواهما بإشراك الضمير بينه وبين الله عز وجل ، والحال أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكر على من فعل ذلك ، وهو الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس الخطيب أنت ، وأجيب بأن هذا ليس من هذا ؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح ، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ ، ومما يدل عليه ما جاء في سنن أبي داود : ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه . وقال القاضي عياض : وأما تثنية الضمير هاهنا فللإيماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين ، لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية ، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية ؛ إذ العطف في تقرير التكرير ، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ، وقال الأصوليون : أمر بالإفراد ؛ لأنه أشد تعظيما ، والمقام يقتضي ذلك ، ويقال : إنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يمتنع منه ؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك ، ويقال : إن كلامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هنا جملة واحدة ، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر ، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيها مقام المضمر . ويقال : إن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره ، ويقال : إن الله تعالى أمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يشرف من شاء بما شاء كما أقسم بكثير من مخلوقاته ، وكذلك له أن يأذن لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويحجره على غيره ، ويقال : العمل بخبر المنع أولى ؛ لأن الخبر الآخر يحتمل الخصوص ، ولأنه ناقل ، والآخر مبني في الأصل ، ولأنه قول ، والثاني فعل .
باب حب الرسول من الإيمان يجوز في باب الرفع مع التنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب ، ويجوز بالإضافة إلى الجملة التي بعده ؛ لأن قوله : حب الرسول كلام إضافي مبتدأ . وقوله : من الإيمان خبره ، ويجوز فيه الوقف ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالتركيب ، وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على وجوب محبة كائنة من الإيمان ، واللام في الرسول للعهد ، والمراد به سيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا جنس الرسول ، ولا الاستغراق بقرينة . قوله : حتى أكون أحب ، وإن كانت محبة الكل واجبة . 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع ، وقد ذكر . الثاني : شعيب ابن أبي حمزة الحمصي ، وقد مر ذكره . الثالث : أبو الزناد بكسر الزاي ، وبالنون ، وهو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي ، وكان يغضب من هذه الكنية لكن اشتهر بها ، ويكنى أيضا بأبي عبد الرحمن ، وقد اتفق على إمامته ، وجلالته ، وكان الثوري يسميه أمير المؤمنين في الحديث ، وقال أبو حاتم : هو ثقة صاحب سنة ، وهو ممن تقوم به الحجة إذ روى عنه الثقات ، وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة . فهو إذن تابعي صغير ، وروى عنه جماعات من التابعين ، وهذا من فضائله ؛ لأنه لم يسمع من الصحابة ، وروى عنه التابعون ، وولاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق ، وقال الليث بن سعد : رأيت أبا الزناد ، وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب علم ، وفقه ، وشعر ، وصنوف ، ثم لم يلبث أن بقي وحده ، وأقبلوا على ربيعة ، وكان ربيعة يقول : شبر من خطوة خير من ذراع من علم . وقال أحمد : أبو الزناد أفقه من ربيعة . قال الواقدي : مات أبو الزناد فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومائة ، وهو ابن ست وستين سنة ، وقال البخاري : أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، روى له الجماعة . الرابع : الأعرج ، وهو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز ، تابعي مدني قرشي ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، روى عن أبي سلمة ، وعبد الرحمن بن القاري روى عنه الزهري ، ويحيى الأنصاري ، ويحيى بن أبي كثير ، وآخرون ، واتفقوا على توثيقه ، مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصحيح ، روى له الجماعة . واعلم أن مالكا لم يرو عن عبد الرحمن بن هرمز هذا إلا بواسطة ، وأما عبد الله بن يزيد بن هرمز فقد روى عنه مالك ، وأخذ عنه الفقه ، وهو عالم من علماء المدينة ، قليل الرواية جدا ، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ، فحيث يذكر مالك بن هرمز ، ويحكى عنه فإنما يريد عبد الله بن يزيد هذا الفقيه ؛ لأن عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبي الزناد المحدث هذا إنما يحدث عنه بواسطة ذلك ، ووفاته سنة سبع عشرة ومائة على ما ذكرنا ، وهذا وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهذا موضع التباس على كثير من الناس ذكرته للفرق بينهما فافهم . الخامس : أبو هريرة ، وقد مضى ذكره . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، وفي بعض النسخ : أخبرنا شعيب ، فعلى هذا يكون فيه الإخبار أيضا ، والتفريق بين حدثنا وأخبرنا لا يقول به البخاري كما سيجيء في العلم ، ومنها أن إسناده مشتمل على حمصيين ومدنيين ، ومنها أنه قد وقع في ( غرائب مالك ) للدارقطني إدخال رجل ، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث ، وهي زيادة شاذة ، فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك ، ومن حديث إبراهيم بن طهمان ، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي ، عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في جميع الإسناد ، وكذا للنسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا ، عن أبي هريرة ، وأنس رضي الله عنهما ، وأخرجه النسائي أيضا ، عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن ابن المثنى ، وابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، ورواه عن زهير ، عن ابن علية ، وعن شيبان بن فروخ ، عن عبد الوارث كلاهما ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، وأخرجه النسائي ، وفي رواية أخرى للنسائي : حتى أكون أحب إليه من ماله ، وأهله ، والناس أجمعين . ( بيان الإعراب ) . قوله : والذي الواو فيه للقسم ، والذي صفة موصوفه محذوف تقديره ، والله الذي . قوله : نفسي مبتدأ ، وبيده خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول : أعني الذي. قوله : لا يؤمن نفي ، وهو جواب القسم . قوله : حتى للغاية هنا ، وأكون منصوب بتقدير حتى أن أكون ، وقد علم أن الفعل بعد حتى لا ينتصب إلا إذا كان مستقبلا ، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن المتكلم فالنصب واجب نحو : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى . وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو : وزلزلوا حتى يقول الرسول . الآية . فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا . قوله : أحب نصب ؛ لأنه خبر أكون ، ولفظه أحب أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، وهو على خلاف القياس وإن كان كثيرا ؛ إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل ، وقال ابن مالك : إنما يشذ بناؤه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل ، فإن أمن بأن لم يستعمل الفعل للفاعل ، أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ كقولهم . هو أشغل من ذات النحيين ، وهو أكسر من البصل . وعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لسان داود ، وعيسى ، ولا أحرم ممن عدم الإنصاف ، ولا أظلم من قتيل كربلاء ، وهو أزهى من الديك ، وأرجى ، وأخوف ، وأهيب ، ولا يقتصر على السماع لكثرة مجيئه . فإن قلت : لا يجوز الفصل بين الفعل ومعموله ؛ لأنه كالمضاف ، والمضاف إليه ، فكيف وقع لفظة إليه هاهنا فصلا بينهما ؟ قلت : الفصل بالأجنبي ممنوع لا مطلقا ، والظرف فيه توسع فلا يمنع . ( بيان المعاني ) فائدة القسم تأكيد الكلام به ، ويستفاد منه جواز القسم على الأمر المبهم توكيدا ، وإن لم يكن هناك من يستدعي الحلف ، ولفظ اليد من المتشابهات ففي مثل هذا افترق العلماء على فرقتين : إحداهما ما تسمى مفوضة ، وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى قائلين : وما يعلم تأويله إلا الله . والأخرى تسمى مؤولة ، وهم الذين يؤولون مثل هذا كما يقال : المراد من اليد القدرة عاطفين والراسخون في العلم ( على الله ) والأول أسلم ، والثاني أحكم . قلت : ذكر أبو حنيفة أن تأويل اليد بالقدرة ، ونحو ذلك يؤدي إلى التعطيل ، فإن الله تعالى أثبت لنفسه يدا ، فإذا أولت بالقدرة يصير عين التعطيل ، وإنما الذي ينبغي في مثل هذا أن نؤمن بما ذكره الله من ذلك على ما أراده ، ولا نشتغل بتأويله فنقول : له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين ، وكذلك في نظائر ذلك . قوله : لا يؤمن ، أي : إيمانا كاملا ، ويقال : المراد من الحديث بذل النفس دونه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقيل في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي : وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك ، وقال ابن بطال : قال أبو الزناد : هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه الصلاة والسلام إذ أقسام المحبة ثلاثة : محبة إجلال وإعظام ، كمحبة الوالد ، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد ، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضا ، فجمع عليه السلام ذلك كله . قال القاضي : ومن محبته نصرة سنته والذب عن شريعته ، وتمني حضور حياته فيبذل نفسه وماله دونه ، وبهذا يتبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا به ، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ، ومحسن ومتفضل ، ومن لم يعتقد ذلك ، واعتقد سواه ، فليس بمؤمن ، واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي صاحب ( المفهم ) ، فقال : ظاهر كلام القاضي عياض صرف المحبة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله ، ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك غير أنه ليس المراد بهذا الحديث اعتقاد الأعظمية ؛ إذ اعتقاد الأعظمية ليس بمحبة ، ولا مستلزما لها ؛ إذ قد يحمد الإنسان إعظام شيء مع خلوه عن محبته . قال : فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك لم يكمل إيمانه على أن كل من آمن إيمانا صحيحا لا يخلو من تلك المحبة ، وقد قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، وأن عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع هذا الحديث ، قال : يا رسول الله ، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال : ومن نفسك يا عمر ، فقال : ومن نفسي ، فقال : الآن يا عمر ، وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل قلب ، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك ، قال الله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم ؛ لأن المحبة ثمرة المعرفة ، وهم بقدره ومنزلته أعلم ، والله أعلم ، ويقال : المحبة إما اعتقاد النفع ، أو ميل يتبع ذلك أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع ، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة ، ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال ، وقد يكون لإحسانه إليه ، ودفع المضار عنه ، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن ، وكمال أنواع الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ، ودوام النعيم ، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما فيجب كونه أحب منهما ؛ لأن المحبة ثابتة لذلك ، حاصلة بحسبها ، كاملة بكمالها . واعلم أن محبة الرسول عليه السلام إرادة فعل طاعته ، وترك مخالفته ، وهي من واجبات الإسلام . قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ إلى قوله : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وقال النووي : فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة بالسوء والمطمئنة ، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حب النبي عليه السلام راجحا ، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس . ( بيان الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم ما ذكر نفس الرجل أيضا ، وإنما يجب أن يكون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليه من نفسه . قال تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأجيب بأنه إنما خصص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبا ، وربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل ، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل ، فكأنه قال : حتى أكون أحب إليه من أعزته ، ويعلم منه حكم غير الأعزة ؛ لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى ، أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضا كالرواية التي بعده ، ومنها ما قيل : هل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى ؟ وأجيب بأن الوالد إما أن يراد به ذات له ولد ، وإما أن يكون بمعنى ذو ولد ، نحو : لابن وتامر ، فيتناولهما ، وإما أن يكتفى بأحدهما عن الآخر كما يكتفى بأحد الضدين عن الآخر . قال تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلوما من النصوص الأخر ، ومنها ما قيل : المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخل تحت الاختيار فكيف يكون مكلفا بما لا يطاق عادة ، وأجيب بأنه لم يرد به حب الطبع بل حب الاختيار المستند إلى الإيمان . فمعناه لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين ، وإن كان فيه هلاكهما ، ومنها ما قيل : ما وجه تقديم الوالد على الولد ، وأجيب بأن ذلك للأكثرية ؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس . قلت : الأولى أن يقال : إنما قدم هاهنا الوالد نظرا إلى جانب التعظيم ، وقدم الولد على الوالد في حديث أنس في رواية النسائي نظرا إلى جانب الشفقة والترحم .
2 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ح وحدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ، والناس أجمعين . هذان الإسنادان عطف أحدهما على الآخر قبل أن يسوق المتن في الأول ، وذلك يوهم استواءهما ، وليس كذلك ، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة غير أن فيه زيادة ، وهي قوله : والناس أجمعين ، ولفظ عبد العزيز بن صهيب مثله ، إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري بهذا الإسناد من أهله وماله بدل من والده وولده ، وكذا في رواية مسلم من طريق ابن علية ، وكذا الإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد ، عن عبد العزيز ، ولفظه : لا يؤمن الرجل ، وهو أشمل من جهة ، ولفظ : أحدكم أشمل من جهة ، وأشمل منهما رواية الأصيلي : لا يؤمن أحد . فإن النكرة في سياق النفي تعم . فإن قلت : إذا كان لفظ عبد العزيز مغايرا للفظ قتادة فلم ساق البخاري كلامه بما يوهم اتحادهما في المعنى . قلت : البخاري كثيرا ما يصنع ذلك نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه . فإن قلت : لم اقتصر على لفظ قتادة ، وما المرجح في ذلك ؟ قلت : لأن لفظ قتادة موافق للفظ أبي هريرة في الحديث السابق . فإن قلت : قتادة مدلس ، ولم يصرح بالسماع ؟ قلت : رواية شعبة عنه دليل على السماع ؛ لأنه لم يكن يسمع منه إلا ما سمعه على أنه قد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي . ( بيان رجالهما ) ، وهم سبعة : الأول : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح الدورقي العبدي أخو أحمد بن إبراهيم ، وكان الأكبر صنف المسند ، وكان ثقة حافظا متقنا ، رأى الليث ، وسمع ابن عيينة ، والقطان ، ويحيى بن أبي كثير ، وخلقا ، روى عنه أخوه ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والجماعة ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين . الثاني : ابن علية ، بضم العين المهملة ، وفتح اللام ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو إسماعيل ، وعلية أمه ، وأبوه إبراهيم بن سهل بن مقسم البصري الأسدي أسد خزاعة مولاهم أصله من الكوفة . قال شعبة : فيه سيد المحدثين ، سمع عبد العزيز بن صهيب ، وأيوب السختياني ، وسمع من محمد بن المنكدر أربعة أحاديث ، وسمع خلقا غيرهم ، وقال أحمد : إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ، اتفق على جلالته وتوثيقه ، ولي صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون ، توفي ببغداد ، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك ، وصلى عليه ابنه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة ، وكانت أمه علية نبيلة عاقلة ، وكان صالح المزي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون ، فتبرز لهم ، وتحادثهم ، وتسائلهم ، روى له الجماعة . الثالث : عبد العزيز البناني مولاهم ، تابعي سمع أنسا ، روى عنه شعبة ، وقال : هو عندي في أنس أحب إلي من قتادة ، اتفق على توثيقه ، روى له الجماعة . قال ابن قتيبة : هو وأبوه كانا مملوكين ، وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده . الرابع : آدم بن أبي إياس ، وقد مر ذكره . الخامس : شعبة بن الحجاج . السادس : قتادة بن دعامة . السابع : أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد ذكروا فيما مضى . ( بيان الأنساب ) الدورقي : نسبة إلى دورق ، بفتح الدال المهملة ، وسكون الواو ، وفتح الراء ، وفي آخره قاف ، وهي قلانس كانوا يلبسونها فنسبوا إليها ، وفي ( المطالع ) دورق ، أراه في بلاد فارس ، وقيل : بل لصنعة قلانس تعرف بالدورقة نسبت إلى ذلك الموضع ، وقال الرشاطي : دورق من كور الأهواز ، وقال ابن خرداذبه : كور الأهواز رام هرمز ، ومنها إيزح وعسكر مكرم ، وتستر ، وسوس ، وسرق ، وهي دورق ، وذكر غير ذلك قال : ومن سرق الأهواز إلى دورق في الماء ثمانية عشر فرسخا ، وعلى الظاهر أربعة وعشرون ، والعبدي في قبائل ، ففي قريش عبد بن قصي بن كلاب بن مرة ، وفي ربيعة ابن نزار عبد القيس بن قصي بن دعمي ، ينسب إليه عبدي على القياس ، وعبقسي على غير القياس ، وفي تميم ينسب إلى عبد الله بن دارم ، وقد يقال : عبدلي على غير قياس ، وفي خولان ينسب إلى عبد الله بن الخيار ، وفي همدان ينسب إلى عبد بن عليان بن أرحب ، والبناني ، بضم الباء الموحدة ، وبالنونين نسبة إلى بنانة بطن من قريش ، وبنانة كانت زوجة سعد بن لؤي بن غالب نسب إليها بنوها ، وقيل : كانت أمة له حضنت بنيه ، وقيل : كانت حاضنة لبنيه فقط ، ويقال : نسبة إلى سكة بنانة بالبصرة فافهم . ( بيان المعاني ) : قوله : والناس أجمعين من باب عطف العام على الخاص كقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وهو عكس قوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فإنه تخصيص بعد تعميم ، فإن قيل : هل يدخل في لفظ الناس نفس الرجل أو يكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم : فإنك إذا قلت : جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه ، يفهم منه خروج زيد منهم ؟ قلت : لا يخرج ؛ لأن اللفظ عام ، وما ذكرتم ليس من المخصصات ، واعلم أنه قد يوجد في بعض النسخ قبل حدثنا آدم لفظة ( ح ) إشارة إلى التحول من الإسناد : الأول إلى إسناد آخر ، وفي بعضها لا يوجد ، وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث ، وقوله : أخبرنا يعقوب ، وفي رواية أبي ذر : حدثنا .
باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه أي : هذا باب ، ولا يجوز فيه إلا الإعراب بالتنوين أو الوقف على السكون ، وليس فيه مجال للإضافة ، والتقدير : هذا باب فيه من شعب الإيمان أن يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه ، وجه المناسبة بين البابين أن الشعبة الواحدة في الباب : الأول : هي إطعام الطعام ، وهو غالبا لا يكون إلا عن محبة المطعم ، وهذا الباب فيه شعبة ، وهي المحبة لأخيه . وقال الكرماني : قدم لفظة من الإيمان بخلاف أخواته حيث يقول : حب الرسول من الإيمان ، ونحو ذلك من الأبواب الآتية التي مثله إما للاهتمام بذكره ، وإما للحصر ، فكأنه قال : المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيما لهذه المحبة ، وتحريضا عليها ، وقال بعضهم : هو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معا ، وهو قوله : باب حب الرسول من الإيمان ، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة ، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه . قلت : الذي ذكره لا يرد على الكرماني ، وإنما يرد على البخاري حيث لم يقل : باب من الإيمان حب الرسول ، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه إنما قدم لفظة : حب الرسول إما اهتماما بذكره أولا ، وإما استلذاذا باسمه مقدما ، ولأن محبته هي عين الإيمان ، ولولا هو ما عرف الإيمان . 1 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن حسين المعلم ، قال : حدثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : مسدد ، بضم الميم ، وفتح السين ، والدال المشددة المهملة ابن مسرهد بن مسربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مستورد الأسدي من ثقات أهل البصرة سمع حماد بن زيد ، وابن عيينة ، ويحيى القطان ، روى عنه أبو حاتم الرازي ، وأبو داود ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، وأبو زرعة ، وإسماعيل بن إسحاق ، ونظراؤهم ، قال أحمد بن عبد الله ثقة ، وقال أحمد ويحيى بن معين صدوق ، توفي في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين . روى النسائي عن رجل عنه ، ولم يرو له مسلم شيئا ، وقال البخاري في ( تاريخه ) : مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل ، ولم يزد على هذا ، وكذا مسلم في كتاب الكنى ، غير أنه قال : مغربل بدل مرعبل ، وقال أبو علي الخالدي الهروي : مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن ارندل إلى آخر ما ذكرناه . قلت : فالخمسة الأول على لفظ صيغة المفعول ، ومسدد من التسديد ، ومسرهد من سرهدته ، أي : أحسنت غداءه ، وسمنته ، ومسربل من سربلته ، أي : ألبسته القميص ، ومغربل من غربلته ، أي : قطعته ، ومرعبل من رعبلته ، أي : مزقته ، والثلاثة الأخيرة لعلها عجميات ، وهي بالدال المهملة والنون ، وعرندل بالعين المهملة ، وبالعجمة ، هو الأصح . الثاني : يحيى بن سعيد بن فروخ ، بفتح الفاء ، وتشديد الراء المضمومة ، وفي آخره خاء معجمة غير منصرف للعلمية والعجمة القطان الأحول التيمي مولاهم البصري يكنى أبا سعيد الإمام الحجة المتفق على جلالته ، وتوثيقه ، وتميزه في هذا الشأن ، سمع يحيى الأنصاري ، ومحمد بن عجلان ، وابن جريج ، والثوري ، وابن أبي ذئب ، ومالكا ، وشعبة ، وغيرهم ، روى عنه الثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وآخرون . قال يحيى بن معين : أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة ، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة . وقال إسحاق الشهيدي : كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده ، فيقف بين يديه علي ابن المديني ، والشاذكوني ، وعمرو بن علي ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم يسألونه عن الحديث ، وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب ، ولا يقول لأحد منهم : اجلس ، ولا يجلسون هيبة له ، ولد سنة عشرين ومائة ، وتوفي سنة ثمان ، وتسعين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : شعبة ، بضم الشين المعجمة ابن الحجاج الواسطي ، ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث ، وقد تقدم . الرابع : قتادة بن دعامة - بكسر الدال - بن قتادة بن عزيز ، بزاي مكررة مع فتح العين ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس ، بفتح السين المهملة ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بالباء الموحدة ابن صعب بن بكر بن وائل السدوسي البصري التابعي ، سمع أنس بن مالك ، وعبد الله سرجس ، وأبا الطفيل عامر من الصحابة ، وسمع سعيد بن المسيب ، والحسن ، وأبا عثمان النهدي ، ومحمد بن سيرين ، وغيرهم ، روى عنه سليمان التيمي ، وأيوب السختياني ، والأعمش ، وشعبة ، والأوزاعي ، وخلق كثير ، أجمع على جلالته ، وحفظه ، وتوثيقه ، وإتقانه ، وفضله ، ولد أعمى ، وقال الزمخشري في ( الكشاف ) : يقال : لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة ، أي : ممسوح العين غير قتادة السدوسي صاحب التفسير ، توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة ، وقيل : ثماني عشرة ومائة ، وهو ابن ست وخمسين أو سبع وخمسين ، روى له الجماعة ، وليس في الكتب الستة من اسمه قتادة من التابعين ، وتابعيهم غيره . الخامس : حسين بن ذكوان المكتب المعلم البصري ، سمع عطاء بن أبي رباح وقتادة ، وآخرين ، روى عنه شعبة ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، قال يحيى بن معين وأبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة . السادس : أنس بن مالك بن النضر بالنون ، والضاد المعجمة الساكنة ابن ضمضم بضادين معجمتين مفتوحتين ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري ، يكنى أبا حمزة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خدمه عشر سنين ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا حديث ومائتا حديث ، وست وثمانون حديثا اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثا منها ، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثا ، ومسلم بأحد وتسعين حديثا ، وكان أكثر الصحابة ولدا ، وقالت أمه : يا رسول الله ، خويدمك أنس ادع الله له ، فقال : اللهم بارك في ماله ، ولده ، وأطل عمره ، واغفر ذنبه ، فقال : لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين ، وكان له بستان يحمل في سنة مرتين ، وفيه ريحان يجيء منه ريح المسك ، وقال : لقد بقيت حتى سئمت من الحياة ، وأنا أرجو الرابعة . قيل : عمر مائة سنة وزيادة ، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ، وغسله محمد بن سيرين سنة ثلاث وتسعين زمن الحجاج . ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة ، ويقال : إنما كني بأبي حمزة بالحاء المهملة ببقلة كان يحبها ، روى له الجماعة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن رواته كلهم بصريون فوقع له من الغرائب أن إسناد هذا كلهم بصريون ، وإسناد الباب الذي قبله كلهم كوفيون ، والذي قبله كلهم مصريون ، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء ، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن هذا إسنادان موصولان أحدهما عن مسدد عن يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس . والآخر عن مسدد ، عن يحيى ، عن حسين ، عن قتادة ، عن أنس ، فقوله : عن حسين عطف على شعبة ، والتقدير : عن شعبة ، وحسين كلاهما عن قتادة ، وإنما لم يجمعهما ؛ لأن شيخه أفردهما فأورده البخاري معطوفا اختصارا ؛ ولأن شعبة قال عن قتادة ، وقال حسين : حدثنا قتادة ، وقال بعض المتأخرين : طريق حسين معلقة ، وهو غير صحيح فقد رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ البخاري ، عن يحيى القطان ، عن حسين المعلم ، وقال الكرماني : قوله : وعن حسين : هو عطف إما على حدثنا مسدد ، فيكون تعليقا ، والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد ، وإما على شعبة فكأنه ، قال : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن حسين ، وإما على قتادة فكأنه قال : عن شعبة ، عن حسين ، عن قتادة ، ولا يجوز عطفه على يحيى ؛ لأن مسددا لم يسمع عن الحسين ، وروايته عنه إنما هو من باب التعليق ، وعلى التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة . قلت : هذا كله مبني على حكم العقل ، وليس كذلك ، وليس هو بعطف على مسدد ، ولا على قتادة ، وإنما هو عطف على شعبة كما ذكرنا ، والمتن الذي سيق هاهنا هو لفظ شعبة ، وأما لفظ حسين فهو الذي رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) عن إبراهيم الحربي ، عن مسدد ، عن يحيى القطان ، عن حسين المعلم ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره . فإن قيل : قتادة مدلس ، ولم يصرح بالسماع عن أنس في رواية شعبة . قلت : قد صرح أحمد بن حنبل والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه . ( بيان اختلاف الروايات فيه ) . قوله : لا يؤمن حتى يحب . في رواية المستملي : لا يؤمن أحدكم حتى يحب . وفي رواية الأصيلي : لا يؤمن أحدكم حتى يحب . وقال الشيخ قطب الدين : قد سقط لفظ : أحدكم في بعض نسخ البخاري ، وثبت في بعضها كما جاء في مسلم . قلت : وفي بعض نسخ البخاري : لا يؤمن - يعني أحدكم - حتى يحب . وفي رواية ابن عساكر : لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ، وكذا في رواية لمسلم عن أبي خيثمة ، وفي رواية لمسلم : والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب . الحديث . قوله : حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، هكذا هو عند البخاري ، ووقع في مسلم على الشك في قوله : لأخيه أو لجاره ، وكذا وقع في مسند عبد بن حميد على الشك ، وكذا في رواية للنسائي ، وفي رواية للنسائي : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ، وكذا للإسماعيلي من طريق روح عن حسين : حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير : ، وكذا في رواية ابن منده من رواية همام عن قتادة ، وفي رواية ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين : لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب إلى آخره . ( بيان من أخرجه غيره ) قد عرفت أن البخاري أخرجه هنا عن مسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، وعن حسين ، عن قتادة ، عن أنس ، وروى مسلم في الإيمان ، عن المثنى ، وابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن الزهري ، عن يحيى القطان ، عن حسين المعلم ، كلاهما عن قتادة ، عن أنس ، وأخرجه الترمذي والنسائي أيضا . ( بيان اللغة والإعراب ) قد مر تفسير الإيمان فيما مضى ، وأما المحبة فقد قال النووي : أصلها الميل إلى ما يوافق المحب ، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه بحسن الصورة ، وبما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال ، وقد يكون لإحسانه إليه ، ودفعه المضار عنه . وقال بعضهم : المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبع ، والقسري ، والمراد أيضا بأن يحب الخ أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه ، سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية ، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه ، ولا مع بقائه بعينه له إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال . قلت : قوله : والمراد أيضا بأن يحب إلى آخره ليس تفسير المحبة ، وإنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسان أخيه ، وبره ، وأياديه ، ونعمه المتقدمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقها به ، وستره على معايبه ، وهذه محبة العوام قد تتغير بتغير الإحسان ، فإن زاد الإحسان زاد الحب ، وإن نقصه نقصه ، وأما محبة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال لأجل الإعظام ، والإجلال ، ومراعاة حق أخيه المسلم ، فهذه لا تتغير ؛ لأنها لله تعالى لا لأجل غرض دنيوي ، ويقال : المحبة هاهنا هي مجرد تمني الخير لأخيه المسلم فلا يعسر ذلك إلا على القلب السقيم غير المستقيم . وقال القاضي عياض : المراد من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . أن يحب لأخيه من الطاعات ، والمباحات ، وظاهره يقتضي التسوية ، وحقيقته التفضيل ؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل الناس ، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو من جملة المفضولين ، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ، ومظلمته ، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى الإنصاف من نفسه ، وقد روي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله : إن كنت تريد أن تكون الناس كلهم مثلك فما أديت لله الكريم نصحه ، فكيف وأنت تود أنهم دونك ، انتهى . قلت : المحبة في اللغة ميل القلب إلى الشيء لتصور كمال فيه بحيث يرغب فيما يقربه إليه من حبه يحبه فهو محبوب بكسر عين الفعل في المضارع . قال الشاعر : أحب أبا مروان من أجل تمرة واعلم بأن الرفق بالمرء أرفق قال الصغاني : وهذا شاذ ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر إلا ويشركه يفعل بالضم ، أو كان متعديا ما خلا هذا الحرف ، ويقال أيضا : أحبه فهو محبوب ، ومثله مزكوم ، ومجنون ، ومكزوز ، ومقرور ، ومسلول ، ومهموم ، ومزعوق ، ومضعوف ، ومبرور ، ومملوء ، ومضؤود ، ومأروض ، ومحزون ، ومحموم ، وموهون ، ومنبوت ، ومسعود ، وذلك أنهم يقولون في هذا كله قد فعل بغير ألف ، ثم بني مفعول على فعل ، وإلا فلا وجه له ، فإذا قالوا : افعله فهو كله بالألف . ( وأما الإعراب ) فقوله : لا يؤمن ، نفي ، وهي جملة من الفعل والفاعل ، والفاعل هو أحد كما ثبت في بعض نسخ البخاري : أو عبدكما ، وقع في إحدى روايتي مسلم ، والمعنى : لا يؤمن الإيمان الكامل ؛ لأن أصل الإيمان لا يزول بزوال ذلك ، أو التقدير : لا يكمل إيمان أحدكم . قوله : حتى هاهنا جارة لا عاطفة ، ولا ابتدائية ، وما بعدها خلاف ما قبلها ، وأن بعدها مضمرة ، ولهذا نصب يحب ولا يجوز رفعه هاهنا ؛ لأن عدم الإيمان ليس سببا للمحبة . قوله : لأخيه متعلق بقوله : يحب . قوله : ما يحب جملة في محل النصب ؛ لأنها مفعول يحب ، وقوله : لنفسه يتعلق به ، وكلمة ما موصولة ، والعائد محذوف ، أي : ما يحبه ، وفيه حذف تقديره : ما يحب من الخير لنفسه ، ويدل عليه ما رواه النسائي كما ذكرناه . فإن قلت : كيف يتصور أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وكيف يحصل ذلك المحبوب في محلين ، وهو محال ؟ قلت : تقدير الكلام : حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه . ( الأسئلة ، والأجوبة ) منها ما قيل : إذا كان المراد بالنفي كمال الإيمان يلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا ، وإن لم يأت ببقية الأركان ، وأجيب بأن هذا مبالغة كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة نحو : لا صلاة إلا بطهور . أو : هي مستلزمة لها ، أو يلزم ذلك لصدقه في الجملة ، وهو عند حصول سائر الأركان إذ لا عموم للمفهوم . ومنها ما قيل : من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ، ولم لم يذكره . وأجيب بأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه ، فيدخل تحت ذلك أو أن الشخص لا يبغض شيئا لنفسه فلا يحتاج إلى ذكره بالمحبة . ومنها ما قيل : إن قوله : لأخيه ليس له عموم ، فلا يتناول سائر المسلمين ، وأجيب بأن معنى قوله : لأخيه للمسلمين تعميما للحكم أو يكون التقدير : لأخيه من المسلمين ، فيتناول كل أخ مسلم .
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وقوله تعالى : إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الكلام فيه على وجوه الأول : أن باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كلام إضافي مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذا باب قول النبي عليه الصلاة والسلام ، وقوله : الدين مبتدأ ، والنصيحة خبره ، وهذا التركيب يفيد القصر والحصر لأن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يستفاد ذلك منهما ، فإن قلت : ما محل هذه الجملة ؟ قلت : النصب لأنه مقول القول واللام في لله صلة لأن الفصيح أن يقال : نصح له ، فإن قلت : لم ترك اللام في عامتهم ؟ قلت : لأنهم كالأتباع للأئمة لا استقلال لهم ، وإعادة اللام تدل على الاستقلال ، قوله : وقوله تعالى بالجر عطف على قوله : قول النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن الأعمال بالنيات وأنها لا تقبل إلا إذا كانت ابتغاء لوجه الله تعالى مع ترك الرياء والعمل على هذا الوجه من جملة النصيحة لله تعالى ، ومن جملة النصيحة لرسوله أيضا ، حيث أتى بعمله على وفق ما أمر به الرسول عليه السلام مجتنبا عما نهاه عنه ، ثم إن البخاري رحمه الله تعالى ختم كتاب الإيمان بهذا الحديث لأنه حديث عظيم جليل حفيل ، عليه مدار الإسلام ، كما قيل : إنه أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام فيكون هذا ربع الإسلام ، ومنهم من قال : يمكن أن يستخرج منه الدليل على جميع الأحكام . الثالث أنه ذكر هذا الحديث معلقا ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لأن راوي الحديث تميم الداري ، وأشهر طرقه فيه سهيل بن أبي صالح وليس من شرطه لأنه لم يخرج له في صحيحه وقد أخرج له مسلم والأربعة ، وروى عنه مالك ، ويحيى الأنصاري ، والثوري ، وابن عيينة ، وحماد بن سلمة ، وخلق كثير ، والأربعة ، وقال البخاري : سمعت عليا يعني ابن المديني يقول : كان سهيل بن أبي صالح مات له أخ فوجد عليه فنسي كثيرا من الأحاديث ، وقال يحيى بن معين : لا يحتج به ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وقال ابن عدي : وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار ، وقد روى عنه الأئمة ، وقال الحاكم : وقد روى مالك في شيوخه من أهل المدينة الناقد لهم ، ثم قال في أحاديثه بالعراق : إنه نسي الكثير منها وساء حفظه في آخر عمره ، وقد أكثر مسلم عنه في إخراجه في الشواهد مقرونا في أكثر رواته يحافظ لا يدافع فيسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ ، ولكن لما لم يكن عند البخاري من شرطه لم يأت فيه بصيغة الجزم ، ولا في معرض الاستدلال بل أدخله في التبويب ، فقال : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كذا فلم يترك ذكره لأنه عنده من الواهي بل ليفهم أنه اطلع عليه أن فيه علة منعته من إسناده ، وله من ذلك في كتابه كثير يقف عليه من له تمييز والله أعلم . الرابع أن هذا الحديث أخرجه مسلم ، حدثنا محمد بن عباد المكي ، ثنا سفيان ، عن سهيل ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن تميم الداري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : الدين النصيحة ، قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وليس لتميم الداري في صحيح مسلم غيره أخرجه في باب الإيمان ، وأخرجه أبو داود أيضا في الأدب عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن سهيل به ، وأخرجه النسائي في البيعة ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عن سفيان الثوري به ، وعن محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة به ، وأخرجه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب السياسة تأليفه ، حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي ، حدثنا ابن عيينة ، عن سهيل سمعت عطاء بن يزيد ، حدثنا تميم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة الدين النصيحة ، فقال رجل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولنبيه ، ولأئمة المؤمنين ، وعامتهم . الخامس أن حديث النصيحة روي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه قال البخاري في تاريخه : لا يصح إلا عن تميم ، ولهذا الاختلاف لم يخرجه في صحيحه ، وللحديث طرق دون هذه في القوة فمنها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس ، ومنها ما أخرجه البزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . السادس قوله : الدين النصيحة فيه حذف تقديره : عماد الدين وقوامه النصيحة ، كما يقال : الحج عرفة ، أي عماد الحج وقوامه وقوف عرفة ، والتقدير : معظم أركان الدين النصيحة كما يقال : الحج عرفة ، أي معظم أركان الحج وقوف عرفة ، وأصل النصيحة مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه بالمنصح ، وهي الإبرة ، والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه ، وقال المازري : النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط ، وفي المحكم : النصح نقيض الغش نصح له ، ونصحه ينصح نصحا أو نصوحا ونصاحة ، وفي الجامع : النصح بذل المودة والاجتهاد في المشورة ، وفي كتاب ابن طريف : نصح قلب الإنسان خلص من الغش ، وفي الصحاح : هو باللام أفصح ، وفي الغريبين : نصحته ، قال أبو زيد أي صدقته ، وقال الخطابي : النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ، ويقال : هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام ، وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة كما قالوا في الفلاح : ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى ما جمعت من خير الدنيا والآخرة ، أما النصيحة لله تعالى فمعناها يرجع إلى الإيمان به ، ونفي الشرك عنه ، وترك الإلحاد في صفاته ، ووصفه بصفات الجلال والكمال ، وتنزيهه تعالى عن النقائص والقيام بطاعته ، واجتناب معصيته وموالاة من أطاعه ، ومعاداة من عصاه ، والاعتراف بنعمته ، وشكره عليها ، والإخلاص في جميع الأمور ، قال : وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصيحة نفسه فإنه تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيهه بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من المخلوقات ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وإقامة حروفه في التلاوة والتصديق بما فيه وتفهم علومه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن ناسخه ومنسوخه وعمومه وخصوصه وسائر وجوهه ونشر علومه والدعاء إليه ، وأما النصيحة لرسوله عليه الصلاة والسلام فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أوامره ونواهيه ونصرته حيا وميتا ، وإعظام حقه وإحياء سنته والتلطف في تعلمها وتعليمها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ، وأما النصيحة للأئمة فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم برفق وترك الخروج عليهم بالسيف ونحوه والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم هذا على المشهور من أن المراد من الأئمة أصحاب الحكومة كالخلفاء والولاة وقد يؤول بعلماء الدين ونصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام ، وإحسان الظن بهم ، وأما نصيحة العامة فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم ، وكف الأذى عنهم ، وتعليم ما جهلوا ، وإعانتهم على البر والتقوى ، وستر عوراتهم ، والشفقة عليهم ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير . السابع في الحديث فوائد منها ما قيل : إن الدين يطلق على العمل لكونه سمى النصيحة دينا ، ومنها أن النصيحة فرض على الكفاية لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ، ويطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه ، فإن خشي فهو في سعة فيجب على من علم بالمبيع عيبا أن يبينه بائعا كان أو أجنبيا ، ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح ، ومنها أن النصيحة كما هي فرض للمذكورين فكذلك هي فرض لنفسه بأن ينصحها بامتثال الأوامر واجتناب المناهي . الثامن قوله تعالى : إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في سورة براءة ، وأول الآية : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الآية ، أكد الحديث المذكور بهذه الآية والمراد بالضعفاء الزمنى والهرمى والذين لا يجدون الفقراء والنصح لله ورسوله الإيمان بهما وطاعتهما في السر والعلن . 1- حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى ، عن إسماعيل قال : حدثني قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن المذكور فيه : والنصح لكل مسلم ، وفي الترجمة لعامة المسلمين ومراد البخاري من الترجمة وقوع الدين على العمل فإنه سمى النصيحة دينا ، وقال ابن بطال : مقصوده الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل ، وهو ظاهر العكس لأنه لما بايعه على الإسلام شرط عليه ، والنصح لكل مسلم ، فلو دخلت في الإسلام لما استأنف له بيعة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : مسدد بن مسرهد تقدم ، الثاني يحيى بن سعيد القطان تقدم ، الثالث إسماعيل بن أبي خالد البجلي التابعي تقدم ، الرابع قيس بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة واسمه عبد عوف ، ويقال : عوف بن عبد الحارث بن الحارث بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم أدرك الجاهلية ، وجاء ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق ووالده صحابي سمع خلقا من الصحابة منهم العشرة المشهود لهم بالجنة ، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره وقيل : لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف ، وعنه جماعة من التابعين وجلالته متفق عليها ، وهو أجود الناس إسنادا كما قاله أبو داود ، ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم أبوه ودكين بن سعيد والصنابح بن الأعسر ومرداس الأسلمي رضي الله تعالى عنهم مات سنة أربع ، وقيل : سبع وثمانين ، وقيل : سنة ثمان وتسعين روى له الجماعة ، الخامس جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الأحمسي أبو عبد الله أو أبو عمر ، نزل الكوفة ثم تحول إلى قرقيسيا ، وبها توفي سنة إحدى وخمسين ، وقيل غير ذلك ، له مائة حديث اتفقا منها على ثمانية ، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بستة ، كذا في شرح قطب الدين ، وفي شرح النووي له مائتا حديث انفرد البخاري بحديث ، وقيل : بستة ، ولعل صوابه : ومسلم بستة بدل وقيل : بستة ، وقال الكرماني في شرحه لجرير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث ذكر البخاري منها تسعة ، وهذا غلط صريح ، وكان قدومه على رسول الله عليه الصلاة والسلام سنة عشر في رمضان فبايعه وأسلم ، وقيل : أسلم قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بأربعين يوما ، وكان يصلي إلى سنام البعير كانت صنمه ذراعا ، واعتزل الفتنة ، وكان يدعى يوسف هذه الأمة لحسنه ، روى عنه بنوه عبد الله ، والمنذر ، وإبراهيم ، وابن ابنه أبو زرعة هرم ، روى له الجماعة ، وروى الطبراني في ترجمته أن غلامه اشترى له فرسا بثلاثمائة فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال : إن فرسك خير من ثلاثمائة فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة ، وقال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم ، وليس في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي إلا هذا ، ومنهم جرير بن عبد الله الحميري فقط ، وقيل : ابن عبد الحميد ، ومنهم جرير بن الأرقط ، وجرير بن أوس الطائي ، وقيل : جريم ، وأبو جرير يروي حديثا عن ابن أبي ليلى عنه . ( بيان الأنساب ) البجلي في كهلان بفتح الجيم ينسب إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك ، وهو مذحج كانت عند أنمار بن أراش بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان فولده منها ، وهم عبقر ، والغوث ، وجهينة ينسبون إليها منهم جرير بن عبد الله المذكور ، قال الرشاطي : جرير بن عبد الله بن جابر ، وهو الشليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عريف بن خزيمة بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قسر ، وهو مالك بن عبقر وهو ولد بجيلة ذكره أبو عمر ، ورفع نسبه غير أنه قال في خزيمة : جزيمة وفي علي : عدي ، وكلاهما وهم وتصحيف ، وكما ذكرناهما ذكره ابن الكلبي ، وابن حبيب ، وغيرهما ، وقال ابن دريد : اشتقاق البجيلة من الغلظ ، يقال : ثوب بجيل أي غليظ ، ورجل بجال أيضا إذا كان غليظا سمينا ، وكل شيء عظمته وغلظته فقد بجلته ، الأحمسي بالحاء المهملة في بجيلة أحمس بن الغوث ، والغوث هذا ابن لبجيلة كما ذكرنا من حمس الرجل إذا شجع ، وأيضا هاج وغضب ، وهو حمس وأحمس كرجل وأرجل وفي ربيعة أيضا أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار منهم المتلمس الشاعر ، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زيد بن دوقن بن حرب بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، وبصيغة الإفراد ، والعنعنة ، ولا يخفى الفرق بين الصيغتين ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون ما خلا مسددا ، ومنها أن ثلاثة منهم وهم إسماعيل وقيس وجرير مكنون بأبي عبد الله ، ومنها أن هؤلاء الثلاثة كلهم بجليون ومنها أن الاثنين منهم إسماعيل وقيس تابعيان . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا كما ترى وأخرجه أيضا في الصلاة عن أبي موسى ، عن يحيى ، وفي الزكاة عن محمد بن عبد الله ، عن أبيه وفي البيوع عن علي ، عن سفيان ، وفي الشروط عن مسدد أيضا ، عن يحيى ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن نمير ، وأبي أسامة ، عن يحيى به ، وأخرجه الترمذي في البيعة عن محمد بن بشار عن يحيى به . ( بيان اللغات والإعراب ) قوله : بايعت من المبايعة وهو عقد العهد وهو فعل وفاعل ، ورسول الله كلام إضافي مفعوله ، قوله : على إقام الصلاة أصله إقامة الصلاة وإنما جاز حذف التاء لأن المضاف إليه عوض عنها وقد مر تفسير إقامة الصلاة ، قوله : وإيتاء الزكاة أي إعطائها ، قوله : والنصح بالجر عطف على المجرور قبله . ( بيان المعاني ) قوله : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مبايعته عليه السلام لأصحابه في أوقات بحسب الحاجة إليها من تجديد عهد أو توكيد أمر ، فلذا اختلفت ألفاظها كما سيأتي ، وأخرجا من رواية الشعبي عن جرير رضي الله عنه قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم ، ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده وزاد فيه : فكان جرير إذا اشترى وباع يقول لصاحبه : اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر ، قوله : فيما استطعت روي بضم التاء وفتحها قاله قطب الدين في ( شرحه ) ثم قال : فعلى الرفع يحتاج جرير ينطق بها أي قل فيما استطعت وهو موافق لقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا والمقصود من هذه اللفظة التنبيه على أن المراد فيما استطعت من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق كما هو المشترط في أصل التكليف ، وفي قوله : لقنني دلالة على كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الخطابي : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة للمسلمين شرطا في الذي يبايع عليه كالصلاة والزكاة ، فلذلك تراه قرنها بهما ، فإن قلت : لم اقتصر عليهما ولم يذكر الصوم وغيره ؟ قلت : قال القاضي عياض : لدخول ذلك في السمع والطاعة يعني المذكور في الرواية الأخرى التي ذكرناها الآن ، وقال غيره : إنما اقتصر عليهما لأنهما أهم أركان الدين وأظهرها وهما العبادات البدنية والمالية .
2- حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة قال : سمعت جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة : قام فحمد الله وأثنى عليه وقال : عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له ، والوقار ، والسكينة حتى يأتيكم أمير فإنما يأتيكم الآن ، ثم قال : استعفوا لأميركم ، فإنه كان يحب العفو ، ثم قال : أما بعد ، فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت : أبايعك على الإسلام فشرط علي : والنصح لكل مسلم ، فبايعته على هذا ورب هذا المسجد إني لناصح لكم ، ثم استغفر ونزل . هذا الحديث يدل على بعض الترجمة المستلزم للبعض الآخر إذ النصح لأخيه المسلم لكونه مسلما إنما هو فرع الإيمان بالله ورسوله . ( بيان رجاله ) وهم أربعة الأول أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعارم بمهملتين ، وهو لقب رديء لأن العارم الشرير المفسد يقال : عرم يعرم عرامة بالفتح وصبي عارم أي شرير بين العرام بالضم ، وكان رحمه الله بعيدا منه لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر به ، سمع ابن المبارك ، وخلائق ، وروى عنه البخاري وغيره من الأعلام ، قال أبو حاتم : إذا حدثك عارم فاختم عليه ، وقال عبد الرحمن : سمعت أبي يقول : اختلط أبو النعمان في آخر عمره ، وزال عقله فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح ، وكتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة ومائتين ، وروى عنه مسلم بواسطة والأربعة كذلك ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين بالبصرة ، الثاني أبو عوانة بالفتح واسمه الوضاح اليشكري ، وقد تقدم الثالث زياد بن علاقة بكسر العين المهملة وبالقاف ابن مالك الثعلبي بالثاء المثلثة الكوفي أبو مالك سمع جريرا ، وعمه قطبة بن مالك ، وغيرهما من الصحابة ، وغيرهم ، وعنه جماعات من التابعين منهم الأعمش ، وكان يخضب بالسواد ، قال يحيى بن معين : ثقة مات سنة خمس وعشرين ومائة ، الرابع جرير رضي الله عنه . ( بيان الأنساب ) السدوسي بفتح السين الأولى نسبة إلى سدوس اسم قبيلة وقال الرشاطي : السدوسي في بكر بن وائل ، وفي تميم فالذي في بكر بن وائل سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل منهم من الصحابة قطبة بن قتادة ، والذي في تميم سدوس بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ، واعلم أن كل سدوسي في العرب بفتح السين إلا سدوس بن أصمع بن أبي بن عبيد بن ربيعة بن نصر بن سعد بن نبهان بن طي ، وقال ابن دريد : السدوس الطيلسان ، الثعلبي بالثاء المثلثة في غطفان ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، وفي أسد بن خزيمة ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ومنها أن رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي ومنها أنه من رباعيات البخاري . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا كما ترى وأخرجه في الشروط عن أبي نعيم عن الثوري ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن شيبة ، وزهير بن حرب ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة ، عن الثوري به ، وأخرجه النسائي في البيعة ، وفي السير عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقبري ، عن سفيان بن عيينة ، وفي الشروط عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن شعبة ، عنه نحوه . ( بيان اللغات ) قوله : والوقار بفتح الواو الرزانة والسكينة السكون ، وقال الجوهري : السكينة الوداع والوقار ، قوله : استعفوا من الاستعفاء وهو طلب العفو ، والمعنى اطلبوا له العفو من الله كذا هو في أكثر الروايات بالعين المهملة ، والواو في آخره ، وفي رواية ابن عساكر : استغفروا بغين معجمة وراء من الاستغفار ، وهي رواية الأصيلي في ( المستخرج ) . ( بيان الإعراب ) قوله : سمعت جملة من الفعل والفاعل وجرير بن عبد الله مفعوله ، وفيه تقدير لا يصح الكلام إلا به لأن جريرا ذات ، والمسموع هو الصوت ، والحروف ، وهو سمعت قول جرير بن عبد الله أو نحوه ، فلما حذف هذا وقع ما بعده تفسيرا له وهو قوله يقول ، ويوم نصب على الظرفية أضيف إلى الجملة أعني قوله مات المغيرة بن شعبة ، قوله : قام جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب ، قوله : فحمد الله عطف عليه أي عقيب قيامه حمد الله تعالى ، قوله : عليكم اسم من أسماء الأفعال معناه الزموا اتقاء الله ، قوله : وحده نصب على الحالية ، وإن كان معرفة لأنه مؤول إما بأنه في معنى واحدا ، وإما بأنه مصدر وحد يحد وحدا نحو وعد يعد وعدا ، قوله : لا شريك له جملة تؤكد معنى وحده ، قوله : والوقار بالجر عطف على باتقاء الله أي : وعليكم بالوقار والسكون ، قوله : حتى يأتيكم أمير كلمة حتى هذه للغاية ويأتيكم منصوب بأن المقدرة بعد حتى فإن قلت : هذا يقتضي أن لا يكون بعد إتيان الأمير الاتقاء والوقار ، والسكون لأن حكم ما بعد حتى التي للغاية خلاف ما قبل قلت ، قال الكرماني : لا نسلم أن حكمه خلاف ما قبله سلمنا لكنه غاية للأمر بالاتقاء لا للأمور الثلاثة أو غاية للوقار والسكون لا للاتقاء أو غاية للثلاثة ، وبعد الغاية يعني عند إتيان الأمير يلزم ذلك بالطريق الأولى ، وهذا مبني على قاعدة أصولية وهي أن شرط اعتبار مفهوم المخالفة فقدان مفهوم الموافقة وإذا اجتمعا يقدم المفهوم الموافق على المخالف ، قلت : مفهوم الموافقة ما كان حكم المسكوت عنه موافقا لحكم المنطوق به كمفهوم تحريم الضرب للوالدين من تنصيص تحريم التأفيف لهما ، ومفهوم المخالفة ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق كفهم نفي الزكاة عن العلوفة بتنصيصه صلى الله عليه وسلم على وجوب الزكاة في الغنم السائمة ، قوله : فإنما يأتيكم أي الأمير ، وكلمة إنما من أداة الحصر ، قوله : الآن نصب على الظرف ، قوله : فإنه الفاء فيه للتعليل ، وقوله : كان يحب العفو جملة في محل الرفع على أنها خبر إن ، قوله : أما بعد كلمة أما فيها معنى الشرط فلذلك كانت الفاء لازمة لها ، وبعد من الظروف الزمانية ، وكثيرا ما يحذف منه المضاف إليه ، ويبنى على الضم ويسمى غاية وهاهنا قد حذف فلذلك بني على الضم والأصل : أما بعد الحمد لله والثناء عليه أو التقدير : أما بعد كلامي هذا فإني أتيت ، قوله : قلت جملة من الفعل والفاعل بدل من قوله : أتيت فلذلك ترك العاطف حيث لم يقل ، وقلت : أو هي استئناف وقوله : فشرط علي بتشديد الياء في علي على الصحيح من الروايات ، والمفعول محذوف تقديره : فشرط علي الإسلام ، قوله : والنصح بالجر لأنه عطف على الإسلام أي وعلى النصح لكل مسلم ويجوز فيه النصب عطفا على مفعول شرط مقدر تقديره : وشرط النصح لكل مسلم ، قوله : علي هذا إشارة إلى المذكور من الإسلام والنصح كليهما ، قوله : ورب هذا المسجد الواو فيه للقسم وأشار به إلى مسجد الكوفة ، وقوله : إني لناصح جواب القسم وأكده بأن واللام والجملة الاسمية ، قوله : ونزل أي عن المنبر أو معناه قعد لأنه في مقابلة قام فافهم . ( بيان المعاني ) قوله : يوم مات المغيرة كانت وفاته سنة خمسين من الهجرة وكان واليا على الكوفة في خلافة معاوية ، واستناب عند موته ابنه عرفة ، وقيل : استناب جريرا المذكور ، ولهذا خطب الخطبة المذكورة ، قوله : فحمد الله أي أثنى عليه بالجميل ، وأثنى عليه أي ذكره بالخير ويحتمل أن يراد بالحمد وصفه متحليا بالكمالات وبالثناء وصفه متخليا عن النقائص ، فالأول إشارة إلى الصفات الوجودية ، والثاني إلى الصفات العدمية أي التنزيهات ، قوله : حتى يأتيكم أمير أي بدل هذا الأمير الذي مات ، وهو المغيرة ، فإن قلت : لم نصحهم بالحلم والسكون ؟ قلت : لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الفتنة والاضطراب بين الناس والهرج والمرج ، وأما ذكره الاتقاء فلأنه ملاك الأمر ، ورأس كل خير ، وأشار به إلى ما يتعلق بمصالح الدين وبالوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا ، قوله : فإنما يأتيكم الآن إما أن يراد به حقيقته فيكون ذلك الأمير جريرا بنفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرا على الكوفة عند موته على ما ذكرنا أو يريد به المدة القريبة من الآن ، فيكون ذلك الأمير زيادا إذ ولاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة قوله : استعفوا أي اسألوا الله تعالى لأميركم العفو فإنه كان يحب العفو عن ذنوب الناس إذ يعامل بالشخص كما هو يعامل بالناس ، وفي المثل السائر : كما تدين تدان ، وقيل : كما تكيل تكال ، وقال ابن بطال : جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه ، وما كان يحبه في حياته ، وكذلك يجزى كل أحد يوم القيامة بأحسن أخلاقه وأعماله ، قوله : ورب هذا المسجد يشعر بأن خطبته كانت في المسجد الحرام ، ويجوز أن تكون إشارة إلى جهة المسجد ، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ : ورب الكعبة ، ذكر ذلك للتنبيه على شرف المقسم به ليكون أدعى للقبول ، قوله : إني لناصح فيه إشارة إلى أنه وفى بما بايع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن كلامه صادق خالص عن الأغراض الفاسدة ، فإن قلت : النصح للكافر يصح بأن يدعى إلى الإسلام ويشار عليه بالصواب إذا استشار ، فلم قيده بقوله : لكل مسلم ، وبقوله : لكم ؟ قلت : هذا التقييد من حيث الأغلب فقط فافهم .
باب إطعام الطعام من الإسلام الكلام مثل الكلام فيما قبله في الإعراب وتركه ، وفي رواية الأصيلي من الإيمان موضع من الإسلام ، والتقدير : إطعام الطعام من شعب الإسلام أو الإيمان ، وذلك ؛ لأنه لما قال أولا باب أمور الإيمان ، وذكر فيه أن الإيمان له شعب ، ذكر عقيبه أبوابا كل باب منها يشتمل على شيء من الشعب ، وهذا الباب فيه شعبتان : الأولى : إطعام الطعام ، والثانية إقراء السلام مطلقا ، وبقيت المناسبة بين البابين ، وهي أن الباب الأول فيه أفضلية من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وقد ذكرنا أن المراد من الأفضلية الخيرية ، وأكثرية الثواب ، وهذا الباب فيه خيرية من يطعم الطعام ، ويقرأ السلام ، ولا شك أن المطعم في سلامة من لسانه المطعم ويده ؛ لأنه لم يطعمه إلا عن قصد خير له ، وكذلك المسلم عليه في سلامة من لسان المسلم ويده ؛ لأن معنى السلام عليك أنت سالم مني ومن جهتي . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : باب : أي الإسلام خير ، كما قال في الباب الأول : أي الإسلام أفضل ؟ قلت : لاختلاف المقام ؛ لأن أفضليته هناك راجعة إلى الفاعل ، والخيرية هاهنا راجعة إلى الفعل ، وهذا وجه ، وأحسن من الذي قاله الكرماني ، وهو أن الجواب هاهنا ، وهو تطعم الطعام صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإطعام من الإسلام بخلاف ما تقدم إذ ليس صريحا في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام ، انتهى . قلت : إذا كان من سلم المسلمون من لسانه ويده أفضل ذوي الإسلام فبالضرورة إطعام الطعام يكون بكون السلامة منه من الإسلام على أن الكناية أبلغ من التصريح فافهم . فإن قلت : هل فرق بين أفضل وبين خير . قلت : لا شك أنهما من باب التفضيل ، لكن الفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة ، والخير يعني النفع في مقابلة الشر ، والأول من الكمية ، والثاني من الكيفية ، وتعقبه بعضهم بقوله : الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة ، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا ، وكأنه بني على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل ، انتهى . قلت : الفرق تام بلا شك ؛ لأن الفضل في اللغة الزيادة ، ويقابله القلة ، والخير إيصال النفع ، ويقابله الشر ، والأشياء تتبين بضدها ، وفي العباب الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة ، وقال الخير ضد الشر ، وقوله : كأنه بنى على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل ليس موضع التشكيك ؛ لأن لفظة خير هاهنا أفعل التفضيل قطعا ؛ لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية ، وإنما السؤال عن وصف زائد ، وهو الأخيرية غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه ، فيقال : زيد خير من عمرو ، على معنى أخير منه ، ولهذا لا يثنى ، ولا يجمع ، ولا يؤنث . 1 - حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزءا منه فبوب عليه . فإن قلت : لم بوب على الجزء الأول ، ولم يقل : باب إقراء السلام على من عرف ، ومن لم يعرف من الإسلام . قلت : لا شك أن كون إطعام الطعام من الإسلام أقوى وآكد من كون إقراء السلام منه ، ولأن السلام لا يختلف بحال من الأحوال بخلاف الإطعام فإنه يختلف بحسب الأحوال ، فأدناه مستحب ، وأعلاه فرض ، وبينهما درجات أخر ، ولأن التبويب بالمقدم ، والمصدر أولى على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو الحسن عمرو ، بفتح العين بن خالد بن فروخ ، بفتح الفاء ، وتشديد الراء المضمومة ، وفي آخره خاء معجمة ابن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد بن عبد الله الحراني ، سكن مصر ، روى عن الليث بن سعد ، وعبيد الله بن عمر ، وغيرهما ، روى عنه الحسن بن محمد الصباح ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقال : صدوق ، وقال أحمد بن عبد الله : ثبت ثقة مصري ، انفرد البخاري بالرواية عنه دون أصحاب الكتب الخمسة ، وروى ابن ماجه عن رجل عنه ، توفي بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : الليث بن سعد المصري الإمام المشهور المتفق على جلالته ، وإمامته ، ويكنى بأبي الحارث مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، وأهل بيته يقولون : نحن من الفرس من أهل أصبهان ، والمشهور أنه فهمي ، وفهم من قيس غيلان ، ولد بقلقشندة قرية على نحو أربعة فراسخ من مصر ، روى عن جماعة كثيرين ، وروى عن أبي حنيفة ، وعده أصحابنا من أصحاب أبي حنيفة ، وكذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان ، وروى عنه خلق كثير ، وقال أحمد : ثقة ثبت ، وكان سريا نبيلا ، سخيا له ضيافة ، ولد في سنة أربع وتسعين ، ومات يوم الجمعة النصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة . الثالث : يزيد بن أبي حبيب ، واسم أبي حبيب سويد المصري ، أبو رجاء تابعي جليل سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة ، وخلقا من التابعين ، روى عنه سليمان التيمي ، وإبراهيم بن يزيد ، ويحيى بن أيوب ، وخلق كثير من أكابر مصر . قال ابن يونس : كان يفتي أهل مصر في زمانه ، وكان حليما عاقلا ، وهو أول من أظهر العلم بمصر ، والفقه ، والكلام بالحلال والحرام ، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون بالفتن والملاحم ، وكان أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الفتيا بمصر ، وعنه قال كان يزيد نوبيا من أهل دنقلة فابتاعه شريك بن الطفيل العامري فأعتقه ، ولد سنة ثلاث وخمسين ، وقال ابن سعد : مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة أيضا . الرابع : أبو الخير بالخاء المعجمة . مرثد ، بفتح الميم ، وسكون الراء ، وفتح الثاء المثلثة أبو عبد الله اليزني المصري ، روى عن عمرو بن العاص ، وسعيد بن زيد ، وأبي أيوب الأنصاري ، وغيرهم ، توفي سنة تسعين ، روى له الجماعة . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد تقدم . ( بيان الأنساب ) الحراني نسبة إلى حران ، بفتح الحاء ، وتشديد الراء المهملتين في آخره نون بعد الألف مدينة عظيمة قديمة تعد من ديار مصر ، واليوم خراب ، وقيل : هي مولد إبراهيم الخليل ، ويوسف ، وإخوته عليهم الصلاة والسلام . اليزني ، بفتح الياء آخر الحروف ، والزاي المعجمة ، بعدها نون نسبة إلى ذي يزن ، وهو عامر بن أسلم بن الحارث ابن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر ، وإليه تنسب الأسنة اليزنية ، وهو أول من عمل سنان حديد ، وإنما كانت أسنتهم صياصي البقر ، وقيل : يزن موضع . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ليس إلا ، ومنها أن رواته كلهم مصريون ، وهذا من الغرائب ؛ لأنه في غاية القلة ، ومنها أن رواته كلهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في باب الإيمان بعد هذا بأبواب عن قتيبة بن سعيد ، وفي الاستئذان أيضا في باب السلام للمعرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف ، كلهم قالوا : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد ، عن ابن عمرو رضي الله عنه . وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ، وابن رمح عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير عنه . وأخرجه النسائي في الإيمان ، وأبو داود في الأدب جميعا عن قتيبة به ، وابن ماجه في الأطعمة عن محمد بن رمح به . ( بيان الإعراب ) قوله : أن رجلا لم يعرف هذا من هو ، وقيل : أبو ذر . قوله : أي الإسلام خير مبتدأ وخبر ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : قال الضمير فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : تطعم في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير أن ، أي : هو أن تطعم ، فـإن مصدرية ، والتقدير ، هو إطعام الطعام ، وهذا نظير قولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، أي : أن تسمع ، أي : سماعك ، غير أن في هذا المؤول مبتدأ ، وفي الحديث المؤول خبر . قوله : وتقرأ بفتح التاء ، وضم الهمزة ؛ لأنه مضارع قرأ . قوله : السلام بالنصب مفعوله ، وقوله : على يتعلق بقوله : تقرأ ، وكلمة من موصولة ، وعرفت جملة صلتها ، والعائد محذوف ، والتقدير : عرفته ، وقوله : ومن لم تعرف عطف على من عرفت ، وهذه الجملة نظير الجملة السابقة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها أن فيه حثا على إطعام الطعام الذي هو أمارة الجود والسخاء ، ومكارم الأخلاق ، وفيه نفع للمحتاجين ، وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها أن فيه إفشاء السلام الذي يدل على خفض الجناح للمسلمين ، والتواضع ، والحث على تألف قلوبهم ، واجتماع كلمتهم ، وتواددهم ، ومحبتهم . ومنها الإشارة إلى تعميم السلام ، وهو أن لا يخص به أحدا دون أحد كما يفعله الجبابرة ؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة ، وهم متساوون في رعاية الإخوة ، ثم هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تبدءوا اليهود ، ولا النصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه . رواه البخاري ، وكذلك خص منه الفاسق بدليل آخر ، وأما من يشك فيه فالأصل فيه البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص ، ويمكن أن يقال : إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ، ثم ورد النهي . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم قال : تطعم الطعام ، ولم يقل : تؤكل ونحوه من الألفاظ الدالة عليه ، وأجيب بأن لفظة : الإطعام عام يتناول الأكل والشرب ، والذوق . قال الشاعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا فإنه عطف البرد الذي هو النوم على النقاخ ، بضم النون ، وبالقاف والخاء المعجمة ، الذي هو الماء العذب ، وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي : ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، وبعمومه يتناول الضيافة ، وسائر الولائم ، وإطعام الفقراء وغيرهم ، ومنها ما قيل : إن باب أطعمت يقتضي مفعولين ، يقال : أطعمته الطعام ، فما المفعول الثاني هنا ، ولم حذفه ، وأجيب بأن التقدير أن تطعم الخلق الطعام ، وحذف ليدل على التعميم إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد ، سواء كان المطعم مسلما أو كافرا أو حيوانا ، ونفس الإطعام أيضا سواء كان فرضا أو سنة أو مستحبا . ومنها ما قيل : لم قال : وتقرأ السلام ، ولم يقل : وتسلم . أجيب بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن بالسلام . قال أبو حاتم السجستاني : تقول : اقرأ عليه السلام ، وأقرئه الكتاب ، ولا تقول : أقرئوه السلام إلا في لغة إلا أن يكون مكتوبا ، فتقول : أقرئه السلام ، أي : اجعله يقرؤه ، وفيه إشارة أيضا إلى أن تحية المسلمين بلفظ السلام ، وزيدت لفظة القراءة تنبيها على تخصيص هذه اللفظة في التحيات مخالفة لتحايا أهل الجاهلية بألفاظ ، وضعوها لذلك . ومنها ما قيل : لم خص هاتين الخصلتين في هذا الحديث ؟ وأجيب بأن المكارم لها نوعان : أحدهما : مالية ، أشار إليها بقوله : تطعم الطعام ، والآخر : بدنية ، أشار إليها بقوله : وتقرأ السلام . ويقال : وجه تخصيص هاتين الخصلتين وهو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد ، ولمصلحة التأليف ، ويدل على ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث عليهما أول ما دخل المدينة . كما رواه الترمذي مصححا من حديث عبد الله بن سلام ، قال : أول ما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت ممن جاءه ، فلما تأملت وجهه ، واشتبهته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب . قال : وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال : أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام . وقال الخطابي : جعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان ، ثم جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص من عرف ومن لم يعرف حتى يكون خالصا لله تعالى ، بريئا من حظ النفس ، والتصنع ؛ لأنه شعار الإسلام ، فحق كل مسلم فيه شائع . ورد في حديث : إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون . ومنها ما قيل : جاء في الجواب هاهنا أن الخير أن تطعم الطعام ، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون فما وجه التوفيق بينهما ، أجيب بأن الجوابين كانا في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس ، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ، ولسانه ، وإيذاء المسلمين ، ومن الثاني : إمساك من الطعام ، وتكبر فأجابهما على حسب حالهما ، أو علم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك ، والثاني عن خير الأفعال ، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار ، والثاني عما يجلب المسار ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد ، والسلام لسلامة اللسان . قلت : ينبغي أن يقيد هذا بالغالب أو في العادة فافهم .
باب أي الإسلام أفضل يجوز في باب التنوين ، وتركه للإضافة إلى ما بعده ، وعلى كل التقدير ، أي : بالرفع لا غير ، وفي الوجهين ، هو خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب ، ويجوز التسكين فيه من غير إعراب ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالتركيب ، والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن كليهما في بيان وصف خاص من أوصاف المسلم ، وذكر جزء الحديث لأجل التبويب . 1 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله ، أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . الحديث مطابق للترجمة فإنه أخذ جزءا منه ، وبوب عليه . ( بيان رجاله ) : وهم خمسة : الأول : سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي ، يكنى بأبي عثمان ، وهو شيخ الجماعة ما خلا ابن ماجه ، وروى عنه عبد الله بن أحمد ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وإبراهيم الحربي ، والبغوي ، وخلق كثير ، توفي سنة تسع ، وأربعين ومائتين . قال أبو حاتم : صدوق ، وقال النسائي ، ويعقوب بن سفيان : سعيد وأبوه يحيى ثقتان ، وقال علي بن المديني : هو أثبت من أبيه ، وقال صالح بن محمد ، هو ثقة ، إلا أنه كان يغلط ، والعاصي قتل يوم بدر كافرا ، وأبان أخوه عمرو الأشدق . الثاني : أبوه يحيى بن سعيد المذكور ، سمع يحيى الأنصاري ، وهشام بن عروة ، ويزيد ، وآخرين . قال ابن معين : هو من أهل الصدق ، وليس به بأس ، وقال يعقوب بن سفيان : ثقة ، توفي سنة أربع وسبعين ومائة بعد أن بلغ الثمانين ، روى له الجماعة ، ويحيى بن سعيد في الكتب الستة أربعة : الأول : هذا ، والثاني : يحيى بن سعيد التيمي ، والثالث : يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري ، والرابع : يحيى سعيد بن فروخ القطان . الثالث : أبو بردة ، بضم الباء الموحدة ، وسكون الراء ، واسمه بريد ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي ، يروي عن أبيه ، وجده ، والحسن ، وعطاء ، وعنه ابن المبارك ، وغيره من الأعلام ، وثقه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ليس بالمتقن يكتب حديثه ، وقال النسائي : ليس بذلك القوي ، وقال أحمد بن عبد الله : كوفي ثقة ، روى له الجماعة ، وليس في الكتب الستة بريد غير هذا ، وفي الأربعة بريد ابن أبي مريم مالك ، وفي مسند علي النسائي بريد بن أصرم مجهول كما قال البخاري ، وليس في الصحابة من اسمه بريد ، ويشتبه بريد بأربعة أشياء ، وهم يزيد ، وبريد ، وبزيد ، وتريد . الرابع : أبو بردة . بضم الباء الموحدة مثل الأول ، وهو جد أبي بردة بريد ، وافقه في كنيته لا في اسمه ، فإن اسم الأول : بريد كما قلنا ، واسم جده هذا عامر ، وقيل : الحارث سمع أباه ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وابن سلام ، وعائشة ، وغيرهم روى عنه عمر بن عبد العزيز ، والشعبي ، وبنوه أبو بكر ، وعبد الله ، وسعيد ، وبلال ، وابن ابنه بريد بن عبد الله . قال أبو نعيم : ولي أبو بردة قضاء الكوفة بعد شريح . قال الواقدي : توفي بالكوفة سنة ثلاث ومائة ، وقال ابن سعيد قيل : إنه توفي هو والشعبي في جمعة ، وكان ثقة كثير الحديث ، روى له الجماعة ، وفي الصحابة : أبو بردة سبعة ، منهم : ابن نيار البلوي هاني أو الحارث أو مالك . وفي الرواة ، هو أبو بردة بريد المذكور . الخامس : أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليمان ، بضم السين بن حضار ، بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الضاد المعجمة ، وقيل : بكسر الحاء ، وتخفيف الضاد الأشعري الصحابي الكبير ، استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على زبيد ، وعدن ، وساحل اليمن ، واستعمله عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة ، والبصرة ، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن ، وخطبة عمر بالجابية ، وقدم دمشق على معاوية ، له ثلاثمائة وستون حديثا ، اتفقا منها على خمسين ، وانفرد البخاري بأربعة ، ومسلم بخمسة عشر ، روى عنه أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وخلق من التابعين ، وبنوه أبو بردة ، وأبو بكر ، وإبراهيم ، وموسى ، مات بمكة أو بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين سنة ، وكان من علماء الصحابة ، ومفتيهم وأبو موسى في الصحابة أربعة : هذا ، والأنصاري ، والغافقي مالك بن عبادة أو ابن عبد الله ، وأبو موسى الحكمي ، وفي الرواة أبو موسى جماعة منهم في سنن أبي داود ، اثنان ، وآخر في سنن النسائي ، والله أعلم . ( بيان الأنساب ) القرشي نسبة إلى قريش ، وهو فهر بن مالك ، وقد ذكرناه ، والأموي بضم الهمزة نسبة إلى أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، وأمية تصغير أمة ، والنسبة إليه أموي بالضم . قال ابن دريد : ومن فتحها فقد أخطأ ، وكان الأصل فيه أن يقال أميي بأربع ياءات ، لكن حذفت الياء الزائدة للاستثقال كما تحذف من سليم وثقيف عند النسبة ، وقلبت الياء الأولى واوا كراهة اجتماع الياءات مع الكسرتين ، وحكى سيبويه قال : زعم يونس أن ناسا من العرب يقولون أميي فلا يغيرون ، وسمعنا من العرب من يقول أموي بالفتح ، وأمية أيضا بطن من الأنصار ، وهو أمية بن زيد بن مالك ، وفي قضاعة ، وهو أمية بن عصبة ، وفي طيئ ، وهو أمية بن عدي بن كنانة . والأشعري نسبة إلى الأشعر ، وهو نبت بن أدد ، وقيل : له الأشعر ؛ لأن أمه ولدته أشعر ، منهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المشاهير أبو موسى الأشعري رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن إسناده كلهم كوفيون ، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة فقط ، ومنها أنه ذكر في سعيد بن يحيى شيخه القرشي ، ولم يقل : الأموي مع كون الأموي أشهر في نسبته نظرا إلى النسبة الأعمية . ومنها أن فيه راويان متفقان في الكنية أحدهما أبو بردة بريد ، والآخر أبو بردة عامر أو الحارث كما ذكرنا ، وهو شيخ الأول وجده . ( بيان من أخرجه غيره ) هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه بلفظه ، وأخرجه أيضا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن أبي أسامة ، عن أبي بردة ، وفيه ، أي : المسلمين أفضل ؟ وأخرجه في الإيمان ، وكذا أخرجه النسائي فيه ، وأخرجه الترمذي في الزهد . ( بيان الإعراب ) . قوله : أي الإسلام ؟ كلام إضافي مبتدأ ، وقوله أفضل خبره ، وأي هاهنا للاستفهام ، وقد علم أن أقسامه على خمسة أوجه . شرط نحو : أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى . أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على . وموصول نحو لننزعن من كل شيعة أيهم أشد . التقدير : لننزعن الذي هو أشد ، وصفة للنكرة نحو زيد رجل أي رجل ، أي : كامل في صفات الرجال ، وحال للمعرفة كقولك مررت بعبد الله أي رجل . ووصلة إلى ما فيه أل نحو : يا أيها الرجل . والخامس : الاستفهام نحو : أيكم زادته هذه إيمانا . فبأي حديث بعده يؤمنون . ومنه الحديث ، فإن قيل : شرط أن تدخل على متعدد ، وهاهنا دخلت على مفرد ؛ لأن نفس الإسلام لا تعدد فيه . قلت فيه حذف تقديره : أي أصحاب الإسلام أفضل ، ويؤيد هذا التقدير رواية مسلم : أي المسلمين أفضل ؟ وقد قدر الشيخ قطب الدين ، والكرماني في ( شرحيهما ) ، أي : خصال الإسلام أفضل ، وهذا غير موجه ؛ لأن الاستفهام عن الأفضلية في المسلمين ، لا عن خصال الإسلام بدليل رواية مسلم ، ولأن في تقديرهما لا يقع الجواب مطابقا للسؤال . فإن قيل : أفضل أفعل التفضيل ، وقد علم أنه لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة ، وهي الإضافة ، ومن ، واللام . قلت : قد يجرد من ذلك كله عند العلم به كما في قوله تعالى : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى أي : أخفى من السر ، وقولك : الله أكبر ، أي : أكبر من كل شيء ، والتقدير هاهنا : أفضل من غيره ، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا عند الله تعالى ، كما تقول : الصدق أفضل من غيره ، أي : هو أكثر ثوابا عند الله تعالى من غيره . قوله : من سلم إلى آخره مقول القول . فإن قلت : مقول القول يكون جملة ؟ قلت : ، هو أيضا جملة ؛ لأن تقدير الكلام : هو من سلم إلى آخره ، فالمبتدأ محذوف ، ومن موصولة ، وسلم المسلمون من لسانه ويده صلتها ، وفيه العائد . ( بيان المعاني وغيره ) فيه وقوع المبتدأ والخبر معرفتين الدال على الحصر ، وهو على ثلاثة أقسام : عقلي كالعدد للزوجية ، والفردية ، ووقوعي كحصر الكلمة على ثلاثة أقسام ، وجعلي كحصر الكتاب على مقدمة ، ومقالات أو كتب أو أبواب وخاتمة ، ويسمى هذا ادعائيا أيضا . والحديث من هذا القسم . قوله : قال فاعله أبو موسى الأشعري . قوله : قالوا فاعله جماعة معهودون ، ووقع في رواية مسلم ، والحسن بن سفيان ، وأبي يعلى في ( مسنديهما ) عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري بإسناده المذكور بلفظ : قلنا ، ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد القباني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى المذكور بلفظ قلت ، فتعين من هذا أن السائل هو أبو موسى وحده ، ومن رواية مسلم أن أبا موسى أحد السائلين ، ولا تنافي بين هذه الروايات ؛ لأن في رواية البخاري أخبر عن جماعة ، هو داخل فيهم ، وفي رواية مسلم صرح بأنه أحد الجماعة السائلين . فإن قلت : : بين رواية : قالوا ، وبين رواية : قلت منافاة ؟ قلت : لا ، لإمكان التعدد ، فمرة كان السؤال منهم ، فحكى سؤالهم ، ومرة كان منه فحكى سؤال نفسه ، وقد سأل هذا السؤال أيضا اثنان من الصحابة : أحدهما أبو ذر ، حديثه عند ابن حبان ، والآخر عمير بن قتادة ، حديثه عند الطبراني . قوله : من سلم قد ذكرنا أنه جواب . قال الكرماني : فإن قلت : سألوا عن الإسلام ، أي : الخصلة ، فأجاب بمن سلم ، أي : ذي الخصلة حيث قال : من سلم ، ولم يقل : هو سلامة المسلمين من لسانه ويده ، فكيف يكون الجواب مطابقا للسؤال ؟ قلت : هو جواب مطابق ، وزيادة من حيث المعنى ؛ إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة ، وذلك نحو قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ أو أطلق الإسلام وأراد الصفة ، كما يقال العدل ، ويراد العادل ، فكأنه قال : أي المسلمين خير ؟ كما في بعض الروايات : أي المسلمين خير ؟ قلت : هذا التعسف كله لأجل تقديره ، أي : خصال الإسلام أفضل ، ولو قدر بما قدرناه لاستغنى عن هذا السؤال ، والجواب فافهم .
قال أبو عبد الله ، وقال أبو معاوية : حدثنا داود عن عامر ، قال : سمعت عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عبد الأعلى : عن داود ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذان تعليقان رجالهما خمسة : الأول : أبو معاوية محمد بن خازم بالخاء ، والزاي المعجمة الضرير الكوفي التميمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم ، يقال : عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان ، روى عن الأعمش وغيره ، وعنه أحمد وإسحاق ، وهو ثبت في الأعمش ، وكان مرجئا ، مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائة ، وفي الرواة أيضا أبو معاوية النخعي عمر ، وأبو معاوية شيبان . الثاني : داود بن أبي هند دينار مولى امرأة من قشير ، ويقال : مولى عبد الله عامر بن كريز أحد الأعلام الثقات ، بصري رأى أنسا ، وسمع الشعبي ، وغيره من التابعين ، وعنه شعبة والقطان ، له نحو مائتي حديث ، وكان حافظا صواما دهره قانتا لله ، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة ، روى له الجماعة ، والبخاري استشهد به هنا خاصة ، وليس له في صحيحه ذكر إلا هنا . الثالث : عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة من بني سامة بن لؤي بن غالب القرشي البصري ، روى عن الجريري وغيره ، وعنه بندار ، وهو ثقة قدري ، لكنه غير داعية ، مات في شعبان سنة تسع ، وثمانين ومائة ، وفي الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة ، هذا وفي ابن ماجه آخر واه ، وآخر كذلك ، وآخر صدوق ، وفي النسائي آخر ثقة ، وفيه وفي الترمذي آخر ثقة ، وفي الأربعة آخران ضعفهما أحمد فالجملة تسعة ، وفي الضعفاء سبعة أخرى . الرابع : عامر ، هو الشعبي المذكور عن قريب . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد مر آنفا ، وأراد بالتعليق الأول بيان سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو ؛ لأن وهيب بن خالد ، روى عن داود ، عن رجل ، عن الشعبي ، عن عبيد الله بن عمرو ، وحكاه ابن منده فأخرج البخاري هذا التعليق لينبه به على سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله بن عمرو ، ثم لقيه فسمعه منه . وأخرج هذا التعليق إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي معاوية موصولا ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، فقال : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر ، حدثنا محمد بن العلاء بن كريب ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، ورب هذه البنية لسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : المهاجر من هجر السيئات ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ، ويده ، وأراد بالتعليق الثاني : التنبيه على أن عبد الله الذي أبهم في رواية عبد الأعلى ، هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية أبي معاوية ، وقال قطب الدين في شرحه : هذا من تعليقات البخاري ؛ لأن البخاري لم يلحق أبا معاوية ، ولا عبد الأعلى ، والحديث المعلق عند أهل الحديث هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ، وقد أكثر البخاري في صحيحه ، ولم يستعمله مسلم إلا قليلا . قال أبو عمرو بن الصلاح فيما جاء بصيغة الجزم ، كقال ، وحدث ، وذكر ، دون ما جاء بغير صيغته كيروى ، ويذكر ، وإنما كان ذلك ؛ لأن صاحبي ( الصحيحين ) ترجما كتابهما بالصحيح من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا أنه عندهما مسند متصل صحيح لم يستجيز أن يدخلا في كتابيهما : قوله : قال أبو عبد الله ، هو البخاري نفسه ؛ لأن أبا عبد الله كنيته . قوله : حدثنا داود عن عامر ، وفي رواية ابن عساكر : حدثنا داود ، هو ابن أبي هند . قوله في حديث ابن حبان : والمسلم من سلم الناس يتناول المسلمين ، وأهل الذمة ، وقال بعضهم : والمراد بالناس هنا المسلمون كما في الحديث الموصول ، فهم الناس حقيقة ، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط ، وهو إلا بحق ، وإرادة هذه الشرط متعينة على كل حال . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : قوله : فهم الناس حقيقة يدل على أن غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة ، وليس كذلك بل الناس يكون من الإنس ، ومن الجن قاله في ( العباب ) ، والثاني : قوله : ويمكن حمله استعمال الإمكان هاهنا غير سديد ، بل هو عام قطعا . والثالث : تخصيصه الشرط المذكور بهذا الحديث غير موجه ، بل هذا الشرط مراعى هاهنا ، وفي الحديث الموصول : فبهذا الشرط يخرج عن العموم في حق الأذى بالحق ، وأما في حق المسلم والذمي فعلى عمومه فافهم .
باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده أي : هذا باب ، فالمبتدأ محذوف ، ويجوز ترك التنوين بالإضافة إلى ما بعده من الجملة ، ويجوز الوقف على السكون ، وليس في رواية الأصيلي باب . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأنه ذكر في الباب السابق أن الإيمان له شعب ، وهذا الباب فيه بيان شعبتين من هذه الشعب ، وهما : سلامة المسلمين من لسان المسلم ويده ، والمهاجر من هجر المنهيات 1 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر ، وإسماعيل ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . أوصل بهذا ما علقه أولا ، وإنما علقه لأجل التبويب . فإن قلت : لم لم يبوب على الجملة الأخيرة من الحديث . قلت : لأن في صدر الحديث لفظة المسلم ، والكتاب الذي يحوي هذه الأبواب كلها من أمور الإيمان ، والإسلام . فإن قلت : هجر المنهيات أيضا من أمور الإسلام ؟ قلت : بلى ، ولكنه في تبويبه بصدر الحديث اعتناء بذكر لفظ فيه مادة من الإسلام . ( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : أبو الحسن آدم بن أبي إياس بكسر الهمزة ، وتخفيف الياء آخر الحروف ، في آخره سين مهملة ، واسم أبي إياس عبد الرحمن ، وقيل : ناهية بالنون ، وبين الهاءين ياء آخر الحروف خفيفة ، أصله من خراسان ، نشأ ببغداد ، وكتب عن شيوخها ، ثم رحل إلى الكوفة ، والبصرة ، والحجاز ، ومصر ، والشام ، واستوطن عسقلان ، وتوفي بها سنة عشرين ومائتين . قال أبو حاتم : هو ثقة مأمون ، متعبد من خيار عباد الله تعالى ، وكان وراقا ، وكان عمره حين مات ثمانيا وثمانين سنة ، وقيل : نيفا وتسعين سنة ، وليس في كتب الحديث آدم بن أبي إياس غير هذا ، وفي مسلم ، والترمذي ، والنسائي : آدم بن سليمان الكوفي . وفي البخاري ، والنسائي : آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا فحسب . وفي الرواة : آدم بن عيينة أخو سفيان ، لا يحتج به ، وآدم بن فايد ، عن عمرو بن شعيب مجهول . الثاني : شعبة غير منصرف ، ابن الحجاج بن الورد ، أبو بسطام الأزدي مولاهم الواسطي ، ثم انتقل إلى البصرة ، وأجمعوا على إمامته ، وجلالة قدره . قال سفيان الثوري : شعبة أمير المؤمنين في الحديث ، وقال أحمد كان أمة وحده في هذا الشأن ، مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة ، وكان ألثغ ، وليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره ، وفي النسائي شعبة بن دينار الكوفي صدوق ، وفي أبي داود شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوي ، وفي الضعفاء شعبة بن عمرو ، ويروي عن أنس . قال البخاري : أحاديثه مناكير ، وفي الصحابة شعبة بن التوأم ، وهو من الأفراد ، والظاهر أنه تابعي . الثالث : عبد الله بن أبي السفر ، بفتح الفاء ، وحكى إسكانها ، واسم أبي السفر سعيد بن يحمد بضم الياء ، وفتح الميم كذا ضبطه النووي ، وقال الغساني : بضم الياء ، وكسر الميم ، ويقال أحمد الثوري الهمداني الكوفي ، مات في خلافة مروان بن محمد ، روى له الجماعة . واعلم أن السفر كله بإسكان الفاء في الاسم ، وتحريكها في الكنية ، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله المذكور كما مضى . الرابع : إسماعيل بن أبي خالد هرمز ، وقيل : سعد ، وقيل : كثير البجلي الأحمسي مولاهم الكوفي سمع خلقا من الصحابة ، منهم : أنس بن مالك ، وجماعة من التابعين ، وعنه الثوري ، وغيره من الأعلام ، وكان عالما متقنا صالحا ثقة ، وكان يسمى الميزان ، وكان طحانا ، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين ومائة . الخامس : الشعبي ، بفتح الشين المعجمة ، وسكون العين المهملة ، بعدها الباء الموحدة ، هو أبو عمرو عامر بن شراحيل ، وقيل : ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي التابعي الجليل الثقة ، روى عن خلق من الصحابة ، منهم : ابن عمر ، وسعد ، وسعيد . روي عنه أنه قال : أدركت خمسمائة صحابي . قال أحمد بن عبد الله : ومرسله صحيح ، روى عنه قتادة ، وخلق من التابعين ، ولي قضاء الكوفة ، وولد لست سنين مضت من خلافة عثمان ، ومات بعد المائة ، إما سنة ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ، وهو ابن نيف وثمانين سنة ، وكان مزاحا ، وأمه من سبي جلولا ، وهي قريبة بناحية فارس . السادس : عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد ، بضم السين ، وفتح العين ابن سهم بن عمرو بن هصيص ، بضم الهاء ، وبصادين مهملتين ابن كعب بن لؤي بن غالب أبو محمد أو عبد الرحمن أو أبو نصير ، بضم النون القرشي السهمي ، الزاهد العابد ، الصحابي ابن الصحابي ، وأمه ريطة بنت منيه بن الحجاج ، أسلم قبل أبيه ، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : إحدى عشرة ، وكان غزير العلم مجتهدا في العبادة ، وكان أكثر حديثا من أبي هريرة ؛ لأنه كان يكتب ، وأبو هريرة لا يكتب ، ومع ذلك فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما روي لأبي هريرة ، روي له سبعمائة حديث اتفقا منها على سبعة عشر ، وانفرد البخاري بثمانية ، ومسلم بعشرين ، مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة من سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين ، أو اثنتين أو ثلاث وسبعين عن اثنتين وسبعين سنة ، وفي الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر ، عدتهم ثمانية عشر نفسا ، وعمرو يكتب بالواو ؛ ليتميز عن عمر ، وهذا في غير النصب ، وأما في النصب فيتميز بالألف . ( بيان الأنساب ) الأزدي في كهلان ينسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، يقال له : الأزد بالزاي ، والأسد بالسين ، والواسطي نسبة إلى واسط ، مدينة اختطها الحجاج بن يوسف بين الكوفة والبصرة في أرض ، كسكر ، وهي نصفان على شاطئ دجلة ، وبينهما جسر من سفن ، وسميت واسط ؛ لأن منها إلى البصرة خمسين فرسخا ، ومنها إلى الكوفة خمسين فرسخا ، وإلى الأهواز خمسين فرسخا ، وإلى بغداد خمسين فرسخا ، والبجلي ، بضم الباء والجيم في كهلان ينسب إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك ، وهو مذحج ، والشعبي نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم ، وبالدال المهملة ، ويقال ، هو من حمير ، وعداده في همدان ، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمر ، والحميري هو ولده ، ودفن به ، وقال الهمداني الشعب الأصغر بطن منهم : عامر بن شراحيل . قال : والشعب الأصفر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان ، وقال الجوهري : شعب جبل باليمن ، وهو ذو شعبتين ، نزله حسان بن عمرو الحميري وولده ، فنسبوا إليه ، وأن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم : شعبيون ، منهم : عامر الشعبي ، ومن كان منهم بالشام قيل لهم : شعبيون ، ومن كان منهم باليمن يقال لهم : آل ذي شعبين ، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم : الأشعوب . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن هذا الإسناد كله على شرط الستة إلا آدم فإنه ليس من شرط مسلم ، وأبي داود . ومنها أن شعبة فيه يروي عن اثنين : أحدهما :عبد الله بن أبي السفر ، والآخر : إسماعيل بن أبي خالد ، وكلاهما يرويانه عن الشعبي ، ولهذا إسماعيل ، بفتح اللام عطفا على عبد الله ، وهو مجرور ، وإسماعيل أيضا مجرور جر ما لا ينصرف بالفتحة كما عرف في موضعه ، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة . ( بيان من أخرجه غيره ) هذا الحديث انفرد البخاري بجملته عن مسلم ، وأخرجه أيضا في الرقاق عن أبي نعيم ، عن زكريا عن عامر ، وأخرج مسلم بعضه في صحيحه عن جابر مرفوعا : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ، ويده مقتصرا عليه ، وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمر أيضا إن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أي المسلمون خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وزاد ابن حبان ، والحاكم في ( المستدرك ) من حديث أنس صحيحا : والمؤمن من أمنه الناس . وأخرج أبو داود ، والنسائي أيضا مثل البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ، إلا أن لفظ النسائي : من هجر ما حرم الله عليه . ( بيان اللغات ) قوله : من يده . اليد هي اسم للجارحة ، ولكن المراد منها أعم من أن تكون يدا حقيقية أو يدا معنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق ؛ فإنه أيضا إيذاء لكن لا باليد الحقيقية . قوله : المهاجر هو الذي فارق عشيرته ، ووطنه . قوله : من هجر ، أي : ترك من هجره يهجره بالضم هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة ، وفي ( العباب ) الهجرة ضد الوصل ، والتركيب يدل على قطع ، وقطيعة ، والمهاجر مفاعل منه . قيل : لأنه لما انقطعت الهجرة ، وفضلها حزن على فواتها من لم يدركها ، فأعلمهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن المهاجر على الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه ، وقيل : بل أعلم المهاجرين لئلا يتكلوا على الهجرة . فإن قلت : المهاجر من باب المفاعلة ، وهي تقتضي الاشتراك بين الاثنين . قلت : المهاجر بمعنى الهاجر كالمسافر بمعنى السافر ، والمنازع بمعنى النازع ؛ لأن باب فاعل قد يأتي بمعنى فعل . ( بيان الإعراب ) . قوله : المسلم مبتدأ ، وخبره قوله : من سلم المسلمون ، ويجوز أن يكون من سلم خبر مبتدأ محذوف ، فالجملة خبر المبتدأ الأول ، والتقدير : المسلم هو من سلم ، فمن موصولة ، وسلم المسلمون صلتها ، وقوله : من لسانه متعلق بقوله سلم . قوله : والمهاجر عطف على قوله : المسلم ، ومن أيضا في من هجر موصولة ، وما نهى الله عنه جملة في محل النصب ؛ لأنها مفعول هجر ، وكلمة ما موصولة ، ونهى الله عنها صلتها . ( بيان المعاني ) . قوله : المسلم من سلم إلى آخره ظاهره يدل على الحصر لوقوع جزئي الجملة معرفتين ، ولكن هذا من قبيل قولهم : زيد الرجل ، أي : زيد الكامل في الرجولية ، فيكون التقدير : المسلم الكامل من سلم إلى آخره ، وقال القاضي عياض وغيره : المراد الكامل الإسلام ، والجامع لخصاله ما لم يؤذ مسلما بقول ، ولا فعل ، وهذا من جامع كلامه عليه الصلاة والسلام ، وفصيحه كما يقال : المال الإبل ، والناس العرب على التفضيل لا على الحصر ، وقد بين البخاري ما يبين هذا التأويل ، وهو قول السائل : أي الإسلام خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وقال الخطابي : معناه أن المسلم الممدوح من كان هذا وصفه ، وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس منه ممن دخل في عقد الإسلام فليس ذلك بمسلم ، وكان ذلك خارجا عن الملة أيضا إنما هو كقولك الناس العرب تريد أن أفضل الناس العرب ، فهاهنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين ، والكف عن أعراضهم ، وكذلك المهاجر الممدوح ، هو الذي جمع إلى هجران وطنه ما حرم الله تعالى عليه ، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم . قلت : وكذا إثبات اسم الشيء على الشيء على معنى إثبات الكمال مستفيض في كلامهم . فإن قلت : إذا كان التقدير : المسلم الكامل من سلم ، يلزم من ذلك أن يكون من اتصف بهذا خاصة كاملا . قلت : الملازمة ممنوعة ؛ لأن المراد ، هو الكامل مع مراعاة باقي الصفات أو يكون هذا ، واردا على سبيل المبالغة تعظيما لترك الإيذاء كما كان ترك الإيذاء ، هو نفس الإسلام الكامل ، وهو محصور فيه على سبيل الإدعاء ، وأمثاله كثيرة فافهم ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى . قلت : فيه نظر ، وخدش من وجهين : أحدهما : أن قوله : يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ممنوع ؛ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام . وتركيبه مثل العبارة غير أن الثابت من الإشارة غير مقصود من الكلام ، ولا سيق الكلام له ؛ فانظر هل تجد فيه هذا المعنى . والثاني : أن قوله : فأولى أن يحسن معاملة ربه : ممنوع أيضا ، ومن أين الأولوية في ذلك ، والأولوية موقوفة على تحقق المدعي ، والدعوى غير صحيحة ؛ لأنا نجد كثيرا من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى ، وفيه العطف بين الجملتين تنبيها على التشريك في المعنى المذكور ، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق ، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد ، نحو قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ فإن أقم والقيم يرجعان في الاشتقاق إلى القيام . ( بيان استنباط الفوائد ) : الأولى : فيه الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي ، وسر الأمر في ذلك حسن التخلق مع العالم كما قال الحسن البصري في تفسير الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر ، ولا يرضون الشر . الثانية : فيه الرد على المرجئة فإنه ليس عندهم إسلام ناقص . الثالثة : فيه الحث على ترك المعاصي ، واجتناب المناهي . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها . أجيب بأن سلطنة الأفعال إنما تظهر في اليد إذ بها البطش ، والقطع ، والوصل ، والأخذ ، والمنع ، والإعطاء ، ونحوه . وقال الزمخشري : لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت ، فقيل : في كل عمل هذا مما عملت أيديهم ، وإن كان عملا لا يأتي فيه المباشرة بالأيدي ، ومنها ما قيل : لم قرن اللسان باليد ؟ أجيب بأن الإيذاء باللسان ، واليد أكثر من غيرهما فاعتبر الغالب . ومنها ما قيل : لم قدم اللسان على اليد ؟ أجيب بأن إيذاء اللسان أكثر وقوعا وأسهل ؛ ولأنه أشد نكاية ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان : اهج المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل . وقال الشاعر : جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان ومنها ما قيل : المفهوم منه أنه إذا لم يسلم المسلمون منه لا يكون مسلما ، لكن الاتفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلم بالنص ، والإجماع ، وأجيب بأن المراد منه المسلم الكامل كما ذكرنا ، وإذا لم يسلم منه المسلمون فلا يكون مسلما كاملا ، وذلك لأن الجنس إذا أطلق يكون محمولا على الكامل ، نص عليه سيبويه في نحو : الرجل زيد . وقال ابن جني : من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس ، ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت ، وقد يقال سلامة المسلمين خاصة المسلم ، ولا يلزم من انتفاء الخاصة انتفاء ما له الخاصة . ومنها ما قيل : ما يقال في إقامة الحدود ، وإجراء التعازير ، والتأديبات إلى آخره ، وأجيب بأن ذلك مستثنى من هذا العموم بالإجماع ، أو أنه ليس إيذاء بل هو عند التحقيق استصلاح ، وطلب للسلامة لهم ، ولو في المآل ، ومنها ما قيل : إذا آذى ذميا ما يكون حاله ؛ لأن الحديث مقيد بالمسلمين أجيب بأنه قد ذكر المسلمون هنا بطريق الغالب ، ولأن كف الأذى عن المسلم أشد تأكيدا لأصل الإسلام ، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا ، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه . ومنها ما قيل : ما حكم المسلمات في ذلك ؛ لأنه ذكر بجمع التذكير ، وأجيب بأن هذا من باب التغليب ، فإن المسلمات يدخلن فيه كما في سائر النصوص والمخاطبات . ومنها ما قيل : لم عبر باللسان دون القول ؛ فإنه لا يكون إلا باللسان : أجيب بأنه إنما عبر به دون القول حتى يدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء . ومنها ما قيل : ما الفرق بين الأذى باللسان ، وبين الأذى باليد . أجيب بأن إيذاء اللسان عام ؛ لأنه يكون في الماضين والموجودين والحادثين بعد ، بخلاف اليد ؛ لأن إيذاءها مخصوص بالموجودين ، اللهم إلا إذا كتب باليد فإنه حينئذ تشارك اللسان ، فحينئذ يكون الحديث عاما بالنسبة إليهما ، وأما في الصورة الأولى فإنه عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد فافهم .
1 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان . قال الشيخ قطب الدين : هذا متعلق بالباب الذي قبله ، وهو أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . وجه الدليل أن الشرع أطلق الإيمان على أشياء كثيرة من الأعمال كما جاء في الآيات والخبرين الذين ذكرهما في هذا الباب بخلاف قول المرجئة في قولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ، قلت : لا يحتاج إلى هذا الكلام ، وإنما هذا الباب والأبواب التي بعده كلها متعلقة بالباب الأول مبينة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي البخاري المسندي بضم الميم وفتح النون ، وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان ، واليمان هذا هو مولى أحد أجداد البخاري ولاء إسلام ، سمع وكيعا وخلقا ، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين . انفرد البخاري به عن أصحاب الكتب الستة ، وروى الترمذي عن البخاري عنه . الثاني : أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي البصري ، سمع مالكا وغيره . وعنه أحمد واتفق الحفاظ على جلالته وثقته ، مات سنة خمس ، وقيل : أربع ومائتين . الثالث : أبو محمد أو أبو أيوب سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني ، مولى آل الصديق ، سمع عبد الله بن دينار وجمعا من التابعين ، وعنه الأعلام كابن المبارك وغيره . وقال محمد بن سعد : كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا ، وكان يفتي بالبلد ، وولي خراج المدينة ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة ، وقال البخاري عن هارون بن محمد : سنة سبع وسبعين ومائة ، وليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن هلال سوى هذا . الرابع : أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار أخو عمرو بن دينار القرشي العدوي المدني ، مولى ابن عمر ، سمع مولاه وغيره . وعنه ابنه عبد الرحمن وغيره ، وهو ثقة باتفاق ، مات سنة سبع وعشرين ومائة . وفي الرواة أيضا : عمرو بن دينار الحمصي ليس بالقوي وليس في الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما . الخامس : أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني ، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة ، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني ، وفي شرح قطب الدين : إنه مولى جويرة بنت الحارث امرأة من قيس ، سمع جمعا من الصحابة وخلقا من التابعين . وعنه جمع من التابعين ، منهم : عطاء . وسمع الأعمش منه ألف حديث ، وروى عنه أيضا بنوه : عبد الله ، وسهيل ، وصالح . واتفقوا على توثيقه ، مات بالمدينة سنة إحدى ومائة ، وأبو صالح في الرواة جماعة قد مضى ذكرهم في الحديث الرابع من باب بدء الوحي . السادس : أبو هريرة ، اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولا ، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وهو أول من كني بهذه الكنية لهرة كان يلعب بها ، كناه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وقيل : والده . وكان عريف أهل الصفة ، أسلم عام خيبر بالاتفاق وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عبد البر : لم يختلف في اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه ، وروي أنه قال : كان يسمى في الجاهلية عبد شمس ، وسمي في الإسلام عبد الرحمن ، واسم أمه ميمونة ، وقيل : أمية . وقد أسلمت بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو هريرة : نشأت يتيما وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان خادما لها ، فزوجنيها الله تعالى ، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما ، قال : وكنت أرعى غنما وكان لي هرة صغيرة ألعب بها فكنوني بها ، وقيل : رآه النبي صلى الله عليه وسلم وفي كمه هرة ، فقال : يا أبا هريرة . وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع ، روي له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين . وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ، ومسلم بمائة وتسعين . روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع ، منهم : ابن عباس وجابر وأنس . وهو أزدي دوسي يماني ثم مدني ، كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة ، له بها دار تصدق بها على مواليه ، ومن الرواة عنه ابنه المحرر بحاء مهملة ثم راء مكررة . مات بالمدينة سنة تسع وخمسين ، وقيل : ثمان ، وقيل : سبع . ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وسبعين سنة ، والذي يقوله الناس : إن قبره بقرب عسقلان ، لا أصل له ، فاجتنبه . نعم ، هناك قبر خيسعة بن جندرة الصحابي ، وأبو هريرة من الأفراد ليس في الصحابة من اكتنى بهذه الكنية سواه ، وفي الرواة آخر اكتنى بهذه الكنية يروي عن مكحول ، وعنه أبو المليح الرقي لا يعرف ، وآخر اسمه محمد بن فراش الضبعي روى له الترمذي وابن ماجه ، مات سنة خمس وأربعين ومائتين . وفي الشافعية : آخر اكتنى بهذه الكنية ، واسمه ثابت بن شبل ، قال عبد الغفار في حقه : شيخ فاضل مناظر . ( بيان الأنساب ) الجعفي في مذحج ، ينسب إلى جعفي بن سعد العشيرة بن مالك ، ومالك هو جماع مذحج ، والعقدي نسبة إلى العقد بالعين المهملة والقاف المفتوحتين ، وهم قوم من قيس وهم بطن من الأزد ، كذا في التهذيب ، وتبعه النووي في شرحه وفي شرح قطب الدين أن العقد بطن من نخيلة ، وقيل : من قيس بالولاء ، قال أبو الشيخ الحافظ : إنما سموا عقدا لأنهم كانوا لئاما ، وقال الحاكم : العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، وقال صاحب العين : العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد ، وقال الرشاطي : العقدي في قيس بن ثعلبة ، وحكى أبو علي الغساني عن أبي عمر قال : العقديون بطن من قيس ، والمسندي بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح النون هو عبد الله بن محمد شيخ البخاري ، سمي بذلك لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات . وقال صاحب الإرشاد : كان يتحرى المسانيد من الأخبار ، وقال الحاكم أبو عبد الله : عرف بذلك لأنه أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر ، والتيمي في قبائل ، ففي قريش تيم بن مرة ، وفي الرباب تيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة ، وفي النمر بن قاسط تيم الله بن النمر بن قاسط ، وفي شيبان بن ذهل تيم بن شيبان ، وفي ربيعة بن نذار تيم الله بن ثعلبة ، وفي قضاعة تيم الله بن رفيدة ، وفي ضبة تيم بن ذهل ، والعدوي نسبة إلى عدي بن كعب وهو في قريش ، وفي الرباب عدي بن عبد مناة ، وفي خزاعة عدي بن عمرو ، وفي الأنصار عدي بطن بن النجار ، وفي طيئ عدي بن أخرم ، وفي قضاعة عدي بن خباب والدوسي في الأزد ، ينسب إلى دوس بن عدنان بن عبد الله . ( بيان لطائف إسناده ) منها الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فإنه بصري وإلا المسندي ، ومنها أن كلهم على شرط الستة إلا المسندي كما بيناه ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم عن عبيد الله بن سعيد ، وعبد بن حميد عن العقدي به ، ورواه أيضا عن زهير عن جرير ، عن سهل بن عبد الله ، عن ابن دينار عنه . ورواه بقية الجماعة أيضا ، فأبو داود في السنة ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، عن سهيل به . والترمذي في الإيمان ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن سهيل به . وقال : حسن صحيح ، والنسائي في الإيمان أيضا عن محمد بن عبد الله المحرمي ، عن أبي عامر العقدي به ، وعن أحمد بن سليمان ، عن أبي داود الحفري ، وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به ، وعن يحيى بن حبيب بن عربي ، عن خالد بن الحارث ، عن ابن عجلان عنه ببعضه : الحياء من الإيمان . وابن ماجه في السنة ، عن علي بن محمد الطنافسي ، عن وكيع به ، وعن عمرو بن رافع عن جرير به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي جمال الأحمر ، عن ابن عجلان نحوه . ( بيان اختلاف الروايات ) كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي الإيمان بضع وستون شعبة ، وفي مسلم وغيره من حديث سهيل ، عن عبد الله بن دينار بضع وسبعون أو بضع وستون ، ورواه أيضا من حديث العقدي عن سليمان بضع وسبعون شعبة ، وكذا وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي ، وفي رواية أبي داود والترمذي وغيرهما من رواية سهيل بضع وسبعون بلا شك ، ورجحها القاضي عياض ، وقال : إنها الصواب ، وكذا رجحها الحليمي وجماعات منهم النووي لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت ، وليس في رواية الأقل ما يمنعها ، وقال ابن الصلاح : الأشبه ترجيح الأقل لأنه المتيقن والشك من سهيل كما قاله البيهقي ، وقد روي عن سهيل عن جرير وسبعون من غير شك ، وكذا رواية سليمان بن بلال في مسلم ، وفي البخاري بضع وستون ، وقال ابن الصلاح في البخاري في نسخ بلادنا : إلا ستون ، وفي لفظ لمسلم ، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ، وفي لفظ ابن ماجه : فأرفعها ، ولفظ اللالكائي أدناها إماطة العظم عن الطريق ، وفي كتاب ابن شاهين خصال الإيمان أفضلها قول لا إله إلا الله ، وفي لفظ الترمذي بضع وسبعون بابا ، وقال : حسن صحيح ، ورواه محمد بن عجلان ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح الإيمان ستون بابا أو سبعون أو بضع واحد من العددين ، ورواية قتيبة ، عن بكر بن مضر ، عن عمارة بن عربة ، عن أبي صالح الإيمان أربع وستون بابا ، ومن حديث المغيرة بن عبد الله بن عبيدة ، قال : حدثني أبي ، عن جدي ، وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان ثلاثة وثلاثون شريعة ، من وافى الله بشريعة منها دخل الجنة ، وفي كتاب ابن شاهين من حديث الإفريقي ، عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن بين يدي الرحمن عز وجل لوحا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول عز وجل : ولا يجيبني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحدة منهن إلا أدخلته الجنة ، ومن حديث عبد الواحد بن زيد ، عن عبد الله بن راشد ، عن مولاه عثمان رضي الله عنه : سمعت أبا سعيد رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بين يدي الرحمن عز وجل لوحا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة ، يقول عز وجل : لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحدة منها إلا أدخلته الجنة ، ومن حديث عبد الواحد بن زيد ، عن عبد الله بن راشد ، عن مولاه عثمان رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن لله تعالى مائة خلق ، من أتى بخلق منها دخل الجنة ، قال لنا أحمد : سئل إسحاق : ما معنى الأخلاق ؟ قال : يكون في الإنسان حياء ، يكون فيه رحمة ، يكون فيه سخاء ، يكون فيه تسامح هذا من أخلاق الله عز وجل . وفي كتاب الديباج للخيلي من حديث نوح بن فضالة ، عن مالك بن زياد الأشجعي : الإسلام ثلاثمائة وخمسة عشر سهما ، فإذا كان في جاء ، فقال : اللهم أنت السلام ، وإنما الإسلام من جاء متمسكا بسهم من سهامي فأدخله الجنة . قال رستة : حدثنا ابن مهدي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة ، عن حذيفة : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، وصوم رمضان سهم ، والحج سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له . ( بيان اللغات ) قوله بضع ذكر ابن البناني في ( الموعب ) عن الأصمعي : البضع مثال علم ما بين اثنين إلى عشرة واثني عشرة إلى عشرين فما فوق ذلك ، يقال : بضعة عشر في جمع المذكر وبضع عشرة في جمع المؤنث ، قال تعالى : فِي بِضْعِ سِنِينَ ولا يقال : في أحد عشر ولا اثني عشر ، إنما البضع من الثلاث إلى العشر . وقال صاحب العين : البضع سبعة ، وقال قطرب : أخبرنا الثقة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فِي بِضْعِ سِنِينَ ما بين خمس إلى سبع ، وقالوا : ما بين الثلاث إلى الخمس . وقال الفراء : البضع نيف ما بين الثلاث إلى التسع ، كذلك رأيت العرب تفعل ولا يقولون بضع ومائة ولا بضع وألف ، ولا يذكر مع عشر ومع العشرين إلى التسعين . وقال الزجاج : معناه القطعة من العدد تجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع وهو الصحيح وهو قول الأصمعي ، وقال غيره : البضع من الثلاث إلى التسع . وقال أبو عبيدة : هو ما بين نصف العشر يريد ما بين الواحد إلى الأربعة ، وقال يعقوب : عن أبي زيد بضع وبضع مثال علم وصقر ، وفي المحكم : البضع ما بين الثلاث إلى العشر ، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة يضاف إلى ما يضاف إليه الآحاد ويبنى مع العشرة كما يبنى سائر الآحاد ولم يمتنع عشرة . وفي الجامع للقزاز : بضع سنين قطعة من السنين وهو يجري في العدد مجرى ما دون العشرة ، وقال قوم : قوله تعالى فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ يدل على أن البضع سبع سنين لأن يوسف عليه السلام إنما لبث في السجن سبع سنين . وقال أبو عبيدة : ليس البضع العقد ولا نصف العقد ، يذهب إلى أنه من الواحد إلى الأربعة ، وفي الصحاح : لا تقول بضع وعشرون ، وقال المطرزي في شرحه : البضع من أربعة إلى تسعة ، هذا الذي حصلناه من العلماء البصريين والكوفيين ، وفيه خلاف ، إلا أن هذا هو الاختيار . والنيف من واحد إلى ثلاثة ، وقال ابن السيد في المثلث : البضع بالفتح والكسر ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة ، وقال غيره : ما بين واحد إلى عشرة وهو الصحيح ، وفي الغريبين للهروي : البضع والبضعة واحد ، ومعناهما القطعة من العدد ، زاد عياض بكسر الباء فيهما وبفتحهما . وفي العباب : قال أبو زيد : أقمت بضع سنين بالفتح ، وجلست في بقعة طيبة وأقمت برهة كلها بالفتح ، وهو ما بين الثلاث إلى التسع ، وروى الأثرم عن أبي عبيدة أن البضع ما بين الثلاث إلى الخمس ، وتقول : بضع سنين وبضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة ، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون ، وقيل : هذا غلط ، بل يقال ذلك ، وقال أبو زيد : يقال له بضعة وعشرون رجلا وبضع وعشرون امرأة ، والبضع من العدد في الأصل غير محدود ، وإنما صار مبهما لأنه بمعنى القطعة ، والقطعة غير محدودة . قوله شعبة بضم الشين ، وهي القطعة والفرقة ، وهي واحدة الشعب وهي أغصان الشجرة ، قال ابن سيده : الشعبة الفرقة والطائفة من الشيء ، ومنه شعب الآباء ، وشعب القبائل ، وشعبها الأربع . وواحد شعب القبائل شعب بالفتح ، وقيل : بالكسر ، وهي العظام . وكذا شعب الإناء صدعه بالفتح أيضا . وقال الخليل : الشعب الاجتماع والافتراق ؛ أي هما ضدان . والمراد بالشعبة في الحديث الخصلة أي إن الإيمان ذو خصال متعددة . قوله والحياء ممدودا هو الاستحياء ، واشتقاقه من الحياة ، يقال : حيى الرجل إذا انتقص حياته وانتكس قوته كما يقال : نسي نساه ، أي العرق الذي في الفخذ ، وحشي إذا اعتل حشاه ، فمعنى الحيي المؤف من خوف المذمة ، وقد حيي منه حياء واستحى واستحيى حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الساكنين ، والأخيران يتعديان بحرف وبغير حرف ، يقولون : استحيى منك واستحياك ، ورجل حيي ذو حياء والأنثى بالتاء ، والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم ، وقد يعرف أيضا بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح . ( بيان الإعراب ) قوله الإيمان مبتدأ وخبره قوله بضع وستون شعبة ، قال الكرماني : بضع هكذا في بعض الأصول ، وبضعة بالهاء في أكثرها . وقال بعضهم : وقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث ، قلت : الصواب مع الكرماني . وكذا قال بعض الشراح : كذا وقع هنا في بعض الأصول بضع ، وفي أكثرها بضعة بالهاء ، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع بضع بلا هاء ، وهو الجاري على اللغة المشهورة ، ورواية الهاء صحيحة أيضا على التأويل ، قلت : لا شك أن بضعا للمؤنث وبضعة للمذكر وشعبة يؤنث ، فينبغي أن يقال بضع بلا هاء ، ولكن لما جاءت الرواية ببضعة يحتاج أن تؤول الشعبة بالنوع إذا فسرت الشعبة بالطائفة من الشيء وبالخلق إذا فسرت بالخصلة والخلة ، قوله والحياء مبتدأ وخبره شعبة وقوله من الإيمان في محل الرفع لأنها صفة شعبة . ( بيان المعاني والبيان ) لا شك أن تعريف المسند إليه إنما يقصد إلى تعريفه لإتمام فائدة السامع لأن فائدته من الخبر إما الحكم أو لازمه كما بين في موضعه ، وفيه الفصل بين الجملتين بالواو لأنه قصد التشريك وتعيين الواو لدلالتها على الجمع ، وفيه تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب كما شبه في الحديث السابق الإسلام بخباء ذات أعمدة وأطناب ، ومبناه على المجاز ، وذلك لأن الإيمان في اللغة التصديق وفي عرف الشرع تصديق القلب واللسان وتمامه وكماله بالطاعات ، فحينئذ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون ونحو ذلك يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع ؛ وذلك لأن الإيمان هو الأصل ، والأعمال فروع منه ، وإطلاق الإيمان على الأعمال مجاز لأنها تكون عن الإيمان . وقد اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بإيمانه وأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار هو الذي يعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين ، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة إلا إذا عجز عن النطق فإنه يكون مؤمنا إلا ما حكاه القاضي عياض في ( كتاب الشفاء ) في أن من اعتقد دين الإسلام بقلبه ولم ينطق بالشهادتين من غير عذر منعه من القول أن ذلك نافعه في الدار الآخرة على قول ضعيف ، وقد يكون فائزا لكنه غير المشهور ، والله أعلم . ( بيان استنباط الفوائد ) وهو على وجوه : الأول : في تعيين الستين على ما جاء هاهنا ، وفي تعيين السبعين على ما جاء في رواية أخرى من الصحيح ورواية أصحاب السنن ، أما الحكمة في تعيين الستين وتخصيصها فهي أن العدد إما زائد : وهو ما أجزاؤه أكثر منه كالاثني عشر فإن لها نصفا وثلثا وربعا وسدسا ونصف سدس ، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر فإنه ستة عشر ، وإما ناقص : وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة ، فإن لها الربع والنصف فقط ، وإما تام وهو ما أجزاؤه مثله كالستة فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس وهي مساوية للستة . والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام ، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارا وهي الستون ، وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي أن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج ، وكل منهما إلى أول ومركب . والفرد الأول ثلاثة والمركب خمسة والزوج الأول اثنان والمركب أربعة ، وينقسم أيضا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارا وهي السبعون ، وأما زيادة البضع على النوعين فقد علم أنه يطلق على الست وعلى السبع لأنه ما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها ، كما نص عليه صاحب الموعب ، ففي الأول الستة أصل للستين ، وفي الثاني السبعة أصل للسبعين كما ذكرناه ، فهذا وجه تعيين أحد هذين العددين . الثاني : أن المراد من هذين العددين هل هو حقيقة أم ذكرا على سبيل المبالغة ؟ فقال بعضهم : أريد به التكثير دون التعديد كما في قوله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وقال الطيبي : الأظهر معنى التكثير ، ويكون ذكر البضع للترقي يعني أن شعب الإيمان أعداد مبهمة ، ولا نهاية لكثرتها ؛ إذ لو أريد التحديد لم يبهم . وقال بعضهم : العرب تستعمل السبعين كثيرا في باب المبالغة ، وزيادة السبع عليها التي عبر عنها بالبضع لأجل أن السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهي مع الواحد سبعة ، فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام سوى الكمال ، وسمي الأسد سبعا لكمال قوته ، والسبعون غاية الغاية إذ الآحاد غايتها العشرات ، فإن قلت : قد قلت : إن البضع لما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها ، فمن أين تقول : إن المراد من البضع السبع حتى بنى القائل المذكور كلامه على هذا ؟ قلت : قد نص صاحب العين على أن البضع سبعة كما ذكرنا ، وقال بعضهم : هذا القدر المذكور هو شعب الإيمان ، والمراد منه تعداد الخصال حقيقة ، فإن قلت : إذا كان المراد بيان تعداد الخصال ، فما الاختلاف المذكور ؟ قلت : يجوز أن يكون شعب الإيمان بضعا وستين وقت تنصيصه على هذا المقدار ، فذكره لبيان الواقع ، ثم بعد ذلك نص على بضع وسبعين بحسب تعدد العشرة على ذلك المقدار ، فافهم . فإنه موضع فيه دقة . الثالث : في بيان العدد المذكور ، قال الإمام أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء وتشديد الموحدة البستي في كتاب وصف الإيمان وشعبه : تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا ، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عددها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، فإذا هي تنقص على البضع والسبعين ، فرجعت إلى كتاب الله تعالى فعددت كل طاعة عدها الله من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين ، فضممت إلى الكتاب السنن وأسقطت المعاد ، فإذا كل شيء عده الله ورسوله عليه السلام من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص ، فعلمت أن مراد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنة ، انتهى . وقد تكلفت جماعة في بيان هذا العدد بطريق الاجتهاد وفي الحكم بكون المراد ذلك نظر وصعوبة ، قال القاضي عياض : ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان ؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة والإيمان بأن هذا العدد واجب على الجملة وتفصيل تلك الأصول وتعيينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف . وقال الخطابي : هذه منحصرة في علم الله وعلم رسوله موجودة في الشريعة غير أن الشرع لم يوقفنا عليها ، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به ، فما أمرنا بالعلم به عملنا وما نهانا عنه انتهينا ، وإن لم نحط بحصر أعداده ، وقال أيضا : الإيمان اسم يتشعب إلى أمور ذوات عدد جماعها الطاعة ، ولهذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس مفاضلون في درج الإيمان وإن كانوا متساوين في اسمه ، وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة ، وأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية عمره يدعو الناس إليها ، وسمى من أجابه إلى ذلك مؤمنا إلى أن نزلت الفرائض ، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وهذا الحكم مستمر في كل اسم يقع على أمر ذي شعب كالصلاة ، فإن رجلا لو مر على مسجد وفيه قوم منهم من يستفتح الصلاة ومنهم من هو راكع أو ساجد ، فقال : رأيتهم يصلون كان صادقا مع اختلاف أحوالهم في الصلاة وتفاضل أفعالهم فيها ، فإن قيل : إذا كان الإيمان بضعا وسبعين شعبة ، فهل يمكنكم أن تسموها بأسمائها وإن عجزتم عن تفصيلها ؟ فهل يصح إيمانكم بما هو مجهول ؟ قلنا : إيماننا بما كلفناه صحيح والعلم به حاصل ، وذلك من وجهين الأول أنه قد نص على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها ، فدخل فيه جميع ما يقع بينهما من جنس الطاعات كلها وجنس الطاعات معلوم . والثاني : أنه لم يوجب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان ، وكلفنا التصديق بجملتها كما كلفنا الإيمان بملائكته وإن كنا لا نعلم أسماء أكثرهم ولا أعيانهم ، وقال النووي : وقد بين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعلى هذه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم أعلاها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، فبين أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف والذي لا يصح شيء غيره من الشعب إلا بعد صحته ، وأن أدناها دفع ما يتوقع به ضرر المسلمين ، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم ، انتهى . وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعة ، منهم الإمام أبو عبد الله الحليمي صنف فيها كتابا سماه ( فوائد المنهاج ) ، والحافظ أبو بكر البيهقي وسماه ( شعب الإيمان ) ، والشيخ عبد الجليل أيضا سماه شعب الإيمان ، وإسحاق بن القرطبي ، وسماه ( كتاب النصايح ) ، والإمام أبو حاتم وسماه ( وصف الإيمان وشعبه ) . ولم أر أحدا منهم شفى العليل ولا أروى الغليل ، فنقول ملخصا بعون الله تعالى وتوفيقه : إن أصل الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، ولكن الإيمان الكامل التام هو التصديق والإقرار والعمل ، فهذه ثلاثة أقسام : فالأول يرجع إلى الاعتقاديات وهي تتشعب إلى ثلاثين شعبة : الأولى : الإيمان بالله تعالى ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأن ليس كمثله شيء ، الثانية : اعتقاد حدوث ما سوى الله تعالى ، الثالثة : الإيمان بملائكته ، الرابعة : الإيمان بكتبه ، الخامسة : الإيمان برسله ، السادسة : الإيمان بالقدر خيره وشره ، السابعة : الإيمان باليوم الآخر ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه ، والبعث والنشور ، والحساب والميزان والصراط . الثامنة : الوثوق على وعد الجنة والخلود فيها ، التاسعة : اليقين بوعيد النار وعذابها وأنها لا تفنى ، العاشرة : محبة الله تعالى ، الحادية عشر : الحب في الله والبغض في الله ، ويدخل فيه حب الصحابة المهاجرين والأنصار وحب آل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم . الثانية عشر : محبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع سنته ، الثالثة عشر : الإخلاص ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق ، الرابعة عشر : التوبة والندم ، الخامسة عشر : الخوف ، السادسة عشر : الرجاء ، السابعة عشر : ترك اليأس والقنوط ، الثامنة عشر : الشكر ، التاسعة عشر : الوفاء ، العشرون : الصبر ، الحادية والعشرون : التواضع ويدخل فيه توقير الأكابر ، الثانية والعشرون : الرحمة والشفقة ويدخل فيه الشفقة على الأصاغر ، الثالث والعشرون : الرضاء بالقضاء ، الرابعة والعشرون : التوكل ، الخامسة والعشرون : ترك العجب والزهو ويدخل فيه ترك مدح نفسه وتزكيتها ، السادسة والعشرون : ترك الحسد ، السابعة والعشرون : ترك الحقد والضغن . الثامنة والعشرون : ترك الغضب . التاسعة والعشرون : ترك الغش ، ويدخل فيه الظن السوء والمكر . الثلاثون : ترك حب الدنيا ، ويدخل فيه ترك حب المال وحب الجاه ، فإذا وجدت شيئا من أعمال القلب من الفضائل والرذائل خارجا عما ذكر بحسب الظاهر ، فإنه في الحقيقة داخل في فصل من الفصول يظهر ذلك عند التأمل . والقسم الثاني يرجع إلى أعمال اللسان ، وهي تتشعب إلى سبع شعب : الأولى : التلفظ بالتوحيد . الثانية : تلاوة القرآن . الثالثة : تعلم العلم . الرابعة : تعليم العلم . الخامسة : الدعاء . السادسة : الذكر ، ويدخل فيه الاستغفار . السابعة : اجتناب اللغو . والقسم الثالث : يرجع إلى أعمال البدن ، وهي تتشعب إلى أربعين شعبة ، وهي على ثلاثة أنواع : الأول ما يختص بالأعيان ، وهي ستة عشر شعبة : الأولى : التطهر ، ويدخل فيه طهارة البدن والثوب والمكان ، ويدخل في طهارة البدن الوضوء من الحدث والاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس . الثانية : إقامة الصلاة ، ويدخل فيها الفرض ، والنفل والقضاء . الثالثة : أداء الزكاة ، ويدخل فيها الصدقة ، ويدخل فيها أداء الزكاة ، ويدخل فيها صدقة الفطر ، ويدخل في هذا الباب الجود ، وإطعام الطعام ، وإكرام الضيف . الرابعة : الصوم فرضا ونفلا . الخامسة :الحج ، ويدخل فيه العمرة . السادسة : الاعتكاف ، ويدخل فيه التماس ليلة القدر . السابعة : الفرار بالدين ، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك . الثامنة : الوفاء بالنذر . التاسعة : التحري في الإيمان . العاشرة : أداء الكفارة . الحادية عشرة : ستر العورة في الصلاة وخارجها . الثانية عشرة : ذبح الضحايا والقيام بها إذا كانت منذورة . الثالثة عشر : القيام بأمر الجنائز . الرابعة عشر : أداء الدين . الخامسة عشر : الصدق في المعاملات ، والاحتراز عن الرياء . السادسة عشر : أداء الشهادة بالحق وترك كتمانها . النوع الثاني : ما يختص بالاتباع وهو ست شعب : الأولى : التعفف بالنكاح . الثانية : القيام بحقوق العيال ، ويدخل فيه الرفق بالخدم . الثالثة : بر الوالدين ، ويدخل فيه الاجتناب عن العقوق . الرابعة : تربية الأولاد . الخامسة :صلة الرحم . السادسة : طاعة الموالي . النوع الثالث : ما يتعلق بالعامة ، وهو ثماني عشرة شعبة : الأولى : القيام بالإمارة مع العدل . الثانية : متابعة الجماعة . الثالثة : طاعة أولي الأمر . الرابعة : الإصلاح بين الناس ، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة . الخامسة :المعاونة على البر . السادسة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . السابعة : إقامة الحدود . الثامنة : الجهاد ، ويدخل فيه المرابطة . التاسعة : أداء الأمانة ، ويدخل فيه أداء الخمس . العاشرة : القرض مع الوفاء به . الحادية عشرة : إكرام الجار . الثانية عشرة : حسن المعاملة ، ويدخل فيه جمع المال من حله . الثالثة عشر : إنفاق المال في حقه ، ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف . الرابعة عشر : رد السلام . الخامسة عشر : تشميت العاطس . السادسة عشر : كف الضرر عن الناس . السابعة عشر : اجتناب اللهو . الثامنة عشر : إماطة الأذى عن الطريق ، فهذه سبع وسبعون شعبة ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل لم جعل الحياء من الإيمان ، وأجيب بأنه باعث على أفعال الخير ، ومانع عن المعاصي ، ولكنه ربما يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر ، وربما يكون غريزة لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية ، فهو من الإيمان لهذا . الثاني : ما قيل : إنه قد ورد الحياء لا يأتي إلا بخير ، وورد الحياء خير كله ، فصاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق فيترك أمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر ، فكيف يكون هذا من الإيمان ، وأجيب بأنه ليس بحياء حقيقة ، بل هو عجز ومهانة ، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقي ، وحقيقته خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحوه ، وأولى الحياء الحياء من الله تعالى ، وهو أن لا يراك الله حيث نهاك ، وذاك إنما يكون عن معرفة ومراقبة ، وهو المراد بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وقد خرج الترمذي عنه عليه السلام أنه قال : استحيوا من الله حق الحياء . قالوا : إنا نستحي والحمد لله ، فقال : ليس ذلك ، ولكن الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وتذكر الموت والبلى ، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء . وقال الجنيد : رؤية الآلاء - أي : النعم - ورؤية التقصير يتولد بينهما حالة تسمى الحياء . الثالث : ما قيل لم أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب . وأجيب بأنه كالداعي إلى سائر الشعب فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة الآخرة فينزجر عن المعاصي ، ويمتثل الطاعات كلها . وقال الطيبي : معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول : هذه شعبة واحدة من شعبه ، فهل تحصى شعبه كلها ؟ هيهات إن البحر لا يغرف .
( باب أمور الإيمان وقول الله تعالى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الآية أي هذا باب في بيان أمور الإيمان فيكون ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والمراد بالأمور هي الإيمان لأن الأعمال عنده هي الإيمان ، فعلى هذا الإضافة فيه بيانية ، ويجوز أن يكون التقدير باب الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته ، فعلى هذا الإضافة بمعنى اللام . وفي رواية الكشميهني : باب أمر الإيمان . بالإفراد على إرادة الجنس ، وقال ابن بطال : التصديق أول منازل الإيمان والاستكمال إنما هو بهذه الأمور . وأراد البخاري الاستكمال ، ولهذا بوب أبوابه عليه فقال : باب أمور الإيمان ، وباب الجهاد من الإيمان ، وباب الصلاة من الإيمان، وباب الزكاة من الإيمان . وأراد بهذه الأبواب كلها الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم ومخالفتهم الكتاب والسنة . وقال المازري : اختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين ، فقالت المرجئة : لا تضر المعصية مع الإيمان ، وقالت الخوارج : تضره بها ويكفر بها ، وقالت المعتزلة : يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق . وقالت الأشعرية : بل هو مؤمن وإن عذب ، ولا بد من دخوله الجنة . قوله " وقول الله عز وجل " بالجر عطف على الأمور ، فإن قلت : ما المناسبة بين هذه الآية والتبويب ؟ قلت : لأن الآية حصرت المتقين على أصحاب هذه الصفات والأعمال ، فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة ، وكذلك الآية الأخرى وهي قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وذكر الأخرى في كتاب الشريعة من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذر رضي الله عنه " أن رجلا سأله عن الإيمان فقرأ عليه ليس بالبر الآية ؛ فقال الرجل : ليس عن البر سألتك ، فقال أبو ذر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله كما سألتني ، فقرأ عليه كما قرأت عليك ، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى ، فقال : ادن مني . فدنا منه ، فقال : المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره ويرجو ثوابها وإن عمل سيئة تسوءه ويخاف عاقبتها ، قوله تعالى لَيْسَ الْبِرَّ أي ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ بر مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية ، كذا قدره سيبويه ، وقال الزجاج : ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي ذوو درجات ، وما قدره سيبويه أولى لأن المنفي هو البر ، فيكون هو المستدرك من جنسه . وقال الزمخشري رحمه الله : البراسم للخير ولكل فعل مرضي ، وفي الغريبين : البر الاتساع في الإحسان والزيادة منه . وقال السدي : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا يعني الجنة . والبر أيضا الصلة ، وهو اسم جامع للخير كله ، وفي الجامع والجمهرة : البر ضد العقوق ، وفي مثلث ابن السيد الإكرام . كذا نقله عنه في الواعي ، وذكر ابن عديس عنه البر بالكسر الخير . وقال الزمخشري : الخطاب لأهل الكتاب ؛ لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق ؛ وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ، وزعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته ، فرد عليهم وقرأ لَيْسَ الْبِرَّ بالنصب على أنه خبر مقدم ، وقرأ عبد الله ( بأن تولوا ) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت وَلَكِنَّ الْبِرَّ بفتح الباء ، وقرئ ولكن البار ، وقرأ ابن عامر ونافع : ولكن البر بالتخفيف ، وَالْكِتَابِ جنس كتاب الله تعالى أو القرآن ، عَلَى حُبِّهِ مع حب المال والشح به . وقيل : على حب الله ، وقيل : على حب الإيتاء ، وقدم ذوي القربى لأنه أحق والمراد الفقراء منهم لعدم الالتباس ، وَالْمَسَاكِينَ الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالمسكير الدائم السكر ، وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر المنقطع وجعل ابنا للسبيل لملازمته له كما يقال للص القاطع : ابن الطريق ، وقيل : هو الضيف ؛ لأن السبيل ترعف به ، وَالسَّائِلِينَ المستطعمين ، وَفِي الرِّقَابِ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم ، وقيل : في ابتياع الرقاب وإعتاقها ، وقيل : في فك الأسارى والموفون عطف على من آمن وأخرج الصابرين منصوبا على الاختصاص والمدح إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال ، وقرئ ( والصابرون ) ، وقرئ ( والموفين ) ( والصابرين ) ، ( والبأساء ) الفقر والشدة والضراء والمرض والزمانة . قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الآية ، هذه آية أخرى ذكر الآيتين لاشتمالهما على أمور الإيمان ، والباب مبوب عليها وإنما لم يقل وقول الله عز وجل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ كما قال في أول الآية الأولى ، وقول الله عز وجل لَيْسَ الْبِرَّ إلخ لعدم الالتباس في ذلك ، واكتفى أيضا بذكره في الأولى . وقال بعضهم : ذكره بلا أداة عطف ، والحذف جائز ، والتقدير : وقول الله عز وجل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قلت : الحذف غير جائز ، ولئن سلمنا فذاك في باب الشعر ، وقال : هذا القائل أيضا ، ويحتمل أن يكون تفسيرا لقوله : المتقون هم الموصوفون بقوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى آخرها ، قلت : لا يصح هذا أيضا ؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية من وصفوا بالأوصاف المذكورة فيها ، ثم أشار إليهم بقوله وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ بين أن هؤلاء الموصوفين هم المتقون ؛ فأي شيء يحتاج بعد ذلك إلى تفسير المتقين في هذه الآية حتى يفسرهم بقوله قَدْ أَفْلَحَ إلخ ، وربما كان يمكن صحة هذه الدعوى لو كانت الآيتان متواليتين ، فبينهما آيات عديدة بل سور كثيرة ، فكيف يكون هذا من باب التفسير وهذا كلام مستبعد جدا ؟ قوله ( الآية ) يجوز فيها النصب على معنى اقرأ الآية ، والرفع على معنى الآية بتمامها على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، قوله ( أفلح ) أي دخل في الفلاح وهو فعل لازم ، والفلاح الظفر بالمراد ، وقيل : البقاء في الخير . وقال الزمخشري : يقال : أفلحه أجاره إلى الفلاح ، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح للبناء للمفعول ، وعنه : أفلحوا ، على : أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير ( والخشوع في الصلاة ) خشية القلب ، ( واللغو ) ما لا يعنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه . قوله فَاعِلُونَ أي مؤدون . وقال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل من ملكت ؟ قلت : لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث .
( وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة ) معاذ بضم الميم ابن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ بالياء آخر الحروف والذال المعجمة ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بالتاء المثناة من فوق ابن جشم بن الخزرج الأنصاري ، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار ، ثم شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بثلاثة ، وانفرد مسلم بحديث واحد ، روى عنه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو ، وأبو قتادة وجابر وأنس وغيرهم . توفي في طاعون عمواس بفتح العين المهملة والميم موضع بين الرملة وبيت المقدس سنة ثماني عشرة ، وقيل : سبع عشرة وعمره ثلاث وثلاثون سنة . وهذا الأثر أخرجه رستة عن ابن مهدي : حدثنا سفيان ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال عنه ، وهذا إسناد صحيح . ورواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، عن عبد الجبار بن العلاء ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ومسعر ، عن جامع بن شداد به . قوله " نؤمن ساعة " لا يمكن حمله على أصل الإيمان لأن معاذا كان مؤمنا وأي مؤمن ! فالمراد زيادة الإيمان أي اجلس حتى نكثر وجوه دلالات الأدلة الدالة على ما يجب الإيمان به . وقال النووي : معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين ؛ فإن ذلك إيمان . وقال ابن المرابط : نتذاكر ما يصدق اليقين في قلوبنا لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى ، فإن قلت : من هو الذي قال له معاذ اجلس بنا ؟ قلت : قالوا هو الأسود بن هلال ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال المحاربي ، قال : قال لي معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة ، يعني نذكر الله ، فإن قلت : روى ابن أبي شيبة أيضا ، عن أبي أسامة ، عن الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال : كان معاذ يقول لرجل من إخوانه : اجلس بنا فلنؤمن ساعة ، فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه ، انتهى . فهذا يدل على أن الذي قاله معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة ، غير الأسود بن هلال ، قلت : يجوز أن يكون قال له مرة وقال لغيره مرة أخرى ، فافهم .
( وقال مجاهد : شرع لكم أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا ) مجاهد : هو ابن جبير بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وفي آخره راء ، ويقال : جبير ، والأول أصح ، المخزومي مولى عبد الله بن السائب المخزومي ، وقيل : غيره سمع ابن عباس ، وابن عمر ، وأبا هريرة ، وجابرا ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم . قال مجاهد : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة ، واتفقوا على توثيقه وجلالته ، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث ، مات سنة مائة . وقيل : إحدى ، وقيل : اثنتين ، وقيل : أربع ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة بمكة وهو ساجد ، روى له الجماعة وأخرج أثره هذا عبد بن حميد في تفسيره بسند صحيح عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عنه . ورواه ابن المنذر بإسناده بلفظة وصاه . قوله " وإياه " يعني نوحا عليه السلام ، أي هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء عليهم السلام الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم كما هو شرع نبينا ، لأن الله سبحانه وتعالى قال : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ويقال : جاء نوح عليه السلام بتحريم الحرام وتحليل الحلال وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، ونوح أول نبي جاء بعد إدريس عليه السلام ، وقد قيل : إن الذي وقع في أثر مجاهد تصحيف ، والصواب : أوصيناك يا محمد وأنبياءه ، وكيف يقول مجاهد بإفراد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة ، قلت : ليس بتصحيف بل هو صحيح ، ونوح أفرد في الآية ، وبقية الأنبياء عليهم السلام عطفت عليه وهم داخلون فيما وصى به نوحا ، وكلهم مشتركون في هذه الوصية ، فذكر واحد منهم يغني عن الكل على أن نوحا أقرب المذكورين ، وهو أولى بعود الضمير إليه ، فافهم
( وقال إبراهيم : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الكلام فيه على أنواع : الأول : إبراهيم هو ابن آزر ، وهو تارح بفتح الراء المهملة وفي آخره حاء مهملة ، فآزر اسم وتارح لقب له ، وقيل : عكسه ، قال ابن هشام : هو إبراهيم بن تارح ، وهو آزر بن ناحور بن ساروح بن أرعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قابن بن فانوش بن شيث بن آدم عليه السلام . ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرنا وإن اختلفوا في ضبطها ، وإبراهيم اسم عبراني ، قال الماوردي : معناه أب رحيم ، وكان آزر من أهل حران ، وولد إبراهيم بكوثا من أرض العراق ، وكان إبراهيم يتجر في البز ، وهاجر من أرض العراق إلى الشام ، وبلغ عمره مائة وخمسا وسبعين سنة ، وقيل : مائتي سنة ، ودفن بالأرض المقدسة ، وقبره معروف بقرية حبرون بالحاء المهملة ، وهي التي تسمى اليوم ببلدة الخليل . الثاني : أن معناه ليزداد ، وهو المعنى الذي أراده البخاري ، وروى ابن جرير الطبري بسنده الصحيح إلى سعيد بن جبير قال : قوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي يزداد يقيني ، وعن مجاهد قال : لأزداد إيمانا إلى إيماني ، وقيل : بالمشاهدة كأن نفسه طالبته بالرؤية ، والشخص قد يعلم الشيء من جهة ثم يطلبه من أخرى ، وقيل : ليطمئن قلبي أي إذا سألتك أجبتني ، وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف قال له : أو لم تؤمن وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا ؟ قلت : ليجيب بما أجاب فيه لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين ، انتهى . قلت : إن فيه فائدتين : إحداهما : وهي التفرقة بين علم اليقين وعين اليقين ، فإن في عين اليقين طمأنينة بخلاف علم اليقين . والثانية : أن لإدراك الشيء مراتب مختلفة قوة وضعفا ، وأقصاها عين اليقين ، فليطلبها الطالبون . وقال الزمخشري : وبلى إيجاب لما بعد النفي ، ومعناه : بلى آمنت ولكن ليطمئن قلبي ليزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال ، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين ، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري ، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك ، فإن قلت : بم تعلقت اللام في ليطمئن ؟ قلت : بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب . الثالث : ما قيل كان المناسب للسياق أن يذكر هذه الآية عند سائر الآيات ، وأجيب بأن تلك الآيات دلت على الزيادة صريحا وهذه تلزم الزيادة منها ، ففصل بينهما إشعارا بالتفاوت .
( وقال ابن مسعود : اليقين الإيمان كله ) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء ابن حبيب بن شمخ بن مخزوم ، ويقال : ابن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هزيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نذار بن معد بن عدنان . أبو عبد الرحمن الهذلي ، وأمه أم عبد بنت عبدود بن سواء من هذيل أيضا لها صحبة ، أسلم بمكة قديما وهاجر الهجرتين ، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو صاحب نعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، كان يلبسه إياها فإذا جلس أدخلها في ذراعه ، روي له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا ، اتفقا منها على أربعة وستين وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين ، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن بضع وستين سنة ، وقيل : بالكوفة . والأول أصح ، وصلى عليه عثمان ، وقيل : الزبير ، وقيل : عمار بن ياسر ، روى له الجماعة وأخرج هذا الأثر رستة بسند صحيح عن أبي زهير ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن علقمة ، عنه . قال : الصبر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله . ثم قال : وحدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان بمثله . وأخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه ، وروى أحمد في كتاب الزهد ، عن وكيع ، عن شريك ، عن هلال ، عن عبد الله بن حكيم قال : سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها . قوله " اليقين " هو العلم وزوال الشك ، يقال منه يقنت الأمر بالكسر يقينا ، وأيقنت واستيقنت وتيقنت ، كله بمعنى ، وأنا على يقين منه ، وذلك عبارة عن التصديق وهو أصل الإيمان فعبر بالأصل عن الجميع ، كقوله " الحج عرفة " يعني أصل الحج ومعظمه عرفة ، وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض لأن كلا وأجمعا لا يؤكد بهما إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حسا أو حكما ، فعلم أن للإيمان كلا وبعضا فيقبل الزيادة والنقصان . واعلم أن اليقين من الكيفيات النفسانية ، وهو في الإدراكات الباطنة من قسم التصديقات التي متعلقها الخارجي لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه ، وهو علم بمعنى اليقين .
( باب دعاؤكم إيمانكم ) يعني فسر ابن عباس قوله تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فقال : المراد من الدعاء الإيمان ، فمعنى دعاؤكم إيمانكم ، وأخرجه ابن المنذر بسنده إليه أنه قال : لولا دعاؤكم لولا إيمانكم . وقال ابن بطال : لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم . قال النووي : وهذا الذي قاله حسن ؛ لأن أصل الدعاء النداء والاستغاثة ؛ ففي الجامع سئل ثعلب عنه ؛ فقال : هو النداء ، ويقال : دعا الله فلان بدعوة فاستجاب له . وقال ابن سيده : هو الرغبة إلى الله تعالى ، دعاه دعاء ودعوى حكاها سيبويه ، وفي الغريبين : الدعاء الغوث ، وقد دعا أي استغاث . قال تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقال بعض الشارحين : قال البخاري : ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان ينبغي أن يثبت فيه ؛ فإني لم أره عند أحد من أهل اللغة . وقال الكرماني : تفسيره في الآيتين يدل على أنه قابل للزيادة والنقصان أو أنه سمى الدعاء إيمانا ، والدعاء عمل . واعلم أن من قوله وقال ابن مسعود إلى هنا غير ظاهر الدلالة على الدعوى ، وهو موضع بحث ونظر . وقال النووي : اعلم أنه يقع في كثير من نسخ البخاري ، هذا باب دعاؤكم إيمانكم إلى آخر الحديث بعده ، وهذا غلط فاحش وصوابه ما ذكرناه أولا وهو دعاؤكم إيمانكم . ولا يصح إدخال باب هنا لوجوه ، منها أنه ليس له تعلق بما نحن فيه ، ومنها أنه ترجم أولا بقوله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام " ، ولم يذكره قبل هذا وإنما ذكره بعده ، ومنها أنه ذكر الحديث بعده ، وليس هنا مطابقا للترجمة . وقال الكرماني : وعندنا نسخة مسموعة على الفربري وعليها خطة ، وهو هكذا دعاؤكم إيمانكم بلا باب ولا واو . قلت : رأيت نسخة عليها خط الشيخ قطب الدين الحلبي الشارح ، وفيها باب دعاؤكم إيمانكم ، وقال صاحب التوضيح : وعليه مشى شيخنا في شرحه ، وليس ذلك بجيد لأنه ليس مطابقا للترجمة . 1 - حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان . هذا الحديث هو ترجمة الباب ، وقد ذكرنا أن الصحيح أنه ليس بينه وبين قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " باب آخر ، فافهم . وقال النووي : أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب لينبئ أن الإسلام يطلق على الأفعال ، وأن الإسلام والإيمان قد يكون بمعنى واحد . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : الأول : عبيد الله بن موسى بن باذام بالباء الموحدة والذال المعجمة ، وهو لفظ فارسي ، ومعناه اللوز العبسي بفتح العين المهملة وتسكين الباء الموحدة ، مولاهم الكوفي الثقة ، سمع الأعمش وخلقا من التابعين ، وعنه البخاري وأحمد وغيرهما . وروى مسلم : وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه وكان عالما بالقرآن رأسا ، فيه توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين . وقال ابن قتيبة في المعارف : كان عبيد الله يسمع ويروي أحاديث منكرة ، فضعف بذلك عند كثير من الناس " . وقال النووي : وقع في الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم ، ولم تزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاستدلال بها والسماع منهم وأسماعهم من غير إنكار . الثاني : حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي المكي القرشي الثقة الحجة ، سمع عطاء وغيره من التابعين . وعنه الثوري وغيره من الأعلام ، مات سنة إحدى وخمسين ومائة ، روى له الجماعة . وقد قال قطب الدين إلا ابن ماجه وليس بصحيح ، بل روى له ابن ماجه أيضا كما نبه عليه المزي . الثالث : عكرمة بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي المكي الثقة الجليل ، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما ، روى عنه عمرو بن دينار وغيره من التابعين ، مات بمكة بعد عطاء ، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة ، والعاصي جده هو أخو أبي جهل ، قتله عمر رضي الله عنه ببدر كافرا وهو خال عمر على قول . وفي الصحابة : عكرمة ثلاثة لا رابع لهم : ابن أبي جهل المخزومي ، وابن عامر العبدري ، وابن عبيد الخولاني . وليس في الصحيحين من اسمه عكرمة إلا هذا . وعكرمة بن عبد الرحمن وعكرمة مولى ابن عباس ، وروى مسلم للأخير مقرونا وتكلم فيه لرأيه ، وعكرمة بن عمار أخرج له مسلم في الأصول واستشهد به البخاري في كتاب البر والصلة . قلت : وفي طبقة عكرمة بن خالد بن العاصي عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي ، وهو ضعيف ولم يخرج له البخاري وهو لم يرو عن ابن عمر ، وينبغي التنبه لهذا فإنه موضع الاشتباه . الرابع : عبد الله بن عمر . وقد ذكر عن قريب . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن إسناده كلهم مكيون إلا عبيد الله فإنه كوفي ، وكله على شرط الستة إلا عكرمة بن خالد ، فإن ابن ماجه لم يخرج له ، ومنها أنه من رباعيات البخاري ، ولمسلم من الخماسيات ؛ فعلا البخاري برجل . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، وقال فيه ، وزاد : عثمان عن ابن وهب ، أخبرني فلان وحيوة بن شريح ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن نافع عن ابن عمر . وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، عن حنظلة به . وعن ابن معاذ ، عن أبيه ، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن جده . وعن ابن نمير ، عن أبي خالد الأحمر ، عن سعد بن طارق ، عن سعد بن عبيد ، عن ابن عمر . وعن سهل بن عثمان ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن سعد بن طارق به . فوقع لمسلم من جميع طرقه خماسيا وللبخاري رباعيا كما ذكرنا ، وزاد في مسلم في روايته عن حنظلة ، قال : سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا أن رجلا قال لعبد الله بن عمر : ألا تغزو ؟ فقال : إني سمعت فذكر الحديث ، وقال البيهقي : اسم الرجل السائل حكيم . ( بيان اللغات ) قوله " بني " من بنى يبني بناء ، يقال : بنى فلان بيتا من البنيان ، ويقال : بنيته بناء وبنى بكسر الباء وبنى بالضم وبنية . قوله " وإقام الصلاة " فعلة من صلى كالزكاة من زكى ، قال الزمخشري : وكتبتها بالواو على لفظ المفخم ، وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك ، قلت : الصلوان تثنية الصلا ، وهو ما عن يمين الذنب وشماله ، هذا أحد معاني الصلاة في اللغة ، والثانية الدعاء . قال الأعشى : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم والثالثة من صليت العصا بالنار إذا لينتها وقومتها ؛ فالمصلي كأنه يسعى في تعديلها وإقامتها ، والرابعة من صليت الرجل النار إذا أدخلته النار أو من جعلته يصلاها أي يلازمها ، فالمصلي يدخل الصلاة ويلازمها . قوله " وإيتاء الزكاة " أي إعطائها من آتاه إيتاء ، وأما أتيته أتيا وإتيانا ، فمعناه جئته ، والزكاة في اللغة عبارة عن الطهارة ، قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى أي تطهر ، وعن النماء يقال : زكا الزرع إذا نما . قال الجوهري : زكا الزرع يزكو زكاء ممدودا أي نما ، وهذا الأمر لا يزكو بفلان أي لا يليق به ، ويقال : زكا الرجل يزكو زكوا إذا تنعم ، وكان في خصب وزكى ماله تزكية إذا أدى عنه زكاته ، وتزكى أي تصدق وزكى نفسه تزكية مدحها ، وفي الشريعة : عبارة عن إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي ، ويراعى فيها معانيها اللغوية ، وذلك أن المال يطهر بها أو يطهره صاحبه أو هي سبب نمائه وزيادته . قوله " والحج " في اللغة القصد ، وأصله من قولك : حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى ، فقيل : حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة ، ومنه قول المخبل السعدي : وأشهد من عوف حؤولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا يقول : يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده ، والسب بكسر السين المهملة وتشديد الباء الموحدة شقة من كتان رقيقة ، وأراد به العمامة هاهنا . قال الصغاني : هذا الأصل ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله تعالى للنسك ، تقول : حججت البيت أحجه حجا فأنا حاج ، ويجمع على حجج ، مثال : بازل وبزل . والحجج بالكسر الاسم ، والحجة المرة الواحدة . وهذا من الشواذ لأن القياس بالفتح ، وفي الشريعة هو قصد مخصوص في وقت مخصوص إلى مكان مخصوص . قوله " وصوم رمضان " الصوم في اللغة : الإمساك عن الطعام ، وقد صام الرجل صوما وصياما ، وقوم صوم بالتشديد وصيم أيضا ، ورجل صومان أي صائم ، وصام الفرس صوما أي قام على غير اعتلاف . قال النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وصام النهار صوما إذا قام قائم الظهيرة واعتدل ، والصوم ركود الريح والصوم السكوت ؛ قال تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا قال ابن عباس : صمتا ، وقال أبو عبيدة : كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم ، والصوم ذرق النعامة والصوم البيعة والصوم شجر في لغة هذيل . وفي الشريعة : إمساك عن المفطرات الثلاث نهارا مع النية وتفسير رمضان قد مر مرة . ( بيان الصرف ) قوله " بني " فعل ماض مجهول ، قوله " وإقام الصلاة " أصله إقوام لأنه من أقام يقيم ، حذفت الواو فصار إقاما ، ولكن القاعدة أن يعوض عنها التاء فيقال إقامة ، وقال أهل الصرف : لزم الحذف والتعويض في نحو إجارة واستجارة ، فإن قلت : فلم لم يعوض هاهنا ؟ قلت : المراد من التعويض هو أن يكون بالتاء وغيرها نحو الإضافة ، فإن المضاف إليه هاهنا عوض عن المحذوف ، وفي التنزيل : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ قوله " وإيتاء " من آتى بالمد . ( بيان الإعراب ) قوله " الإسلام " مرفوع لإسناد بني إليه ، وقد ناب عن الفاعل . وقوله " على " يتعلق بقوله بني ، قوله " خمس " أي خمس دعائم ، وصرح به عبد الرزاق في روايته أو قواعد أو خصال ويروى خمسة . وهكذا رواية مسلم والتقدير خمسة أشياء أو أركان أو أصول ، ويقال : إنما حذف الهاء لكون الأشياء لم تذكر ؛ كقوله تعالى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أي عشرة أشياء . وكقوله عليه الصلاة والسلام " من صام رمضان فأتبعه ستا " ونحو ذلك ، قلت : ذكر النحاة أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء وتأنيثها بسقوط التاء إذا كان المميز مذكورا ، أما إذا لم يذكر فيجوز الأمر أن قوله " شهادة " مجرور لأنه بدل من قوله خمس بدل الكل من الكل ، ويجوز رفعه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف ؛ أي وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، ويجوز نصبه على تقدير : أعني شهادة أن لا إله إلا الله . قوله " أن " بالفتح مخففة من المثقلة ، ولهذا عطف عليه وأن محمدا رسول الله . قوله " وإقام " بالجر عطف على شهادة أن لا إله إلا الله وما بعده عطف عليه . ( بيان المعاني والبيان ) قوله " بني " إنما طوى ذكر الفاعل لشهرته ، وفيه الاستعارة بالكناية لأنه شبه الإسلام بمبنى له دعائم فذكر المشبه وطوى ذكر المشبه به وذكر ما هو من خواص المشبه به وهو البناء ، ويسمى هذا استعارة ترشيحية ، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية بأن تمثل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو شهادة أن لا إله إلا الله وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء . ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية بأن تقدر الاستعارة في بني والقرينة الإسلام ، شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل . وقد علمت أن الاستعارة التبعية تقع أولا في المصادر ومتعلقات معاني الحروف ثم تسري في الأفعال والصفات والحروف . والأظهر أن تكون استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الإسلام والقرينة بني على التخييل بأن شبه الإسلام بالبيت ثم خيل كأنه بيت على المبالغة ، ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل ، ثم خيل له ما يلازم البيت المشبه به من البناء ، ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية ، ثم نسب إليه ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة . قوله " وإقام الصلاة " كناية عن الإتيان بها بشروطها وأركانها . قوله " وإيتاء الزكاة " فيه شيئان أحدهما إطلاق الزكاة الذي هو في الأصل مصدر أو اسم مصدر على المال المخرج للمستحق ، والآخر حذف أحد المفعولين للعلم به ؛ لأن الإيتاء متعد إلى مفعولين ، والتقدير إيتاء الزكاة مستحقيها . قوله " والحج " فيه حذف أيضا أي وحج البيت والألف واللام فيه بدل من المضاف إليه . قوله " وصوم رمضان " فيه حذف أيضا أي وصوم شهر رمضان ، فإن قلت : ما الإضافة فيهما ؟ قلت : إضافة الحكم إلى سببه لأن سبب الحج البيت ، ولهذا لا يتكرر لعدم تكرر البيت والشهر يتكرر فيتكرر الصوم . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : يفهم من ظاهر الحديث أن الشخص لا يكون مسلما عند ترك شيء منها لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك شيء منها ، وقتل تارك الصلاة عند الشافعي وأحمد إنما هو حدا لا كفرا ، وإن كان روي عن أحمد وبعض المالكية كفرا . وقوله عليه السلام " من ترك صلاة متعمدا فقد كفر " محمول على الزجر والوعيد أو مؤول ؛ أي إذا كان مستحلا أو المراد كفران النعمة . الثاني : أن هذه الأشياء الخمسة من فروض الأعيان لا تسقط بإقامة البعض عن الباقين . الثالث : فيه جواز إطلاق رمضان من غير ذكر شهر خلافا لمن منع ذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى . ( الأسئلة والأجوبة ) الأول : ما قيل : ما وجه الحصر في هذه الخمسة ؟ وأجيب بأن العبادة إما قولية وهي الشهادة أو غير قولية فهي إما تركي وهو الصوم أو فعلي ، وهو إما بدني وهو الصلاة أو مالي وهو الزكاة أو مركب منهما وهو الحج . الثاني : ما قيل : ما وجه الترتيب بينها ؟ وأجيب بأن الواو لا تدل على الترتيب ، ولكن الحكمة في الذكر أن الإيمان أصل للعبادات فتعين تقديمه ، ثم الصلاة لأنها عماد الدين ، ثم الزكاة لأنها قرينة الصلاة ، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها ، فبالضرورة يقع الصوم آخرا . الثالث : ما قيل : الإسلام هو الكلمة فقط ؛ ولهذا يحكم بإسلام من تلفظ بها فلم ذكر الأخوات معها ؟ وأجيب تعظيما لإخوانها . وقال النووي : حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين ، وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها ، وبقيامه بها يتم إسلامه ، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله . الرابع : ما قيل : فعلى هذا التقدير الإسلام هو هذه الخمسة ، والمبني لا بد أن يكون غير المبني عليه ، وأجيب بأن الإسلام عبارة عن المجموع ، والمجموع غير كل واحد من أركانه . الخامس : ما قيل : الأربعة الأخيرة مبنية على الشهادة ؛ إذ لا يصح شيء منها إلا بعد الكلمة ؛ فالأربعة مبنية والشهادة مبني عليها ؛ فلا يجوز إدخالها في سلك واحد ، وأجيب بأنه لا محذور في أن يبنى أمر على أمر ، ثم الأمر أن يكون عليهما شيء آخر ، ويقال : لا نسلم أن الأربعة مبنية على الكلمة بل صحتها موقوفة عليها ؛ وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس ، وقال التيمي : قوله " بني الإسلام على خمس " كان ظاهره أن الإسلام مبني على هذه وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام ؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة ولو قالها فإنا نحكم في الوقت بإسلامه ، ثم إذا أنكر حكما من هذه الأحكام المذكورة المبنية على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد بيان أن الإسلام لا يتم إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيا عليها ولهذا المعنى سوى بينها وبين الشهادة وإن كانت هي الإسلام بعينه . وقال الكرماني : حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه ؛ فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة لا نفس الإسلام وهو حسن ، لكن قوله ثم إذا أنكر حكما من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث ؛ إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها لا في إنكارها ، وكيف وإنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة ؟ قلت : استدراك الكرماني لا وجه له فافهم . السادس : ما قيل لم لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل عليه السلام ؟ أجيب بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ؛ فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات . السابع : ما قيل لم لم يذكر فيه الجهاد ؟ أجيب بأنه لم يكن فرض ، وقيل : لأنه من فروض الكفايات وتلك فرائض الأعيان . قال الداودي : لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بعد من الكفار وهو فرض على من يليهم ، وكان أولا فرضا على الأعيان . وقيل : هو مذهب ابن عمر رضي الله عنهما والثوري وابن شبرمة إلا أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد . وجاء في البخاري في هذا الحديث في التفسير " أن رجلا قال لابن عمر : ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد ؟ " ، وفي بعضها في أوله " أن رجلا قال لابن عمر : ألا تغزو ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس " الحديث ؛ فهذا يدل على أن ابن عمر كان لا يرى فرضيته إما مطلقا كما نقل عنه أو في ذلك الوقت ، وجاء هنا : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله " ، وجاء في بعض طرقه " على أن يوحد الله " ، وفي أخرى : " على أن يعبد الله ويكفر بما دونه " بدل الشهادة ، قال بعضهم : جاءت الأولى على نقل اللفظ وما عداها على المعنى . وقد اختلف في هذه المسألة وهو جواز نقل الحديث بالمعنى من العالم بمواقع الألفاظ وتركيبها ، وأما من لا يعرف ذلك فلا خلاف في تحريمه عليه ، وجاء هاهنا : " والحج وصوم رمضان " بتقديم الحج ، وفي طريقين لمسلم وفي بعض الطرق بتقديم رمضان ، وفي بعضها " فقال رجل : الحج وصيام رمضان ، وقال ابن عمر : لا ؛ صيام رمضان والحج . هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . واختلف الناس في الجمع بين الروايات ، فقال المازري : تحمل مشاحة ابن عمر على أنه كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى وإن أداه بلفظ يحتمل أو كان يرى الواو توجب الترتيب فتجب المحافظة على اللفظ لأنه قد تتعلق به أحكام . وقيل : إن ابن عمر رواه على الأمرين ولكنه لما رد عليه الرجل قال : لا ترد علي ما لا علم لك به كما رواه في أحدهما ، وقيل : يحتمل أنه كان ناسيا للأخرى عند الإنكار ، ومنهم من قال : الصواب تقديم الصوم والرواية الأخرى وهم لإنكار ابن عمر وزجره عند ذكرها . واستضعف هذا بأنه يجر إلى توهين الرواية الصحيحة وطر ، واحتمال الفساد عند فتحه لأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق بكثير من الروايات إلا القليل ، ولأن الروايتين في الصحيح ولا تنافي بينهما كما تقدم من جواز رواية الأمرين . قال القاضي : وقد يكون رد ابن عمر الرجل إلى تقديم رمضان ؛ لأن وجوب صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة وفريضة الحج في سنة ست . وقيل : تسع بالمثناة ؛ فجاء لفظ ابن عمر على نسقها في التاريخ ، والله أعلم . وقال ابن صلاح : محافظة ابن عمر على ما سمعه حجة لمن قال بترتيب الواو ؛ قلت : للجمهور أن يجيبوا عن ذلك بأن تقديم الصوم لتقدم زمنه كما ذكرناه ، وفي قوله " واستضعف هذا " إلى آخره نظر . وقد وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه على مسلم عكس ما وقع في الصحيح ، وهو أن ابن عمر قال للرجل : اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت ، وأجاب عنه ابن صلاح بقوله : لا تقاوم هذه رواية مسلم . وقال النووي بأن القضية لرجلين ، فإن قلت : ما تقول في الرواية التي اقتصرت على إحدى الشهادتين ؟ قلت : إما اكتفاء بذكر إحداهما عن الأخرى لدلالتها عليها وإما لتقصير من الراوي ؛ فزاد عليه غيره فقبلت زيادته ، فافهم . والرجل المردود عليه تقديمه الحج اسمه يزيد بن بشر السكسكي ، ذكره الخطيب في الأسماء المبهمة له .
بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب الإيمان ) أي هذا كتاب الإيمان فيكون ارتفاع الكتاب على أنه خبر مبتدأ محذوف ويجوز العكس ، ويجوز نصبه على هاك كتاب الإيمان أو خذه ، ولما كان باب كيف كان بدء الوحي كالمقدمة في أول الجامع لم يذكره بالكتاب بل ذكره بالباب ثم شرع يذكر الكتب على طريقة أبواب الفقه وقدم كتاب الإيمان لأنه ملاك الأمر كله إذ الباقي مبني عليه مشروط به وبه النجاة في الدارين ، ثم أعقبه بكتاب العلم لأن مدار الكتب التي تأتي بعده كلها عليه وبه تعلم وتميز وتفصل ، وإنما أخره عن الإيمان لأن الإيمان أول واجب على المكلف أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها ، وكيف لا وهو مبدأ كل خير علما وعملا ومنشأ كل كمال دقا وجلا ؟ فإن قلت : فلم قدم باب الوحي ؟ قلت : قد ذكرت لك أن باب الوحي كالمقدمة في أول الجامع ، ومن شأنها أن تكون أمام المقصود وأيضا فالإيمان وجميع ما يتعلق به يتوقف عليه ، وشأن الموقوف عليه التقديم أو لأن الوحي أول خبر نزل من السماء إلى هذه الأمة ، ثم ذكر بعد ذلك كتاب الصلاة لأنها تالية الإيمان وثانيته في الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وأما السنة فقوله عليه السلام بني الإسلام على خمس الحديث . ولأنها عماد الدين والحاجة إليها ماسة لتكررها كل يوم خمس مرات ، ثم أعقبها بالزكاة لأنها ثالثة الإيمان وثانية الصلاة فيهما ، ولاعتناء الشارع بها لذكرها أكثر من الصوم والحج في الكتاب والسنة ، ثم أعقبها بالحج لأن العبادة إما بدنية محضة أو مالية محضة أو مركبة منهما ، فرتبها على هذا الترتيب ، والمفرد مقدم على المركب طبعا فقدمه أيضا وضعا ليوافق الوضع الطبع ، وأما تقديم الصلاة على الزكاة فلما ذكرنا ولأن الحج ورد فيه تغليظات عظيمة بخلاف الصوم ولعدم سقوطه بالبدل لوجوب الإتيان به ، إما مباشرة أو استنابة بخلاف الصوم ، ثم أعقب الحج بالصوم لكونه مذكورا في الحديث المشهور مع الأربعة المذكورة ، وفي وضع الفقهاء الصوم مقدم على الحج نظرا إلى كثرة دورانه بالنسبة إلى الحج ، وفي بعض النسخ يوجد كتاب الصوم مقدما على كتاب الحج كأوضاع الفقهاء ، ثم إنه توج كل واحد منها بالكتاب ، ثم قسم الكتاب إلى الأبواب لأن كل كتاب منها تحته أنواع ، فالعادة أن يذكر كل نوع بباب وربما يفصل كل باب بفصول كما في بعض الكتب الفقهية ، والكتاب يجمع الأبواب لأنه من الكتب وهو الجمع ، والباب هو النوع ، وأصل موضوعه المدخل ، ثم استعمل في المعاني مجازا ثم لفظة الكتاب هاهنا يجوز أن تكون بمعنى المكتوب كالحساب بمعنى المحسوب وهو في الأصل مصدر ، تقول : كتب يكتب كتبا وكتابة وكتابا ، ولفظ ( ك ت ب ) في جميع تصرفاته راجع إلى معنى الجمع والضم ، ومنه الكتيبة وهي الجيش لاجتماع الفرسان فيها ، وكتبت القربة إذ خرزتها ، وكتبت البغلة إذا جمعت بين شفرتيها بحلقة أو سير ، وكتبت الناقة تكتيبا إذا صررتها ، ثم إنه يوجد في كثير من النسخ على أول كل كتاب من الكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، وذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم أو أقطع ، فهذا وإن كانت البسملة مغنية عنه لكنه كررها لزيادة الاعتناء على التمسك بالسنة وللتبرك بابتداء اسم الله تعالى في أول كل أمر . باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس أي هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بني الإسلام على خمس ، فيكون ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب على خذ ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض النسخ باب الإيمان وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بني الإسلام على خمس ، والأولى أصح لأنه ذكر أولا كتاب الإيمان ولا يناسب بعده إلا الأبواب التي تدل على الأنواع ، وذكر باب الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته على ما لا يخفى ، وليس في رواية الأصيلي ذكر لفظ باب ، وقد أخرج قوله عليه السلام بني الإسلام على خمس الحديث هنا مسندا ، وفي غيره أيضا على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى ، وقال بعضهم : واقتصاره على طرفه من تسمية الشيء باسم بعضه ، قلت : لا تسمية هنا ، ولا إطلاق اسم بعض الشيء على الشيء ، وإنما البخاري لما أراد أن يبوب على هذا الحديث بابا ذكر أولا بعضه لأجل التبويب ، واكتفى عن ذكر كله عند الباب بذكره إياه مسندا فيما بعد ، فافهم . والكلام في الإيمان على أنواع : الأول في معناه اللغوي ، قال الزمخشري رحمه الله : الإيمان إفعال من الأمن ، يقال : آمنته وآمنته غيري ، ثم يقال : آمنه إذا صدقه ، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة ، وأما تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقر وأعترف ، وأما ما حكى أبو زيد عن العرب : ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت فحقيقته صرت ذا أمن به أي ذا سكون وطمأنينة ، وقال بعض شراح كلامه : وحقيقة قولهم آمنت صرت ذا أمن وسكون ، ثم ينقل إلى الوثوق ، ثم إلى التصديق . ولا خفاء أن اللفظ مجاز بالنسبة إلى هذين المعنيين لأن من آمنه التكذيب فقد صدقه ، ومن كان ذا أمن فهو في وثوق وطمأنينة ، فهو انتقال من الملزوم إلى اللازم . الثاني في معناه باعتبار عرف الشرع ، فقد اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع على أربع فرق : فرقة قالوا الإيمان فعل القلب فقط ، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين : أحدهما هو مذهب المحققين وإليه ذهب الأشعري وأكثر الأئمة كالقاضي عبد الجبار والأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني والحسين بن الفضل وغيرهم أنه مجرد التصديق بالقلب أي تصديق الرسول عليه السلام في كل ما علم مجيئه به بالضرورة تصديقا جازما مطلقا أي سواء كان لدليل أو لا ، فقولهم مجرد التصديق إشارة إلى أنه لا يعتبر فيه كونه مقرونا بعمل الجوارح والتقييد بالضرورة لإخراج ما لا يعلم بالضرورة أن الرسول عليه السلام جاء به كالاجتهاديات كالتصديق بأن الله تعالى عالم بالعلم أو عالم بذاته ، والتصديق بكونه مرئيا أو غير مرئي ، فإن هذين التصديقين وأمثالهما غير داخلة في مسمى الإيمان ، فلهذا لا يكفر منكر الاجتهاديات بالإجماع والتقييد بالجازم لإخراج التصديق الظني فإنه غير كاف في حصول الإيمان ، والتقييد بالإطلاق لدفع وهم خروج اعتقاد المقلد فإن إيمانه صحيح عند الأكثرين وهو الصحيح ، فإن قيل : اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم عند سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فلم زيد عليه الإيمان بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لاشتمال الإيمان بالكتب عليه لأن من جملة الكتب القرآن ، وهو يدل على وجوب أخذ كل ما جاء به عليه السلام باعتقاد حقيته والعمل به ؛ لقوله تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ والقول الثاني : أن الإيمان معرفة الله تعالى وحده بالقلب والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط ، حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان ، وهو قول جهم بن صفوان . وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان ، وهذا بعيد من الصواب لمخالفة ظاهر الحديث ، والصواب ما حكاه الكعبي عن جهم أن الإيمان معرفة الله تعالى مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، والفرقة الثانية قالوا : إن الإيمان عمل باللسان فقط ، وهم أيضا فريقان : الأول أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ولكن شرط كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب ، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا لأنها داخلة في مسمى الإيمان ، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي . الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وهو قول الكرامية ، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فيثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة ، والفرقة الثالثة قالوا : إن الإيمان عمل القلب واللسان معا ، أي في الإيمان الاستدلالي دون الذي بين العبد وبين ربه ، وقد اختلف هؤلاء على أقوال : الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء وبعض المتكلمين . الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا ، وهو قول بشر المريسي وأبي الحسن الأشعري . الثالث : أن الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب ، فإن قلت : ما حقيقة المعرفة بالقلب على قول أبي حنيفة رضي الله عنه ؟ قلت : فسروها بشيئين : الأول بالاعتقاد الجازم سواء كان اعتقادا تقليديا أو كان علما صادرا عن الدليل وهو الأكثر والأصح ، ولهذا حكموا بصحة إيمان المقلد الثاني بالعلم الصادر عن الدليل وهو الأقل ، فلذلك زعموا أن إيمان المقلد غير صحيح ، ثم اعلم أن لهؤلاء الفرقة اختلافا في موضع آخر أيضا وهو أن الإقرار باللسان هل هو ركن الإيمان أم شرط له في حق إجراء الأحكام ؟ قال بعضهم : هو شرط لذلك حتى إن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به من عند الله تعالى فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يقر بلسانه . وقال حافظ الدين النسفي ، هو المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه ، وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين وهو قول أبي منصور الماتريدي ، وقال بعضهم : هو ركن لكنه ليس بأصلي له كالتصديق ، بل هو ركن زائد ، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز . وقال فخر الإسلام : إن كونه ركنا زائدا مذهب الفقهاء وكونه شرطا لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين ، والفرقة الرابعة قالوا : إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح ، وهم أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي ، وقال الإمام : وهو مذهب المعتزلة والخوارج والزيدية ، أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة : الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة ، وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار ، لأن أصل الطاعات الإيمان وأصل المعاصي الكفر ، والفرع لا يحصل دون ما هو أصله ، وهو قول عبد الله بن سعيد . القول الثاني : أن الإيمان اسم للطاعات كلها فرائضها ونوافلها ، وهي بجملتها إيمان واحد وأن من ترك شيئا من الفرائض فقد انتقص إيمانه ، ومن ترك النوافل لا ينقص إيمانه . القول الثالث : أن الإيمان اسم للفرائض دون النوافل ، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به في الشرع التصديق ، يقال : آمن بالله أي صدق ، فإن الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، لا يقال : فلان آمن بكذا إذا صلى أو صام ، بل يقال : آمن لله كما يقال صلى لله ، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريق اللغة ، وأما إذا ذكر مطلقا غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول نقلا ثانيا من معنى التصديق إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة أو من باب الاعتقادات أو الأقوال والأفعال ، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار . والثاني : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل ، وهو قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم . والثالث : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، وهو قول النظام ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب كل الكبائر ، وأما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول معرفة الله تعالى ومعرفة كل ما نصب الله عليه دليلا عقليا أو نقليا ويتناول طاعة الله تعالى في جميع ما أمر به ونهى صغيرا كان أو كبيرا ، قالوا : مجموع هذه الأشياء هو الإيمان ويقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج ، ويقرب من مذهبهما ما ذهب إليه السلف وأهل الأثر أن الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالأركان . إلا أن بين هذه المذاهب فرقا وهو أن من ترك شيئا من الطاعات سواء أكان من الأفعال أو الأقوال خرج من الإيمان عند المعتزلة ، ولم يدخل في الكفر بل وقع في مرتبة بينهما يسمونها منزلة بين المنزلتين ، وعند الخوارج دخل في الكفر لأن ترك كل واحدة من الطاعات كفر عندهم ، وعند السلف لم يخرج من الإيمان . وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي : وهذه أول مسألة نشأت في الاعتزال ، ونقل عن الشافعي أنه قال : الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل . فالمخل بالأول وحده منافق ، وبالثاني وحده كافر ، وبالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة ، قال الإمام : هذا في غاية الصعوبة لأن العمل إذا كان ركنا لا يتحقق الإيمان بدونه ، فغير المؤمن كيف يخرج من النار ويدخل الجنة ؟ قلت : قد أجيب عن هذا الإشكال بأن الإيمان في كلام الشارع قد جاء بمعنى أصل الإيمان ، وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقرونا بالعمل ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث ، والإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان الحديث ، وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس : أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس . والإيمان بهذا المعنى هو المراد بالإيمان المنفي في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث . وهكذا كل موضع جاء بمثله فالخلاف في المسألة لفظي لأنه راجع إلى تفسير الإيمان وأنه في أي المعنيين منقول شرعي وفي أيهما مجاز ، ولا خلاف في المعنى فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين ، والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافا للمعتزلة والخوارج ، ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر : ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق الحديث . وقوله عليه السلام يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، فالحاصل أن السلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركنا من الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الأول وبأنه ينجو من النار باعتبار وجوده وإن فات الثاني ، فبهذا يندفع الإشكال ، فإن قلت : ما ماهية التصديق بالقلب ؟ قلت : قال الإمام قولا حاصله أن المراد من التصديق الحكم الذهني ، بيان ذلك أن من قال أن العالم محدث ليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا بالحدوث ، بل حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا فالحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث له ، فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو الانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص به ، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمرا واحدا يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات ، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم ، والدال غير المدلول . ثم نقول : هذا الحكم الذهني غير العلم لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به ، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم ، فيكون المراد من التصديق هو هذا الحكم الذهني ، ويعلم من هذا الكلام أن المراد من التصديق هاهنا هو التصديق المقابل للتصور . واعترض عليه صدر الشريعة بأن ذلك غير كاف ، فإن بعض الكفار كانوا عالمين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الآية . وفرعون كان عالما برسالة موسى عليه السلام ؛ لقوله تعالى حكاية عن خطاب موسى عليه السلام له مشيرا إلى المعجزات التي أوتيها : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْـزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ الآية . ومع ذلك كانوا كافرين ، ولو كان ذلك كافيا لكانوا مؤمنين لأن من صدق بقلبه فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى ، والإقرار باللسان شرط إجراء الأحكام كما هو مروي عن أبي حنيفة ، وأصح الروايتين عن الأشعري بل المراد به معناه اللغوي ، وهو أن ينسب الصدق إلى المخبر اختيارا ، قال : وإنما قيدنا بهذا لأنه إن وقع في القلب صدق المخبر ضرورة كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة ووقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير أن ينسب الصدق إلى النبي عليه السلام اختيارا لا يقال في اللغة أنه صدقه ، فعلم أن المراد من التصديق إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر اختيارا الذي هو الكلام النفسي ، ويسمى عقد الإيمان . والكفار العالمون برسالة الأنبياء عليهم السلام إنما لم يكونوا مؤمنين لأنهم كذبوا الرسل فهم كافرون لعدم التصديق لهم . ولقائل أن يقول : التصديق بالمعنى اللغوي عين التصديق المقابل للتصور لأن إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر هو الحكم بثبوت الصدق له ، وهو عين هذا التصديق ، وإنما لم يكن الكفار العالمون برسالة الرسل مؤمنين مع حصول التصديق لهم لأن من أنكر منهم رسالتهم أبطل تصديقه القلبي تكذيبه اللساني ومن لم ينكرها أبطله بترك الإقرار اختيارا لأن الإقرار شرط إجراء الأحكام على رأي كما مر ، وركن الإيمان حالة الاختيار على رأي كما مر ، فلا يدل كفرهم على أن هذا التصديق غير كاف ، ولهذا لو حصل التصديق لأحد ومات من ساعته فجأة قبل الإقرار يكون مؤمنا إجماعا . وبقي هنا شيء آخر وهو أن التصديق مأمور به فيكون فعلا اختياريا ، والتصديق المقابل للتصور ليس باختياري كما بين في موضعه ، فينبغي أن يجعل التصديق فعلا من أفعال النفس الاختيارية أو يقيد بأن يكون حصوله اختيارا بمباشرة سببه المعد لحصوله كما قيد المعترض التصديق اللغوي بذلك إلا أنه يلزم على هذا اختصاص التصديق بأن يكون علما صادرا عن الدليل . إذا عرفت هذا ، فنقول : احتج المحققون بوجوه : منها ما يدل على أن الإيمان هو التصديق ، ومنها ما يدل على أن الإيمان بالاجتهاديات كاعتقاد كونه عز وجل مرئيا أو غير مرئي ونحوه غير واجب . ومنها ما يدل على صحة إيمان المقلد وعدم اختصاص التصديق بما يكون عن دليل . القسم الأول : ثلاثة أوجه : الأول : أن الخطاب الذي توجه علينا بلفظ آمنوا بالله إنما هو بلسان العرب ، ولم تكن العرب تعرف من لفظ الإيمان فيه إلا التصديق ، والنقل عن التصديق لم يثبت فيه ؛ إذ لو ثبت لنقل إلينا تواترا ، واشتهر المعنى المنقول إليه لتوفر الدواعي على نقله ومعرفة ذلك المعنى لأنه من أكثر الألفاظ دورا على ألسنة المسلمين ، فلما لم ينقل كذلك عرفنا أنه باق على معنى التصديق . الثاني : الآيات الدالة على أن محل الإيمان هو القلب ؛ مثل قوله تعالى أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وقوله تعالى مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة حين قتل : من قال لا إله إلا الله واعتذر بأنه لم يقله عن اعتقاد بل عن خوف القتل هلا شققت عن قلبه ؟ . فإن قلت : لا يلزم من كون محل الإيمان هو القلب كون الإيمان عبارة عن التصديق لجواز كونه عبارة عن المعرفة كما ذهب إليه جهم بن صفوان ، قلت : لا سبيل إلى كونه عبارة عن المعرفة لوجهين : الأول أن لفظ الإيمان في خطاب آمنوا بالله مستعمل في لسان العرب في التصديق وأنه غير منقول عنه إلى معنى آخر ، فلو كان عبارة عن المعرفة للزم صرفه عما يفهم منه عند العرب إلى غيره من غير قرينة وذلك باطل ، وإلا لجاز مثله في سائر الألفاظ ، وفيه إبطال اللغات ولزوم تطرق الخلل إلى الدلائل السمعية وارتفاع الوثوق عليها ، وهذا خلف . الثاني : أن أهل الكتاب وفرعون كانوا عارفين بنبوة محمد وموسى عليهما السلام ولم يكونوا مؤمنين لعدم التصديق ، فتعين كونه عبارة عن التصديق ؛ إذ لا قائل بثالث . الوجه الثالث : أن الكفر ضد الإيمان ، ولهذا استعمل في مقابلته ؛ قال الله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ والكفر هو التكذيب والجحود ، وهما يكونان بالقلب ؛ فكذا ما يضادهما إذ لا تضاد عند تغاير المحلين ؛ فثبت أن الإيمان فعل القلب وأنه عبارة عن التصديق لأن ضد التكذيب التصديق . فإن قلت : جاز أن يكون حصول التكذيب والتصديق باللسان بدون التصديق القلبي لا وجودا ولا عدما ؛ أما وجودا ففي المنافق وأما عدما ففي المكره بالقتل على إجراء كلمة الكفر على لسانه إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ؛ قال الله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ نفى عن المنافقين الإيمان مع التصديق اللساني لعدم التصديق القلبي ، وقال تعالى : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ أباح للمكره التكذيب باللسان عند وجود التصديق القلبي . القسم الثاني : ثمانية أوجه : الأول : وهو ما يدل على أن الإقرار باللسان غير داخل فيه ما أشرنا أنه لا يدل وجوده على وجود الإيمان ولا عدمه على عدمه ؛ فجعل شرطا لإجراء الأحكام لأن الأصل في الأحكام أن تكون مبنية على الأمور الظاهرة إذا كان أسبابها الحقيقية خفية لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعسر ، وأن تقام هي مقامها كما في السفر مع المشقة والتقاء الختانين مع الإنزال ؛ فكذلك هاهنا لما كان التصديق القلبي الذي هو مناط الأحكام الإسلامية أمرا باطنا جعل دليله الظاهر وهو الإقرار بالقلب قائما مقامه لأن الموضوع للدلالة على المعاني الحاصلة في القلب إذا قصد الإعلام بها على ما هو الأصل إنما هي العبارة لا الإشارة والكتابة وأمثالهما ؛ فيحكم بإيمان من تلفظ بكلمتي الشهادة سواء تحقق معه التصديق القلبي أو لا ، ويحكم بكفر من لم يتلفظ بهما مع تمكنه سواء كان معه التصديق القلبي أو لا ، ومن جعله ركنا فإنما جعله ركنا أيضا لدلالته على التصديق لا لخصوص كونه إقرارا ، ألا ترى أن الكافر إذا صلى بجماعة يحكم بإسلامه وتجري عليه أحكام أهل الإيمان عند أبي حنيفة وأصحابه خلافا للشافعي ؟ لأن الصلاة بالجماعة أيضا جعلت دليلا على تحقق الإيمان ؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو منا أي الصلاة المختصة بنا وهي الصلاة بالجماعة بخلاف الصلاة منفردا وسائر العبادات لعدم اختصاصها بملتنا ، هذا كله في الإيمان الاستدلالي الذي تجري عليه الأحكام ، وأما الإيمان الذي يجري بين العبد وبين ربه فإنه يتحقق بدون الإقرار فيمن عرف الله تعالى وسائر ما يجب الإيمان به بالدليل واعتقد ثبوتها ومات قبل أن يجد من الوقت قدر ما يتلفظ بكلمتي الشهادة أو وجده لكنه لم يتلفظ بهما ، فإنه يحكم بأنه مؤمن لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وهذا قلبه مملوء من الإيمان ، فكيف لا يكون مؤمنا ؟ فإن قيل : يلزم من هذا أن لا يكون الإقرار باللسان معتبرا في الإيمان وهو خلاف الإجماع لأن الإجماع منعقد على أنه معتبر ، وإنما الخلاف في كونه ركنا أو شرطا ، قلت : منع الغزالي هذا الإجماع وحكم بكونه مؤمنا وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان ، ومن كلامه يفهم جواز ترك الإقرار حالة الاختيار أيضا في الجملة وهو بمعنى ثان لكونه ركنا زائدا . الثاني : أنه يدل على أن أعمال سائر الجوارح غير داخلة فيه لأنه عطف العمل الصالح على الإيمان في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُـزُلا وقوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الآية ، وقوله إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ الآية . فهذه كلها تدل على خروجه عنه ؛ إذ لو دخل فيه يلزم من عطفه عليه التكرار من غير فائدة . الثالث : مقارنته بضد العمل الصالح كما في قوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية . ووجه دلالته على المطلوب أنه لا يجوز مقارنة الشيء بضد جزئه . الرابع : قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أي لم يخلطوه بارتكاب المحرمات ، ولو كانت الطاعة داخلة في الإيمان لكان الظلم منفيا عن الإيمان لأن ضد جزء الشيء يكون منفيا عنه ، وإلا يلزم اجتماع الضدين فيكون عطف الاجتناب منها عليه تكرارا بلا فائدة . الخامس : أنه تعالى جعل الإيمان شرطا لصحة العمل ، قال الله تعالى : وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقال الله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وشرط الشيء يكون خارجا عن ماهيته . السادس : أنه تعالى خاطب عباده باسم الإيمان ، ثم كلفهم بالأعمال كما في آيات الصوم والصلاة والوضوء ، وذلك يدل على خروج العمل من مفهوم الإيمان وإلا يلزم التكليف بتحصيل الحاصل . السابع : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اقتصر عند سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان بذكر التصديق ؛ حيث قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث ، ثم قال في آخره : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم ، ولو كان الإيمان اسما للتصديق مع شيء آخر كان النبي صلى الله عليه وسلم مقصرا في الجواب وكان جبريل عليه السلام آتيا ليلبس عليهم أمر دينهم لا ليعلمهم إياه . الثامن : أنه تعالى أمر المؤمنين بالتوبة في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ وهذا يدل على صحة اجتماع الإيمان مع المعصية لأن التوبة لا تكون إلا من المعصية ، والشيء لا يجتمع مع ضد جزئه . القسم الثالث : وجه واحد وهو أنه عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالما بذاته أو بالعلم أو كونه عالما بالجزئيات على الوجه الكلي أو على الوجه الجزئي ، ولو كان التصديق بأمثال ذلك معتبرا في تحقق الإيمان لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان مثله . القسم الرابع : وجهان ، وتقريرهما موقوف على تحرير المسألة أولا وهي متفرعة على إطلاق التصديق في تعريف الإيمان ، فنقول : قال أهل السنة : من اعتقد أركان الدين من التوحيد والنبوة والصلاة والزكاة والصوم والحج تقليدا ، فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة عليها ، وقال : لا آمن ورود شبهة يفسدها فهو كافر ، وإن لم يعتقد جواز ذلك بل جزم على ذلك الاعتقاد فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : إنه مؤمن وإن كان عاصيا بترك النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة قواعد الدين كسائر فساق المسلمين وهو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ، وعاقبة أمره الجنة لا محالة . وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر ، وعبد الله بن سعيد القطان والحارث بن أسد وعبد العزيز بن يحيى المكي وأكثر المتكلمين . وقال عامة المعتزلة : إنه ليس بمؤمن ولا كافر ، وقال أبو هاشم : إنه كافر ، فعندهم إنما يحكم بإيمانه إذا عرف ما يجب الإيمان به من أصول الدين بالدليل العقلي على وجه يمكنه مجادلة الخصوم وحل جميع ما يورد عليه من الشبه حتى إذا عجز عن شيء من ذلك لم يحكم بإسلامه . وقال الأشعري : وقوم من المتكلمين لا يستحق أن يطلق عليه اسم الإيمان إلا بعد أن يعرف كل مسألة من مسائل أصول الدين بدليل عقلي غير أن الشرط أن يعرف ذلك بقلبه سواء أحسن العبارة عنه أو لا ؛ يعني لا يشترط أن يقدر على التعبير عن الدليل بلسانه ويبينه مرتبا موجها ، وقالوا : هذا وإن لم يكن مؤمنا عندنا على الإطلاق لكنه ليس بكافر أيضا لوجود ما يضاد الكفر فيه وهو التصديق ، وقالوا : وإنما قيدنا الدليل بالعقلي لأنه لا يجوز الاستدلال في إثبات أصول الدين بالدليل السمعي ؛ لأن ثبوت الدليل السمعي موقوف على ثبوت وجود الصانع والنبوة ، فلو أثبت وجود الصانع والنبوة به لزم الدور ، والمراد من التقليد هو اعتقاد حقية قول الغير على وجه الجزم من غير أن يعرف دليله ، وإذا عرف هذا جئنا إلى بيان وجهي المذهب الأصح : الأول : أن المقلد مأمور بالإيمان ، وقد ثبت أن الإيمان هو التصديق القلبي ، وقد أتى به فيكون مؤمنا وإن لم يعرف الدليل ، ونظير هذا الاحتجاج ما روي أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لما قيل له : ما بال أقوام يقولون يدخل المؤمن النار ؟ فقال : لا يدخل النار إلا المؤمن ، فقيل له : والكافر ، فقال : كلهم مؤمنون يومئذ . كذا ذكره في الفقه الأكبر ، فقد جعل الكفار مؤمنين في الآخرة لوجود التصديق منهم ، والكافر أيضا عند الموت يصير مؤمنا لأنه بمعاينة ملك الموت وأمارات عذاب الآخرة يضطر إلى التصديق إلا أن الإيمان في الآخرة وعند معاينة العذاب لا يفيد حصول ثواب الآخرة ولا يندفع به عقوبة الكفر ، وهذا هو المعنى من قول العلماء : إن إيمان اليأس لا يصح أي لا ينفع ولا يقبل لا أنه لا يتحقق ؛ إذ حقيقة الإيمان التصديق وهو يتحقق إذ الحقائق لا تتبدل بالأحوال ، وإنما يتبدل الاعتبار والأحكام . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد من صدقه في جميع ما جاء به من عند الله مؤمنا ، ولا يشتغل بتعليمه من الدلائل العقلية في المسائل الاعتقادية مقدار ما يستدل به مستدل ويناظر به الخصوم ويذب عن حريم الدين ويقدر على حل ما يورد عليه من الشبه ، ولا بتعليم كيفية النظر والاستدلال وتأليف القياسات العقلية وطرق المناظرة والإلزام . وكذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل إيمان من آمن من أهل الردة ، ولم يعلمهم الدلائل التي يصيرون بها مستبصرين من طرق العقل ، وكذا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق قبل هو وعماله إيمان من كان بها من الزط والأنباط ، وهما صنفان من الناس مع قلة أذهانهم وبلادة أفهامهم وصرفهم أعمارهم في الفلاحة ، وضرب المعاول وكري الأنهار والجداول ، ولو لم يكن إيمان المقلد معتبرا لفقد شرطه وهو الاستدلال العقلي لاشتغلوا بأحد أمرين إما بالإعراض عن قبول إسلامهم أو بنصب متكلم حاذق بصير بالأدلة عالم بكيفية المحاجة ليعلمهم صناعة الكلام حتى يحكموا بإيمانهم ، ولما امتنعوا عن كل واحد من هذين الأمرين وامتنع أيضا كل من قام مقامهم إلى يومنا هذا عن ذلك ، ظهر أن ما ذهب إليه الخصم باطل لأنه خلاف صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه العظام وغيرهم من الأئمة الأعلام . النوع الثالث : في أن الإيمان هل يزيد وينقص ؟ وهو أيضا من فروع اختلافهم في حقيقة الإيمان ، فقال بعض من ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق : إن حقيقة التصديق شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان ، وقال آخرون : إنه لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لا يبقى إيمانا ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ونحوها من الآيات . وقال الداودي : سئل مالك عن نقص الإيمان ، وقال : قد ذكر الله تعالى زيادته في القرآن وتوقف عن نقصه ، وقال : لو نقص لذهب كله ، وقال ابن بطال : مذهب جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، والحجة على ذلك ما أورده البخاري ، قال : فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص ، وذكر الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود ، ومعاذ وأبو الدرداء ، وابن عباس وابن عمر ، وعمار وأبو هريرة ، وحذيفة وسلمان ، وعبد الله بن رواحة وأبو أمامة وجندب بن عبد الله ، وعمير بن حبيب وعائشة رضي الله تعالى عنهم . ومن التابعين : كعب الأحبار وعروة وعطاء ، وطاوس ومجاهد وابن أبي مليكة ، وميمون بن مهران وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ، والحسن ويحيى بن أبي كثير والزهري ، وقتادة وأيوب ويونس وابن عون ، وسليمان التيمي وإبراهيم النخعي وأبو البحتري وعبد الكريم الجريري ، وزيد بن الحارث والأعمش ومنصور ، والحكم وحمزة الزيات وهشام بن حسان ومعقل بن عبيد الله الجريري ، ثم محمد بن أبي ليلى والحسن بن صالح ومالك بن مغول ، ومفضل بن مهلهل وأبو سعيد الفزاري وزائدة وجرير بن عبد الحميد ، وأبو هشام عبد ربه وعبثر بن القاسم وعبد الوهاب الثقفي ، وابن المبارك وإسحاق بن إبراهيم وأبو عبيد بن سلام ، وأبو محمد الدارمي والذهلي ومحمد بن أسلم الطوسي ، وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود ، وزهير بن معاوية وزائدة وشعيب بن حرب ، وإسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم والوليد بن محمد ، والنضر بن شميل والنضر بن محمد . وقال سهل بن متوكل : أدركت ألف أستاذ كلهم يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، وقال يعقوب بن سفيان : إن أهل السنة والجماعة على ذلك بمكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ؛ منهم : عبد الله بن يزيد المقري ، وعبد الملك الماجشون ، ومطرف ، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري ، والضحاك بن مخلد ، وأبو الوليد ، وأبو النعمان ، والقعنبي ، وأبو نعيم ، وعبيد الله بن موسى ، وقبيصة ، وأحمد بن يونس ، وعمرو بن عون ، وعاصم بن علي ، وعبد الله بن صالح كاتب الليث ، وسعيد بن أبي مريم ، والنضر بن عبد الجبار ، وابن بكير ، وأحمد بن صالح ، وأصبغ بن الفرج ، وآدم بن أبي إياس ، وعبد الأعلى بن مسهر ، وهشام بن عمار ، وسليمان بن عبد الرحمن ، وعبد الرحمن بن إبراهيم ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وحيوة بن شريح ، ومكي بن إبراهيم ، وصدقة بن الفضل ، ونظراؤهم من أهل بلادهم . وذكر أبو الحسن عبد الرحمن ابن عمر في كتاب الإيمان ذلك عن خلق ، قال : وأما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان فخشيه أن يتناول عليه موافقة الخوارج ، وقال رستة : ما ذاكرت أحدا من أصحابنا من أهل العلم مثل علي بن المديني وسليمان يعني ابن حرب والحميدي وغيرهم إلا يقولون : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص . وكذا روي عن عمير بن حبيب وكان من أصحاب الشجرة ، وحكاه اللالكائي في كتاب السنن عن وكيع وسعيد بن عبد العزيز ، وشريك وأبي بكر بن أبي عياش ، وعبد العزيز بن أبي سلمة والحمادين ، وأبي ثور والشافعي وأحمد بن حنبل . وقال الإمام : هذا البحث لفظي لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما وإن كان الطاعات فيقبلهما ، ثم قال : الطاعات مكملة للتصديق ؛ فكل ما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفا إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق ، وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل وهو مقرون بالعمل . وقال بعض المتأخرين : الحق أن الإيمان يقبلهما سواء كان عبارة عن التصديق مع الأعمال وهو ظاهر أو بمعنى التصديق وحده ؛ لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد الجازم وهو قابل للقوة والضعف فإن التصديق بجسمية الشبح الذي بين أيدينا أقوى من التصديق بجسميته إذا كان بعيدا عنا ، ولأنه يبتدئ في التنزل من أجلى البديهيات ؛ كقولنا : النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، ثم ينزل إلى ما دونه كقولنا : الأشياء المتساوية بشيء واحد متساوية ، ثم إلى أجلى النظريات كوجود الصانع ، ثم إلى ما دونه ككونه مرئيا ، ثم إلى أخفاها كاعتقاد أن العرض لا يبقى زمانين . وقال بعض المحققين : الحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان بوجهين : الأول : القوة والضعف لأنه من الكيفيات النفسانية ، وهي تقبل الزيادة والنقصان كالفرح والحزن والغضب ولو لم يكن كذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأفراد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا ؛ ولقول إبراهيم عليه السلام : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الثاني : التصديق التفصيلي في إفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالآخر ، وقال بعضهم في هذا المقام الذي يؤدي إليه نظري : إنه ينبغي أن يكون الحق الحقيق بالقبول أن الإيمان بحسب التصديق يزيد بزيادة الكمية المعظمة وهي العدد قبل تقرر الشرائع بأن يؤمن الإنسان بجملة ما ثبت من الفرائض ، ثم يثبت فرض آخر فيؤمن به أيضا ، ثم وثم فيزداد إيمانه أو يؤمن بحقية كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا قبل أن تبلغ إليه الشرائع تفصيلا ، ثم تبلغه فيؤمن بها تفصيلا بعدما آمن به إجمالا فيزداد إيمانه . فإن قلت : يلزم من هذا تفضيل من آمن بعد تقرير الشرائع على من مات في زمن الرسول عليه السلام من المهاجرين والأنصار لأن إيمان أولئك أزيد من إيمان هؤلاء . قلت : لا نسلم أن هذه الزيادة سبب التفضيل في الآخرة ، وسند المنع أن كل واحد من هذين الفريقين مؤمن بجميع ما يجب الإيمان به بحسب زمانه ، وهما متساويان في ذلك ، وأيضا إنما يلزم تفضيلهم على الصحابة بسبب زيادة عدد إيمانهم لو لم يكن لإيمانهم ترجيح باعتبار آخر وهو قوة اليقين ، وهو ممنوع لأن لإيمانهم ترجيحا ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : لو وزن إيمان أبي بكر مع إيمان جميع الخلق لرجح إيمان أبي بكر رضي الله عنه ، ولا ينقص الإيمان بحسب العدد قبل تقرر الشرائع ، ولا يلزم ترك الإيمان بنقص ما يجب الإيمان به ويزيد وينقص بحسب العدد بعد تقرر الشرائع بتكرار التصديق والتلفظ بكلمتي الشهادة مرة بعد أخرى بعد الذهول عنه تكرارا كثيرا أو قليلا ، ويزيد وينقص مطلقا أي قبل تقرر الشرائع وبعده بحسب الكيفية أي القوة والضعف ، بحسب ظهور أدلة حقية المؤمن به وخفائها وقوتها وضعفها وقوة اعتقاد المقلد في المقلد وضعفه ، وروي عن بعض المحققين أنه قال : الأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ، ولهذا يكون إيمان الصديقين والراسخين في العلم أقوى من إيمان غيرهم ، بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يزلزل إيمانهم معارض ، ولا تزال قلوبهم منشرحة للإسلام وإن اختلفت عليهم الأحوال . النوع الرابع : في أن الإسلام مغاير للإيمان أو هما متحدان ، فنقول : الإسلام في اللغة الانقياد والإذعان ، وفي الشريعة الانقياد لله بقبول رسوله عليه السلام بالتلفظ بكلمتي الشهادة والإتيان بالواجبات والانتهاء عن المنكرات ، كما دل عليه جواب النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه ، حيث قال النبي عليه السلام : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان . ويطلق الإسلام على دين محمد ، يقال : دين الإسلام كما يقال دين اليهودية والنصرانية ، قال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال عليه السلام : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ، ثم اختلف العلماء فيهما ، فذهب المحققون إلى أنهما متغايران وهو الصحيح ، وذهب بعض المحدثين والمتكلمين وجمهور المعتزلة إلى أن الإيمان هو الإسلام ، والاسمان مترادفان شرعا ، وقال الخطابي : والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام ولا يطلق ، وذلك أن المسلم قد يكون في بعض الأحوال دون بعض ، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال ، فكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمنا . وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها ، وأصل الإيمان التصديق ، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد ، فقد يكون المرء مسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن ، وقد يكون صادقا بالباطن غير منقاد في الظاهر ، قلت : هذه إشارة إلى أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا كما صرح به بعض الفضلاء ، والحق أن بينهما عموما وخصوصا من وجه لأن الإيمان أيضا قد يوجد بدون الإسلام كما في شاهق الجبل إذا عرف الله بعقله وصدق بوجوده ووحدته وسائر صفاته قبل أن تبلغه دعوة نبي ، وكذا في الكافر إذا اعتقد جميع ما يجب الإيمان به اعتقادا جازما ومات فجأة قبل الإقرار والعمل ، والحاصل أن بيان النسبة بين الإيمان والإسلام بالمساواة أو بالعموم والخصوص موقوف على تفسير الإيمان ، فقال المتأخرون : هو تصديق الرسول عليه السلام بما علم مجيئه به ضرورة ، والحنفية : التصديق والإقرار ، والكرامية : الإقرار ، وبعض المعتزلة : الأعمال ، والسلف : التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان . فهذه أقوال خمسة ، الثلاثة منها بسيطة وواحد مركب ثنائي ، والخامس مركب ثلاثي . ووجه الحصر أنه إما بسيط أو لا ، والبسيط إما اعتقادي أو قولي أو عملي وغير البسيط إما ثنائي وإما ثلاثي . وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله تعالى ، أما عندنا فالإيمان هو بالكلمة فإذا قالها حكمنا بإيمانه اتفاقا بلا خلاف ، ثم لا تغفل أن النزاع في نفس الإيمان ، وأما الكمال فإنه لا بد فيه من الثلاثة إجماعا ، ثم إن الذين ذهبوا إلى أن الإيمان هو الإسلام والإسلام مترادفان استدلوا على ذلك بوجوه : الأول : أن الإيمان هو التصديق بالله ، والإسلام إما أن يكون مأخوذا من التسليم وهو تسليم العبد نفسه لله تعالى أو يكون مأخوذا من الاستسلام وهو الانقياد ، وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب واعتقاده أنه تعالى خالقه لا شريك له . الثاني : قوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ بين أن دين الله هو الإسلام ، وأن كل دين غير الإسلام غير مقبول ، والإيمان دين لا محالة ، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولا وليس كذلك . الثالث : لو كانا متغايرين لتصور أحدهما بدون الآخر ولتصور مسلم ليس بمؤمن ، وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم أن الإيمان هو التصديق بالله فقط ، وإلا لكان كثير من الكفار مؤمنين لتصديقهم بالله بل هو تصديق الرسول بكل ما علم مجيئه به بالضرورة كما مر ، ولئن سلمنا لكن لا نسلم أن التسليم هاهنا بمعنى تسليم العبد نفسه ، لم لا يجوز أن يكون بمعنى الاستسلام وهو الانقياد ؟ ولأن أحد معاني التسليم الانقياد ، وحينئذ يلزم تغايرهما لجواز الانقياد ظاهرا بدون تصديق القلب ، وعن الثاني بأنا لا نسلم أن الإيمان الذي هو التصديق فقط دين بل الدين ، إنما يقال لمجموع الأركان المعتبرة في كل دين كالإسلام بتفسير النبي عليه السلام ، ولهذا يقال : دين الإسلام ، ولا يقال : دين الإيمان . وهذا أيضا فرق آخر ، ومعنى الآية : ومن يبتغ دينا غير دين محمد فلن يقبل منه ، وعن الثالث بأن عدم تغايرهما بمعنى عدم الانفكاك لا يوجب اتحادهما معنى ، وأيضا المنافقون كلهم مسلمون بالتفسير المذكور غير مؤمنين ، فقد وجد أحدهما بدون الآخر ثم إنهم أولوا الآية بأن المراد بأسلمنا استسلمنا أي انقدنا ، والخبر بأن سؤال جبريل عليه السلام ما كان عن الإسلام بل عن شرائع الإسلام ، وأسندوا هذا إلى بعض الرواة ، وأجيب بأن الاستسلام هاهنا ينبغي أن يكون بالمعنى المذكور في تعريف الإسلام وإلا لما تمكن المنافقون من دعوى الإيمان ، وحينئذ لا فائدة في هذا التأويل ، والمذكور في الصحيحين وغيرهما ما ذكرنا ولا تعارضه هذه الرواية الغريبة المخالفة للظاهر ، قلت : في إثبات وحدة الإيمان والإسلام صعوبة وعسر لأنا لو نظرنا إلى قوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لزم اتحادهما إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لم يقبل قط ، فتعين أن يكون عينه لأن الإيمان هو الدين والدين هو الإسلام ؛ لقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ فينتج أن الإيمان هو الإسلام ، ولو نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان والإسلام : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ، والإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . لزم تغايرهما بتصريح تفسيرهما ، ولأن قوله تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يدل على المغايرة بينهما لأن العطف يقتضي تغاير المعطوف والمعطوف عليه . النوع الخامس : في أن الإيمان هل هو مخلوق أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه مخلوق ، فمنهم الحارث المحاسبي وجعفر بن حرب ، وعبد الله بن كلاب وعبد العزيز المكي ، وذكر عن أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث أنهم قالوا : الإيمان غير مخلوق ، وأحسن ما قيل فيه ما روي عن الفقيه أبي الليث السمرقندي أنه قال : إن الإيمان إقرار وهداية ، فالإقرار صنع العبد وهو مخلوق والهداية صنع الرب وهو غير مخلوق . النوع السادس : في قران المشيئة بالإيمان ، فقالت طائفة : لا بد من قرانها ، وحكي هذا عن أكثر المتكلمين ، وقالت طائفة بجوازها ، وقال بعض الشافعية : هو المختار ، وقول أهل التحقيق ، وقالت طائفة بجواز الأمرين ، قال بعض الشافعية : هو حسن ، وقالت الحنفية : لا يصح ذلك ، فمن قارن إيمانه بالمشيئة لم يصح إيمانه ، ورووا ما ذكر في كتاب أبي سعيد محمد بن علي بن مهدي النقاش ، عن أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه : من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله ، ومن قال : أنا مؤمن إن شاء الله ، فليس له في الإسلام نصيب . وفيه أيضا من حديث أبي هريرة يرفعه : الإيمان ثابت ليس به زيادة ولا نقص ، نقصانه وزيادته كفر . ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه يرفعه : من زعم أن الإيمان يزيد وينقص ، فزيادته نقص ونقصه كفر . وفي كل ذلك نظر . النوع السابع : اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق مع ذلك بالشهادتين ، قال : فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلا بل يخلد في النار إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك ، فإنه حينئذ يكون مؤمنا بالاعتقاد من غير لفظ ، وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول : وأنا بريء من كل دين خالف دين الإسلام على الأصح ، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب ، ولا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ ، ومن أصحابنا من اشترط التبرؤ مطلقا وهو غلط ، لقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ومنهم من استحبه مطلقا ، كالاعتراف بالبعث أما إذا اقتصر الكافر على قوله لا إله إلا الله ولم يقل : محمد رسول الله ، فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلما ، ومن أصحابنا من قال : يصير مسلما ويطالب بالشهادة الأخرى ، فإن أبى جعل مرتدا ، وحجة الجمهور الرواية السالفة وهي مقدمة على هذه لأنها زيادة من ثقة وليس فيها نفي للشهادة الثانية ، وإنما أن فيها تنبيها على الأخرى ، وأغرب القاضي حسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر بأحكامها مع النطق بها ، فأما مجرد قولها فلا وهو عجيب منه ، وقال النووي : اشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام ، فيقدم الإقرار بالله على الإقرار برسوله ، ولم أر من وافقه ولا من خالفه ، وذكر الحليمي في منهاجه ألفاظا تقوم مقام لا إله إلا الله في بعضها نظر لانتفاء ترادفها حقيقة ، فقال : ويحصل الإسلام بقوله لا إله غير الله ولا إله سوى الله أو ما عدا الله ، ولا إله إلا الرحمن أو البارئ ، أو لا رحمن أو لا بارئ إلا الله ، أو لا ملك أو لا رازق إلا الله ، وكذا لو قال : لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحكيم أو الكريم وبالعكس ، قال : ولو قال أحمد أبو القاسم رسول الله فهو كقوله محمد . ( وهو قول وفعل ويزيد وينقص ) أي إن الإيمان قول باللسان وفعل بالجوارح . فإن قلت : الإيمان عنده قول وفعل واعتقاد ، فكيف ذكر القول والفعل ولم يذكر الاعتقاد الذي هو الأصل ؟ قلت : لا نزاع في أن الاعتقاد لا بد منه والكلام في القول والفعل هل هما منه أم لا ؛ فلأجل ذلك ذكر ما هو المتنازع فيه ، وأجيب أيضا بأن الفعل أعم من فعل الجوارح فيتناول فعل القلب . وفيه نظر من وجهين : أحدهما هو أن يقال لا حاجة إلى ذكر القول أيضا لأنه فعل اللسان ، والآخر أن الاعتقاد من مقولة الانفعال أو الفعل ، وفيه تأمل . فإن قلت : ما وجه من أعاد الضمير أعني هو إلى الإسلام . قلت : وجهه أن الإيمان والإسلام واحد عند البخاري ، فإذا كان كلاهما واحدا يجوز عود الضمير إلى كل واحد منهما . قوله يزيد وينقص أي الإيمان والإسلام قبل الزيادة والنقصان ، هذا على تقدير دخول القول والفعل فيه ظاهر ، وأما على تقدير أن يكون نفس التصديق فإنه أيضا يزيد وينقص أي قوة وضعفا أو إجمالا وتفصيلا أو تعدادا بحسب تعدد المؤمن به كما حققناه ، فما مضى وهذا الذي قاله البخاري منقول عن سفيان بن عيينة ، فإنه قال : الإيمان قول وفعل يزيد وينقص . فقال له أخوه إبراهيم : لا تقل ينقص فغضب ، وقال : اسكت يا صبي ، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء . قال أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد رستة : حدثنا الحميدي ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، قال : سألت عشرة من الفقهاء ، فكلهم قالوا : الإيمان قول وعمل . الثوري ، وهشام بن حسان ، وابن جريج ، ومحمد بن عمرو بن عثمان ، والمثنى بن الصباح ، ونافع بن عمر الجمحي ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، ومالك بن أنس ، وفضيل بن عياض ، وسفيان بن عيينة . قال رستة : وحدثنا بعض أصحابنا عن عبد الرزاق ، قال : سمعت معمرا والأوزاعي يقولان : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . قال الله تعالى : لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وقوله أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله جل ذكره فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقوله تعالى وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا هذه ثمان آيات ذكرها دليلا على زيادة الإيمان ، وقد قلنا : إنه كثيرا ما يستدل لترجمة الباب بالقرآن وبما وقع له من سنة مسندة وغيرها أو أثر من الصحابة أو قول للعلماء ونحو ذلك ، ولكن ذكر هذه الآيات ما كان يناسب إلا في باب زيادة الإيمان ونقصانه . فإن قلت : الآيات دلت على الزيادة فقط ، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما ، قلت : قال الكرماني : كل ما قبل الزيادة لا بد أن يكون قابلا للنقصان ضرورة . ثم الآية الأولى في سورة الفتح وهو قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا قال الزمخشري : أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل الله تعالى عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف والهدنة غب القتال فيزدادوا يقينا إلى يقينهم ، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع ليزدادوا يقينا إلى يقينهم ، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع ليزدادوا إيمانا بالشرائع مقرونا إلى إيمانهم وهو التوحيد ، وعن ابن عباس : أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة ثم الحج ثم الجهاد ، فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، وأنزل فيها الوقار والعظمة لله ولرسوله ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانا إلى إيمانهم ، وقيل : أنزل الله فيه الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم . الآية . الثانية في سورة الكهف ، وهي قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا الآية ، نَبَأَهُمْ أي خبرهم ، والفتية جمع فتى ، والهدى من هداه يهديه أي دلالة موصلة إلى البغية وهو متعد ، والاهتداء لازم ، قال الزمخشري : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى بالتوفيق والتثبت ، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وقوينا بالصبر على هجر الأوطان والنعيم والفرار بالدين إلى بعض الغيران وحشرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ، إِذْ قَامُوا بين يدي الجبار وهو دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ، فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الآية . الثالثة : في سورة مريم ، وهي قوله تعالى وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا أي يزيد الله المهتدين هداية بتوفيقه ، والمراد من الباقيات الصالحات أعمال الآخرة كلها ، وقيل : الصلوات ، وقيل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، أي هي خير ثوابا من مفاخرات الكفار ، وخير مردا أي مرجعا وعاقبة . الآية الرابعة : في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي قوله تعالى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ أي زادهم الله هدى بالتوفيق ، وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ أعانهم عليها ، وعن السدي بين لهم ما يتقون ، وقرئ وأعطاهم . الآية الخامسة : في سورة المدثر ، وهي قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا أي عدة الملائكة الذين يلون أمر جهنم لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس ، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له ، ولأنهم أشد الخلق بأسا وأقواهم بطشا ، والتقدير : لقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب ؛ لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين ، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من عند الله وازداد المؤمنون إيمانا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل . الآية السادسة : في سورة براءة من الله ورسوله ، وهي قوله تعالى وَإِذَا مَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض : أيكم زادته هذه السورة إيمانا إنكار واستهزاء بالمؤمنين ، واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به . الآية السابعة : في سورة آل عمران ، وهي قوله تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ المراد من الناس : الأول : نعيم بن مسعود الأشجعي ، ومن الثاني : أهل مكة . وروي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن شاء الله ، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل من الظهران ، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع ، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا ، فقال : يا نعيم ، إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة ، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون ، فقال لهم : ما هذا بالرأي ، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد ، أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ؟ ! فوالله لا يفلت منكم أحد . وقيل : مر بأبي سفيان ركب عبد القيس يريدون المدينة للميرة ، فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم ، فكره المسلمون الخروج ، فقال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد ، فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا ، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، فخرج أبو سفيان إلى مكة ، فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق ، وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق . الآية الثامنة : في سورة الأحزاب ، وهي قوله تعالى وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا هذا إشارة إلى الخطب والبلاء ، قوله وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا أي بالله وبمواعيده ، وَتَسْلِيمًا لقضاياه وأقداره . ( والحب في الله والبغض في الله من الإيمان ) والحب مرفوع بالابتداء ، والبغض معطوف عليه ، وقوله من الإيمان خبره ، وكلمة في أصلها للظرفية ولكنها هاهنا تقال للسببية أي بسبب طاعة الله تعالى ومعصيته كما في قوله صلى الله عليه وسلم : في النفس المؤمنة مائة من الإبل ، وقوله في التي حبست الهرة فدخلت النار فيها أي بسببها ، ومنه قوله فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وقوله لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ ثم هذه الجملة يجوز أن تكون عطفا على ما أضيف إليه الباب فتدخل في ترجمة الباب كأنه قال : والحب في الله من الإيمان والبغض في الله من الإيمان ، ويجوز أن يكون ذكرها لبيان إمكان الزيادة والنقصان ، كذلك الآيات ، وروى أبو داود بإسناده إلى أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا زيد بن الحباب ، عن الصعق بن حرب ، قال : حدثني عقيل بن الجعد ، عن أبي إسحاق ، عن سويد بن غفلة ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، وروى ابن أبي شيبة أيضا ، عن أبي فضيل ، عن الليث ، عن عمرو بن مرة ، عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله . وأخرج الترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان . وقال : هذا حديث منكر ، وأخرج أبو داود من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان . ( وكتب عمر بن العزيز إلى عدي بن عدي : إن للإيمان فراض وشرائع وحدودا وسننا ، فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص ) . الكلام فيه على أنواع : الأول : في ترجمة عمر وعدي . أما عمر فهو ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي الإمام العادل ، أحد الخلفاء الراشدين ، سمع عبد الله بن جعفر وأنسا وغيرهما ، وصلى أنس خلفه قبل خلافته ، ثم قال : ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى ، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق رضي الله عنه ، فملأ الأرض قسطا وعدلا . وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولد بمصر ، وتوفي بدير سمعان بحمص يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة . وقال القاضي جمال الدين بن واصل : والظاهر عندي أن دير سمعان هو المعروف الآن بدير النقيرة من عمل معرة النعمان ، فإن قبره هو هذا المشهور ، وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظفاره ، وقال : إذا مت فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك ، وقال الإمام أحمد بن حنبل : يروى في الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها ، فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز . قال النووي في تهذيب الأسماء : حمله العلماء في المائة الأولى على عمر ، والثانية على الشافعي ، والثالثة على ابن شريح . وقال الحافظ ابن عساكر : هو الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والرابعة : على ابن أبي سهل الصعلوكي ، وقيل : القاضي الباقلاني ، وقيل : أبو حامد الإسفرايني . وفي الخامسة : على الغزالي ، انتهى . وقال الكرماني : لا مطمح لليقين فيه ، فللحنفية أن يقولوا : هو الحسن بن زياد في الثانية ، والطحاوي في الثالثة وأمثالهما ، وللمالكية أنه أشهب في الثانية ، وهلم جرا . وللحنابلة أنه الخلال في الثالثة والراغوني في الخامسة . إلى غير ذلك . وللمحدثين أنه يحيى بن معين في الثانية والنسائي في الثالثة ونحوهما ، ولأولي الأمر أنه المأمون والمقتدر والقادر ، وللزهاد أنه معروف الكرخي في الثانية والشبلي في الثالثة ونحوهما ، وأن تصحيح الدين متناول لجميع أنواعه مع أن لفظة من تحتمل التعدد في المصحح ، وقد كان قبيل كل مائة أيضا من يصحح ويقوم بأمر الدين ، وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه وليس له في البخاري سوى حديث واحد رواه في الاستقراض من حديث أبي هريرة في الفلس ، وفي الرواة أيضا عمر بن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص روى له النسائي فقط . وأما عدي فهو ابن عدي بفتح العين فيهما ابن عميرة بفتح العين ابن زرارة بن الأرقم بن عمر بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن عدي أبو فروة الكندي الجزري التابعي ، روى عن أبيه وعمه العرس بن عميرة وهما صحابيان ، وعنه الحكم وغيره من التابعين وغيرهم . قال البخاري : هو سيد أهل الجزيرة ، ويقال : اختلفوا في أنه صحابي أم لا ؟ والصحيح أنه تابعي ، وسبب الاختلاف أنه روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة فظنه بعضهم صحابيا ، وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل ، واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة له لأنه عاش بعد عمر ولم يبق أحد من الصحابة إلى خلافته ، وتوفي سنة عشرين ومائة . وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه وليس له في الصحيحين شيء ولا في الترمذي . الثاني : أن هذا من تعاليق البخاري ، ذكره بصيغة الجزم ، وهو حكم منه بصحته ، وأخرجه أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد رستة في كتاب الإيمان تأليفه ، فقال : حدثنا ابن مهدي ، حدثنا جرير بن حازم ، عن عيسى بن عاصم ، قال : كتب عمر رضي الله عنه . فذكره . وهذا إسناد صحيح ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا أبو أسامة ، عن جرير بن حازم ، قال : حدثني عيسى بن عاصم ، قال : حدثنا عدي بن عدي ، قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : أما بعد ، فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن . إلى آخره . ولما فهم البخاري من قول عمر فمن استكملها إلى آخره ، أي إنه قائل بأنه يقبل الزيادة والنقصان ، ذكره في هذا الباب عقيب الآيات المذكورة . وقال الكرماني : لقائل أن يقول : لا يدل ذلك عليه بل على خلافه ؛ إذ قال للإيمان كذا وكذا فجعل الإيمان غير الفرائض وأخواتها ، وقال : استكملها أي الفرائض ونحوها لا الإيمان ، فجعل الكمال لما للإيمان لا للإيمان . قلت : لو وقف الكرماني على رواية ابن أبي شيبة لما قال ذلك ؛ لأن في روايته جعل الفرائض وأخواتها عين الإيمان على ما لا يخفى ، وكذا في رواية ابن عساكر هاهنا فإن الإيمان فرائض نحو رواية ابن أبي شيبة ، وقال بعضهم : وبالأول جاء الموصول ، قلت : جاء الموصول بالأول وبالثاني جميعا على ما ذكرنا . الثالث : في معناه ، فقوله فرائض أي أعمالا فريضة ، وشرائع أي عقائد دينية ، وحدودا أي منهيات ممنوعة ، وسننا أي مندوبات . قال الكرماني : وإنما فسرناها بذلك ليتناول الاعتقاديات والأعمال والتروك واجبة ومندوبة ولئلا يتكرر ، وقال ابن المرابط : الفرائض ما فرض علينا من صلاة وزكاة ونحوهما ، والشرائع كالتوجه إلى القبلة ، وصفات الصلاة ، وعدد شهر رمضان ، وعدد جلد القاذف ، وعدد الطلاق إلى غير ذلك . والسنن ما أمر به الشارع من فضائل الأعمال ، فمن أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع فهو مؤمن كامل . قوله فسأبينها أي فسأوضحها لكم إيضاحا يفهمه كل أحد منكم ، فإن قلت : كيف أخر بيانها والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز ؟ ! قلت : إنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود وعرفهم أقسام الإيمان مجملا وأنه سيذكرها مفصلا إذا تفرغ لها ، فقد يكون مشغولا بأهم من ذلك .
( وقال ابن عباس : شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة ) يعني عبد الله بن عباس فسر قوله تعالى شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا بالسبيل والسنة ، وقال الجوهري : النهج الطريق الواضح ، وكذا المنهاج والشرعة الشريعة ، ومنه قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا والشريعة ما شرعه الله لعباده من الدين ، وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن ، فعلى هذا هو من باب اللف والنشر الغير المرتب ، وفي بعض النسخ سنة وسبيلا فهو مرتب ، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة شرعة ومنهاجا ، قال : الدين واحد والشريعة مختلفة . وقال ابن إسحاق : قال بعضهم : الشرعة الدين والمنهاج الطريق ، وقيل : هما جميعا الطريق ، والطريق هنا الدين ، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها القصة . وقال محمد بن يزيد : شرعة معناها ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستمر . وأثر ابن عباس هذا أخرجه الأزهري في تهذيبه عن ابن ماهك ، عن حمزة ، عن عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي يعني أربدة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما به ، فإن قلت : في الآيتين تعارض لأن الآية الأولى تقتضي اتحاد شرعة الأنبياء ، والثانية تقتضي أن لكل نبي شرعة ، قلت : لا تعارض ؛ لأن الاتحاد في أصول الدين والتعدد في فروعه فعند اختلاف المحل لا يثبت التعارض .
( وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما القرشي العدوي المكي ، وأمه وأم أخته حفصة زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون ، أسلم بمكة قديما مع أبيه وهو صغير وهاجر معه ، ولا يصح قول من قال : إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله ، واستصغر عن أحد وشهد الخندق وما بعدها ، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية ، وأحد العبادلة الأربعة ، وثانيهم ابن عباس ، وثالثهم عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورابعهم عبد الله بن الزبير . ووقع في مبهمات النووي وغيرها أن الجوهري أثبت ابن مسعود منهم وحذف ابن عمرو وليس كما ذكره كما ذكرناه فيما مضى ، ووقع في شرح الرافعي في الجنايات عد ابن مسعود منهم ، وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاص وهو غريب منه . روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا ، اتفقا منهما على مائة وسبعين حديثا ، وانفرد البخاري بأحد وثمانين ومسلم بأحد وثلاثين ، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة ، مات بفخ بالفاء والخاء المعجمة موضع بقرب مكة . وقيل : بذي طوى سنة ثلاث ، وقيل : أربع وسبعين سنة بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر ، وقيل : بستة عن أربع ، وقيل : ست وثمانين سنة . قال يحيى بن بكير : توفي بمكة بعد الحج ودفن بالمحصب ، وبعض الناس يقولون : بفخ ، قلت : وقيل : بسرف ، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض . قال الصغاني : فخ وادي الزاهر وصلى عليه الحجاج ، وفي الصحابة أيضا عبد الله بن عمر حرمي ، يقال : إن له صحبة ، يروى عنه حديث في الوضوء ، وقد روى مسلم معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما من حديث النواس بن سمعان ، قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ؟ فقال : البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " . قوله " التقوى " هي الخشية ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا ومثله في أول الحج والشعراء : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قول هود وصالح ولوط وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت وإبراهيم : إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ يعني اخشوه ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ وحقيقة التقوى أن يقي نفسه تعاطي ما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك وتأتي في القرآن على معاني الإيمان ؛ نحو قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى أي التوحيد والتوبة ؛ نحو قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي تابوا ، والطاعة نحو : أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ وترك المعصية نحو قوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ أي ولا تعصوه ، والإخلاص نحو قوله تعالى : فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أي من إخلاص القلوب ، فإن قلت : ما أصله ؟ قلت : أصله من الوقاية وهو فرط الصيانة ، ومنه المتقي اسم فاعل من وقاه الله فاتقى ، والتقوى والتقى واحد ، والواو مبدلة من الياء والتاء مبدلة من الواو إذ أصله وقيا ، قلبت الياء واوا فصار وقوى ، ثم أبدلت من الواو تاء فصار تقوى ، وإنما أبدلت من الياء واوا في نحو تقوى ولم تبدل في نحو ريا ؛ لأن ريا صفة وإنما يبدلون الياء في فعلى إذا كان اسما والياء موضع اللام كشروى من شريت وتقوى لأنها من التقية ، وإن كانت صفة تركوها على أصلها . قوله " حتى يدع " أي يترك ، قال الصرفيون : وأماتوا ماضي يدع ويذر ، ولكن جاء مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ بالتخفيف . قوله " حاك " بالتخفيف من حاك يحيك ، ويقال : حك يحك ، وأحاك يحيك . يقال : ما يحيك فيه الملام أي ما يؤثر ، وقال شمر : الحائك الراسخ في قلبك الذي يهمك ، وقال الجوهري : حاك السيف وأحاك بمعنى ، يقال : ضربه فما حاك فيه السيف إذا لم يعمل فيه ، فالحيك أخذ القول في القلب . وفي بعض نسخ المغاربة : صوابه ما حك بتشديد الكاف ، وفي بعض نسخ العراقية : ما حاك بالتشديد من المحاكة ، وقال النووي : ما حاك بالتخفيف هو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره وخاف الإثم فيه . وقال التيمي : حاك في الصدر أي ثبت ، فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة للإيمان سالمة من الشكوك . وقال الكرماني : حقيقة التقوى أي الإيمان لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن الشرك ، وفيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغوا إلى كنه الإيمان وبعضهم لا ، فتجوز الزيادة والنقصان ، وفي بعض الروايات قال : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان . بدل التقوى .
( باب الزكاة من الإسلام ) أي هذا باب والباب منون ، ويجوز بالإضافة إلى الجملة والزكاة مرفوع بالابتداء وخبره من الإسلام أي الزكاة شعبة من شعب الإسلام وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق هو زيادة الإيمان ونقصانه ، وقد علم أن الزيادة تكون بالأعمال والنقص بتركها ، وهذا الباب فيه أن أداء الزكاة من الإسلام يعني أنه إذا أدى الزكاة يكون إسلامه كاملا وإذا تركها يكون ناقصا لا يقال : لم أفرد الزكاة بالذكر في الترجمة من بين سائر أركان الإسلام ؟ لأنه قد أفرد لكل واحد من بقية الأركان بابا بترجمة . وقوله : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الباقين باب الزكاة من الإسلام ، وقول الله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ الآية ، وفي بعض النسخ ، وقوله تعالى : وَمَا أُمِرُوا الآية ، قوله : "وقول الله" مجرور عطف على محل قوله : "الزكاة من الإسلام" لأنها مضاف إليها ، وكذلك قوله : وقوله تعالى ، وأما رواية أبي ذر فإنها بلا عطف لأن الواو في قوله : وَمَا أُمِرُوا واو العطف في القرآن عطف بها على ما قبله وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ فإن قلت : كيف التئام الآية بالترجمة ؟ قلت : الالتئام بينهما معنوي ، وهو أن الآية فيها ذكر أن الزكاة من الدين والدين هو الإسلام لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وتحقيق ذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاثة أشياء الأول : إخلاص الدين الذي هو رأس جميع العبادات ، والثاني : إقامة الصلاة التي هي عماد الدين ، والثالث : إيتاء الزكاة التي تذكر دائما تالية للصلاة ، ثم أشار إلى جميع ذلك بقوله : وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي المذكور من هذه الأشياء هو دين القيمة أي دين الملة القيمة فالموصوف محذوف ، وقرئ : "وذلك الدين القيمة" على تأويل الدين بالملة ، ومعنى القيمة المستقيمة الناطقة بالحق والعدل ، فإن قلت : كيف خص الزكاة بالترجمة والمذكور ثلاثة أشياء ؟ قلت : أجيب عن هذا عن قريب ، قوله : وَمَا أُمِرُوا أي وما أمر أهل الكتاب في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي ولكنهم حرفوا وبدلوا ، وقال الزمخشري فإن قلت : ما وجه قوله : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ قلت : معناه : وما أمروا في الكتابين إلا لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة ، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : "إلا أن يعبدوا" بمعنى بأن يعبدوا الله انتهى ، قلت : العبادة بمعنى التوحيد ، أي : وما أمروا إلا ليوحدوا الله والاستثناء من أعم عام المفعول لأجله أي : ما أمروا لأجل شيء إلا للعبادة أي : التوحيد ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويدخل فيه جميع الناس ، قوله : " مُخْلِصِينَ " حال من الضمير الذي في " أُمِرُوا " ، وقوله : " الدِّينَ " منصوب به ، قوله : " حُنَفَاءَ " حال أخرى جمع حنيف ، وهو المائل عن الضلال إلى الهداية ، قوله : " وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ " عطف على قوله : " لِيَعْبُدُوا اللَّهَ " من باب عطف الخاص على العام ، وفيه تفضيل للصلاة والزكاة على سائر العبادات ، وقد مر معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة . 1- حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك بن أنس ، عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة ، فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وصيام رمضان ، قال : هل علي غيره ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة ، قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : فأدبر الرجل ، وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن الترجمة الزكاة من الإسلام ، وموضع الدلالة في الحديث هو قوله : "فإذا هو يسأله عن الإسلام" ، فذكر الصلاة والصوم والزكاة ، وهذا ظاهر في كونها من الإسلام ، وكذلك مطابقته للآية ظاهرة من حيث إن المذكور في كل واحد منهما الصلاة والزكاة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : إسماعيل بن أبي أويس وهو إسماعيل بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت الإمام مالك بن أنس شيخه وخاله ، وأبو أويس ابن عم مالك ، وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان ، الثاني : مالك بن أنس الإمام المشهور ، وقد مر غير مرة ، الثالث : عمه أبو سهيل وهو نافع بن مالك بن أبي عامر المدني وقد مر ، الرابع : أبوه وهو مالك بن أبي عامر ، وقد مر ، الخامس : أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأب السابع مثل أبي بكر رضي الله عنه أسلمت أمه وهاجرت شهد المشاهد كلها إلا بدرا كسعيد بن زيد ، وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وآجره فيها ، وكان الصديق رضي الله عنه إذا ذكر أحدا قال : ذلك يوم كله لطلحة ، وقد وهم البخاري في قوله : إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرا ، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام ، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق رضي الله عنه ، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله عليه السلام وهو عنهم راض ، وهو ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت ، رماه مالك بن زهير يوم أحد فاتقى طلحة بيده عن وجه رسول الله عليه السلام فأصاب خنصره ، فقال حين أصابته الرمية : حيس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قال : باسم الله لدخل الجنة ، والناس ينظرون ، وقيل : جرح في ذلك اليوم خمسا وسبعين جراحة وشلت أصبعاه وسماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طلحة الخير وطلحة الجواد ، روي له ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا منها على حديثين ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بثلاثة ، قتل يوم الجمل ، أتاه سهم لا يدرى من وراءه ، واتهم به مروان لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين سنة ، وقيل : اثنتين وستين ، وقيل : ثمان وخمسين ، وقبره بالبصرة ، وقال ابن قتيبة : دفن بقنطرة قرة ، ثم رأت بنته بعد ثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها النداوة ، فأمرت ، فاستخرج طريا ، ودفن في دار الهجرتين بالبصرة ، وقبره مشهور رضي الله عنه ، روى له الجماعة ، وطلحة في الصحابة جماعة ، وطلحة بن عبيد الله اثنان هذا أحدهما ، وثانيهما التيمي ، وكان يسمى أيضا طلحة الخير فأشكل على الناس . ( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه أولا حدثنا إسماعيل ، ثم حدثني مالك لأن في الأول الشيخ قرأ له ، ولغيره ، وفي الثاني قرأ له وحده ، ومنها : أن فيه التحديث والسماع والعنعنة ، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون ، ومنها أن إسناده مسلسل بالأقارب لأن إسماعيل يروي عن خاله عن عمه عن أبيه ، فإن قلت : حكى الكلاباذي وغيره عن ابن سعد عن الواقدي أن مالك بن أبي عامر توفي سنة اثنتي عشرة ومائة ، وأنه بلغ من العمر سبعين أو اثنتين وسبعين فعلى هذا يكون مولده بعد موت طلحة بسنتين ، قلت : قال بعضهم : لعله صحف التسعين بالسبعين ، وحكى المنذري عن ابن عبد البر أن وفاته سنة مائة أو نحوها فيصح على هذا ويستقيم ، وقد ثبت سماع مالك منه ، ومن غيره كعثمان رضي الله عنه نبه عليه الثوري وغيره . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشهادات عن إسماعيل بن أبي أويس بالإسناد المذكور ، وأخرجه أيضا في الصوم ، وفي ترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل به ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة عن مالك به ، وعن قتيبة ، ويحيى بن أيوب كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به ، وقال مسلم في حديث يحيى بن أيوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفلح وأبيه إن صدق" ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي عن مالك به ، وعن أبي الربيع سليمان بن داود عن إسماعيل بن جعفر به ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة عن مالك به ، وفي الصوم عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر به ، وفي الإيمان عن محمد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن قاسم ، عن مالك به . ( بيان اللغات ) قوله : "من أهل نجد" بفتح النون وسكون الجيم قال الجوهري : نجد من بلاد العرب ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهو مذكر قلت : النجد الناحية التي بين الحجاز ، والعراق ، ويقال : ما بين العراق وبين وجرة وغمرة الطائف نجد ويقال : هو ما بين جرش وسواد الكوفة وحده من الغرب الحجاز ، وفي العباب : نجد من بلاد العرب خلاف الغور ، والغور هو تهامة ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض ، والجمع نجاد ونجود وأنجد ، قوله : "ثائر الرأس" أي منتفش شعر الرأس ومنتشره ، يقال : ثار الغبار أي انتفش ، وفتنة ثائرة أي منتشرة ، قلت : مادته واوية من ثار الغبار يثور ثورا ، وحاصله أن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق والرفاهية ، قوله : "دوي صوته" بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء ، كذا هو في عامة الروايات ، وقال القاضي عياض : جاء عندنا في البخاري بضم الدال قال : والصواب الفتح ، قال الخطابي : الدوي صوت مرتفع متكرر لا يفهم ، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد ، ويقال : الدوي بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل ، وقال الشيخ قطب الدين : هو شدة الصوت وبعده في الهواء مأخوذ من دوي الرعد ، ويقال : هو شدة صوت لا يفهم فلما دنا فهم كلامه ، فلهذا قال : فلما دنا فإذا هو يسأل ، وقال الجوهري : دوي الريح حفيفها ، وكذلك دوي النحل ، والطائر ، ويقال : دوى النحل تدوية وذلك إذا سمعت لهديره دويا ، والدوي أيضا السحاب ذو الرعد المرتجس ، قوله : "ولا يفقه" من الفقه ، وهو الفهم قال الله تعالى : يَفْقَهُوا قَوْلِي أي يفهموا ، قوله : "حتى دنا" من الدنو ، وهو التقرب ، قوله : "إلا أن تطوع" بتشديد الطاء والواو كليهما أصله تتطوع بتائين فأدغمت إحدى التائين في الطاء ويجوز تخفيف الطاء على الحذف أعني حذف إحدى التائين ، وأي التائين هي المحذوفة ؟ فيه خلاف ، فقال بعضهم : حذف التاء الزائدة أولى لزيادتها ، وقال الأكثرون : الأصلية أولى بالحذف لأن الزائدة إنما دخلت لإظهار معنى فلا تحذف لئلا يزول الغرض الذي لأجله دخلت ، ويجوز إظهار التائين أيضا من غير إدغام وهذه ثلاثة أوجه في المضارع ، وقال النووي : المشهور التشديد ، ومعناه : إلا أن تفعله بطواعيتك ، وفي ماضيه لغتان : تطوع واطوع وكلاهما يفعل إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن ، قوله : "فأدبر" من الإدبار ، وهو التولي ، قوله : "أفلح" من الإفلاح وهو الفوز والبقاء ، وقيل : هو الظفر وإدراك البغية ، وقيل : إنه عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء ، وغناء بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل ، قالوا : ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه ، والعرب تقول لكل من أصاب خيرا : مفلح ، وقال ابن دريد : أفلح الرجل وأنجح أدرك مطلوبه . ( بيان الإعراب ) قوله : "من أهل نجد" في محل الرفع لأنه صفة لقوله : "رجل" ، قوله : "ثائر الرأس" يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه صفة لرجل ، وأما النصب فعلى أنه حال وهاهنا سؤالان أحدهما ذكره الكرماني وأجاب عنه وهو أن شرط الحال أن تكون نكرة ، وهو مضاف فيكون معرفة فأجاب بأن إضافته لفظية فلا تفيد إلا تخفيفا والآخر ذكرته في شرح سنن أبي داود ، وهو أنه إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على ذي الحال ، فكيف يكون هذا حالا ؟ قلت : يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخير إذا اتصف بشيء كما في المبتدأ نحو قوله تعالى : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا أو أضيف نحو جاء غلام رجل قائما ، أو وقع بعد نفي كقوله تعالى : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ وهنا اتصفت النكرة بقوله : "من أهل نجد" فافهم ، قوله : "يسمع" بضم الياء على صيغة المجهول ، ودوي صوته كلام إضافي مفعول ناب عن الفاعل ، وفي رواية : "نسمع" بالنون المصدرة للجماعة ، ودوي صوته بالنصب على أنه مفعوله ، وكذلك "ولا نفقه" بالنون ، وقوله : "ما يقول" في محل النصب على أنه مفعول ، وهذه الرواية هي المشهورة وعليها الاعتماد وكلمة "ما" موصولة ، "ويقول" جملة صلتها ، والعائد محذوف تقديره : ما يقوله ، قوله : "حتى" هنا للغاية بمعنى إلى أن دنا ، قوله : "فإذا" هي التي للمفاجأة ، وقوله : "هو" مبتدأ ، ويسأل عن الإسلام خبره ، وقد علم أن إذا التي للمفاجأة تختص بالجمل الاسمية ، ولا تحتاج إلى الجواب ، ولا تقع في الابتداء ، ومعناه الحال لا الاستقبال ، وهي حرف عند الأخفش ، واختاره ابن مالك ، وظرف مكان عند المبرد ، واختاره ابن عصفور ، وظرف زمان عند الزجاج واختاره الزمخشري ، قوله : "خمس صلوات" يجوز فيه الرفع والنصب والجر ، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هي خمس صلوات ، وأما النصب فعلى تقدير : خذ خمس صلوات ، أو هاك أو نحوهما ، وأما الجر فعلى أنه بدل من الإسلام ، وفيه حذف أيضا تقديره : إقامة خمس صلوات لأن عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام بل إقامتها من شرائع الإسلام ، قوله : "فقال" أي الرجل المذكور ، وهل للاستفهام وغيرها بالرفع مبتدأ وعلي مقدما خبره ، قوله : "فقال : لا" أي فقال الرسول عليه السلام ليس عليك شيء غيرها ، قوله : "إلا أن تطوع" استثناء من قوله : لا ، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، قوله : "وصيام شهر رمضان" كلام إضافي مرفوع عطف على قوله : "خمس صلوات" ، قوله : "قال وذكر له رسول الله عليه الصلاة والسلام" أي : قال الراوي وهو طلحة بن عبيد الله ، قوله : "وهو يقول" جملة حالية ، قوله : "أفلح" أي الرجل ، قوله : "إن صدق" أي في كلامه ، وجواب إن محذوف فافهم . ( بيان المعاني ) قوله : "جاء رجل" هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ، قاله القاضي مستدلا بأن البخاري سماه في حديث الليث يريد ما أخرجه في باب القراءة والعرض على المحدث عن شريك عن أنس ، قال : "بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد" ، وفيه : "ثم قال : أيكم محمد ؟" ، وذكر الحديث ، وقال فيه : "وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر" فجعل حديث طلحة هذا ، وحديث أنس هذا له وتبعه ابن بطال وغيره ، وفيه نظر لتباين ألفاظهما كما نبه عليه القرطبي ، وأيضا فإن ابن إسحاق فمن بعده كابن سعد ، وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير حديث أنس ، قوله : "ثائر الرأس" أي ثائر شعر الرأس ، وأطلق اسم الرأس على الشعر إما لأن الشعر منه ينبت كما يطلق اسم السماء على المطر لأنه من السماء ينزل ، وإما لأنه جعل نفس الرأس ذا ثوران على طريق المبالغة أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقلية ، قوله : "عن الإسلام" أي عن أركان الإسلام ولو كان السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا لأن الجواب ينبغي أن يكون مطابقا للسؤال ، فلما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "خمس صلوات" عرف أن سؤاله كان عن أركان الإسلام وشرائعه ، فأجاب مطابقا لسؤاله ، وقال الكرماني : ويمكن أنه سأله عن حقيقة الإسلام ، وقد ذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه أو لم ينقله لشهرته ، قلت : هذا بعيد إذ لو كان السؤال عن حقيقة الإسلام لما كان الجواب مطابقا للسؤال ، وفيه نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في إبلاغ كلام الرسول ، وقد ندب النبي عليه السلام إلى ضبط كلامه وحفظه وإبلاغه مثل ما سمعه منه في حديثه المشهور ، قوله : "إلا أن تطوع" هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعا بمعنى لكن ، ويجوز أن يكون متصلا واختارت الشافعية الانقطاع والمعنى : لكن أستحب لك أن تطوع ، واختارت الحنفية الاتصال فإنه هو الأصل في الاستثناء ، ويستدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه ، وبقوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع ولما حملت الشافعية على الانقطاع قالوا : لا تلزم النوافل بالشروع ولكن يستحب له إتمامه ولا يجب بل يجوز قطعه ، وقال الطيبي : الحديث متمسك لنا في أصلين أحدهما في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب الوتر ، والثاني في أن الشروع غير ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر مطلقا شرع فيه أو لم يشرع ، وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به ، والاستثناء من النفي إثبات فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به ، وهو المطلوب ، قال : وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى أي لا يجب شيء إلا أن تطوع ، وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر أصلا قلت : أما الأول فلا نسلم شمول عدم الوجوب مطلقا بل الشمول بالنظر إلى تلك الحالة ووقت الإخبار والوتر لم يكن واجبا حينئذ يدل عليه أنه لم يذكر الحج والوتر مثله ، وأما الثاني فليس من وادي قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى على أن يكون المعنى لا يجب شيء إلا أن تطوع بل معنى إلا أن تطوع أن تشرع فيه فيصير واجبا كما يصير واجبا بالنذر ، وقال بعضهم : من قال : إنه منقطع احتاج إلى دليل ، والدليل عليه ما روى النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه ، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إلا إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم ، وبالقياس في الباقي قلت : من العجب أن هذا القائل كيف لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة بالإتمام ، وعلى القضاء بالإفساد ، وقد روى أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت : أصبحت أنا وحفصة صائمتين فأهديت لنا شاة فأكلنا منها ، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال : "صوما يوما مكانه" ، وفي لفظ آخر : بدلا ، أمر بالقضاء والأمر للوجوب ، فدل على أن الشروع ملزم ، وأن القضاء بالإفساد واجب وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يوما تطوعا ، فأفطرت فأمرها النبي عليه السلام أن تقضي يوما مكانه ، وحديث النسائي لا يدل على أنه عليه السلام ترك القضاء بعد الإفطار ، وإفطاره ربما كان عن عذر ، وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة ، وكل ما جاء من أحاديث هذا الباب فمحمول على مثل هذا ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه أحدها : إجماع الصحابة ، والثاني أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نافية ، والمثبت مقدم ، والثالث أنه احتياط في العبادة فافهم ، قوله : "وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة" هذا قول الراوي كأنه نسي ما نص عليه رسول الله والتبس عليه فقال : وذكر له الزكاة ، وفي رواية أبي داود : وذكر له عليه السلام الصدقة ، والمراد منها الزكاة أيضا كما في قوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هاهنا ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال : "فأخبرني بما فرض الله علي من الزكاة" ، قال : فأخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام بشرائع الإسلام ، قوله : "والله لا أزيد على هذا ولا أنقص" ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر : "والذي أكرمك" أي لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئا ، قوله : "أفلح إن صدق" ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند مسلم : "أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" ، ولأبي داود مثله لكن بحذف أو وقال النووي : قيل : الفلاح راجع إلى لفظ : ولا أنقص خاصة ، والمختار أنه راجع إليهما بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه كان مفلحا ، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا لأن هذا مما يعرف بالضرورة فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى ، وقال ابن بطال : دل قوله : "أفلح إن صدق" على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح ، وهذا خلاف قول المرجئة ، ويقال : يحتمل أن يكون السائل رسولا فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص في تبليغ ما سمعته منك إلى قومي ، ويقال : يحتمل صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول ، أي قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طرق القبول ، ويقال : يحتمل أن هذا كان قبل شرعية أمر آخر ، ويقال : يحتمل أنه أراد لا أزيد عليه بتغيير حقيقته كأنه قال : لا أصلي الظهر خمسا ، ويقال : يحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض وهذا مفلح بلا شك ، وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومة ويقال : يحتمل أن المراد أني لا أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئا ، والدليل عليه ما أخرجه البخاري في كتاب الصيام قال : "والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئا" . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه الأول أن الصلاة ركن من أركان الإسلام ، الثاني أنها خمس صلوات في اليوم والليلة ، الثالث أن الصوم أيضا ركن من أركان الإسلام وهو في كل سنة شهر واحد ، الرابع أن الزكاة أيضا ركن من أركان الإسلام ، الخامس عدم وجوب قيام الليل وهو إجماع في حق الأمة ، وكذا في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأصح ، السادس عدم وجوب العيدين ، وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي : صلاة العيدين فرض كفاية ، السابع عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان ، وهذا مجمع عليه الآن ، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبا قبل رمضان أم لا ، فعند الشافعي في الأظهر ما كان واجبا ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كان واجبا ، وهو وجه للشافعي ، الثامن أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابا ، وتم عليه الحول ، التاسع أن من يأتي بالخصال المذكورة ، ويواظب عليها صار مفلحا بلا شك ، العاشر أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين والسؤال عن الأكابر أمر مندوب ، الحادي عشر جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة لأن الرجل حلف هكذا بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه ، الثاني عشر صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال لكنه يحتمل أن ذلك صح عنه بالدليل ، وإنما أشكلت عليه الأحكام ، الثالث عشر فيه الرد على المرجئة إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة ، الرابع عشر فيه جواز قول رمضان من غير ذكر شهر ، الخامس عشر فيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل ، وقال ابن قتيبة : الكذب مخالفة الخبر في الماضي والحلف في مخالفته في المستقبل ، فيجب على هذا أن يكون الصدق في الخبر عن الماضي ، والوفاء في المستقبل ، وفي هذا الحديث ما يرد عليه مع قوله تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات ولا جميع الواجبات ، وأجيب بأنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث قال : فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فأدبر الرجل وهو يقول : لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فعلى عموم قوله : بشرائع الإسلام ، وقوله : مما فرض الله ، يزول الإشكال في الفرائض ، وأما النوافل فقيل : يحتمل أن هذا كان قبل شرعها ، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض ، وأما المنهيات فإنها داخلة في شرائع الإسلام ، وقال ابن بطال : يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل ورود النهي ، قلت : فيه نظر لأنه جزم بأن السائل هو ضمام بن ثعلبة ، وقد قيل : إنه وفد سنة خمس ، وقيل : بعد ذلك ، وكان أكثر المنهيات واقعة قبل ذلك ، ومنها ما قيل : إنه لم يذكر الحج في هذا الحديث ، وأجيب بأنه لم يفرض حينئذ أو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال : هل علي غيرها ؟ فأجاب عليه السلام بما عرف من حاله ، ولعله ممن لم يكن الحج واجبا عليه ، وقيل : لم يأت في هذا الحديث بالحج كما لم يذكر في بعضها الصوم ، وفي بعضها الزكاة ، وقد ذكر في بعضها صلة الرحم ، وفي بعضها أداء الخمس ، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانا وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من اقتصر على ما حفظه ، فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات ، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة ، والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت ، وحمل ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد ، وإن كانت مغيرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح فافهم ، ومنها ما قيل : كيف أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا ، وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض فهو مفلح ، وإن كان غيره أكثر فلاحا منه ، ومنها ما قيل : كيف الجمع بين حلفه بقوله : وأبيه إن صدق ، مع نهيه عن الحلف بالآباء ، وأجيب بأن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم : عقرى حلقى ، وتربت يمينك ، والنهي إنما ورد في القاصد بحقيقة الحلف لما فيه من تعظيمه المخلوق وهذا هو الراجح عند العلماء ، وقال بعضهم : فيه حذف مضاف تقديره : ورب أبيه ، فأضمر ذلك فيه ، وقال البيهقي : لا يضمر بل يذهب فيه ، وسمعت بعض مشايخنا يجيب بجوابين آخرين أحدهما : أنه يحتمل أن يكون الحديث : أفلح والله ، فقصر الكاتب اللامين فصارت وأبيه ، والآخر : خصوصية ذلك بالشارع دون غيره ، وهذه دعوى لا برهان عليها ، وأغرب القرافي حيث قال : هذه اللفظة وهي "وأبيه" اختلف في صحتها فإنها ليست في الموطأ وإنما فيها : أفلح إن صدق ، وهذا عجيب فالزيادة ثابتة لا شك في صحتها ولا مرية .
( باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إنك امرؤ فيك جاهلية ، وقول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . الكلام فيه على وجوه : الأول : وجه المناسبة بين البابين ظاهر لأن المذكور في الباب الأول كفران العشير وهو أيضا من جملة المعاصي . الثاني : يجوز في باب التنوين والإضافة إلى الجملة التي بعده لأن قوله " المعاصي " مبتدأ ، وقوله " من أمر الجاهلية " خبره ، وعلى كل تقدير تقديره هذا باب في بيان أن المعاصي من أمور الجاهلية . الثالث : وجه الترجمة هو الرد على الرافضة والإباضية وبعض الخوارج في قولهم : إن المذنبين من المؤمنين مخلدون في النار بذنوبهم ، وقد نطق القرآن بتكذيبهم في مواضع منها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية . الرابع : قوله " المعاصي " جمع معصية وهي مصدر ميمي ، وفي ( الصحاح ) : وقد عصاه بالفتح يعصيه عصيا ومعصية ، وفي الشرع هو مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم ، وهو أعم من الكبائر والصغائر ، والجاهلية زمان الفترة قبل الإسلام ؛ سميت بذلك لكثرة جهالاتهم ؛ قوله " ولا يكفر " بضم الياء وتشديد الفاء المفتوحة أي لا ينسب إلى الكفر ، وفي رواية أبي الوقت بفتح الياء وسكون القاف ؛ قوله " بارتكابها " أي بارتكاب المعاصي ، وأراد بالارتكاب الاكتساب والإتيان بها عنده ، واستدل على ذلك بما في حديث أبي ذر من قوله عليه السلام "إنك امرؤ فيك جاهلية " ، وبقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية ، أما وجه الاستدلال بما في الحديث فهو أنه قال له فيك جاهلية يعني أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلا محضا ، وكان أبو ذر قد عير الرجل بأمه على ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى ، وهو نوع من المعصية ولو كان مرتكب المعصية يكفر لبين النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ولم يكتف بقوله في الإنكار عليه " إنك امرؤ فيك جاهلية " ، وأما الاستدلال بالآية فظاهر صريح ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة . وأما عند الخوارج فالكبيرة موجبة للكفر ، وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين صاحبها لا مؤمن ولا كافر ، وقال الكرماني : فإن قلت : المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر له لا أنه يكفر ، والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر . قلت : الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان نعم عند المعتزلة صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها غير مغفور له بل يخلد في النار ، ففي الكلام لف ونشر ، ومذهب أهل الحق على أن من مات موحدا لا يخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب ، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة منها قوله عليه السلام ( وإن زنى وإن سرق ) ، والمراد بهذه الآية من مات على الذنوب من غير توبة ، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له ويقال : المراد بالشرك في هذه الآية الكفر ؛ لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلا كان كافرا ولو لم يجعل مع الله إلها آخر ، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر كما في قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ قوله " إلا بالشرك " أي إلا بارتكاب الشرك حتى يصح الاستثناء من الارتكاب ، وقال النووي : قال : بارتكابها احترازا من اعتقادها لأنه لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف . الخامس : سبب نزول الآية قضية الوحشي قاتل حمزة رضي الله عنه على ما روي عن ابن عباس قال : أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد كنت أحب أن أراك على غير جوار ، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله ، قال : فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت ، فهل يقبل الله تعالى مني توبة ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ إلى آخر الآية ، فتلاها عليه ، فقال : أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله ، فنزلت : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فدعا به فتلاها عليه ، فقال : لعلي ممن لا يشاء الله ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله ، فنزلت : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فقال : نعم ، الآن لا أرى شرطا ، فأسلم ) . 1 - ( حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة عن واصل الأحدب عن المعرور قال : لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك ، فقال : إني ساببت رجلا فعيرته بأمه ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر ، أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن التبويب على جزء منه ، وقال ابن بطال : غرض البخاري من الحديث الرد على الخوارج في قولهم : المذنب من المؤمنين مخلد في النار ، كما دلت عليه الآية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ والمراد به من مات على الذنوب كما ذكرنا ، وقال الكرماني : وفي ثبوت غرض البخاري منه الرد عليهم دغدغة إذ لا نزاع لهم في أن الصغيرة لا يكفر صاحبها ، والتعيير بنحو يا ابن السوداء صغيرة . قلت : يشير الكرماني بكلامه هذا إلى عدم مطابقة الحديث للترجمة ، وليس كذلك فإنه مطابق ؛ لأن التعيير بالأم أمر عظيم عندهم لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب ، وهذا ارتكاب معصية عظيمة ؛ ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ يدل على أشد الإنكار ، وقال ابن بطال : معناه جهلت وعصيت الله تعالى في ذلك ولئن سلمنا أن هذا صغيرة ولكن كونه صغيرة بالنسبة إلى ذنب فوقه وبالنسبة إلى ما دونه كبيرة ؛ لأن هذا من الأمور النسبية ولهذا يجوز أن يقال سائر الذنوب بالنسبة إلى الكفر صغائر لأنه لا ذنب أعظم من الكفر وليس فوقه ذنب وما دونه مختلف في نفسه ، فإن نسب إلى ما فوقه فهو صغيرة وإن نسب إلى ما دونه فهو كبيرة ، فافهم . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو أيوب سليمان بن حرب بالباء الموحدة الأزدي البصري ، وقد تقدم . الثاني : شعبة بن الحجاج ، وقد تقدم . الثالث : واصل بن حيان بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة الأحدب الأسدي الكوفي ، وهكذا وقع للأصيلي عن واصل الأحدب ولغيره عن واصل فقط ، ووقع للبخاري في العتق عن واصل الأحدب مثل ما وقع للأصيلي هنا ، سمع المعرور وأبا وائل وشقيقا ومجاهدا وغيرهم ، روى عنه : الثوري وشعبة ومسعر وغيرهم . قال يحيى بن معين : ثقة ، وقال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث . قيل مات سنة سبع وعشرين ومائة ، روى له الجماعة ، وحيان إن أخذ من الحين ينصرف وإن أخذ من الحياة لا ينصرف . الرابع : المعرور بالعين المهملة والراء المهملة ابن سويد أبو أمية الأسدي الكوفي ، ووقع في العتق : سمعت المعرور بن سويد سمع عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبا ذر ، روى عنه : واصل الأحدب والأعمش ، وقال : رأيته وهو ابن مائة وعشرين سنة ، أسود الرأس واللحية ؛ قال يحيى بن معين : وأبو حاتم ثقة روى له الجماعة . الخامس : أبو ذر بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء واسمه جندب بضم الجيم والدال ، وحكي فتح الدال ، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه فكأنه لغة من واحد الجنادب الذي هو طائر ، وقيل اسمه برير بضم الباء الموحدة وراء مكررة ابن جندب ، والمشهور جندب بن جنادة بضم الجيم بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الغفاري السيد الجليل ؛ وغفار بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة ، أسلم قديما ، روي عنه قال : أنا رابع أربعة في الإسلام ، ويقال كان خامس خمسة ، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه قام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ، ثم رجع إلى المدينة فصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات ، ومناقبه جمة وزهده مشهور وتواضعه وزهده مشبهان في الحديث بتواضع عيسى عليه السلام وزهده ، ومن مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال ؛ روي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مائتا حديث ، واحد وثمانون حديثا اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر . روى عنه خلق من الصحابة منهم : ابن عباس وأنس وخلق من التابعين ، مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود رضي الله عنه وقضيته فيه مشهورة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسؤال ، ومنها أن فيه بصريا وواسطيا وكوفيين ، ومنها أن فيه بيان الراوي مكان لقيه الصحابي وسؤاله عنه عن لبسه الداعي ذلك إلى تحديث الصحابي رضي الله تعالى عنه . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه ههنا عن سليمان بن حرب عن شعبة وأخرجه في العتق عن آدم عن شعبة عن واصل ، كلاهما عن المعرور ، وأخرجه في الأدب عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه ، وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان والنذور عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن وكيع ، وعن أحمد بن يونس عن زهير ، وعن أبي بكر عن أبي معاوية عن إسحاق بن يونس عن عيسى بن يونس ، كلهم عن الأعمش ، وعن أبي موسى وبندار عن غندر عن شعبة عن واصل كلاهما عن المعرور ، وأخرجه أبو داود ولفظه : ( رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ وعلى غلامه مثله ، قال : فقال القوم : يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبا غيره ، فقال أبو ذر : إني كنت ساببت رجلا وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه ، فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر ، إنك امرؤ فيك جاهلية ، قال : إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم ، فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) ، وفي أخرى له قال : ( دخلنا على أبي ذر بالربذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله ، فقلنا له : يا أبا ذر لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة وكسوته ثوبا غيره : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان له أخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ، ولا يكلفه ما يغلبه ، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه ) ، وأخرجه الترمذي أيضا ولفظه : ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ، ولا يكلفه ما يغلبه ، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه ) . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " بالربذة " بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة موضع قريب من المدينة منزل من منازل خارج العراق بينها وبين المدينة ثلاث مراحل ، قريب من ذات عرق ؛ قوله " حلة " بضم الحاء المهملة وتشديد اللام وهي إزار ورداء ولا يسمى حلة حتى تكون ثوبين ، ويقال : الحلة ثوبان غير لفقين رداء وإزار سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر ؛ قوله " ساببت " أي شاتمت ، وهكذا هو في رواية الإسماعيلي ؛ قوله " فعيرته " بالعين المهملة أي نسبته إلى العار ، وفي ( العباب ) العار السبة والعيب ومنه المثل : النار ولا العار ، أي اختر النار أو الزمها ، وعاره يعيره إذا عابه وهو من الأجوف اليائي ، يقال عيرته بكذا وعيرته كذا ؛ قوله " خولكم " بفتح الواو ، وخول الرجل حشمه ، الواحد خايل ، وقد يكون الخول واحدا وهو اسم يقع على العبد والأمة ، قال الفراء : هو جمع خايل وهو الراعي ، وقال غيره : هو من التخويل وهو التمليك ، وقيل الخول الخدم وسموا به لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها ، وقال القاضي : أي خدمكم وعبيدكم الذين يتخولون أموركم أي يصلحون أموركم ويقومون بها ، يقال : خال المال يخوله إذا أحسن القيام عليه ، ويقال هو لفظ مشترك ، تقول خال المال والشيء يخول وخلت أخول خولا إذا أسست الشيء وتعاهدته وأحسنت القيام عليه ، والخايل الحافظ ، ويقال خايل المال وخايل مال وخولي مال وخوله الله الشيء أي ملكه إياه . قوله " ولا تكلفوهم " من التكليف وهو تحميل الشخص شيئا معه كلفة ، وقيل هو الأمر بما يشق ؛ قوله " ما يغلبهم " أي ما يصير قدرتهم فيه مغلوبة ، يقال غلبه غلبا بسكون اللام وغلبا بتحريكها وغلبة بإلحاق الهاء وغلابية مثل علانية وغلبة مثل حزقة وغلبى بضمتين مشددة الباء مقصورة ومغلبة ؛ قوله " فأعينوهم " من الإعانة وهي المساعدة . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " لقيت " فعل وفاعل وأبا ذر مفعوله ؛ قوله " بالربذة " في محل النصب على الحال أي لقيته حال كونه بالربذة ، وقوله " وعليه حلة " جملة اسمية حال أيضا وكذا قوله " وعلى غلامه " حلة ؛ قوله " فسألته " عطف على قوله " لقيت أبا ذر " ؛ قوله " ساببت " فعل وفاعل و " رجلا " مفعوله ؛ قوله " فعيرته " عطف على ساببته ، فإن قلت : هذا عطف الشيء على نفسه لأن التعيير هو نفس السب ، وكيف تصح الفاء بينهما وشرط المعطوفين مغايرتهما ؟ قلت : هما متغايران بحسب المفهوم من اللفظ ، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية كما في قوله تعالى : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ؛ حيث قال في التفسير : إن القتل هو نفس التوبة . قوله " يا باذر " أصله يا أبا ذر بالهمزة فحذفت للعلم بها تخفيفا ؛ قوله " أعيرته " الهمزة فيه للاستفهام على وجه الإنكار التوبيخي ، وقول من قال للتقرير بعيد ؛ قوله " امرؤ " مرفوع لأنه خبر إن وهو من نوادر الكلمات إذ حركة عين الكلمة تابعة للامها في الأحوال الثلاث ، وفي ( العباب ) المرء الرجل ، يقال : هذا امرؤ صالح ورأيت مرأ صالحا ومررت بمرء صالح ، وضم الميم في الأحوال الثلاث لغة ، وهما مرآن صالحان ولا يجمع على لفظه ، وتقول : هذا مرء بالضم ورأيت مرأ بالفتح ومررت بمرء بالكسر معربا من مكانين ، وتقول : هذا امرأ بفتح الراء وكذلك رأيت امرأ ومررت بامرئ بفتح الراءات ، وبعضهم يقول : هذه مرأة صالحة ومرة أيضا بترك الهمزة وتحريك الراء بحركتها ، فإن جئت بألف الوصل كان فيه أيضا ثلاث لغات فتح الراء على كل حال حكاها الفراء ، وضمها على كل حال وإعرابها على كل حال ، وتقول : هذا امرؤ ورأيت امرأ وبمررت بامرئ معربا من مكانين ، وهذه امرأة مفتوحة الراء على كل حال ، فإن صغرت أسقطت ألف الوصل فقلت مريء ومريئة . قوله " جاهلية " مرفوع بالابتداء و " فيك " مقدما خبره ؛ قوله " إخوانكم خولكم " يجوز فيه الوجهان أحدهما أن يكون خولكم مبتدأ وإخوانكم مقدما خبره وتقديمه للاهتمام كما سنبينه عن قريب إن شاء الله تعالى ، والآخر أن يكون اللفظان خبرين حذف من كل واحد منهما المبتدأ تقديره هم إخوانكم هم خولكم ؛ قوله " جعلهم الله " جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره هم جعلهم الله تحت أيديكم ؛ قوله " فمن كان " كلمة " من " موصولة متضمنة معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وأخوه مرفوع لأنه اسم كان ، وقوله " تحت يده " منصوب على أنه خبره ، والجملة صلة الموصول ، وقوله " فليطعمه " خبر المبتدأ والفاء لتضمنه معنى الشرط ، وأما الفاء التي في " فمن " فإنها عاطفة على مقدر تقديره وأنتم مالكون إياهم فمن كان إلى آخره ويجوز أن تكون سببية كما في قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً ؛ قوله " مما يأكل " يجوز أن تكون " ما " موصولة والعائد محذوف تقديره من الذي يأكله ، ويجوز أن تكون مصدرية أي من أكله ؛ قوله " وليلبسه " عطف على " فليطعمه " ، وإعراب " مما يلبس " مثل إعراب " مما يأكل " ؛ قوله " ولا تكلفوهم " جملة ناهية من الفعل والفاعل والمفعول . وقوله " ما يغلبهم " جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان ، وكلمة ما موصولة ويغلبهم صلتها ؛ قوله " فأعينوهم " جواب الشرط فلذلك دخلت الفاء . ( بيان المعاني والبيان ) فيه ثلاثة أحوال متوالية وهي قوله " بالربذة " و " عليه حلة " و " على غلامه حلة " ، فإن قلت : الحال ما بين هيئة الفاعل والمفعول وبيان هيئة المفعول في الحالين الأولين ظاهر ، وأما ما في الحال الأخيرة وهي قوله " وعلى غلامه حلة " ، فغير ظاهر . قلت : هذا نظير قولك جئت ماشيا وزيد متكئ إذ المعنى جئت في حال مشي وحال اتكاء زيد ، فكذلك التقدير ههنا لقيت أبا ذر في حال كونه بالربذة وحال كون غلامه في حلة ، واسم هذا الغلام لم يبين في روايات هذا الحديث ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر ، وحديثه عنه في الصحيحين . قلت : هذا خدش وبالاحتمال لا تثبت الحقيقة ، فإن قلت : قد اختلفت ألفاظ هذا الحديث في الحلة ، فاللفظ الواقع هنا عليه حلة وعلى غلامه حلة ، وعند البخاري أيضا في الأدب في رواية الأعمش عن المعرور بلفظ : ( رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا ، فقلت : لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة ) ، وفي رواية مسلم : ( فقلنا : يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة ) ، وفي رواية أبي داود : ( فقال القوم : يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة ) ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة : ( أتيت أبا ذر فإذا حلة عليه منها ثوب وعلى عبده منها ثوب ) ، وقد بينا أن الحلة ثوبان من جنس واحد فكيف التوفيق بين هذه الألفاظ ، فإن لفظه ههنا يدل على الحلتين حلة على أبي ذر وحلة على عبده ، ولفظه في رواية الأعمش يدل على أن الذي كان عليه هو البرد وعلى غلامه كذلك ، ولا يسمى هذا حلة إلا بالجمع بينهما ولهذا قال في رواية مسلم : ( لو جمعت بينهما كانت حلة ) ، وكذا في رواية أبي داود ورواية الإسماعيلي تدل على أنها كانت حلة واحدة باعتبار جمع ما كان على أبي ذر وعلى عبده من الثوبين . قلت : تحمل روايته ههنا على المجاز باعتبار ما يؤول ويضم إلى الثوب الذي كان على كل واحد منهما ثوب آخر ، أو باعتبار إطلاق اسم الكل على الجزء ، فلما رأى المعرور على أبي ذر ثوبا وعلى غلامه ثوبا من الأبراد كما هو في رواية البخاري في الأدب أطلق على كل واحد منهما حلة باعتبار ما يؤول ، ويدل عليه رواية مسلم : ( لو جمعت بينهما كانت حلة ) ، وكذا رواية أبي داود ، وأما رواية الإسماعيلي فإنها أيضا مجاز ولكن المجاز فيها في موضع واحد ، وفي الرواية التي ههنا في الموضعين ، فافهم ، هذا هو الذي فتح لي ههنا من الأنوار الإلهية ، وقال بعضهم : يمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه برد جيد تحت ثوب خلق من جنسه وعلى غلامه كذلك ، وكأنه قيل له : لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة فتلتئم بذلك الروايتان ويحمل قوله في حديث الأعمش ( لكانت حلة ) أي كاملة الجودة ، فالتنكير فيه للتعظيم . قلت : ليس الجمع إلا بالطريق الذي ذكرته وما ذكره ليس بجمع فإنه نص في الرواية التي ههنا على حلتين ، وفي رواية الإسماعيلي على حلة واحدة وبالتأويل الذي ذكره يؤول المعنى إلى أن يكون عليه حلة وعلى غلامه حلة باجتماع الجديدين عليه والخلقين على غلامه فيعارض هذا رواية الإسماعيلي ، فإنها تدل على أنها كانت حلة واحدة وكانت عليهما جميعا ، وقوله ويحتمل قوله في حديث الأعمش إلى آخره كلام صادر من غير ترو وتأمل لأنه لا يفرق بينه وبين رواية الإسماعيلي في المعنى ، والتنكير فيه ليس للتعظيم وإنما هو للإفراد أي لا يراد فرد واحد ، فافهم ؛ قوله " فسألته عن ذلك " أي عن تساويهما في لبس الحلة ، فإن قلت : لم سأله عن ذلك ، وما الفائدة فيه ؟ قلت : لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون سيده والذي فعله أبو ذر كان خلاف المألوف ؛ قوله " ساببت رجلا " قال النووي : وسياق الحديث يشعر أن المسبوب كان عبدا ، وقال صاحب ( منهج الراغبين ) والذي نعرفه أنه بلال رضي الله عنه ، وعن هذا أخذ بعضهم فقال : وقيل إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر رضي الله عنه ، روى ذلك الوليد بن مسلم منقطعا . فإن قلت : لم قال ساببت من باب المفاعلة ؟ قلت : ليدل على أن السب كان من الجهتين ويدل عليه ما في رواية مسلم : ( قال : أعيرته بأمه ؟ فقلت : من سب الرجال سبوا أباه وأمه ) ، فإن قلت : كيف جوز أبو ذر ذلك وهو حرام ؟ قلت : الظاهر أن هذا كان منه قبل أن يعرف تحريمه فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده ؛ فلذلك قال له صلى الله عليه وسلم : " إنك امرؤ فيك جاهلية " ، فإن قلت : ما كان تعييره بأمه ؟ قلت : عيره بسواد أمه على ما جاء في رواية أخرى : قلت له : يا ابن السوداء ، وفي روايته في الأدب وكانت أمه أعجمية فنلت منها ، والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي سواء كان عربيا أو عجميا . قوله " إنك امرؤ فيك جاهلية " فيه ترك العاطف بين الجملتين لكمال الاتصال بينهما ، فنزلت الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع اختلاف في اللفظ ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ؛ قوله " إخوانكم خولكم " فيه حصر وذلك لأن أصل الكلام أن يقال خولكم إخوانكم لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة ، ولكن لما قصد حصر الخول على الإخوان قدم الإخوان أي ليسوا إلا إخوانا ، وإنما قدم الإخوان لأجل الاهتمام ببيان الأخوة ، ويجوز أن يكون من باب القلب المورث لملاحة الكلام نحو قوله : نم وإن لم أنم كراي كراكا شاهدي الدمع إن ذاك كذاكا وقال بعض المعانيين : إن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أي تعريف كان يفيد التركيب الحصر ، وقال التيمي : كأنه قال هم إخوانكم ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال خولكم ؛ قوله " تحت أيديكم " فيه مجاز عن القدرة أو عن الملك ، والأخوة أيضا مجاز عن مطلق القرابة لأن الكل أولاد آدم عليه السلام أو عن أخوة الإسلام ، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنين أو نخصص هذا الحكم بالمؤمنة ؛ قوله " فليطعمه مما يأكل " من الإطعام إنما قال : مما يأكل ، ولم يقل : مما يطعم ؛ رعاية للمطابقة كما في قوله " وليلبسه مما يلبس " لأن الطعم يجيء بمعنى الذوق ، يقال : طعم يطعم طعما إذا ذاق أو أكل ، قال الله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي أي من لم يذقه ، فلو قال : مما يطعم لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق وذلك غير واجب . فإن قيل : لم لم يقل فليؤكله مما يأكل ؟ قلت : إنما قال فليطعمه إشارة إلى أنه لا بد من إذاقته مما يأكل وإن لم يشبعه من ذلك الأكل ؛ قوله " فإن كلفتموهم " فيه حذف المفعول الثاني للاكتفاء إذ أصله : فإن كلفتموهم ما يغلبهم . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : فيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم ، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة نفسه كما نهى عن الفخر بالآباء ، ويلحق بالعبد من في معناه من أجير وخادم وضعيف ، وكذا الدواب ينبغي أن يحسن إليها ولا يكلف من العمل ما لا تطيق الدواب عليه ، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره . الثاني : عدم الترفع على المسلم وإن كان عبدا ونحوه من الضعفة لأن الله تعالى قال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقد تظاهرت الأدلة على الأمر باللطف بالضعفة وخفض الجناح لهم وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم . الثالث : استحباب الإطعام مما يأكل والإلباس مما يلبس ، وقال القاضي عياض : الأمر محمول على الاستحباب لا على الإيجاب بالإجماع ، بل إن أطعمه من الخبز وما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكل ؛ لأن من للتبعيض ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل على العموم من الأدم وطيبات العيش ، ومع ذلك فيستحب أن لا يستأثر على عياله ولا يفضل نفسه في العيش عليهم . الرابع : فيه منع تكليفه من العمل ما لا يطيق أصلا أو لا يطيق الدوام عليه لأن النهي للتحريم بلا خلاف ، فإن كلفه ذلك أعانه بنفسه أو بغيره لقوله " فإن كلفتموهم فأعينوهم " ، وجاء في رواية مسلم " فليبعه " موضع " فليعنه " قال القاضي : هذا وهم ، والصواب " فليعنه " كما رواه الجمهور . الخامس : فيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . السادس : فيه جواز إطلاق الأخ على الرقيق .
( باب : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فسماهم المؤمنين ) الكلام فيه على وجوه : الأول : قال الكرماني وقع في كثير من نسخ البخاري هذه الآية وحديث أحنف ثم حديث أبي ذر في باب واحد بعد قوله تعالى : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وفي بعضها على الترتيب الذي ذكرناه . قلت : الترتيب الأول هو رواية أبي ذر عن مشايخه لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي ، والترتيب الثاني الذي مشينا عليه هو رواية الأصيلي وغيره ، وكل من الترتيبين حسن جيد . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن مرتكب المعصية لا يكفر بها وأن صفة الإيمان لا تسلب عنه فكذلك في هذا الباب يبين مثل ذلك لأن الآية المذكورة فيه في حق البغاة ، وقد سماهم الله تعالى المؤمنين ولم تسلب عنهم صفة الإيمان ، وبهذا يرد على الخوارج والمعتزلة كما ذكرنا . الثالث : قوله " باب " لا يعرب إلا بعد تركيبه مع شيء آخر بأن يقال : هذا باب ، ونحو ذلك ولا يجوز إضافته إلى ما بعده . الرابع : في معنى الآية وإعرابه فقوله " طائفتان " تثنية طائفة وهي القطعة من الشيء في اللغة ، وفي ( العباب ) الطائفة من الشيء القطعة ومنه قوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس رضي الله عنهما : الطائفة الواحد فما فوقه ، فمن أوقع الطائفة على المفرد يريد النفس الطائفة ، وقال مجاهد : الطائفة الرجل الواحد إلى الألف ، وقال عطاء : أقلها رجلان ، انتهى ، وقال الزجاج : الذي عندي أن أقل الطائفة اثنان ، وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواطن ، فهي في قوله تعالى : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ واحد فأكثر واحتج به في قبول خبر الواحد ، وفي قوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ أربعة ، وفي قوله تعالى : فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ثلاثة ، وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن ، أما في الأولى فلأن الإنذار يحصل به ، وفي الثانية لأنها البينة فيه ، وفي الثالثة لذكرهم بلفظ الجمع في قوله " وليأخذوا أسلحتهم " إلى آخره وأقله ثلاثة على المذهب المختار في قول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول ، فإن قلت : فقد قال الله تعالى في آية الإنذار : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وهذه ضمائر جموع . قلت : إن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق ؛ قوله " وإن " للشرط والتقدير وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين . وقوله " فَأَصْلِحُوا " جواب الشرط . الخامس : دلت الآية أن المؤمن لا يخرجه فسقه ومعاصيه عن المؤمنين ولا يستحق بذلك الخلود في النار ، وقد قال العلماء : في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية على الإمام أو على آحاد المسلمين وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين لقوله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ) ، بل هو مخصوص بغير الباغي لأن الله تعالى أمر به في الآية فلو كان كفرا لما أمر به ، بل الحديث مع حديث أبي بكرة رضي الله عنه المذكور في الباب محمول على قتال العصبية ونحوه ، وقد ذكر الواحدي وغيره أن سبب نزول هذه الآية ما جاء عن أنس قال : ( قيل : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم يركب حماره وانطلق المسلمون يمشون ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال : إليك فوالله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه وكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ) ، فإن قلت : قال أولا اقتتلوا بلفظ الجمع وثانيا بينهما بلفظ التثنية فما توجيهه ؟ قلت : نظر في الأول إلى المعنى ، وفي الثاني إلى اللفظ ، وذلك سائغ ذائع وقرأ ابن أبي عبلة اقتتلتا ، وقرأ عمر بن عبيد اقتتلا على تأويل الرهطين أو النفرين ؛ قوله " فسماهم المؤمنين " أي سمى الله تعالى أهل القتال مؤمنين فعلم أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان . 1 - ( حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ويونس ، عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل ، قال : ارجع ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار ، فقلت : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ؛ لأن الباب في إطلاق اسم المؤمن على مرتكب المعصية ، والحديث بصريحه يدل على هذا على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) وهم سبعة : الأول عبد الله بن المبارك بن عبد الله العيشي بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة أبو بكر ويقال أبو محمد البصري ، روى عن وهب بن خالد وحماد بن زيد وغيرهما ، روى عنه البخاري وأبو زرعة وأبو داود وأبو حاتم ، وقال : صدوق ، وروى النسائي عن رجل عنه ولم يرو له مسلم شيئا ، توفي سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين . الثاني : حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري مولى آل جرير بن حازم ، سمع ثابتا البناني وابن سيرين وعمرو بن دينار ويحيى القطان وأيوب وخلقا كثيرا . روى عنه السفيانان وابن المبارك ويحيى القطان ووكيع وغيرهم . قال عبد الرحمن بن مهدي : أئمة الناس في زمانهم أربعة سفيان الثوري بالكوفة ومالك بالحجاز والأوزاعي بالشام وحماد بن زيد بالبصرة ، وما رأيت أعلم من حماد بن زيد ولا سفيان ولا مالك ، وقال ابن سعد : كان حماد بن زيد ثقة ثبتا حجة كثير الحديث ، وأنشد ابن المبارك فيه : أيها الطالب علما ائت حماد بن زيد فخذ العلم بحلم ثم قيده بقيد ودع البدعة من آ ثار عمرو بن عبيد ولد سنة ثمان وتسعين وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة ، روى له الجماعة . الثالث : أيوب السختياني ، وقد مر ذكره . الرابع : يونس بن عبيد بن دينار البصري رأى أنس بن مالك ، ورأى الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما ، روى عنه سفيان الثوري والحمادان وغيرهم ، قال أحمد ويحيى : ثقة ، توفي سنة تسع وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري مولى زيد بن ثابت ، ويقال مولى أبي اليسر الأنصاري ، ويقال مولى جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأمه اسمها الخيرة بالخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وقيل : إن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن فتعطيه أم سلمة أم المؤمنين ثديها تعلله إلى أن تجيء أمه فيدر ثديها فيشربه فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها ، ونشأ الحسن بوادي القرى ، وقال الحسن : غزونا خراسان ومعنا ثلاث مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمع ابن عمر وأنسا وسمرة وقيس بن عاصم وغيرهم من الصحابة ، وعن الفضيل بن عياض قال : سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ قال : مائة وثلاثين ، قال وابن سيرين قال : ثلاثين ، ولم يصح للحسن سماع عن عائشة رضي الله عنها . قال ابن معين : لم يسمع الحسن من أبي بكرة ولا من جابر بن عبد الله ولا من أبي هريرة . وسئل أبو زرعة : ألقي الحسن أحدا من البدريين؟ قال : رآهم رؤية ، رأى عثمان وعليا ، قيل له : سمع منهما؟ قال : لا ، كان الحسن يوم بويع علي رضي الله عنه ابن أربع عشرة سنة رأى عليا بالمدينة ثم خرج علي إلى الكوفة والبصرة ولم يلقه الحسن بعد ذلك . قال أبو زرعة : لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولا رآه ، ومن قال في الحديث عن الحسن ثنا أبو هريرة فقد أخطأ ، ولم يسمع من ابن عباس ، وسمع من ابن عمر حديثا واحدا ، وعن أبي رجاء قال : قلت للحسن : متى خرجت من المدينة ؟ قال : عام صفين ، قلت : فمتى احتلمت ؟ قال : عام صفين ، وقال ابن سعد : كان الحسن جامعا عالما فقيها ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما ، قدم مكة فأجلسوه واجتمع الناس إليه فيهم طاوس وعطاء ومجاهد وعمرو بن شعيب فحدثهم فقالوا أو قال بعضهم : لم نر مثل هذا قط ، توفي سنة ست عشرة ومائة وتوفي بعده ابن سيرين بمائة يوم ، روى له الجماعة . ( فائدة ) روى له البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف ، ورواه في الفتن عن الحسن ، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة ، قال الدارقطني : بينهما الأحنف ، واحتج بما رواه البخاري ، وكذا رواه هشام بن المعلى بن زياد عن الحسن ، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه ، واستدل بما أخرجه البخاري أيضا في الفتن في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن ابني هذا سيد ) عن علي بن عبد الله عن سفيان عن إسرائيل فذكر الحديث ، وفيه قال الحسن : ( ولقد سمعت أبا بكرة قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ) . قال البخاري : قال علي بن المديني : إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث ، قال أبو الوليد الباجي : هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قال فيه سمعت أبا بكرة إنما هو الحسن بن علي رضي الله عنهما وليس بالحسن البصري ، فما قاله غير صحيح ، والله أعلم . السادس : الأحنف بالمهملة والنون هو أبو بحر بن قيس واسمه الضحاك وقيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم هو لد وهو أحنف وهو الأعوج من الحنف وهو الإعوجاج في الرجل وهو أن ينفتل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى ، وقيل : هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم على عهده ولم يره وفد إلى عمر رضي الله عنه وهو الذي افتتح مرو الروذ ، وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه ، وولد الأحنف ملتزق الأليتين حتى شق ما بينهما وكان أعور سمع عمر وعليا والعباس وغيرهم ، وعنه الحسن وغيره ، مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير رضي الله عنه . السابع : أبو بكرة واسمه نفيع بضم النون وفتح الفاء بن الحارث بن كلدة بالكاف واللام المفتوحتين ابن عمرو بن علاج بن أبي سلمة وهو عبد العزى بن غيرة بكسر الغين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف ابن عوف بن قسي بفتح القاف وكسر السين المهملة وهو ثقيف بن منبه الثقفي ، وقيل نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله عليه السلام ، وقيل اسمه مسروح ، وأمه سمية أمة للحارث بن كلدة وهو أخو زياد لأمه وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف في بكرة وكني أبا بكرة وأعتقه رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو معدود في مواليه وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم ولم يزل مجتهدا في العبادة حتى توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين روي له عن رسول الله عليه السلام مائة حديث واثنين وثلاثون حديثا اتفقا على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث ، روى عنه ابناه والحسن البصري والأحنف روى له الجماعة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أن فيهم ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم الأحنف والحسن وأيوب . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه أيضا في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب ثنا حماد بن سلمة عن رجل لم يسمه عن الحسن قال : خرجت بسلاحي ، وساقه إلى أن قال قال حماد بن زيد : فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به ، فقالا : إنما روى هذا الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة ، قال البخاري : ثنا سليمان قال : ثنا حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف قال : خرجت الحديث وأخرجه مسلم بطرق غير هذه ، ولفظ آخر وأخرجه أبو داود والنسائي أيضا . ( بيان اللغات والإعراب ) ؛ قوله " فما بال المقتول " أي فما حاله وشأنه ، وهو من الأجوف الواوي ؛ قوله " حريصا " من الحرص وهو الجشع ، وقد حرص على الشيء يحرص مثال ضرب يضرب وحرص يحرص مثال سمع يسمع ، ومنه قراءة الحسن البصري وأبو حيوة وإبراهيم النخعي وأبي البر هشيم : ( إن تحرص على هداهم ) ، بفتح الراء ؛ قوله " لأنصر " أي لأجل أن أنصر ، وأن المصدرية مقدرة بعد اللام ؛ قوله " فإني سمعت " الفاء فيه تصليح للتعليل ؛ قوله " يقول " جملة في محل النصب على الحال ؛ قوله " فالقاتل " الفاء جواب إذا ؛ قوله " هذا القاتل " قال الكرماني : هو مبتدأ وخبر أي هذا يستحق النار لأنه قاتل ، فالمقتول لم يستحقها وهو مظلوم . قلت : الأولى أن يقال " هذا " مبتدأ و " القاتل " مبتدأ ثان وخبره محذوف ، والجملة خبر المبتدأ الأول والتقدير هذا القاتل يستحق النار لكونه ظالما ، فما بال المقتول وهو مظلوم ، ونظيره هذا زيد عالم ، وقد علم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ وقوله عليه السلام : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله ) . ( بيان المعاني والأحكام ) ؛ قوله " أنصر هذا الرجل " يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ووقع في رواية الإسماعيلي يعني عليا ، ووقع للبخاري في الفتن : ( أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وقال الكرماني : وقيل يعني عثمان رضي الله عنه . قلت : هذا بعيد ويرده ما في الصحيح ؛ قوله " إذا التقى المسلمان بسيفيهما " ، وفي الرواية الأخرى : ( إذا توجه المسلمان ) أي إذا ضرب كل واحد منهما وجه صاحبه أي ذاته وجملته ؛ قوله " فالقاتل والمقتول في النار " . قال عياض وغيره : معناه إن جازاهما الله تعالى وعاقبهما كما هو مذهب أهل السنة ، وهو أيضا محمول على غير المتأول كمن قاتل لمعصية أو غيرها مما يشبهها ، ويقال معنى القاتل والمقتول في النار أنهما يستحقانها وأمرهما إلى الله عز وجل كما هو مصرح به في حديث عبادة : ( فإن شاء عفا عنهما وإن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة ) ، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ، ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى : فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ معناه هذا جزاؤه وليس بلازم أن يجازى . واختلف العلماء في القتال في الفتنة فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه عملا بظاهر هذا الحديث وبحديث أبي بكرة في صحيح مسلم الطويل : ( إنها ستكون فتن ) ، الحديث ، وقال هؤلاء : لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله ولا تجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول وهذا مذهب أبي بكرة وغيره ، وفي ( طبقات ) ابن سعد مثله عن أبي سعيد الخدري ، وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما : لا يدخل فيها فإن قصدوا دفع عن نفسه ، وقال معظم الصحابة والتابعين وغيرهما : يجب نصر الحق وقتال الباغين لقوله تعالى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وهذا هو الصحيح ويتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق أو على عدم التأويل لواحد منهما ، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطالوا ، والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة وحسن الظن بهم والتأويل لهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا ، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب ، وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع وضعف أجر المصيب وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم ، وصرح به الجمهور ، وقالوا : إن عليا رضي الله عنه وأشياعه كانوا مصيبين إذا كان أحق الناس بها وأفضل من على وجه الدنيا حينئذ . قوله " إنه كان حريصا " على قتل صاحبه ، وفي رواية إنه قد أراد قتل صاحبه . قال القاضي : فيه حجة للقاضي أبي بكر بن الطيب ومن قال بقوله إن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية بخلاف الهم المعفو عنه ، قال وللمخالف له أن يقول هذا قد فعل أكثر من العزم وهو المواجهة والقتال ، وقال النووي : والأول هو الصحيح ، والذي عليه الجمهور أن من نوى المعصية وأصر عليها يكون آثما وإن لم يعملها ولا تكلم ، قلت : التحقيق فيه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ولهذا جاء بلفظ الحرص فيه ويحمل ما وقع من نحو قوله عليه السلام : ( إن الله تجاوز لأمتي عن ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به ) ، وفي الحديث الآخر : ( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ) ، على أن ذلك فيما إذا لم يوطن نفسه عليها وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ، ويسمى هذا هما ويفرق بين الهم والعزم ، وإن عزم تكتب سيئة فإذا عملها كتبت معصية ثانية . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل في قوله " أنصر هذا الرجل " أن السؤال عن المكان والجواب عن الفعل فلا تطابق بينهما ، وأجيب بأن المراد أريد مكانا أنصر فيه ؛ ومنها ما قيل القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إن كان قتالهم من الاجتهاد الواجب اتباعه ، وأجيب بأن ذلك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني ، أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه فهما مأجوران مثابان ، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر ، وما وقع بين الصحابة هو من هذا القسم ، فالحديث ليس عاما . ومنها ما قيل لم منع أبو بكرة الأحنف منه ولم امتنع بنفسه منه ؟ وأجيب بأن ذلك أيضا اجتهادي فكان يؤدي اجتهاده إلى الامتناع والمنع ، فهو أيضا مثاب في ذلك ، ومنها ما قيل : إن لفظة " في النار " مشعرة بحقية مذهب المعتزلة حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي وأجيب بالمنع لأن معناه حقهما أن يكونا في النار ، وقد يعفو الله عنه ، وقد مر تحقيقه عن قريب . ومنها ما قيل لم أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة ؟ وأجيب بأنه أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما سببا لدخول النار فقط وإن تفاوتا صغرا وكبرا وغير ذلك . ومنها ما قيل : إنما سمى الله الطائفتين في الآيتين مؤمنين وسماهما النبي عليه السلام في الحديث مسلمين حال الالتقاء لا حال القتال وبعده ، وأجيب بأن دلالة الآية ظاهرة ، فإن في قوله تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ سماهما الله أخوين وأمر بالإصلاح بينهما ولأنهما عاصيان قبل القتال وهو من حين سعيا إليه وقصداه ، وأما الحديث فمحمول على معنى الآية والله أعلم .
( باب زيادة الإيمان ونقصانه ) أي هذا باب في بيان زيادة الإيمان ونقصانه ، وباب مرفوع مضاف قطعا ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أحبية دوام الدين إلى الله تعالى ، والمذكور في هذا الباب زيادة الإيمان ونقصانه فلا شك أنه يزداد الإيمان بدوام العبد على أعمال الدين ، وينقص بتقصيره في الدوام سيما هذا على مذهب البخاري ، وجماعة من المحدثين ، وأما على قول من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه فإنه أيضا يوجد الزيادة بالدوام والنقص بالتقصير فيه ، ولكنهما يرجعان إلى صفة الإيمان لا إلى ذاته كما عرف في موضعه . وقول الله تعالى : وزدناهم هدى ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ، وقال : اليوم أكملت لكم دينكم ، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص . "وقول" مجرور عطف على قوله : "زيادة الإيمان" ، وقوله الثاني أيضا عطف عليه والتقدير : باب في بيان زيادة الإيمان ، وبيان نقصانه ، وبيان قول الله تعالى : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وبيان قوله تعالى : وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ثم إنه قال : وقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بلفظ الماضي ، ولم يقل وقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ على أسلوب أخويه لأن الغرض منه ما هو لازمه ، وهو بيان النقصان والاستدلال به على أن الإيمان كما تدخله الزيادة فكذلك يدخله النقصان لأن الشيء إذا قبل أحد الضدين لا بد وأن يقبل الضد الآخر ، وبين ذلك بقوله : "فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص" ، بخلاف ما تقدم من الآيتين فإن المراد منهما إثبات الزيادة تصريحا لا استلزاما لأن الزيادة مصرحة فيهما بخلاف الآية الثالثة ، فإن الصريح فيها الكمال الذي يقابله النقصان ، وهو يفهم منه التزاما لا صريحا ، ولما كان الباب مترجما بزيادة الإيمان ونقصانه احتج على الزيادة بصريح الآيتين ، وعلى النقصان بالآية الثالثة بطريق الاستلزام ، وقد ذكر الآيتين المتقدمتين في باب أمور الإيمان عند قوله كتاب الإيمان ، وقد قلنا : إنه لو ذكر ما يتعلق بأمور الزيادة والنقصان في باب واحد ، إما هناك وإما هاهنا كان أنسب ولكنه عقد في باب أمور الإيمان ، هذا الباب هاهنا لأجل المناسبة التي ذكرناها آنفا ، فالآية الأولى في سورة الكهف ، والثانية في سورة المدثر ، والثالثة في سورة المائدة ، وقد مر الكلام في الآيتين الأوليين هناك ، فإن قلت : دلالة الآية الثانية ظاهرة على زيادة الإيمان فكيف تدل الأولى وليس فيها إلا زيادة الهدى وهي الدلالة الموصلة إلى البغية ؟ ويقال : هي الدلالة مطلقا ، قلت : زيادة الهدى مستلزمة للإيمان أو المراد من الهدى هو الإيمان ، وقال ابن بطال : هذه الآية يعني قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ حجة في زيادة الإيمان ونقصانه لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن ، واستقر الدين ، وأراد الله عز وجل قبض نبيه فدلت هذه الآية أن كمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة ، فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه ، وليس المراد التوحيد لوجوده قبل نزول الآية فالمراد الأعمال ، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من إيمان من قصر ، قلت : هذه الآية لا تدل أصلا على زيادة الدين ولا على نقصانه لأن المراد : أكملت لكم شرائع دينكم ، وتعليل ابن بطال على ما ادعاه دليل لما قلنا ، وحجة عليه لأنه قال : لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين ، ولم يقل أحد : إن الدين كان ناقصا إلى وقت نزول هذه الآية حتى أكمله في هذا اليوم ، وإنما المراد إكمال شرائع الدين في هذا اليوم لأن الشرائع نزلت شيئا فشيئا طول مدة النبوة ، فلما كملت الشرائع قبض الله نبيه عليه السلام وهو أيضا صرح به بقوله : وليس المراد التوحيد لوجوده قبل نزول الآية ، فإن ادعي أن الأعمال من الإيمان فليس يتصور لأنه يلزم أن يكون كمال الإيمان في هذا اليوم وقبله كان ناقصا لأن الشرائع التي هي الأعمال ما كملت إلا في هذا اليوم ، وقال الزمخشري : أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ كفيتكم أمر عدوكم وجعلت اليد العليا لكم كما تقول الملوك : اليوم كمل لنا الملك ، وكمل لنا ما نريد إذا كفوا من ينازعهم الملك ، ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم ، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد . 1 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ولا سيما على مذهبه ، ( بيان رجاله ) وهم أربعة الأول : مسلم بضم الميم وكسر اللام الخفيفة بن إبراهيم أبو عمرو البصري الأزدي الفراهيدي مولاهم القصاب ، وقد يعرف بالشحام ، روى عنه البخاري ، وأبو داود ، وروى البقية عن رجل عنه ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالبصرة لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائتين ، وقال يحيى بن معين : هو ثقة مأمون ، وقال أبو حاتم : ثقة صدوق ، وقال أحمد بن عبد الله : كان ثقة عمي بآخرة ، وكان سمع من سبعين امرأة ، الثاني : هشام بكسر الهاء بن أبي عبد الله ، واسم أبي عبد الله سندر الربعي البصري الدستوائي ، ويكنى بأبي بكر قال وكيع : كان ثبتا ، وقال أبو داود الطيالسي : كان أمير المؤمنين في الحديث ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة ثبتا في الحديث حجة إلا أنه كان يرى القدر ، وقال العجلي : كان يقول : بالقدر ولم يكن يدعو إليه ، توفي سنة أربع وخمسين ومائة على قول روى له الجماعة ، الثالث : قتادة بن دعامة ، وقد مر ذكره ، الرابع : أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد مر أيضا . "بيان الأنساب" الفراهيدي بفتح الفاء وبالراء والهاء المكسورة والياء آخر الحروف الساكنة والدال المهملة ، وقال ابن الأثير : بالذال المعجمة بطن من الأزد ، ومنهم الخليل بن أحمد النحوي قلت : هو فراهيد بن شبابة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس كذا قال ابن الكلبي فراهيد ، وقال ابن دريد : بنو فرهود بن شبابة الذين يقال لهم : الفراهيد ، والفرهود الغليظ من قولهم : تفرهد هذا الغلام إذا سمن ، يقال : غلام فرهود ولا يوصف به الرجل ، قال : والفرهود ولد الأسد في لغة أزد عمان ، وفي كتاب الجمهرة : فرهود بن الحارث الذي من ولده الخليل بن أحمد النحوي ، وهو الفرهودي ، قال : ومن قال : الفراهيدي ، فإنما يريد الجمع كما يقال : مهالبة والنسبة إليه بعد الجمع ، وقال أبو محمد : وعلى شبابة وافقه ابن الكلبي وغيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى ، وشبابة والحارث أخوان وقال أبو جعفر : حكى قطرب أن الفرهود هو الغلام الكبير قال : وعن أبي عبيدة : الفراهيد أولاد الوعول ، قال أبو جعفر : والنسبة إليه فراهدي مثل مقابري قال أبو محمد : وهذا القول لم أره لغيره ، الربعي بفتح الراء والباء الموحدة نسبة إلى ربيعة بن نذار بن معد بن عدنان ، وهو ربيعة الفرس ، وقال أبو محمد : وربيعة بن نذار شعب واسع فيه قبائل وعماير وبطون ، وأفخاذ ، فممن ينسب إليهم من الرواة هشام بن أبي عبد الله الدستوائي الربعي ، الدستوائي بفتح الدال وإسكان السين المهملتين وبعدها تاء مثناة من فوق مفتوحة وآخره همزة بلا نون ، وقيل : الدستواني بالقصر والنون والأول هو المشهور ، ودستواء كورة من كور الأهواز كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها ، قلت : ضبط السمعاني بضم التاء المثناة من فوق ، وفي الأنساب للرشاطي قال سيبويه : يقال في دستواء : دستواني مثل بحراني بالنون . ( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها : أن رواته كلهم بصريون ، ومنها : أنهم كلهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن معاذ بن فضالة ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن المنهال ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، وهشام ، وشعبة به ، وفيه قصة ليزيد مع شعبة ، وعن أبي غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد ، ومحمد بن المثنى كلاهما عن معاذ بن هشام ، عن أبيه به ، وأخرجه الترمذي في صفة جهنم عن محمود بن غيلان ، عن أبي داود عن شعبة ، وهشام به ، وقال : حسن صحيح . ( بيان اللغات ) قوله : "شعيرة واحدة" الشعير والبرة بضم الباء ، وتشديد الراء واحدة البر وهي القمح وقال ابن دريد : البر أفصح من قولهم : القمح ، ويجمع البر أبرارا عند المبرد ومنعه سيبويه ، والذرة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر ، وهي أصغر النمل وقال القاضي عياض : الذر النمل الصغير ، وعن بعض نقلة الأخبار أن الذر الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر ، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب فهو ذرة ، وحكي أن أربع ذرات خردلة ، وقيل : الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءا من شعيرة انتهى كلامه ، وقد أبدلها شعبة بضم الذال وتخفيف الراء ، وكأن سببه المناسبة إذ هي من الحبوب أيضا كالبرة والشعيرة ، وقال النووي : واتفقوا على أنه تصحيف ، قلت : لا ينبغي أن ينسب مثل شعبة إلى التصحيف بل له وجه يبعد عن البعد . ( بيان الإعراب ) قوله : "يخرج" بفتح الياء من الخروج وبضمها وفتح الراء من الإخراج وهو رواية الأصيلي ، والأول رواية الجمهور ، قوله : "من قال" جملة في محل الرفع على الوجهين : أما على الوجه الأول فهي فاعل ، وأما على الثاني فهي مفعول ناب عن الفاعل ، وكلمة "من" موصولة "وقال" جملة صلتها ، وقول : "لا إله إلا الله" مقول القول ، قوله : "وفي قلبه وزن شعيرة" جملة اسمية وقعت حالا ، قوله : "من خير" كلمة "من" بيانية والكلام في إعراب الباقي كالكلام فيما ذكرنا . ( بيان المعاني والبيان ) فيه طي ذكر الفاعل لشهرته لأنه من المعلوم أن أحدا لا يخرجه من النار إلا الله تعالى ، وفيه إطلاق الخير على الإيمان لأن المراد من قوله : "من خير من إيمان" كما جاء في الرواية الأخرى ، والخير في الحقيقة ما يقرب العبد إلى الله تعالى ، وما ذلك إلا الإيمان وفيه استعارة بالكناية بيانه أن الوزن إنما يتصور في الأجسام دون المعاني والإيمان معنى ، ولكنه شبه الإيمان بالجسم فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم ، وهو الوزن ، وفيه تنكير خير الذي هو الإيمان بالتنوين التي تدل على التقليل ترغيبا في تحصيله إذ لما حصل الخروج بأقل ما ينطلق عليه اسم الإيمان فبالكثير منه بالطريق الأولى ، فإن قلت : التنكير يقتضي أن يكفي أي إيمان كان وبأي شيء كان ، ومع هذا لا بد من الإيمان بجميع ما علم مجيء الرسول عليه السلام به ضرورة حتى يوجبه الخروج من النار ، قلت : الإيمان في عرف الشرع لا يطلق إلا إذا كان بجميع ما جاء به عليه السلام ، فلا بد من ذلك حتى يتحقق حقيقة الإيمان ويصح إطلاقه ، فإن قلت : التصديق القلبي كاف في الخروج إذ المؤمن لا يخلد في النار ، وأما قول : لا إله إلا الله فلإجراء أحكام الدنيا عليه فما وجه الجمع بينهما ؟ قلت : المسألة مختلف فيها ، فقال البعض : لا يكفي مجرد التصديق بل لا بد من القول والعمل أيضا ، وعليه البخاري إذ المراد من الخروج هو بحسب حكمنا به ، أي نحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانا ضاما إليه عنوانه الذي يدل عليه إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدنيا ، وعليه مدار الأحكام ، فلا بد منهما حتى يصح الحكم بالخروج ، ( فإن قلت ) : فعلى هذا لا يكفي قول : لا إله إلا الله بل لا بد من ذكر محمد رسول الله معه ، قلت : المراد المجموع ، وصار الجزء الأول منه علما للكل كما يقال : قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أي قرأت كل السورة أو كان هذا قبل مشروعية ضمها إليه . ( بيان استنباط الأحكام ) الأول : قال التيمي : استدل البخاري بهذا الحديث على نقصان الإيمان لأنه يكون لواحد وزن شعيرة ، وهي أكثر من البرة ، والبرة أكثر من الذرة ، فدل على أنه يكون للشخص القائل : لا إله إلا الله قدر من الإيمان لا يكون ذلك القدر لقائل آخر ، وقال الكرماني : لا يختص بالنقصان بل يدل على الزيادة أيضا ، قلت : المراد من الخير هو الثمرات ، وكذلك في رواية من إيمان ثمرات الإيمان ، ولا نزاع في زيادة ثمرات الإيمان ونقصانها ، فإن قلت : ما المراد بالثمرات القلبية ؟ قلت : المراد بها مراتب العلوم الحاصلة المستلزمة للتصديق لكل واحد من جزئيات الشرع ، وقال المهلب : الذرة أقل من الموزونات ، وهي في هذا الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص ، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي من الزيادة في الأعمال يكمل التصديق بها ، وليست زيادة في نفس التصديق ، ويقال : يحتمل أن تكون الذرة ، واختارها التي في القلب ثلاثتها من نفس التصديق ، لأن قول : لا إله إلا الله لا يتم إلا بتصديق القلب ، والناس يتفاضلون في التصديق ، إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة ، أما زيادته بزيادة العلم فلقوله تعالى : " أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا " الآية ، وأما زيادته بزيادة المعاينة فلقوله تعالى : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وقوله تعالى : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ حيث جعل له مزية على علم اليقين ، قلت : حقيقة التصديق شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان ، وقال الإمام : إن كان المراد من الإيمان التصديق فلا يقبل الزيادة والنقصان ، وإن كان الطاعات فيقبلهما ، والأصل هو التصديق ، والقول بلا إله إلا الله لإجراء الأحكام في الدنيا ، والناس إنما يتفاضلون في التصديق التفصيلي لا في مطلق التصديق ، وقوله تعالى : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي حكاية عن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكيف يمكن أن يقال في حقه زاد تصديقه بالمعاينة لأن القول بهذا يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك ، وذا لا يجوز في حقه عليه السلام ، وإنما كان مراده من هذا أن يضم إلى عمله الضروري العلم الاستدلالي ليزيد سكونا لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب فافهم . الثاني : فيه دخول عصاة الموحدين النار . الثالث : فيه أن صاحب الكبيرة من الموحدين لا يكفر بفعلها ولا يخلد في النار . الرابع : فيه أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد . سؤال : لم قدم الشعيرة على البرة ؟ أجيب : لأنها أكبر جرما منها ويقرب بعضها من بعض ، وأخر الذرة لصغرها ، وهذا من باب الترقي في الحكم ، وإن كان من باب التنزل في الصورة فافهم . ( قال أبو عبد الله : قال أبان : حدثنا قتادة ، حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من إيمان" مكان "من خير" ) . المراد من أبي عبد الله هو البخاري نفسه ولا يوجد في بعض النسخ ، قال أبو عبد الله ، بل المذكور بعد تمام الحديث ، وقال : أبان بالواو العاطفة هذا من تعليقات البخاري ، وقد وصله الحاكم في كتاب الأربعين له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبان بن يزيد فذكر الحديث ، وفي ذكره ثلاث فوائد ( الأولى ) : وهي أهمها التنبيه على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس ، وذلك أن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعن ، والواقع في الرواية الأولى عنه وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال : عن أنس ، ولما ثبت من رواية أبان عنه بالتحديث علم اتصال عنعنته ، وقوي الاحتجاج به ، ( الثانية ) : فيه التنبيه على تفسير المتن بقوله : "من إيمان" بدل قوله : "من خير" ، ( الثالثة ) : فيه التقوية لما قبله فإن قلت : لم لم يكتف بطريق أبان التي ليس فيها التدليس ، وبسوقها موصولة قلت : إن أبان وإن كان ثقة لكن هشاما أوثق منه وأحفظ حتى قال أبو داود الطيالسي : ما رأى الناس أثبت من هشام الدستوائي ، فذكر الأقوى وأتبعه بالقوي لزيادة التأكيد ، وأبان بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة ابن يزيد العطار البصري سمع قتادة وغيره ، وروى عنه الطيالسي وحبان بن هلال ، ومسلم بن إبراهيم ، وغيرهم ، قال البخاري في كتاب الصلاة ، وقال موسى : ثنا أبان عن قتادة فأخرج له البخاري استشهادا ، وأخرج له مسلم عن عبد بن حميد ، عن مسلم بن إبراهيم عنه في البيوع ، وفي موضع آخر عن زهير ، عن عبد الصمد ، عنه ، ووزنه فعال كغزال ، فعلى هذا هو منصرف والهمزة فاء الكلمة أصلية والألف زائدة وهو الصحيح المشهور وقول الأكثرين . وقال ابن مالك : أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل منقول من أبان يبين ولو لم يكن منقولا لوجب أن يقال فيه أبين بالتصحيح .
1- حدثنا الحسن بن الصباح ، سمع جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس ، أخبرنا قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم ، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة . أخرج هذا الحديث هاهنا لأنه في بيان سبب نزول الآية التي هي من جملة الترجمة وهي قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية . ( بيان رجاله ) وهم ستة الأول : الحسن أبو علي بن الصباح بتشديد الباء الموحدة ابن محمد البزار بزاي بعدها راء الواسطي سكن بغداد قالوا : كان من خيار الناس ، وقال أحمد بن حنبل : ثقة صاحب سنة ، وما يأتي عليه يوم إلا وهو يفعل فيه خيرا روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وروى الترمذي عن رجل عنه توفي ببغداد سنة ستين ومائتين فيما ذكر محمد بن طاهر ، وابن عساكر ، وقال محمد بن سرور المقدسي والكلاباذي : توفي سنة تسع وأربعين ومائتين ، فعلى القول الأول تكون وفاته قبل البخاري لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين ، الثاني : جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي أبو عون ، قال ابن معين : هو ثقة ، وقال أحمد : رجل صالح ليس به بأس ، توفي بالكوفة سنة سبع ومائتين ، روى له الجماعة ، الثالث : أبو العميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ، واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي أخو عبد الرحمن ، قال يحيى وأحمد : ثقة ، توفي سنة عشرين ومائة ، روى له الجماعة ، الرابع : قيس بن مسلم أبو عمرو الجدلي الكوفي العابد سمع طارق بن شهاب ، ومجاهدا وغيرهما ، وعنه الأعمش ، ومسعر ، وغيرهما مات سنة عشرين ومائة ، الخامس : طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جشم بن ظفر بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بطن من بجيلة صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأدرك الجاهلية ، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ثلاثا وأربعين من بين غزوة وسرية ، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ، سكن الكوفة ، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ، أخرج له البخاري عن أبي بكر ، وابن مسعود ، ومسلم عن أبي سعيد ، وأبو داود ، والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هكذا ذكر الشيخ قطب الدين وفاته وهو وهم نبه عليه المزي ، والذين قالوا في وفاته : هو سنة ثلاث وثمانين ، وقيل : سنة اثنتين ، وقيل : سنة أربع ، وقال أبو داود : رأى طارق النبي عليه السلام ولم يسمع منه شيئا ، قلت : بجيلة بفتح الباء الموحدة وكسر الجيم هي أم ولد أنمار بن أراش وهي بنت صعب بن العشيرة . السادس : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، ومنها : أن ثلاثة منهم كوفيون . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن محمد بن يوسف ، وفي التفسير عن بندار ، عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري ، وفي الاعتصام عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن مسعر وغيره كلهم عن قيس بن مسلم عن طارق ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى كلاهما عن ابن مهدي به ، وعن عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب كلاهما عن عبد الله بن إدريس ، عن أبيه ، عن قيس بن مسلم ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الحج ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الله بن إدريس به ، وفي الإيمان عن أبي داود الحراني عن جعفر بن عون به . ( بيان اللغات ) قوله : من اليهود هو علم قوم موسى عليه السلام ، وفي ( العباب ) : اليهود اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا : زنجي وزنج ، ورومي وروم ، وإنما عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير ، ثم عرف الجمع بالألف واللام ، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام لأنه معرفة مؤنث يجري في كلامهم مجرى القبيلة ولم يجر كالحي انتهى . وسموا به اشتقاقا من هادوا أي مالوا أي في عبادة العجل ، أو من دين موسى ، أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ، ومن شر إلى خير لكثرة انتقالهم من مذاهبهم ، وقيل : لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ، وقيل : معرب من يهوذا ابن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل : يهودي ، ثم حذفت الياء في الجمع فقيل : يهود ، وكل منسوب إلى جنس ، الفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها نحو روم ورومي كما ذكرناه ، قوله : معشر اليهود المعشر الجماعة الذين شأنهم واحد ، ويجمع على معاشر ، قوله : عيدا على وزن فعل أصله عود لأنه من العود سمي به لأنه يعود في كل عام ، وقال الزمخشري في قوله تعالى : تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا قيل : العيد هو السرور العائد ولذلك يقال : يوم عيد ، وكأن معناه تكون لنا سرورا وفرحا ، ويجمع على أعياد فرقا بينه وبين أعواد الذي هو جمع عود ، قوله : بعرفة يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة ، تقول : هذا يوم عرفة غير منون ، ولا يدخلها الألف واللام لأن عرفة علم لهذا المكان المخصوص ففيها العلمية والتأنيث وقد يطلق على اليوم المعهود أيضا . ( بيان الإعراب ) قوله : سمع جعفر فعل وفاعل ومفعول وقبله شيء مقدر تقديره : حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر ، وقد جرت عادة المحدثين بحذف أنه في مثل هذا الموضع في الخط ، ولكن لا بد من قراءته كما يحذف لفظ قال خطا لا قراءة ، قوله : من اليهود في محل النصب على أنه صفة لرجلا ، أي رجلا كائنا من اليهود ، قوله : قال له أي لعمر وهذه الجملة في محل الرفع لأنها خبر إن ، قوله : آية مبتدأ وإن كان نكرة لأنه تخصص بالصفة وهي قوله : في كتابكم ، وقوله : تقرؤونها جملة في محل الرفع على أنها صفة أخرى للمبتدأ ، والجملة الشرطية خبره أعني قوله : لو علينا إلى آخره ، ويجوز أن يكون المخصص للمبتدأ صفة محذوفة تقديره : آية عظيمة ، وقوله : في كتابكم خبره ، وقوله : تقرؤونها خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا مقدرا فيما قبله ، تقديره : في كتابكم آية ، وقوله : في كتابكم المذكور مفسر له حذف ذاك حتى لا يجمع بين المفسر والمفسر ، قوله : لو علينا تقديره : لو نزلت علينا لأن لو لا تدخل إلا على الفعل فحذف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه كما في قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ أي وإن استجارك أحد ، وقوله تعالى : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ أي لو تملكون أنتم ، قوله : علينا يتعلق بالمحذوف ، قوله : معشر اليهود كلام إضافي منصوب على الاختصاص أي أعني معشر اليهود ، قوله : لاتخذنا جواب الشرط ، قوله : قال : أي آية ؟ أي قال عمر رضي الله عنه : أي آية هي ؟ فالخبر محذوف ، قوله : وهو قائم جملة اسمية وقعت حالا والباء في بعرفة ظرفية ، وقد قلنا : إنه غير منصرف للعلمية والتأنيث والباء تتعلق بقوله : قائم ، أو بقوله : نزلت ، قوله : يوم الجمعة ، وفي بعض الروايات : يوم جمعة ، وهي بفتح الميم وضمها وإسكانها ، فإن قلت : ما الفرق بين فعلة ساكن العين وفعلة بتحريكها ؟ قلت : إن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل ، يقال : رجل ضحكة بسكون الحاء أي مضحوك ، وهذه قاعدة كلية ، فإن قلت : عرفة غير منصرف اتفاقا لما ذكرت فما بال الجمعة منصرفا مع أنها مثلها في كونها اسما للزمان المعين ، وفيه تاء التأنيث ؟ قلت : عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليس علما ، ولو جعل علما لامتنع من الصرف . ( بيان المعاني ) قوله : إن رجلا من اليهود اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار صرح بذلك مسدد في ( مسنده ) ، والطبري في ( تفسيره ) ، والطبراني في ( الأوسط ) كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة ، عن عبادة بن نسي بضم النون وفتح السين المهملة عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن كعب فإن قلت : روى البخاري في المغازي من طريق الثوري عن قيس بن مسلم أن ناسا من اليهود ، وأخرج في التفسير من هذا الوجه بلفظ : قالت اليهود ، فكيف التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : التوفيق فيها أن كعبا حين سأل عمر رضي الله عنه عن ذلك كان معه جماعة من اليهود . قوله : أي آية كلمة أي هاهنا للاستفهام ، وهو اسم معرب معرفة للإضافة ، وقد تترك الإضافة وفيه معناها ، وإذا كان الذي أضيف إليه مؤنثا لا يجب دخول التاء فيه ، وإنما يجب إذا وقع صفة لمؤنث نحو : مررت بامرأة أية امرأة ، ونظير قوله : أي آية قوله تعالى : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ فإن قلت : ما الفرق بين الاستفهام به وبين الاستفهام بما نحو ما تلك الآية ، قلت : السؤال بأي إنما هو عمل يميز أحد المشاركات وبما عن الحقيقة والغرض هاهنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة ، قوله : قد عرفنا ذلك اليوم معناه : إنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها ولا مكان نزولها وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي عليه السلام وموضعه في زمان النزول وهو كونه عليه السلام قائما حينئذ وهو غاية في الضبط ، وقال النووي : معناه : إنا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان ، أما المكان فهو عرفات وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام ، وأما الزمان فهو يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما ، فإذا اجتمعا زاد التعظيم فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدا وعظمنا مكانه أيضا ، وهذا كان في حجة الوداع وعاش النبي عليه السلام بعدها ثلاثة أشهر ، قوله : الذي نزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام زاد مسلم عن عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون في هذا الحديث ولفظه : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه ، ولأحمد عن جعفر بن عون : والساعة التي نزلت فيها على النبي عليه السلام ، فإن قلت : كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال : لاتخذناه عيدا ، فقال عمر رضي الله عنه : عرفنا أحواله ، ولم يقل : جعلناه عيدا ، قلت : لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورات أن اليوم الذي بعد عرفة عيد للمسلمين فكأنه قال : جعلناه عيدا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه ، فإن قلت : فلم ما جعلوا يوم النزول عيدا ؟ قلت : لأنه ثبت في الصحيح أن النزول كان بعد العصر ، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار ، ولهذا قال الفقهاء : ورؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبلة فافهم .
( باب ظلم دون ظلم ) الكلام فيه على وجهين : الأول : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو أن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين ولم ينف عنهم اسم الإيمان مع كونهم عصاة ، وأن المعصية لا تخرج صاحبها عن الإيمان ، ولا شك أن المعصية ظلم والظلم في ذاته مختلف ، والمذكور في هذا الباب الإشارة إلى أنواع الظلم حيث قال ظلم دون ظلم ، وقال ابن بطال مقصود الباب أن تمام الإيمان بالعمل وأن المعاصي ينقص بها الإيمان ولا تخرج صاحبها إلى كفر ، والناس مختلفون فيه على قدر صغر المعاصي وكبرها . الثاني : قوله " باب " لا يعرب إلا بتقدير مبتدأ قبله لأنا قد قلنا غير مرة أن الإعراب لا يكون إلا بعد التركيب ولا يضاف إلى ما بعده ، والتقدير في الحقيقة هذا باب يبين فيه ظلم دون ظلم ، وهذا لفظ أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من حديث عطاء بن أبي رباح وغيره ، أخذه البخاري ووضعه ترجمة ثم رتب عليه الحديث المرفوع ، ولفظة " دون " إما بمعنى غير يعني أنواع الظلم مختلفة متغايرة ، وإما بمعنى الأدنى يعني بعضها أشد في الظلمية وسوء عاقبتها . 1 - ( حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة ح قال : وحدثني بشر قال : حدثنا محمد عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينا لم يظلم ؟ فأنزل الله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه لما علم أن الظلم على أنواع وأن بعض أنواع الظلم كفر وبعضها ليس بكفر فيعلم من ذلك ضرورة أن بعضها دون بعض ، وأخرج هذا الحديث من طريقين إحداهما عن أبي الوليد عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، والأخرى عن بشر بن خالد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، فإن قلت : الحديث عال في الطريق الأولى لأن رجالها خمسة ورجال الثانية ستة ، فلم لم يكتف بالأولى ؟ قلت : إنما أخرجه بالطريق الثانية أيضا لكون محمد بن جعفر أثبت الناس في شعبة وأراد بهذا التنبيه عليه . فإن قلت : اللفظ الذي ساقه لمن من شيخيه ؟ قلت : اللفظ لبشر بن خالد ، وكذلك أخرجه النسائي عنه وتابعه ابن أبي عدي عن شعبة ، وهو عند البخاري في تفسير الأنعام ، وأما لفظ ابن الوليد فساقه البخاري في قصة لقمان بلفظ : ( أينا لم يلبس إيمانه بظلم ) ، وزاد فيه أبو نعيم في ( مستخرجه ) من طريق سليمان بن حرب عن شعبة بعد قوله " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " ، فطابت أنفسنا . ( بيان رجاله ) وهم ثمانية : الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري ، وقد مر ذكره . الثاني : شعبة بن الحجاج ، وقد مر ذكره أيضا . الثالث : بشر بكسر الباء وسكون الشين المعجمة ابن خالد العسكري أبو محمد الفارض ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، وقال : ثقة ، ومحمد بن يحيى بن منده ومحمد بن إسحاق بن خزيمة توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين . الرابع : محمد بن جعفر الهذلي مولاهم البصري صاحب الكراديس المعروف بغندر وسمع السفيانين وشعبة وجالسه نحوا من عشرين سنة ، وكان شعبة زوج أمه ، روى عنه أحمد وعلي بن المديني وبندار وخلق كثير ، صام خمسين سنة يوما ويوما ، وقال يحيى بن معين : كان من أصح الناس كتابا ، وقال أبو حاتم : صدوق ، وهو في شعبة ثقة ، وغندر لقب له لقبه به ابن جريج لما قدم البصرة وحدث عن الحسن فجعل محمد يكثر التشغيب عليه ، فقال : اسكت يا غندر ، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا وزعم أبو جعفر النحاس في كتاب ( الاشتقاق ) أنه من الغدر وأن نونه زائدة ، والمشهور في داله الفتح ، وحكى الجوهري ضمها ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة ، قاله أبو داود ، وقيل سنة أربع ، وقال ابن سعد سنة أربع ومائتين ، وقد تلقب عشرة أنفس بغندر . الخامس : سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي الأعمش ، وكاهل هو أسد بن خزيمة ، يقال أصله من طبرستان من قرية يقال لها دباوند بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الألف وفتح الواو وسكون النون ، وفي آخره دال مهملة ولد بها الأعمش وجاء به أبوه حميلا إلى الكوفة فاشتراه رجل من بني أسد فأعتقه ، وقال الترمذي في ( جامعه ) في باب الاستتار عند الحاجة عن الأعمش أنه قال كان أبي حميلا فورثه مسروق فالحميل على هذا أبوه ، والحميل الذي يحمل من بلده صغيرا ولم يولد في الإسلام وظهر للأعمش أربعة الآف حديث ولم يكن له كتاب وكان فصيحا لم يلحن قط ، وكان أبوه من سبي الديلم ، يقال إنه شهد قتل الحسين رضي الله عنه وأن الأعمش ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وقال البخاري : ولد سنة ستين ومات سنة ثمان وأربعين ومائة ، رأى أنسا ، قيل وأبا بكرة ، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى ، وقال الشيخ قطب الدين في ( شرحه ) رأى أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى ولم يثبت له سماع من أحدهما ، وسمع أبا وائل ومعرورا ومجاهدا وإبراهيم النخعي والتيمي والشعبي وخلقا . روى عنه السبيعي وإبراهيم التيمي والثوري وشعبة ويحيى القطان وسفيان بن عيينة وخلق سواهم ، وقال يحيى القطان : الأعمش من النساك المحافظين على الصف الأول ، وكان علامة الإسلام ، وقال وكيع : بقي الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى ، وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال : المصحف المصحف ، سماه المصحف لصدقه ، وكان يسمى سيد المحدثين وكان فيه تشيع ونسب إلى التدليس ، وقد عنعن هذا الحديث عن إبراهيم ولم ير في جميع الطرق التي فيها رواية الأعمش للبخاري ومسلم وغيرهما أنه صرح بالتحديث أو الإخبار إلا في رواية حفص بن غياث عن الأعمش الحديث المذكور في رواية البخاري في قصة إبراهيم عليه السلام على ما سيجيء إن شاء الله تعالى . فإن قلت : المعنعن إذا كان مدلسا لا يحمل حديثه على السماع إلا أن يبين فيقول : حدثنا أو أخبرنا أو سمعت أو ما يدل على التحديث . قلت : قال ابن الصلاح وغيره ما كان في الصحيحين من ذلك عن المدلسين كالسفيانين والأعمش وقتادة وغيرهم ، فمحمول على ثبوت السماع عند البخاري ومسلم من طريق آخر ، وقد ذكر الخطيب عن بعض الحفاظ أن الأعمش يدلس عن غير الثقة بخلاف سفيان فإنه إنما يدلس عن ثقة ، وإذا كان كذلك فلا بد أن يبين حتى يعرف والله أعلم ، روى له الجماعة . السادس : إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي أبو عمران الكوفي فقيه أهل الكوفة دخل على عائشة رضي الله عنها ولم يثبت منها له سماع ، وقال العجلي : أدرك جماعة من الصحابة ولم يحدث من أحد منهم وكان ثقة مفتي أهل زمانه هو والشعبي ، وسمع علقمة والأسود بن زيد وخالدا ومسروقا وخلقا كثيرا ، روى عنه الشعبي ومنصور والأعمش وغيرهم ، وكان أعور ، وقال الشعبي : لما مات إبراهيم ما ترك أحدا أعلم منه ولا أفقه ، فقيل له : ولا الحسن وابن سيرين ؟ قال : ولا هما ، ولا من أهل البصرة ولا من أهل الكوفة والحجاز ، وفي رواية : ولا بالشام . قال الأعمش : كان إبراهيم صيرفي الحديث ، مات وهو مختف من الحجاج ولم يحضر جنازته إلا سبعة أنفس سنة ست وتسعين وهو ابن تسع وقيل ثمان وخمسين ، قيل : ولد سنة ثمان وثلاثين ، وقيل : سنة خمسين ، فيكون على هذا توفي ابن ست وأربعين ، روى له الجماعة . السابع : علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخعي أبو شبل الكوفي عم الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد خالي إبراهيم بن يزيد النخعي ؛ لأن أم إبراهيم مليكة ابنة يزيد وهي أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ، روى عن أبي بكر رضي الله عنه وسمع عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وروى عنه أبو وائل وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وغيرهم ، اتفق على جلالته وتوثيقه ، وقال إبراهيم النخعي : كان علقمة يشبه عبد الله بن مسعود ، وقال أبو إسحاق : كان علقمة من الربانيين ، وقال أبو قيس : رأيت إبراهيم آخذا بركاب علقمة ، مات سنة اثنتين وستين ، وقيل وسبعين ولم يولد له قط روى له الجماعة إلا ابن ماجه . الثامن : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وقد مر ذكره في أول كتاب الإيمان ، وفي الصحابة ثلاثة عبد لله بن مسعود أحدهم هذا والثاني أبو عمرو الثقفي أخو أبي عبيدة استشهد يوم الجسر والثالث غفاري له حديث ، وفيهم رابع اختلف في اسمه فقيل ابن مسعدة ، وقيل ابن مسعود الفزاري . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والعنعنة ؛ ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض ، الأعمش وإبراهيم وعلقمة ، وهذا الإسناد أحد ما قيل فيه أنه أصح الأسانيد ؛ ومنها أن رواته كلهم حفاظ أئمة أجلاء ؛ ومنها أن في بعض النسخ قبل قوله " وحدثني بشر " صورة ح أشار إلى التحويل حائلا بين الإسنادين ، فهذا إن كان من المصنف فهي تدل على التحويل قطعا ، وإن كان من بعض الرواة قد زادها فيحتمل وجهين : أحدهما أن تكون مهملة دالة على التحويل كما ذكرناه ، والآخر أن تكون معجمة دالة على البخاري بطريق الرمز أي قال البخاري : وحدثني بشر والرواية الصحيحة بواو العطف ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام عن أبي الوليد عن شعبة ، وعن بشر بن خالد عن غندر عن شعبة ، وفي التفسير عن بندار عن ابن عدي عن شعبة ، وفي أحاديث الأنبياء عليهم السلام عن ابن حفص بن غياث عن أبيه ، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس ، وفي التفسير واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير ؛ وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن ابن إدريس وأبي معاوية ووكيع ، وعن إسحاق وابن خشرم عن عيسى ، وعن منجاب عن علي بن مسهر ، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به ، وفي بعض طرق البخاري لما نزلت الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وأخرجه الترمذي أيضا . ( بيان اللغات والإعراب ) ؛ قوله " لم يلبسوا " من باب لبست الأمر ألبسه بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا خلطته ، وفي لبس الثوب بضده يعني بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل ، والمصدر من الأول لبس بفتح اللام ومن الثاني لبس بالضم ، وفي ( العباب ) قال الله تعالى : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ أي شبهنا عليهم وأضللناهم كما ضلوا ، وقال ابن عرفة في قوله تعالى : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ أي لا تخلطوه به ، وقوله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ، وقوله جل ذكره : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أي لم يخلطوه بشرك ؛ قال العجاج : ويفصلون اللبس بعد اللبس من الأمور الربس بعد الربس واللبس أيضا اختلاط الظلام ، وفي الأمر لبسة بالضم أي شبهة وليس بواضح ؛ قوله " بظلم " الظلم في أصل الوضع وضع الشيء في غير موضعه ، يقال : ظلمه يظلمه ظلما ومظلمة والظلامة والظليمة والمظلمة ما تطلبه عند المظالم ، وهو اسم ما أخذ منك ، وتظلمني فلان أي ظلمني مالي ؛ قوله " لما " بمعنى حين ، وقوله " قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " جوابه ؛ قوله " نزلت " فعل وفاعله ؛ قوله " الَّذِينَ آمَنُوا " ، الآية ، والتأنيث باعتبار الآية ، والتقدير لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخرها ؛ قوله " أينا " كلام إضافي مبتدأ ، وقوله " لم يظلم " خبره والجملة مقول القول ؛ قوله " فأنزل الله " عطف على " قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، والفاء معناها التعقيب ، وقد تكون بمعنى ثم يعني للتراخي والذي تقتضيه الحال أنها ههنا على أصلها . ( بيان المعاني ) ؛ قوله " أينا لم يظلم " ، وفي بعض النسخ : ( أينا لم يظلم نفسه ) بزيادة نفسه ، والمعنى أن الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق فشق عليهم ذلك ، فبين الله تعالى أن المراد الظلم المقيد وهو الظلم الذي لا ظلم بعده ، وقال الخطابي : إنما شق عليهم لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس ، والافتيات السبق إلى الشيء وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي فظنوا أن المراد ههنا معناه الظاهر ، فأنزل الله تعالى الآية ، ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم بل أظلم الظالمين ، وقال التيمي : معنى الآية لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر لأن الخلط بينهما لا يتصور ، أي لم يخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان فتحصل لهم صفتان إيمان متقدم وكفر متأخر بأن كفروا بعد إيمانهم ، ويجوز أن يكون معناه ينافقوا فيجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا وإن كانا لا يجتمعان . قلت : اختلفت ألفاظ الحديث في هذا ، ففي رواية جرير عن الأعمش : ( فقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال : ليس كذلك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان ) ، وفي رواية وكيع عنه : ( فقال : ليس كما تظنون ) ، وفي رواية عيسى بن يونس عنه : ( إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان ) ، وفي رواية شعبة عنه ما مضى ذكره ههنا فبين رواية شعبة عنه وبين روايات جرير ووكيع وعيسى بن يونس اختلاف ، والتوفيق بينهما أن يجعل إحداهما مبينة للأخرى فيكون المعنى لما شق عليهم أنزل الله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم المطلق في إحداهما يراد به المقيد في الأخرى وهو الشرك ، فالصحابة رضي الله عنهم حملوا اللفظ على عمومه فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس كما ظننتم ، بل كما قال لقمان عليه السلام . فإن قلت : من أين حملوه على العموم ؟ قلت : لأن قوله " بِظُلْمٍ " نكرة في سياق النفي فاقتضت التعميم . فإن قلت : من أين لزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا ولا مهتديا حتى شق عليهم . قلت : من تقديم لهم على الأمن في قوله : أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ أي لهم الأمن لا لغيرهم ومن تقديم " وَهُمْ " على مهتدون في قوله " وَهُمْ مُهْتَدُونَ " ، وقال الزمخشري في : كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا إنه للتخصيص أي هو قائلها لا غيره . فإن قلت : لا يلزم من قوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إن غير الشرك لا يكون ظلما . قلت : التنوين في بظلم للتعظيم ، فكأنه قال : لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ، فلما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك ، وقد ورد ذلك صريحا عند البخاري من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ولفظه: ( قلنا : يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك أولم تسمعوا إلى قول لقمان ) ، فذكر الآية ، فإن قلت : لم ينحصر الظلم العظيم على الشرك ؟ قلت : عظمة هذا الظلم معلومة بنص الشارع وعظمة غيره غير معلومة والأصل عدمها . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : إن العام يطلق ويراد به الخاص بخلاف قول أهل الظاهر ، فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم ، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه ، وحكى الماوردي في الظلم في الآية قولين : أحدهما أن المراد منه الشرك وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود عملا بهذا الحديث ، قال : واختلفوا على الثاني فقيل إنها عامة ويؤيده ما وراه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي : ( أن رجلا سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت حتى جاء رجل فأسلم ، فلم يلبث قليلا حتى استشهد فقال عليه السلام : هذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) ، وقيل : إنها خاصة نزلت في إبراهيم عليه السلام وليس في هذه الآية فيها شيء قاله علي رضي الله عنه ، وقيل : إنها فيمن هاجر إلى المدينة قاله عكرمة ، قلت : جعل صاحب ( الكشاف ) هذه الآية جوابا عن السؤال أعني ؛ قوله : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وأراد بالفريقين فريقي المشركين والموحدين ، وفسر الشرك بالمعصية فقال : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم ، ثم قال : وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس وهذا لا يمشي إلا على قول من قال : إنها خاصة نزلت في إبراهيم . الثاني : إن المفسر يقضي على المجمل . الثالث : إثبات العموم . الرابع : عموم النكرة في سياق النفي لفهم الصحابة وتقرير الشارع عليه وبيانه لهم التخصيص ، وأنكر القاضي العموم فقال : حملوه على أظهر معانيه فإنه وإن كان يطلق على الكفر وغيره لغة وشرعا ، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر ، كما أن لفظ الكفر يطلق على معان من جحد النعم والستر لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله على ضد الإيمان ، فلما ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة على أظهر وجوهه ، فليس فيه دلالة العموم . قلت : يرد هذا ما ذكرناه من أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ورواية البخاري أيضا . الخامس : استنبط منه المازري والنووي وغيرهما تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، وقال القاضي عياض في الرد على ذلك بأنه ليس في هذه القضية تكليف عمل ، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر ، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده ، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان ، لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد ، وقال بعضهم : ويمكن أن يقال المعتقد أيضا يحتاج إلى البيان ، فما انتفت الحاجة ، والحق أن في القضية تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر . قلت : لو فهم هذا القائل كلام القاضي لما استدرك عليه بما قاله ، فالقاضي يقول اعتقاد التصديق لازم إلخ ، فالذي يفهم هذا الكلام كيف يقول : فما انتفت الحاجة ، وقوله والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب ليس بحق ؟ لأن الآية ليس فيها خطاب ، والخطاب من باب الإنشاء ، والآية إخبار على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع عند جماعة ، وقيد الكرخي جوازه في المجمل على ما عرف في موضعه . السادس : إن المعاصي لا تكون كفرا ، وهو مذهب أهل الحق وإن الظلم مختلف في ذاته كما دل عليه ترجمته . السابع : احتج به من قال الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليل الخصوص . الثامن : أن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة تقتضي ذلك ، فافهم .
( باب أحب الدين إلى الله أدومه ) الكلام فيه من وجوه : الأول : قوله " باب " خبر مبتدأ محذوف غير منون إن اعتبرت إضافته إلى الجملة ، وقوله " أحب الدين " كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله " أدومه " . الثاني : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول حسن إسلام المرء وهو الامتثال بالأوامر والانتهاء عن النواهي والشفقة على خلق الله تعالى ، والمطلوب في هذا المداومة والمواظبة ، وكلما واظب العبد عليه وداوم زاد من الله محبة لأن الله تعالى يحب مداومة العبد على العمل الصالح ، وقال الكرماني : أحب الدين أي أحب العلم إذ الدين هو الطاعة ومناسبته لكتاب الإيمان من جهة أن الدين والإيمان والإسلام واحد . قلت : العجب منه كيف رضي بهذا الكلام ، فالمناسبة لا تطلب إلا بين البابين المتواليين ولا تطلب بين بابين أو بين كتاب وباب بينهما أبواب عديدة ، وكذلك دعواه باتحاد الدين والإيمان والإسلام ، والفرق بينها ظاهر ، وقد حققناه فيما مضى ، وقال بعضهم : مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال لأن المراد بالدين هنا العمل ، والدين الحقيقي هو الإسلام ، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان فيصح بهذا مقصوده ومناسبته لما قبله من قوله " عليكم بما تطيقون لأنه لما قدم " أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير المطلوب . قلت : فيه نظر من وجوه . الأول : إن قوله مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال غير صحيح ؛ لأن الحديث ليس فيه ما يدل على هذا ، والاستدلال بالترجمة ليس باستدلال يقوم به المدعي . فإن قلت : في الحديث ما يدل عليه وهو قوله " أحب الدين إليه " ، فإن المراد ههنا من الدين العمل ، وقد أطلق عليه الدين . قلت : هذا إنما يمشي إذا أطلق الدين المعهود المصطلح على العمل وليس كذلك ، فإن المراد بالدين ههنا الطاعة بالوضع الأصلي ، فإن لفظ الدين مشترك بين معاني كثيرة مختلفة ؛ الدين بمعنى العبادة ، وبمعنى الجزاء ، وبمعنى الطاعة ، وبمعنى الحساب ، وبمعنى السلطان ، وبمعنى الملة ، وبمعنى الورع ، وبمعنى القهر ، وبمعنى الحال ، وبمعنى ما يتدين به الرجل ، وبمعنى العبودية ، وبمعنى الإسلام ، وفي ( المحكم ) : الدين الإسلام . الثاني أنه قال : الإسلام الحقيقي مرادف للإيمان يعني كلاهما واحد ، وقال : إن الإيمان يطلق على الأعمال يشير به إلى أن الأعمال من الإيمان ، ثم قال : إن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة ، فكلامه يشير إلى أن الأعمال ليست من الإيمان لأن الحسن من الأوصاف الزائدة على الذات ، وهي غير الذات ، فينتج من كلامه أن الإسلام يحسن بالإسلام ، وهذا فاسد . الثالث : قوله " فيصح بهذا مقصوده ومناسبته لما قبله " غير مستقيم ؛ لأنه لا يظهر وجه المناسبة لما قبله مما قاله أصلا ، وكيف يوجد وجه المناسبة من قوله " عليكم بما تطيقون " والترجمة ليست عليه ، وإنما وجه المناسبة لما قبله ما ذكرته لك آنفا ، فافهم ، الوجه الثالث : قوله " أحب الدين " أحب ههنا أفعل لتفضيل المفعول ومحبة الله تعالى للدين إرادة إيصال الثواب عليه ؛ قوله " أدومه " هو أفعل من الدوام وهو شمول جميع الأزمنة أي التأبيد ، فإن قيل شمول الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم ؟ أجيب بأن المراد بالدوام هو الدوام العرفي وذلك قابل للكثرة والقلة ، فافهم . 1 - ( حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى عن هشام قال : أخبرني أبي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة ، قال : من هذه ؟ قالت : فلانة تذكر من صلاتها ، قال : مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي قوله " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه " غير أنه غير لفظ ما داوم عليه ، ولكنه في المعنى مثله ؛ ولهذا قال في الترجمة إلى الله بدل إليه ، وهي رواية المستملي وحده ، وكذا في رواية عبدة عن هشام ، وعند إسحاق بن راهويه في مسنده ، وكذا للبخاري ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها ، وهذه الروايات توافق الترجمة ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو موسى محمد بن المثنى البصري المعروف بالزمن ، وقد مر في باب حلاوة الإيمان . الثاني : يحيى بن سعيد القطان الأحول ، وقد مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام ، وقد مر ذكرهما في الحديث الثاني من الصحيح . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ، وقد مر ذكرها أيضا غير مرة . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في كتاب الصلاة ، وقال فيه : ( كانت عندي امرأة من بني أسد ) ، وسماها مسلم لكن قال فيه : ( إن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها ، وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : هذه الحولاء بنت تويت ، وزعموا أنها لا تنام الليل ، فقال عليه الصلاة والسلام : خذوا من العمل ما تطيقون ، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا ) ، وذكره مالك في الموطأ وفيه : ( فقيل له هذه الحولاء لا تنام الليل فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه ) ، وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة كما أورده البخاري هنا ، وفي الصلاة وفيه : ( أنه عليه السلام دخل عليها ، وعندها امرأة ) ، وأخرجه النسائي في الإيمان والصلاة عن شعيب بن يوسف النسائي عن يحيى بن سعيد به ، فإن قلت : قوله " وعندها امرأة " هي الحولاء أو غيرها . قلت : يحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى إحداهما أنها مرت بها والأخرى كانت عندها ، ويحتمل أن تكون غيرها لكن قول البخاري ، وعندي امرأة من بني أسد يدل على أنها الحولاء بنت تويت ، ولكن الظاهر أن القصة واحدة دلت عليها رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث : ( مرت برسول الله عليه السلام الحولاء ) ، أخرجه محمد بن نصر في كتاب ( قيام الليل ) . وجه التوفيق أن يحمل على أنها كانت أولا عند عائشة رضي الله عنها فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قامت المرأة لتخرج فمرت به في خلال ذهابها فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبهذا اتفقت الروايات ، والحولاء بالحاء المهملة تأنيث الأحول و " تويت " بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره تاء مثناة من فوق أيضا وكانت الحولاء امرأة صالحة عابدة مهاجرة رضي الله عنها . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " فلانة " أي الحولاء الأسدية وهي غير منصرفة لأن حكمها حكم أعلام الحقائق كأسامة لأنها كناية عن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة ، ففيها العلمية والتأنيث ؛ قوله " مه " بفتح الميم وسكون الهاء ، وهي اسم سمي به الفعل وبنيت على السكون ومعناه اكفف ، فإن وصلت نونته فقلت " مه مه " ، ويقال مهمهت به أي زجرته ، وقال التيمي : إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة ، وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة ، فالمعرفة غير منون والنكرة منون ؛ قوله " عليكم " أيضا من أسماء الأفعال أي الزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه ؛ قوله " لا يمل الله " من الملالة وهي السآمة والضجر ، وفي ( الفصيح ) في باب فعلت : مللت من الشي أمل ، وفي ( المحكم ) : مللت الشيء مللا وملالا وملالة وأملني وأمل علي أبرمني ، ورجل ملول وملالة وملولة وذو ملة ، والأنثى ملول وملولة ، وملول على المبالغة ، وفي ( الجامع ) فأنت مال ؛ قوله " أحب الدين " أي أحب الطاعة ، ومنه في الحديث في صفة الخوارج : ( يمرقون من الدين ) أي من طاعة الأئمة ، ويجوز أن يكون فيه حذف تقديره أحب أعمال الدين ، وقال التيمي : فإن قلت : المراد بيمرقون من الدين من الإيمان لأنه ورد في رواية أخرى : ( يمرقون من الإسلام ) ، قلت : الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق فيحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الانقياد والطاعة ؛ قوله " داوم " من المداومة وهي المواظبة ، قال الجوهري : المداومة على الأمر المواظبة عليه ، وثلاثيه " دام " الشيء يدوم ويدام دوما ودواما وديمومة ، وأدامه غيره ، ودام الشيء سكن . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " دخل عليها " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " وعندها امرأة " جملة اسمية وقعت حالا ؛ قوله " قال " هكذا بغير فاء رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره " فقال " بالفاء العاطفة ، ووجه الأول أن تكون جملة استثنائية أعني جواب سؤال مقدر ، فكأن قائلا يقول : ماذا قال حين دخل ؟ قالت : قال : من هذه ، فقوله من مبتدأ وهذه خبره ، والجملة مقول القول ، قوله : "قالت" أي عائشة فعل وفاعل ، قوله : "فلانة" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هي فلانة أي الحولاء الأسدية ، "تذكر" بفتح التاء المثناة من فوق فعل مضارع للمؤنث ، وفاعله عائشة رضي الله عنها ، ويروى : "يذكر" بالياء آخر الحروف المضمومة على فعل ما لم يسم فاعله ، وقوله : "من صلاتها" في محل الرفع مفعول ناب عن الفاعل والمعنى : يذكرون أن صلاتها كثيرة ، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان : "لا تنام تصلي" وعلى الوجه الأول هي في محل النصب على المفعولية ، قوله : "مه" مقول القول ، قوله : "بما تطيقون" ، وفي رواية : "ما تطيقون" بغير الباء ومعناه : ما تطيقون الدوام عليه وإنما قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه ، قوله : "فوالله" مجرور بواو القسم ، قوله : "لا يمل الله" فعل وفاعل ، قوله : "حتى تملوا" أي حتى أن تملوا فأن مقدرة ولهذا نصبت تملوا ، قوله : "أحب الدين" كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان ، قوله : "إليه" أي إلى الله ، قوله : "ما داوم عليه صاحبه" في محل النصب لأنه خبر كان وصاحبه مرفوع بداوم ، أو كلمة "ما" للمدة والتقدير : مدة دوام صاحبه عليه . "بيان المعاني" قوله : "مه" زجر كما ذكرنا ولكن يحتمل أن يكون لعائشة والمراد نهيها عن مدح المرأة ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تكلف عمل لا يطاق به ، ولهذا قال بعده : "عليكم من العمل ما تطيقون" ، وقال ابن التين : لعل عائشة أمنت عليها الفتنة ، فلذلك مدحتها في وجهها ، قلت : جاء في رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث ما يدل على أنها إنما ذكرت ذلك بعد أن خرجت المرأة أخرجها الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه ولفظه : "كانت عندي امرأة فلما قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذه يا عائشة ؟ قلت : يا رسول الله ، هذه فلانة ، وهي أعبد أهل المدينة" ، قوله : "من العمل" يحتمل أن يريد به صلاة الليل لوروده على سببه ، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال قاله الباجي ، قوله : "بما تطيقون" قال القاضي : يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة ، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق والأمر بالاقتصار على ما نطيق قال : وهو أنسب للسياق ، قوله : "عليكم من العمل بما تطيقون" فيه عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال وكان الخطاب للنساء فيقتضي أن يقال : عليكن ، ولكن لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة غلب الذكور على الإناث في الذكر ، قوله : "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" فيه المشاكلة والازدواج وهو أن يكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها كما قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ معناه : فجازوه على اعتدائه ، فسماه اعتداء ، وهو عدل لتزدوج اللفظة الثانية مع الأولى ، ومنه قوله تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وقال الشاعر وهو عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا أراد : فنجازيه على فعله ، فسماه جهلا ، والجهل لا يفخر به ذو عقل ، ولكنه على الوجه الذي ذكرناه ، والحاصل أن الملال ، لا يجوز على الله تعالى ولا يدخل تحت صفاته لأنه ترك الشيء استثقالا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه ، وهو من صفات المخلوق فلا بد من تأويل ، واختلف العلماء فيه فقال الخطابي : معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يذكر العمل وذلك أن من مل شيئا تركه ، فكنى عن الترك بالملال الذي هو سبب الترك ، وقال ابن قتيبة : معناه أنه لا يمل إذا مللتم ، قال : ومثاله قولهم في البليغ : فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه معناه : لا ينقطع إذا انقطعت خصومه ، ولو كان لم يكن له فضل على غيره ، وقال بعضهم : ومعناه أن الله لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تكلفوا ما لا تطيقون من العمل ، كنى بالملال عنه لأن من تناهت قوته عن أمر وعجز عن فعله مله وتركه ، وقال التيمي : معناه أن الله لا يمل أبدا مللتم أنتم أو لم تملوا نحو قولهم : لا أكلمك حتى يشيب الغراب ، ولا يصح التشبيه لأن شيب الغراب ليس ممكنا عادة بخلاف ملل العباد ، وحكى الماوردي أن حتى هاهنا بمعنى حين أو بمعنى الواو ، وهذا ضعيف جدا . "بيان استنباط الأحكام" الأول : فيه دلالة على استعمال المجاز وهو إطلاق الملل على الله تعالى ، الثاني : فيه جواز الحلف من غير استحلاف ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث على طاعة أو تنفير عن محذور ونحوه ، وقال أصحاب الشافعي : يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا ، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقا ، الثالث : فيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم ، والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة ، الرابع : فيه بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس تكون فيه أنشط ، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها والدوام عليها بخلاف ما يشق عليه ، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة ، فيفوته الخير العظيم ، وقال أبو الزناد والمهلب : إنما قاله عليه السلام خشية الملال اللاحق ، وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ألا ترى أن عبد الله بن عمرو ندم على مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف عنه لما ضعف ومع ذلك لم يقطع الذي التزمه ، الخامس : فيه دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة ، وعن جماعة من السلف : لا بأس به ، قال النووي ، وقال القاضي : كرهه مالك مرة ، وقال : لعله يصح مغلوبا ، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ثم قال : لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح ، وإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا ، وإن كان به فتور وكسل فلا بأس به .
( باب قيام ليلة القدر من الإيمان ) لما كان المذكور بعد ذكر المقدمة التي هي باب كيفية بدء الوحي كتاب الإيمان المشتمل على أبواب فيها بيان أمور الإيمان ، وذكر في أثنائها خمسة من الأبواب مما يضاد أمور الإيمان لأجل مناسبة ذكرناها عند ذكر أول الأبواب الخمسة عاد إلى بيان بقية الأبواب المشتملة على أمور الإيمان نحو: قيام ليلة القدر من الإيمان والجهاد من الإيمان ، وتطوع قيام رمضان من الإيمان ، وصوم رمضان من الإيمان ، وغير ذلك من الأبواب المتعلقة بأمور الإيمان ، وينبغي أن تطلب المناسبة بين هذا الباب وبين باب السلام من الإسلام ؛ لأن الأبواب الخمسة المذكورة بينهما إنما هي بطريق الاستطراد لا بطريق الأصالة ، فالمذكور بطريق الاستطراد كالأجنبي ، فيكون هذا الباب في الحقيقة مذكورا عقيب باب السلام من الإسلام فتطلب المناسبة بينهما ، فنقول وجه المناسبة هو أن المذكور في باب السلام من الإسلام هو أن إفشاء السلام من أمور الإيمان ، وكذلك ليلة القدر فيها يفشى السلام من الملائكة على المؤمنين ، قال الله تعالى : سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ قال الزمخشري : ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون أي الملائكة على المؤمنين ، وقيل : لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة ؛ ثم قوله " باب " معرب على تقدير أنه خبر مبتدأ محذوف منون أي هذا باب . وقوله " قيام " مرفوع بالابتداء وخبره قوله " من الإيمان " ، ويجوز أن يترك التنوين من " باب " على تقدير إضافته إلى الجملة وعلى كل التقدير الأصل هذا باب في بيان أن قيام ليلة القدر من شعب الإيمان ، والقيام مصدر قام ، يقال : قام قياما ، وأصله قواما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . والكلام في ليلة القدر على أنواع : الأول : في وجه التسمية به ، فقيل : سمي به لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة أي يظهرهم الله عليه ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم ، وقيل : لعظم قدرها وشرفها ، وقيل : لأن من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر ، وقيل : لأن الطاعات لها قدر زائد فيها . الثاني : في وقتها اختلف العلماء فيه فقالت جماعة : هي منتقلة تكون في سنة في ليلة ، وفي سنة في ليلة أخرى وهكذا ، وبهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على اختلاف أوقاتها ، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما قالوا : إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان ، وقيل : بل في كله ، وقيل : إنها معينة لا تنتقل أبدا ، بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها ، وقيل : هي في السنة كلها ، وقيل : في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما ، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه ، وقيل : بل في العشر الأوسط والأواخر ، وقيل : بل في الأواخر ، وقيل : يختص بأوتار العشر ، وقيل : بأشفاعه ، وقيل : بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين ، وهو قول ابن عباس ، وقيل : في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين ، وقيل : ليلة ثلاث وعشرين ، وقيل : ليلة أربع وعشرين ، وهو محكي عن بلال وابن عباس رضي الله عنهم ، وقيل : سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وقال زيد بن أرقم : سبع عشرة ، وقيل : تسع عشرة ، وحكي عن علي رضي الله عنه ، وقيل : آخر ليلة من الشهر ، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين ، ذكره الرافعي وهو خارج عن المذكورات . الثالث : هل هي محققة ترى أم لا ، فقال قوم : رفعت لقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحى الرجلان رفعت ، وهذا غلط لأن آخر الحديث يدل عليه وهو : ( عسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع ) ، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها لا رفع وجودها ، وقال النووي : أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر ، وهي موجودة ترى ، ويحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان وإخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى ، وأما قول المهلب لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط ، وقال الزمخشري : ولعل الحكمة في إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها فتكثر عبادته وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها . 1 - ( حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا بهذا الترتيب في باب حب الرسول عليه السلام ، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع ، وشعيب هو ابن حمزة ، وأبو الزناد بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي ، قيل : أصح أسانيد أبي هريرة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصيام مطولا ، وأخرجه مسلم ولفظه : ( من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والموطأ ولفظهم : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة فيقول : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، فتوفي رسول الله عليه الصلاة والسلام والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما . وأخرج البخاري ومسلم أيضا نحوه ، وأخرج النسائي ( عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان بفضله على الشهور ، وقال : من قام في رمضان إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ، وقال : هذا خطأ والصواب أنه عن أبي هريرة . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " من يقم " بفتح الياء من قام يقوم وهو متعد ههنا ، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى للبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرمضان : من قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، وفي رواية للنسائي : ( فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ؛ قوله " إيمانا " أي تصديقا بأنه حق وطاعة ؛ قوله " واحتسابا " أي إرادة وجه الله تعالى لا لرياء ونحوه فقد يفعل الإنسان الشيء الذي يعتقد أنه صادق لكن لا يفعله مخلصا بل لرياء أو خوف أو نحو ذلك ، ويقال احتسابا أي حسبة لله تعالى ، يقال : احتسبت بكذا أجرا عند الله تعالى والاسم الحسبة وهي الأجر ، وفي ( العباب ) : احتسبت بكذا أجرا عند الله أي اعتددته أنوي به وجه الله تعالى ، ومنه قوله عليه السلام : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا ) ، الحديث ، واحتسبت عليه كذا أي أنكرته عليه قاله ابن دريد ، ومنه محتسب البلد ؛ قوله " غفر له " من الغفر وهو الستر ومنه المغفر وهو الخودة ، وفي ( العباب ) : الغفر التغطية والغفر والغفران والمغفرة واحد ومغفرة الله لعبده إلباسه إياه العفو وستره ذنوبه . ( بيان الإعراب والمعاني ) ؛ قوله " من يقم " كلمة " من " شرطية و " يقم " جملة من الفعل والفاعل وقعت فعل الشرط ؛ وقوله " ليلة القدر " كلام إضافي مفعول به ليقم وليس بمفعول فيه ؛ قوله " إيمانا واحتسابا " منصوبان على أنهما حالان متداخلتان أو مترادفتان على تأويل مؤمنا ومحتسبا ، وقال الكرماني : وحينئذ لا تدل على ترجمة الباب إذ المفهوم منه ليس إلا القيام في حال الإيمان ، وفي زمانه مشعر بأنه من جملته . قلت : ليس المراد من لفظه " إيمانا " هو الإيمان الشرعي ، وإنما المراد هو الإيمان اللغوي وهو التصديق كما فسرناه الآن ، والترجمة غير مترتبة عليه ، وإنما هي مترتبة على مباشرة عمل هو سبب لغفران ما تقدم من ذنبه وهو قيام ليلة القدر ههنا ، ومباشرة مثل هذا العمل شعبة من شعب الإيمان ، فافهم ، ثم إن الكرماني جوز انتصابهما على التمييز وعلى العلة أيضا بعد أن قال : التمييز والمفعول له لا يدلان على أنه من الإيمان بتأويل أن " من " للابتداء ، فمعناه أن القيام منشؤه الإيمان فيكون للإيمان أو من جهة الإيمان . قلت : وقوع كل منهما بعيد أما التمييز فإنه يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة ، وكل منهما ههنا منتف أما الأول فلأنه يكون عن ذات مفردة مذكورة وذلك المفرد يكون مقدرا غالبا ، وأما الثاني فإنه لا إبهام في لفظة " يقم " ولا في إسناده إلى فاعله ، وأما النصب على العلة فإنه ما فعل لأجله فعل مذكور ، وههنا القيام ليس لأجل علة الإيمان وإنما الإيمان سبب للقيام . ثم قال الكرماني : فإن قلت : شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو طاب زيد نفسا . قلت : اطراد هذا الشرط ممنوع ولئن سلمنا فهو أعم من أن يكون فاعلا بالفعل أو بالقوة كما يؤول طار عمرو فرحا بأن المراد طيره الفرح فهو في المعنى إقامة الإيمان . قلت : هذا التمثيل ليس بصحيح لأن نسبة الطيران إلى عمرو فيه إبهام ، وفسره بقوله فرحا وتأويله طيره الفرح كما في قولك طاب زيد نفسا تقديره طاب نفس زيد ، وليس كذلك قوله " من يقم ليلة القدر " لأنه لا إبهام في نسبة القيام إليه ولا في نفس القيام وتأويله بقوله إقامة الإيمان ليس بصحيح لأن الإيمان ليس بفاعل لا بالفعل ولا بالقوة ؛ قوله " غفر له " جواب الشرط ، وهذا كما ترى وقع ماضيا وفعل الشرط مضارعا ، والنحاة يستضعفون مثل ذلك ومنهم من منعه إلا في ضرورة شعر ، وأجازوا ضده وهو أن يكون فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا ، ومنه قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ وجماعة منهم جوزوا ذلك مطلقا واحتجوا بالحديث المذكور وبقول عائشة رضي الله عنها في أبي بكر الصديق رضي الله عنه متى يقم مقامك رق ، والصواب معهم لأنه وقع في كلام أفصح الناس ، وفي كلام عائشة الفصيحة ، وقال بعضهم : واستدلوا بقوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ لأن قوله " فظلت " بلفظ الماضي وهو تابع للجواب وتابع الجواب جواب . قلت : لا نسلم أن تابع الجواب جواب بل هو في حكم الجواب ، وفرق بين الجواب وحكم الجواب ، وقوله " ظلت " عطف على قول " ننزل " وحق المعطوف صحة حلوله محل المعطوف عليه ، ثم قال هذا القائل ، وعندي في الاستدلال به نظر أراد به استدلال المجوزين بالحديث المذكور لأنني أظنه من تصرف الرواة ، فقد رواه النسائي عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه ، فلم يغاير بين الشرط والجزاء ، بل قال : من يقم ليلة القدر يغفر له ، ورواه أبو نعيم في المستخرج عن سليمان وهو الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان ولفظه : ( لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانا واحتسابا إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) ، قلت : لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني ، وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي ، بل الأمر كذا لأن رواية محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان لا تعادل رواية البخاري عن أبي اليمان ولا رواية أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان مثل رواية البخاري عنه ، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضا ، ولفظ البخاري : ( من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، ولفظ حديث الطبراني ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير والتصرف من الرواة فيه ؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاري ومسلم ؛ قوله " من ذنبه " يتعلق بقوله " غفر " أي غفر من ذنبه ما تقدم ، ويجوز أن تكون " من " البيانية لما تقدم ، فإن قلت : " ما تقدم " ما موقعه من الإعراب ؟ قلت : النصب على المفعولية على الوجه الأول والرفع على أنه مفعول ناب عن الفاعل على الوجه الثاني ، فافهم . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل لم قال ههنا " من يقم " بلفظ المضارع ، وقال فيما بعده " من قام رمضان " و " من صام رمضان " بالماضي ؟ وأجيب بأن قيام رمضان وصيامه محقق الوقوع فجاء بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن ؛ فلهذا ذكره بلفظ المستقبل . ومنها ما قيل : ما النكتة في وقوع الجزاء بالماضي مع أن المغفرة في زمن الاستقبال ؟ وأجيب للإشعار بأنه متيقن الوقوع متحقق الثبوت فضلا من الله تعالى على عباده . ومنها ما قيل لفظ " من يقم " ليلة القدر هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام ؟ وأجيب بأنه يكفي الأقل وعليه بعض الأئمة حتى قيل بكفاية فرض صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها ، لكن الظاهر منه عرفا أنه لا يقال قيام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها . قلت : قوله " من يقم ليلة القدر " مثل من يصم يوما ، فكما لا يكفي صوم بعض اليوم ولا أكثره فكذلك لا يكفي قيام بعض ليلة القدر ولا أكثرها ، وذلك لأن ليلة القدر وقعت مفعولا لقوله يقم ، فينبغي أن يوصف جميع الليلة بالقيام لأن من شأن المفعول أن يكون مشمولا بفعل الفاعل ، فافهم . ومنها ما قيل : ما معنى القيام فيها إذ ظاهره غير مراد قطعا ؟ وأجيب بأن القيام للطاعة كأنه معهود من قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وهو حقيقة شرعية فيه ، ومنها ما قيل : الذنب عام لأنه اسم جنس مضاف ، فهل يقتضي مغفرة ذنب يتعلق بحق الناس ؟ وأجيب بأن لفظه مقتض لذلك ، ولكن علم من الأدلة الخارجية أن حقوق العباد لا بد فيها من رضى الخصوم فهو عام اختص بحق الله تعالى ونحوه بما يدل على التخصيص ، وقيل : يجوز أن تكون " من " تبعيضية وفيه نظر .
2 - ( حدثنا قبيصة بن عقبة قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله ، عن الأعمش بن مرة عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) . المناسبة بين الحديثين ظاهرة وكذلك مناسبته للترجمة . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : قبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الصاد المهملة ابن عقبة بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة ابن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جندب بن بيان بن حبيب أبي سواءة بن عامر بن صعصعة أبو عامر السوائي الكوفي أخو سفيان بن عقبة ، روى عن : مسعر والثوري وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم ، روى عنه : أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي والبخاري ، وروى مسلم حديثا واحدا في الجنائز عن ابن أبي شيبة عنه عن الثوري ، وروى أبو داود وابن ماجه عن رجل عنه . قلت : هو يحيى بن بشر يروي عن قبيصة ، وكذا روى البخاري في الأدب والترمذي والنسائي عن يحيى بن بشر عنه وكان من الصالحين ، وهو مختلف في توثيقه وجرحه ، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف ، وقال يحيى بن معين : ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان الثوري ، ليس بذلك القوي ، وقال يحيى بن آدم : قبيصة كثير الغلط في سفيان كأنه كان صغيرا لم يضبط ، وأما في غير سفيان فهو ثقة رجل صالح ، وعن قبيصة أنه قال : جالست الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاث سنين ، توفي في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين ، كذا قاله قطب الدين في شرحه ، وقال النووي في شرحه سنة خمس عشرة ومائتين وليس لقبيصة بن عقبة عن ابن عيينة شيء . الثاني : سفيان بتثليث سينه ابن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نضر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة أبو عبد الله الثوري الإمام الكبير أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة المتفق على جلالة قدره وكثرة علومه وصلابة دينه وتوثقه وأمانته ، وهو من تابع التابعين ، وقال ابن عاصم : سفيان أمير المؤمنين في الحديث ، وقال ابن المبارك : كتبت عن ألف ومائة وما كتبت عن أفضل من سفيان ، ولد سنة سبع وتسعين وتوفي سنة ستين ومائة بالبصرة متواريا من سلطانها ودفن عشاء ، وكان يدلس ، روى له الجماعة . الثالث : سليمان الأعمش ، وقد مر ذكره . الرابع : عبد الله بن مرة بضم الميم وتشديد الراء الهمداني بسكون الميم الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة وبالراء والفاء ، وخارف هو مالك بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان ، قال يحيى بن معين وأبو زرعة : ثقة ، توفي سنة مائة ، وقال ابن سعد : في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، روى له الجماعة . الخامس : أبو عائشة مسروق بن الأجدع بالجيم وبالمهملتين ابن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن سليمان بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر الهمداني الكوفي ، صلى خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وسمع عمرو عبد الله بن مسعود وعائشة وغيرهم ، وكان من المخضرمين ، اتفق على جلالته وتوثيقه وإمامته وكان أفرس فارس باليمن ، وهو ابن أخت معدي كرب ، مات سنة ثلاث ، وقيل : اثنتين وستين ، روى له الجماعة . السادس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد مر ذكره . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون إلا الصحابي ، وقد دخل الكوفة أيضا . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجزية عن قتيبة عن جرير عن الأعمش به ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن عبد الله بن نمير ، وعن أبي نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، وحدثنا زهير ، حدثنا وكيع عن الأعمش . وأخرجه بقية الجماعة . ( بيان اللغات ) ؛ قوله خالصا من خلص الشيء يخلص من باب نصر ينصر ، ومصدره خلوصا وخالصة ، والخالص أيضا الأبيض من الألوان ، وخلص الشيء إليه خلوصا وصل ، وخلص العظم بالكسر يخلص بالفتح خلصا بالتحريك إذا تشظى في اللحم ؛ قوله خصلة أي خلة بفتح الخاء فيهما ، وكذا وقع في رواية مسلم ؛ قوله حتى يدعها أي يتركها ، قيل : قد أميت ماضيه ، وقد استعمل في قراءة من قرأها : ( ما ودعك ربك ) بالتخفيف ؛ قوله عاهد من المعاهدة وهي المحالفة والمواثقة ؛ قوله غدر من الغدر وهو ترك الوفاء . قال الجوهري : غدر به فهو غادر وغدر أيضا ، وأكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم ، وفي ( المحكم ) : غدره وغدر به يغدر غدرا ، ورجل غادر وغدار وغدور ، وكذلك الأنثى بغير هاء وغدر ، وقال بعضهم : يقال للرجل : يا غدر ويا مغدر ويا ابن مغدر ومغدر ، والأنثى : يا غدار ، لا يستعمل إلا في النداء وغدر الرجل غدار وغدرانا عن اللحياني ولست منه على ثقة ، وفي ( المجمل ) : الغدر نقض العهد وتركه ، ويقال أصله من الغدير وهو الماء الذي يغادره السيل أي يتركه ، يقال : غادرت الشيء إذا تركته فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد ، وفي ( شرح الفصيح ) لابن هشام السبتي والعماني : غدر في الماضي بالكسر ، زاد العماني : وغدر بالفتح أفصح ، وفي ( شرح المطرز ) العرب الفصحاء يقولون كما ذكره ثعلب : غدرت بالفتح ، ومنهم من يقول : غدرت بالكسر ، وفي ( نوادر ابن الأعرابي ) : غدر الرجل بكسر الدال عن أصحابه إذا تخلف ، قال : ويقال : مات إخوته وغدر ، وفي ( شرح الحضرمي ) غدر يغدر ويغدر بالكسر والضم هو في مستقبل غدر بالكسر يغدر بالفتح قياسا ، وفي كتاب ( صعاليك العرب ) للأخفش غادر وغدار مثل شاهد وشهاد ؛ قوله خاصم من المخاصمة وهي المجادلة ؛ قوله فجر من الفجور وهو الميل عن القصد والشق بمعنى فجر مال عن الحق ، وقال الباطل أو شق ستر الديانة . ( بيان الإعراب والمعاني ) ؛ قوله أربع مبتدأ بتقدير أربع خصال أو خصال أربع لأن النكرة الصرفة لا تقع مبتدأ ، وخبره قوله من كن فيه ، فقوله من موصولة متضمنة معنى الشرط ، وقوله كن فيه صلتها وقوله كان منافقا خبر للمبتدأ الثاني أعني قوله من ، والجملة خبر المبتدأ الأول كما ذكرنا ، وقال الكرماني : يحتمل أن تكون الشرطية صفة يعني صفة أربع و إذا اؤتمن خان إلخ ، خبره بتقدير أربع كذا هي الخيانة عند الائتمان إلى آخره ، قلت : هذا وجه بعيد لا يخفى ؛ قوله منافقا خبر كان و خالصا صفته ؛ قوله ومن مبتدأ موصولة ، وقوله كانت فيه خصلة جملة صلة لها ، وقوله كانت فيه خصلة خبر المبتدأ والضمير في منهن يرجع إلى الأربع ؛ قوله حتى للغاية و يدعها منصوب بأن المقدرة أي حتى أن يدعها . قوله إذا اؤتمن خان إذا للظرف فيه معنى الشرط و خان جوابه ، والباقي كذلك وهو ظاهر قوله كان منافقا معناه على ما تقدم من الأوجه المذكورة ووصفه بالخلوص يشد عضد من قال المراد بالنفاق العمل لا الإيمان أو النفاق العرفي لا الشرعي لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار ، وأما كونه خالصا فيه فلأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا يزيد عليه ، وقال ابن بطال : خالصا معناه خالصا من هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها ، وقال النووي : أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال ، وقال أيضا في شرحه للصحيح : حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة ، وقال في شرح مسلم : وإذا عاهد غدر هو داخل في قوله إذا اؤتمن خان يعني أربعة ، وقال الكرماني : لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث ، فتأمل ، والحق أنها خمسة متغايرة عرفا وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضا ، ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن ، أما في الماليات وهو إذا اؤتمن ، وأما في غيرها فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم ، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكدة باليمين فهو إذا عاهد أو لا ، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد ، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدث . قلت : الحق بالنظر إلى الحقيقة ثلاث وإن كان بحسب الظاهر خمسا ؛ لأن قوله إذا عاهد غدر داخل في قوله إذا اؤتمن خان وقوله وإذا خاصم فجر يندرج في الكذب في الحديث ، ووجه الحصر في الثلاث قد ذكرناه . ( تابعه شعبة عن الأعمش ) . أي تابع سفيان الثوري شعبة بن الحجاج في روايته هذا الحديث عن سليمان الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وأوصل البخاري هذه المتابعة في كتاب المظالم ، وقال الكرماني : هذه المتابعة هي المتابعة المقيدة لا المطلقة ؛ حيث قال الأعمش : والناقصة لا التامة حيث ذكر المتابعة من وسط الإسناد لا من أوله ، وقال النووي : إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة ، وقال الكرماني : ليس ذكره في هذا الموضع على طريق المتابعة لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظا ومعنى من جهات كالاختلاف في ثلاث وأربع ، وكزيادة لفظ خالصا . قلت : أراد البخاري بالمتابعة هنا كون الحديث مرويا من طرق أخرى عن الثوري منها رواية شعبة عن الثوري نبه على ذلك ههنا وإن كان قد رواها في كتاب المظالم ، وكذلك هو مروي في ( صحيح مسلم ) وغيره من طرق أخرى عن الثوري ، وكلام الكرماني يشير إلى أنه فهم أن المراد بالمتابعة متابعة حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب ، وليس كذلك لأنه لو أراد ذلك لسماه شاهدا ، وقال بعضهم : وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة لأنها من ثقة متيقن . قلت : نفيه التسليم ليس بمسلم لأن المخالفة في اللفظ ظاهرة لا تنكر ولا تخفى ، فكأنه فهم أن قوله من جهات كالاختلاف يتعلق بالمعنى وليس كذلك ، بل يتعلق بقوله لفظا ، فافهم .
( باب علامات المنافق ) الكلام فيه من وجوه : الأول : وجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول مترجم على أن الظلم في ذاته مختلف وله أنواع ، وهذا الباب أيضا مشتمل على بيان أنواع النفاق وأيضا فالنفاق نوع من أنواع الظلم ، ولما قال في الباب الأول : ظلم دون ظلم ، عقبه ببيان نوع منه ، وقوله الكرماني : وأما مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض ، ليس بمناسب ، بل المناسب ذكر المناسبة بين كل بابين متواليين ، فذكر المناسبة بين بابين بينهما أبواب غير مناسب ، وقال النووي : مراد البخاري بذكر هذا هنا أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده . قلت : هذا أيضا غير موجه في ذكر المناسبة على ما لا يخفى . الثاني : إن لفظ " باب " معرب لأنه خبر مبتدأ محذوف وهو مضاف إلى ما بعده ، تقديره هذا باب في بيان علامات المنافق ، والعلامات جمع علامة وهي التي يستدل بها على الشيء ومنه سمي الجبل علامة وعلما أيضا . فإن قلت : كان المناسب أن يقول باب آيات المنافق مطابقة للفظ الحديث . قلت : لعله نبه بذلك على ما جاء في رواية أخرجها أبو عوانة في صحيحه بلفظ " علامات المنافق " الثالث لفظ المنافق من النفاق ، وزعم ابن سيده أنه الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر مشتق من نافقاء اليربوع ، فإن إحدى جحريه يقال لها النافقاء وهو موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليها ينشق وهو يكتمها ويظهر غيرها ، فإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعاء وهو جحره الظاهر الذي يقصع فيه أي يدخل ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج ، فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء كذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان ، أو يدخل في الشرع من باب ويخرج من آخر ويناسبه من وجه آخر وهو أن النافقاء ظاهره يرى كالأرض وباطنه الحفرة فيها فكذا المنافق ، وقال القزاز : يقال نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذلك ، وكذلك نفق ينفق فهو منافق من هذا ، وقيل المنافق مأخوذ من النفق وهو السرب تحت الأرض ، يراد أنه يستتر بالإسلام كما يستتر صاحب النفق فيه وجمع النفق أنفاق . وقال ابن سيده : النافقاء والنفقة جحر الضب واليربوع ، والحاصل أن المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه ، وفي الاصطلاح هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه . قلت : هذا التفسير تفسير الزنديق اليوم ، ولهذا قال القرطبي عن مالك : إن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة اليوم عندنا . فإن قيل : المنافق من باب المفاعلة وأصلها أن تكون لاثنين . أجيب بأن ما جاء على هذا عندهم لأنه بمنزلة خادع وراوغ ، وقيل بل لأنه يقابل بقبول الإسلام منه فإن علم أنه منافق فقد صار الفعل من اثنين وسمي الثاني باسم الأول مجازا للازدواج كقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ واعلم أن حقيقة النفاق لا تعلم إلا بتقسيم نذكره ، وهو أن أحوال القلب أربعة وهي الاعتقاد المطلق عن الدليل وهو العلم ، والاعتقاد المطلق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن ذلك ، فهذه أربعة أقسام ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار والإنكار والسكوت ، فيحصل من ذلك اثنا عشر قسما ، الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان ، فهذا الإقرار إن كان اختياريا فصاحبه مؤمن حقا ، وإن كان اضطراريا فهو كافر في الظاهر . الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني ، فهذا الإنكار إن كان اضطراريا فصاحبه مسلم وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا . الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليا عن الإنكار والإقرار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا ، فإن كان اضطراريا فهو مسلم حقا ، ومنه ما إذا عرف الله تعالى بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعا ، وإن كان اختياريا فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فقال الغزالي : إنه مؤمن . الرابع : اعتقاد المقلد لا يخلو معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت ، فإن كان معه الإقرار وكان اختياريا فهو إيمان المقلد وهو صحيح خلافا للبعض ، وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن نحكم ههنا بالنفاق وهو القسم الخامس . السادس : أن يكون معه السكوت فحكمه حكم القسم الثالث اضطراريا أو اختياريا . السابع : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت ، فإن كان معه الإقرار فإن كان اضطراريا فهو منافق وإن كان اختياريا فهو كفر الجحود والعناد ، وهو أيضا قسم من النفاق وهو القسم الثامن . التاسع : أن يوجد الإنكار باللسان مع الإنكار القلبي ، فهذا كافر . العاشر : القلبي الخالي ، فإن كان معه الإقرار فإن كان اختياريا يخرج من الكفر وإن كان اضطراريا لم يكفر . الحادي عشر : القلب الخالي مع الإنكار باللسان ، فحكمه على العكس مع حكم القسم العاشر . الثاني عشر : القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم بالنفاق البتة ، وقد ظهر من هذا أن النفاق الذي لا يطابق ظاهره باطنه ، فافهم . 1 - ( حدثنا سليمان أبو الربيع قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر قال : حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : سليمان أبو الربيع بن داود الزهراني العتكي ، سكن بغداد ، سمع من مالك حديثا وسمع فليح بن سليمان وإسماعيل بن زكريا عندهما وإسماعيل بن جندب عند البخاري وجماعة كثيرة عند مسلم ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم ، وروى النسائي عن رجل عنه ، وقال : ثقة ، وقال يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ثقة ، توفي بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين . الثاني : إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إبراهيم الزرقي مولاهم المدني قارئ أهل المدينة أخو محمد ويحيى وكثير ويعقوب بني جعفر ، سمع أبا سهيل نافعا وعبد الله بن دينار وغيرهما ، قال يحيى : ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق ، وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد : ثقة ، وقال ابن سعد : كان من أهل المدينة ، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات وهو صاحب خمس مائة حديث التي سمعها منه الناس ، توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ونافع أخو أنس والربيع وأويس وهم عمومة مالك الإمام ، سمع ابن مالك وأباه وعمر بن عبد العزيز والقاسم وابن المسيب وغيرهما ، روى عنه مالك وغيره ، وقال أحمد وأبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة . الرابع : أبو أنس مالك بن أبي عامر جد مالك الإمام والد أنس والربيع ونافع وأويس حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التيمي القرشي ، سمع طلحة بن عبد الله عندهما وعائشة عند البخاري وعثمان عند مسلم في الوضوء والبيوع ، أما في الوضوء فمن طريق وكيع عن سفيان عن أبي أنس عن عثمان رضي الله عنه ، وأما في البيوع ففي باب الربا من حديث سليمان بن يسار عنه ، فاستدرك الدارقطني وغيره الأول ، فقال : خالف وكيعا أصحاب الثوري والحفاظ حيث رووه عن سفيان عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان رضي الله عنه وهو الصواب ، وكذا قال الجياني : إن وكيعا توهم فيه فقال : عن أبي أنس إنما يرويه أبو النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان ، وقال مالك في ( الموطأ ) في الحديث الثاني : إنه بلغه عن جده عن عثمان رضي الله عنه ، وقال في الإيمان في حديث طلحة : إنه سمع طلحة بن عبيد الله فأتى في طلحة بلفظ سمعت ، وكذا صرح به ابن سعد ، وقال : وقد روى مالك بن أبي عامر عن عمر وعثمان وطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وكان ثقة ، وله أحاديث صالحة ، وقال محمد بن سرور المقدسي : قال الواقدي : توفي سنة ثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة ، وكذا حكى عنه محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر الكلاباذي ، وقال الحافظ زكي الدين المنذري : كيف يصح سماعه عن طلحة مع أنه توفي سنة ثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين واثنتين أو سبعين ، فعلى هذا يكون مولده سنة أربعين من الهجرة ، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة ، والإسناد صحيح أخرجه الأئمة ، وفيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله . قلت : فلعل السبعين صوابها التسعين وتصحفت بها ، وقد ذكر أبو عمر النمري أنه توفي سنة مائة أو نحوها ، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين ويمكن سماعه منه ، وقال الشيخ قطب الدين : يشكل أيضا بما رواه ابن سعد من أنه رأى عمر رضي الله عنه وتوفي عمر رضي الله عنه لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، فكيف يصح له رؤيته ؟ وقال ابن سعد : أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا جرير بن حازم عن عمه جرير بن زيد عن مالك بن أبي عامر قال : شهدت عمر رضي الله عنه عند الجمرة وأصابه حجر فدماه فذكر الحديث ، وفيه : فلما كان من قابل أصيب عمر رضي الله عنه ، وقد نبه الحافظ المزي أيضا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة ثنتي عشرة ومائة مع السن المذكور ، وقال النووي في حاشية تهذيبه : إنه خطأ لا شك فيه ، فإنه قد سمع عمر فمن بعده ونقل في أصل تهذيبه عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك ، قال : يعني سنة أربع وسبعين وجزم به في ( الكاشف ) ، والله أعلم . الخامس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه ، وقد مر ذكره . ( بيان الأنساب ) الزهراني نسبة إلى زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد ، وهو قبيل عظيم فيه بطون وأفخاذ ، والعتكي في الأزد ينسب إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وفي قضاعة ولخم أيضا ، والزرقي بضم الزاي وفتح الراء بعدها القاف في الأنصار وفي طي ، فالذي في الأنصار زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ، والذي في طي زريق بطن بن عبد بن خزيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثقل بن عمرو بن الغوث بن طي ، والتيمي في قبائل ففي قريش تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وفي الرباب تيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وفي النمر بن قاسط تيم الله بن نمر بن قاسط ، وفي شيبان بن ذهيل تيم بن شيبان ، وفي ربيعة بن نزار تيم الله بن ثعلبة بن عكابة ، وفي ضبة تيم بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة ، وفي قضاعة تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بطن ينسب إليه التيمي . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون إلا أبا الربيع ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) ، أخرجه البخاري أيضا في الوصايا عن أبي الربيع ، وفي الشهادات عن قتيبة ، وفي الأدب عن ابن سلام ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ويحيى بن أيوب ، كلهم عن إسماعيل بن جعد عن أبي سهيل عن أبيه ، وأخرجه الترمذي والنسائي . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " آية المنافق " أي علامته وسميت آية القرآن آية لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام ، فإن قلت : ما وزن آية ؟ قلت : فيه أربعة أقوال : الأول : إن وزنها فعلة أصلها أيية قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو مذهب الخليل . الثاني : إن وزنها فعلة أصلها أيّة بالتشديد قلب أول المضاعفين ألفا كما قلبت ياء في إيماء وهو مذهب الفراء . الثالث : إن وزنها فاعلة وأصلها آيية فنقصت وهو مذهب الكسائي واعترض عليه الفراء بأنها قد صغرت أيية ولو كان أصلها آيية لقيل أوية ، فأجاب الكسائي بأنها صغرت تصغير الترخيم كفطيمة في فاطمة واعترض إنما ذلك يجري في الأعلام . الرابع : إن وزنها فعلة وأصلها أيية وهو مذهب الكوفيين ، وقال الجوهري : والأصل أوية بالتحريك ، قال سيبويه : موضع العين من الآية واو لأن ما كان موضع العين واوا واللام ياء أكثر مما موضع العين واللام يا آن مثل شويت أكثر من حييت وتكون النسبة إليه أووى ، وقال الفراء هي من الفعل فاعلة ، وإنما ذهبت منه اللام ولو جاءت تامة لجاءت آيية ولكنها خففت وجمع الآية آي وآيات ، انتهى . قلت : المشهور أن عينها ياء وزنها فاعة لأن الأصل آيية فحذفوا الياء الثانية التي هي لام ثم فتحوا الياء التي هي عين لأجل تاء التأنيث والنسبة إليه أيي ، فافهم ؛ قوله " كذب " الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع ، وعن ابن عرفة الكذب هو الانصراف عن الحق ، وفي ( الكشاف ) الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به ، وفي ( المحكم ) الكذب نقيض الصدق كذب يكذب كذبا وكذبة وكذبة هاتان عن اللحياني وكذابا ورجل كاذب وكذاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان وكيذبان وكيذبان وكذبذب وكذبذب ، قال ابن جني : أما كذبذب خفيف وكذبذب ثقيل ، فهاتان لم يحكهما سيبويه ، والأنثى كاذبة وكذابة وكذوب ، وكذب الرجل أخبر بالكذب ، وفي نوادر أبي مسحل قد كان ذلك ولا كذبا لك ولا تكذيب ولا كذبان ولا مكذبة ولا كذب ومعناه لا أرد عليك ولا أكذبك ، وفي ( المنتهى ) لأبي المعاني فهو كذيب وكذبة مثل همزة ، والكُذَّب جمع كاذب مثل راكع وركع ، والكُذَّب جمع كذوب مثل صبور وصبر وقرئ : " لم تصف ألسنتكم الكذب " جعله نعتا للألسنة والأكذوبة الكذب والأكاذيب الأباطيل من الحديث وأكذبت الرجل ألفيته كاذبا وأكذبته إذا أخبرته أنه جاء بالكذب وكذبته إذا أخبرته أنه كاذب ، وقال ثعلب : أكذبته وكذبته بمعنى حملته على الكذب أو وجدته كاذبا ، وقال الأصمعي : أكذبته أظهرت كذبه وكذبته قلت له كذبت والتكاذب نقيض التصادق ، وفي ( الجامع ) كذب يكذب كذبا مكسور الكاف ساكن الذال ، والكذاب مخفف جمع كاذب ، وفي ( الصحاح ) فهو كاذب ومكذبان ومكذبانة ، وفي ( العباب ) كذب يكذب كذبا وكذبا وكذوبة وكاذبة ومكذوبة ، زاد ابن الأعرابي مكذبة وكذبانا مثل عنوان وكذبى مثل بشرى ، ويقال كذب كذابا ، ويقال كذب كذابا بالضم والتشديد أي متناهيا ، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : ( وكذبوا بآياتنا كذابا ) ، ويكون صفة على المبالغة كوضاء وحسان ، ورجل تكذاب وتصداق أي يكذب ويصدق . قوله " وإذا وعد " قال ابن سيده : وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعودا وموعدة وموعدا وموعودة ، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة ، وقد تواعد القوم واتعدوا وواعده الوقت والموضع وواعده فوعده ، وقد أوعده وتوعد ، قال الفراء : يقال وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف ، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير وعدته ، وفي الشر أوعدته ، وفي الخير الوعد والعدة ، وفي الشر الإيعاد والوعيد ، فإذا قالوا أوعدته بالشر أثبتوا الألف مع الياء ، وقال ابن الأعرابي : أوعدته خيرا وهو نادر ، وفي ( الصحاح ) تواعد القوم أي وعد بعضهم بعضا هذا في الخير ، وأما في الشر فيقال اتعدوا والإيعاد أيضا قبول الوعد ، وناس يقولون ايتعد يأتعد فهو مؤتعد بالهمزة ، قال ابن البري : والصواب ترك الهمزة ، وكذا ذكره سيبويه وجميع النحاة . قلت : الوعد في الاصطلاح الإخبار بإيصال الخير في المستقبل والإخلاف جعل الوعد خلافا ، وقيل هو عدم الوفاء به . قوله " وإذا اؤتمن " على صيغة المجهول من الائتمان وهو جعل الشخص أمينا ، وفي بعض الروايات بتشديد التاء وهو بقلب الهمزة الثانية منه واوا وإبدال الواو ياء وإدغام الياء في التاء . قوله " خان " من الخيانة وهو التصرف في الأمانة على خلاف الشرع ، وقال ابن سيده : هو أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح ، يقال : خانه خونا وخيانة وخانة ومخانة واختانه ورجل خائن وخائنة وخون وخوان ، الجمع خانة وخونة والأخيرة شاذة وخوان ، وقد خانه العهد والأمانة ، وفي ( التهذيب ) للأزهري : رجل خائنة إذا بولغ في وصفه بالخيانة ، وفي ( الجامع ) للقزاز : خان فلان فلانا يخونه من الخيانة وأصله من النقص . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " آية المنافق " كلام إضافي مبتدأ وثلاث خبره ، فإن قلت : المبتدأ مفرد والثلاث جمع والتطابق شرط والقياس آيات المنافق ثلاث . قلت : لا نسلم أن الثلاث جمع ، بل هو اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث ، وقال بعضهم : إفراد الآية إما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث . قلت : كيف يراد الجنس والتاء تمنع ذلك لأن التاء فيها كالتاء في تمرة ، فالآية والآي كالتمرة والتمر ، وقوله : أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث يشعر أنه إذا وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق وليس كذلك ، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقا كاملا ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو الآتي عن قريب على أن هذا القائل أخذ ما قاله من قول الكرماني والكل مدخول فيه ؛ قوله " إذا حدث " كلمة إذا ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشرط ويختص بالدخول على الجملة الفعلية ، وقال الكرماني : فإن قلت : الجمل الشرطية بيان لثلاث أو بدل لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب فما وجهه ؟ قلت : معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه وذلك مثل قوله تعالى : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا على أحد التوجيهات . قلت : تقرير كلامه أنه جعل قوله " إذا حدث كذب " بيانا لثلاث ولذلك قدره بقوله " آية المنافق " كذبه عند تحديثه كما قدر نحوه في قوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فإن تقديره آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله . فإن قلت : كيف يصح بيان الجمع بالاثنين ؟ قلت : إن الاثنين نوع من الجمع أو يكون الثالث مطويا ، وقوله : لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب أراد أن البدل لا يصح لكون المبدل منه في حكم السقوط فيكون التقدير الآية إذا حدث كذب ولكن قوله لا يصح غير صحيح ، إما أولا فلأن كون المبدل منه في حكم السقوط ليس على الإطلاق ، وإما ثانيا فلأن تقديره بقوله الآية إذا حدث كذب ليس بتقدير صحيح ، بل التقدير على تقدير البدل آية المنافق وقت تحديثه بالكذب ووقت إخلافه بالوعد ووقت خيانته بالأمانة ، والمبدل منه هو لفظ ثلاث لا لفظ المنافق ، فافهم . ( بيان المعاني ) فيه ذكر إذا في الجمل الثلاث الدالة على تحقق الوقوع تنبيها على أن هذه عادة المنافق ، وقال الخطابي : كلمة " إذا " تقتضي تكرار الفعل وفيه نظر ، وفيه حذف المفاعيل الثلاثة من الأفعال الثلاثة تنبيها على العموم . وفيه عطف الخاص على العام لأن الوعد نوع من التحديث وكان داخلا في قوله " إذا حدث " ولكنه أفرده بالذكر معطوفا تنبيها على زيادة قبحه على سبيل الادعاء كما في عطف جبريل عليه السلام على الملائكة مع كونه داخلا فيهم تنبيها على زيادة شرفه لا يقال الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام ، فحينئذ تكون الآية اثنتين لا ثلاثا لأنا نقول لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلا ، ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلا متغايران ، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين ، فافهم . وفيه الحصر بالعدد ، فإن قلت يعارضه الحديث الآخر الذي فيه لفظ أربع . قلت : لا يعارضه أصلا ؛ لأن معنى قوله " وإذا عاهد غدر " معنى قوله " وإذا اؤتمن خان " لأن الغدر خيانة فيما اؤتمن عليه من عهده ، وقال النووي : لا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في الحديث الآخر ؛ لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة ، ثم قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا وقد تكون أشياء ، وروى أبو أمامة موقوفا : ( وإذا غنم غل ، وإذا أمر عصى ، وإذا لقي جبن ) ، وقال الطيبي : لا منافاة لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات ، فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها ، وقال القرطبي : يحتمل أن النبي عليه السلام استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده . قلت : الأولى أن يقال : إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص ، وقال بعضهم : ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على عدم إرادة الحصر ، فإن لفظه : ( من علامة المنافق ثلاث ) ، وكذا أخرج الطبراني في ( الأوسط ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر . قلت : ولا فرق بين الخصلة والعلامة لأن كلا منهما يستدل به على الشيء وكيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة ، وقوله : على أن في رواية مسلم إلخ ليس بجواب طائل بل المعارضة ظاهرة بين الروايتين ودفعها بما ذكرناه ، وحمل اللفظ الأول على هذا لا يصح من جهة التركيب ، فافهم . ( بيان استنباط الأحكام ) استنبط من هذه العلامات الثلاث صفة المنافق وجه الانحصار على الثلاث هو التنبيه على فساد القول والفعل والنية ، فبقوله " إذا حدث كذب " نبه على فساد القول ، وبقوله " إذا اؤتمن خان " نبه على فساد الفعل ، وبقوله " إذا وعد أخلف " نبه على فساد النية لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنا بوعده ، أما إذا كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي ، فهذا لم توجد فيه صفة النفاق ، ويشهد لذلك ما رواه الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان رضي الله عنه : ( إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف ) ، وكذا قال في باقي الخصال ، وقال العلماء : يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابا مؤكدا ، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم ، ويستحب أن يعقب الوعد بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزا ، ولا يترتب على تركه مفسدة . واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث من المشكلات من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار . قلت : ذكروا فيه أوجها : الأول : ما قاله النووي ليس في الحديث إشكال إذ معناه أن هذه الخصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ومتخلق بأخلاقهم ، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال ، ويكون نفاقه خاصا في حق من حدثه ووعده وائتمنه لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر . الثاني : ما قاله بعضهم هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه ، وأما من ندر ذلك منه فليس داخلا فيه . الثالث : ما قاله الخطابي هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم تحذير من اعتاد هذه الخصال خوفا أن يفضي به إلى النفاق دون من وقعت نادرة منه من غير اختيار أو اعتياد ، وقد جاء في الحديث : ( التاجر فاجر وأكثر منافقي أمتي قراؤها ) ، ومعناه التحذير من الكذب إذ هو في معنى الفجور فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارا ، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء وهو لا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين ، وقال أيضا : والنفاق ضربان : أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر وعليه كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . والآخر ترك المحافظة على أمور الدين سرا ومراعاتها علنا ، وهذا أيضا يسمى نفاقا كما جاء : ( سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ) ، وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق . الرابع : ما قاله بعضهم ورد الحديث في رجل بعينه منافق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق ، بل يشير إشارة كقوله عليه السلام : ( ما بال أقوام يفعلون كذا ) ، فههنا أشار بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها . الخامس : ما قاله بعضهم المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حدثوا بأنهم آمنوا فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوه في نصرة الدين فأخلفوا . قال القاضي : وإليه مال كثير من أئمتنا وهو قول عطاء بن أبي رباح في تفسير الحديث ، وإليه رجع الحسن البصري وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهم ، ورووا في ذلك حديثا : ( يروى أن رجلا قال لعطاء : سمعت الحسن يقول : من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول إنه منافق : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ) ، فقال عطاء : إذا رجعت إلى الحسن فقل له : إن عطاء يقرؤك السلام ويقول لك : اذكر إخوة يوسف عليه السلام . واعلم أنه لن يخلق أهل الإسلام أن يكون فيهم الخيانة والخلف ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق ، وما استقر اسم النفاق قط إلا في قلب جاحد ، وقد قال الله في حق المنافقين : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فذكر زوال الإسلام عن قلوبهم ونحن نرجو أن لا يزول عن قلوب المؤمنين فأخبر الحسن ، فقال : جزاك الله خيرا ثم قال لأصحابه : إذا سمعتم مني حديثا فحدثتم به العلماء فما كان غير صواب فردوا علي جوابه . وروي أن سعيد بن جبير أهمه هذا الحديث فسأله ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم فقالا : أهمنا من ذلك يا ابن أخي مثل الذي أهمك فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك النبي عليه السلام ، وقال : ما لكم ولهن ، إنما خصصت به المنافقين ، أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله تعالى علي : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ الآية ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : فلا عليكم أنتم من ذلك براء ، وأما قولي : إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ الآيات الثلاث ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : لا عليكم أنتم من ذلك براء ، وأما قولي : إذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى علي : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ الآية ، فكل إنسان مؤتمن على دينه يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : لا عليكم أنتم من ذلك براء . السادس : ما قاله حذيفة : ذهب النفاق وإنما كان النفاق على عهد رسول الله عليه السلام ، ولكنه الكفر بعد الإيمان ، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه ، فمن نافق بأن أظهر الإسلام وأبطن خلافه فهو مرتد . السابع : ما قاله القاضي إن المراد التشبيه بأحوال المنافقين في هذه الخصال في إظهار خلاف ما يبطنون لا في نفاق الإسلام العام ، ويكون نفاقه على من حدثهم ووعدهم وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس . الثامن : ما قاله القرطبي : إن المراد بالنفاق نفاق العمل واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله عنهما : هل تعلم في شيئا من النفاق ، فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر ، وإنما أراد نفاق العمل . قلت : الألف واللام في النفاق لا يخلو إما أن تكون للجنس أو للعهد ، فإن كانت للجنس يكون على سبيل التشبيه والتمثيل لا على الحقيقة ، وإن كانت للعهد يكون من منافق خاص بعينه أو من المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه السلام على ما ذكرنا .
( باب فضل من استبرأ لدينه ) الكلام فيه على أنواع ، الأول أن قوله : باب ، مرفوع مضاف تقديره : هذا باب فضل من استبرأ ، وكلمة من موصولة ، واستبرأ جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى من صلة للموصولة ، واستبرأ استفعل أي طلب البراءة لدينه من الذم الشرعي أي طلب البراءة من الإثم ، يقال : برئت من الديون والعيوب ، وبرئت منك براءة ، وبرئت من المرض برأ بالضم ، وأهل الحجاز يقولون : برأت من المرض برأ بالفتح ، ويقول : كلهم في المستقبل يبرأ بالفتح ، وبرأ الله الخلق برأ أيضا بالفتح ، وهو البارئ ، وفي العباب : والتركيب يدل على التباعد عن الشيء ، ومزايلته ، وعلى الخلق ، قوله : "لدينه" أي لأجل دينه ، النوع الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول بيان الإيمان والإسلام والإحسان ، وإن ذلك كله دين ، والمذكور هاهنا الاستبراء للدين الذي يشمل الإيمان والإحسان ، ولا شك أن الاستبراء للدين من الدين ، النوع الثالث وجه الترجمة وهو أنه لما أراد أن يذكر حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عقيب حديث أبي هريرة رضي الله عنه للمناسبة التي ذكرناها عقد له بابا ، وترجم له بقوله : فضل من استبرأ لدينه ، وعين هذا اللفظ لعمومه واشتماله سائر ألفاظ الحديث ، وإنما لم يقل : استبرأ لعرضه ودينه اكتفاء بقوله : دينه ، لأن الاستبراء للدين لازم للاستبراء للعرض لأن الاستبراء للعرض لأجل المروءة في صون عرضه ، وذلك من الحياء ، والحياء من الإيمان فالاستبراء للعرض أيضا من الإيمان . حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكرياء ، عن عامر ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلال بين والحرام بين ، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهو أنه أخذ جزءا منه وترجم به كما ذكرنا . ( بيان رجاله ) وهم أربعة ، الأول : أبو نعيم بضم النون الفضل بالضاد المعجمة ابن دكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وهو لقب له ، واسمه عمرو ابن حماد بن زهير القرشي التيمي الطلحي الملائي مولى آل طلحة بن عبد الله ، وكان يبيع الملاء ، فقيل له : الملائي بضم الميم والمد ، سمع الأعمش وغيره من الكبار ، وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ ، قال أبو نعيم : شاركت الثوري في أربعين شيخا أو خمسين شيخا ، واتفقوا على الثناء عليه ، ووصفه بالحفظ والإتقان ، وقال أيضا : أدركت ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه ، فما رأيت أحدا يقول بخلق القرآن ، وما تكلم أحد بهذا إلا رمي بالزندقة ، وروى البخاري عنه بغير واسطة ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه بواسطة ، ولد سنة ثلاثين ومائة ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين بالكوفة ، الثاني زكريا بن أبي زائدة ، واسمه خالد بن ميمون الهمداني الكوفي سمع جمعا من التابعين منهم الشعبي والسبيعي ، وعنه الثوري ، وشعبة ، وخلق ، مات سنة سبع أو تسع وأربعين ومائة ، قال النسائي : ثقة روى له الجماعة ، الثالث عامر الشعبي وقد تقدم ذكره ، الرابع : النعمان بن بشير بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة ابن سعد بن ثعلبة بن خلاس بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام الأنصاري الخزرجي ، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة ولد بعد أربعة عشر شهرا من الهجرة ، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ، والأكثرون يقولون : ولد هو وعبد الله بن زبير رضي الله عنهم في العام الثاني من الهجرة ، وقال ابن الزبير : هو أكبر مني روي له مائة حديث وأربعة عشر حديثا ، قتل فيما بين دمشق وحمص يوم واسط سنة خمس وستين ، وكان زبيريا ، وقال علي بن عثمان النفيلي عن أبي مسهر : كان النعمان بن بشير عاملا على حمص لابن الزبير ، فلما تمردت أهل حمص خرج هاربا ، فاتبعه خالد بن حلى الكلاعي فقتله ، وقال المفضل بن غسان الغلابي : قتل في سنة ست وستين بسلمية ، وهو صحابي ابن صحابي ابن صحابية ، روى له الجماعة ، وليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا ، فهو من الأفراد ، ومنهم النعمان جماعات فوق الثلاثين . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رجاله كلهم كوفيون ، وقد دخل النعمان الكوفة ، وولي إمرتها ، وقد روى أبو عوانة في صحيحه من طريق ابن أبي حريز بفتح الحاء المهملة وفي آخره زاي معجمة عن الشعبي أن النعمان بن بشير خطب به بالكوفة ، وفي رواية لمسلم أنه خطب به بحمص ، والتوفيق بينهما بأنه سمع مرتين فإن النعمان ولي إمرة البلدتين واحدة بعد أخرى ، ومنها أن هذا وقع للبخاري رباعيا من جهة شيخه أبي نعيم ، ووقع له من جهة غيره خماسيا لما سيأتي ، ووقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيا ، ومنها أن فيه التصريح بسماع النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه رد على من يقول : لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو الحسن القابسي : قال أهل المدينة : لا يصح للنعمان سماع من النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه القاضي عياض عن يحيى بن معين ، ويحكى عن الواقدي أيضا ، وقال أهل العراق : سماعه صحيح ، ويدل عليه ما في رواية مسلم ، والإسماعيلي من طريق زكريا وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه ، وهذا تصريح بسماعه ، وكذا قول النعمان هاهنا سمعت ، وهو الصحيح ، وقال النووي : المحكي عن قول أهل المدينة باطل أو ضعيف ، قلت : هو ممن تحمل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا وأداه بالغا ، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات والنعمان ابن ثمان سنين ، فإن قلت : إن زكريا موصوف بالتدليس ، وهاهنا قد عنعن وكذا في غير هذه الرواية ليس له رواية عن الشعبي إلا معنعنا ، قلت : ذكر في فوائد أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون ، عن زكريا قال : حدثنا الشعبي فحصل الأمن من تدليسه ، فإن قلت : قد قال أبو عمر هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير النعمان بن بشير ، ولم يروه عن النعمان غير الشعبي ، قلت : أما الأول فإن كان مراده من وجه صحيح فمسلم ، وإن أراد مطلقا فلا نسلم لأنه روى من حديث ابن عمر ، وعمار ، وابن عباس رضي الله عنهم ، أخرج حديثهم الطبراني ، وكذا روى من حديث واثلة ، أخرجه الأصبهاني ، وفي أسانيدها مقال ، وأما الثاني فإنه رواه عن النعمان أيضا خيثمة بن عبد الرحمن أخرجه أحمد ، وعبد الملك بن عمير أخرجه أبو عوانة ، وسالم بن حرب أخرجه الطبراني ، ولكنه مشهور عن الشعبي رواه عنه خلق كثير من الكوفيين ، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون ، وقد ساق البخاري إسناده في البيوع على ما نذكره الآن ، ولم يسق لفظه وساقه أبو داود . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن أبي نعيم ، عن زكريا ، عن عامر عنه به ، وأخرجه في البيوع عن علي بن عبد الله ، وعبد الله بن محمد كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن كثير ، عن سفيان الثوري كلاهما عن أبي فروة الهمداني ، وعن محمد بن المثنى ، عن ابن أبي عدي ، عن عبد الله بن عون كلاهما عنه به ، وأخرجه مسلم في البيوع عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن عيسى بن يونس ثلاثتهم عن زكريا به ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، عن مطرف ، وأبي فروة ، وعن عبد الملك بن شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جده ، عن خالد بن يزيد ، وعن سعيد بن أبي هلال ، عن عون بن عبد الله بن عتبة ، وعن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن عن محمد بن عجلان ، عن عبد الرحمن بن سعيد أربعتهم عنه به ، وأخرجه أبو داود في البيوع ، عن إبراهيم بن موسى ، عن عيسى بن يونس به ، وعن أحمد بن يونس عن أبي شهاب الحناط ، عن ابن عون به ، وأخرجه الترمذي في البيوع ، عن هناد ، عن وكيع به ، وعن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، عن مجالد عنه نحوه ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في البيوع عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، وفي الأشربة عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع كلاهما عن ابن عون به ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن عمرو بن رافع ، عن ابن المبارك ، عن زكريا به . ( بيان اللغات ) قوله : "الحلال" هو ضد الحرام ، وهو من حل يحل من باب ضرب يضرب ، وأما حل بالمكان فهو من باب نصر ينصر ومصدره حل وحلول ومحل ، والمحل المكان الذي تحل فيه ، ومن هذا الباب حللت العقدة أحلها حلا إذا فتحتها ، ومن الأول حل المحرم يحل حلالا ، ومن الثاني حل العذاب يحل أي وجب ، وأحل الله الشيء جعله حلالا ، وأحل المحرم من الإحرام مثل حل وأحللنا دخلنا في شهور الحل ، وأحلت الشاة إذا نزل اللبن في ضرعها ، والتحليل ضد التحريم ، تقول : حللته تحليلا وتحلة وتحللته إذا سألته أن يجعلك في حل من قبله ، واستحل الشيء عده حلالا وتحلحل عن مكانه إذا زال ، قوله : "بين" أي ظاهر من باب يبين بيانا إذا اتضح ، وهو على وزن فيعل إما بمعنى بائن أو هو صفة مشبهة ، قوله : "والحرام" هو ضد الحلال ، وكذلك الحرام بكسر الحاء ، ورجل حرام أي محرم ، والتحريم ضد التحليل ، وبابه من حرم الشيء بالضم حرمة ، وأما حرمه الشيء يحرمه حرما مثل سرقه سرقا بكسر الراء ، وحريمة وحرمانا وأحرمه أيضا إذا منعه ، وأما حرم الرجل بالكسر يحرم بالفتح إذا قمر وأحرمته أنا إذا أقمرته ، ويقال : حرمت الصلاة على المرأة بالكسر لغة في حرمت وأحرم دخل في الشهر الحرام ، وأحرم أيضا بالحج والعمرة ، قوله : "مشتبهات" جاء فيه خمس روايات ، الأولى مشتبهات بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة على وزن مفتعلات ، وهي رواية الأصيلي ، وكذا في رواية ابن ماجه ، الثانية متشبهات بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق وفتح الشين المشددة وتشديد الباء الموحدة المكسورة على وزن متفعلات ، وهي رواية الطبري ، الثالثة مشبهات بضم الميم وفتح الشين وفتح الباء الموحدة المشددة على وزن مفعلات ، وهي رواية السمرقندي ، ورواية مسلم ، الرابعة مثلها غير أن باءها مكسورة على وزن مفعلات على صيغة الفاعل ، الخامسة مشبهات بضم الميم وسكون الشين وكسر الباء الموحدة المخففة ، والكل من اشتبه الأمر إذا لم يتضح غير أن معنى الأولى المشكلات من الأمور لما فيه من شبه الطرفين المتخالفين فيشبه مرة هذا ، ومرة هذا ، وكذلك معنى الثانية غير أن فيه معنى التكلف ، ومعنى الثالثة أنها مشبهات بغيرها مما لم يتيقن فيه حكمها على التعيين ، ويقال : معناها مشبهات بالحلال ، ومعنى الرابعة أنها مشبهات أنفسها بالحلال ، ومعنى الخامسة مثل الرابعة غير أن الأولى من باب التفعيل ، والثانية من باب الإفعال وقال القاضي : في الثلاثة الأول كلها بمعنى مشكلات ، ويشتبه يفتعل أي يشكل ومنه : إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا قوله : "فمن اتقى" أي حذر المشتبهات وهي جمع مشتبهة ، والاختلاف في لفظها من الرواة كالتي قبلها ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي : "فمن اتقى الشبهات" بدون الميم ، وهي جمع شبهة ، وهي الالتباس ، وأصل اتقى أوتقى لأنه من وقى يقي وقاية فقلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء ، قوله : "استبرأ" بالهمزة ، وقد ذكرنا معناه ، قوله : "لعرضه" بكسر العين قال ابن الأنباري : قال أبو العباس : العرض موضع المدح والذم من الإنسان ، ذهب أبو العباس إلى أن القائل إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع بها أو يسقط بذكرها ومن جهتها يحمد ويذم ، فيجوز أن يكون أمورا يوصف هو بها دون أسلافه ، ويجوز أن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم ، ولا يعلم من أهل اللغة خلافه إلا ما قال ابن قتيبة فإنه أنكر أن يكون العرض الأسلاف ، وزعم أن عرض الرجل نفسه يقال : أكرمت عنه عرضي أي صنت عنه نفسي ، وفلان نقي العرض أي بريء من أن يشتم أو يعاب ، وقيل : عرض الرجل جانبه الذي يصونه في نفسه وحسبه ويحامي عنه قال عنترة : فإذا شربت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم قوله : "ومن وقع في الشبهات" بضم الشين والباء جمع شبهة ، وفيها من اختلاف الرواة ما تقدم ، قوله : "الحمى" بكسر الحاء وفتح الميم المخففة وهو موضع حظره الإمام لنفسه ومنع الغير عنه ، وقال الجوهري : حميته إذا دفعت عنه ، وهذا شيء حمي أي محظور لا يقرب ، وقال بعضهم : الحمى المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول ، قلت : هذا ليس بمصدر بل هو اسم مصدر ، ومصدر حمى يحمي حماية ، قوله : يوشك" بكسر الشين أي يقرب ، قوله : "أن يواقعه" أي يقع فيه ، قوله : "محارمه" أي معاصيه التي حرمها كالقتل والسرقة وهو جمع محرم ، وهو الحرام ، ومنه يقال : هو ذو محرم منها إذا لم يحل له نكاحها ، ومحارم الليل مخاوفه التي يحرم على الجبان أن يسلكها ، قوله : "مضغة" أي قطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها ، قوله : "صلحت" بفتح اللام وضمها والفتح أفصح ، وفي العباب : الصلاح ضد الفساد تقول : صلح الشيء يصلح صلوحا مثال دخل يدخل دخولا ، وقال الفراء : حكى أصحابنا أيضا بضم اللام قوله : "فسد" من فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا فهو فاسد ، وقال ابن دريد : فسد يفسد مثال قعد يقعد لغة ضعيفة ، وقوم فسدى كما قاولوا : ساقط وسقطى ، وكذلك فسد بضم السين فسادا فهو فسيد ، وقال الليث : الفساد ضد الصلاح ، والمفسدة خلاف المصلحة ، وفي العباب : الفساد أخذ المال بغير حق هكذا فسر مسلم البطين قوله تعالى : لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا قوله : "القلب" ، وفي العباب : القلب الفؤاد ، وقد يعبر به عن العقل وقال الفراء في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أي عقل يقال : ما قلبك معك أي ما عقلك ، وقيل : القلب أخص من الفؤاد ، وقال الأصمعي : وفي البطن الفؤاد وهو القلب سمي به لتقلبه في الأمور ، وقيل : لأنه خالص ما في البدن إذ خالص كل شيء قلبه ، وأصله مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته علي بذاته ، وقلبت الإناء رددته على وجهه ، وقلبت الرجل عن رأيه ، وعن طريقه إذا صرفته عنه ، ثم نقل وسمي به هذا العضو الشريف لسرعة الخواطر فيه ، وترددها عليه ، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال : ما سمي القلب إلا من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل وكان مما يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ، وقال القرطبي : ثم إن العرب لما نقلته لهذا العضو التزمت فيه التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله ، وقد قال بعضهم : ليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه ، إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم . ( بيان الإعراب ) قوله : "الحلال" مبتدأ وبين خبره ، وكذلك الحرام بين مبتدأ وخبر ، وكذلك قوله : "وبينهما مشتبهات" ، ولكن الخبر هاهنا مقدم ، وهو الظرف ، قوله : "لا يعلمها كثير من الناس" جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله : "مشتبهات" قوله : "فمن اتقى" كلمة "من" موصولة مبتدأ ، وقوله : "اتقى الشبهات" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي في اتقى العائد إلى من ، والمفعول ، وهو قوله : "الشبهات" صلة لها ، وقوله : "استبرأ" خبره ، ولعرضه يتعلق به ، قوله : "ومن وقع" إلخ كلمة "من" هاهنا يجوز أن تكون شرطية ، ويجوز أن تكون موصولة ، فإذا كانت شرطية فقوله : "وقع في الشبهات" جملة وقعت فعل الشرط ، والجواب محذوف تقديره : ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، وهكذا في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بإظهار الجواب ، وكذا في رواية مسلم من طريق زكريا التي أخرجه منها البخاري ، وقوله : "كراع يرعى حول الحمى" جملة مستأنفة ، وقوله : "كراع" خبر مبتدأ محذوف أي مثله كراع أي مثل راع يرعى ، وقوله : "يرعى" جملة من الفعل والفاعل صفة لراع ، والمفعول محذوف تقديره : كراع يرعى مواشيه ، وقوله : "حول الحمى" كلام إضافي نصب على الظرف ، وقوله : "يوشك أن يواقعه" جملة وقعت صفة أخرى لراع ، ويوشك من أفعال المقاربة ، وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال أعني تارة يستعمل استعمال كاد بأن يرفع الفعل ، وخبره فعل مضارع بغير أن متأول باسم الفعل نحو يوشك زيد يجيء أي جائيا نحو كاد زيد يجيء وتارة يستعمل استعمال عسى بأن يكون فاعلها على نوعين أحدهما أن يكون اسما نحو عسى زيد أن يخرج ، فزيد فاعل ، وأن يخرج في موضع نصب لأنه بمنزلة قارب زيد الخروج ، والآخر أن يكون مع صلتها في موضع الرفع نحو عسى أن يخرج زيد ، فيكون إذ ذاك بمنزلة قرب أن يخرج أي خروجه ، وكذلك يوشك زيد أن يجيء ، ويوشك أن يجيء زيد ، وفي قوله : "يوشك" ضمير هو فاعله ، وقوله : "أن يواقعه" في موضع نصب لأنه بمنزلة يقارب الراعي المواقعة في الحمى ، وأعاده الكرماني إلى الحرام ، وما قلنا أوجه وأصوب ، وأما إذا كانت موصولة فتكون مرفوعة بالابتداء وخبرها هو قوله : "كراع يرعى" ولا يكون فيه حذف ، والتقدير : الذي وقع في الشبهات كراع يرعى ، أي مثل راع يرعى مواشيه حول الحمى ، وقوله : "يوشك" استئناف ، قوله : "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف التنبيه ، فيدل على تحقق ما بعدها وتدخل على الجملتين نحو : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة ولا ، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق نحو : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى وقال الزمخشري : ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم نحو : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ قوله : "ألا وإن لكل ملك حمى" الواو فيه عطف على مقدر تقديره : ألا إن الأمر كما تقدم وإن لكل ملك حمى ، وقوله : "حمى" نصب لأنه اسم إن ، وخبرها هو قوله : "لكل ملك" مقدما ، قوله : "ألا وإن حمى الله محارمه" هكذا رواية المستملي ، وفي رواية غيره : "ألا إن حمى الله في أرضه محارمه" ، وفي رواية أبي فروة : "معاصيه" بدل محارمه ، ولم يذكر الواو هاهنا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بالواو : "ألا وإن حمى الله محارمه" فإن قلت : ما وجه ذكر الواو هاهنا وتركها ، وما وجه ذكرها في قوله : "ألا وإن في الجسد" ، قلت : أما وجه ذكرها في قوله : "ألا وإن حمى الله" فبالنظر إلى وجود التناسب بين الجملتين من حيث ذكر الحمى فيها ، وأما وجه تركها فبالنظر إلى بعد المناسبة بين حمى الملوك وبين حمى الله الذي هو الملك الحق لا ملك حقيقة إلا له تعالى ، وأما وجه ذكرها في قوله : "ألا وإن في الجسد" فبالنظر إلى وجود المناسبة بين جملتين نظرا إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب لأنه عماد الأمر وملاكه ، وبه قوامه ونظامه ، وعليه تنبني فروعه ، وبه تتم أصوله ، قوله : "مضغة" نصب لأنه اسم إن وخبرها هو قوله : "في الجسد" مقدما ، قوله : "إذا صلحت" أي المضغة ، وهي القلب ، وكلمة إذا هاهنا بمعنى إن لأن مدخول إذا لا بد أن يكون متحقق الوقوع ، وهاهنا الصلاح غير متحقق لاحتمال الفساد والقرينة على ذلك ذكر المقابل فافهم ، قوله : "صلح الجسد" جواب إذا وكذاك الكلام في قوله : "وإذا فسدت" ، قوله : "وهي القلب" جملة اسمية بالواو ، وأيضا عطف على مقدر . ( بيان المعاني ) أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث ، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ، قالت جماعة : هو ثلث الإسلام ، وإن الإسلام يدور عليه ، وعلى حديث : "الأعمال بالنيات" ، وحديث : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ، وقال أبو داود : يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ، قالوا : سبب عظم موقعه أنه عليه السلام نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها ، وأنه ينبغي أن يكون حلالا ، وأرشد إلى معرفة الحلال ، وأنه ينبغي ترك المشتبهات ، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه ، وحذر من مواقعة الشبهات ، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ثم بين أهم الأمور ، وهو مراعاة القلب ، وقال ابن العربي : يمكن أن ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام ، وقال القرطبي : لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره ، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب ، فمن هنا يمكن أن يرد إليه جميع الأحكام ، قوله : "الحلال بين" بمعنى ظاهر بالنظر إلى ما دل على الحل بلا شبهة أو على الحرام بلا شبهة ، "وبينهما مشتبهات" أي الوسائط التي يكتنفها دليلان من الطرفين بحيث يقع الاشتباه ، ويعسر ترجيح دليل أحد الطرفين إلا عند قليل من العلماء ، وقال النووي : معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام حلال واضح لا يخفى حله كأكل الخبز والفواكه وكالكلام والمشي وغير ذلك ، وحرام بين كالخمر والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك ، وأما المشبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل والحرمة ولهذا لا يعرفها كثير من الناس ، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ، وغيره ، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي ، فإذا ألحقه به صار حلالا أو حراما ، وقد يكون دليله غير خال عن الاجتهاد ، فيكون الورع تركه وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه ، فهل يؤخذ بالحل أو الحرمة أو يتوقف فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض عن أصحاب الأصول ، والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع ، وفيه أربعة مذاهب ، أحدها وهو الأصح : أنه لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا إباحة ولا غيرها ، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع ، والثاني : أن الحكم الحل أو الإباحة ، والثالث : المنع ، والرابع : الوقف ، وقال المازري : المشتبهات المكروه لا يقال فيه حلال ولا حرام بين ، وقال غيره : فيكون الورع تركه ، وقال الخطابي : من أمثلة المتشابهات معاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا فهذا يكره معاملته ، وقال القرطبي : لا شك أن ثم أمورا جلية التحريم وأمورا جلية التحليل وأمورا مترددة بين الحل والحرمة ، وهو الذي تتعارض فيها الأدلة ، فهي المشتبهات ، واختلف في حكمها فقيل : حرام لأنها توقع في الحرام ، وقيل : مكروهة والورع تركها ، وقيل : لا يقال فيها واحد منهما ، والصواب الثاني ، لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها ، وقال عليه السلام : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فهذا هو الورع ، وقال بعض الناس : إنها حلال يتورع عنها ، قال القرطبي : ليست هذه عبارة صحيحة لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه فيكون مباحا ، وما كان كذلك لا يتصور فيه الورع ، فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر خرج عن أن يكون مباحا ، وحينئذ إما أن يكون تركه راجحا على فعله وهو المكروه أو فعله راجحا على تركه وهو المندوب ، فأما مثل ما تقدم مما يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين كجلد الميتة بعد الدباغ فإنه غير طاهر على المشهور من مذهب مالك فلا يستعمل في شيء من المائعات لأنها تنجس لا الماء وحده ، فإنه عنده يدفع النجاسة ما لم يتغير هذا هو الذي ترجح عنده لكنه كان يتقي الماء في خاصة نفسه ، وحكي عن أبي حنيفة وسفيان الثوري رضي الله عنهما أنهما قالا : لأن أخر من السماء أهون علي من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ وما شربته قط ، ولا أشربه ، فعملوا بالترجيح في الفتيا وتورعوا عنه في أنفسهم ، وقال بعض المحققين : من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام ، ويضيق على نفسه يعني به هذا المعنى ، ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى إمكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح ، وهذا الالتفات ينشأ من القول بأن المصيب واحد ، وهو مشهور مذهب مالك ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف قلت : وكذلك أيضا كان الشافعي رحمه الله يراعي الخلاف ، وقد نص على ذلك في مسائل ، وقد قال أصحابه بمراعاة الخلاف حيث لا تفوت به سنة في مذهبهم ، وقد عقب البخاري هذا الباب بما ذكره في كتاب البيوع في باب تفسير الشبهات ، قال فيه : وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وأورد فيه حديث المرأة السوداء وأنها أرضعته وزوجته ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم وكيف وقد قيل وحديث ابن وليدة زمعة وأنه قضى به لعبد بن زمعة أخيه بالفراش ، ثم قال لسودة : احتجبي منه لما رأى من شبهه ، فما رآها حتى لقي الله تعالى ، وحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه ، وقوله : أجد مع كلبي على الصيد كلبا آخر لا أدري أيهما أخذ ، قال : لا تأكل ثم ذكر حديث التمرة المسقوطة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لولا أن تكون صدقة لأكلتها" ثم عقبه بما لا يجتنب فقال : باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات ، وذكر فيه حديث الرجل يجد الشيء في الصلاة قال : لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها : "أن قوما قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سموا عليه وكلوه" . قلت : فتحصل لنا مما تقدم ذكره أن المشتبهات المذكورة في الحديث التي ينبغي اجتنابها فيه أقوال : أحدها أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبهت فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم ، والثاني المراد به المكروهات وهو قول الخطابي ، والمازري وغيرهما ، ويدخل فيه مواضع اختلاف العلماء ، والثالث أنه المباح ، وقال بعضهم : هي حلال يتورع عنها ، وقد رده القرطبي كما تقدم ، وقال : فإن قيل : هذا يؤدي إلى رفع معلوم من الشرع وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وأكثر أصحابه كانوا يزهدون في المباح فرفضوا التنعم بطيب الأطعمة ولين اللباس وحسن المساكن وتلبسوا بضدها من خشونة العيش وهو معلوم منقول من سيرهم قال : فالجواب أن ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل فلم يزهدوا في مباح لأن حقيقته التساوي بل في أمر مكروه ، ولكن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو ، وتارة يكرهه لما يؤدي إليه كالقبلة للصائم فإنها تكره لما يخاف منها من إفساد الصوم ، ومسألتنا من هذا القبيل لأنه انكشف لهم من عاقبة ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد ، إما في الحال من الركون إلى الدنيا ، وإما في المآل من الحساب عليه والمطالبة بالشكر وغيره ، وهذا آخر كلامه ، قلت : وقد اختلف أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى في ترك الطيب ، وترك لبس الناعم فقال الشيخ أبو حامد الإسفرائني : إن ذلك ليس بطاعة ، واستدل بقوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وقال الشيخ أبو الطيب الطبري : إنه طاعة ودليله ما علم من أمر السلف من خشونة العيش ، وقال ابن الصباغ : يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وتفرغهم للعبادة وقصودهم واشتغالهم بالضيق والسعة ، وقال الرافعي من أصحابنا : هذا هو الصواب ، وأما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد فهذا ليس من المشتبهات المطلوب اجتنابها ، وقد ذكر العلماء له أمثلة فقالوا : هو ما يقتضيه تجويز أمر بعيد كترك النكاح من نساء بلد كبير خوفا أن يكون له فيها محرم ، وترك استعمال ماء في فلاة لجواز عروض النجاسة أو غسل ثوب مخافة طرو نجاسة عليه لم يشاهدها إلى غير ذلك مما يشبهه فهذا ليس من الورع ، وقال القرطبي : الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية إذ ليس فيها من معنى الشبهة شيء وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية ، قلت : من ذلك ما ذكره الشيخ الإمام عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين فحكى عن قوم أنهم لا يلبسون ثيابا جددا حتى يغسلوها لما فيها ممن يعاني قصر الثياب ودقها وتجفيفها وإلقائها وهي رطبة على الأرض النجسة ومباشرتها بما يغلب على الظن نجاسته من غير أن يغسل بعد ذلك فاشتد نكيره عليهم ، وقال : هذه طريقة الخوارج الحرورية أبلاهم الله تعالى بالغلق في غير موضع القلق ، وبالتهاون في موضع الاحتياط ، وفاعل ذلك معترض على أفعال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد قبل غسلها ، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في أعصارنا ، ولو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسلها ما خفي لأنه مما تعم به البلوى ، وذكر أيضا أن قوما يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز خوفا من روث الثيران عند الدياس ، فإنها تقيم أياما في المداسة ولا يكاد يخلو طحين عن ذلك قال الشيخ : هذا غلو ، وخروج عن عادة السلف ، وما روى أحد من الصحابة والتابعين أنهم رأوا غسل الفم من ذلك ، فإن قيل : كيف قال النبي عليه الصلاة والسلام في التمرة التي وجدها في بيته : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ، ودخول الصدقة بيت النبي عليه الصلاة والسلام بعيد لأنها كانت محرمة عليه ، وأجيب عنه أن ما توقعه النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بعيدا لأنهم كانوا يأتون بالصدقات إلى المسجد ، وتوقع أن يكون صبي أو من لا يعقل أدخل التمرة البيت ، فاتقى ذلك لقربه . قوله : "لا يعلمها كثير من الناس" أي لا يعلم المشتبهات كثير من الناس أراد لا يعلم حكمها ، وجاء ذلك مفسرا في رواية الترمذي : "وهي لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام" ، وقال الخطابي : معنى مشتبهات أي تشتبه على بعض الناس دون بعض لا أنها في نفسها مشتبهة على كل الناس لا بيان لها ، بل العلماء يعرفونها لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ، ولهذا قال عليه السلام : "لا يعلمها كثير من الناس" ، ولم يقل : لا يعلمها كل الناس أو أحد منهم ، وقال بعض العلماء : معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون ، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم ، وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح لأحد اللفظين ، قوله : "استبرأ" أي طلب البراءة في دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه ، قوله : "لدينه" إشارة إلى ما يتعلق بالله تعالى ، وقوله : "وعرضه" إشارة إلى ما يتعلق بالناس أو ذاك إشارة إلى ما يتعلق بالشرع ، وهذا إلى المروءة ، فإن قلت : لم قدم العرض على الدين ؟ قلت : القصد هو ذكرهما جميعا من غير نظر إلى الترتيب لأن الواو لا تدل على الترتيب على ما عرف في موضعه ، وأما تقديم العرض فيمكن أن يكون لأجل تعلقه بالناس المقتضي لمزيد الاهتمام به ، قوله : "ومن وقع في الشبهات" قال الخطابي : كل شيء أشبه الحلال من وجه والحرام من وجه فهو شبهة ، وقال غيره : هذا يكون لأحد وجهين أحدهما إذا عود نفسه عدم التحرز مما يشتبه أثر ذلك في استهانته فوقع في الحرام مع العلم به ، والثاني أنه إذا تعاطى الشبهات وقع في الحرام في نفس الأمر ، وقد قيل بدل الوجه الثاني : إن من أكثر وقوع الشبهات أظلم قلبه عليه لفقدان نور العلم والورع فيقع في الحرام ولا يشعر به ، وقال ابن بطال : وفيه دليل أن من لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد به ، قلت : حاصل ما ذكر العلماء هاهنا في تفسير الشبهات أربعة أشياء : تعارض الأدلة ، واختلاف العلماء ، وقسم المكروه ، والمباح ، وقد قيل : المكروه عقبة بين الحل والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ، والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه ، ويعضد هذا ما رواه ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ، ولم يسق لفظها فيها من الزيادة : "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه" . قوله : "كراع يرعى حول الحمى" هذا تشبيه حال من يدخل في الشبهات بحال الراعي الذي يرعى حول المكان المحظور بحيث إنه لا يأمن الوقوع فيه ، ووجه الشبه حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك فكما أن الراعي إذا جره رعيه حول الحمى إلى وقوعه في الحمى استحق العقاب بسبب ذلك ، فكذلك من أكثر من الشبهات وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام فاستحق العقاب ، فإن قلت : ما يسمى هذا التشبيه ؟ قلت : هذا تشبيه ملفوف لأنه تشبيه بالمحسوس الذي لا يخفى حاله شبه المكلف بالراعي ، والنفس البهيمية بالأنعام ، والمشتبهات بما حول الحمى ، والمحارم بالحمى ، وتناول المشتبهات بالرتع حول الحمى فيكون تشبيها ملفوفا باعتبار طرفيه ، وتمثيلا باعتبار وجهه ، قوله : "ألا وإن لكل ملك حمى" هذا مثل ضربه النبي عليه الصلاة والسلام ، وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها وتتوعد على من يقربها ، والخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته خوف الوقوع ، وغير الخائف يقرب منها ، ويرعى في جوانبها فلا يأمن من أن يقع فيها من غير اختياره فيعاقب على ذلك ، ولله تعالى أيضا حمى وهو المعاصي فمن ارتكب شيئا منها استحق العقوبة ، ومن قاربه بالدخول في الشبهات يوشك أن يقع فيها ، وقد ادعى بعضهم أن هذا المثل من كلام الشعبي ، وأنه مدرج في الحديث ، وربما استدل في ذلك بما وقع لابن الجارود والإسماعيلي من رواية ابن عون ، عن الشعبي قال ابن عون في آخر الحديث : فلا أدري المثل من النبي عليه السلام أو من قول الشعبي ، وأجيب بأن تردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجا لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه ، فلا يقدح شك بعضهم فيه ، فإن قلت : قد سقط المثل في رواية بعض الرواة كأبي فروة عن الشعبي فدل على الإدراج ؟ قلت : لا نسلم ذلك لأن هذا لا يقدح فيمن أثبت من الحفاظ الأثبات ، ويؤيده ما رواه ابن حبان الذي ذكرناه آنفا ، وقال بعضهم : ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله : وقع في الحرام ، ليصير ما قبل المثل مرتبطا به ، فيسلم من دعوى الإدراج ، قلت : هذا الكلام ليس له معنى أصلا ، ولا هو دليل على منع دعوى الإدراج ، وذلك لأن قوله : "وقع في الحرام" لم يحذفه البخاري عمدا ، وإنما رواه في هذه الطريق هكذا مثل ما سمعه ، وقد ثبت ذلك في غير هذه الطريق ، وكيف يحذف لفظا مرفوعا متفقا عليه لأجل الدلالة على رفع لفظ قد قيل فيه بالإدراج ، وقوله : "ليصير" ما قبل المثل مرتبطا به إن أراد به الارتباط المعنوي فلا يصح لأن كلا منهما كلام بذاته مستقل ، وإن أراد به الارتباط اللفظي فكذلك لا يصح وهو ظاهر . قوله : "مضغة" أطلقها على القلب إرادة تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له ، أو لما كان هو سلطان البدن لما صلح صلح الأعضاء الأخر التي هي كالرعية ، وهو بحسب الطب أول نقطة تكون من النطفة ، ومنه تظهر القوى ، ومنه تنبعث الأرواح ، ومنه ينشأ الإدراك ، ويبتدئ التعقل فلهذه المعاني خص القلب بذلك ، واحتج جماعة بهذا الحديث وبنحو قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا على أن العقل في القلب لا في الرأس ، قلت : فيه خلاف مشهور ، فمذهب الشافعية والمتكلمين أنه في القلب ، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه في الدماغ ، وحكي الأول عن الفلاسفة ، والثاني عن الأطباء ، واحتج بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل ، وقال ابن بطال : وفي هذا الحديث أن العقل إنما هو في القلب وما في الرأس منه فإنما هو عن القلب ، وقال النووي : ليس فيه دلالة على أن العقل في القلب ، واستدل به أيضا على أن من حلف لا يأكل لحما فأكل قلبا حنث ، قلت : ولأصحاب الشافعي فيها قولان أحدهما يحنث ، وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي ، والأصح أنه لا يحنث لأنه لا يسمى لحما .
2 - ( حدثنا إسحاق بن منصور قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أحسن أحدكم إسلامه ، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : إسحاق بن منصور بن بهرام ، وقال النووي : بكسر الباء والمشهور فتحها أبو يعقوب الكوسج من أهل مرو سكن بنيسابور ، ورحل إلى العراق والشام والحجاز ، روى عنه الجماعة إلا أبا داود وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث ، وهو الذي دون عن أحمد المسائل ؛ قال النسائي : ثقة ثبت ، مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين . الثاني : عبد الرزاق بن همام بن نافع اليماني الصنعاني ، سمع عبد الله المعمري ومعمرا والثوري ومالكا وغيرهم ؛ قال معمر : عبد الرزاق خليق أن يضرب إليه أكباد الإبل ، وقال أحمد بن حنبل : ما رأيت أحسن من عبد الرزاق ، وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي ، قال ابن معين : ليس بالقوي ، ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب ، قال : والواقدي أصدق منه ، وقال أبو أحمد لعبد الرزاق حديث كثير ، وقد رحل إليه الناس وكتبوا عنه ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات ، فهذا أعظم ما ذموه به من روايته المناكير ، وقال النسائي في كتاب ( الضعفاء ) : عبد الرزاق بن همام فيه نظر لمن كتب عنه بآخره ، وزاد بعضهم عن النسائي : كتبت عنه أحاديث مناكير ، وقال البخاري في ( التاريخ الكبير ) : ما حدث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح ، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ، روى له الجماعة . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد أبو عروة البصري ، وقد مر ذكره في أول الكتاب . الرابع : همام بتشديد الميم بن منبه بن كامل بن سيج بفتح السين المهملة ، وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره جيم أبو عقبة اليماني الصنعاني الذماري الأبناوي أخو وهب ، وهو أكبر منه ، تابعي ، سمع أبا هريرة وابن عباس ومعاوية ؛ قال يحيى بن معين : ثقة توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بصنعاء ، روى له الجماعة ، وهو من الأفراد وإن كان يشترك معه في الاسم دون الأب جماعة من الصحابة والتابعين ، ولا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( ذكر الأنساب ) الصنعاني نسبة إلى صنعا مدينة باليمن بزيادة النون في آخره ، والقياس أن يقال صنعاوي ، ومن العرب من يقوله ، فأبدلوا من الهمزة النون لأن الألف والنون يشابهان ألفي التأنيث ، وصنعا أيضا قرية بالشام ، وهذه النسبة شاذة . اليماني نسبة إلى اليمن بزيادة الألف ؛ قال الجوهري : اليمن بلاد العرب والنسبة إليها يمني ويمان مخففة ، والألف عوض من ياء النسبة فلا يجتمعان ؛ قال سيبويه : وبعضهم يقول : يماني بالتشديد ، فافهم . الذماري بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم نسبة إلى ذمار على مرحلتين من صنعا ، وفي العباب : ذمار بفتح الذال ، ويقال ذمار مثل قطام قرية باليمن على مرحلة من صنعا ، سميت بقيل من أقيال حمير . الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح النون نسبة إلى الأبناء ، وهم قوم باليمن من ولد الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن ، وقال أبو حاتم بن حبان : كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال أبناوي وهم الأبناويون . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ؛ قوله حدثنا إسحاق بن منصور ، وفي بعض النسخ : حدثني بالإفراد ، وقوله حدثنا معمر ، وفي بعض النسخ أخبرنا معمر ، ومنها أن هذا الإسناد إسناد حديث من نسخة همام المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه ، وقد اختلفوا في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مبتدأ به أو لا ، فالجمهور على جوازه ومنهم البخاري ، وقيل بالمنع ، ومسلم أيضا أخرجه بهذا السند غير أنه عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق إلخ ، ولكنه أخرجه معلولا وهو أيضا أخرجه في كتاب الإيمان ، وغالب ما يتعلق بالحديث من الكلام في الوجوه المذكورة قد مر في الحديث السابق ؛ قوله أحدكم الخطاب فيه بحسب اللفظ وإن كان للحاضرين من الصحابة ، لكن الحكم عام لما علم أن حكمه عليه الصلاة والسلام على الواحد حكم على الجماعة إلا بدليل منفصل ، وكذا حكمه تناول النساء وكذا فيما إذا قال : إذا أسلم المرء أو العبد ، فإن المراد منه الرجال والنساء جميعا بالاتفاق ، وأما النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز أو غير ذلك ؛ قوله إذا أحسن أحدكم إسلامه كذا في رواية مسلم أيضا ، ووقع في مسند إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق : ( إذا أحسن إسلام أحدكم ) ، ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن عبد الرزاق عن معمر كالأول ، فإن قيل في الحديث السابق الحسنة والسيئة وههنا كل حسنة وكل سيئة ، فما الفرق بينهما ؟ قلت : لا فرق بينهما في المعنى لأن الألف واللام فيهما هناك للاستغراق ، وكل أيضا للاستغراق ، وكذا لا فرق في إطلاق الحسنة ثمة ، والتقييد هنا بقوله يعملها إذ المطلق محمول على المقيد لأن الحسنة المنوية لا تكتب بالعشر إذ لا بد من العمل حتى تكتب بها ، وأما السيئة فلا اعتداد بها دون العمل أصلا ، وكذا في زيادة لفظ تكتب هنا ، إذ ثمة أيضا مقدر به لأن الجار لا بد له من متعلق وهو تكتب أو تثبت أو نحوهما ؛ قوله بمثلها ، وزاد مسلم وإسحاق والإسماعيلي في روايتهم حتى يلقى الله تعالى ، فإن قلت : أين جواب إذا ؟ قلت : الجملة بالفاء ، أعني قوله فكل حسنة يعملها تكتب له ، فقوله كل حسنة كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله تكتب له ، وقوله يعملها جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الجر لأنها صفة لحسنة ؛ قوله إلى سبعمائة في محل النصب على الحال أي منتهية إلى سبعمائة ؛ قوله بمثلها الباء فيه للمقابلة ، والله أعلم .
( باب حسن إسلام المرء ) أي هذا باب في بيان حسن إسلام المرء ، والباب هنا مضاف قطعا وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن الصلاة من الإيمان ، وهذا الباب فيه حسن إسلام المرء ، ولا يحسن إسلام المرء إلا بإقامة الصلاة ، وقال بعضهم في فوائد حديث الباب السابق : وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضا ، فنزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إلى قوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وقوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله " باب حسن إسلام المرء " فانظر إلى هذا هل ترى له تناسبا لوجه المناسبة بين البابين ؟ وقال بعض الشارحين : ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال ، قلت : هذا أيضا قريب من الأول . 1( قال مالك : أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ، وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : الأول : مالك بن أنس رحمه الله . الثاني : زيد بن أسلم أبو أسامة القرشي المكي مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . الثالث : عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة أبو محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين . الرابع : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري ، وقد مر ذكرهم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن رواته أئمة أجلاء مشهورون . ومنها أنه مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد وهو القراءة على الشيخ إذا كان القارئ وحده ، وهذا عند من فرق بين الإخبار والتحديث وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون ، ومنها أن فيه التصريح بسماع الصحابي من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدفع احتمال سماعه من صحابي آخر ، فافهم . ( بيان حكم الحديث ) ذكره البخاري معلقا ولم يوصله في موضع في الكتاب ، والبخاري لم يدرك زمن مالك فيكون تعليقا ، ولكنه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه ، وقال ابن حزم : إنه قادح في الصحة لأنه منقطع ، وليس كما قال لأنه موصول من جهات أخر صحيحة ولم يذكره لشهرته ، وكيف وقد عرف من شرطه وعادته أنه لا يجزم إلا بتثبت وثبوت ، وليس كل منقطع يقدح فيه ، فهذا وإن كان يطلق عليه أنه منقطع بحسب الاصطلاح إلا أنه في حكم المتصل في كونه صحيحا ، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ فقال : أخبرنا النضروي وهو العباس بن الفضل ، ثنا الحسين بن إدريس ، ثنا هشام بن خالد ، ثنا الوليد بن مسلم عن مالك به ، وكذا وصله النسائي عن أحمد بن المعلى بن يزيد عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن مالك بن زيد بن أسلم به ، وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال : أخبرني الحسن بن سفيان ، ثنا حميد بن قتيبة الأسدي قال : قرأت على عبد الله بن نافع الصانع أن مالكا أخبره قال : وأخبرني عبد الله بن محمد بن مسلم أن أبا يونس بن عبد الأعلى حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، ثنا عبد الله بن وهب أبا مالك ابن أنس واللفظ لابن نافع عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها ، ثم قيل له : أيتنف العمل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله ) ، وكذا أوصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع ، والبزار من طريق إسحاق الفروي والبيهقي في الشعب من طريق إسماعيل بن أبي أويس ، كلهم عن مالك ، وقال الدارقطني في كتاب ( غرائب مالك ) : اتفق هؤلاء التسعة : ابن وهب والوليد بن مسلم وطلحة بن يحيى وزيد بن شعيب وإسحاق الفروي وسعيد الزبيري وعبد الله بن نافع وإبراهيم بن المختار وعبد العزيز بن يحيى ، فرووه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد ، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة ، وهي رواية شاذة ، ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا ، وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره ، وقال الخطيب : هو حديث ثابت ، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله ، وقال ابن بطال : حديث أبي سعيد أسقط البخاري بعضه وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير الموطأ ونصه : ( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة كان زلفها ) ، وذكر باقيه بمعناه . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " فحسن إسلامه " معنى حسن الإسلام الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعا ، يقال في عرف الشرع حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة ، وقال ابن بطال : معناه ما جاء في حديث جبريل عليه السلام ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) ، فأراد مبالغة الإخلاص لله سبحانه وتعالى بالطاعة والمراقبة له ؛ قوله " يكفر الله " من التكفير وهو التغطية في المعاصي كالإحباط في الطاعات ، وقال الزمخشري : التكفير إماطة العقاب من المستحق بثواب أزيد أو بتوبة ؛ قوله " كان زلفها " أي قربها ، وقال ابن سيده : زلف الشيء وزلفه قدمه ، وعن ابن الأعرابي : أزلف الشيء قربه ، وفي ( الجامع ) : الزلفة تكون القربة من الخير والشر ، وفي ( الصحاح ) : الزلف التقديم عن أبي عبيد : وتزلفوا وازدلفوا أي تقدموا ، وقال الكرماني : زلفها بتشديد اللام والفاء أي أسلفها وقدمها ، يقال : زلفته تزليفا وأزلفته إزلافا بمعنى التقديم ، وأصل الزلفة القربة ، وفي بعض نسخ المغاربة زلفها بتخفيف اللام ؛ قلت : أزلفها بزيادة الألف رواية أبي ذر ، ورواية غيره : زلفها ، بدون الألف وبالتخفيف ، وقال النووي : بالتشديد ، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ : ( ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله كل حسنة زلفها ومحى عنه كل خطيئة زلفها ) بالتخفيف فيهما ، وللنسائي نحوه لكن قال : أزلفها وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد ، قاله الخطابي ، وفي ( المحكم ) أزلف الشيء قربه ، وزلفه مخففا ومثقلا قدمه ، وفي ( المشارق ) : زلف بالتخفيف أي جمع وكسب ، وهذا يشمل الأمرين ، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير ، فإن قيل : على هذا رواية غير أبي ذر راجحة . قلت : الذي قاله الخطابي يساعد رواية أبي ذر ، فافهم . قوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب ، وروى الدارقطني من طريق زين بن شعيب عن مالك بلفظ : ( يقول الله لملائكته اكتبوا ) ؛ قوله " القصاص " قال الصغاني : هو القود ، قلت : المراد به ههنا مقابلة الشيء بالشيء أي كل شيء يعمله يعطى في مقابله شيئا إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ؛ قوله " ضعف " قال الجوهري : ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه ، وقال الكرماني : فإن قلت : فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيب ابنه مثلي نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله ؟ قلت : المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العام لا الموضوع اللغوي ، أقول الذي قاله الجوهري منقول عن أبي عبيدة ، ولكن قال الأزهري : الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد ، وليس بمقصور على المثلين ، بل جائز في كلام العرب أن تقول هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله ؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا لم يرد مثلا ولا مثلين ، ولكن أراد بالضعف الأضعاف ، فأقل الضعف محصور وهو المثل ، وأكثره غير محصور فإذا كان كذلك يجوز أن يكون إيجاب الفقيه في المسألة المذكورة غير موضوع على العرف العام ، بل لوحظ فيه اللغة . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " يقول " في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله سمع على قول من يدعي أنه يتعدى إلى مفعولين ، والصحيح أنه لا يتعدى ، فحينئذ يكون نصبا على الحال ، فإن قيل : لم لم يقل قال مناسبا لسمع مع أن القضية ماضية ؟ قلت : أجيب لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق وقوع القول ، وذلك كقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من حيث لم يقل فكان ؛ قوله " فحسن " عطف على أسلم ؛ قوله " يكفر الله " جزاء الشرط ، أعني قوله " إذا " ، ويجوز فيه الرفع والجزم كما في قول الشاعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا ، وعند الجزم يلتقي الساكنان فتحرك الراء بالكسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، ولكن الرواية ههنا بالرفع ، ووقع في رواية البزار " كفر الله " بصيغة الماضي فوافق فعل الشرط ، وقال بعضهم : " يكفر الله " بضم الراء لأن إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم . قلت : هذا كلام من لم يشم من العربية شيئا ، وقد قال الشاعر : استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل قد جزم " إذا " قوله " تصبك " ، وقد قال الفراء : تستعمل " إذا " للشرط ثم أنشد الشعر المذكور ثم قال : ولهذا جزمه ؛ قوله " كل سيئة " كلام إضافي منصوب لأنه مفعول " يكفر الله " ؛ قوله " كان زلفها " جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة سيئة ؛ قوله " وكان بعد ذلك " أي بعد حسن الإسلام القصاص وهو مرفوع لأنه اسم كان ، وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة ، وإنما ذكره بلفظ الماضي وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع لتحقق وقوعه كأنه واقع ، وذلك كما في قوله تعالى : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ قوله " الحسنة " مرفوع بالابتداء و " بعشر أمثالها " في محل الرفع على الخبرية ؛ قوله " إلى سبعمائة " يتعلق بمحذوف ومحلها النصب على الحال ، أي منتهية إلى سبعمائة ؛ قوله " والسيئة " مبتدأ وبمثلها خبره أي لا يزاد عليها ؛ قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " أي عن السيئة يعنى يعفو عنها . ( بيان المعاني ) فيه استعمال المضارع موضع الماضي والماضي موضع المضارع لنكات ذكرناها ، وفيه الجملة الاستئنافية وهي قوله " الحسنة بعشر أمثالها " ، وهي في الحقيقة جواب عن السؤال ولا محل لها من الإعراب ، وقد علم أن الجملة من حيث هي هي غير معربة ولا تستحق الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد ، فحينئذ تكتسي إعرابه محلا ، وقد نظم ابن أم قاسم النحوي الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها منه بثمانية أبيات وهي قوله : جمل أتت ولها محل معرب سبع لأن حلت محل المفرد خبرية حالية محكية وكذا المضاف لها بغير تردد ومعلق عنها وتابعة لما هو معرب أو ذو محل فاعدد وجواب شرط جازم بالفاء أو بإذا وبعض قال غير مقيد وأتتك سبع ما لها من موضع صلة ومعترض وجملة مبتدي وجواب أقسام وما قد فسرت في أشهر والخلف غير مبعد وبعيد تحضيض وبعد معلق لا جازم وجواب ذلك أورد وكذاك تابعة لشيء ما له من موضع فاحفظه غير مفند وقد نظمها الشيخ أثير الدين أبو حيان بستة أبيات وهي قوله : وخذ جملا ستا وعشرا فنصفها لها موضع الإعراب جاء مبينا فوصفية حالية خبرية مضاف إليها واحك بالقول معلنا كذلك في التعليق والشرط والجزا إذا عامل يأتي بلا عمل هنا وفي غير هذا لا محل لها كما أتت صلة مبدوة فاتك العنا مفسرة أيضا وحشوا كذا أتت كذلك في التحضيض نلت به الغنا وفي الشرط لم يعمل كذاك جوابه جواب يمين مثله سرك المنى قوله " الحسنة بعشر أمثالها " من قوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وقوله إلى سبعمائة ضعف من قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ فإن قيل : بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر ، والجواب أن الله يضاعف تلك المضاعفة وهي أن يجعلها سبعمائة وهو ظاهر ، وإن قلنا : إن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضا فذلك في مشيئته تعالى ، وأما المتحقق فهو إلى السبعمائة فقط ، وفيه نظر لأنه صرح في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البخاري في الرقاق ولفظه : ( كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) ، وفي كتاب العلم لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ثنا شيبان الأيلي ثنا سويد بن حاتم ، ثنا أبو العوام الجزار عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال : ( إن الله تعالى يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة ) ، وأيضا ففي جملة حديث مالك مما أسقطه البخاري : ( إن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ) ، فالله تعالى من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام ، فبالأولى أن يتفضل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب ونظير هذا الذي أسقطه البخاري ما جاء في حديث حكيم بن حزام : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ، أخرجه البخاري في الزكاة وفي العتق ، ومسلم في الإيمان ، فإن قلت : لم أسقط البخاري هذه الزيادة ؟ قلت : قيل : إنه أسقطه عمدا ، وقيل لأنه مشكل على القواعد ، فقال المازري ثم القاضي وغيرهما : إن الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب فلا يثاب على طاعته في شركه ؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا بمن تقرب إليه والكافر ليس كذلك وأولوا حديث حكيم بن حزام من وجوه : الأول : أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) إنك اكتسبت طباعا جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن يكون لك معونة على فعل الطاعات . والثاني : اكتسبت ثناء جميلا بقي لك في الإسلام . والثالث : لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة ، وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيرا فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد في أجوره . والرابع : زاده القاضي وهو أنه ببركة ما سبق لك من الخير هداك الله للإسلام أي سبق لك عند الله من الخير ما حملك على فعله في جاهليتك وعلى خاتمة الإسلام ، وتعقبهم النووي في ( شرحه ) فقال : هذا الذي ذكروه ضعيف ، بل الصواب الذي عليه المحققون ، وقد ادعى فيه الإجماع على أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام ، ودليله حديث أبي سعيد الخدري الذى يأتي الآن وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه ، وهذا أمر لا يحيله العقل ، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله ، وأما دعوى كونه مخالفا للأصول فغير مقبولة ، وأما قول الفقهاء : لا تصح عبادة من كافر ولو أسلم ، لم يعتد بها ، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة ، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة ، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ، فقال : قال الفقهاء : إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك ، وإذا أسلم لا يلزم إعادتها ، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل ، والأصح اللزوم ، وبالغ بعض أصحابنا فقال : يصح من كل كافر طهارة غسلا كانت أو وضوء أو تيمما ، وإذا أسلم صلى بها ، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النووي إبراهيم الحربي وابن بطال والقرطبي وابن منير ، وقال ابن منير : المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفره ، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل ، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر ، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألبتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط ، وقال ابن بطال : لله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء ولا اعتراض عليه . ( فوائد ) منها أن فيه الحجة على الخوارج وغيرهم من الذين يكفرون بالذنوب ويوجبون خلود المذنبين في النار ، ومنها أن قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " دليل لمذهب أهل السنة أنه تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه ، ومنها أن فيه دليلا لهم في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار خلافا للمعتزلة ، فإنهم قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة ، ومنها ما قال بعضهم أول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان لأن الحسن تتفاوت درجاته . قلت : هذا كلام ساقط لأن الحسن من أوصاف الإيمان ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما لأن الذات من حيث هو لا يقبل ذلك كما عرف في موضعه .
( باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ) أي هذا باب ؛ قوله " تطوع " مرفوع بالابتداء مضاف إلى ما بعده وخبره قوله " من الإيمان " ، وفي بعض النسخ : ( باب تطوع قيام شهر رمضان ) ، والتطوع تفعل ومعناه التكلف بالطاعة ، والتطوع بالشيء التبرع به ، وفي الاصطلاح التنفل ، والمراد من القيام هو القيام بالطاعة في لياليه ، وقد ذكرنا وجه تخلل باب الجهاد من الإيمان بين هذا الباب وباب قيام ليلة القدر من الإيمان ؛ ورمضان في الأصل مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء ثم جعل علما لهذا الشهر ، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون ولما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر . 1 - ( حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن مباشرة العمل الذي فيه غفران ما تقدم من الذنوب شعبة من شعب الإيمان ، والتقدير في الباب باب تطوع قيام رمضان شعبة من شعب الإيمان . ( بيان رجاله ) وهم خمسة ؛ الأول : إسماعيل بن أويس الأصبحي المدني ابن أخت شيخه الإمام مالك . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : حميد بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة بالجنة أبو إبراهيم ، ويقال أبو عبد الرحمن ، ويقال أبو عثمان القرشي الزهري المدني ، وأمه أخت عثمان بن عفان أول المهاجرات من مكة إلى المدينة . قلت : اسمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان لأمه ، أخرج له البخاري هنا وفي العلم وفي غير موضع عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة ، وأخرج له أيضا عن عثمان وسعيد بن زيد وغيرهما ، سمع جمعا من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة ، وعنه الزهري وخلائق من التابعين ، وثقه أبو زرعة وغيره ، وكان كثير الحديث مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة ، وقيل سنة خمس ومائة وهو غلط . واعلم أن البخاري ومسلما قد أخرجا لحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري التابعي الفقيه ولا يلتبس بهذا ، وإن روى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضا وغيرهما فاعلمه وما قلت من إخراج البخاري ؛ لهذا جزم به الكلاباذي في كتابه والمزي في ( تهذيبه ) ، وقال الشيخ قطب الدين في شرحه عن الحاكم والحميدي وصاحب الجمع وعبد الغني وغيرهم أنهم قالوا : لم يخرج له شيئا ولم يخرج مسلم في صحيحه عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه غير حديث : ( أفضل الصيام بعد رمضان ) ، الحديث فقط وما عداه فهو من رواية ابن عوف قال : وقد غلطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهموه ، قال : ومما يدل على ذلك أنه لم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري ولما ذكر النووي في شرحه لمسلم حديثه عن أبي هريرة ، قال : اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميري والثاني الزهري ، قال الحميدي في جمعه : كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلا في هذا الحديث خاصة ، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري ، وهذا الحديث لم يذكره البخاري في صحيحه قال : ولا ذكر الحميري في البخاري أصلا ولا في مسلم إلا هذا الحديث . قلت : دعواه أن البخاري لم يذكره في صحيحه قد علمت ما فيه ، وقوله : ولا في مسلم إلا هذا الحديث ليس بجيد فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث ، أحدها : أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا : لقينا ابن عمر وذكر الحديث . الثاني : في الوصايا عن عمرو بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدا فذكره . الثالث : فيها عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل من عبد الرحمن بن أبي بكرة ثم ساقه من حديث قرة قال : وسمى الرجل حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : أي يوم هذا ) ، الحديث . فائدة : روى مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان رضي الله عنهما كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران ورواه يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن حميد قال : رأيت عمر وعثمان فذكره ، قال الواقدي : حميد لم يسمع من عمر رضي الله عنه ولا رآه وسنه وموته يدلان على ذلك ولعله سمع من عثمان رضي الله عنه لأنه كان خاله لأمه ؛ لأن أم مكتوم أخت عثمان وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده . الخامس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أنهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصيام ، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والموطأ وآخرون . ( بيان الإعراب والمعاني ) ؛ قوله " من " مبتدأ وخبره قوله " غفر له " وهما الشرط والجزاء ، ومعنى من قام رمضان من قام بالطاعة في ليالي رمضان ، ويقال : يريد صلاة التراويح ، وقال بعضهم : لا يختص ذلك بصلاة التراويح بل في أي وقت صلى تطوعا حصل له ذلك الفضل ، واتفق العلماء على استحباب التراويح واختلفوا في الأفضل ، فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وابن عبد الحكم من أصحاب مالك : إن حضورها في الجماعة في المساجد أفضل كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم واستمر المسلمون عليه ، وقال مالك وأبو يوسف والطحاوي وبعض الشافعية وغيرهم : الإفراد بها في البيوت أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) ؛ قوله " إيمانا واحتسابا " منصوبان على الحالية على تأويل مؤمنا ومحتسبا ، وقد مر الكلام فيه في باب قيام ليلة القدر من الإيمان أي مصدقا ومريدا به وجه الله تعالى بخلوص النية . ( استباط الأحكام ) الأول : فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه وهو الصواب ، وسيجيء الكلام في بابه . الثاني : فيه الدلالة على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان ، ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ، ولا تعارض بينهما فإن كل واحد منهما صالح للتكفير ، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل ذلك . الثالث : ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر وفضل الله واسع ، ولكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء وبصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ونحوه أن المراد غفران الصغائر فقط ، كما في حديث الوضوء ما لم يؤت كبيرة ما اجتنبت الكبائر ، وقال النووي : في التخصيص نظر لكن أجمعوا على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد ، فإن قيل : قد ثبت في الصحيح هذا الحديث في قيام رمضان ، والآخر في صيامه ، والآخر في قيام ليلة القدر ، والآخر في صوم عرفة أنه كفارة سنتين ، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة ، والآخر : ( رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ) ، والآخر : ( إذا توضأ خرجت خطايا فيه ) إلى آخره ، والآخر : ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر ) إلى آخره ، والآخر : ( من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، ونحو ذلك ، فكيف الجمع بينها ؟ أجيب أن المراد أن كل واحد من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر ، فإن صادفها كفرتها وإن لم يصادفها ، فإن كان فاعلها سليما من الصغائر لكونه صغيرا غير مكلف أو موفقا لم يعمل صغيرة أو عملها وتاب أو فعلها وعقبها بحسنة أذهبتها كما قال تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فهذا يكتب له بها حسنات ويرفع له بها درجات ، وقال بعض العلماء : ويرجى أن يخفف بعض الكبيرة أو الكبائر .
( باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان ) أي هذا باب ؛ قوله " صوم رمضان " كلام إضافي مرفوع بالابتداء وخبره قوله " من الإيمان " ؛ قوله " احتسابا " حال بمعنى محتسبا أو مفعول له أو تمييز ، وفيه نظر ، وإنما لم يقل إيمانا واحتسابا إما لأنه لما كان حسبة لله تعالى خالصا له لا يكون إلا للإيمان ، وإما لأنه اختصره بذكره إذ العادة الاختصار في التراجم والعناوين ، ووجه المناسبة بين البابين ظاهر . 1 - ( حدثنا ابن سلام قال : أخبرنا محمد بن فضيل قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى . ( بيان رجاله ) وهم خمسة ، الأول : محمد بن سالم البيكندي والصحيح تخفيف لامه ، وقد مر ذكره . الثاني : محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح المعجمة ابن غزوان بن جرير الضبي مولاهم الكوفي ، سمع السبيعي والأعمش وغيرهما من التابعين ، وعنه الثوري وأحمد وخلق من الأعيان ، قال أبو زرعة : صدوق من أهل العلم ، مات سنة تسع وخمسين ومائة . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة . الرابع : أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . الخامس : أبو هريرة ، وقد مر الكلام في ألفاظه عن قريب . ومعنى " من صام رمضان " أي في رمضان أي في شهر رمضان ، فإن قيل : هل يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم الصوم حتى لو صام يوما واحدا دخل الجنة ؟ قلت : إنه لا يقال في العرف صام رمضان إلا إذا صام كله ، والسياق ظاهر فيه فإن قيل المعذور كالمريض إذا ترك الصوم فيه ولو لم يكن مريضا لكان صائما وكان نيته الصوم لولا العذر ، هل يدخل تحت هذا الحكم ؟ الجواب : نعم ، كما أن المريض إذا صلى قاعدا لعذر له ثواب صلاة القائم قاله العلماء . فإن قيل : كل من اللفظين وهما " إيمانا واحتسابا " يغني عن الآخر إذ المؤمن لا يكون إلا محتسبا والمحتسب لا يكون إلا مؤمنا ، فهل لغير التأكيد فيه فائدة أم لا ؟ الجواب المصدق للشيء ربما لا يفعله مخلصا بل للرياء ونحوه ، والمخلص في الفعل ربما لا يكون مصدقا بثوابه وبكونه طاعة مأمورا به سببا للمغفرة ونحوه ، أو الفائدة هو التأكيد ونعمت الفائدة .
( باب الجهاد من الإيمان ) الكلام فيه على أنواع : الأول ؛ قوله " باب " لا يستحق الإعراب إلا بتقدير هذا باب فيكون خبرا محذوف المبتدأ ، وقوله " الجهاد " مرفوع بالابتداء وخبره من الإيمان ولا يجوز فيه غير الرفع . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو قيام ليلة القدر ، ولا يحصل ذلك إلا بالمجاهدة التامة ومقاساة المشقة وترك الاختلاط بالأهل والعيال ، فكذلك المذكور في هذا الباب حال المجاهد الذي لا يحصل له الحظ من الجهاد ولا يسمى مجاهدا إلا بالمجاهدة التامة ومقاساة المشقة الزائدة وترك الأهل والعيال ، وكما أن القائم ليلة القدر يجتهد أن ينال رؤية تلك الليلة ويتحلى بها ، وإلا فيكتسب أجورا عظيمة ، فكذلك المجاهد يجتهد أن ينال درجة الشهداء ومنزلتهم وإلا فيرجع بغنيمة وافرة مع اكتساب اسم الغزاة ، فهذا هو وجه المناسبة وإن كان الترتيب الوضعي يقتضي أن يذكر باب تطوع قيام رمضان عقيب هذا الباب وباب صوم رمضان عقيب هذا . وقال الكرماني : فإن قلت هل لترتيب الكتاب وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم لا ؟ قلت : مناسبته تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة . قلت : يريد بكلامه هذا أن المناسبة بين هذه الأبواب كلها هي اشتراكها في كونها من خصال الإيمان مع قطع النظر عن طلب المناسبة بين كل بابين من الأبواب ، وهذا كلام من يعجز عن إبداء وجه المناسبة الخاصة مع بيان المناسبة العامة وما ينبغي أن يذكر ما ذكرته ، فافهم . الثالث : معنى قوله " الجهاد من الإيمان " الجهاد شعبة من شعب الإيمان ، وقال ابن بطال وعبد الواحد الشارحان هذا كالأبواب المتقدمة في أن الأعمال إيمان لأنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله كان الخروج إيمانا تسمية للشيء باسم سببه ، كما قيل للمطر سماء لنزوله من السماء وللنبات نوأ لأنه ينشأ من النوء والجهاد القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى . 1 - ( حدثنا حرمي بن حفص قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا عمارة قال : حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال : سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ) . مطابقة الحديث للترجمة أن المخرج للجهاد في سبيل الله لما كان هو كونه مؤمنا بالله ومصدقا برسله كان خروجه من الإيمان والجهاد هو الخروج في سبيل الله للقتال مع أعدائه ، وقد ثبت أن الخروج من الإيمان فينتج أن الجهاد من الإيمان ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : حرمي اسم بلفظ النسبة ابن حفص بن عمر العتكي القسملي البصري ، روى عنه البخاري وانفرد به عن مسلم ، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه مات سنة ثلاث ، وقيل ست وعشرين ومائتين . الثاني : أبو بشر عبد الواحد بن زياد العبدي البصري ويعرف بالثقفي ، قال يحيى وأبو حاتم وأبو زرعة : ثقة ، وقال ابن سعد : ثقة كثير الحديث ، مات سنة سبع وستين ومائة ، روى له البخاري ومسلم وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري أيضا لكنه ضعيف ولم يخرج عنه في الصحيحين شيء . الثالث : عمارة بضم العين المهملة ابن القعقاع بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ، روى عنه الثوري والأعمش وغيرهما ؛ قال يحيى : ثقة ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، روى له الجماعة . الرابع : أبو زرعة بضم الزاي واختلف في اسمه وأشهرها هرم ، وقيل عبد الرحمن ، وقيل عمرو ، وقيل عبيد الله بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي ، سمع جده وأبا هريرة وغيرهما ؛ قال يحيى : ثقة ، روى له الجماعة . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( بيان الأنساب ) العتكي بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق في الأزد ينسب إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وفي قضاعة عتيك بطن . القسملي : بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الميم في الأزد ينسب إلى قسملة وهو معاوية بن عمرو بن دوس ، وقال ابن دريد : قسملي في الأزد وهم القسامل سموا بذلك لجمالهم ، وقال الشيخ قطب الدين : القسملي نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضا ، وهذا منسوب إلى القبيلة ، وفي شرح النووي على قطعة من البخاري أن القسملي بكسر القاف والميم وكأنه سبق قلم ، والصواب فتحهما . والعبدي نسبة إلى عبد القيس بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، وفي قريش عبد بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ، وفي تميم ينسب إلى عبد الله بن دارم ، وفي قضاعة إلى عبد الله بن الخيار ، وفي همدان إلى عبد الله بن عليان . والثقفي نسبة إلى ثقيف وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان . والضبي بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة نسبة إلى ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وفي قريش ضبة بن الحارث ابن فهر ، وفي هذيل ضبة بن عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل . والبجلي بفتح الباء الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن مذحج . ( بيان لطائف إسناده ) منها وهو أعظمها أنه خال عن العنعنة وليس فيه إلا التحديث والسماع ، ومنها أن رواته ما بين بصري وكوفي . ومنها أن فيهم اسما على صورة النسبة وربما يظنه من لا إلمام له بالحديث أنه نسبة . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأخرجه مسلم في الجهاد عن زهير عن جرير ، وعن أبي بكر وأبي كريب عن ابن فضيل عن عمارة به ، وفي لفظ مسلم : ( يضمن الله ) ، وفي بعضها : ( تكفل الله ) ، وفي رواية للبخاري : ( توكل الله ) ، وأخرجه النسائي أيضا نحو رواية البخاري ، وفي أخرى له قال : ( انتدب الله لمن يخرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان بي والجهاد في سبيلي أنه ضامن حتى أدخله الجنة بأيهما كان ، إما بقتل أو وفادة أو أرده إلى مسكنه الذي يخرج منه نال ما نال من أجر أو غنيمة ) . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " انتدب الله " بكسر الهمزة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق والدال المهملة ، وفي آخره باء موحدة من قولهم ندبه لأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب ، فكأن الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيل الله سؤالا ودعاء له إياه ، وقال صاحب ( المطالع ) في فصل النون مع الدال : قوله " انتدب الله لمن جاهد في سبيله " أي سارع بثوابه وحسن جزائه وقيل أجاب ، وقيل تكفل ، وقال ابن بطال : أوجب وتفضل أي حقق وأحكم أي ينجز ذلك لمن أخلص . قلت : كأنه يريد ما وعده بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الآية ، وذكره أيضا في ( المطالع ) في فصل الهمزة مع الدال من مادة أدب فقال : قوله ( ائتدب الله لمن خرج في سبيله ) كذا للقابسي بهمزة ، ومعناه أجاب من دعاه من المأدبة ، يقال : أدب القوم يأدبهم ويأدبهم أدبا إذا دعاهم ، وفي رواية أبي ذر انتدب بالنون وأهمله الأصيلي ولم يقيده ومعناه قريب من الأول كأنه أجاب رغبته ، يقال : ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب ، ومنه في حديث الخندق : فانتدب الزبير رضي الله عنه ، وذكره الصغاني أيضا في باب النون مع الدال ، وقال : وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " انتدب الله " ، الحديث ، فمعناه أجابه إلى غفرانه ، وقال القاضي عياض رواه القابسي ائتدب بهمزة صورتها ياء من المأدبة ، يقال : أدب القوم مخففا إذا دعاهم ، ومنه : ( القرآن مأدبة الله في الأرض ) . قلت : قال الصغاني : الأدب الدعاء إلى الطعام ، يقال : أدبهم يأدبهم بكسر الدال واسم الطعام عن أبي زيد المأدبة والمأدبة يعني بفتح الدال وضمها ، ثم قال : وأما المأدبة بالفتح في حديث ابن مسعود رضي الله عنه : ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ) ، فليست من الطعام في شيء ، وإنما هي مفعلة من الأدب بالتحريك ، انتهى ، وقال بعضهم : ووقع في رواية الأصيلي هنا ايتدب بياء تحتانية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو تصحيف ، وقد وجهوه بتكلف لكن إطلاق الرواة على خلافه . قلت : لم يقل أحد من الشراح ولا من رواة الكتاب أن هذا تصحيف ولا أطبقت الرواة على خلافه ، وقد رأيت ما قالت المشايخ فيه والدعوى بلا برهان لا تقبل ؛ قوله " أن أرجعه " بفتح الهمزة من رجع ، وقد جاء متعديا ولازما ، فمصدر الأول الرجع ومصدر الثاني الرجوع ، وههنا متعد نحو قوله تعالى : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ وفي ( العباب ) : رجع بنفسه يرجع رجوعا ومرجعا ورجعى ؛ قال الله تعالى : ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ وهو شاذ لأن المصادر من فعل يفعل إنما تكون بالفتح ، وقال الله تعالى : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ورجعته عن الشيء وإلى الشيء رجعا رددته ، قال الله تعالى : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ أي على إعادته حيا بعد موته وبلاه لأنه المبدئ المعيد ، وقال تعالى : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي يتلاومون ؛ قوله " بما نال " أي بما أصاب من النيل وهو العطاء ؛ قوله " خلف سرية " خلف ههنا بمعنى بعد والسرية هي قطعة من الجيش ، يقال : خير السرايا أربع مائة رجل . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " انتدب " فعل ماض ولفظة " الله " فاعله ، وقوله " لمن خرج " يتعلق بانتدب و " من " موصولة و " خرج " جملة صلتها ، و " في سبيله " يتعلق به والضمير في " سبيله " يرجع إلى الله ؛ قوله " لا يخرجه " جملة من الفعل والمفعول وهو الضمير وموضعها نصب على الحال ، وقد علم أن المضارع إذا وقع حالا وكان منفيا يجوز فيه الواو وتركها نحو جاءني زيد لا يركب أو ولا يركب ، وقال الكرماني : لا بد من التأويل وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال كأنه قال : انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه إلا إيمان بي . قلت : هذا ليس بسديد لأنه على تقديره يلزم أن يكون ذو الحال هو الله تعالى ويكون قوله " لا يخرجه " مقول القول ، وليس كذلك ، بل ذو الحال هو الضمير الذي في " خرج " ، وأيضا فيه حذف الحال وهو لا يجوز ؛ قوله " إيمان " مرفوع لأنه فاعل لا يخرجه والاستثناء مفرغ ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي : ( إلا إيمانا ) بالنصب ، وقال النووي : منصوب على أنه مفعول له وتقديره لا يخرجه مخرج إلا الإيمان والتصديق ؛ قوله " وتصديق برسلي " ، وقال الكرماني : أو تصديق ، وفي بعض النسخ ( وتصديق ) بالواو الواصلة وهو ظاهر . قلت : لم أقف على من ذكر هذا رواية ثم قال : فإن قلت : إذا كان بأو الفاصلة فما معناه إذ لا بد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله ؟ قلت : أو ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما أي لا يخلو عن أحدهما ، وقد يجتمعان بل يلزم الاجتماع لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله ، وكذا التصديق بالرسل يستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر . قلت : هذا الذي ذكره ليس مما يدل عليه أو لأن الاجتماع ههنا لازم و أو لا يدل على لزوم الاجتماع ؛ قوله " أن أرجعه " يتعلق بقوله " انتدب " وأن مصدرية وأصلها بأن أرجعه أي يرجعه ، والباء في بما نال يتعلق به و "ما" موصولة و "نال" صلتها ، والعائد محذوف ، أي بما ناله ؛ قوله " من " للبيان ؛ قوله " أو غنيمة " "أو" ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما ، أعني أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما ، بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر ، فقد يجتمعان ، وقال القاضي عياض : معناه أن أرجعه بما نال من أجر مجرد وإن لم يكن غنيمة أو أجر وغنيمة إذا كانت ، فاكتفى بذكر الأجر أولا عن تكراره أو أن " أو " ههنا بمعنى الواو كما جاء في مسلم من رواية يحيى بن يحيى ، وفي سنن أبي داود من أجر وغنيمة بغير ألف ، وقد قيل في قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ معناه ودين ، وقيل : من وصية ودين أو دين دون وصية ؛ قوله " أو أدخله " بالنصب عطفا على قوله " أن أرجعه " ؛ قوله " لولا " هي الامتناعية لا التحضيضية ، وأن مصدرية في محل الرفع على الابتداء ، والتقدير : لولا المشقة ، ويجوز أن يكون مرفوعا بفعل محذوف أي لولا ثبت أن أشق ، وقوله أشق منصوب به ؛ قوله " ما قعدت " جواب لولا ، وأصله لما قعدت فحذفت اللام منه وقوله " خلف " نصب على الظرفية وسبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينا في حديث آخر ؛ حيث قال : ( فإنه يشق عليهم التخلف بعده ولا تطيب أنفسهم بذلك ) ؛ قوله " ولوددت " اللام للتأكيد وهو عطف على قوله " ما قعدت " ، ويجوز أن تكون اللام فيه جواب قسم محذوف ، أي والله لوددت أي أحببت ؛ قوله " أن أقتل " في محل النصب على المفعولية وأن مصدرية أي القتل ، والهمزة في المواضع الخمسة مضمومة ؛ قوله " ثم أحيى " أي ثم أن أحيى وكذلك التقدير في البواقي . ( بيان المعاني ) ؛ قوله " إلا إيمان بي وتصديق برسلي " يريد خلوص نيته لذلك وفيه التفات وهو العدول من الغيبة إلى ضمير المتكلم ، والسياق كان يقتضي أن يقول إلا إيمان به ؛ قوله " أن أرجعه " فيه حذف أي إلى مسكنه ؛ قوله " بما نال " فيه استعمال الماضي موضع المضارع لتحقق وعد الله تعالى ؛ قوله " ثم أحيى " كلمة ثم وإن كانت تدل على التراخي في الزمان ولكنها ههنا حملت على التراخي في الرتبة لأن المتمنى حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى . ( استنباط الأحكام ) فيه فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله ، وفيه تمني الشهادة وتعظيم أجرها ، وفيه تمني الخير والنية فوق ما يطيق الإنسان وما لا يمكنه إذا قدر له وهو أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم : ( نية المؤمن أبلغ من عمله ) ، وفيه بيان شدة شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم ، وفيه استحباب طلب القتل في سبيل الله ، وفيه جواز قول الإنسان وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل ، وفيه إذا تعارض مصلحتان بدئ بأهمهما وأنه يترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها ، وفيه أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين ، وفيه السعي في زوال المكروه والمشقة عن المسلمين ، وفيه أن من خرج في قتال البغاة ، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك يدخل في قوله " في سبيل الله " وإن كان ظاهره في قتال الكفار . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : جميع المؤمنين يدخلهم الله تعالى الجنة ، فما وجه اختصاصهم بذلك ؟ وأجيب بأنه يحتمل أن يدخله بعد موته كما قال الله تعالى : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ويحتمل أن يكون المراد الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنوب وتكون الشهادة مكفرة لها كما روي من قوله عليه الصلاة والسلام : ( القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ) ، رواه مسلم . ومنها ما قيل : إن المجاهد له حالتان الشهادة والسلامة ، فالجنة للحالة الأولى والأجر والغنيمة للثانية ، ولفظة " أو " في قوله " أو غنيمة " تدل على أن للسالم إما الأجر وإما الغنيمة لا كلاهما ؟ وأجيب بأن معنى " أو " لامتناع الخلو عنهما مع إمكان الجمع بينهما . ومنها ما قيل : ههنا حالة ثالثة للسالم وهو الأجر بدون الغنيمة ؟ وأجيب بأن هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية ، إذ هي أعم من الأجر فقط أو منه مع الغنيمة . ومنها ما قيل : الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة ، فكيف يكون السالم والشهيد مقترنين في أن لأحدهما الأجر وللآخر الجنة مع أن الجنة أيضا أجر ؟ وأجيب بأن هذا أجر خاص والجنة أجر أعلى منه ، فهما متغايران ، أو أن القسمين هما الرجع والإدخال لا الأجر والجنة ، ومعنى الحديث أن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال ، فإما أن يستشهد فيدخل الجنة ، وإما أن يرجع بأجر فقط ، وإما بأجر وغنيمة . ومنها ما قيل : بماذا هذا الضمان ؟ وأجيب بما سبق في علمه وما ذكره في كتابه بقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى الآية . ومنها ما قيل : لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن غاية ما في الباب وجود المتابعة في الودادة وليس فيها مشقة ، وأجيب بأنا لا نسلم عدم المشقة ولئن سلمنا فربما ينجر إلى تشييع مودوده فيصير سببا للمشقة . ومنها ما قيل : إن الفرار إنما هو على حالة الحياة ، فلم جعل النهاية هي القتل ؟ وأجيب بأن المراد هو الشهادة فختم الحال عليها ، أو أن الإحياء للجزاء وهو معلوم شرعا فلا حاجة إلى ودادته لأنه ضروري الوقوع ، فافهم . ومنها ما قيل : إن القواعد تقتضي أن لا يتمنى المعصية أصلا لا لنفسه ولا لغيره ، فكيف تمناه لأن حاصله أنه تمنى أن يمكن فيه كافر فيعصى فيه ؟ وأجيب بأن المعصية ليست مقصودة بالتمني ، إنما المتمنى الحالة الرفيعة وهي الشهادة ، وتلك تحصل تبعا . ومنها ما قيل : إن قوله صلى الله عليه وسلم : " بما نال من أجر أو غنيمة " يعارضه قوله عليه السلام في الصحيح : ( ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم ، وما من غازية أو سرية تخفق فتصاب إلا تم أجورهم ) ، والإخفاق أن تغزو ولا تغتنم شيئا ، ولا يصح أن ينقص الغنيمة من أجرهم كما لم تنقص أهل بدر وكانوا أفضل المجاهدين ، وأجيب بأجوبة : الأول : الطعن في هذا الحديث فإن في إسناده حميد بن هانئ وليس بالمشهور وفيه نظر ؛ لأنه أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وقال يحيى بن سعيد : حدث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة . الثاني : إن الذي يخفق يزداد بالأجر والأسف على ما فاتها من المغنم ويضاعف لها كما يضاعف لمن أصيب بأهله وماله . الثالث : أن يحمل الأول على من أخلص في نيته لقوله : ( لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ) ، ويحمل الحديث الثاني على من خرج بنية الجهاد والمغنم ، فهذا شرك بما يجوز فيه التشريك وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره ، والأول أخلص فكمل أجره ، ونفى النووي التعارض لأن الغزاة إذا سلموا وغنموا تكون أجورهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم ، فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم ، وقال القاضي : الحديث الذي فيه بما نال من أجر وغنيمة مطلق لأنه لم يقل فيه : إن الغنيمة تنقص الأجر ، والحديث الثاني مقيد ، وأما استدلالهم بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم مع الغنيمة وكونهم مغفورا مرضيا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل .
1 - ( حدثنا عبد السلام بن مطهر قال : حدثنا عمر بن علي ، عن معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي أنه أخذ جزء منه وبوب عليه ، وأما المناسبة بينه وبين الحديث المعلق فهي أن المذكور فيه المحبة ، فهي إما مجاز عن الاستحسان يعني أحسن الأديان هو الملة الحنيفية ، والحديث المسند دل على الحسن لأن فيه أوامر ، والمأمور به سواء كان واجبا أو مندوبا حسن ، وإما حقيقة عن إرادة إيصال الثواب إليه وذلك في المأمور به واجبا أو مندوبا إذ لا ثواب في غيره . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد السلام بن مطهر بصيغة المفعول من التطهير بالطاء المهملة بن حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي البصري وكنيته أبو ظفر بفتح الظاء المعجمة والفاء ، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة ، وروى عنه الأعلام منهم البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم ، وسئل عنه فقال : هو صدوق توفي سنة أربع وعشرين ومائتين . الثاني : عمر بن علي بن عطاء بن مقدم بفتح الدال المشددة أبو حفص المقدمي البصري والد عاصم ومحمد ، وهو أخو أبي بكر ، سمع جمعا من التابعين منهم هشام بن عروة ، وعنه خلق من الأعلام منهم ابنه عاصم وعمرو بن علي وكان مدلسا ؛ قال ابن سعد : كان ثقة وكان يدلس تدليسا شديدا يقول : سمعت وحدثنا ثم يسكت ثم يقول هشام بن عروة الأعمش ، وقال عفان : كان رجلا صالحا ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا ، وقال البخاري : قال ابنه عاصم : مات سنة تسعين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : معن بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي ، سمع حميدا ، وعنه جمع منهم ابن جريج ذكره ابن حبان في ثقاته ، روى له الجماعة والترمذي والنسائي وابن ماجه . الرابع : سعيد بن أبي سعيد واسم أبي سعيد كيسان المقبري المدني أبو سعد بسكون العين ، روى عن جماعة من الصحابة ، قال أبو زرعة : ثقة ، وقال أحمد : لا بأس به ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته وقدم الشام مرابطا وحدث ببيروت ، وقال غيره : اختلط قبل موته بأربع سنين توفي سنة خمس وعشرين ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( بيان الأنساب ) الأزدي نسبة إلى الأزد بن الغوث ابن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، يقال له الأزد بالزاي والأسد بالسين . والمقدمي بضم الميم وفتح الدال نسبة إلى مقدم أحد الأجداد ؛ والغفاري بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . والمقبري بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة وقيل بفتحها نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورا لها ، وقيل كان منزله عند المقابر وهو بمعنى الأول ، وقيل : جعله عمر على حفر القبور فلذلك قيل له المقبري ، حكاه الحربي وغيره ، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذلك كله فكان على حفرها ونازلا عندها ، والمقبري صفة لأبي سعيد والد سعيد المذكور وكان مكاتبا لامرأة من بني ليث بن بكر . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين مدني وبصري ، ومنها أن فيه رواية مدلس شديد بعن ، ولكنه محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى ، وكل ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على سماعهم من جهة أخرى . ( بيان نوع الحديث ) هو من أفراد البخاري عن مسلم ، فإن قلت : قد قيل فيه علتان : إحداهما أنه رواية مدلس بالعنعنة والأخرى أنه رواية معن عن سعيد ، وسعيد كان قد اختلط ، قلت : الجواب عن الأول ما ذكرته الآن مع أنه صرح بالسماع من طريق أخرى ، فقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أحمد بن المقدام أحد شيوخ البخاري عن عمرو بن علي المذكور قال : سمعت معن بن محمد فذكره وهو من أفراد معن بن محمد وهو مدني ثقة قليل الحديث ، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه ، ولفظه : ( سددوا وقاربوا ) ، وزاد في آخره : ( القصد القصد تبلغوا ) ، ولم يذكر شقه الأول وله شواهد منها حديث عروة الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن دين الله يسر ) ، رواه أحمد بإسناد حسن ، ومنها حديث بريدة أخرجه أحمد أيضا بإسناد حسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم هديا قاصدا ، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه ) ، والجواب عن الثاني أن سماع معن عن سعيد كان قبل اختلاطه ، ولو لم يصح ذلك عند البخاري لما أودعه في كتابه الذي سماه ( صحيحا ) ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرج البخاري طرفا منه في الرقاق عن آدم بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه : ( لن ينجي أحدا منكم عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة ، والقصد تبلغوا ) ، وأخرج النسائي أيضا مثل حديث هذا الباب . ( بيان اللغات ) ؛ قوله ولن يشاد الدين من المشادة وهي المغالبة من الشدة بالشين المعجمة ، ويقال : شاده يشاده مشادة إذا غالبه وقاواه ، والمعنى : لا يتعمق أحدكم في الدين فيترك الرفق إلا غلب الدين عليه وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه ، وأصل لن يشاد يشادد أدغمت الدال الأولى في الثانية ، ومثل هذه الصيغة مشترك بين بناء الفاعل وبناء المفعول ، والفارق هو القرينة ، وههنا يحتمل الوجهين على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله غلبه يقال غلبه يغلبه غلبا بفتح الغين وسكون اللام وغلبا بتحريكها وغلبة بإلحاق الهاء وغلابية مثال علانية وغلبة مثال حذقة ، وغلبى بضمتين مشددة الباء مقصورة ومغلبة ، وأما الغلب بضم الغين فهو جمع غلباء ، يقال : حديقة غلباء وحدائق غلب ، أي غلاظ ممتلئة ؛ قوله فسددوا من التسديد بالسين المهملة وهو التوفيق للصواب وهو السداد والقصد من القول والعمل ، ورجل مسدد إذا كان يعمل بالصواب والقصد ، ويقال معنى سددوا الزموا السداد أي الصواب من غير تفريط ولا إفراط ؛ قوله وقاربوا بالباء الموحدة لا بالنون معناه لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها ، يقال : رجل مقارب بكسر الراء وسط بين الطرفين ، وقال التيمي : قاربوا إما أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه ، وإما أن يكون معناه ساعدوا ؛ يقال : قاربت فلانا إذا ساعدته أي ليساعد بعضكم بعضا في الأمور ، ويقال : معناه إن لم تستطيعوا الأخذ بالكل فاعملوا ما يقرب منه ، وفي ( العباب ) : قارب فلان فلانا إذا ناغاه بكلام حسن ، وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( قاربوا وسددوا ) أي لا تغلوا واقصدوا السداد وهو الصواب ، وشيء مقارب بكسر الراء أي وسط بين الجيد والرديء ، ولا يقال مقارب يعني بالفتح ، وكذلك إذا كان رخيصا . قوله وأبشروا بقطع الهمزة من الإبشار أي أبشروا بالثواب على العمل وإن قل وجاء لغة ابشروا بضم الشين من البشرة بمعنى الإبشار ؛ قوله واستعينوا من الاستعانة وهو طلب العون ؛ قوله بالغدوة بضم الغين المعجمة ، وقال الكرماني : بفتح الغين ، وتبعه على هذا بعض الشارحين ، والصحيح ما ذكرناه وهو سير أول النهار إلى الزوال ، وقال الجوهري : الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس ، والروحة بفتح الراء اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل ، وفي ( المحكم ) : الغدوة البكرة وكذا الغداة ، وقال الجوهري : يقال : أتيته غدوة غير مصروفة لأنها معرفة مثل سحر إلا أنها من الظروف المتمكنة ، تقول : سر على فرسك غدوة وغدوة وغدوة وغدوة ، فما نون من هذا فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة ، والجمع غدى ، ويقال : أتيتك غداة غد والجمع غدوات ، انتهى ، وقال ابن الأعرابي : غدية لغة في غدوة كضحية لغة في ضحوة ، والغدو جمع غدات نادر ، وغدا عليه غدوا وغدوانا ، واغتد أبكر ، وغاده باكره ، وغدوة من يوم بعينه غير منون علم للوقت . وأما الرواح فذكر ابن سيده أنه العشي ورحنا رواحا وتروحنا سرنا من ذلك الوقت أو عملنا ؛ قوله من الدلجة بضم الدال وإسكان اللام كذا الرواية ، ويجوز في اللغة فتحها ، ويقال بفتح اللام أيضا وهي بالضم سير آخر الليل وبالفتح سير الليل ، وأدلج بالتخفيف سير الليل كله وبالتشديد سير آخر الليل ، هذا هو الأكثر ، وقيل : يقال فيهما بالتخفيف والتشديد ، وقال ابن سيده : الدلجة سير السحر ، والدلجة سير الليل كله ، والدلج والدلجة الأخيرة عن ثعلب الساعة من آخر الليل ، وأدلجوا ساروا الليل كله ، وقيل : الدلج الليل كله من أوله إلى آخره ، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت على مثال أخرجت ، والتفرقة بين أدلجت وادلجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي ، فإنه حكى أدلجت وادلجت لغتان في المعنيين جميعا ، وفي الجامع : الدلجة والدلجة لغتان بمعنى وهما سير السحر ، وقال قوم : الدلجة سير السحر ، والدلجة بالفتح سير أول الليل ، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب كما تقول مضيت برهة من الدهر وبرهة ، وتقول : أدلج الرجل يدلج إدلاجا إذا سار من أول الليل ، وأدلج إدلاجا سار من آخره ، وفي ( الجمهرة ) : ساروا دلجة من الليل أي ساعة ، وفي ( المنتهى ) لأبي المعاني : والاسم الدلج بالتحريك وجمع الدلجة دلج ، وغلط ابن درستويه ثعلبا في تخصيصه ادلج بالتشديد بسير أول الليل وأدلج بالتخفيف بسير آخره قال : وإنهما عندنا جميعا سير الليل في كل وقت من أوله وأوسطه وآخره ، وهو إفعال وافتعال من الدلج والدلج سير الليل بمنزلة السرى ، وليس واحد من هذين المثالين بدليل على شيء من الأوقات ، ولو كان المثال دليلا على الوقت لكان قول القائل الاستدلاج بوزن الاستفعال دليلا لوقت آخر وكان الاندلاج على الانفعال لوقت آخر ، وهذا كله فاسد ولكن الأمثلة عند جميعهم موضوعة لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها لا لاختلاف أوقاتها ، وأما وسط الليل وآخره وأوله وسحره وقبل النوم وبعده فمما لا يدل عليه الأفعال ولا مصادرها ، وقد وافق قول كثير من أهل اللغة في ذلك واحتجوا على اختصاص الإدلاج بسير آخره بقول الأعشى : وإدلاج بعد المنام وتهجير وقف وسبسب ورمال وقول زهير بن أبي سلمى : بكرن بكورا وأدلجن بسحرة فهن لوادي الرأس كاليد للفم فلما قال الأعشى : وإدلاج بعد المنام ظنوا أن الإدلاج لا يكون إلا بعد المنام ؛ ولما قال زهير وأدلجن بسحرة ظنوا أن الإدلاج لا يكون إلا بسحرة وهذا وهم وغلط ، وإنما كل واحد من الشاعرين وصف ما فعله هو وخصمه دون ما فعله غيره ، ولولا أنه يكون بسحرة وبغير سحرة لما احتاج إلى ذكر سحرة لأنه إذا كان الإدلاج بسحرة وبعد المنام فقد استغنى عن تقييده ، قال : ومما يفسد تأويلهم أن العرب تسمي القنفذ مدلجا لأنه يدرج بالليل ويتردد فيه لا لأنه من حيث لا يدرج إلا في أول الليل أو في وسطه أو في آخره أو فيه كله ، ولكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدرج لطلب علف أو غير ذلك ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إن أكثر اللغويين ذكروا الفرق بين اللفظين ولم ينشدوا البيتين ، فيحتمل أن ذلك سماع عندهم وهو الظاهر وإن كانوا أخذوه عن البيتين ، فما قاله ابن درستويه هو الصواب لأنه ليس فيهما دليل على ذلك ، وأما قوله : إن الأفعال تختلف لاختلاف المعاني معناه أن الأفعال هل دخلت لمعنى واحد وهو تخصيص الحدث بزمان فقط أو دخلت لهذا ولغيره من المعاني ؟ فابن درستويه يزعم أنها ما دخلت إلا لهذا المعنى فقط ، وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان رحمه الله : إن الأستاذ أبا علي الشلوبين وغيره خالفوه ، وقالوا : الأفعال تختلف أبنيتها لاختلاف المعاني على الجملة ، فالمعاني التي تختلف لها الأبنية ليست بمقصورة على شيء من المعاني دون شيء ، فإذا لم تكن مقصورة على شيء دون شيء من المعاني ، فما الذي يمنع أن تكون الدلالة إذ ذاك على آخر الوقت أو أوله أو الوقت كله ؟ قلت : الحديث يؤيد قول ابن درستويه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ) ، ولم يفرق عليه السلام بين أوله وآخره ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وجعل الإدلاج في السحر : اصبر على السير والإدلاج في السحر وفي الرواح على الحاجات والبكر ( بيان الإعراب ) ؛ قوله إن الدين يسر مبتدأ وخبر دخلت عليها إن فنصبت المبتدأ ؛ قوله لن يشاد الدين كلمة لن حرف نفي ونصب واستقبال وقوله يشاد منصوب بها وليس له فاعل ، و الدين مفعوله ؛ قال القاضي : روي رفع الدين ونصبه وهو من الأحاديث التي سقط منها شيء ، يريد أنه سقط من هذا الحديث لفظ أحد في الرواية ، وقال صاحب ( المطالع ) : ورواه ابن السكن بزيادة أحد ، وعلى هذا الدين منصوب وهو ظاهر ، وأما على رواية الجمهور فالرفع على ما لم يسم فاعله والنصب على إضمار الفاعل في يشاد للعلم به ، وقال صاحب ( المطالع ) : والرفع هو رواية الأكثر ، وقال النووي : الأكثر في ضبط بلادنا النصب والتوفيق بين كلاميهما بأن يحمل كلام ( المطالع ) على رواية المغاربة وكلام النووي على رواية المشارقة . قلت : وفي بعض الرواية عن الأصيلي بإظهار أحد لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، وكذا هو في رواية أبي نعيم وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم . قلت : الأولى أن يرفع الدين على أنه مفعول ناب عن الفاعل ، فحينئذ يكون يشاد على صيغة المجهول ، وقد قلنا : إن هذه الصيغة يستوي فيها بناء المعلوم والمجهول ؛ لأن هذا من باب المفاعلة ، وعلامة بناء الفاعل فيه كسر ما قبل آخره وعلامة بناء المفعول فيه فتح ما قبل آخره ، وهذا لا يظهر في المدغم ولا يفرق بينهما إلا بالقرينة ، فافهم ؛ قوله فسددوا جملة من الفعل والفاعل وهو أنتم المضمر فيه ، ويمكن أن تكون الفاء جواب شرط محذوف ، أي إذا كان الأمر كذلك فسددوا ، والجمل التي بعدها معطوفات عليها والباء في بالغدوة للاستعانة ، والمعنى استعينوا على الأعمال بهذه الأوقات المنشطة للعمل ؛ قوله وشيء من الدلجة أي استعينوا بشيء أي ببعض من الدلجة ، وإنما قال : وشيء من الدلجة ولم يقل : والدلجة ؛ لمعنيين ، أحدهما : التنبيه على الخفة لأن الدلجة تكون بالليل ، وعمل الليل أشق من عمل النهار ، والآخر أن الدلجة هو سير الليل كله عند البعض ، واستغراق الليل كله صعب ، فأشار بقوله وشيء إلى جزء يسير منه . ( بيان المعاني والبيان ) ؛ قوله إن الدين يسر فيه التأكيد بإن ردا على منكر يسر هذا الدين على تقدير كون المخاطب منكرا وإلا فعلى تقدير تنزيله منزلة المنكر وإلا فعلى تقدير المنكرين غير المخاطب ، وإلا فلكون القضية مما يهتم بها ؛ قوله ولن يشاد الدين فيه حذف الفاعل للعلم به ؛ قوله فسددوا فيه حذف أي في الأمور ، وكذلك في قوله وقاربوا أي في العبادة ، وكذلك في قوله وأبشروا أي بالثواب على العمل وأبهم المبشر به للتنبيه على التعظيم والتفخيم ، وفيه استعارة الغدوة والروحة وشيء من الدلجة لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة ، وكأنه عليه السلام خاطب مسافرا يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التي ترك فيها عمله ؛ لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر ، والمسافر إذا سار الليل والنهار جميعا عجز وانقطع ، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة ، وقال الخطابي : معناه الأمر بالاقتصاد في العبادة أي لا تستوعبوا الأيام ولا الليالي كلها بها ، بل اخلطوا طرف الليل بطرف النهار وأجمعوا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم . ( ومن فوائده ) الحض على الرفق في العمل لقوله عليه الصلاة والسلام : ( اكلفوا من العمل ما تطيقون ) ، وقال الخطابي : هذا أمر بالاقتصاد وترك الحمل على النفس لأن الله تعالى إنما أوجب عليهم وظائف من الطاعات في وقت دون وقت تيسيرا ورحمة ، ومنها التنبيه على أوقات النشاط لأن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أوقات المسافر وأوقات نشاطه ، بل على الحقيقة الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة ، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم .
( باب الدين يسر ) الكلام فيه من وجوه ، الأول أن لفظة " باب " خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى الجملة ، أعني قوله " الدين يسر " ، فإن قوله " الدين " مرفوع بالابتداء و " يسر " خبره . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث وجود معنى اليسر في صوم رمضان ، وذلك أن صوم رمضان يجوز تأخيره عن وقته للمسافر والمريض بخلاف الصلاة ، ويجوز تركه بالكلية في حق الشيخ الفاني مع إعطاء الفدية بخلاف الصلاة ، وهذا عين اليسر ، وأيضا فإنه شهر واحد في كل اثني عشر شهرا ، والصلاة في كل يوم وليلة خمس مرات ، وهذا أيضا عين اليسر . الثالث : قوله " يسر " أي ذو يسر ، وذلك لأن الالتئام بين الموضوع والمحمول شرط ، وفي مثل هذا لا يكون إلا بالتأويل أو الدين يسر أي عينه على سبيل المبالغة ، فكأنه لشدة اليسر وكثرته نفس اليسر كما يقال أبو حنيفة فقه لكثرة فقهه كأنه صار عين الفقه ، ومنه رجل عدل ، واليسر بضم السين وسكونها نقيض العسر ومعناه التخفيف ثم كون هذا الدين يسرا يجوز أن يكون بالنسبة إلى ذاته ويجوز أن يكون بالنسبة إلى سائر الأديان ، وهو الظاهر لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم كعدم جواز الصلاة في المسجد وعدم الطهارة بالتراب وقطع الثوب الذي يصيبه النجاسة وقبول التوبة بقتل أنفسهم ونحو ذلك ، فإن الله تعالى من لطفه وكرمه رفع هذا عن هذه الأمة رحمة لهم ؛ قال الله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فإن قلت : ما الألف واللام في الدين ؟ قلت : للعهد وهو دين الإسلام ، وقال ابن بطال : المراد أن اسم الدين واقع على الأعمال لقوله " الدين يسر " ثم بين جهة اليسر في الحديث بقوله " سددوا " ، وكلها أعمال ، واليسر اللين والانقياد ، فالدين الذي يوصف باليسر والشدة إنما هي الأعمال . ( وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ) . ف " قول " مجرور لأنه معطوف على الذي أضيف إليه الباب ، فالمضاف إليه مجرور والمعطوف عليه كذلك ، والتقدير باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما استعمل هذا في الترجمة لوجهين أحدهما لكونها متقاصرة عن شرطه أخرجه ههنا معلقا ولم يسنده في هذا الكتاب ، وإنما أخرجه موصولا في كتاب الأدب المفرد والآخر لدلالة معناه على معنى الترجمة ، وأخرجه أحمد بن حنبل وغيره موصولا من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وإسناده حسن ، وأخرجه الطبراني من حديث عثمان بن أبي عاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة بنحوه ، ومن حديث عفير بن معدان عن سليم بن عامر عنه ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ، وطرق هذا عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم . قوله " أحب الدين " كلام إضافي مبتدأ بمعنى المحبوبة لا بمعنى المحب وخبره قوله " الحنيفية " ، والمراد الملة الحنيفية ، فإن قيل : التطابق بين المبتدأ والخبر شرط ، والمبتدأ ههنا مذكر والخبر مؤنث . قلت : كأن الحنيفية غلب عليها الاسمية حتى صارت علما ، أو أن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له . فإن قلت : فيلزم أن تكون الملة دينا وأن تكون سائر الأديان أيضا محبوبا إلى الله تعالى ، وهما باطلان إذ المفهوم من الملة غير المفهوم من الدين وسائر الأديان منسوخة . قلت : قال الكرماني : اللازم الأول قد يلتزم ، وأما الثاني فموقوف على تفسير المحبة أو المراد بالدين الطاعة أي أحب الطاعات هي السمحة . قلت : لا يخلو الألف واللام في الدين أن يكون للجنس أو للعهد ، فإن كان للجنس فالمعنى أحب الأديان إلى الله الحنيفية ، والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ ، وإن كان للعهد فالمعنى أحب الدين المعهود وهو دين الإسلام ، ولكن التقدير أحب خصال الدين ، وخصال الدين كلها محبوبة ولكن ما كان منها سمحا سهلا فهو أحب إلى الله تعالى ، ويدل عليه ما رواه أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خير دينكم أيسره ) ، والمراد بالملة الحنيفية الملة الإبراهيمية عليه الصلاة والسلام مقتبسا من قوله تعالى : مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا والحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم سموا من اختتن وحج البيت حنيفا ، والحنيف المائل عن الباطل إلى الحق ، وسمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام حنيفا لأنه مال عن عبادة الأوثان ؛ قوله " السمحة " بالرفع صفة الحنيفية ومعناها السهلة ، والمسامحة هي المساهلة ، والملة السمحة التي لا حرج فيها ولا تضييق فيها على الناس وهي ملة الإسلام .
( قال زهير : حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ . قال الكرماني : يحتمل أن البخاري ذكره على سبيل التعليق منه ، ويحتمل أن يكون داخلا تحت حديثه السابق سيما لو جوزنا العطف بتقدير حرف العطف كما هو مذهب بعض النحاة ، وقال بعضهم : ووهم من قال إنه معلق ، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقا واحدا . قلت : أما الكرماني فإنه جوز أن يكون هذا مسندا بتقدير حرف العطف ، وحرف العطف لا يجوز حذفه في الاختيار وهو المذهب الصحيح ، وأما القائل المذكور فإنه جزم بأنه مسند ههنا ؛ لأن قوله " ووهم من قال إنه معلق " يدل على هذا ، بل هذا وهم ؛ لأن صورته صورة التعليق بلا شك ، وليس ما بينه وبين ما قبله ما يشركه إياه ، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة سياقا واحدا أن يكون هذا موصولا غير معلق ، وهذا ظاهر لا يخفى ، وما رواه زهير بن معاوية هذا في حديث البراء رضي الله تعالى عنه أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ، وكذا أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) ؛ قوله " إنه " أي إن الشأن ؛ قوله " مات " فعل وفاعله قوله " رجال " ، وقوله " على القبلة " قبل أن تحول معترض بينهما ، وأراد بالقبلة بيت المقدس وهي القبلة المنسوخة و "أن" مصدرية ، والتقدير قبل التحويل إلى الكعبة والذين ماتوا على القبلة المنسوخة قبل تحويلها إلى الكعبة عشرة أنفس ثمانية منهم من قريش وهم عبد الله بن شهاب الزهري والمطلب بن أزهر الزهري والسكران بن عمر والعامري ماتوا بمكة ، وحطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي وعمرو بن أمية الأسدي وعبد الله بن الحارث السهمي وعروة بن عبد العزى العدوي وعدي بن نضلة العدوي واثنان من الأنصار وهما البراء بن معرور بالمهملات وأسعد بن زرارة ماتا بالمدينة ، فهؤلاء العشرة متفق عليهم ، ومات أيضا قبل التحويل إياس بن معاذ الأشهلي لكنه مختلف في إسلامه ؛ قوله " وقتلوا " على صيغة المجهول عطف على قوله " مات رجال " . فإن قلت : كيف يتصور إطلاق القتل على الميت لأن الذي يموت حتف أنفه لا يسمى مقتولا . قلت : قال الكرماني : يحتمل أن يكون المقتولون نفس المائتين ، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعارا بشرفهم واستبعادا لضياع طاعتهم وأن العقل قرينة لكون الواو بمعنى أو . قلت : كلامه يشعر بقتل رجال قبل تحويل القبلة ، وهذا ليس بشيء لأنه لم يعرف قط في الأخبار أن الواحد من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة على أن هذه اللفظة أعني قوله " وقتلوا " لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية ، وفي باقي الروايات كلها ذكر الموت فقط ، فيحتمل أن تكون هذه غير محفوظة ، وقال بعضهم : فإن كانت هذه محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت ، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة فعرض عليه الإسلام فقال : إن هذا القول حسن ، وأتى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث وكانت قبل الهجرة ، قال : فكان قومه يقولون لقد قتل وهو مسلم فيحتمل أن يكون هو المراد ، قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن هذا حكم بالاحتمال فلا يصح . والثاني : قوله " لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ليس كذلك ، فكيف اعتنوا بضبط أسماء العشرة الميتين ولم يعتنوا بضبط الذين قتلوا ، بل الاعتناء بالمقتولين أولى لأن لهم مزية على غيرهم . والثالث : أن الذي وجده في المغازي لا يصلح دليلا لتصحيح اللفظة المذكورة من وجهين أحدهما أن هذا الرجل لم يتفق على إسلامه والآخر أن هذا واحد ، وقوله " وقتلوا " صيغة جمع تدل على أن المقتولين جماعة وأقلها ثلاثة أنفس . والرابع : من وجوه النظر أن وقعة بعاث كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ولم يكن في ذلك الوقت إسلام ، فكيف يستدل بقتل الرجل المذكور في وقعة بعاث على أن قتله كان في وقت كون القبلة هي بيت المقدس ، وهذا ليس بصحيح ، وقال الصغاني : بعاث بالضم على ليلتين من المدينة ويوم بعاث يوم كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ووقع في كتاب العين بالغين المعجمة والصواب بالعين المهملة لا غير ، ذكره في فصل الثاء المثلثة من كتاب الباء الموحدة ؛ قوله " فلم يدر " أي فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية .
( باب الصلاة من الإيمان ) الكلام فيه على وجوه : الأول : إن قوله " باب " خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب ، ويجوز فيه التنوين وتركه بإضافته إلى الجملة ؛ لأن قوله " الصلاة " مرفوع بالابتداء وخبره قوله " من الإيمان " أي الصلاة شعبة من شعب الإيمان . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن من جملة المذكور في حديث الباب الأول الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات وأفضل الطاعات البدنية التي تقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس ، والأوقات الثلاثة هي الغدوة والروحة وشيء من الدلجة ، فوقت صلاة الصبح في الغدوة ، ووقت صلاة الظهر والعصر في الروحة ، ووقت العشاء في جزء الدلجة على قول من يقول من أهل اللغة أن الدلجة سير الليل كله ولما كان العبد مأمورا بالاستعانة بهذه الأوقات وكانت هي أوقات الصلوات الخمس أيضا ، وهي من الإيمان ناسب ذكرها عقيب هذه الأوقات التي يتضمنها الباب الذي قبل هذا الباب على أن هذا الباب إنما ذكر بينه وبين هذا الباب استطرادا للوجه الذي ذكرناه هناك ، وفي الحقيقة يطلب وجه المناسبة بين هذا الباب وباب صوم رمضان احتسابا من الإيمان وهو ظاهر ؛ لأن كلا من الصلاة والصوم من أركان الدين العظيمة ومن العبادات البدنية . الثالث : كون الصلاة من الإيمان ظاهر ولا سيما على قول من يقول الأعمال من الإيمان ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( بني الإسلام على خمس ) الحديث . وقول الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ يعني صلاتكم عند البيت لفظة " قول " يجوز فيها الوجهان من الإعراب الجر عطفا على المضاف إليه ، أعني قوله " الصلاة من الإيمان " ، فإنها جملة أضيف إليها الباب على تقدير ترك التنوين فيه كما ذكرنا والرفع عطفا على لفظة الصلاة ، ثم الكلام فيه على وجوه ، الأول : إن هذه الآية من جملة الترجمة لأن الباب مترجم بترجمتين إحداهما قوله " الصلاة من الإيمان " والأخرى قوله " وقول الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ والمناسبة بين الترجمتين ظاهرة لأن في الآية أطلق على الصلاة الإيمان على سبيل إطلاق الكل على الجزء ، وبين ذلك بقوله الصلاة من الإيمان لأن كلمة " من " للتبعيض ، والمراد الصلاة من بعض الإيمان . الثاني : قال الواحدي في كتاب ( أسباب النزول ) قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي : ( كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتوا على القبلة الأولى منهم سعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بني النجار والبراء بن معرور أحد بني سلمة ، فجاءت عشائرهم في أناس منهم آخرين فقالوا : يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فكيف بإخواننا في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ الآية . الثالث : قال ابن بطال : هذه الآية حجة قاطعة على الجهمية والمرجئة حيث قالوا : إن الأعمال والفرائض لا تسمى إيمانا وهو خلاف النص لأن الله سبحانه وتعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس ، قلت : لا يلزم من الاتفاق على نزولها في صلاتهم إلى بيت المقدس إطلاقها ، وقال ابن إسحاق وغيره في قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى أي ليعطينكم أجرها جميعا ، وقال الزمخشري في ( الكشاف ) : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم ، ويجوز أن يراد : وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم ، وقيل : من صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة ، انتهى ، قلت : هذا ثلاثة أوجه : الأول من قبيل إطلاق المعروض على العارض . والثاني من قبيل الكناية لأن ترك التحويل ملزوم لإضاعة الإيمان . والثالث من قبيل إطلاق الكل على الجزء ثم اللام في قوله " ليضيع " لتأكيد النفي ، فإن قيل : المقام يقتضي أن يقال إيمانهم بلفظ الغيبة ، أجيب بأن المقصود تعميم الحكم للأمة الأحياء والأموات ، فذكر الأحياء المخاطبين تغليبا لهم على غيرهم ، ولا يناسب وضع الآية في الترجمة إلا من الوجه الثالث وهو الذي أشار إليه البخاري بقوله : يعني صلاتكم حيث فسر الإيمان بالصلاة ، وهكذا وقع هذا التفسير في رواية الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث الذي أخرجه البخاري ههنا ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس . الرابع : قوله " عند البيت " أراد به الكعبة شرفها الله تعالى ، وقال النووي : هذا مشكل لأن المراد صلاتكم إلى البيت المقدس ، وكان ينبغي أن يقول أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، وهذا هو مراده فيتأول عليه كلامه ، وقال بعض الشارحين : المراد إلى البيت يعني بيت المقدس أو الكعبة لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس . قلت : إذا أطلق البيت يراد به الكعبة ، ولم يقل أحد أن البيت إذا أطلق يراد به القدس أو أحدهما بالشك ، وقال بعضهم : قد قيل : إن فيه تصحيفا والصواب يعني صلاتكم لغير البيت ، ثم قال : وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب ؛ بيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس ، وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ، وقال آخرون : كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس ، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين ، والأول أصح لأنه يجمع بين القولين ، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس ، فكأنه البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس ، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه ، قلت : هذه اللفظة ثابتة في الأصول صحيحة ، ومعناها صحيح غير أنه اختصر في العبارة ، والتقدير يعني صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس عند البيت أي الكعبة ، فقوله عند البيت يتعلق بذلك المحذوف ، وقول هذا القائل : واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، ثم تطويله بقوله : لأن صلاتهم إلى آخره ، كلام يحتاج إلى دعامة لأن دعواه أولا بقوله : واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، ثم تعليله بقوله : لأن صلاتهم إلى آخره لا تعلق له قط لبيان تصحيح قول البخاري عند البيت وتصحيحه بما ذكرناه ونقله عن بعضهم أن فيه تصحيفا ثم قوله : وعندي أنه لا تصحيف فيه وإن كان كذلك في نفس الأمر لكن لو كان عنده الوقوف على معنى التصحيف كان يقول أولا مثل هذا لا يسمى تصحيفا ، وإنما يقال مشكل كما قاله النووي أو نحو ذلك لأن التصحيف هو أن يتصحف لفظ بلفظ ، وهذا ليس كذلك ، وقال الصغاني رحمه الله : التصحيف الخطأ في الصحيفة ، يقولون : تصحف عليه لفظ كذا فعرفت أن من لم يعرف معنى التصحيف كيف يجيب عنه بالتحريف . 1 - ( حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا زهير قال : حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ) . مطابقة الحديث للآية التي هي إحدى الترجمتين ظاهرة ولكن لا تطابق لصدر الحديث الذي هو إحدى روايتي زهير عن أبي إسحاق لقول صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة من الإيمان ) ، وقول النووي في الحديث فوائد منها ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان إشارة إلى آخر الحديث الذي هو الرواية الثانية لزهير عن أبي إسحاق . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : أبو الحسن عمرو وبفتح العين وسكون الميم ابن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد ابن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني سكن مصر ، وروى عن الليث وأبي لهيعة وغيرهما ، وروى عنه البخاري وانفرد به وأبو زرعة وغيرهما ، وروى ابن ماجه عن رجل عنه ، قال أبو حاتم : صدوق ، وقال العجلي : مصري ثبت ثقة ، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين ، ووقع في رواية القابسي عن عبدوس عن ابن زيد المروزي ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني عمر بن خالد بضم العين وفتح الميم وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الغساني وغيره ، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في رجاله كلهم ، بل ولا رجال الكتب الستة ولهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك أخرج له ابن ماجه وحده وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث . الثاني : زهير بصيغة التصغير بن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم بن الرحيل بضم الراء وفتح الحاء المهملة ابن زهير بن خيثمة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة ، ويكنى بأبي خيثمة الجعفي الكوفي سكن الجزيرة ، سمع السبيعي وحميد الطويل وغيرهما من التابعين وخلقا من غيرهم ، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة واتفقوا على جلالته وحسن لفظه واتقانه ؛ قال أبو زرعة : هو ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط توفي سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة وكان قد فلج قبله بسنة ونصف أو نحوها ، روى له الجماعة . الثالث : أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي ، وقيل عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه ، ورأى عليا وأسامة والمغيرة رضي الله عنهم ، ولم يصح سماعه منهم ، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلقا من الصحابة وآخرين من التابعين ، وعنه التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين والثوري وهو أثبت الناس فيه وخلق من الأئمة ، قال العجلي : سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة ، وقال ابن المديني : روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره ، مات سنة ست ، وقيل سبع ، وقيل ثمان ، وقيل تسع وعشرين ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : البراء بتخفيف الراء وبالمد على المشهور وقيل بالقصر ، وهو أبو عمارة بضم العين ، ويقال : أبو عمرو ، ويقال : أبو الطفيل بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث اتفقا منها على اثنين وعشرين ، وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة ، استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها وافتتح الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة وشهد مع أبي موسى غزوة تستر ، وشهد مع علي رضي الله عنه مشاهده ، توفي أيام مصعب بن الزبير بالكوفة ، روى له الجماعة وأبوه عازب صحابي أيضا ذكره ابن سعد في ( طبقاته ) ، وليس في الصحابة عازب غيره ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده . ( بيان الأنساب ) : الحنظلي نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وفي جعفي أيضا حنظلة بطن وهو ابن كعب بن عوف بن حريم بن جعفي والجزري نسبة إلى الجزيرة ما بين الفرات ودجلة ، قيل لها الجزيرة لأنها مثل الجزيرة من جزائر البحر والحراني نسبة إلى حران مدينة في ديار بكر واليوم خراب ؛ والجعفي بضم الجيم نسبة إلى جعفة بن سعد بن العشيرة بن مالك ، ومالك هو جماع مذحج والهمداني بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة نسبة إلى همدان وهو أوسلة بن مالك بن زيد أوسلة بن ربيعة بن الخيار بالخاء المعجمة المكسورة ابن ملكان بكسر الميم ، ضبطه ابن حبيب ، وقيل : مالك بن زيد بن كهلان والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب بن معاوية بن كبير بن مالك بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان ، وأبعد من قال عرف أبو إسحاق بذلك لنزوله فيهم ، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته أئمة أجلاء ، ومنها أنهم أربعة فقط فإن قيل هذا معلول بعلتين : الأولى أن زهيرا لم يسمع من أبي إسحاق إلا بعد الاختلاط ، قاله أبو زرعة ، وقال أحمد : ثبت بخ بخ ، لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين ، سمع منه بآخره الثانية أبو إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع ، قلت : الجواب عن الأولى أنه لو لم يثبت سماع زهير منه قبل الاختلاط عند البخاري لما أودعه في صحيحه على أنه تابعه عليه عند البخاري إسرائيل بن يونس حفيده وغيره ، وعن الثانية أن البخاري روى في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق سمعت البراء فحصل الأمن من ذلك ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري ههنا عن عمرو بن خالد ، وأخرجه أيضا في التفسير عن أبي نعيم ، وأخرجه أيضا في التفسير ، ومسلم أيضا في الصلاة عن محمد بن المثنى وأبي بكر بن خلاد ، والنسائي أيضا فيهما عن محمد بن بشار ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن الثوري عن أبي إسحاق عنه وأخرجه النسائي أيضا في الصلاة ، وفي التفسير عن محمد بن حاتم عن أبي نعيم عن حبان بن موسى عن عبد الله بن المبارك عن شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق عنه ، وأخرجه الترمذي في الصلاة ، وفي التفسير عن هناد عن وكيع عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق عنه ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد الله بن رجاء ، وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع كلاهما عنه به ، وأخرجه النسائي أيضا في الصلاة ، وفي التفسير عن محمد بن إسماعيل عن إبراهيم عن إسحاق بن يوسف عن المازري عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عنه . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " المدينة " أراد بها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واشتقاقها إما من مدن بالمكان إذا قام به على وزن فعيلة ويجمع على مدائن بالهمزة ، وإما من دان أي أطاع أو من دين أي ملك ، فعلى هذا يجمع على مداين بلا همز كمعايش ، ولها أسماء كثيرة : يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء آخر الحروف وطابة ، والطيب إما لخلوصها من الشرك أو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم ، وقيل لطيب عيشهم فيها ، وتسمى الدار أيضا للاستقرار بها ؛ قوله " قبل بيت المقدس " بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي نحو بيت المقدس وجهته ، والمقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مصدر ميمي كالمرجع أو اسم مكان من القدس وهو الطهر ، أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب أو تطهر العبادة من الأصنام ، وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة ، وهو اسم مفعول من التقديس أي التطهير ، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل أيضا لأنه يقدس العابد فيه من الآثام ، وفي ( العباب ) : القدس ، والقدس مثال خلق ، وخلق الطهر اسم مصدر ومنه حظيرة القدس وروح القدس جبريل عليه السلام ؛ قال الله تعالى : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقيل له روح القدس لأنه خلق من الطهارة ، والقدس البيت المقدس ؛ قوله " أشهد بالله " قال الجوهري : أشهد بالله أي أحلف به . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " كان أول ما قدم المدينة " هذه الجملة خبر إن في محل الرفع و " أول " نصب على الظرف و "ما " مصدرية تقديره في أول قدومه المدينة عند الهجرة من مكة ، وقدم بكسر الدال مضارعه يقدم بالضم ومصدره قدوم ، وأما قدم بالفتح فمضارعه يقدم بالضم أيضا ومصدره قدوم بضم القاف ؛ قال تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وأما قدم بالضم فمضارعه يقدم بالضم أيضا ومصدره قدم بكسر القاف وفتح الدال فهو قديم ، وانتصاب المدينة كانتصاب الدار في قولك دخلت الدار والظروف يتوسع فيها ؛ قوله " نزل " جملة في محل النصب على أنها خبر كان ؛ قوله " من الأنصار " كلمة " من " فيه بيانية ؛ قوله " وأنه " بفتح الهمزة عطف على قوله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ؛ قوله " صلى " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " قبل بيت المقدس " نصب على الحال بمعنى متوجها إليه ؛ قوله " وكان " أي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قوله " يعجبه " خبر كان ؛ قوله " أن يكون " في محل الرفع على أنه فاعل يعجبه وأن مصدرية تقديره وكان يعجبه كون قبلته جهة البيت أي كان يحب ذلك ؛ قوله " وأنه " بفتح الهمزة أيضا عطف على أنه المذكورة قبلها ؛ قوله " صلى " جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " أول صلاة " كلام إضافي منصوب على أنه مفعول صلى ؛ قوله " صلاها " جملة في محل الجر على أنها صفة صلاة ؛ قوله " صلاة العصر " كلام إضافي منصوب على أنه بدل من قوله " أول صلاة " ، وأعربه ابن مالك بالرفع ؛ قوله " وصلى معه " أي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، و " قوم " مرفوع لأنه فاعل صلى ، وقد قلنا غير مرة أن لفظة " قوم " موضوعة للرجال دون النساء ولا واحد له من لفظه وربما دخلت النساء فيه على سبيل التبع . قوله " وهم راكعون " جملة اسمية منصوبة المحل على الحال ؛ قوله " فقال " أي الرجل المذكور ؛ قوله " أشهد بالله " جملة وقعت معترضة بين قال وبين مقول القول وهو قوله " لقد صليت " اللام للتأكيد و " قد " للتحقيق ؛ قوله " قبل مكة " حال أي متوجها إليها ؛ قوله " فداروا " الفاء فيه تسمى الفاء الفصيحة أي سمعوا كلامه فداروا كما في قوله تعالى : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ أي فضرب فانفجرت ، والفاء الفصيحة هي التي تدل على محذوف هو سبب لما بعدها ؛ قوله " كما هم " قال الكرماني : " ما " موصولة و " هم " مبتدأ وخبره محذوف ، ومثل هذه الكاف تسمى بكاف المقارنة أي دورانهم مقارن لحالهم وتبعه على هذا بعضهم مقلدا من غير تحرير ، قلت : الكاف المفردة إما جارة أو غير جارة ، فالجارة حرف واسم ، والحرف له خمسة معان : التشبيه نحو زيد كالأسد ، والتعليل أثبت ذلك قوم ونفاه الآخرون نحو : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ أي لأجل إرسالي فيكم ، والاستعلاء ، ذكره الأخفش والكوفيون نحو كخير جوابا لقول من قال له : كيف أصبحت ، أي على خير ، والمبادرة فيما إذا اتصلت بما نحو سلم كما تدخل ، وصل كما يدخل الوقت ، ذكره ابن الخباز وأبو سعيد السيرافي وهو غريب جدا ، والتوكيد وهي الزائدة نحو : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ التقدير ليس مثله شيء ، وأما اسم الجارة فهي مرادفة لمثل ولا تقع كذلك عند سيبويه والمحققين إلا في الضرورة نحو قوله : ( يضحكن عن كالبرد المنهم ) . وأما الكاف غير الجارة فنوعان مضمر منصوب أو مجرور نحو : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ فإذا عرفت هذا علمت أنه لم يقل أحد في أقسام الكاف كاف المقارنة ، والتحقيق في إعراب هذا الكلام أن نقول : إن الكاف في " كما هم " يحتمل وجهين : الأول أن تكون للاستعلاء كما في قولك كن كما أنت أي على ما أنت عليه ، والتقدير ههنا أيضا فداروا على ما هم عليه ، ثم في إعرابه أوجه : الأول : أن تكون " ما " موصولة و " هم " مبتدأ وخبره محذوف وهو " عليه " . الثاني : أن تكون " ما " زائدة ملغاة والكاف جارة و " هم " ضمير مرفوع أنيب عن المجرور كما في قولك ما أنا كأنت ، والمعنى فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي . الثالث : أن تكون " ما " كافة و " هم " مبتدأ حذف خبره و " هو عليه " أو كائنون . الرابع : أن تكون " ما " كافة أيضا و " هم " فاعل ، والأصل كما كانوا ثم حذف كان فانفصل الضمير . الوجه الثانى : أن تكون الكاف كاف المبادرة كما ذكرنا الآن ، والمعنى فداروا متبادرين في حالهم التي هم فيها ، والوجه الأول هو الأحسن ، فافهم ؛ قوله " قبل البيت " حال أي مواجهين إليه ؛ قوله " قد أعجبهم " الضمير المرفوع المستتر في أعجب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فاعل أعجب و " هم " هو الضمير المنصوب وقع مفعولا ؛ قوله " إذ كان " أي النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الكرماني : وإذ كان بدل الاشتمال وإذ ههنا للزمان المطلق أي أعجبهم زمان كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس لأنه كان قبلتهم فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتهم . قلت : إذ ههنا ظرف بمعنى حين ، والمعنى أعجب اليهود حين كان يصلي عليه السلام قبل بيت المقدس و " إذ " إنما تقع بدلا عن المفعول كما في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ وههنا المفعول هو الضمير المنصوب في قوله " أعجبهم " ، ولا يصح أن يكون بدلا منه لفساد المعنى والضمير المستتر في أعجب ضمير الفاعل ؛ قوله " قبل بيت المقدس " حال أي متوجها إليه ، فإن قلت ما الإضافة التي في بيت المقدس ؟ قلت : إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى ومسجد الجامع ، والمشهور فيه الإضافة وجاء أيضا على الصفة لبيت المقدس ، وقال أبو علي تقديره بيت مكان الطهارة ؛ قوله " وأهل الكتاب " بالرفع عطف على قوله " اليهود " ، فهو من قبيل عطف العام على الخاص ؛ لأن أهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى وغيرهما ممن يعتقد بكتاب منزل ، وقال الكرماني : أو المراد به أي بأهل الكتاب النصارى فقط عطف خاص على خاص ، وقال بعضهم : فيه نظر لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس ، فكيف يعجبهم ؟ قلت : سبحان الله إن هذا عجب شديد كيف لم يتأمل هذا كلام الكرماني بتمامه حتى نظر فيه ، فإنه لما قال المراد به النصارى فقط قال : وجعلوا تابعة لأنه لم تكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود على أن نفس عبارة الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضا لأن قوله " وأهل الكتاب " إذا كان عطفا على اليهود يكونون داخلين فيما وصف به اليهود ، فالنصارى من جملة أهل الكتاب فهم أيضا داخلون فيه ، والأظهر أن يكون وأهل الكتاب بالنصب على أن الواو فيه بمعنى مع أي كان يصلي قبل بيت المقدس مع أهل الكتاب ، وهذا وجه صحيح ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب ، وفي هذا الوجه أيضا يدخل فيهم النصارى لأنهم من أهل الكتاب ؛ قوله " فلما ولى " أي أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجهه نحو القبلة أنكروا ذلك أي أنكر أهل الكتاب توجهه إليها ، فعند ذلك نزل : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ الآية ، وقد صرح البخاري بذلك في روايته من طريق إسرائيل . ( بيان المعاني ) ؛ قوله " كان أول ما قدم المدينة " كان قدومه عليه السلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول حين اشتداد الضحاء وكادت الشمس تعتدل ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ، فالظاهر أن بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهو أبعد من طريق الجادة ؛ قوله " نزل على أجداده أو قال أخواله " الشك من أبي إسحاق ، والمراد بالأجداد هم من جهة الأمومة ، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز لأن هاشما جد أب رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج من الأنصار ، وقال موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وغيرهم أول ما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري ، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم ، وقال ابن سعد : يقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة ، وجاء مبينا في البخاري في كتاب الصلاة من رواية أنس رضي الله عنه قال : فنزل بأعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، فقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم خرج يوم الجمعة ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي في بطن الوادي ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ، فقال ابن إسحاق : فأتاه عتبان بن مالك في رجال من قومه فقالوا : يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدد والمنعة ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة - لناقته - فخلوا سبيلها حتى إذا وازنت دار بني بياضة فتلقاه قوم فقالوا له مثل ذلك ، فقال لهم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها حتى مر ببني ساعدة فقالوا له مثل ذلك ، فقال لهم مثل ما تقدم ثم دار ببني الحرث بن الخزرج ، فكذلك ، ثم دار بني عدي بن النجار وهم أخواله ، فإن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، وكان هاشم بن عبد المطلب قدم المدينة فتزوج سلمى ، وكانت شريفة لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلا فارقته ، فولدت لهاشم عبد المطلب ، فقالوا : يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدد والمنعة ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب المسجد وهو يومئذ مربد ، فلما بركت ورسول الله عليه السلام عليها لم ينزل وثبت ، فسارت غير بعيد ورسول الله عليه السلام واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى منزلها أول مرة فبركت ، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه رحله فوضعه في بيته فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب ، ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عند أبي أيوب سبعة أشهر وبعث وهو في بيت أبي أيوب زيدا وأبا رافع من مواليه فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة زوجته رضي الله عنهن ، قلت : فعلى هذا إنما نزل النبي صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم وهو أوسي من بني عمرو بن عوف ، وفي الثاني على أبي أيوب خالد بن زيد ، وليسا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده ، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار ، وقد مر بهم ونزل على بني مالك أخي عدي ، فيجوز أن يكون ذكر ذلك تجوزا لعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما ، وقال النووي : قوله أجداده أو أخواله شك من الراوي وهم أخواله وأجداده مجازا لأن هاشما تزوج من الأنصار . قوله " ثم تحلحلت " ، يقال تحلحل الشيء عن مكانه أي زال ، وحلحلت الناقة إذا قلت بها حل وهو بالتسكين وهو زجر لها وهو بالحاء المهملة ؛ قوله " ورزمت " بتقديم الراء على الزاي المعجمة ، يقال رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بالضم قامت من الإعياء والهزل ولم تتحرك فهي رازم ؛ قوله " جرانها " بكسر الجيم وجران البعير مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره والجمع جرن بضمتين . قوله " ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا " كذا وقع الشك في رواية زهير ههنا ، وفي الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه ، وكذا في الترمذي عنه ، وفي رواية إسرائيل عند الترمذي أيضا ، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال : ستة عشر من غير شك ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص ، والنسائي من رواية أبي زكريا بن أبي زائدة وشريك ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن رزيق بتقديم الراء المضمومة كلهم عن أبي إسحاق ، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف سبعة عشر ، وكذا للطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ونص النووي على صحة ستة عشر لإخراج مسلم إياها بالجزم فيتعين اعتمادها ، وقال الداودي : إنه الصحيح قبل بدر بشهرين وهو قول ابن عباس والحربي ؛ لأن بدرا كانت في رمضان في السنة الثانية ، ونص القاضي على صحة سبعة عشر وهو قول ابن إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس . فإن قلت : كيف الجمع بين الروايتين ؟ قلت : وجه الجمع أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة فيه ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ومن شك تردد في ذلك ، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور . ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس وجاءت فيه روايات أخرى ، ففي سنن أبي داود : ثمانية عشر شهرا ، وكذا في سنن ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق وأبو بكر سيء الحفظ ، وعند ابن جرير من طريقه في رواية : سبعة عشر ، وفي رواية : ستة عشر ، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان وهو الذي ذكره النووي في ( الروضة ) وأقره مع كونه رجح في شرحه رواية : ستة عشر شهرا ؛ لكونها مجزوما بها عند مسلم ، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان ، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة ، وحكى المحب الطبري ثلاثة عشر شهرا ، وفي رواية أخرى : سنتين ، وأغرب منهما تسعة أشهر وعشرة أشهر ، وهما شاذان ، وقال أبو حاتم بن حبان : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء ؛ لأن قدومه عليه السلام من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان ، وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر وهو غريب ، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عد شهر الهجرة وهو ربيع الأول أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب ، وفي ابن ماجه : إنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين ، وقال إبراهيم بن إسحاق : حولت في رجب ، وقيل : في جمادى ، فحصلت في تعيين الشهر أقوال ، والله تعالى أعلم . قوله " صلاة العصر " كذا هو ههنا صلاة العصر ، وجاء أيضا من رواية البراء أخرجها البخاري في الصلاة وفيه : فصلى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال لهم ، فانحرفوا ، فقيد الأولى بالعصر في الحديث الأول وأطلق الثانية ، وقيد في الحديث الثاني الثانية بالعصر وأطلق الأولى ، وجاء في البخاري في كتاب خبر الواحد تقييده الصلاتين بالعصر ، فقال من رواية البراء أيضا : فوجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر ، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال لهم : هو يشهد أنه صلى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر وأنه قد وجه إلى الكعبة ، قال : فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر ، وكذا جاء في الترمذى أيضا أن الصلاتين كانتا العصر ، ولم يذكر مسلم ولا النسائي في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر ولا غيرهما ، وجاء في البخاري والنسائي ومسلم أيضا في كتاب الصلاة من حديث مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : ( بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ) ، وفيه : ( فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) ، وكذلك أيضا جاء في مسلم من رواية ثابت عن أنس كرواية ابن عمر أنها الصبح ، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وطريق الجمع بين رواية العصر والصبح أن التي صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة وهي العصر ، فهذا من رواية البراء ، وأما رواية ابن عمر وأنس رضي الله عنهما أنها الصبح ، فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم ، وعلى هذا يقع الجمع بين الأحاديث ، فالذي مر بهم ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة ومر عليهم في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فأتاهم في صلاة الصبح كما جاء مصرحا به في الروايات ، وقال الشيخ قطب الدين : ومال بعض المتأخرين ممن أدركناهم إلى ترجيح رواية الصبح ، قال : لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس وأهملت في بعض الروايات حديث البراء وعينت بالعصر في بعض الطرق . قال : فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين ، قلت : الأول هو الصواب ، وقد قال النووي : لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة ، فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح ، وممن بينه كما روى أبو داود مرسلا عن بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع أهلها آذان بلال رضي الله عنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلون في مساجدهم ، وأقربها مسجد بني عمرو بن مندول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني زريق ، ومسجد عفان ، ومسجد سلم ، ومسجد جهينة ، وشك في تعيين التاسع . قوله " فخرج رجل " وهو عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء بن أساف الخطمي صلى إلى القبلتين مع النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت ، قاله ابن عبد البر ، وقال ابن بشكوال هو عباد بن بشر الأشهلي ، ذكره الفاكهي في أخبار مكة عن خويلد بنت أسلم ، وكانت من المبايعات ، وفيه قول ثالث أنه عباد بن وهب رضي الله عنه ؛ قوله " فمر على أهل مسجد " هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويعرف بمسجد القبلتين ، ومر عليهم المار في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح كما قررناه آنفا ، وقال الكرماني : لفظ الكتاب يحتمل أن يكون المراد من " مسجد " هو مسجد قباء ومن لفظ " هم راكعون " أن يكونوا في صلاة الصبح اللهم إلا أن يقال الفاء التعقيبية لا تساعده ، قلت : بالاحتمال لا يثبت الحكم ، والتحقيق فيه ما ذكرناه الآن ؛ قوله " وهم راكعون " يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : فيه دليل على صحة نسخ الأحكام وهو مجمع عليه إلا طائفة لا يعبأ بهم ، قلت : النسخ جائز في جميع أحكام الشرع عقلا ، وواقع عند المسلمين أجمع شرعا خلافا لليهود لعنهم الله ، فعند بعضهم باطل نقلا وهو ما جاء في التوراة تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض فادعوا نقله تواترا ويدعون النقل من موسى عليه السلام أنه قال : لا نسخ لشريعته ، وعند بعضهم باطل عقلا ، والدليل على جوازه ووقوعه المعقول والمنقول ، أما النقل فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعا في شريعة آدم عليه السلام وبه حصل التناسل ، وهذا لا ينكره أحد ، وقد ورد في التوراة أنه أمر آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه ثم نسخ ، وكذا استرقاق الحر كان مباحا في عهد يوسف عليه السلام حتى نقل عنه أنه استرق جميع أهل مصر عام القحط بأن اشترى أنفسهم بالطعام ثم نسخ ، وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل شريعة موسى عليه السلام ثم نسخ بعدها بشريعته ، ودعواهم النص في التوراة على ما زعموا باطلة لأنه ثبت قطعا عندنا بإخبار الله تعالى أنهم حرفوا التوراة فلم يبق نقلهم حجة ، ولهذا قلنا لم يجز الإيمان بالتوراة التي في أيديهم حتى بالغ بعض الشافعية وجوزوا الاستنجاء بذلك ، بل إنما يجب الإيمان بالتوراة التي أنزلت على موسى مع أن شرط التواتر لم يوجد في نقل التوراة إذ لم يبق من اليهود عدد التواتر في زمن بختنصر ؛ لأن أهل التواريخ اتفقوا على أنه لما استولى بختنصر على بني إسرائيل قتل رجالهم وسبى ذراريهم وأحرق أسفار التوراة حتى لم يبق فيهم من يحفظ التوراة ، وزعموا أن الله ألههم عزيرا عليه السلام حتى قرأه من صدره ولم يكن أحد قرأه حفظا لا قبله ولا بعده ، ولهذا قالوا بأنه ابن الله وعبدوه ثم دفع عزير عند موته إلى تلميذ له ليقرأه على بني إسرائيل فأخذوا عن ذلك الواحد ، وبه لا يثبت التواتر ، وزعم بعضهم أنه زاد فيها شيئا وحذف شيئا ، فكيف يوثق بما هذا سبيله ؟ فثبت أن ما ادعوا من تأييد شريعة موسى عليه السلام افتراء عليه ، ويقال : إن ما نقلوا عن موسى عليه السلام من قوله " تمسكوا بالسبت " إلخ ، مختلق مفترى ، ويقال : إن هذا مما اختلقه ابن الراوندي عليه مما يستحق . الثاني فيه الدليل على نسخ السنة بالقرآن وهو جائز عند الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة ، وللشافعي فيه قولان قال في إحدى قوليه : لا يجوز كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولا واحدا ، وقال عياض : أجازه الأكثر عقلا وسمعا ، ومنعه بعضهم عقلا ، وأجازه بعضهم عقلا ومنعه سمعا ، قال الإمام فخر الدين الرازي : قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم ، واستدل المجوزون على المسألة الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتا بالكتاب ، وقد نسخ بقوله تعالى : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وأجيب من جهة الشافعي بأنما هي نسخ قرآن بقرآن ، وأن الأمر كان أولا بتخبير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم نسخ باستقبال القبلة ، وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى : أَقِيمُوا الصَّلاةَ مجمل فسر بأمور منها التوجه إلى بيت المقدس فيكون كالمأمور به لفظا في الكتاب ، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة وباحتمال أن المنسوخ كان قرآنا نسخ لفظه ، وقال بعضهم : النسخ كان بالسنة ونزل القرآن على وفقها ، ورد الأول والثاني بأنا لو جوزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلا فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ والثالث مجرد دعوى فلا تقبل ، قالوا : قال الله تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ وصفه بكونه مبينا ، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن لم يكن النبي مبينا واللازم باطل فالملزوم مثله ، أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكما ثم نسخه الله تعالى بقوله لم يتحقق التبيين منه لأن المنسوخ مرفوع لا مبين ؛ لأن النسخ رفع لا بيان ، وأما بطلان اللازم فلقوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ حيث وصفه بكونه مبينا ، قلنا : لا نسلم الملازمة لأن المراد بالتبيين البيان ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان ، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان ، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرها لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة ، وقالوا : لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعن طاعته لأنه يوهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول عليه السلام ، واللازم باطل لأنه مناقض للبعثة فالملزوم كذلك ، قلنا : الملازمة ممنوعة لأنه إذا علم أنه مبلغ فلا تنفير ولا تنفر لأن الكل من عند الله تعالى . الثالث : فيه جواز النسخ بخبر الواحد ، قال القاضي : وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به ، وأن الدليل الموجب لثبوته أولا غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره ، قلت : اختاره الإمام الغزالي والباجي من المالكية وهو قول أهل الظاهر . الرابع : قال المازري وغيره : اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف ؟ ويحتج بهذا الحديث لأحد القولين وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة ولم يعيدوا ما مضى ، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ ، وقال غيره : فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فعل من العبادات بعد النسخ وقبل البلاغ هل يعاد أم لا ؟ ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل عليه السلام ، وقال الطحاوي : وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض غير لازم والحجة غير قائمة عليه . وقال القاضي : قد اختلف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلم الشرائع ولا علم أن الله تعالى فرض شيئا من الشرائع ثم علم بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعملها ، فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى إلزامه وأنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك ، وذهب أبو حنيفة أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط ، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه قال : وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه . الخامس : قال الإمام المازري : بنوا على مسألة الفسخ مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل ولم يعلم ، فعلى القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود لا تمضي أفعاله وعلى الثاني هي ماضية ، قال القاضي : ولم يختلف المذهب عندنا فيمن أعتق ولم يعلم بعتقه أن حكمه حكم الأحرار فيما بينه وبين الناس ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فجائز ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر ، وإنما اختلفوا فيمن هو فيها بناء على هذه المسألة وفعل الأنصاري في الصلاة كالأمة تعلم بالعتق في أثناء صلاتها . قلت : ومذهب الشافعي فيمن أعتقت ولم تعلم حتى فرغت من الصلاة وكانت قادرة على الستر ، هل تجب الإعادة عليها ؟ فيه قولان للشافعي كمن صلى بالنجاسة ناسيا عنده وإن أعتقت في أثنائها وعلمت بالعتق ، فإن عجزت مضت في صلاتها وإن كانت قادرة على الستر وسترت قريبا صح ، وإن مضت مدة في التكشف قطعت واستأنفت على الأصح من المذهب . السادس : فيه دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث ، وعادة الصحابة رضي الله عنهم قبول ذلك وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا إلى الآفاق ليعلموا الناس دينهم ويبلغوهم سنة رسولهم . السابع : فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة ومراعاة السمت ليلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها . الثامن : فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي ، فمن صلى إلى جهة باجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعي . التاسع : فيه جواز الاجتهاد بحضرة النبي عليه السلام ، وفيه خلاف لأنه كان يمكنهم أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا ، فرجحوا البناء وهو محل الاجتهاد . العاشر : فيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة شرفها الله تعالى . الحادي عشر : يحتج به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ لا يلزم الإعادة لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم ونفس الأمر ، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر فلم يؤمروا بالإعادة . الثاني عشر : فيه استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم . الثالث عشر : إن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحا في الرضى بل هو محبوب . الرابع عشر : فيه تمني تغيير نفس الأحكام إذا ظهرت المصلحة . الخامس عشر : فيه الدلالة على شرف النبي عليه الصلاة والسلام وكرامته على ربه حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال . السادس عشر : فيه بيان ما كان من الصحابة في الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الخصومات أي هذا كتاب في بيان الخصومات ، وهو جمع خصومة وهي اسم ، قال الجوهري : خاصمه مخاصمة وخصاما ، والاسم الخصومة ، والخصم معروف يستوي فيه الجمع والمؤنث لأنه في الأصل مصدر ، ومن العرب من يثنيه ويجمعه ، فيقول : خصمان وخصوم ، والخصيم أيضا الخصم ، والجمع خصما ، والخصم بكسر الصاد شديد الخصومة ، ووقع للأكثرين ما يذكر في الأشخاص ، والخصومة بين المسلم واليهود ، ووقع لبعضهم واليهودي بالإفراد ، وفي رواية أبي ذر : ما يذكر في الخصومات والملازمة والأشخاص ، وفي بعض النسخ : باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي ، قال ابن التين : يقال : شخص بفتح الخاء من بلد إلى بلد أي ذهب ، والمصدر شخوصا وأشخصه غيره ، وشخص التاجر خرج من منزله ، وشخص بكسر الخاء رجع ، ذكره ابن سيده . 1 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، قال عبد الملك بن ميسرة : أخبرني ، قال : سمعت النزال ، قال : سمعت عبد الله يقول : سمعت رجلا قرأ آية ، قال : سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم خلافها ، فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : كلاكما محسن ، قال شعبة : أظنه قال : لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا . مطابقته للترجمة في قوله لا تختلفوا إلى آخره لأن الاختلاف الذي يورث الهلاك هو أشد الخصومة ، وأشار بعضهم إلى أن الترجمة في قوله فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال إنه المناسب للترجمة ، قلت : الذي قلته هو الأنسب لأن فيما ذكره احتمال الخصومة ، والذي ذكرته فيه الخصومة المحققة على ما لا يخفى . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، الثاني : شعبة بن الحجاج ، الثالث : عبد الملك بن ميسرة الهلالي ، يقال له الزراد بالزاي وتشديد الراء ، الرابع النزال بفتح النون وتشديد الزاي ابن سبرة بفتح السين وسكون الباء الموحدة الهلالي ، الخامس : عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه تقديم الراوي على الصيغة وهو جائز عند المحدثين ، وفيه السماع في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري وشعبة واسطي وعبد الملك كوفي والنزال صحابي فيما ذكره أبو عمر فإنه ذكره في جملة الصحابة وغيره ، ذكره في التابعين الكبار ، فعلى قول أبي عمر : فيه رواية الصحابي عن الصحابي ، وعلى قول غيره : فيه رواية التابعي عن التابعي لأن عبد الملك من التابعين ، وفيه أن النزال ليس له في البخاري إلا هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود وآخر في الأشربة عن علي رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه البخاري أيضا في ذكر بني إسرائيل وفي فضائل القرآن عن سفيان بن حرب ، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الأعلى . ( ذكر معناه ) قوله قرأ آية وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله : أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سورة الرحمن ، فخرجت إلى المسجد عشية ، فجلست إلى رهط ، فقلت لرجل : اقرأ علي ، فإذا هو يقرأ حرفا لا أقرؤها ، فقلت : من أقرأك ؟ قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : اختلفنا في قراءتنا ، فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تغيير ، ووجد في نفسه حين ذكرت الاختلاف ، وقال : إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف ، فأمر عليا رضي الله تعالى عنه ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم ، فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف ، قال : فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفا لا يقرأ صاحبه ، انتهى . فهذا يدل على أن كلا منهما ما خرج عن قراءة السبعة ، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلاكما محسن أي في القراءة ، وإفراد الخبر باعتبار لفظ كلا ، وأما أصل السبعة فما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بن كعب ، قال : قرأ رجل آية وقرأتها على غير قراءته ، فقلت : من أقرأك هذه ؟ قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلقت فقلت : يا رسول الله ، أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : نعم ، فقال الرجل له : أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : نعم ، إن جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام أتياني ، فجلس جبريل عن يميني وميكائيل عليه الصلاة والسلام عن يساري ، فقال جبريل : يا محمد ، اقرأ القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقلت : زدني ، فقال : اقرأ على حرفين ، فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ سبعة أحرف ، وقال : كل كاف شاف ، وفي لفظ : أنزل علي القرآن على سبعة أحرف ، وعند الترمذي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ، إني بعثت إلى أمة أمية ، منهم العجوز والشيخ الكبير ، والغلام والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط ، قال : يا محمد ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ؟ قوله : قال شعبة : هو بالإسناد المذكور ، قوله أظنه قال أي قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تختلفوا ، أي لا تختلفوا في القرآن ، والاختلاف فيه كفر إذا نفى إنزاله إذا كان يقرأ خلاف ذلك ، ولا يخير بين القراءتين لأنهما كلاهما كلامه قديم غير مخلوق ، وإنما التفضيل في الثواب ، وفي معجم أبي القاسم البغوي : حدثنا عبد الله بن مطيع ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن يزيد بن خصيفة ، عن مسلم بن معبد ، عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر . ورواه أيضا أبو عبيد بن سلام في كتاب القراآت تأليفه عن إسماعيل بن جعفر .
4 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، قيل : من فعل هذا بك ؟ أفلان ؟ أفلان ؟ حتى سمي اليهودي ، فأومت برأسها فأخذ اليهودي فاعترف ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بين حجرين . مطابقته للترجمة من حيث إنه يشتمل على خصومة بين يهودي وجارية من الأنصار ، وموسى هو ابن إسماعيل المذكور وهمام على وزن فعال بالتشديد ابن يحيى بن دينار البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الوصايا عن حسان بن أبي عباد ، وفي الديات عن حجاج بن منهال وعن إسحاق عن ابن حبان ، وأخرجه مسلم في الحدود عن هدبة بن خالد ، وأخرجه أبو داود في الديات عن علي بن محمد عن محمد بن كثير ، وأخرجه الترمذي فيه والنسائي في القود جميعا عن علي بن حجر ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن علي بن محمد عن وكيع . ( ذكر معناه ) قوله رض بتشديد الضاد المعجمة أي دق ، يقال : رضضت الشيء رضا فهو رضيض ومرضوض ، وقال ابن الأثير : الرض الدق الجريش ، قوله رأس جارية كانت هذه الجارية من الأنصار كما صرح به في رواية أبي داود ، واختلفت ألفاظ هذا الحديث فهاهنا رض رأس جارية بين حجرين وفي رواية للبخاري على ما سيأتي أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بين حجرين ، وفي رواية للطحاوي : عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها ، وفي رواية لمسلم : فرضخ رأسها بين حجرين ، وفي رواية لأبي داود : أن يهوديا قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ، رضخ رأسها بالحجارة فأخذ ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات ، وفي رواية الترمذي : خرجت جارية عليها أوضاح فأخذها يهودي فرضخ رأسها وأخذ ما عليها من حلي ، قال : فأدركت وبها رمق ، فأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من قتلك ؟ الحديث . قلت : الاختلاف في الألفاظ لا في المعاني ، فإن الرضخ والرض والرجم كله عبارة هاهنا عن الضرب بالحجارة ، والأوضاح جمع وضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها ، والرضخ بالضاد والخاء المعجمتين وهو الدق والكسر هنا ويجيء بمعنى الشدخ أيضا وبمعنى العطية ، قوله : أفلان أفلان ؟ الهمزة فيهما للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله فأومت كذا ذكره ابن التين ، ثم قال : صوابه فأومأت وثلاثيه ومأ ، وفي المطالع : يقال منه ومأ وأومأ ، وفي الصحاح : أومأت إليه أشرت ، ولا تقل : أوميت وومأت إليه إماء ووماء لغة ، وهذا معتل الفاء مهموز اللام . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن ، وابن سيرين ومالك والشافعي ، وأحمد وأبو ثور وإسحاق ، وابن المنذر وجماعة من الظاهرية على أن القاتل يقتل بما قتل به ، وقال ابن حزم : قال مالك : إن قتله بحجر أو بعصا أو بالنار أو بالتفريق قتل بمثل ذلك يكرر عليه أبدا حتى يموت ، وقال الشافعي : إن ضربه بحجر أو بعصا حتى مات ضرب بحجر أو بعصا أبدا حتى يموت ، فإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس مثل المدة حتى يموت فإن لم يمت قتل بالسيف ، وهكذا إن غرقه وهكذا إن ألقاه من مهواة عالية فإن قطع يديه ورجليه فمات قطعت يدا القاتل ورجلاه فإن مات وإلا قتل بالسيف ، وقال أبو محمد : إن لم يمت ترك كما هو حتى يموت لا يطعم ولا يسقى ، وكذلك إن قتله جوعا أو عطشا عطش أو جوع حتى يموت ولا تراعى المدة أصلا ، وقال ابن شبرمة : إن غمسه في الماء حتى مات غمس حتى يموت ، وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله : لا يقتل القاتل في جميع الصور إلا بالسيف ، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود الطيالسي ، عن قيس ، عن جابر الجعفي ، عن أبي عازب ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا قود إلا بحديدة . ورواه الطحاوي ، حدثنا ابن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن جابر ، عن أبي عازب ، عن النعمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، وأخرجه الدارقطني : حدثنا محمد بن سليمان النعماني ، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الجرجرائي ، حدثنا موسى بن داود ، عن مبارك ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، قيل للحسن : عمن ؟ قال : سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك ، وقيل : عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أبي بكرة مرفوعا . رواه الوليد بن صالح عنه ، وأخرجه ابن أبي شيبة مرسلا ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن أشعث وعمرو بن عبيد ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف . وجه الاستدلال به أن معناه لا قصاص حاصل إلا بالسيف ، وقد علم أن النكرة في موضع النفي تعم ، ويكون المعنى لا فرد من أفراد القود إلا وهو مستوفى بالسيف ، وقيل : النفي والاستثناء ، وهو طريق من طرق القصر وتحقيق القصر فيه أنه لما قيل : لا قود ، توجه النفي إلى ذات القود ، فانتفى القود المنكر الشامل لكل واحد من أفراد القود ، ولما قيل : إلا بالسيف جاء القصر وفيه إثبات ذلك القود المنفي بالسيف ، وإنما قلنا : توجه النفي إلى ذات القود ؛ لأن القود معنى من المعاني وليس له قيام إلا بالذات ، والذات لا يتوجه إليه النفي ، ولهذا نقول : المنفي في قولنا إنما زيد قائم هو اتصاف زيد بالقيام لا ذات زيد لأن أنفس الذوات أي الأجسام يمتنع نفيها كما بين ذلك في الطبيعيات . فإن قلت : قال البيهقي : هذا حديث لم يثبت له إسناد ، وجابر الجعفي مطعون فيه ، قلت : الجعفي وإن طعن فيه فقد قال وكيع : مهما تشككتم فيه فلا تشكوا في أن جابرا ثقة ، وقال شعبة : صدوق في الحديث ، وقال الثوري لشعبة : لئن تكلمت في جابر لتكلمت فيك ، وقال الذهبي في الكاشف : إن ابن حبان أخرج له في صحيحه وقد تابع الثوري أيضا قيس بن الربيع كما ذكرنا في رواية الطيالسي ، وقال عفان : كان قيس ثقة وثقه الثوري وشعبة ، وقال أبو داود الطيالسي : هو ثقة حسن الحديث ، ثم إنا ولئن سلمنا ما قاله البيهقي فقد وجدنا شاهدا لحديث النعمان المذكور وهو ما رواه ابن ماجه : حدثنا إبراهيم بن المستمر ، حدثنا الحر بن مالك العنبري ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف . وسنده جيد ، وابن المستمر صدوق ، كذا قال النسائي والحر : قال ابن أبي حاتم في كتابه : سألت أبي عنه ، فقال : صدوق ، والمبارك وإن تكلم فيه فقد أخرج له البخاري في المبايعات في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : يخوف الله عباده بالكسوف ، وأخرج له ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ووثقه ، وقال عفان : كان ثقة ووثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى ، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه ، وروي أيضا نحوه عن أبي هريرة ، أخرجه البيهقي من سننه من حديث ابن مصفى : حدثنا بقية ، حدثنا سليمان ، عن الزهري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بالسيف ، ثم قال البيهقي : ورواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ هو سليمان بن أرقم ، عن الزهري هكذا ، وعن أبي معاذ ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا قود إلا بسلاح ، ورواه معلى بن هلال عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قود إلا بحديدة ، وروى أيضا عن أبي سعيد الخدري أخرجه الدارقطني ، عن عبد الصمد بن علي ، عن الفضل بن عباس ، عن يحيى بن غيلان ، عن عبد الله بن بزيع ، عن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، عن جابر ، عن أبي عازب ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القود بالسيف والخطأ على العاقلة ، وهذا الحديث كما رأيت قد روي عن النعمان بن بشير ، وأبي بكرة ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن مسعود ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم . ولا شك أن بعضها يشهد لبعض وأقل أحواله أن يكون حسنا ، فإذا كان حسنا صح الاحتجاج به . وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله تعالى إذا كان إنما قتل على مال ، قد بين ذلك في الحديث الذي فيه الأوضاح كما يجب دم قاطع الطريق لله تعالى ، فكأن له أن يقتله كيف شاء بسيف أو بغيره ، وأيضا روي في هذا الحديث فيما رواه مسلم وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم أمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات ، وقد مر عن قريب فدل ذلك أن قتل القاتل لا يتعين أن يكون بما قتل به ، وجواب آخر أن ذلك كان حين كانت المثلة مباحة كما فعل صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ثم نسخت بعد ذلك ونهى عنها صلى الله عليه وسلم . وفيه إيماء تلك الجارية ، واختلف العلماء في إشارة المريض ، فذهب الليث ومالك والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من حضره جازت وصيته ، وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري : إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم ، قال أبو حنيفة : وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم ، وأما من اعتقل لسانه ولم يوم به ذلك فلا تجوز إشارته ، وقال صاحب التوضيح : قلت : الحديث حجة عليه ، قلت : لو أدرك ما ذكرناه آنفا لما اجترأ بإبراز هذا الكلام فلا يكثر مثل هذا على قاصر الفهم وفائت الإدراك ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بإشارة الجارية في قتل اليهودي وإنما قتله باعترافه ، وقال الإسماعيلي : من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام لكن تقع موقع الدلالة على ما يراد لا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره ، ولو كان كذلك لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء ، وقال بعض الشافعية : في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة حيث لم يوجب القصاص فيمن قتل بمثقل عمدا ، وإنما يجب عنده دية مغلظة ، والحديث حجة عليه وخالفه غيره من الأئمة : مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء ، والجواب عن هذا أن عادة ذلك اليهودي كانت قتل الصغار بذلك الطريق فكان ساعيا في الأرض بالفساد ، فقتل سياسة واعترضوا بأنه لو قتل لسعيه في الأرض بالفساد لما قتل مماثلة برض رأسه بين الحجرين ، ورد بأن قتله مماثلة كان قبل تحريم المثلة فلما حرمت نسخت فكان القتل بعد ذلك بالسيف ، وفيه بيان أن الرجل يقتل بالمرأة وهو مجمع عليه عند من يعتد بإجماعه ، وفيه خلاف شاذ ، وفيه قتل الكافر بالمسلم والله أعلم .
2 - حدثنا يحيى بن قزعة ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : استب رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود ، قال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين ، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي ، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله ؟ مطابقته للترجمة في قوله استب رجلان ، فإن الاستباب عن اثنين لا يكون إلا بالخصومة ، ورجاله قد ذكروا غيرة مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد وفي الرقاق عن يحيى بن قزعة وعبد العزيز بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن زهير بن حرب وأبي بكر بن أبي النضر ، وأخرجه أبو داود في السنة عن حجاج بن أبي يعقوب ومحمد بن يحيى بن فارس ، وأخرجه النسائي في النعوت وفي التفسير عن محمد بن عبد الرحيم . ( ذكر معناه ) قوله عن أبي سلمة وعن عبد الرحمن الأعرج يعني الزهري يروي عنهما جميعا ، وهما يرويان جميعا عن أبي هريرة ، ويروي عن ابن شهاب والأعرج . قوله استب رجلان من السب وهو الشتم ، من سبه يسبه سبا وسبابا ، قوله رجل أي أحدهما رجل من المسلمين ، قيل : هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، ووقع في جامع سفيان عن عمرو بن دينار أن الرجل الذي لطم اليهودي هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، قوله ورجل من اليهود أي والآخر رجل من اليهود ذكر في تفسير ابن إسحاق أن اليهودي اسمه فنحاص ، وفيه نزل قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ قوله والذي اصطفى محمدا أي والله الذي اختار محمدا على العالمين ، وأصل اصطفى اصتفى لأنه من الصفوة ، فلما نقل صفا إلى باب الافتعال ، فقيل : اصتفى قلبت تاؤه طاء لأن الصاد من المجهورة والتاء من المهموسة فلا يعتدلان ، قوله لا تخيروني أي لا تفضلوني على موسى ، فإن قلت : نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين ، وقال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، فما وجه قوله لا تخيروني أي تفضلوني ؟ قلت : الجواب عنه من أوجه : الأول : أنه قبل أن يعلم أنه أفضلهم ، فلما علم قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر . الثاني : أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإنه كفر . الثالث : أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما في الحديث من لطم المسلم اليهودي . الرابع : أنه قال تواضعا ونفيا للكبر والعجب . الخامس : أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوة لا في ذوات الأنبياء عليهم السلام وعموم رسالتهم وزيادة خصائصهم ، وقد قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وقال ابن التين : معنى لا تخيروا بين الأنبياء يعني من غير علم ، وإلا فقد قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وأغرب ابن قتيبة فأجاب بأنه سيد ولد آدم يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض ، قوله يصعقون يعني يخرون صراعا بصوت يسمعونه يوجب فيهم ذلك ، من صعق يصعق من باب علم يعلم ، وقال ابن الأثير : الصعق أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه ، وربما مات منه ثم استعمل في الموت كثيرا ، والصعقة المرة الواحدة منه ، وقال النووي : الصعق والصعقة الهلاك والموت ، يقال : منه صعق الإنسان بفتح الصاد وضمها ، وأنكر بعضهم الضم ، منهم القزاز فإنه قال : لا يقال صعق ولا هو مصعوق ، وقال الطبري بإسناده عن ابن عباس : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ترابا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا قال : مغشيا عليه ، وفي رواية : فلم يزل صعقا ما شاء الله ، وقال ابن الجوزي : وهو بالموت أشبه ، وفي تفسير الطبري عن قتادة وابن جريج : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا قالا : ميتا ، وفي التهذيب للأزهري : قوله تعالى فَلَمَّا أَفَاقَ دليل الغشي لأنه يقال للمغشي عليه وللذي ذهب عقله : قد أفاق ، وفي الميت : بعث ونشر ، قوله : فأكون أول من يفيق ، وفي لفظ : أول من تنشق عنه الأرض ، قيل : هو مشكل لأن الأحاديث دالة على أن موسى قد توفي وأنه صلى الله عليه وسلم زاره في قبره ، وجه الإشكال أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيا في هذه الدار ، فأما من مات فيستحيل أن يموت ثانيا وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث ، وموسى قد مات فلا يصح أن يموت مرة أخرى ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة الصعق ؛ لأن المستثنين أحياء لم يموتوا ولا يموتون ، ولا يصح استثناؤهم من الموتى ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد الموت حين تنشق السموات والأرض ، وقال النووي : يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء وهو باطل ، وقال القاضي : يحتمل أن يكون المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد الموت حين تنشق السموات والأرض ، وقال النووي : يحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره ، وأن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض ، فيكون موسى عليه الصلاة والسلام من تلك الزمرة وهي والله أعلم زمرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإن قلت : إذا جعلت له تلك عوضا من الصعقة فيكون حيا حالة الصعق وحينئذ لم يصعق ، قلت : الموت ليس بعدم إنما هو انتقال من دار إلى دار ، فإذا كان هذا للشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى مع أنه صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد اجتمع بهم ليلة الإسراء ببيت المقدس والسماء خصوصا بموسى عليه الصلاة والسلام ، فتحصل من جملة هذا القطع بأنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة عليهم الصلاة والسلام فإنهم موجودون أحياء لا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله تعالى بكرامته ، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماوات والأرض ، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السموات والأرض إلا من شاء الله ، فأما صعق غير الأنبياء فموت ، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حي ومن غشي عليه أفاق ، فإذا تحقق هذا علم أن نبينا صلى الله عليه وسلم أول من يفيق وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه حصل له فيه تردد هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها ؟ وعلى أي الحالتين كان فهي فضيلة عظيمة لموسى عليه الصلاة والسلام ليست لغيره ، قلت : لقائل أن يقول أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم لما يرفع بصره حين الإفاقة يكون إلى جهة من جهات العرش ، ثم ينظر ثانيا إلى جهة أخرى منه فيجد موسى ، وبه يلتئم قوله أنا أول من تنشق عنه الأرض ، قوله فإذا موسى باطش كلمة إذا للمفاجأة ، ومعنى باطش متعلق به بقوة . والبطش الأخذ القوي الشديد ، قوله فلا أدري إلى آخره ، فإن قلت : يأتي في حديث أبي سعيد عقيب هذا فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى ، فما الجمع بين هذه الثلاثة ؟ قلت : المعنى لا أدري أي هذه الثلاثة كانت من الإفاقة أو الاستثناء أو المحاسبة ، والمستثنى قد يكون نفس من له الصعقة في الدنيا . قوله ممن استثنى الله يعني في قوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أن لا يصعق ، وهم : جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل . وزاد كعب : حملة العرش ، وروى أنس مرفوعا ، ثم تموت الثلاثة الأول ، ثم ملك الموت بعدهم ، وملك الموت يقبضهم ثم يميته الله ، وروى أنس مرفوعا : آخرهم موتا جبريل عليه الصلاة والسلام ، وقال سعيد بن المسيب : إلا من شاء الله ، الشهداء متقلدون بالسيوف حول العرش .
3 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي ، فقال : يا أبا القاسم ، ضرب وجهي رجل من أصحابك ، فقال : من ؟ قال : رجل من الأنصار ، قال : ادعوه ، فقال : أضربته ؟ قال : سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر ، قلت : أي خبيث ، على محمد صلى الله عليه وسلم ، فأخذتني غضبة ، ضربت وجهه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخيروا بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من تنشق عنه الأرض ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى . مطابقته للترجمة في قوله ادعوه ، فإن المراد به إشخاصه بين يدي النبي عليه السلام . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي ، الثاني : وهيب مصغر وهب بن خالد أبو بكر ، الثالث : عمرو بن يحيى الأنصاري ، الرابع : أبوه يحيى بن عمارة بن أبي حسن ، الخامس : أبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه بصريان وعمرا وأباه مدنيان . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير وفي الديات وفي أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وفي التوحيد عن محمد بن يوسف ، وفي الديات عن أبي نعيم عن سفيان به مختصرا ، وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن عمرو الناقد ، وأخرجه أبو داود في السنة عن موسى به مختصرا : لا تخيروا بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ( ذكر معناه ) قوله بينما مر الكلام فيه غير مرة ، قوله رسول الله مبتدأ وخبره قوله جالس ، وقوله جاء يهودي جواب بينما ، قوله : فقال من يعني من ضربك ، قوله قال رجل أي قال اليهودي : ضربني رجل من الأنصار ، قوله قال ادعوه أي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ادعوا أي اطلبوا هذا الرجل ، قوله فقال : أضربته ؟ فيه حذف تقديره أي فحضر الرجل ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل ضربت الرجل ؟ قوله على البشر كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : على النبيين ، قوله أي خبيث أي قلت : يا خبيث ، على محمد ؟ أي اصطفى موسى على محمد ، والاستفهام فيه على سبيل الإنكار ، قوله فإذا أنا بموسى كلمة إذا للمفاجأة والباء في بموسى للإلصاق المجازي ، معناه فإذا أنا بمكان يقرب من موسى أي من رؤيته ، قوله آخذ على وزن فاعل مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو آخذ ، ومن جهة العربية يجوز أن يكون منصوبا على الحال ، قوله بقائمة القائمة في اللغة واحدة قوائم الدابة ، والمراد هاهنا ما هو كالعمود للعرش . وقال ابن بطال : فيه أن لا قصاص بين المسلم والذمي لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يأمر بقصاص اللطمة .
باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام أي هذا باب في بيان حكم من رد أمر السفيه وهو ضد الرشيد وهو الذي يصلح دينه ودنياه ، والسفيه هو الذي يعمل بخلاف موجب الشرع ويتبع هواه ويتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضا ، مثل دفع المال إلى المغني واللعاب وشراء الحمام الطيارة بثمن غال وغير ذلك . قوله والضعيف العقل أعم من السفيه ، قوله وإن لم يكن ، وأصل بما قبله يعني حجر الإمام عليه أو لم يحجر ، فإن بعضهم يرد تصرف السفيه مطلقا وهو قول ابن القاسم أيضا ، وعند أصبغ : لا يرد عليه إلا إذا ظهر سفهه ، وقال غيرهما من المالكية : لا يرد مطلقا إلا ما تصرف فيه بعد الحجر ، وبه قالت الشافعية ، وعند أبي حنيفة : لا يحجر بسبب سفه ولا يرد تصرفه مطلقا . وعند أبي يوسف ومحمد يحجر عليه في تصرفات لا تصح مع الهزل كالبيع والهبة والإجارة والصدقة ، ولا يحجر عليه في غيرها كالطلاق ونحوه ، وقال الشافعي : يحجر عليه في الكل ولا يحجر عليه أيضا عند أبي حنيفة بسبب غفلة ، وهو عاقل غير مفسد ولا يقصده ، ولكنه لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة وعندهما يحجر عليه كالسفيه . ويذكر عن جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه . هذا التعليق ذكره البخاري في كتاب البيوع في باب بيع المزايدة موصولا عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج الحديث . ورواه النسائي موصولا أيضا ، ولفظه : أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ألك مال غيره ؟ قال : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم ، فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه ، ثم قال : ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ، يقول : بين يديك وعن يمينك وشمالك ، فإن قلت : الذي ذكره البخاري في الباب المذكور صحيح ، فكيف ذكر هنا بصيغة التمريض ؟ قلت : هذا المقدار الذي ذكره هنا ليس على شرطه فلذلك ذكره بصيغة التمريض ، ومن عادته غالبا أنه لا يجزم إلا ما كان على شرطه ، فإن قلت : ما المطابقة بين هذا المعلق والترجمة ؟ قلت : هي أنه صلى الله عليه وسلم إنما رد على المتصدق المذكور صدقته مع احتياجه إليها لأجل ضعف عقله لأنه ليس من مقتضى العقل أن يكون الشخص محتاجا فيتصدق على غيره ؛ فلذلك أمر في الحديث المذكور أن يتصدق على نفسه أولا ثم إن فضل من ذلك شيء فيتصدق به على أهله ، فإن فضل شيء فيتصدق به على قرابته فإن فضل شيء يتصدق به على من شاء من غير هؤلاء . قوله رد على المتصدق أي رد على المتصدق المذكور في حديث جابر صدقته مع احتياجه إليها ، قوله ثم نهاه أي عن مثل هذه الصدقة بعد ذلك . وقال مالك : إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره فأعتقه لم يجز عتقه . هكذا ذكره مالك في موطئه ، أخرجه عنه عبد الله بن وهب ، واستنبط مالك ذلك عن قضية المدبر الذي باعه النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه ، واختلف العلماء في السفيه قبل الحكم هل ترد عقوده ، فاختار البخاري ردها واستدل بحديث المدبر وذكر قول مالك في رد عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله ، ويلزم مالكا رد أفعال سفيه الحال لأن الحجر في السفيه والمديان مطرد . ومن باع على الضعيف ونحوه فدفع ثمنه إليه وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه ، فإن أفسد بعد منعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ، وقال للذي يخدع في البيع : إذا بايعت ، فقل : لا خلابة . ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ماله . هكذا وقع قوله ومن باع إلى آخره بالعطف على ما قبله في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية أبي ذر باب من باع على الضعيف إلى آخره ، وذكر لفظ باب ليس له فائدة أصلا ، قوله على الضعيف أي ضعيف العقل ، والألف واللام فيه للعهد ، وهو المذكور في الترجمة ، قوله ونحوه هو السفيه ، قوله فدفع ويروى ودفع بالواو ، وهذا حاصل ما فعله النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في بيع المدبر المذكور لأنه لما باعه دفع ثمنه إليه ونبهه على طريق الرشد ، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه ، وما كان سفهه حينئذ في ذلك إلا ناشئا عن الغفلة وعدم البصيرة بمواقع المصالح ، ولهذا سلم إليه الثمن ولو كان منعه لأجل سفهه حقيقة لم يكن يسلم إليه الثمن . قوله فإن أفسد بعد بضم الدال لأنه مبني على الضم ، وإضافته منوية أي وإن أفسد هذا الضعيف الحال بعد ذلك منعه أي حجر عليه من التصرف ، قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره تعليل لما ذكره من منعه بعد ذلك ، والنهي عن إضاعة المال قد مر عن قريب في باب إضاعة المال ، قوله وقال للذي أي وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان يخدع في البيع إلى آخره ، قد مر في باب ما يكره من الخداع في البيع ، قوله ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ماله أي مال الرجل الذي باع النبي صلى الله عليه وسلم غلامه ، إنما لم يأخذ لأنه لم يظهر عنده سفهه حقيقة إذ لو ظهر لمنعه من أخذ الثمن ، وقد مر . 5 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الله بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رجل يخدع في البيع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل : لا خلابة فكان يقوله . بين بهذا قوله الذي مضى الآن ، وهو قوله : وقال الذي يخدع إلى آخره ، وقد مر في باب ما يكره من الخداع في البيع ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن عبد الله بن دينار إلى آخره . وهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري البصري التبوذكي ، عن عبد العزيز بن مسلم أبي زيد القسملي المروزي ثم البصري ، والخلابة بكسر الخاء المعجمة وبعد الألف باء موحدة وهو الخداع ، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى .
6 - حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر رضي الله عنه أن رجلا أعتق عبدا له ليس له مال غيره ، فرده النبي صلى الله عليه وسلم ، فابتاعه منه نعيم بن النحام . قد مر هذا في كتاب البيوع في باب بيع المزايدة ، أخرجه هناك عن بشر بن محمد ، عن عبد الله ، عن حسين المكتب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر إلى آخره . وأخرجه هنا عن عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي وهو من أفراد البخاري ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، وقد مر غير مرة .
9 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها ، وكدت أن أعجل عليه ، ثم أمهلته حتى انصرف ، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها فقال لي : أرسله ، ثم قال له : اقرأ ، فقرأ قال : هكذا أنزلت ثم قال لي : اقرأ فقرأت فقال : هكذا أنزلت ؛ إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا منه ما تيسر . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ثم لببته بردائه فإن تلبيبه يدل على كلام كثير وقع بينهما ، يقال : لببت الرجل بالتشديد تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره في الخصومة ثم جررته ، وهذا أقوى من مجرد القول ؛ لأن فيه امتدادا باليد زيادة على القول ، وكان جواز هذا الفعل بحسب ما أدى عليه اجتهاده . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ عبد الله بن يوسف التنيسي ، وهو من أفراده ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عبد القاري بالقاف والراء الخفيفة وتشديد الياء ، نسبة إلى بني قارة بن الديش بن محلم بن غالب بن ربيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة ، والمشهور أنه تابعي ، وقد يقال : إنه صحابي ، توفي بالمدينة سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة ، وهشام بن حكيم بفتح الحاء ابن حزام بكسر الحاء وتخفيف الزاي القرشي ، الصحابي ابن الصحابي ، أسلم يوم الفتح ، وكان من فضلاء الصحابة ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وروى البخاري هذا الحديث في فضائل القرآن من حديث عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القاري ، عن عمر به . قال الدارقطني : رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن المسور ، عن عمر . ورواه مالك بإسقاط المسور ، وكلها صحاح عن الزهري ، ورواه يحيى بن بكير عن مالك فقال : عن هشام ، ووهم ، والصحيح ابن شهاب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن : عن سعيد بن عفير ، وفي التوحيد : عن يحيى بن بكير ، عن ليث ، عن عقيل ، وفي استتابة المرتدين ، وقال الليث : حدثني يونس ، وفي فضائل القرآن أيضا عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وأخرجه مسلم في الصلاة : عن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وعن حرملة عن ابن وهب ، وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه : عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي في القراءة : عن الحسن بن علي الخلال ، وأخرجه النسائي في الصلاة : عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين ، وفي فضائل القرآن أيضا عنهما . ( ذكر معناه ) قوله : وكدت أن أعجل عليه يعني في الإنكار عليه والتعرض له ، قوله : حتى انصرف أي من القراءة ، قوله : ثم لببته بالتشديد من التلبيب ، وقد مر تفسيره ا؛ لأن قوله : فقال لي : أرسله أي فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أرسله ، أي هشام بن حكيم ، وكان ممسوكا معه ، قوله : هكذا أنزلت قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه في قراءة الاثنين كليهما ، ولم يبين أحد كيفية الخلاف الذي وقع بينهما ، قوله : على سبعة أحرف اختلفوا في معنى هذا على عشرة أقوال : الأول : قال الخليل هي القراآت السبعة ، وهي الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة ، فيقرأ على سبعة أوجه ؛ كقوله : نرتع ونلعب قرئ على سبعة أوجه . ( فإن قلت ) : كيف يجوز إطلاق العدد على نزول الآية ؟ وهي إذا نزلت مرة حصلت كما هي إلا أن ترفع ثم تنزل بحرف آخر . ( قلت ) : أجابوا عنه بأن جبريل عليه الصلاة والسلام كان يدارس رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم القرآن في كل رمضان ويعارضه إياه ، فنزل في كل عرض بحرف ، ولهذا قال : أقرأني جبريل عليه الصلاة والسلام على حرف ، فراجعته فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف . واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف ؟ فمنعه الطبري وغيره وقال : إنما يجوز بحرف واحد اليوم ، وهو حرف زيد ونحى إليه القاضي أبو بكر ، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القراآت بالأحرف التي أنزلها الله تعالى ، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله تعالى ، بل هي موجودة في قراءتنا ، وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها ، فيجوز على هذا ، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف ، فيحفظ حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك ؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيرا على عبده ورفقا ، وقال الخطابي : الأشبه فيه ما قيل : إن القرآن أنزل مرخصا للقارئ بأن يقرأ بسبعة أحرف على ما تيسر ، وذلك إنما هو فيما اتفق فيه المعنى أو تقارب ، وهذا قبل إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فأما الآن فلا يسعهم أن يقرأه على خلاف ما أجمعوا عليه . القول الثاني : قال أبو العباس أحمد بن يحيى : سبعة أحرف هي سبع لغات فصيحة من لغات العرب : قريش ، ونزار ، وغير ذلك . الثالث : السبعة كلها لمضر لا لغيرها ، وهي مفرقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة . الرابع : أنه يصح في الكلمة الواحدة . الخامس : السبعة في صورة التلاوة كالإدغام وغيره . السادس : السبعة هي سبعة أنحاء : زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . السابع : سبعة أحرف هي الإعراب ؛ لأنه يقع في آخر الكلمة ، وذكر عن مالك أن المراد به إبدال خواتيم الآي فيجعل مكان غفور رحيم سميع بصير ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه . الثامن : المراد من سبعة أحرف الحروف والأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي ينتظم منها كلمة ، فيقرأ على سبعة أحرف نحو : عبد الطاغوت و نرتع ونلعب قرئ على سبعة أوجه . التاسع : هي سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة نحو أقبل وتعال وهلم ، وعن مالك إجازة القراءة بما ذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه : فامضوا إلى ذكر الله قيل : أراد به أنه لا بأس بقراءته على المنبر كما فعل عمر ليبين أن المراد به الجري . العاشر : أن المراد بالسبعة الإمالة والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار ، وقال بعض المتأخرين : تدبرت وجوه الاختلاف في القراآت فوجدتها سبعة ، منها ما تتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل : هن أطهر لكم وأطهر ، ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته مثل : ربنا باعد وبعد ، ومنها ما يتغير معناه بالحروف ولا يختلف بالإعراب ولا تتغير صورته نحو : ننشرها وننشزها ، ومنها ما تتغير صورته دون معناه : كالعهن المنفوش ، قرأ سعيد بن جبير : كالصوف ، ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل : وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ قرأ علي رضي الله تعالى عنه : وطلع ، ومنها التقديم والتأخير مثل : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ قرأ أبو بكر وطلحة رضي الله تعالى عنهما : وجاءت سكرة الحق بالموت ، ومنها الزيادة والنقصان مثل : تسع وتسعون نعجة أنثى في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وقال القاضي عياض : قيل : السبعة توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر ، وقال الأكثرون : هو حصر العدد في السبعة ، قيل : هي في صورة التلاوة وكيفية النطق من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق ومد وإمالة ليقرأ كل بما يوافق لغته ويسهل على لسانه ، أي كما لا يكلف القرشي الهمز ، واليمني تركه ، والأسدي فتح حرف المضارعة ، وقال ابن أبي صفرة : هذه السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث ، وهو الذي جمع عليه عثمان رضي الله تعالى عنه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه انقياد هشام لعلمه أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يرد إلا خيرا ، وفيه ما كان عليه عمر رضي الله تعالى عنه من الصلابة ، وكان هشام من أصلب الناس بعده ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا كره شيئا يقول : لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم ، وفيه مشروعية القراءة بما تيسر عليه دون أن يتكلف ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث : فاقرؤوا ما تيسر منه أي ما تيسر لكم من القرآن وحفظه .
8 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا يونس ، عن الزهري ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن كعب رضي الله عنه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته ، فنادى : يا كعب ، قال : لبيك يا رسول الله ، قال : ضع عن دينك هذا ، فأومأ إليه أي الشطر قال : لقد فعلت يا رسول الله ، قال : قم فاقضه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فارتفعت أصواتهما لأن رفع الأصوات يدل على كلام كثير وقع بينهما ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب التقاضي والملازمة في المسجد ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد إلى آخره بعين هذا الإسناد وعين هذا المتن ، وفائدة التكرار على هذا الوجه لأجل هذه الترجمة .
باب كلام الخصوم بعضهم في بعض أي هذا باب في بيان كلام الخصوم بعضهم مع بعض فيما لا يوجب شيئا من الحد والتعزير ، وأراد بهذا أن كلام بعض الخصوم مع بعض من غير إفحاش لا يوجب شيئا لأن الكلام لا بد منه ، ولكن لا يتكلم بعضهم لبعض بكلام يجب فيه الحد أو التعزير . 7 - حدثنا محمد ، أخبرنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين ، وهو فيها فاجر ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان قال : فقال الأشعث : في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض ، فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألك بينة قلت : لا . قال : فقال لليهودي : احلف قال : قلت : يا رسول الله ، إذا يحلف ويذهب بمالي ، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إلى آخر الآية . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : إذا يحلف ويذهب بمالي فإنه نسب اليهودي إلى الحلف الكاذب ، ولم يجب عليه شيء ؛ لأنه أخبر بما كان يعلمه منه ، ومثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه كما عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث ، وقلة مراقبته لله تعالى ، وأما القول بذلك في رجل صالح أو من لا يعرف له فسق ؛ فيجب أن ينكر عليه ويؤخذ له بالحق ، ولا يبيح له النيل من عرضه ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب المساقاة في باب الخصومة في البئر والقضاء فيها ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله إلى آخره . وهاهنا أخرجه عن محمد هو ابن سلام ، كذا ذكره أبو نعيم وخلف عن أبي معاوية محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير ، عن سليمان الأعمش ، عن شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ، عن عبد الله بن مسعود ، وقد مر الكلام فيه هناك . قوله : وهو فيها فاجر جملة اسمية وقعت حالا ، وفاجر أي كاذب ، وإطلاق الغضب على الله تعالى على المعنى الغائي منه ، وهي إرادة إيصال الشر ؛ لأن معناه غليان دم القلب لإرادة الانتقام ، وهو على الله تعالى محال .
( باب التقاضي ) أي هذا باب في بيان تقاضي الدين أي مطالبته . 15 - حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا وهب بن جرير بن حازم ، قال : أخبرنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن خباب قال : كنت قينا في الجاهلية ، وكان لي على العاص بن وائل دراهم ، فأتيته أتقاضاه فقال : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يميتك الله ثم يبعثك قال : فدعني حتى أموت ثم أبعث فأوتى مالا وولدا ثم أقضيك فنزلت : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا الآية . مطابقته للترجمة في قوله : " فأتيته أتقاضاه ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب البيوع ، في باب ذكر القين والحداد ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن بشار ، عن ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى إلى آخره ، وهنا أخرجه عن إسحاق هو ابن راهويه ، عن وهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري ، عن شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح الكوفي ، عن مسروق بن الأجدع الكوفي ، عن خباب ابن الأرت ، قوله : " قينا " القين الحداد ، قوله : " أقضيك " من القضاء ، ويروى أقبضك من الإقباض .
( باب دعوى الوصي للميت ) أي هذا باب في بيان حكم دعوى الوصي للميت أي لأجله في الحقوق منها : الاستلحاق في النسب ، وحديث الباب فيه . 11 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنهما : أن عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة فقال سعد : يا رسول الله ، أوصاني أخي إذا قدمت أن أنظر ابن أمة زمعة فأقبضه ، فإنه ابني ، وقال عبد بن زمعة : أخي ، وابن أمة أبي ، ولد على فراش أبي ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة فقال : هو لك يا عبد بن زمعة ؛ الولد للفراش ، واحتجبي منه يا سودة . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " أوصاني أخي فلينظر فيه " والحديث مضى في أوائل كتاب البيوع في باب تفسير المشبهات ؛ فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن قزعة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة إلى آخره ، وهنا أخرجه عن عبد الله بن محمد البخاري المعروف بالمسندي ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره . قوله : " إن عبد بن زمعة " لفظ عبد خلاف الحر ، هو ابن لزمعة بفتح الزاي والميم والعين المهملة ابن قيس العامري الصحابي ، قوله : " اختصما " كانت خصومتهما عام الفتح ، قوله : " أوصاني أخي " أخوه هو عتبة بن أبي وقاص ، اختلفوا في إسلامه ، وهو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته يوم أحد ، قوله : " إذا قدمت " أي مكة ، قوله : " أن أنظر ابن أمة زمعة " هذا الابن المختصم فيه ، اسمه عبد الرحمن ، صحابي ، قوله : " شبها بينا بعتبة " هو عتبة بن أبي وقاص ، وقد حكم صلى الله تعالى عليه وسلم هنا بأن الولد للفراش ، ولم يحكم فيه بالشبه ، وهو حجة قوية للحنفية في منع الحكم بالقائف ، وإنما قال لسودة بنت زمعة ، وهي زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : احتجبي منه ، أي من ابن أمة زمعة تورعا للمشابهة الظاهرة بين ابن أمة زمعة وعتبة ، والله أعلم .
بسم الله الرحمن الرحيم ( باب الملازمة ) أي هذا باب في بيان مشروعية ملازمة الدائن مديونه ، وفي بعض النسخ باب في الملازمة ، ووقع في رواية الأصيلي وكريمة قبل قوله باب الملازمة ، بسم الله الرحمن الرحيم باب الملازمة ، وسقطت في رواية الباقين . 14 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني جعفر بن ربيعة ، وقال غيره : حدثني الليث ، قال : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ، عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي دين فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا كعب ، وأشار بيده كأنه يقول النصف ، فأخذ نصف ما عليه وترك نصفا . مطابقته للترجمة في قوله : فلزمه أي فلزم كعب بن مالك عبد الله بن أبي حدرد ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين وقف عليهما ، وأمر كعبا يحط النصف ، وقد مر هذا الحديث في باب التقاضي والملازمة في المسجد . قوله : وقال غيره أي غير يحيى قال : حدثني الليث ، قال : حدثني جعفر بن ربيعة ، والفرق بين الطريقين أن الأول روى بعن ، والثاني بلفظ : حدثني جعفر بن ربيعة ، وفيه جواز ملازمة الغريم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على كعب ملازمته لغريمه كما ذكرنا ، واختلفوا في ملازمته المعدم هل يلازمه بعد ثبوت الإعدام وانطلاقه من الحبس ، فعند أبي حنيفة له أن يلازمه ويأخذ فضل كسبه ويقاسمه أصحاب الديون ، إن كان عليه لجماعة ، وعند أبي يوسف ومحمد : يحال بينه وبين غرمائه ، إلا أن يقيموا البينة أن له مالا .
( باب التوثق ممن تخشى معرته ) أي هذا باب في بيان مشروعية التوثق ممن يخشى معرته بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء ، وهي الفساد والعبث . وقال ابن الأثير : المعرة الأمر القبيح المكروه والأذى ، وهي مفعلة من العر ، وفي المغرب : المعرة المساءة والأذى ، مفعلة من العر ، وهو الحرب أو من عره إذا لطخه بالعرة ، وهي السرقين ، والتوثق الإحكام ، يقال : عقد وثيق أي محكم ، ووثق به وثاقة أي ائتمنه ، وأوثقه ووثقه بالتشديد أي أحكمه ، وشده بالوثاق أي بالقيد ، وهو بفتح الواو والكسر فيه لغة ، ثم التوثق تارة يكون بالقيد ، وتارة يكون بالحبس على ما يجيء إن شاء الله تعالى . ( وقيد ابن عباس رضي الله عنهما عكرمة على تعليم القرآن والسنن والفرائض ) . عكرمة هو مولى عبد الله بن عباس أصله من البربر من أهل الغرب ، كان لحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء واليا على البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، روى عن جماعة من الصحابة وأكثر عن مولاه ، وروى عنه إبراهيم النخعي ومات قبله ، والأعمش وقتادة والإمام أبو حنيفة وآخرون كثيرون ، وعن عبد الرحمن بن حسان سمعت عكرمة يقول : طلبت العلم أربعين سنة ، وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار ، وعن الشعبي ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة ، مات بالمدينة سنة خمس ومائة ، وهو ابن ثمانين سنة ، والتعليق المذكور وصله ابن سعد عن أحمد بن عبد الله بن يونس ، وعارم بن الفضل قالا : حدثنا حماد بن زيد ، عن الزبير بن الخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء ، عن عكرمة قال : كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن ويعلمني السنة ، والكبل بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وفي آخره لام ، وهو القيد . 12 - حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي يا محمد خير فذكر الحديث ، قال : أطلقوا ثمامة . أي مطابقته للترجمة في قوله : " فربطوه في سارية " وذلك كان للتوثق خوفا من معرته ، والحديث مضى في كتاب الصلاة ، في باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضا في المسجد ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة إلى آخره ، وأخرجه أيضا هناك في باب دخول المشرك المسجد بهذا الإسناد ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، هو المقبري . قوله : " خيلا " أي ركبانا ، قوله : " قبل نجد " بكسر القاف وفتح الباء الموحدة ، أي جهة نجد ومقابلها ، قوله : " ثمامة " بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميمين ، وأثال بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة وبلام مصروفا ، قوله : " اليمامة " بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميمين ، مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف ، قوله : " فذكر الحديث " أي بتمامه وطوله ، وسيأتي في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ، قوله : " أطلقوا " أمر من الإطلاق . وفيه الأمر بالتوثق بالقيد وبالحبس أيضا ، وقد روي أن عليا رضي الله تعالى عنه كان يحبس في الدين ، وروى معمر عن أيوب ، عن ابن سيرين . قال : كان شريح إذا قضى على رجل أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم ، فإن أعطي حقه وإلا أمر به إلى السجن ، وقال طاوس : إذا لم يقر الرجل بالحكم حبس ، وروى معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ، وحديث ثمامة أصل في هذا الباب ، والله أعلم بالصواب .
( باب الربط والحبس في الحرم ) أي هذا باب في بيان مشروعية ربط الغريم وحبسه في الحرم ، وفيه رد على طاوس حيث كره السجن بمكة فروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعد عن طاوس أنه كان يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة . قلت : هذا نظر مليح ، ولكن العمل على خلافه . واشترى نافع بن عبد الحرث دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على إن عمر إن رضي فالبيع بيعه ، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة . نافع بن عبد الحارث الخزاعي من فضلاء الصحابة ، استعمله عمر رضي الله تعالى عنه على مكة ، وكان من جملة عمال عمر رضي الله تعالى عنه ، وصفوان بن أمية الجمحي المكي الصحابي ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طرق عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن فروخ به ، وليس لنافع بن عبد الحارث ولا لصفوان في البخاري سوى هذا الموضع . ( ذكر معناه ) قوله : " للسجن " بفتح السين ، مصدر من سجن يسجن من باب نصر ينصر سجنا بالفتح ، والسجن بالكسر واحد السجون ، قوله : " على إن عمر " كلمة ( على ) دخلت على إن الشرطية نظرا إلى المعنى ، كأنه قال : على هذا الشرط ، فاعترض بأن البيع بمثل هذا الشرط فاسد ، وأجيب بأنه لم يكن داخلا في نفس العقد ، بل هو وعد أو هو مما يقتضيه العقد ، أو كان بيعا بشرط الخيار لعمر رضي الله تعالى عنه ، أو أنه كان وكيلا لعمر ، وللوكيل أن يأخذ لنفسه إذا رده الموكل بالعيب ونحوه ، وقال المهلب : اشتراها نافع من صفوان للسجن ، وشرط عليه إن رضي عمر بالابتياع فهي لعمر ، وإن لم يرض فلك بالثمن المذكور لنافع بأربعمائة ، وهذا بيع جائز ، قوله : " وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة ، أي وإن لم يرض عمر بالابتياع المذكور يكون لصفوان أربعمائة في مقابلة الانتفاع بتلك الدار إلى أن يعود الجواب من عمر رضي الله تعالى عنه ، ولا يظن أن هذه الأربعمائة هي الثمن ؛ لأن الثمن كان أربعة آلاف . فإن قلت : هذه الأربعة آلاف دراهم أو دنانير ؟ قلت : يحتمل كلا منهما ، ولكن الظاهر أنه دراهم ، وكانت من بيت مال المسلمين ، وبعيد أن عمر رضي الله تعالى عنه يشتري دارا للسجن بأربعة آلاف دينار لشدة احترازه على بيت المال . وسجن ابن الزبير بمكة . أي سجن عبد الله بن الزبير بمكة أيام ولايته عليها ، ومفعول سجن محذوف ، تقديره سجن المديون ونحوه ، وحذف للعلم به ، وهذا التعليق ذكره ابن سعد من طريق ضعيف عن محمد بن عمر ، حدثنا ربيعة بن عثمان وغيره عن سعد بن محمد بن جبير ، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي ، عن أبيه ، عن جده فذكره . 13 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، قال : سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد . مضى هذا الحديث في الباب السابق بأتم منه ، فإنه أخرجه هناك عن قتيبة ، عن الليث ، وهاهنا : عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، ومطابقته للترجمة في قوله : " فربطوه بسارية من سواري المسجد " أي مسجد المدينة . قال المهلب : السنة في مثل قضية ثمامة : أن يقتل ، أو يستعبد ، أو يفادى به ، أو يمن عليه ، فحبسه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى يرى الوجوه أصلح للمسلمين في أمره .
( باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة ) أي هذا باب في بيان جواز إخراج أهل المعاصي إلى آخره ، قوله : " بعد المعرفة " أي بعد العرفان بأحوالهم ، وهذا على سبيل التأديب لهم والزجر عن ارتكاب ما لم يجزه الشرع . ( وقد أخرج عمر رضي الله عنه أخت أبي بكر رضي الله عنه حين ناحت ) . أي أخرج عمر بن الخطاب أخت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وهي أم فروة ، وهذا التعليق وصله ابن سعد في الطبقات الكبير : أنبأنا عثمان بن عمر ، أنبأنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أقامت عائشة عليه النوح ، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين ، فقال لهشام بن الوليد : اخرج إلى ابنة أبي قحافة يعني أم فروة ، فعلاها بالدرة ضربات ، فتفرق النوائح حين سمعن ذلك ، وقال صاحب التلويح : هذا منقطع فيما بين سعيد وعمر ، فينظر في جزم البخاري ، ووصله إسحاق بن راهويه في مسنده من وجه آخر عن الزهري ، وفيه فجعل يخرجهن امرأة امرأة ، وهو يضربهن بالدرة . 10 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سعيد بن إبراهيم ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم . مطابقته للترجمة من حيث إن هؤلاء الذين لا يشهدون الصلاة لو أحرقت منازلهم عليهم لأسرعوا في الخروج ، وهو لا يكون إلا بإخراجهم من بيوتهم ، لكونهم أهل المعاصي بتركهم الجماعة ، وقد مضى الحديث في كتاب الصلاة في باب وجوب صلاة الجماعة ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة إلى آخره بأتم منه ، وأخرجه هنا عن محمد بن بشار إلى آخره بأخصر منه . قوله : " ثم أخالف " يقال : خالف إليه إذا أتى إليه ، وفيه أن العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن ، فإن حرق المنازل معاقبة في المال على عمل الأبدان ، وفيه أن المعاقبة على الأمور التي لا حدود فيها موكولة إلى الإمام .
( وقال أحمد بن سعد ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا زكرياء ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها ، فقال عباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فقال إلا الإذخر ) . اختلف في أحمد بن سعيد هذا فقال محمد بن طاهر المقدسي : هو أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي ، وقال أبو نعيم : هو أحمد بن سعيد الدارمي ، وروح هو ابن عبادة ، وزكرياء هو ابن إسحاق المكي ، ووصل هذا التعليق الإسماعيلي من طريق العباس بن عبد العظيم ، وأبو نعيم من طريق خلف بن سالم ، كلاهما عن روح بن عبادة . قوله : " لا يعضد " بالجزم أي لا يقطع ، وقال الكرماني بالجزم والرفع ، قلت : الجزم على أنه نهي ، والرفع على أنه نفي ، والعضاه شجر أم غيلان ، وكل شجر له شوك عظيم ، الواحدة عضة بالتاء ، وأصلها عضهة ، وقيل : واحدته عضاهة ، وعضهت العضاه إذا قطعتها ، قوله : " إلا لمنشد " وهو المعرف يقال : أنشدته أي عرفته ، وقال ابن بطال قيل : معنى المنشد من سمع ناشده يقول من أصاب كذا ، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها لكي يردها ، وقال النضر بن شميل : المنشد الطالب ، وهو صاحبها ، وقال أبو عبيد : لا يجوز في العربية أن يقال للطالب المنشد ، إنما هو المعرف ، والطالب الناشد ، وقيل : إنما لا يتملك لقطتها لإمكان إيصالها إلى ربها إن كانت للمكي فظاهر ، وإن كانت للغريب فيقصد في كل عام من أقطار الأرض إليها ، فيسهل التوصل إليها ، قوله : " ولا يختلى خلاها " الخلا مقصورا النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا ، واختلاؤه قطعه ، واختلت الأرض كثر خلاها ، فإذا يبس فهو حشيش ، والإذخر بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة ، يسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزتها زائدة ، قاله ابن الأثير ، واختلف العلماء في لقطة مكة فقالت طائفة : حكمها كحكم سائر البلدان ، وقال ابن المنذر : وروينا هذا القول عن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ، وقالت طائفة : لا تحل ألبتة وليس لواجدها إلا إنشادها ، وهو قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد بن سلام .
6 - حدثنا يحيى بن موسى ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي ، وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد . فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر ، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال : اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه قلت للأوزاعي : ما قوله : اكتبوا لي يا رسول الله ، قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني البلخي يقال له خت . الثاني : الوليد بن مسلم بلفظ الفاعل من الإسلام . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : يحيى بن أبي كثير ، واسم أبي كثير صالح . الخامس : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وهذا من الغرائب أن كل واحد من الرواة صرح بالتحديث ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن الوليد والأوزاعي شاميان ، ويحيى يمامي وأبو سلمة مدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه ثلاثة من المدلسين على نسق واحد . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الحج عن زهير بن حرب ، وعبيد الله بن سعيد ، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، عن الوليد بن مسلم به إلا أنه لم يذكر قصة أبي شاه ، وفي العلم عن مؤمل بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم به مختصرا ، وعن علي بن سهل الرملي ، عن الوليد بن مسلم ، وفي الديات عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، عن الأوزاعي ببعضه ، وأخرجه الترمذي في الديات عن محمود بن غيلان ، ويحيى بن موسى كلاهما عن الوليد بن مسلم ببعضه ، وفي العلم بهذا الإسناد ، وأخرجه النسائي في العلم عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، وعن محمد بن عبد الرحمن ، وعن أحمد بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم عن الوليد بن مسلم ببعضه من قتل له قتيل إلى ، قوله : يفدى . ( ذكر معناه ) قوله : لما فتح الله على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة قام في الناس ظاهره أن الخطبة وقعت عقيب الفتح وليس كذلك ، بل وقعت بعد الفتح عقيب قتل رجل من خزاعة رجلا من بني ليث ، والدليل على ذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة من وجه آخر في العلم ، في باب كتابة العلم عن أبي نعيم ، عن شيبان ، عن يحيى ، عن سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال : إن الله قد حبس عن مكة الفيل أو القتل الحديث ، قوله : القتل في رواية الأكثرين بالقاف وبالتاء المثناة من فوق ، وفي رواية الكشميهني بالفاء وبالياء آخر الحروف ، والمراد به الفيل الذي أخبر الله في كتابه في سورة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ قوله : لا تحل لأحد كان قبلي كلمة لا بمعنى لم أي لم تحل ، قوله : ولا ينفر على صيغة المجهول من التنفير ، يقال : نفر ينفر نفورا ونفارا إذا فر وذهب ، قوله : ولا تحل على بناء المعلوم ، والساقطة هي اللقطة ، قوله : إلا لمنشد أي لمعرف ، يعني لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط ، لا لمن أراد أن يتملكها ، قوله : من قتل له قتيل قد مر أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لما أخبر أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم أي بسبب قتيل منهم ، قوله : فهو بخير النظرين أي بخير الأمرين يعني القصاص والدية ، فأيهما اختار كان له ، إما أن يفدى على صيغة المجهول أي يعطى له الفدية أي الدية ، وفي رواية للبخاري وغيره : إما أن يودى له ، من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، وإما أن يقيد أي يقتص من القود ، وهو القصاص ، وفي رواية : وإما أن يقاد له ، قوله : فقام أبو شاه بالهاء لا غير قال النووي : وقد جاء في بعض الروايات بالتاء وكذا عن ابن دحية ، وفي المطالع : وأبو شاه مصروفا ، ضبطه بعضهم ، وقرأته أنا معرفة ونكرة ، قلت : معنى قوله مصروفا أنه بالتنوين ، ومعنى شاه بالفارسية ملك ، ويجمع على شاهان ، وقد ورد النهي عن القول بشاهان شاه يعني ملك الملوك ، ويقدم المضاف إليه على المضاف في اللغة الفارسية . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهذا الحديث مشتمل على أحكام : منها أحكام تتعلق بحرم مكة ، وقد مر أبحاثه في كتاب الحج . ومنها ما يتعلق باللقطة ، وقد مر أبحاثها في كتاب اللقطة . ومنها ما يتعلق بكتاب أبي شاه وقد مر في كتاب العلم . ومنها ما يتعلق بالقصاص والدية ، وهو قوله : ومن قتل له قتيل ، وقد اختلفوا فيه ، وهو أن من قتل له قتيل عمدا فوليه بالخيار بين أن يعفو ويأخذ الدية ، أو يقتص رضي بذلك القاتل أو لم يرض ، وهو مذهب سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ومجاهد والشعبي والأوزاعي ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال ابن حزم : صح هذا عن ابن عباس ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم . واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ، وقال إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن ذكوان ، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن شبرمة ، والحسن بن حيي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ، ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلا برضى القاتل ، وليس له إلا القود أو العفو ، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية ، فكسرت سنها فعرضوا عليهم الأرش ، فأبوا فطلبوا العفو ، فأبوا فأتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال : يا رسول الله ، أتكسر سن الربيع ، والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها ، فقال : يا أنس كتاب الله القصاص ، فعفا القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبره فثبت بهذا الحديث أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسول الله في العمد هو القصاص ، لأنه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص وبين أخذ الدية إذا لخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما حكم لها بالقصاص بعينه ، فإذا كان كذلك وجب أن يحمل ، قوله : فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد على أخذ الدية برضى القاتل حتى تتفق معاني الآثار ، ويؤيده ما رواه البخاري أيضا عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ، ولم يكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الآية ، وقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قوله : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني مما كتب على من كان قبلكم ، أو نقول التخيير من الشرع تجويز الفعلين وبيان المشروعية فيهما ، ونفي الحرج عنهما كقوله صلى الله عليه وسلم في الربويات : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم معناه تجويز البيع مفاضلة ومماثلة ، بمعنى نفي الحرج عنهما ، وليس فيه أن يستقل به دون رضى المشتري ، فكذا هنا جواز القصاص ، وجواز أخذ الدية ، وليس فيه استقلال يستغنى به عن رضى القاتل ( فإن قلت ) قد أخبر الله تعالى في الآية المذكورة أن للولي العفو واتباع القاتل بإحسان ، فيأخذ الدية من القاتل ، وإن لم يكن اشترط ذلك في عفوه ( قلت ) : العفو في اللغة البذل خُذِ الْعَفْوَ أي ما سهل ، فإذا المعنى فمن بذل له شيء من الدية فليقبل ، والإبذال لا يجب إلا برضى من يجب له ورضى من يجب عليه .
وقال خالد عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلتقط لقطتها إلا لمعرف . خالد هو الحذاء ، وهذا أيضا قطعة وصلها البخاري في أوائل البيوع في باب ما قيل في الصواغ ، وقد مر الكلام فيه هناك .
( باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ) أي هذا باب يذكر فيه كيف تعرف بالتشديد من التعريف على صيغة المجهول ، وهذه الترجمة تبين إثبات لقطة الحرم ، وفيه رد على من يقول : لا يلتقط لقطة أهل الحرم ، واستدلوا في ذلك بما رواه مسلم بإسناده عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج ، وأجابت العامة عن ذلك بأن المراد التقاطها للتملك لا للحفظ ، وقد أوضح هذا حديث الباب ، وقيل : لم يبين أن كيفية لقطة الحرم مثل كيفية لقطة غيره في التعريف والتمليك أم هي مقتصرة على الحفظ فقط ( قلت ) : بل هي مقتصرة على الحفظ فقط يدل عليه حديث الباب ، واكتفى بما في الحديث عن تصريح ذلك في الترجمة . وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها . هذا قطعة من حديث وصلها البخاري في الحج في باب لا يحل القتال ، قوله : " لا يلتقط لقطتها " أي لقطة أهل مكة إلا من عرفها يعني للحفظ لصاحبها .
( باب ضالة الإبل ) أي هذا باب في بيان حكم التقاط ضالة الإبل ، هل يجوز التقاطها أم لا ؟ واكتفى بما في الحديث عن الجزم بالجواب ، والمراد بالضالة هنا الإبل والبقر مما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء ، قيل : هي الضائعة في كل ما يقتنى من الحيوان وغيره ، يقال : ضل الشيء إذا ضاع ، وضل عن الطريق إذا حار ، والضالة في الأصل فاعلة ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة ، ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع ، ويجمع على ضوال . 2 - حدثنا عمرو بن عباس قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان عن ربيعة قال : حدثني يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : جاء أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما يلتقطه ، فقال : عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها ، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها . قال : يا رسول الله ، فضالة الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : ضالة الإبل ؟ فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر . مطابقته للترجمة في قوله : " ضالة الإبل " وقد مضى الحديث في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر ، عن سليمان بن بلال المديني ، عن ربيعة بن عبد الرحمن إلى آخره ، وهاهنا أخرجه عن عمرو بن عباس بالباء الموحدة والسين المهملة ، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان ، عن سفيان الثوري ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بالرأي بسكون الهمزة ، عن يزيد من الزيادة مولى المنبعث ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى . قوله : " جاء أعرابي " وفي رواية مالك عن ربيعة جاء رجل ، وفي رواية سليمان بن بلال المديني ، عن ربيعة سأله رجل عن اللقطة ، وقد مضى هذا في كتاب العلم ، وفي رواية الترمذي سئل عن اللقطة ، وفي رواية مسلم جاء رجل يسأله عن اللقطة ، وفي رواية أخرى له أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة ، وفي رواية له أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه فسأله عن اللقطة ، وفي رواية أخرى مثل رواية الترمذي ، وكذا في رواية للبخاري ، وفي رواية له جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة ، وفي رواية حديث هذا الباب جاء أعرابي ، وزعم ابن بشكوال أن هذا السائل عن اللقطة ، هو بلال رضي الله تعالى عنه ، وعزاه لأبي داود ، ورد عليه بعضهم بأنه ليس في نسخ أبي داود شيء من ذلك ، وفيه بعد أيضا لأنه لا يوصف بأنه أعرابي . قلت : ابن بشكوال لم يصرح بأن الأعرابي الذي سأل هو بلال رضي الله تعالى عنه ، وإنما قال السائل المذكور في رواية سليمان بن بلال ، وهو قوله : " سأله رجل " وفي رواية الترمذي : سئل النبي صلى الله عليه وسلم هو بلال ، ولفظ السائل أعم من الأعرابي وغيره ، وبلال وغيره ، وابن بشكوال أوضح السائل بأنه بلال رضي الله عنه ، فإنه كلام ليس فيه غبار ، وليس فيه بعد ، ولو صرح بقوله الأعرابي هو بلال لكان ، ورد عليه ما قاله ، وأما عزو ابن بشكوال ذلك إلى أبي داود فليس بصحيح ؛ لأن أبا داود روى هذا الحديث بطرق كثيرة ، وليس فيه ما عزاه ابن بشكوال إليه ، وإنما لفظه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة ، وليس لبلال ذكر أصلا فافهم ، ثم قال هذا القائل ثم ظفرت بتسمية السائل ، وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والماوردي والطبراني ، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري ، عن ربيعة ، عن عقبة بن سويد الجهني ، عن أبيه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : عرفها سنة ، ثم أوثق وعاءها الحديث . قال : وهو أولى ما فسر به هذا المبهم ؛ لكونه من رهط زيد بن خالد الجهني انتهى . قلت : حديث سويد بن عقبة الذي يرويه عنه ابنه عقبة غير حديث زيد بن خالد ، فكيف يفسر المبهم الذي في حديث زيد بن خالد بحديث سويد ، ولا يلزم من كون سويد من رهط زيد أن يكون حديثهما واحدا بحسب الصورة ، وإن كانا في المعنى من باب واحد ، وأيضا هو استبعد كلام ابن بشكوال في إطلاق الأعرابي على بلال ، وكيف لا يستبعد هنا إطلاق الأعرابي على سويد بن عقبة ، ولا يلزم من سؤال سويد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة أن يكون هو الأعرابي الذي في حديث زيد بن خالد ، قوله : " فسأله عما يلتقطه " أي عن الشيء الذي يلتقطه ، ووقع في أكثر الروايات أنه سأل عن اللقطة ، ووقع في رواية لمسلم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة الذهب أو الورق ، وهذا ليس بقيد ، وإنما هو كالمثال ، وحكم غير الذهب والفضة كحكمهما ، ووقع في رواية لأبي داود ، وسئل عن النفقة ، قوله : " عرفها " بالتشديد أمر من التعريف ، قوله : " ثم احفظ عفاصها " بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وبالصاد هو الوعاء الذي يكون فيه النفقة ، سواء كان من جلد أو خرقة أو حرير أو غيرها ، واشتقاقه من العفص ، وهو الثني والعطف ؛ لأن الوعاء يثنى على ما فيه ، ووقع في زوائد المسند لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش ، عن سلمة في حديث أبي : " أو خرقتها " بدل عفاصها ، ووقع في حديث أبي أيضا : " احفظ وعاءها وعددها ووكاءها " ، وفي حديث زيد بن خالد : " احفظ عفاصها ووكاءها " فأسقط ذكر العدد ، وزاد ذكر العفاص ، وقد اختلف في العفاص ، فذهب أبو عبيد إلى أنه ما يربط فيه النفقة ، وقال الخطابي : أصله الجلد الذي يلبس رأس القارورة . وقال الجمهور : هو الوعاء . قال شيخنا : قول الخطابي هو الأولى ، فإنه جمع في حديث زيد بين الوعاء والعفاص ، فدل على أنه غيره . قلت : الذي ذكره شيخنا هو في رواية الترمذي ، وفي رواية البخاري ذكر العفاص والوكاء ، والذي يقول العفاص هو الوعاء هو الأولى ، ولم يجمع في حديث زيد إلا العفاص والوكاء ؛ لأن الأصل حفظ العفاص الذي هو الوعاء . فإن قلت : في رواية الترمذي : ( ثم اعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها ) فعلى ما ذكرت يكون ذكر الوعاء أو ذكر العفاص تكرارا . قلت : قد ذكرت أن العفاص فيه اختلاف ، فعلى قول من فسر العفاص بالجلد الذي يلبس رأس القارورة ، لا يكون تكرارا . فإن قلت : ذكر العدد في حديث أبي ، ولم يذكره في حديث زيد . قلت : قد جاء ذكر العدد في حديث زيد أيضا في رواية لمسلم أو الظاهر أن تركه هنا بسهو من الراوي والله أعلم . قوله : " فإن جاء أحد يخبرك بها " جواب الشرط محذوف تقديره : فإن جاء أحد يخبرك باللقطة وأوصافها فأدها إليه ، وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان كما سيأتي ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها ، قوله : " وإلا فاستنفقها " أي وإن لم يأت أحد بعد التعريف حولا فاستنفقها من الاستنفاق ، وهو استفعال وباب الاستفعال للطلب ، لكن الطلب على قسمين صريح وتقديري ، وهاهنا لا يتأتى الصريح فيكون للطلب التقديري كما في قولك استخرجت الوتد من الحائط ، ( فإن قلت ) : في رواية مالك كما يجيء بعد باب " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة " ، وفي رواية أبي داود من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث بلفظ : " عرفها حولا ، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه ، وإلا اعرف وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك " فرواية مالك تقتضي سبق المعرفة على التعريف ، ورواية أبي داود بالعكس . ( قلت ) : قال النووي : الجمع بينهما بأن يكون مأمورا بالمعرفة في حالتين ، فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها ، ثم بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى معرفة وافية محققة ليعلم قدرها وصفتها لاحتمال أن يجيء صاحبها ، فيقع الاختلاف في ذلك ، فإذا عرفها الملتقط وقت التملك يكون القول قوله لأنه أمين ، واللقطة وديعة عنده . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون " ثم " في الروايتين بمعنى الواو ، فلا يقتضي ترتيبا ، فلا يقتضي تخالفا يحتاج إلى الجمع . ( قلت ) : خروج " ثم " عن معنى التشريك في الحكم والمهلة والترتيب ، إنما يمشي على قول الكوفيين فتكون حينئذ زائدة ، وذلك إنما يكون في موضع لا يخل بالمعنى ، وهاهنا لا وجه لما قاله ، ولئن سلمنا أنه يكون بمعنى الواو ، والواو أيضا تقتضي الترتيب على قول البعض ، فلا يتم الجواب بما قاله . ( فإن قلت ) : هذا العرفان واجب أم سنة ؟ ( قلت ) : قيل : واجب ؛ لظاهر الأمر ، وقيل مستحب ، وقيل يجب عند الالتقاط ويستحب بعده . قوله : " فضالة الغنم " أي ما حكم ضالة الغنم ؟ قوله : " قال : لك أو لأخيك أو للذئب " كلمة " أو " فيه للتقسيم والتنويع ، والمعنى إن ضالة الغنم لك إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها ، قوله : " أو لأخيك " يعني إن أخذتها وعرفتها ، وجاء صاحبها فهي له وأراد به الأخ في الدين ، وهو صاحب الغنم ، قوله : " أو للذئب " يعني إن تركتها ، ولم يتفق آخذ غيرك فهي طعمة للذئب غالبا ؛ لأنها لا تحمي نفسها ، وذكر الذئب مثال ، وليس بقيد ، والمراد جنس ما يأكل الشاة ويفترسها من السباع ، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر ، عن ربيعة كما سيأتي بعد أبواب ، فقال : خذها فإنما هي لك إلى آخره ، وهو صريح بالأمر بالأخذ ، وفيه رد على أحمد في إحدى روايتيه أنه يترك التقاط الشاة ، وبه تمسك مالك في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ، ولو جاء صاحبها لأنه صار حكمه حكم الذئب ، فلا غرامة ، ورد عليه بأن اللام ليست للتمليك ؛ لأن الذئب لا يملك ، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان ، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط ، فإنه يأخذها لأنها باقية على ملكه ، قوله : " قال ضالة الإبل " أي ما حكم ضالة الإبل ، قوله : " فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم " أي تغير وجهه من الغضب ، ومادة تمعر ميم وعين مهملة وراء ، وأصله في الشجر إذا قل ماؤه فصار قليل النضرة ، عديم الإشراق ، ويقال للوادي المجدب : أمعر ، وقال بعضهم : ولو روي بالغين المعجمة لكان له وجه ، أي صار بلون المغرة ، وهي حمرة شديدة إلى كمودة ، ويقويه قوله في رواية إسماعيل بن جعفر : " فغضب حتى احمرت وجنتاه أو وجهه " قلت : إذا لم تثبت فيه الرواية فلا يحتاج إلى هذا التعسف ، قوله : " ما لك " يعني ليس لك هذا ، ويدل عليه رواية سليمان بن بلال ، عن ربيعة التي سبقت في كتاب العلم ، فذرها حتى يلقاها ربها ، قوله : " معها حذاؤها " بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدودا أي خفها ، قوله : " وسقاؤها " السقاء بالكسر في الأصل ظرف الماء من الجلد ، والمراد به هنا جوفها ، وذلك لأنها إذا شربت يوما تصبر أياما على العطش ، وقيل : المراد به عنقها ؛ لأنها تتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها ، فلا تحتاج إلى ملتقط . وما يتعلق به الحكم قد مضى في كتاب العلم ، ولنذكر شيئا نزرا . اختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ على قولين ؛ أحدهما : لا يأخذها ولا يعرفها ؛ قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل . الثاني : أخذها وتعريفها أفضل ؛ قاله الكوفيون ، لأن تركها سبب لضياعها ، وفيه قول ثالث إن وجدها في القرى عرفها ، وفي الصحراء لا يعرفها . وقالت الشافعية : الأصح أنه إن وجدها بمفازة فللقاضي التقاطها للحفظ ، وكذا لغيره ، ويحرم التقاطها للتملك ، وإن وجدها بقرية فيجوز التملك ، وقال ابن المنذر : وممن رأى ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي وبعض أصحاب مالك ، وقال مالك والشافعي في ضالة البقر : إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي في منزلة الشاة ، وإلا فكالبعير ، وقيل : إن كانت لها قرون تمنع بها فكالبعير وإلا فكالشاة ، حكاه ابن التين ، وقال القرطبي : عندنا في البقر والغنم قولان ، ورأى مالك إلحاقها بالغنم ، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع ، وكان هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال ، ومثلها جاء في الإبل إلحاقا بها . واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمير ، فظاهر قول ابن القاسم الجواز ومنعه أشهب وابن كنانة ، وقال ابن حبيب : والخيل والبغال والعبيد ، وكل ما يستقل بنفسه ، ويذهب هو داخل في الضالة ، وقال ابن الجوزي : الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاة والظباء لا يجوز عندنا التقاطها إلا أن يأخذها الإمام للحفظ . وفي التوضيح : إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله ، وجاء صاحبه أخذه بزيادته المتصلة ، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك ، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة .
( باب ) أي هذا باب ، وهو كالفصل لما قبله ، وهكذا وقع بغير ترجمة وليس هو بموجود في رواية أبي ذر . 12 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا النضر ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق قال : أخبرني البراء ، عن أبي بكر رضي الله عنهما ، ح وحدثنا عبد الله بن رجاء قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، عن أبي بكر رضي الله عنهما قال : انطلقت فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه ، فقلت : لمن أنت ؟ قال : لرجل من قريش ، فسماه فعرفته فقلت : هل في غنمك من لبن ؟ فقال : نعم ، فقلت : هل أنت حالب لي ؟ قال : نعم ، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال : هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب كثبة من لبن ، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة ، على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله ، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : اشرب يا رسول الله ، فشرب حتى رضيت . وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب الذي كالفصل من الباب المترجم الذي قبله من حيث إن الباب المترجم مشتمل على حكم من أحكام اللقطة ، وهذا أيضا فيه شيء يشبه حاله حال اللقطة ، وهو الشرب من لبن غنم لها راع واحد في الصحراء ، وهو في حكم الضائع في هذه الحالة ، فصار كالسوط أو الحبل أو نحوهما الذي يباح التقاطه ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما التلفيق بينه وبين ما تقدم آنفا من حديث : " لا يحلبن أحد ماشية أحد " ( قلت ) : كان هاهنا إذن عادي ، أو كان صاحبه صديق الصديق ، أو كان كافرا حربيا ، أو كان حالهما حال اضطرار ، أو من جهة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أولى بالمؤمنين انتهى . ( قلت ) : لا تطلب المطابقة إلا بين حديث الباب ، والباب الذي ترجم عليه ، وهاهنا الباب الذي فيه هذا الحديث مجرد من الترجمة ، وهو داخل في الباب الذي قبله ، وهو باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان ، والذي ذكره الكرماني ليس له مناسبة هاهنا أصلا ، وإنما يستقيم ما ذكره بين هذا الحديث وبين باب لا يحتلب ماشية أحد إلا بإذن ، وبينهما ثلاثة أبواب ، والأصل بيان المطابقة بين كل باب وحديثه ، ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث من طريقين : الأول : عن إسحاق بن إبراهيم ، المعروف بابن راهويه ، عن النضر بسكون الضاد المعجمة ابن شميل مصغر شمل ، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق ، عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن البراء بن عازب . الثاني : عن عبد الله بن رجاء بن المثنى الفداني البصري أبي عمرو ، عن إسرائيل إلى آخره . والحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن محمد بن يوسف ، وفي الهجرة عن محمد بن بشار ، وفي الأشربة عن محمود ، عن النضر ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب ، عن زهير بن حرب ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن سلمة بن شبيب ، وفي الأشربة عن أبي موسى . قوله : " فإذا أنا " كلمة " إذا " للمفاجأة ، قوله : " انطلقت " أي حين كان مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدين الهجرة إلى المدينة ، قوله : " يسوق غنمه " جملة حالية ، قوله : " هل في غنمك من لبن " بفتح الباء الموحدة في رواية الأكثرين ، وحكى عياض رواية ضم اللام وسكون الباء أي شاة ذات لبن ، كذا قاله بعضهم ، وليس كذلك ، وإنما اللبن بضم اللام وسكون الباء جمع لبنة ، وكذلك لبن بكسر اللام ، وعن يونس يقال : كم لبن غنمك ؟ ولبن غنمك أي ذوات الدر منها ، قوله : " فأمرته " أي بالاعتقال ، وهو الإمساك يقال : اعتقلت الشاة إذا وضعت رجلها بين فخذيك أو ساقيك لتحلبها ، قوله : " كثبة " بضم الكاف وسكون الثاء المثلثة وفتح الباء الموحدة ، وهو قدر حلبة ، وقيل : القليل منه ، وقيل : القدح من اللبن ، قوله : " إداوة " وهي الركوة . وفي الحديث من الفوائد استصحاب الإداوة في السفر ، وخدمة التابع للمتبوع ، وفيه من التأدب والتنظيف ما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه من نفض يد الراعي ونفض الضرع ، وقال ابن بطال : سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصديق لشرب اللبن من ذلك الراعي فقال لي : يحتمل أن يكون الشارع قد كان أذن له في الحرب ، وكانت أموال المشركين له حلالا فعرضته على المهلب ، فقال لي : ليس هذا بشيء ؛ لأن الحرب والجهاد إنما فرض بالمدينة ، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن ، وإنما شرباه بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الزمن من المكارمات ، وربما استفهم به الصديق الراعي من أنه حالب أو غير حالب ، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه ، ويحلب على ما أراد الراعي أو كره ، والله أعلم .
( باب ضالة الغنم ) أي هذا باب في بيان حكم التقاط ضالة الغنم ، وإنما أفرد هذا الباب بترجمة ، وإن كان مذكورا في الباب السابق لزيادة فيه إشارة إلى أن حكم هذا الباب غير حكم ذاك الباب . 3 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : حدثنا سليمان ، عن يحيى ، عن يزيد مولى المنبعث أنه سمع زيد بن خالد رضي الله عنه يقول : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فزعم أنه قال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ، يقول يزيد : إن لم تعترف استنفق بها صاحبها ، وكانت وديعة عنده . قال يحيى : فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أم شيء من عنده ثم قال : كيف ترى في ضالة الغنم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : خذها ؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب . قال يزيد : وهي تعرف أيضا ، ثم قال : كيف ترى في ضالة الإبل ؟ قال : فقال : دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها . مطابقته للترجمة في قوله : " كيف ترى في ضالة الغنم " وهذا الحديث مضى في الباب السابق ، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن عباس ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن ربيعة ، عن يزيد إلى آخره ، وهنا أخرجه عن إسماعيل بن عبد الله ، هو ابن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن يزيد إلى آخره . قوله : " فزعم " أي قال ، فالزعم يستعمل مقام القول المحقق كثيرا ، والزاعم هو زيد بن خالد ، قوله : " أنه قال " أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اعرف من المعرفة ، قوله : " يقول يزيد " يعني قال يحيى بن سعيد الأنصاري : يقول يزيد ، وهذه الجملة مقول قول يحيى فافهم ، وهو موصول بالإسناد المذكور ، قوله : " إن لم تعرف " بلفظ المجهول من التعريف ، ويروى إن لم تعرف من المعرفة على صيغة المجهول أيضا ، قوله : " صاحبها " أي ملتقطها ، قوله : " قال يحيى " أي يحيى بن سعيد الراوي ، وهو موصول بالإسناد المذكور ، والحاصل أن يحيى بن سعيد شك هل قوله : " وكانت وديعة عنده " من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ وهو الذي أشار إليه بقوله : فهذا الذي لا أدري - أي لا أعلم - أفي حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله : " هو " يرجع إلى قوله : " وكانت وديعة عنده " ، قوله : " أم شيء من عنده " أي أو هو شيء قاله من عنده ، وقد جزم يحيى بن سعيد بذلك أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يشك فيه ، وهو فيما رواه مسلم عن القعنبي والإسماعيلي من طريق يحيى بن حسان ، كلاهما عن سليمان بن بلال ، عن يحيى فقال فيه : فإن لم تعرف فاستنفقها ، ولتكن وديعة عندك ، وقد أشار البخاري إلى رفعها على ما يجيء بعد أبواب ؛ لأنه ترجم بقوله : إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه ؛ لأنها وديعة عنده ، قوله : " قال يزيد " وهي تعرف أيضا أي قال يزيد مولى المنبعث الراوي المذكور ، وهو موصول بالإسناد المذكور ، وقوله : " تعرف " بتشديد الراء من التعريف على صيغة المجهول ، قوله : " حتى يجدها ربها " أي صاحبها . فيه دليل على جواز أن يقال لمالك السلعة : رب السلعة ، والأحاديث متظاهرة بذلك ، إلا أنه قد نهي عن ذلك في العبد والأمة في الحديث الصحيح فقال : لا يقل أحدكم : ربي ، وقد اختلف العلماء في ذلك فكرهه بعضهم مطلقا ، وأجازه بعضهم مطلقا ، وفرق قوم في ذلك بين من له روح وما لا روح له ، فكره أن يقال : رب الحيوان ولم يكره ذلك في الأمتعة ، والصواب تقييد الكراهة أو التحريم بجنس المملوك من الآدميين ، فأما غير الآدمي فقد ورد في عدة أحاديث فقال هاهنا : حتى يجدها ربها ، وقال في الإبل : حتى يلقاها ربها .
( باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان ) أي هذا باب في بيان حكم من عرف بالتشديد من التعريف ، قوله : " ولم يدفعها " من الدفع في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ولم يرفعها بالراء موضع الدال ، وحاصل هذه الترجمة أن الملتقط لا يجب عليه أن يدفع اللقطة إلى السلطان سواء كانت قليلة أو كثيرة ؛ لأن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره ؛ لقوله : عرفها إلا إذا كان الملتقط غير أمين ، فإن السلطان يأخذها منه ويدفعها إلى أمين ليعرفها على ما نذكره عن قريب ، وأشار بها أيضا إلى رد قول من يفرق بين القليل والكثير حيث يقولون : إن كان قليلا يعرفه وإن كان كثيرا يرفعه إلى بيت المال ، والجمهور على خلافه ، وممن ذهب إلى ذلك الأوزاعي وفرق بعضهم بين اللقطة والضوال ، وفرق بعض المالكية وبعض الشافعية بين المؤتمن وغيره ، فألزموا المؤتمن بالتعريف ، وأمروا بدفعها إلى السلطان في غير المؤتمن ليعطيها لمؤتمن يعرفها . 11 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن ربيعة ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد رضي الله عنه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال : عرفها سنة ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها وإلا فاستنفق بها ، وسأله عن ضالة الإبل فتمعر وجهه وقال : ما لك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر دعها حتى يجدها ربها ، وسأله عن ضالة الغنم فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب . مطابقته للترجمة من حيث إنه لا يجب على الملتقط دفعها إلى السلطان بل هو يعرفها ، وهو حاصل معنى ، قوله : " من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان " والحديث مضى مكررا مع شرحه .
( باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها ) أي هذا باب يذكر فيه إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد التعريف بسنة فهي أي اللقطة لمن وجدها ، وهو بعمومه يتناول الواجد الغني والفقير ، وهذا خلاف مذهب الجمهور ، فإن عندهم إذا كانت العين موجودة يجب الرد ، وإن كانت استهلكت يجب البدل ، ولم يخالفهم في ذلك إلا الكرابيسي من أصحاب الشافعي وداود الظاهري ووافقهما البخاري في ذلك ، واحتجوا في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب : فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنك بها ، وهذا تفويض إلى اختياره ، واحتجوا أيضا بما رواه سعيد بن منصور في حديث زيد بن خالد عن الدراوردي عن ربيعة بلفظ : وإلا فتصنع بها ما تصنع بمالك ، ومن حجة الجمهور قوله في حديث الباب السابق : " وكانت وديعة عنده " وقوله في رواية بشر بن سعيد ، عن زيد بن خالد : فاعرف عفاصها ووكاءها ، ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه ، فإن ظاهر قوله : " فإن جاء صاحبها " إلى آخره بعد قوله : " كلها " يقتضي وجوب ردها بعد أكلها فيحمل على رد البدل ، وقال ابن بطال : إذا جاء صاحب اللقطة بعد الحول لزم ملتقطها أن يردها إليه ، وعلى هذا إجماع أئمة الفتوى ، وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم أنها لا تؤدى إليه بعد الحول استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : فشأنك بها ، قال : فهذا يدل على ملكها ، قال : وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن إذ قال : فأدها إليه ، قلت : قوله : " فأدها إليه " دليل على أنه إذا استنفقها أو تلفت عنده بعد التملك أنه يضمنها لصاحبها ، إذا جاء ويدل عليه أيضا قوله في رواية بشر بن سعيد ، عن زيد : ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها ، أمره بأدائها بعد الهلاك إذا كان قد يملكها ، أما إذا أتلفت عنده بغير تفريط منه ، فإنه لا يضمنها لصاحبها إذا جاء ؛ لأن يده عليها يد أمانة فصارت كالوديعة . 4 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ، قال : فضالة الغنم ؟ قال : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : فضالة الإبل ؟ قال : ما لك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها . مطابقته للترجمة في قوله : " فشأنك بها " بنصب النون ، أي الزم شأنك ملتبسا بها ، وقال الطيبي : قيل إنه منصوب على المصدر ، يقال : شأنت شأنه معها إلخ ، أي قصدت قصده ، واشأن شأنك أي اعمل ما تحسنه ، وقال الكرماني : قوله : " فشأنك " بالنصب وبالرفع ، فقال في النصب أي الزم شأنك ، ولم يبين الرفع ، ووجهه أن يكون مرفوعا بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره : فشأنك مباح أو جائز أو نحو ذلك ، والشأن الخطب والأمر والحال ، قوله : " ما لك ولها " أي ما لك وأخذها ، والحال أنها مستقلة بأسباب تعيشها ، فيكون قوله : " معها سقاؤها " على تقدير الحال ، وبقية الكلام قد مرت .
( باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها تضيع حتى لا يأخذها من لا يستحق ) أي هذا باب يذكر فيه هل يأخذ الملتقط اللقطة ولا يدعها حال كونها تضيع بتركه إياها ، قوله : " حتى لا يأخذها " كذا هو بحرف " لا " بعد " حتى " في رواية الأكثرين ، وفي رواية ابن شبويه حتى يأخذها بدون حرف " لا " ، وقال بعضهم : وأظن الواو سقطت من قبل " حتى " ، والمعنى لا يدعها تضيع ولا يدعها يأخذها من لا يستحق . قلت : لا يحتاج إلى هذا الظن ولا إلى تقدير الواو ؛ لأن المعنى صحيح ، والتقدير لا يتركها ضائعة ينتهي إلى أخذها من لا يستحق ، وكلمة هل هنا ليست على معنى الاستفهام ، بل هي بمعنى " قد " للتحقيق ، والمعنى باب يذكر فيه قد يأخذ اللقطة إلى آخره ، ولهذا لا يحتاج إلى جواب ، وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره أخذ اللقطة ، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها والآبق ، فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن ، وكره أحمد أخذها أيضا ، ومن حجتهم في ذلك ما رواه الطحاوي : حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبي مسلم الجذمي ، عن الجارود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضالة المسلم حرق النار " . وأخرجه النسائي : عن عمرو بن علي ،عن أبي داود ، عن المثنى بن سعيد ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله ، عن أبي مسلم الجذمي ، عن الجارود نحوه ، وأخرجه الطبراني أيضا قلت : سليمان بن حرب شيخ البخاري ، وأيوب هو السختياني ، وأبو مسلم الجذمي بفتح الجيم والذال المعجمة نسبة إلى جذيمة عبد القيس ، لا يعرف اسمه ، والجارود هو ابن المعلى العبدي ، واسمه بشر ، والجارود لقب به ؛ لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد عبد القيس فأسلم وكان نصرانيا ، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأكرمه وقربه ، والضالة هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره ، يقال : ضل الصبي إذا ضاع ، وضل عن الطريق إذا حار ، وقد مر الكلام فيه مرة ، قوله : " حرق النار " بفتحتين وقد تسكن الراء ، وحرق النار لهيبها ، والمعنى أن ضالة المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار ، وهذا تشبيه بليغ ، وحرف التشبيه محذوف لأجل المبالغة ، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس ، وقال الحسن البصري ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي في قول ، وأحمد في رواية ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يحرم أخذ الضوال . وعن الشافعي في قول ، وأحمد في رواية : ندب تركها . وعن الشافعي في قول : يجب رفعها . وقال ابن حزم : قال أبو حنيفة ومالك : كلا الأمرين مباح ، والأفضل أخذها . وقال الشافعي مرة : أخذها أفضل ، ومرة قال : الورع تركها . وأجاب الطحاوي عن الحديث المذكور أنه صلى الله عليه وسلم أراد أخذها لغير التعريف ، وقد بين ذلك ما روي عن الجارود أيضا أنه قال : قد كنا أتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف ، فقلنا : يا رسول الله ، إنا قد نمر بالحرف فنجد إبلا فنركبها فقال : إن ضالة المسلم حرق النار ، وكان سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذها لأن يركبوها ، لا لأن يعرفوها ، فأجابهم بأن قال : ضالة المسلم حرق النار ، أي إن ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إلى صاحبها ، لا لأن ينتفع بها لركوب ، ولا لغير ذلك ، فبان بذلك معنى الحديث . 9 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، قال : سمعت سويد بن غفلة قال : كنت مع سلمان بن ربيعة ، وزيد بن صوحان في غزاة ، فوجدت سوطا ، فقال لي : ألقه قلت : لا ولكن إن وجدت صاحبه ، وإلا استمتعت به ، فلما رجعنا حججنا فمررت بالمدينة ، فسألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقال : وجدت صرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيها مائة دينار ، فأتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : عرفها حولا فعرفتها حولا ، ثم أتيت فقال : عرفها حولا ، فعرفتها حولا ثم أتيته قال : عرفها حولا فعرفتها حولا ، ثم أتيته الرابعة فقال : اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها . مطابقته للترجمة من حيث إن أمره صلى الله تعالى عليه وسلم إياه بالتعريف يدل على أن أخذ اللقطة مشروع ، لئلا تضيع إذا تركها وتقع في يد غير مستحقها ، والحديث مضى في أول كتاب اللقطة ، ولكنه أخرجه هاهنا من طريق آخر مع زيادة فيه . ورجاله قد ذكروا مع ترجمة سويد بن غفلة هناك ، وسلمان بن ربيعة الباهلي يقال : له صحبة ، ويقال له : سلمان الخيل ؛ لخبرته بها ، وكان أميرا على بعض المغازي في فتوح العراق سنة ثلاثين في عهد عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما ، وهو أول من تولى قضاء الكوفة ، واستشهد في خلافته في فتوح العراق ، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع ، وزيد بن صوحان بضم الصاد المهملة وسكون الواو بعدها حاء مهملة وبعد الألف نون العبدي ، تابعي كبير مخضرم أيضا ، وزعم ابن الكلبي أن له صحبة ، وروى أبو يعلى من حديث علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا : من سره أن ينظر إلى من سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان ، وكان قدوم زيد في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ، وشهد الفتوح ، وروى ابن منده من حديث بريدة قال : ساق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة فقال : زيد زيدُ الخير ، فسئل عن ذلك فقال رجل : سبقه يده إلى الجنة فقطعت يد زيد بن صوحان في بعض الفتوح ، وقتل مع علي رضي الله تعالى عنه يوم الجمل . قوله : " في غزاة " زاد أحمد من طريق سفيان عن سلمة حتى إذا كنا بالعذيب بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة وفي آخره باء موحدة مصغر عذب ، وهو موضع قاله بعض الشراح ، وسكت ( قلت ) : عذيب واد بظاهر الكوفة ، وقال إبراهيم بن محمد في شرحه لشعر أبي الطيب عند قوله : تذكرت ما بين العذيب وبارق العذيب ماء لبني تميم ، وكذلك بارق ، قال الرشاطي والبكري ديار بني تميم باليمامة ، وعذيبة تأنيث الذي قبله موضع في طريق مكة بين الجار وينبع ، قوله : " ألقه " أمر من الإلقاء ، وهو الرمي ، قوله : " قلت : لا " أي لا ألقيه ، قوله : " الرابعة " هي رابعة باعتبار مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وثالثة باعتبار التعريف ، وقال الكرماني ( فإن قلت ) : تقدم أول اللقطة أنها الثالثة ( قلت ) : التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد انتهى والأصوب ما قلناه ، قوله : " عدتها " أي عددها . وقال الكرماني : هذا يدل على تأخير المعرفة عن التعريف يعني قوله : " اعرف عدتها " والروايات السابقة بالعكس ( قلت ) : مضى الجواب عن هذا عن قريب ، وهو أنه مأمور بمعرفتين يعرف أولا ليعلم صدق وصفها ، ويعرف ثانيا معرفة زائدة على الأولى من قدرها وجودتها على سبيل التحقيق ليردها على صاحبها بلا تفاوت .
10 - حدثنا عبدان ، قال : أخبرني أبي ، عن شعبة ، عن سلمة بهذا ، قال : فلقيته بعد بمكة فقال : لا أدري أثلاثة أحوال أو حولا واحدا . عبدان اسمه عبد الله ، وعبدان لقب عليه ، وأبو عثمان بن جبلة بالجيم والباء الموحدة المفتوحتين الأزدي البصري ، وسلمة هو ابن كهيل . قوله : بهذا أي بالحديث المذكور ، قوله : قال فلقيته أي قال سويد بن غفلة : فلقيت أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه بمكة فقال : لا أدري ، أي لا أعلم إلى آخره ، ورواه مسلم فقال : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، وحدثني أبو بكر بن نافع واللفظ له ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل قال : سمعت سويد بن غفلة قال : خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين ، فوجدت سوطا فأخذته فقالا لي : دعه فقلت : لا ولكني أعرف به ، فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به قال : فأبيت عليهما ، فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت فأتيت المدينة فلقيت أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه فأخبرته بشأن السوط وبقولهما ، فقال : إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عرفها حولا ، قال فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال : عرفها حولا ، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال : عرفها حولا فلم أجد من يعرفها فقال : احفظ عددها ووعاءها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها ، فلقيته بعد ذلك بمكة فقال : لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد انتهى ، وإنما سقت حديث مسلم هذا بطوله ؛ لأنه كالشرح لرواية البخاري هذه .
( باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه لأنها وديعة عنده ) أي هذا باب يذكر فيه إذا جاء صاحب اللقطة إلى آخره ، قوله : " بعد سنة " أي بعد مضي سنة التعريف ، قوله : " لأنها " أي لأن اللقطة وديعة عند الملتقط ؛ فيجب ردها إلى صاحبها . 8 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال : عرفها سنة ، ثم اعرف وكاءها وعفاصها ، ثم استنفق بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه ، قالوا : يا رسول الله ، فضالة الغنم ؟ قال : خذها ، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب . قال : يا رسول الله ، فضالة الإبل ؟ قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه أو أحمر وجهه ، ثم قال : ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها . مطابقته للترجمة في قوله : فإن جاء ربها فأدها إليه . فإن قلت : ليس في الحديث لفظ لأنها وديعة عنده ، قلت : أجيب بجوابين أحدهما أنه ذكر هذه اللفظة في باب ضالة الغنم قبل هذا الباب بخمسة أبواب ، ولكنه ذكره بالشك هناك وذكره هنا مترجما بالمعنى ؛ لأن قوله : " أدها إليه " بعد الاستنفاق يدل على وجوب الرد ، وعلى أنه لا يملكها ، فيكون كالوديعة عنده ، والجواب الآخر أنه أسقط هذا اللفظ من حيث اللفظ ، وذكره ضمنا من حيث المعنى ؛ لأن قوله : " فإن جاء صاحبها فأدها إليه " يدل على بقاء ملك صاحبها خلافا لمن أباحها بعد الحول بلا ضمان ، والجوابان متقاربان ، وقد مر الكلام فيه مستقصى . ثم إنه يستدل من قوله : " لأنها وديعة عنده " على أنها إذا تلفت من غير تقصير منه فإنه لا ضمان عليه ، ويدل على هذا اختياره كما هو قول جماعة من السلف . فإن قلت : كيف يتصور الأداء بعد الاستنفاق ، قلت بدلها يقوم مقامها ، وكيفية ذلك مع ما قالوا فيه قد مضت محررة ، قوله : " حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه " شك من الراوي ، والوجنتان تثنية وجنة ، وهي ما ارتفع من الخدين ، وفيها أربع لغات بالواو وبالهمزة وبالفتح فيهما وبالكسر أيضا ، والله أعلم .
( باب إذا وجد خشبة في البحر أو سوطا أو نحوه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا وجد شخص خشبة في البحر أو وجد سوطا في موضع ، أو وجد شيئا ونحو ذلك مثل عصا وحبل ، وما أشبههما ، وجواب " إذا " محذوف تقديره : ماذا يصنع به هل يأخذه أو يتركه ؟ فإذا أخذه هل يتملكه أو سبيله سبيل اللقطة ففيه اختلاف العلماء ، فروى ابن عبد الحكم عن مالك : إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل ، وقال ابن شعبان : فيها قول آخر إن وجدها يأخذها ، فإن جاء ربها غرم له قيمتها . ورخصت طائفة في أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها ، وممن روي عنه ذلك : عمر وعلي وابن عمر وعائشة ، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس ، وقال ابن المنذر : روينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها في اللقطة : لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به ، وعن جابر : كانوا يرخصون في السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به ، وقال عطاء : لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن ينتفع بها ، استدل من يبيح ذلك بحديث الخشبة ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر أنه أخذها حطبا لأهله ، ولم يأخذها ليعرفها ، ولم يقل : إنه فعل ما لا ينبغي . وفي الهداية : وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يتطلبها كالنواة وقشور الرمان ، فإلقاؤه إباحة أخذه ، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف ، ولكنه يبقى على ملك مالكه ؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح . وقال ابن رشد : الأصل في ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق " فقال : لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها " ولم يذكر فيها تعريفا ، وهذا مثل العصا والسوط وإن كان أشهب قد استحسن تعريف ذلك ، فإن كان يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة ، فلا خلاف في تعريفه سنة ، وقيل أياما وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف ، فإن هذا يأكله الملتقط فقيرا كان أو غنيا ، وهل يضمن فيه روايتان ؛ الأشهر أن لا ضمان عليه ، وإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة ، فقيل : لا ضمان عليه ، وقيل عليه الضمان ، وقيل بالفرق أن يتصدق به أو يأكله أعني أنه يضمن في الأكل ، ولا يضمن في الصدقة ، وفي الواقعات : المختار في القشور والنواة يملكها ، وفي الصيد لا يملكه ، وإن جمع سنبلا بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك ، وإن سلخ شاة ميتة فهو له ولصاحبها أن يأخذها منه ، وكذلك الحكم في صوفها . ( وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل ، وساق الحديث فخرج ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فإذا هو بالخشبة فأخذها لأهله حطبا ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة . ) مطابقته للترجمة في قوله : " فإذا هو بالخشبة فأخذها " وقيل : ليس في الباب ذكر السوط ، وأجيب بأنه استنبطه بطريق الإلحاق ، وقيل كأنه فاته عنه ، وقال بعضهم : أشار بالسوط إلى أثر يأتي بعد أبواب في حديث أبي بن كعب ، أو أشار إلى ما أخرجه أبو داود من حديث جابر قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ، ينتفع به انتهى . ( قلت ) : لو أشار بالسوط إلى أثر يأتي إلى آخره على ما قاله هذا القائل ، كان الأصوب أن يذكر السوط هناك ، وذكره هنا وإشارته إلى هناك فيه ما فيه ، وقوله : أو أشار إلى ما أخرجه أبو داود إلى آخره ليس بشيء ؛ لأنه كثيرا ما يذكر ترجمة مشتملة على شيئين أو أكثر ولا يذكر لبعضها حديثا أو أثرا فيجاب عنه بأنه ذكره على أن يجد شيئا صحيحا فيذكره ، ولكن لم يجده فسكت عنه ، وهذا الحديث الذي ذكره أبو داود ضعيف ، واختلف في رفعه ووقفه فكيف يرضى بالإشارة إليه ، وقد مضى الحديث بتمامه في الكفالة ، وقد ذكره هنا أيضا تعليقا عن الليث ، وقد مضى الكلام فيه مستوفى ، قوله : " وجد المال " أي الذي بعثه المستقرض إليه والصحيفة التي كتبها المستقرض إليه يذكر فيها بعث مال القراض .
( باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن ) أي هذا باب يذكر فيه لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن صاحبها ، والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم ، ولكنه في الغنم أكثر ، قاله ابن الأثير ، قوله : " بغير إذن " بالتنوين ويروى " بغير إذنه " . 7 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته ، فينتقل طعامه ، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه مسلم في القضاء ، وأبو داود في الجهاد جميعا بالإسناد الذي رواه البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : " عن نافع " في موطأ محمد بن الحسن ، أخبرنا نافع ، وفي رواية أبي قطن في الموطآت للدارقطني قلت لمالك : أحدثك نافع ؟ قوله : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية يزيد بن الهاد ، عن مالك عند الدارقطني أيضا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، قوله : " لا يحلبن " بضم اللام وبالنون الثقيلة ، كذا في البخاري وأكثر الموطآت ، وفي رواية ابن الهاد : " لا يحتلبن " من الاحتلاب من باب الافتعال ، قوله : " ماشية امرئ " وفي رواية ابن الهاد وجماعة من رواة الموطأ " ماشية رجل " وفي بعض شروح الموطأ بلفظ : " ماشية أخيه " وكل واحد منهما ليس بقيد ؛ لأنه لا اختصاص له بالرجال ولا بالمسلمين ؛ لأنهم سواء في هذا الحكم ، قيل فرق بين المسلم والذمي ، فلا يحتاج إلى الإذن في الذمي ؛ لأن الصحابة شرطوا على أهل الذمة من الضيافة للمسلمين ، وصح ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر ينزل بالذمي قال : لا يأخذ منه شيئا إلا بإذنه ، قيل له فالضيافة التي جعلت عليهم ، قال : كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها ، وأما الآن فلا ، وقال بعضهم : نسخ الإذن وحملوه على أنه كان قبل فرض الزكاة ، قالوا : وكانت الضيافة واجبة حينئذ ، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة ، وذكر الطحاوي كذلك أيضا ، قوله : " مشربته " بضم الراء وفتحها هي الموضع المصون لما يخزن كالغرفة . وقال الكرماني : هي الغرفة المرتفعة عن الأرض ، وفيها خزانة المتاع انتهى . والمشربة بفتح الراء خاصة ، مكان الشرب والمشربة بكسر الراء إناء الشرب ، قوله : " خزانته " بكسر الخاء المعجمة الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء مما يراد حفظه ، وفي رواية أيوب عند أحمد فيكسر بابها ، قوله : " فينتقل " بالنون والقاف من الانتقال ، وهو التحويل من مكان إلى مكان ، وهكذا هو في أكثر الموطآت عن مالك ، وحكى ابن عبد البر عن بعضهم فينتثل بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم ثاء مثلثة من الانتثال من النثل ، وهو النثر مرة واحدة بسرعة ، ويقال : نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها ، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة ، ومسلم من رواية أيوب وموسى بن عقبة وغيرهما عن نافع ، ورواه عن الليث ، عن نافع بالقاف ، وهو عند ابن ماجه من هذا الوجه بالمثلثة ، وقوله : " تؤتى " وقوله : " فتكسر " وقوله : " فينتقل " كلها على بناء المجهول ، قوله : " تخزن " بضم الزاي على بناء الفاعل ، وضروع مواشيهم كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه فاعل تخزن ، وقوله : " أطعماتهم " بالنصب مفعوله ، وهي جمع أطعمة ، والأطعمة جمع طعام ، والمراد به هنا اللبن ، والضروع جمع ضرع ، وهو لكل ذات خف وظلف كالثدي للمرأة ، وفي رواية الكشميهني تحرز ضروع مواشيهم بضم التاء وسكون الحاء المهملة وكسر الراء ، وفي آخره زاي ، والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذن ، ولا فرق بين اللبن وغيره . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال أبو عمر يحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ، وقال صلى الله عليه وسلم : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله ، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك ، وقال القرطبي : ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر ، إلا إذا علم طيب نفس صاحبه ، وذهب بعضهم إلى أن ذلك يحل ، وإن لم يعلم حال صاحبه ؛ لأن ذلك حق جعله الشارع له يؤيده ما رواه أبو داود من حديث الحسن عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب ، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا ، فإن أجاب فليستأذنه ، فإن أذن له وإلا فليحلب ويشرب ولا يحمل ، ورواه الترمذي أيضا ، وقال : حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة ، وقالوا : إنما يحدث عن صحيفة سمرة ، واستدلوا أيضا بحديث أبي سعيد ، رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من رواية أبي نضرة عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت على راع فناده ثلاث مرات ، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد ، وإذا أتيت على حائط بستان فناده ثلاث مرات ، فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد ، وبما رواه الترمذي أيضا من حديث يحيى بن سليم ، عن عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق فقال : من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم . وروي أيضا من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق إلى آخره نحوه ، والخبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها نون قال الجوهري : هو ما تحمله في حضنك . وقال ابن الأثير : الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب ، أي لا يأخذ منه في طرف ثوبه ، يقال : أخبن الرجل إذا خبأ شيئا في خبنة ثوبه أو سراويله ، والمراد من التمر المعلق هو التمر على النخل قبل أن يقطع ، وليس المراد ما كانوا يعلقونه في المسجد من الأقناء في أيام التمرة ، فإن ذلك مسبل مأذون فيه ، واستدلوا أيضا بقضية الهجرة ، وشرب أبي بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم من غنم الراعي ، وقال جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم : لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ، ولا يشرب من لبن غنمه إلا بإذن صاحبه ، اللهم إلا إذا كان مضطرا ، فحينئذ يجوز له ذلك قدر دفع الحاجة . والجواب عن الأحاديث المذكورة من وجوه : الأول : أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى قاله القرطبي . والثاني : أن حديث النهي أصح . والثالث : أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها . والرابع : أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام ، وأجاب الطحاوي بأن هذه الأحاديث كانت في حال وجوب الضيافة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، وأوجبها للمسافرين على من حلوا به ، فلما نسخ وجوب ذلك ، وارتفع حكمه ارتفع أيضا حكم الأحاديث المذكورة . وقال القرطبي : وشرب أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين الهجرة من غنم الراعي ، وإعطائه للشارع كان إدلالا على صاحب الغنم لمعرفته إياه ، وأنه كان يعلم أنه أذن للراعي أن يسقي من مر به ، أو أنه كان عرفه أنه أباح بذلك ، أو أنه مال حربي لا أمان له ، وقال ابن أبي صفرة : حديث الهجرة في زمن المكارمة ، وهذا في زمن التشاح ؛ لما علم صلى الله عليه وسلم من تغير الأحوال بعده ، وقال الداودي : إنما شرب الشارع والصديق لأنهما ابنا سبيل ، ولهما شرب ذلك إذا احتاجا ، وفي الحديث استعمال القياس لتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم اللبن في الضرع بالطعام المخزون ، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها . وفيه إباحة خزن الطعام واحتكاره خلافا لغلاة المتزهدة حيث يقولون : لا يجوز الادخار مطلقا ، وفيه أن اللبن يسمى طعاما فيحنث به من حلف لا يتناول طعاما إلا أن يكون له نية تخرج اللبن ، وقال ابن عمر فيه ما يدل على أن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن يكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع : إن عليه القطع إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة من الفواكه . وفيه بيع الشاة اللبون بالطعام لقوله : " فإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم " فجعل اللبن طعاما . وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدا أو إلى أجل ؛ فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس ببيع الشاة اللبون باللبن يدا بيد ، ما لم يكن في ضرعها لبن ، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدا بيد باللبن من أجل المزابنة ، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وغير الأجل . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل ، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدا بيد ولا إلى أجل ، وفيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر العلة تأكيدا وتقريرا ، وفيه أن القياس لا يشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار ، بل ربما كانت للأصل مزية لا يضر سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة ؛ لأن الضرع لا يساوي الخزانة في الخزن لما أن الصر لا يساوي القفل فيه ، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور بالحكم بالخزانة المقفلة في تحريم تناول كل منهما بغير إذن صاحبه ، وفيه ضرب الأمثال للتقريب للأفهام ، وتمثيل ما يخفى بما هو واضح منه .
( باب إذا وجد تمرة في الطريق ) أي هذا باب يذكر فيه إذا وجد شخص تمرة في الطريق ، وجواب " إذا " محذوف تقديره يجوز له أخذها وأكلها ، وذكر التمرة ليس بقيد ، وكذا كل ما كان نحوها من المحقرات . 5 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابي قاله أبو نعيم وغيره ، ومنصور هو ابن المعتمر وطلحة هو ابن مصرف على وزن اسم فاعل من التصريف . والحديث أخرجه البخاري أيضا في البيوع في باب ما يتنزه من الشبهات عن قبيصة ، عن سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك . وفيه جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعا لخشيته أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق ، وفيه حرمة الصدقة على الرسول صلى الله عليه وسلم والاحتراز عن الشبهة ، وقيل : هذا أشد ما روي في الشبهات ، وفيه إباحة الشيء التافه بدون التعريف ، وأنه خارج عن حكم اللقطة ؛ لأن صاحبه لا يطلبه ولا يتشاح فيه ، وقد روى عبد الرزاق أن عليا رضي الله تعالى عنه التقط حبا أو حبة من رمان فأكلها ، وعن ابن عمر أنه وجد تمرة فأخذها فأكل نصفها ، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر ، وفيه إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط ، وقيل : يضمنه وإن أكله محتاجا إليه ، ذكره ابن الجلاب .
( وقال يحيى : حدثنا سفيان ، قال : حدثني منصور - وقال زائدة : عن منصور - عن طلحة قال : حدثنا أنس ، وحدثنا محمد بن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) يحيى هو ابن سعيد القطان ، وسفيان هو الثوري . وهذا التعليق وصله مسدد في مسنده عن يحيى ، وأخرجه الطحاوي من طريق مسدد . قوله : " وقال زائدة " أي ابن قدامة ، وهذا التعليق وصله مسلم ، فقال : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن زائدة ، عن منصور ، عن طلحة بن مصرف ، قال : حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال : لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ، قوله : " عبد الله " هو ابن المبارك ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد ، وهمام بتشديد الميم على وزن فعال ابن منبه بن كامل اليماني الأبناوي ، وهذا الحديث مضى في كتاب البيوع في باب ما يتنزه من الشبهات معلقا ، وقد مر الكلام فيه هناك ، قوله : " فألقيها " بضم الهمزة من الإلقاء ، وهو الرمي . وقال الكرماني : فألقيها بالرفع لا غير يعني لا يجوز نصب الياء فيه لأنه معطوف على قوله فارفعها ، فإذا نصب ربما يظن أنه عطف على قوله أن تكون فيفسد المعنى .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب في اللقطة ) أي هذا كتاب في بيان أحكام اللقطة ، هكذا وقع للمستملي والنسفي : كتاب في اللقطة ، وكذا وقع في رواية ابن التين وابن بطال ، وتبعهما على ذلك صاحب التلويح ، وفي رواية الباقين : بسم الله الرحمن الرحيم ، باب إذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفع إليه على ما يجيء ، واللقطة بضم اللام وفتح القاف اسم للمال الملتقط ، قال بعض شراح كتب الحنفية : إن هذا اسم الفاعل للمبالغة ، وبسكون القاف اسم مفعول كالضحكة ومعنى المبالغة فيه لزيادة معنى اختص به ، وهو أن كل من رآها يميل إلى رفعها ، فكأنها تأمره بالرفع ؛ لأنها حاملة إليه فأسند إليها مجازا ، فجعلت كأنها هي التي رفعت نفسها ، ونظيره قولهم : ناقة حلوب ودابة ركوب ، وهو اسم فاعل سميت بذلك لأن من رآها يرغب في الحلب والركوب ، فنزلت كأنها أحلبت نفسها وأركبت نفسها ، قلت : فيه تعسف وليس كذلك ، بل اللقطة سواء كان بفتح القاف أو سكونها اسم موضوع على هذه الصيغة للمال الملتقط ، وليس هذا مثل الضحكة ، ولا مثل ناقة حلوب ودابة ركوب ؛ لأن هذه صفات تدل على الحدوث والتجدد غير أن الأول للمبالغة في وصف الفاعل أو المفعول ، والثاني والثالث بمعنى المفعول للمبالغة ، وقال ابن سيده : اللقطة واللقطة واللقاطة ما التقط ، وفي الجامع : اللقطة ما التقطه الإنسان فاحتاج إلى تعريفه ، وفي التلويح ، وقيل : اللقطة هو الرجل الذي يلتقط ، واسم الموجود لقطة ، وعن الأصمعي وابن الأعرابي والفراء : بفتح القاف اسم المال . وعن الخليل : هي بالفتح اسم الملتقط كسائر ما جاء على هذا الوزن يكون اسم الفاعل كهمزة ولمزة ، وبسكون القاف اسم المال الملقوط . قال الأزهري : هذا قياس اللغة ، ولكن كلام العرب في اللغة على غير القياس ، فإن الرواة أجمعوا على أن اللقطة يعني بالفتح اسم للشيء الملتقط ، والالتقاط العثور على الشيء من غير قصد وطلب ، وفي أدب الكتاب : تسكين القاف من لحن العامة ، ورد عليه بما ذكرنا عن الخليل ، وقال النووي : ويقال لها أيضا : لقاطة بالضم ، ولقط بفتح القاف واللام بلا هاء . ( باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه ) أي هذا باب يذكر فيه إذا أخبر إلى آخره ، وأخبر على صيغة المعلوم ، قوله : " رب اللقطة " بالرفع لأنه فاعل أخبر ، قوله : " دفع " على صيغة المعلوم أيضا أي دفع الملتقط اللقطة إلى ربها ، وفي بعض النسخ إذا أخبره بالضمير المنصوب ، أي إذا أخبر الملتقط رب اللقطة بالعلامة دفع إليه . 1 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، عن سلمة ، سمعت سويد بن غفلة قال : لقيت أبي بن كعب رضي الله عنه فقال : أخذت صرة مائة دينار ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : عرفها حولا ، فعرفتها حولها ، فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال : عرفها حولا فعرفتها فلم أجد ، ثم أتيته ثلاثا فقال : احفظ وعاءها وعددها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها ، فاستمتعت فلقيته بعد بمكة فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا . ليس في هذا الحديث ما يشعر صريحا على الترجمة اللهم إلا إذا قيل : وقع في بعض طرق هذا الحديث ما يشعر على الترجمة ، فكأنه أشار إلى ذلك ، وهو في رواية مسلم ، فإنه روى هذا الحديث مطولا بطرق متعددة ، وفي بعضها قال : فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه ، فإن قلت : قال أبو داود : هذه زيادة زادها حماد بن سلمة ، وهي غير محفوظة قلت : ليس كذلك ، بل هي محفوظة صحيحة ، فإن سفيان وزيد بن أبي أنيسة وافقا حماد بن سلمة في هذه الزيادة في رواية مسلم ، وكذلك سفيان في رواية الترمذي حيث قال : حدثنا الحسن بن علي الخلال ، حدثنا يزيد بن هارون وعبد الله بن نمير ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة الحديث ، وفيه وقال : احص عدتها ووعاءها ووكاءها ، فإن جاء طالبها فأخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فادفعها إليه ، وإلا فاستمتع بها . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ؛ لأنه أخرجه من طريقين ؛ الأول : عن آدم بن أبي إياس ، عن شعبة بن الحجاج ، عن سلمة بن كهيل بضم الكاف ، عن سويد بضم السين المهملة ، ابن غفلة بالغين المعجمة والفاء واللام مفتوحات الجعفي الكوفي ، أدرك الجاهلية ثم أسلم ولم يهاجر ، مات سنة ثمانين وله مائة وعشرون سنة ، وقيل : إنه صحابي ، والأول أصح ، وروي عنه أنه قال : أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولدت عام الفيل ، قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد روي عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أثبت . الطريق الثاني : عن محمد بن بشار ، عن غندر ، وهو محمد ابن جعفر عن شعبة إلى آخره ، وهذا أنزل ولم يسق المتن إلا على النازل ، وأخرجه البخاري أيضا عن عبدان ، واسمه عبد الله بن عثمان ، وعن سليمان بن حرب فرقهما ، وأخرجه مسلم في اللقطة أيضا عن أبي بكر بن نافع وبندار ، كلاهما عن غندر به ، وعن عبد الرحمن بن بشر ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن محمد بن حاتم ، وعن عبد الرحمن بن بشر ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير ، عن شعبة به ، وعن مسدد بن مسرهد ، وعن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة به ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن الحسن بن علي الخلال ، وقد ذكرناه الآن ، وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمد بن قدامة ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وعن عمرو بن علي الفلاس ، وعن عمرو بن يزيد ، وعن عمرو بن علي ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن علي بن محمد الطنافسي ، عن وكيع . ( ذكر من أخرجه وغيره من أحاديث هذا الباب ) ولما روى الترمذي هذا الحديث قال : وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ، والجارود بن المعلى ، وعياض بن حماد ، وجرير بن عبد الله قلت : وفي الباب عن عمر بن الخطاب ، وأبي سعيد الخدري ، وسهل بن سعد ، وأبي هريرة ، وجابر ، وعبد الله بن الشخير ، ويعلى بن مرة ، وسويد بن أبي عقبة ، وزيد بن خالد ، وعائشة ، ورجل من الصحابة ، والمقداد . أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود من رواية ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه سئل عن التمر المعلق الحديث ، وفيه : وسئل عن اللقطة فقال : ما كان فيها في طريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة ، فإن جاء طالبها فادفعها إليه ، فإن لم يأت فهي لك ، وما كان في الخراب ففيها وفي الركاز الخمس ، ورواه النسائي أيضا ، قوله : " الميتاء " بكسر الميم الطريق المسلوك على وزن مفعال من الإتيان ، والميم زائدة وبابه الهمزة . وأما حديث الجارود بن معلى فأخرجه النسائي عنه " قال : أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن على إبل عجاف فقلنا : إنا نمر بموضع قد سماه فنجد إبلا فنركبها ، قال : ضالة المسلم حرق النار " ، وله حديث آخر رواه أحمد ، وفيه : " فإن وجدت ربها فادفعها إليه ، وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء " . وأما حديث عياض بن حماد فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وجد لقطة فليشهد ذوا عدل ولا يكتم ولا يغب ، فإن وجد صاحبها فليردها عليه ، وإلا فهو مال الله " . وأما حديث جرير بن عبد الله ، فرواه أبو داود عنه ولفظه : " لا يؤوي الضالة إلا ضال " ، ورواه النسائي وابن ماجه أيضا . وأما حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فرواه أبو داود عنه ، ولفظه : " عرفها سنة " . وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه أبو داود أيضا مطولا فينظر في موضعه . وأما حديث سهل بن سعد فرواه أبو داود أيضا مطولا ، ينظر في موضعه . وأما حديث أبي هريرة فرواه الطبراني عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل اللقطة ؛ من التقط شيئا فليعرفه ، فإن جاء صاحبها فليردها إليه ، فإن لم يأت فليتصدق بها ، فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له " ، ولأبي هريرة حديث آخر رواه البزار . وأما حديث جابر فرواه أبو داود عنه قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به . وأما حديث عبد الله بن الشخير فرواه ابن ماجه عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضالة المسلم حرق النار " . وأما حديث يعلى بن مرة فرواه أحمد في مسنده عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من التقط لقطة يسيرة درهما أو حبلا أو شبه ذلك ؛ فليعرفه ثلاثة أيام ، وإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام " . وأما حديث سويد فرواه ابن قانع في معجمه عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه ، وإلا فأوثق صرارها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه ، وإلا فشأنك بها . وسماه ابن قانع سويد بن عقبة الجهني ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : سويد أبو عقبة الأنصاري . وقال : حديثه في اللقطة صحيح . وأما حديث زيد بن خالد فرواه الأئمة الستة على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . وأما حديث عائشة فرواه سعيد بن منصور عنها أنها كانت ترخص للمسافر أن يلتقط السوط والعصا والإداوة والنعلين والمزود ، والظاهر أنه محمول على السماع ، وعن أم سلمة مثله . وأما الحديث عن رجل من الصحابة فرواه النسائي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه سئل عن الضالة فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها ثلاثة أيام على باب المسجد ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " . وأما حديث المقداد فرواه ابن ماجه عنه أنه دخل خربة فخرج جرذ ومعه دينار ثم آخر حتى أخرج سبعة عشر دينارا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم خبرها فقال : لا صدقة فيها بارك الله لك فيها . ( ذكر معناه ) قوله : " أخذت " هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي أصبت ، وفي رواية الكشميهني وجدت ، قوله : " مائة دينار " نصب على أنه بدل من صرة ، ويجوز الرفع على تقدير فيها مائة دينار ، قوله : " فعرفها " بالتشديد أمر من التعريف ، وهو أن ينادي في الموضع الذي لقاها فيه ، وفي الأسواق والشوارع والمساجد ، ويقول : من ضاع له شيء فليطلبه عندي ، قوله : " فعرفتها أيضا " بالتشديد من التعريف وحولا نصب على الظرف ، قوله : " من يعرفها بالتخفيف " من عرف يعرف معرفة وعرفانا ، قوله : " ثم أتيته ثلاثا " أي ثلاث مرات ، المعنى أنه أتى ثلاث مرات وليس معناه أنه أتى بعد المرتين الأوليين ثلاث مرات ، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي ذلك ؛ لأن ثم إذا تخلفت عن معنى التشريك في الحكم والترتيب والمهلة تكون زائدة ، فلا تكون عاطفة ألبتة قاله الأخفش والكوفيون ، وحملوا على ذلك قوله تعالى : حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ويوضح ما ذكرنا رواية مسلم فقال أي أبي بن كعب : " إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عرفها حولا قال : فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال : عرفها حولا فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ، فقال : عرفها حولا فلم أجد من يعرفها ، فقال : احفظ عددها " الحديث . وقد اختلفت الروايات في هذا ، ففي رواية عرفها ثلاثا ، وفي أخرى أو حولا واحدا ، وفي أخرى في سنة أو في ثلاث سنين ، وفي أخرى عامين أو ثلاثة ، وروى مسلم عن جماعة هذا الحديث ، ثم قال : وفي حديثهم جميعا ثلاثة أحوال إلا حماد بن سلمة ، فإن في حديثه عامين أو ثلاثة ، وقال المنذري : لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره من أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا رواية جاءت عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد روى عن عمر أنها تعرف سنة مثل قول الجماعة ، وفي الحاوي عن شواذ من الفقهاء : أنها تعرف ثلاثة أحوال ، وقال ابن المنذر عن عمر رضي الله تعالى عنه : يعرفها ثلاثة أشهر . قال : وروينا عنه ثلاثة أيام ، ثم يعرفها سنة ، وزعم ابن الجوزي أن رواية الثلاثة أحوال ، إما أن يكون غلطا من بعض الرواة ، وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفا غير جيد ، كما قال للمسيء صلاته : " ارجع فصل فإنك لم تصل " . وذكر ابن حزم عن عمر بن الخطاب : يعرف اللقطة ثلاثة أشهر ، وفي رواية أربعة أشهر ، وعن الثوري : الدرهم يعرف أربعة أيام . وقال صاحب الهداية : إن كانت أقل من عشرة دراهم يعرفها أربعة ، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا ، وهذه رواية عن أبي حنيفة ، وقدر محمد الحول من غير تفصيل بين القليل والكثير ، وهو ظاهر المذهب وفي التوضيح كذا قاله أبو إسحاق في تنبيهه ، والمذهب الفرق ؛ فالكثير يعرف سنة ، والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه ، وممن روي عنه تعريف سنة : علي ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، وإليه ذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد ، ونقل الخطابي إجماع العلماء فيه ، وقال ابن الجوزي ابتداء الحول من يوم التعريف لا من الأخذ ، قوله : " احفظ وعاءها " بكسر الواو وقد يضم وبالمد ، وقرأ الحسن بالضم في قوله : " وعاء أخيه " وقرأ سعيد بن جبير " إعاء أخيه " بقلب الواو همزة مكسورة ، والوعاء ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جلد أو خرق أو خشب أو غير ذلك ، ويقال الوعاء هو الذي يكون فيه النفقة . وقال ابن القاسم هو الخرقة ، قوله : " ووكاءها " بكسر الواو وبالمد ، وهو الذي يشد به رأس الكيس أو الصرة أو غيرهما ، ويقال : أوكيته إيكاء فهو موك بلا همز ، وزاد في حديث زيد بن خالد العفاص كما يجيء عن قريب ، قوله : " فإن جاء صاحبها " شرط جزاؤه محذوف نحو : فارددها إليه ، قوله : " وإلا " أي وإن لم يجئ صاحبها فاستمتع بها ، استدل به قوم وبقوله : " فشأنك بها " في حديث سويد الذي مضى على أن بعد السنة يملك الملتقط اللقطة ، وهذا خرق لإجماع أئمة الفتوى في أنه يردها بعد الحول أيضا إذا جاء صاحبها ؛ لأنها وديعة عنده ، ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : فأدها إليه ، قوله : " فلقيته بعد بمكة " القائل بقوله : لقيته شعبة ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى سلمة بن كهيل ، قوله : " بعد " بضم الدال أي بعد ذلك ، قوله : " بمكة " حال من الضمير المنصوب ، أي حال كون سلمة بمكة يعني كان ملاقاة شعبة بسلمة في مكة ، وقد أوضح ذلك مسلم في روايته حيث قال : قال شعبة : فسمعته بعد عشر سنين يقول : عرفها عاما واحدا . وكذلك صرح بذلك أبو داود الطيالسي في مسنده يقال في آخر الحديث قال شعبة : فلقيت سلمة بعد ذلك فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا ، وقال الكرماني : قوله : " فلقيته " أي قال سويد : لقيت أبي بن كعب بعد ذلك بمكة ، قلت : تبع في ذلك ابن بطال حيث قال الذي شك فيه هو أبي بن كعب ، والقائل هو سويد بن غفلة ، ولكن يرد هذا ما ذكرناه عن مسلم والطيالسي ، قوله : " فقال : لا أدري " أي قال سلمة بن كهيل ، وهو الشاك فيه ، وعلى قول ابن بطال : الشاك هو أبي بن كعب ، والسائل منه هو سويد بن غفلة كما ذكرناه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه التعريف بثلاثة أحوال ، ولكن الشك فيه يوجب سقوط المشكوك ، وهو الثلاثة ، وقال ابن بطال : لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره بأن اللقطة تعرف ثلاثة أحوال ، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب . وفيه الأمر بحفظ ثلاثة أشياء ، وهي الوعاء والعدد والوكاء ، وإنما أمر بحفظ هذه الأشياء لوجوه من المصالح : منها أن العادة جارية بإلقاء الوعاء والوكاء إذا فرغ من النفقة ، وأمره بمعرفته وحفظه لذلك . ومنها أنه إذا أمره بحفظ هذين ، فحفظ ما فيهما أولى . ومنها أن يتميز عن ماله فلا يختلط به . ومنها أن صاحبها إذا جاء بغتة فربما غلب على ظنه صدقه ، فيجوز له الدفع إليه . ومنها أنه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكنه التعريف لها والإشهاد عليه ، وأمره صلى الله تعالى عليه وسلم بحفظ هذه الأوصاف الثلاثة هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف يدفع إليه بغير بينة ، وقال ابن القاسم : لا بد من ذكر جميعها ، ولم يعتبر أصبغ العدد ، وقول ابن القاسم أوضح ، فإذا أتى بجميع الأوصاف هل يحلف مع ذلك أم لا ؟ قولان النفي لابن القاسم ، وتحليفه لأشهب ، ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه وأحمد وداود ، وهو قول البخاري ، وبوب عليه بالباب المذكور ، وبه قال الليث بن سعد أيضا . وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يجب الدفع إلا بالبينة ، وتأولوا الحديث على جواز الدفع بالوصف إذا صدقه على ذلك ، ولم يقم البينة ، واستدل الشافعي على ذلك بقوله في الحديث الآخر : البينة على المدعي ، وهذا مدع . وقال الشافعي : ولو وصفها عشرة أنفس لا يجوز أن يقسم بينهم ، ونحن نعلم أن كلهم كاذبون إلا واحدا منهم غير معين ، فيجوز أن يكون صادقا ، ويجوز أن يكون كاذبا ، وأنهم عرفوا الوصف من الملتقط ، ومن الذي ضاعت منه ، وقال شيخنا زين : هذا معنى كلامه ، وظاهر الحديث يدل لما قال مالك والليث وأحمد والله أعلم . ولو أخبر طالب اللقطة بصفاتها المذكورة فصدقه الملتقط ودفعها إليه ، ثم جاء طالب آخر لها وأقام البينة على أنها ملكه ، فقد اتفقوا على أنها تنتزع ممن أخذها أولا بالوصف وتدفع للثاني ؛ لأن البينة أقوى من الوصف ، فإن كان قد أتلفها ضمنها . واختلفوا هل لمقيم البينة أن يضمن الملتقط فقال الشافعي : له تضمينه ؛ لأنه دفعه لغير مالكه . وقالت المالكية : لا يضمن ؛ لأنه فعل ما أمره به الشارع . وقال ابن القاسم : يقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعيا شيئا وأقاما بينة . وقال أصحابنا الحنفية : وإن دفعها بذكر العلامة ثم جاء آخر وأقام البينة بأنها له ، فإن كانت قائمة أخذها منه ، وإن كانت هالكة يضمن أيهما شاء ويرجع الملتقط على الآخذ إن ضمن ، ولا يرجع الآخذ على أحد ، وللملتقط أن يأخذ منه كفيلا عند الدفع ، وقيل : يخير ، وإن دفعها إليه بتصديقه ثم أقام آخر بينة أنها له ، فإن كانت قائمة أخذها منه ، وإن كانت هالكة ، فإن كان دفع إليه بغير قضاء فله أن يضمن أيهما شاء ، فإن ضمن القابض فلا يرجع به على أحد ، وإن ضمن الملتقط فله أن يرجع به على القابض ، وللملتقط أن يأخذ به كفيلا وإن كان دفعها إليه بقضاء ضمن القابض ولا يضمن الملتقط ؛ لأنه مقهور ، وإن أقام الحاضر بينة أنها له فقضى بالدفع إليه ثم حضر آخر وأقام بينة أنها له لم يضمن . وفيه الاستمتاع باللقطة إذا لم يجئ صاحبها ، واحتج بظاهره جماعة ، وقالوا : يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولا أن يستمتع بها ، وقد أخذها علي بن أبي طالب ، وهو يجوز له أخذ النفل دون الفرض ، وأبي بن كعب ، وهو من مياسير الصحابة ، وقال أبو حنيفة : إن كان غنيا لم يجز له الانتفاع بها ، ويجوز إن كان فقيرا ولا يتصدق بها على غني ، ويتصدق بها على فقير أجنبيا كان أو قريبا منه ، وكذا له أن يتصدق بها على أبويه وزوجته وولده إذا كانوا فقراء . ( فإن قلت ) : ظاهر الحديث حجة عليكم ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبي : فاستمتع بها . قال : فاستمتعت . ( قلت ) : هذا حكاية حال ، فلا تعم ، ويجوز أنه صلى الله عليه وسلم عرف فقره ، أو كانت عليه ديون ، ولئن سلمنا أنه كان غنيا فقال له : استمتع بها . وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل العرض ، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم عرف أنه في مال حربي كافر . ثم لو ضاعت اللقطة قبل الحول فهل يضمن أو لا ؟ فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن : إن كان حين أخذها أشهد عليه ليردها لم يضمن وإلا ضمن ؛ لحديث عياض بن حماد ، وقد ذكرناه ، وعن أبي يوسف : لا يشترط الإشهاد كما لو أخذها بإذن المالك ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ، وإن لم يشهد عليه عند الالتقاط وادعى أنه أخذها ليردها وادعى صاحبها أنه أخذها لنفسه ، فالقول لصاحبها ويضمن الملتقط قيمتها عندهما ، وقال أبو يوسف : القول قول الملتقط فلا يضمن ، وإذا لم يمكنه الإشهاد بأن لم يجد أحدا وقت الالتقاط أو خاف من الظلمة عليها فلا يضمن بالاتفاق . واختلف في ضياعها بعد الحول من غير تفريط ، فالجمهور على عدم الضمان ، ونقل ابن التين عن الشافعية أنه إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها ، وعند البعض لا ضمان ، ثم عند الشافعية لا يحتاج في إنفاقها على نفسه إلى اختيار التمليك ، بل إذا انقضت السنة دخلت في ملكه ، يدل عليه ما في رواية النسائي ، فإن لم يأت فهي لك ، قال شيخنا : هذا وجه لأصحاب الشافعي ، والصحيح عندهم أنه لا بد من اختيار التملك قبل الإنفاق ، وهو الذي صححه النووي فقال : لا بد من اختيار التمليك لفظا . وفيه وجه آخر أنه لا يملكها إلا بالتصرف بالبيع ونحوه ، ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار : أنه ليس له أن يتملكها قبل السنة ، ونقل عن داود أنه يأكلها ثم يضمنها ، وفيه دلالة على إبطال قول من يدعي علم الغيب بكهانة أو سحر ؛ لأنه لو كان يعلم شيء من الغيب بذلك لما ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لصاحب اللقطة معرفة الأوصاف التي ذكرها فيه .
27 - ( حدثنا سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ح قال : حدثني سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف قال : حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد قال : أنزلت : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ولم ينزل : مِنَ الْفَجْرِ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : سعيد بن أبي مريم ، هو سعيد بن محمد الحكم بن أبي مريم الجمحي ، الثاني : ابن أبي حازم عبد العزيز ، الثالث : أبوه أبو حازم بالحاء المهملة والزاي ، واسمه سلمة بن دينار ، الرابع : أبو غسان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون ، واسمه محمد بن طريف ، الخامس : سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري والبقية مدنيون ، وفيه أن في الطريق الأول روى عن شيخه بالتحديث بصيغة الجمع ، وفي الطريق الثاني عنه أيضا بصيغة الإفراد ، وفيه أن شيخه يروي عن شيخين ، أحدهما : ابن أبي حازم ، والآخر أبو غسان ، وفي التفسير عن أبي غسان وحده ، واللفظ لأبي غسان ، وكذا أخرجه مسلم وابن أبي حاتم وأبو عوانة والطحاوي في آخرين من طريق سعيد شيخ البخاري عن أبي غسان وحده . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن سعيد بن أبي مريم ، وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر محمد بن إسحاق ، ومحمد بن سهل بن عسكر ، كلاهما عن سعيد بن أبي مريم ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي بكر بن إسحاق به . ( ذكر معناه ) قوله : ربط أحدهم في رجليه ( قلت ) في مسلم جعل الرجل يأخذ خيطا أبيض وخيطا أسود فيضعهما تحت وسادته وينظر متى يستبينا ( قلت ) : لا منافاة لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا وبعضهم فعل هذا ، وقال بعضهم : أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر فيربطونهما حينئذ في أرجلهم ليشاهدوهما ، انتهى ( قلت ) هذا بعيد ؛ لأنه لا حاجة حينئذ إلى الربط في أرجلهم ؛ لأنهم في يقظة حينئذ لأن المشاهدة لا تكون إلا عن يقظان ، فلا يحتاج إلى الربط في الرجل ، ففي أي موضع كان تحصل المشاهدة ، قوله : حتى يتبين له كذا هو بالتشديد في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني حتى يستبين من الإستبانة ، وذلك من التبين من باب التفعل ، وذاك من باب الاستفعال ، قوله : رؤيتهما بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الياء آخر الحروف وضم التاء المثناة من فوق وهو من رأى بالعين ، يقال : رأى رأيا ورؤية وراءة مثل راعة ، فيتعدى إلى مفعول واحد ، وإذا كان بمعنى العلم يتعدى إلى مفعولين ، يقال : رأى زيدا عالما ، وهذا هكذا في رواية أبي ذر وهو مرفوع لأنه فاعل لقوله : ( حتى يتبين له ) ، وفي رواية النسفي : رأيهما ، بكسر الراء وسكون الهمزة وضم الياء آخر الحروف ، ومعناه منظرهما ، ومنه : قوله تعالى : ( أحسن أثاثا ورءيا ) ، وفي رواية مسلم زيهما بكسر الزاي وتشديد الياء بلا همز ، ومعناه : لونهما ، ويروى رئيهما بفتح الراء وكسرها وكسر الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف ، قال عياض : هذا غلط ؛ لأن الرئي التابع من الجن ، فلا معنى له هاهنا ، فإن صحت به الرواية فيكون معناه مرئيهما ، قوله : فأنزل الله بعد بضم الدال أي بعد نزول حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ( فإن قلت ) كيف الجمع على هذا بين حديث عدي وحديث سهل هذا ( قلت ) : قال القرطبي : يصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرا عن حديث سهل ، وأن عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل ، وإنما سمع الآية مجردة ، وعلى هذا فيكون مِنَ الْفَجْرِ متعلقا بقوله : يَتَبَيَّنَ . وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقا بمحذوف ، قال : ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة ، وذكر بعض الرواة من الفجر متصلا بما قبله ، كما ثبت في القرآن العزيز ، وإن كان قد نزل منفردا كما بينه في حديث سهل ، وحديث سهل يقتضي أن يكون منفردا ، وذاك أن فرض الصيام كان في السنة الثانية بلا خلاف ، وقال سهل : في حديثه كان رجال ، إلى قوله ( والخيط الأسود ) ثم أنزل مِنَ الْفَجْرِ ، فدل هذا على أن الصحابة كانوا يفعلون هذا إلى أن أسلم عدي في السنة التاسعة ، وقيل : العاشرة ، حتى أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك سواد الليل وبياض النهار ، قوله : فأنزل الله بعد ذلك مِنَ الْفَجْرِ روى أنه كان بينهما عام ، قال الطحاوي : فلما كان حكم هذه الآية قد أشكل على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بين الله لهم من ذلك ما بين ، وحتى أنزل مِنَ الْفَجْرِ بعدما كان قد أنزل الله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ فكان الحكم أن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم ، حتى نسخ الله - عز وجل - بقوله : مِنَ الْفَجْرِ على ما ذكرنا ، وقد بينه سهل في حديثه ، انتهى ، وقال عياض : وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولا ثم نسخ بقوله : مِنَ الْفَجْرِ كما أشار إليه الطحاوي والداودي ، وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوله من لم يكن مخالطا للنبي - صلى الله عليه وسلم إنما هو من الأعراب ومن لا فقه عنده ، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار ، انتهى ( قلت ) قد ذكرنا فيما مضى أن ذلك كان اسما لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام ، وعن هذا قال الداودي : أحسب أن المحفوظ حديث عدي ؛ لأن الله لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه ، وإن يكن حديث سهل محفوظا فإنما هو الذي فرض عليهم ثم نسخ بالفجر .
( باب قول الله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ أي هذا باب في بيان قول الله - عز وجل - مخاطبا للمسلمين بقوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا بعد أن كانوا ممنوعين منهما بعد النوم ، وبين فيه غاية وقت الأكل بقوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ والمراد بالخيط الأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ، والخيط الأسود ما يمتد معه من غبش الليل شبها بخيطين أبيض وأسود ، وقوله : مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الإبيض ، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود ؛ لأن بيان أحدهما بيان للثاني ، قال الزمخشري : ويجوز أن تكون " من " للتبعيض ؛ لأنه بعض الفجر ، وقال : وقوله : مِنَ الْفَجْرِ أخرجه من باب الاستعارة ، كما أن قولك : رأيت أسدا مجاز ، فإذا زدت " من فلان " رجع تشبيها ، انتهى . ولما نزل قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أولا ولم ينزل " مِنَ الْفَجْرِ " كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل ويشرب ويأتي أهله حتى يظهر له الخيطان ، ثم لما نزل قوله : مِنَ الْفَجْرِ علموا أن المراد من الخيطين الليل والنهار ، فالأسود سواد الليل ، والأبيض بياض الفجر ، كما يأتي الآن بيانه في حديث الباب ، قوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ أي من بعد انشقاق الفجر الصادق ، كفوا عن الأكل والشرب والجماع إلى أن يأتي الليل ، وهو غروب الشمس ، قالوا : فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان ، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر ، وعلى نفي صوم الوصال . ( فيه البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . أي في هذا الباب حديث رواه البراء بن عازب الصحابي - رضي الله تعالى عنه وقال الكرماني : يعني فيما يتعلق بهذا الباب حديث رواه البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لما لم يكن على شرط البخاري لم يذكره فيه ، ( قلت ) : ليس كذلك ، بل أشار به إلى الحديث الذي رواه موصولا عن البراء الذي سبق ذكره في الباب الذي قبله . 26 - ( حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا هشيم قال : أخبرني حصين بن عبد الرحمن ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال : لما نزلت : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر في الليل ، فلا يستبين لي ، فغدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك ، فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : حجاج على وزن فعال ، بالتشديد ، ابن منهال ، بكسر الميم وسكون النون ، السلمي ، مولاهم الأنماطي ، الثاني : هشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ، السلمي ، مولاهم أبو معاوية ، الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي ، يكنى أبا الهذيل ، الرابع : عامر بن شراحيل الشعبي ، الخامس : عدي بن حاتم الصحابي - رضي الله تعالى عنه - ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه بصري ، وأن هشيما واسطي وأصله من بلخ ، وأن حصينا والشعبي كوفيان ، وأن فيه أخبرني حصين ، ويروى أخبرنا ، وزاد الطحاوي من طريق إسماعيل بن سالم عن هشيم أخبرنا حصين ، ومجالد عن الشعبي ، فالطحاوي أخرج هذا الحديث من طريقين ، أحدهما : عن محمد بن خزيمة قال : حدثنا حجاج بن منهال ، إلى آخره ، نحو رواية البخاري ، والآخر عن أحمد بن داود ، عن إسماعيل بن سالم ، عن هشيم ، عن حصين ومجالد عن الشعبي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة ، وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن إدريس ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد ، عن حصين بن نمير ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، وقال : حسن صحيح . ( ذكر معناه ) قوله : " عن عدي بن حاتم " في رواية الترمذي " أخبرني عدي بن حاتم " وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن منيع ، وكذا أورده أبو عوانة من طريق أبي عبيد عن هشيم عن حصين ، قوله : " عمدت " أي قصدت ، من عمد يعمد عمدا إذا قصد ، وهو من باب ضرب يضرب ، وأما عمدت الشيء فانعمد ، فمعناه أقمته ، فالأول باللام وإلى والثاني بدونهما ، قوله : " إلى عقال " بكسر العين المهملة وبالقاف ، وهو الحبل الذي يعقل به البعير ، والجمع عقل ، وفي رواية مجالد " فأخذت خيطين من شعر " قوله : " فلا يستبين لي " أي فلا يظهر لي ، وفي رواية مجالد " فلا أستبين الأبيض من الأسود " ، قوله : " وسادتي " الوساد والوسادة المخدة ، والجمع وسائد ووسد ، قوله : " إنما ذلك " إشارة إلى ما ذكر من قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ورواية البخاري في التفسير قال : " أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود ، حتى إذا كان بعض الليل نظر فلم يستبينا ، فلما أصبح قال : يا رسول الله ، جعلت تحت وسادتي ، قال : إن وسادتك إذا لعريض " ، وفي رواية " قلت : يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ، قال : إنك لعريض القفا ، إن أبصرت الخيطين ، ثم قال : لا بل هو سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية مسلم : " قال : يا رسول الله إنني جعلت تحت وسادتي عقالين ، عقالا أبيض وعقالا أسود ، أعرف الليل من النهار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن وسادك لعريض ، إنما هو سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية أبي داود : " قال : أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود ، فوضعتهما تحت وسادتي ، فنظرت فلم أتبين ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك وقال : إن وسادك إذا لعريض طويل ، إنما هو الليل والنهار " ، وفي لفظ " إنما هما سواد الليل وبياض النهار " ، وفي رواية أبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف " فضحك وقال : لا يا عريض القفا " انتهى . قوله : " إن وسادك لعريض " كنى بالوساد عن النوم ؛ لأن النائم يتوسد أي إن نومك لطويل كثير ، وقيل : كنى بالوساد عن موضع الوساد من رأسه وعنقه ، وتشهد له الرواية التي فيها : " إنك لعريض القفا " ، فإن عرض القفا كناية عن السمن ، وقيل : أراد من أكل مع الصبح في صومه أصبح عريض القفا ؛ لأن الصوم لا يؤثر فيه ، ويقال : يكنى عن الأبله بعريض القفا ، فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا قيل : إنه دليل الغباوة والحماقة ، كما أن استواءه دليل على علو الهمة وحسن الفهم ، وهذا من قبيل الكناية الخفية ، والفرق بين الكناية والمجاز أن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم ، وفي المجاز من الملزوم إلى اللازم ، وهكذا فرق السكاكي وغيره ، وقال الزمخشري : إنما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قفا عدي لأنه غفل عن البيان ، وتعريض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة ، قيل : أنكر ذلك غير واحد منهم القرطبي فقال : حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم ، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفا وعدم الفقه ، وعضدوا ذلك بقوله : " إنك لعريض القفا " وليس الأمر على ما قالوه ؛ لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إذا لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذما ولا ينسب إلى جهل ، وإنما عنى - والله أعلم - إن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذا عريض واسع ، ولهذه قال في إثر ذلك : إنما هو سواد الليل وبياض النهار ، فكأنه قال : فكيف يدخلان تحت وسادتك ، وقوله : " إنك لعريض القفا " أي إن الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة . ( ذكر الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل إن قوله ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) إلى آخره ، يقتضي ظاهره أن عدي بن حاتم كان حاضرا لما نزلت هذه الآية ، وهو يقتضي تقدم إسلامه ، وليس الأمر كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدما في أوائل الهجرة ، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ( قلت ) أجابوا بأربعة أجوبة ، الأول : إن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم ، وهذا بعيد جدا ، الثاني : أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله " لما نزلت " أي لما تليت علي عند إسلامي ، الثالث : أن المعنى لما بلغني نزول الآية عمدت إلى عقالين ، الرابع : يقدر فيه حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت وأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت ، وهذا أحسن الوجوه ، ويؤيده ما رواه أحمد من طريق مجالد بلفظ " علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة والصيام ، فقال : صل كذا ، وصم كذا ، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، قال : فأخذت خيطين " الحديث . ومنها : ما قيل إن قوله مِنَ الْفَجْرِ نزل بعد قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وكان هذا بيانا لهم أن المراد به أن يتميز بياض النهار من سواد الليل ، فكيف يجوز تأخير البيان مع الحاجة إليه مع بقاء التكليف ؟ أجيب بأن البيان كان موجودا فيه ، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس ، وإنما كان على وجه يختص به أكثرهم أو بعضهم ، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفا في درجة يطلع عليها كل أحد ، ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عدي وحده ، ويقال : كان استعمال الخيطين في الليل والنهار شائعا غير محتاج إلى البيان ، وكان ذلك اسما لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام ، قال أبو داود الإيادي : ولما أضاءت لنا ظلمة ولاح لنا الصبح خيط أنارا فاشتبه على بعضهم ، فحملوه على العقالين ، وقال النووي : فعل ذلك من لم يكن ملازما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو من الأعراب ومن لا فقه عنده أو لم يكن من لغته استعمالها في الليل والنهار . ومنها : ما قيل إن قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ أجيب بأن قوله : مِنَ الْفَجْرِ أخرجه من باب الاستعارة ، وقد نقلنا هذا عن الزمخشري في أوائل الباب . ومنها : ما قيل إن الاستعارة أبلغ ، فلم عدل إلى التشبيه ؟ أجيب بأن التشبيه الكامل أولى من الاستعارة الناقصة ، وهي ناقصة لفوات شرط حسنها ، وهو أن يكون التشبيه بين المستعار له والمستعار منه جليا بنفسه معروفا بين سائر الأقوام ، وهذا قد كان مشتبها على بعضهم .
باب السواك الرطب واليابس للصائم . أي هذا باب في بيان حكم استعمال السواك الرطب وبيان حكم استعمال السواك اليابس . قوله : الرطب واليابس صفتان للسواك ، وهكذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية الأكثرين وقع باب سواك الرطب واليابس من قبيل قولهم مسجد الجامع ، والأصل فيه أن الصفة لا يضاف إليها موصوفها ، فإن وجد ذلك يقدر موصوف كما في هذه الصورة ، والتقدير مسجد المكان الجامع ، وكذلك قولهم صلاة الأولى أي صلاة الساعة الأولى ، وكذلك التقدير في سواك الرطب سواك الشجر الرطب . قلت : مذهب الكوفيين في هذا أن الصفة يذهب بها مذهب الجنس ، ثم يضاف الموصوف إليها كما يضاف بعض الجنس إليه نحو خاتم حديد ، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف ، وقال بعضهم وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي . قلت : لم يكن مراده أصلا من وضع هذه الترجمة ما قاله هذا القائل ، وإنما لما أورد في هذا الباب الأحاديث التي ذكرها فيه التي دلت بعمومها على جواز الاستياك للصائم مطلقا سواء كان سواكا رطبا أو سواكا يابسا ترجم لذلك بقوله باب السواك الرطب إلى آخره . ويذكر عن عامر بن ربيعة قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد . مطابقته للترجمة من حيث دلالة عموم قوله : يستاك على جواز الاستياك مطلقا ، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس ، وسواء كان صائما فرضا أو تطوعا ، وسواء كان في أول النهار أو في آخره ، وقد ذكر البخاري في باب اغتسال الصائم ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استاك وهو صائم ، وذكر هنا ويذكر عن عامر بن ربيعة إلى آخره وذكرنا هناك أن حديث عامر بن ربيعة هذا أخرجه أبو داود والترمذي موصولا ، وإنما ذكر في الموضعين بصيغة التمريض ؛ لأن في سنده عاصم بن عبيد الله قال البخاري : منكر الحديث ، وقد استوفينا الكلام فيه هناك فليرجع إليه من يريد الوقوف عليه . وقال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء . مطابقته للترجمة من حيث إن قوله : بالسواك أعم من السواك الرطب والسواك اليابس ، ومضمون الحديث يقتضي إباحته في كل وقت وفي كل حال ، ووصل هذا التعليق النسائي ، عن سويد بن نصر ، أخبرنا عبد الله ، عن عبيد الله ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، وفي الموطأ عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه قال : لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء قال أبو عمر هذا يدخل في المسند عندهم لاتصاله من غير ما وجه ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك ، ورواه بشر بن عمر وروح بن عبادة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث روح ، ورواه الدارقطني في غرائب مالك من حديث إسماعيل بن أبي أويس وعبد الرحمن بن مهدي ومطرف بن عبد الرحمن وابن عتمة بما يقتضي أن لفظهم مع كل وضوء ورواه الحاكم في مستدركه مصححا بلفظ لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء ورواه المثنى عنه مع كل طهارة ورواه أبو معشر عنه لولا أن أشق على الناس لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع الوضوء بسواك والله أعلم . ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . أي يروى نحو حديث أبي هريرة ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وعن زيد بن خالد الجهني أبو عبد الرحمن من مشاهير الصحابة ، وهذان التعليقان رواهما أبو نعيم الحافظ فالأول من حديث إسحاق بن محمد الفروي ، عن عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن عبد الله بن عقيل عنه بلفظ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة والثاني من حديث ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة ، عن زيد ولفظه لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وإنما ذكره بصيغة التمريض لأجل محمد بن إسحاق فإنه لم يحتج به ، ولكن ذكره في المتابعات ، وأما الأول فضعفه ظاهر بابن عقيل الفروي فإنه مختلف فيه ، وروى ابن عدي حديث جابر من وجه آخر بلفظ لجعلت السواك عليهم عزيمة وإسناده ضعيف ، فإن قلت : هل فرق بين قوله : نحوه وبين قوله : مثله . قلت : إذا كان الحديثان على لفظ واحد يقال مثله ، وإذا كان الثاني على مثل معاني الأول يقال نحوه . واختلف أهل الحديث فيما إذا روى الراوي حديثا بسنده ثم ذكر سندا آخر ، ولم يسق لفظ متنه وإنما قال : بعده مثله أو نحوه فهل يسوغ للراوي عنه أن يروي لفظ الحديث المذكور أولا لإسناد الثاني أم لا ، على ثلاثة مذاهب أظهرها أنه لا يجوز مطلقا ، وهو قول شعبة ، ورجحه ابن الصلاح وابن دقيق العيد ، والثاني أنه إن عرف الراوي بالتحفظ والتمييز للألفاظ جاز ، وإلا فلا ، وهو قول الثوري وابن معين ، والثالث وهو اختيار الحاكم التفرقة بين قوله : مثله وبين قوله : نحوه فإن قال : مثله جاز بالشرط المذكور ، وإن قال : نحوه لم يجز وهو قول يحيى بن معين ، وقال الخطيب : هذا الذي قاله ابن معين بناء على منع الرواية بالمعنى ، فأما على جوازها فلا فرق . ولم يخص الصائم من غيره . هذا من كلام البخاري أي لم يخص النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه من الصحابة أبو هريرة وجابر وزيد بن خالد المذكور الآن الصائم من غير الصائم ولا السواك اليابس من غيره ، فيدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبا أو يابسا ، ولو افترق الحكم فيه بين الرطب واليابس في ذلك لبينه لأن الله عز وجل فرض عليه البيان لأمته . وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب . وقع هذا في بعض النسخ مقدما فوق حديث أبي هريرة ، وليس هذا وحده ، بل وقع في غير رواية أبي ذر في سياق الآثار ، والأحاديث في هذا الباب تقديم وتأخير وليس يبنى عليه عظيم أمر ، وأما التعليق ، عن عائشة فوصله أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، عن أبيه عنها . قوله : مطهرة بفتح الميم إما مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل من التطهير ، وإما بمعنى الآلة ، وفي الصحاح : المطهرة والمطهرة يعني بفتح الميم وكسرهما الإداوة والفتح أعلى ، والجمع المطاهر ويقال : السواك مطهرة للفم ، قوله : مرضاة للرب المرضاة بالفتح مصدر ميمي بمعنى الرضى ، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي مرضي الرب ، وقال الطيبي : يمكن أن يقال إنها مثل الولد مبخلة مجبنة أي السواك مظنة للطهارة والرضى أي يحمل السواك الرجل على الطهارة ورضى الرب ، وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن تكون الطهارة به علة للرضى ، وأن يكونا مستقلين في العلية . قلت : يؤخذ الجواب من هذا السؤال من يسأل كيف يكون السواك سببا لرضى الله تعالى ؟ ويمكن أن يقال أيضا من حيث إن الإتيان بالمندوب موجب للثواب ، ومن جهة أنه مقدمة للصلاة وهي مناجاة الرب ، ولا شك أن طيب الرائحة يقتضي رضى صاحب المناجاة . وقال عطاء وقتادة : يبتلع ريقه . أي قال عطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة : يبتلع الصائم ريقه يعني ليس عليه شيء إذا بلع ريقه ، وقد ذكرنا عن قريب عن أصحابنا أن الصائم إذا جمع ريقه في فمه ثم ابتلعه لم يفطره ولكنه يكره ، قوله : يبتلع من باب الافتعال كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي يبلع من البلع ، وفي رواية الحموي يتبلع من باب التفعل الذي يدل على التكلف ، وتعليق عطاء وصله سعيد بن منصور ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج قلت لعطاء الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم ؟ قال : لا يضره وماذا بقي في فيه وكذلك أخرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، ووقع في أصل البخاري وما بقي فيه ، وقال ابن بطال : ظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضة ، وليس كذلك لأن عبد الرزاق رواه بلفظ وماذا بقي في فيه فكأن ذا سقطت من رواة البخاري ، وأثر قتادة وصله عبد بن حميد في التفسير ، عن عبد الرزاق ، عن معمر عنه نحو ما روي عن عطاء . 41 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا معمر قال : حدثني الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن حمران قال : رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا ، ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ، ثم اليسرى ثلاثا ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه . قد مر هذا الحديث في كتاب الوضوء في باب الوضوء ثلاثا ثلاثا فإنه أخرجه هناك ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب إلى آخره وأخرجه هنا عن عبدان وهو عبد الله بن عثمان المروزي ، عن عبد الله بن المبارك المروزي ، عن معمر بن راشد الأزدي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري إلى آخره ، ومناسبة ذكره هذا الحديث في هذا الباب في قوله : توضأ فإن معناه توضأ وضوءا كاملا جامعا للسنن ، ومن جملته السواك ، وقال ابن بطال : حديث عثمان حجة واضحة في إباحة كل جنس من السواك رطبا كان أو يابسا ، وهو انتزاع ابن سيرين منه حين قال : لا بأس بالسواك الرطب فقيل : له طعم ؟ فقال : والماء له طعم ، وهذا لا انفكاك منه ؛ لأن الماء أرق من ريق السواك ، وقد أباح الله تعالى المضمضة بالماء في الوضوء للصائم . قوله : بشيء أي بما لا يتعلق بالصلاة . قوله : إلا غفر له ويروى بدون كلمة الاستثناء ، ووجه الاستثناء هو الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي ، ويحتمل أن يقال : المراد لا يحدث نفسه بشيء من الأشياء في شأن الركعتين إلا بأنه قد غفر له ، وبقية الكلام مرت هناك .
( باب قول الله - جل ذكره - أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي هذا باب في بيان قول الله - عز وجل - وما يتعلق به من الأحكام ، وهذه الآية إلى قوله تعالى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره إلى آخر الآية لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وجعل البخاري هذه الآية ترجمة لبيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية ، وسبب نزولها في عمر بن الخطاب وصرمة بن قيس ، قال الطبري بإسناده إلى عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال : " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل ، فأمسى ، فنام حرمه عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد ، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأرادها ، فقالت : إني قد نمت ، فقال : ما نمت ، ثم وقع بها ، وصنع كعب بن مالك مثله ، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأنزل الله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ الآية ، وهكذا روي عن مجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة ، وغيرهم ، في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ، ومن صنع كما صنع وفي صرمة بن قيس ، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا ، وحديث الباب يقتصر على قضية صرمة بن قيس ، قوله : " الرفث " هو الجماع هنا ، قاله ابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطاوس ، وسالم بن عبد الله ، وعمرو بن دينار ، والحسن ، وقتادة ، والزهري ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان ، وقال الزجاج : الرفث كله جامع لكل ما يريده الرجل من النساء ، قوله : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن ، وقال الربيع بن أنس : هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن ، وحاصله أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه ، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا ، وقيل : كل قرن منكم يسكن إلى قرنه ويلابسه ، والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا ، قال الشاعر : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا وقال آخر : ألا بلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أهل اللغة : معناه فدى لك امرأتي ، وذكر ابن قتيبة وغيره أن المراد بقوله إزاري فدى لك امرأتي ، وقال بعضهم : أراد نفسه أي فدى لك نفسي ، وفي ( كتاب الحيوان ) للجاحظ ليس شيء من الحيوان يتبطن طروقته أي يأتيها من جهة بطنها غير الإنسان والتمساح ، وفي ( تفسير الواحدي ) والدب ، وقيل : الغراب ، قوله : تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حراما عليكم ، ذكره الطبري ، وفي ( تفسير ) ابن أبي حاتم عن مجاهد : تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ قال : تظلمون أنفسكم ، قوله : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ أي جامعوهن ، كنى الله عنه ، قاله ابن عباس ، وروي نحوه عن مجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وزيد بن أسلم ، قوله : وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا قال مجاهد فيما ذكره عبد بن حميد في تفسيره : الولدان لم تلد هذه فهذه ، وذكره أيضا الطبري عن الحسن ، والحاكم ، وعكرمة ، وابن عباس ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس بن مالك ، وشريح ، وعطاء ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، قال الطبري : وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى : وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قال : ليلة القدر ، وقال الطبري : وقال آخرون بل معناه ما أحله الله لكم ورخصه ، قال ذلك قتادة ، وعن زيد بن أسلم هو الجماع . 25 - ( حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء - رضي الله عنه - قال : كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك - وكان يومه يعمل - فغلبته عيناه ، فجاءته امرأته ، فلما رأته قالت : خيبة لك ، فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ، ففرحوا بها فرحا شديدا ، ونزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) . مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين سبب نزولها ، وعبيد الله بن موسى أبو محمد العبسي الكوفي ، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهو يروي عن جده أبي إسحاق ، واسمه عمرو بن عبد الله . والحديث أخرجه أبو داود في الصوم أيضا عن نصر بن علي ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد . قوله : " كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - " أي في أول ما افترض الصيام ، وبين ذلك ابن جرير في روايته من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا ، قوله : " فنام قبل أن يفطر " إلى آخره ، وفي رواية زهير " كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليله ولا يومه حتى تغرب الشمس " ، وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكرياء بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق " كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا ، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها " ( فإن قلت ) : الروايات كلها في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم وكذا ، هو في حديث غيره ، وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس ، قال : " كان الناس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة " الحديث ، والمنع في هذا مقيد بصلاة العشاء ( قلت ) : يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا ، والتقييد في الحقيقة بالنوم كما في سائر الأحاديث ، وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب ، كما أخرجه ابن حزم من طريق السدي ، ولفظه : " كتب على النصارى الصيام ، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم ، وكتب على المسلمين أولا مثل ذلك ، حتى أقبل رجل من الأنصار " فذكر القصة ، ومن طريق إبراهيم التيمي : كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب ، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة ، قوله : " وإن قيس بن صرمة " قيس بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ، وصرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وفتح الميم هكذا هو في رواية البخاري ، وتابعه على ذلك الترمذي ، والبيهقي ، وابن حبان في ( معرفة الصحابة ) ، وابن خزيمة في ( صحيحه ) ، والدارمي في ( مسنده ) ، وأبو داود في ( كتاب الناسخ والمنسوخ ) ، والإسماعيلي ، وأبو نعيم في ( مستخرجيهما ) ، وقال أبو نعيم في ( كتاب الصحابة ) : تأليفه صرمة بن أبي أنس ، وقيل : ابن قيس الخطمي الأنصاري ، يكنى أبا قيس ، كان شاعرا ، نزلت فيه : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ الآية ، ثم روى بإسناده عن أبي صالح " عن ابن عباس أن صرمة بن أبي أنس أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عشية من العشيات وقد جهده الصوم ، فقال له : مالك يا أبا قيس أمسيت طليخا " الحديث ، قال : ورواه جبارة بن موسى ، عن أبيه ، عن أشعث بن سوار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ورواه حماد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان أن صرمة بن قيس ، فذكر نحوه ، انتهى . وكذا ذكره أبو داود في ( سننه ) صرمة بن قيس ، وقال ابن عبد البر : صرمة بن أبي أنس ، قيس بن مالك بن عدي النجاري ، يكنى أبا قيس ، وقال بعضهم : صرمة بن مالك ، نسبه إلى جده ، وهو الذي نزل فيه وفي عمر - رضي الله تعالى عنه - أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ، وفي ( أسباب النزول ) للواحدي " عن القاسم بن محمد أن عمر - رضي الله تعالى عنه - جاء إلى امرأته فقالت : قد نمت ، فوقع عليها وأمسى صرمة بن قيس صائما ، فنام قبل أن يفطر " الحديث ، وقال أبو جعفر - رضي الله تعالى عنه - : أحمد بن نصر الداودي ، وابن التين يخشى أن يكون رواية البخاري غير محفوظة ، إنما هو صرمة ، وأما النسائي ؛ فلما ذكره في ( كتاب السنن ) قال : إن أبا قيس بن عمر ، فذكر الحديث ، وقال السهيلي : حديث صرمة بن أبي أنس قيس بن صرمة الذي أنزل الله تعالى فيه ، وفي عمر - رضي الله تعالى عنه - أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلى قوله : وَعَفَا عَنْكُمْ فهذه في عمر - رضي الله تعالى عنه - ثم قال : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إلى آخر الليلة ، فهذه في صرمة بن أبي أنس ، بدأ الله بقصة عمر لفضله فقال : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ثم بقصة صرمة فقال : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وعند ابن الأثير من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش : أخبرنا أبو عروبة عن قيس بن سعد عن عطاء " عن أبي هريرة : نام ضمرة بن أنس الأنصاري ولم يشبع من الطعام والشراب فنزلت أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الآية ، قيل : إنه تصحيف ولم يتنبه له ابن الأثير ، والصواب صرمة بن أبي أنس ، وهو مشهور في الصحابة ، يكنى أبا قيس ، والصواب في ذلك من بين هذه الروايات ما ذكره ابن عبد البر ، فمن قال : قيس بن صرمة قلبه ، كما أشار إليه الداودي ، كما ذكرناه الآن ، وكذا قال السهيلي وغيره : إنه وقع مقلوبا في رواية حديث الباب ، ومن قال : صرمة بن مالك نسبه إلى جده ، ومن قال : صرمة بن أنس حذف أداة الكنية من أبيه ، ومن قال أبو قيس بن عمرو ، أصاب في كنيته ، وأخطأ في اسم أبيه ، وكذا من قال أبو قيس بن صرمة ، وكأنه أراد أن يقول : أبو قيس صرمة ، فزيد فيه " ابن " فافهم ، فبهذا يجمع بين هذه الروايات المذكورة ، والله أعلم . قوله : " أعندك " بكسر الكاف والهمزة للاستفهام ، قوله : " قالت : لا " أي ليس عندي طعام ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، ظاهر هذا الكلام أنه لم يجيء معه بشيء ، لكن ذكر في مرسل السدي : أنه أتاها بتمر ، فقال : استبدلي به طحينا واجعليه سخينا ، فإن التمر أحرق جوفي ، وفي مرسل ابن أبي ليلى : فقال لأهله : أطعموني ، فقالت : حتى أجعل لك شيئا سخينا " ، ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد فذكره مختصرا ، قوله : " وكان يومه " بالنصب ، أي وكان قيس بن صرمة في يومه يعمل ، أي في أرضه ، وصرح بها أبو داود في روايته ، وفي مرسل السدي " كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة " فعلى هذا فقوله في أرضه إضافة اختصاص ، قوله : " فغلبته عيناه " أي نام ، لأن غلبة العينين عبارة عن النوم ، وفي رواية الكشميهني : " عينه " بالإفراد ، قوله : " خيبة لك " منصوب ، لأنه مفعول مطلق يجب حذف عامله ، وقيل : إذا كان بدون اللام يجب نصبه ، وإذا كان مع اللام جاز نصبه ، والخيبة : الحرمان ، يقال : خاب الرجل إذا لم ينل ما طلبه ، قوله : " فلما انتصف النهار غشي عليه " ، وفي رواية أحمد : " فأصبح صائما فلما انتصف النهار " ، وفي رواية أبي داود : " فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه " ، وفي رواية زهير عن أبي إسحاق : " فلم يطعم شيئا وبات حتى أصبح صائما حتى انتصف النهار فغشي عليه " ، وفي مرسل السدي : " فأيقظته فكره أن يعصى الله تعالى وأبي أن يأكل " ، وفي مرسل محمد بن يحيى ، فقال : " إني قد نمت ، فقالت له : لم تنم ، فأبى ، فأصبح جائعا مجهودا " ، قوله : " فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - " وزاد في رواية زكرياء عند أبي الشيخ " وأتى عمر - رضي الله عنه - امرأته وقد نامت ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - " قوله : " فنزلت هذه الآية " ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما وجه المناسبة بينهما وبين حكاية قيس ( قلت ) : لما صار الرفث حلالا ، فالأكل والشرب بالطريق الأولى ، وحيث كان حلهما بالمفهوم ، نزلت بعده ( كلوا واشربوا ) ليعلم بالمنطوق تصريحا بتسهيل الأمر عليهم ودفعا لجنس الضرر الذي وقع لقيس ونحوه ، أو المراد بالآية هي بتمامها إلى آخره ، حتى يتناول : كلوا واشربوا ، فالغرض من ذكر " نزلت " ثانيا ، هو بيان نزول لفظ مِنَ الْفَجْرِ بعد ذلك ، انتهى ( قلت ) اعتمد السهيلي على الجواب الثاني ، وقال : إن الآية نزلت بتمامها في الأمرين معا ، وقدم ما يتعلق بعمر - رضي الله تعالى عنه - لفضله ، قوله : " ففرحوا بها " أي بالآية ، وهي قوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ ووقع في رواية أبي داود " فنزلت أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ إلى قوله مِنَ الْفَجْرِ فهذا يبين أن محل قوله : ( ففرحوا بها ) بعد قوله : الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ووقع ذلك صريحا في رواية زكرياء بن أبي زائدة ، ولفظه " فنزلت أُحِلَّ لَكُمْ إلى قوله : مِنَ الْفَجْرِ ففرح المسلمون بذلك " .
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء . أي هذا باب فيما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ إلى آخره ، وهذه القطعة من حديث لم يوصلها البخاري ، وأوصلها مسلم وقال : حدثنا محمد بن رافع قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن همام قال : حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة ، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم ليستنثر وفي لفظ له من رواية الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر . قوله : إذا توضأ أي أحدكم كما في رواية مسلم ، قوله : بمنخره المنخر ثقب الأنف وقد تكسر الميم اتباعا للخاء . ولم يميز بين الصائم وغيره . هذا من كلام البخاري أي لم يميز النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث المذكور بين الصائم وغيره ، بل ذكره على العموم ، ولو كان بينهما فرق لميزه النبي صلى الله عليه وسلم لكن جاء تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما ورد في حديث عاصم بن لقيط بن صبره ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : له بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره . وقال الحسن : لا بأس بالسعوط للصائم إن لم يصل إلى حلقه ويكتحل . هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن هشام عنه نحوه ، والسعوط بفتح السين وقد يروى بضمها هو الدواء الذي يصب في الأنف قوله : إن لم يصل أي السعوط إلى حلقه وقيد به لأنه إذا وصل إلى حلقه يضر صومه ويقضي يوما . قوله : ويكتحل من كلام الحسن أي يكتحل الصائم ، يعني يجوز للصائم الاكتحال وقد مر الكلام فيه عن قريب مستقصى . وقال عطاء : إن تمضمض ثم أفرغ ما فيه من الماء لا يضيره إن لم يزدرد ريقه وماذا بقي في فيه . هذا التعليق وصله سعيد بن منصور ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج عنه ، وقد مضى الكلام فيه عن قريب عند قوله وقال عطاء قتادة يبتلع ريقه ، قوله : لا يضيره من ضاره يضيره ضيرا بمعنى ضره وهو رواية المستملي ، وفي رواية غيره لا يضره من ضره بالتشديد ، قوله : إن لم يزدرد أي لم يبلع ريقه ، قوله : وماذا بقي في فيه أي في فمه ، وهذه الجملة وقعت حالا ، وقد ذكرنا أن في رواية البخاري : وما بقي في فيه فكلمة ما على رواية البخاري موصولة وعلى رواية : ماذا بقي في فيه استفهامية كأنه قال : وأي شيء يبقى في فيه بعد أن يمج الماء إلا أثر الماء ، فإذا بلع ريقه لا يضره ، وفي نسخة صاحب التلويح بخطه : لا يضيره لأنه لم يزدرد ريقه أي يبلع ريقه . ولا يمضغ العلك فإن ازدرد ريق العلك لا أقول إنه يفطر ولكن ينهى عنه فإن استنثر فدخل الماء حلقه لا بأس لأنه لم يملك . لا يمضغ العلك بكلمة لا رواية الأكثرين وفي رواية المستملي : ويمضغ العلك بدون كلمة لا والأول أولى ، وكذلك أخرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج . قلت لعطاء : يمضغ الصائم العلك ؟ قال : لا . قلت : إنه يمج ريق العلك ولا يزدرده ولا يمصه ، قال : نعم وقلت له : أيتسوك الصائم ؟ قال : نعم . قلت : أيزدرد ريقه ؟ قال : لا . قلت : ففعل أيضره ؟ قال : لا ، ولكن ينهى عن ذلك والعلك بكسر العين المهملة وسكون اللام هو الذي يمضغ مثل المصطكى ، وقال الشافعي : يكره لأنه يجفف الفم ويعطش وإن وصل منه شيء إلى الجوف بطل الصوم ، وكرهه أيضا إبراهيم والشعبي ، وفي رواية جابر عنه : لا بأس به للصائم ما لم يبلع ريقه ، وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء أنه سئل عن مضغ العلك فكرهه ، وقال : هو مؤداه ، وقال ابن المنذر : رخص مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء ، فإن تحلب فازدرده ، فالجمهور على أنه يفطر . قوله : فإن استنثر أصله من نثر ينثر بالكسر إذا امتخط واستنثر استفعل منه أي استنشق الماء ثم استخرج ما في أنفه فينثره ، وقيل : الاستنثار تحريك النثرة وهي طرف الأنف . قوله : لم يملك أي لم يملك منع دخول الماء في حلقه .
( باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين ) أي هذا باب يذكر فيه لا يتقدمن إلى آخره ، وهو بالنون الخفيفة والثقيلة ، وفي كثير من النسخ : لا يتقدم ، بدون النون ، ويجوز فيه بناء المعلوم والمجهول ، والتقدير في بناء المعلوم لا يتقدم المكلف . 24 - ( حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هشام قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم ) . مطابقته للترجمة من حيث إنها مأخوذة منه ، ورجاله مروا غير مرة ، وهشام هو الدستوائي . وأخرجه مسلم في الصوم أيضا من حديث علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه " ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم ، شيخ البخاري ، قال : أخبرنا هشام عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصم ذلك اليوم " ، وأخرجه الترمذي فيه حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما ، وكان يصومه أحدكم ، صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، الحديث ، وقال : حديث حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا الوليد عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " ألا لا تقدموا قبل الشهر بصيام إلا رجل كان يصوم صياما أتى ذلك اليوم على صيامه " ، وأخرجه ابن ماجه ، حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مسلم عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : " لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا بيومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه " ، ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال : وفي الباب عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ( قلت ) حديث بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه النسائي من رواية منصور عن ربعي ، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال " الحديث ، وفي الباب أيضا عن حذيفة عند أبي داود ، وعن ابن عباس عند أبي داود والترمذي ، وعن عائشة عند أبي داود أيضا عن عمر - رضي الله تعالى عنه - عند البيهقي ، وعن جابر بن خديج عند الدارقطني ، وعن ابن مسعود عند الطبراني في ( الكبير ) ، وعن ابن عمر عند مسلم ، وعن علي بن أبي طالب عند أحمد والطبراني ، وعن طلق بن علي عند الطبراني أيضا ، وعن سمرة بن جندب عند الطبراني أيضا ، وعن البراء بن عازب عنده أيضا . قوله : " عن أبي سلمة عن أبي هريرة " ، وعند الإسماعيلي من رواية خالد بن الحارث حدثني أبو سلمة ، حدثني أبو هريرة ، وكذا في رواية أبي عوانة من طريق معاوية بن سلام عن يحيى ، قوله : " لا يتقدمن أحدكم رمضان " في رواية خالد بن الحارث المذكور : " لا تقدموا بين يدي رمضان بصوم " ، وفي رواية أحمد عن روح عن هشام : " لا تقدموا قبل رمضان بصوم " قوله : " إلا أن يكون رجل " يكون هنا تامة ، معناه : إلا أن يوجد رجل يصوم صوما ، وفي رواية الكشميهني " صومه " أي صومه المعتاد كصوم الورد أو النذر أو الكفارة . وقال العلماء : معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاختلاط لرمضان تحذيرا مما صنعت النصارى في الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد فكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بمخالفة أهل الكتاب ، وكان أولا يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ، ثم أمر بعد ذلك بمخالفتهم ( فإن قلت ) هذا النهي للتحريم أو للتنزيه ( قلت ) : حكى الترمذي عن أهل العلم الكراهة ، وكثيرا ما يطلق المتقدمون الكراهة على التحريم ، ولا شك أن فيه تفصيلا واختلافا للعلماء ، فذهب داود إلى أنه لا يصح صومه أصلا ، ولو وافق عادة له وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعا إلا أن يوافق صوما كان يصومه ، وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلي ، وعمار ، وحذيفة ، وابن مسعود ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وابن سيرين ، وهو قول الشافعي ، وكان ابن عباس وأبو هريرة يأمران بفصل يوم أو يومين ، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر ، وقال عكرمة : من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله ، وأجازت طائفة صومه تطوعا ، روي عن عائشة وأسماء أختها أنهما كانتا تصومان يوم الشك ، وقالت عائشة : لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ، وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق ، وذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن : أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزيه ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه . وقيل : الحكمة في هذا النهي التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط ، وقيل : لأن الحكم علق بالرؤية ، فمن تقدمه بيوم أو بيومين ، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم ، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك ، وقالوا : غاية المنع من أول السادس عشر من شعبان ؛ لما رواه أصحاب السنن من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " وأخرجه ابن حبان وصححه ، وقال الروياني من الشافعية : يحرم التقدم بيومين ؛ لحديث الباب ، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر ، وقال جمهور العلماء : يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان ، وقال بعضهم : وضعف الحديث الوارد فيه ، وقد قال أحمد وابن معين : إنه منكر ، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه ، فقال : الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء ، ( قلت ) : هذا الحديث صححه ابن حبان وابن حزم وابن عبد البر ، ولما رواه الترمذي قال : حديث حسن صحيح ، ولفظه " إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا " ، ولفظ النسائي " فكفوا عن الصوم " ، ولفظ ابن ماجه " وإذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يجيء رمضان " ، ولفظ ابن حبان " فأفطروا حتى يجيء رمضان " ، وفي رواية له " لا صوم بعد النصف من شعبان حتى يجيء رمضان " ، ولفظ ابن عدي " إذا انتصف شعبان فأفطروا " ، ولفظ البيهقي : " إذا مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان " . والعلاء بن عبد الرحمن احتج به مسلم وابن حبان وغيرهما ممن التزم الصحة ، ووثقه النسائي ، وروى عنه مالك والأئمة ، ورواه عن العلاء جماعة عبد العزيز الدراوردي ، وأبو العميس ، وروح بن عبادة ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وزهير بن محمد ، وموسى بن عبيدة الربذي ، وعبد الرحمن بن إبراهيم القاري المديني . وقد جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم ، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان ، وقيل : كان أبو هريرة يصوم في النصف الثاني من شعبان ، فقال : من يقول العبرة بما رأى أن فعله هو المعتبر ، وقيل : فعله يدل على أن ما رواه منسوخ . وقد روى الطحاوي ما يقوي قول من ذهب إلى أن الصوم فيما بعد انتصاف شعبان جائز غير مكروه ، بما رواه من حديث ثابت عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أفضل الصيام بعد رمضان شعبان " ، وبما رواه من حديث عمران بن حصين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : هل صمت من سرر شعبان ؟ قال : لا ، قال : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين " ( قلت ) : أما حديث ثابت عن أنس فضعيف ؛ لأن في سنده صدقة بن موسى ، وفيه مقال ، فقال يحيى : ليس حديثه بشيء ، وضعفه النسائي وأبو داود . وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الشيخان وأبو داود ، قوله : " سرر شعبان " السرر بفتح السين المهملة والراء ليلة يستسر الهلال ، يقال : سرار الشهر وسراره بالكسر والفتح وسرره ، واختلفوا فيه ، فقيل : أوله ، وقيل : وسطه ، وقيل : آخره ، وهو المراد هنا ، كذا قاله الهروي والخطابي عن الأوزاعي .
باب إذا جامع في رمضان أي هذا باب يذكر فيه إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامدا وجبت عليه الكفارة ، وجواب إذا محذوف كما قدرناه . ويذكر عن أبي هريرة رفعه من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه . أشار بقوله : يذكر على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض إلى أن حديث أبي هريرة هذا ليس على شرطه ونبينه الآن . قوله : رفعه أي رفع أبو هريرة حديث من أفطر يوما ومراده أنه ليس بموقوف عليه ، بل هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : كيف يرجع الضمير المنصوب في رفعه إلى شيء متأخر عنه ؟ قلت : رفعه جملة حالية متأخرة رتبة عن مفعول ما لم يسم فاعله لقوله يذكر وهو قوله من أفطر قال الكرماني : وفي بعض الرواية رفعه بلفظ الاسم مرفوعا بأنه مفعول يذكر ، وحينئذ يكون الحديث يعني قوله : من أفطر يوما بدلا عن الضمير يعني الضمير الذي أضيف إليه لفظ الرفع كما في قوله : ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن السمع بدل عن الضمير جوز النحاة مثله . قوله : وإن صامه أي وإن صام الدهر وهو معطوف على مقدر تقديره إن لم يصمه وإن صامه . ثم هذا التعليق رواه أصحاب السنن الأربعة فقال أبو داود : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا محمد بن كثير ، قال : أخبرنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عمارة بن عمير ، عن ابن مطوس ، عن أبيه قال ابن كثير ، عن أبي المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من أفطر يوما في رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر وقال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال : حدثنا حبيب ، عن عمارة ، عن ابن المطوس قال : فلقيت ابن المطوس فحدثني عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثل حديث ابن كثير وسليمان . قال أبو داود : اختلف على سفيان وشعبة عنهما ابن المطوس وأبو المطوس وقال الترمذي : حدثنا بندار ، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، حدثنا أبو المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن منصور قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي المطوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أفطر يوما من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر كله وإن صامه وقال : أخبرنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان ثم ذكر كلمة معناها ، عن حبيب قال : حدثنا أبو المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه ، ثم رواه النسائي من طرق كثيرة ، وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد قالا : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن المطوس ، عن أبيه المطوس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر . ذكر بيان حال هذا الحديث، قال أبو داود : اختلف على سفيان وشعبة بن المطوس وأبو المطوس قال الترمذي : حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال شيخنا يريد الحديث المرفوع ، ومع هذا فقد روي مرفوعا من غير طريق أبي المطوس رواه الدارقطني قال : حدثنا الحسن بن أحمد بن سعيد الرهاوي ، حدثنا العباس بن عبيد الله ، حدثنا عمار بن مطر ، حدثنا قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مالك ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أفطر يوما من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقض عنه صيام وإن صام الدهر كله . قلت : عمار بن مطر هالك . قال أبو حاتم : كان يكذب ، وقال ابن عدي : أحاديثه بواطيل ، وقال الدارقطني ضعيف وقد روي موقوفا على أبي هريرة من غير طريق أبي المطوس ، ورواه النسائي ، عن زكريا بن يحيى ، عن عمرو بن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن شريك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : من أفطر يوما من رمضان لم يقضه يوم من أيام الدنيا ورواه أيضا عن هلال ابن العلاء ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن علي بن حسين عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأتى أبا هريرة فقال : لا يقبل منك صوم سنة وقال الترمذي : سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال : أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث ، وقال البخاري في التاريخ : تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا . قلت : أبو المطوس بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الواو المفتوحة وآخره سين مهملة من أفراد الكنى ، وكذلك أبوه المطوس من أفراد الأسماء ، وقد اختلف في اسم أبي المطوس فقال البخاري وأبو حاتم الرازي وابن حبان : اسمه يزيد ، وقال يحيى بن معين : اسمه عبد الله وأبو داود قال : لا يسمى ، وقد اختلف فيه فقال ابن معين : ثقة وقال ابن حبان : يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه لا يجوز الاحتجاج بأفراده ، وقال صاحب الميزان : ضعيف قال : ولا يعرف هو ولا أبوه . قلت : ومع هذا صحح ابن خزيمة هذا الحديث ، ورواه من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي المطوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة الحديث ، وقال مهنا سألت أحمد عن هذا الحديث فقال : يقولون عن ابن المطوس وعن أبي المطوس وبعضهم يقول : عن حبيب ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي المطوس قال : لا أعرف المطوس ولا ابن المطوس . قلت : أتعرف الحديث من غير هذا الوجه ؟ قال : لا وكذا قاله أبو علي الطوسي ، وقال ابن عبد البر : يحمل أن يكون لو صح على التغليظ وهو حديث ضعيف لا يحتج به . ذكر ما روي عن غير أبي هريرة في هذا الباب : فروي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفطر يوما من رمضان متعمدا في غير سبيل خرج من الحسنات كيوم ولدته أمه وأخرجه ابن عدي في الكامل وفي سنده محمد بن الحارث قال ابن معين : ليس هو بشيء ، وقال مرة ليس بثقة ، وعن الفلاس إنه متروك الحديث ، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ، قال ابن معين ليس بشيء ، وروي عن مصاد بن عقبة ، عن مقاتل بن حبان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الوارث الأنصاري قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفطر يوما من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يوما ، ومن أفطر يومين كان عليه أن يصوم ستين يوما ، ومن أفطر ثلاثة أيام كان عليه تسعين يوما أخرجه الدارقطني وقال : لا يثبت هذا الإسناد ولا يصح عن عمرو بن مرة ، وأعله ابن القطان بعبد الوارث ، وعن ابن معين إنه مجهول ، وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه أخرجه الدارقطني من رواية الحارث بن عبيدة الكلاعي ، عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : من أفطر يوما من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعا قال الدارقطني الحارث بن عبيدة ومقاتل ضعيفان . قوله : من غير عذر ولا مرض من ذكر الخاص بعد العام لأن المرض داخل في العذر ، وفي رواية الترمذي : من غير رخصة ولا مرض وهو أيضا من هذا القبيل؛ لأن المرض داخل في الرخصة ، ثم إنه أطلق الإفطار فلا يخلو إما أن يكون بجماع أو غيره ناسيا أو عامدا ، ولكن المراد منه الإفطار في الأكل أو الشرب عامدا وإما ناسيا ، فقد ذكره فيما مضى ، وأما بالجماع فسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . وبه قال ابن مسعود رضي الله عنه . أي وبما روي عن أبي هريرة قال ابن مسعود موقوفا عليه ، وقد وصله البيهقي راويا من طريقين أحدهما من رواية المغيرة بن عبد الله اليشكري قال : حدثت أن عبد الله بن مسعود قال : من أفطر يوما من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله عز وجل فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه والمغيرة هذا من ثقات التابعين أخرج له مسلم ، وذكره ابن حبان في الثقات ، ولكنه منقطع فإنه قال : حدثت عنه ، والطريق الثاني من رواية أبي أسامة ، عن عبد الملك قال : حدثنا أبو المغيرة الثقفي ، عن عرفجة قال : قال عبد الله بن مسعود من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه قال البيهقي عبد الملك هذا أظنه ابن حسين النخعي ليس بالقوي . فإن قلت : كيف قال : وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة رفعه وابن مسعود وقفه فكيف يكون ابن مسعود قائلا بما قال أبو هريرة ؟ قلت : لم يثبت رفعه عند البخاري فلذلك ذكره بصيغة التمريض ، وروي عن أبي هريرة بطرق موقوفا ، وقيل فيه ثلاث علل الاضطراب لأنه اختلف على حبيب بن أبي ثابت اختلافا كثيرا ، والجهالة بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة ، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء . وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد : يقضي يوما مكانه . أي قال : هؤلاء فيمن أفطر في نهار رمضان عامدا أن عليه القضاء فقط بغير كفارة ، وقال ابن بطال : نظرت أقوال التابعين الذين ذكرهم البخاري في هذا الباب في المصنفات فلم أر قولهم بسقوط الكفارة إلا في الفطر بالأكل لا المجامعة ، فيحتمل أن يكون عندهم الأكل والجماع سواء في سقوط الكفارة إذ كل ما أفسد الصيام من أكل أو شرب أو جماع فاسم الفطر يقع عليه وفاعله مفطر بذلك من صيامه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي فدخل أعظم الشهوات وهي شهوة الجماع في ذلك . انتهى . قلت : حكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وابن سيرين أنه لا كفارة على الواطئ في نهار رمضان ، واعتبروه بقضائه ، قال الزهري : هو خاص بذلك الرجل يعني في رواية أبي هريرة جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال هلكت الحديث على ما يأتي ، وقال الخطابي : لم يحضر عليه برهان ، وقال قوم : هو منسوخ ، ولم يقم دليل نسخه ، وعند الجمهور يجب عليه القضاء والكفارة لحديث أبي هريرة على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، والذين ذكرهم البخاري ستة من التابعين : الأول : سعيد بن المسيب ، فوصل أثره مسدد وغيره في قصة المجامع قال : يقضي يوما مكانه ويستغفر الله تعالى . الثاني : عامر بن شراحيل الشعبي فوصل أثره ابن أبي شيبة ، حدثنا شريك ، عن مغيرة ، عن إبراهيم وعن أبي خالد ، عن الشعبي قالا يقضي يوما مكانه . الثالث : سعيد بن جبير فوصل أثره ابن أبي شيبة أيضا ، حدثنا عبدة ، عن سعيد ، عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير في رجل أفطر يوما متعمدا قال : يستغفر الله من ذلك ويتوب ويقضي يوما مكانه . الرابع : إبراهيم النخعي فوصل أثره ابن أبي شيبة وقد مر الآن مع الشعبي . الخامس : قتادة فوصل أثره عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة في قصة المجامع في رمضان . السادس : حماد بن أبي سليمان أحد من أخذ عنه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فوصله عبد الرزاق ، عن أبي حنيفة عنه . 42 - حدثنا عبد الله بن منير قال : سمع يزيد بن هارون قال : حدثنا يحيى هو ابن سعيد أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره ، عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أخبره أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول : إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه احترق ، قال : ما لك ؟ قال : أصبت أهلي في رمضان ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل يدعى العرق ، فقال : أين المحترق ؟ قال : أنا . قال : تصدق بهذا . مطابقته للترجمة في قوله : أصبت أهلي في رمضان أراد أنه جامع في نهار رمضان . ذكر رجاله ، وهم سبعة : الأول : عبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون الزاهد أبو عبد الرحمن . الثاني : يزيد من الزيادة ابن هارون أبو خالد . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري . الرابع : عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . الخامس : محمد بن جعفر . السادس : عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة ابن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه . السابع : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه أن شيخه مروزي وأنه من أفراده ، وأن يزيد بن هارون واسطي والبقية مدنيون ، وفيه أربعة من التابعين في نسق واحد ، ويحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيران من طبقة واحدة وفوقهما قليلا محمد بن جعفر ، وأما ابن عمه عباد فمن أوساط التابعين . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ، أخرجه البخاري أيضا في المحاربين وأخرجه مسلم في الصوم ، عن محمد بن رمح وعن محمد بن المثنى وعن أبي الطاهر ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود ، وعن محمد بن عوف ، وأخرجه النسائي فيه عن الحارث بن مسكين وعن عيسى بن حماد ، وعن إسحاق بن إبراهيم وعن يحيى بن حبيب . ذكر معناه : قوله : إن رجلا زعم ابن بشكوال أن هذا الرجل هو سلمة بن صخر البياضي فيما ذكره ابن أبي شيبة في مسنده ، وعند ابن الجارود سلمان بن صخر ، وفي جامع الترمذي سلمة بن صخر ، قال : حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا هارون بن إسماعيل ، حدثنا علي بن المبارك ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، حدثنا أبو سلمة أن سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان ، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فقال : أعتق رقبة ، قال : لا أجدها ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : لا أستطيع ، قال : أطعم ستين مسكينا ، قال : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمرو : أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعا وقال صاحب التلويح : فهذا غير ما ذكره ابن بشكوال فينظر والله أعلم . قلت : لا شك أنه غيره ؛ لأن ابن بشكوال استند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سلمان بن يسار ، عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وأنه وطئها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حرر رقبة . قلت : لا أملك رقبة غيرها ، وضرب صفحة رقبته ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ، قال : فأطعم ستين مسكينا ، قال : والذي بعثك بالحق ما لنا طعام ، قال : فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك . انتهى . والظاهر أنهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائما ، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلا كما في رواية الترمذي المذكورة آنفا ، فافترقا واجتماعهما في كونهما من بني بياضة ، وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها لا يستلزم اتحاد القصتين والله أعلم . قوله : إنه احترق وفي رواية أبي هريرة إنه عبر بقوله : هلكت ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك ، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك ، أو مراده أنه يحترق بالنار يوم القيامة ، فجعل المتوقع كالواقع ، واستعمل بدله لفظ الماضي أو شبه ما وقع فيه من الجماع في الصوم بالاحتراق ، وفي رواية البيهقي جاءه رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول : هلك الأبعد وأهلكت وفي رواية وهو يدعو بالويل وفي رواية يلطم وجهه وفي رواية الحجاج بن أرطاة يدعو ويله وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني ويحثي على رأسه التراب . قوله : قال ما لك ؟ أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شأنك وما جرى عليك . قوله : أصبت أهلي في رمضان كناية عن وطئها ، وفي رواية الطحاوي : وقعت على امرأتي في رمضان . قوله : فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بضم الهمزة وكسر التاء على صيغة المجهول . قوله : بمكتل بكسر الميم الزنبيل الكبير قيل إنه يسع خمسة عشر صاعا ، كان فيه كتلا من التمر أي قطعا مجتمعة ، ويجمع على مكاتل ، وقال القاضي : المكتل والقفة والزبيل سواء ، وسمي الزبيل لحمل الزبل فيه ، قاله ابن دريد ، والزبيل بكسر الزاي ويقال بفتحها ، وكلاهما لغتان ، وفي المحكم : الزبيل الجراب ، وقيل : الوعاء يحمل فيه ، والزبيل القفة والجمع زبل وزبلان ، وفي الصحاح : الزبيل معروف ، فإذا كسرته شددته فقلت زبيل لأنه ليس في كلام العرب فعليل بالفتح ، وجاء فيه لغة أخرى وهي زنبيل بكسر الزاي وسكون النون ، قال بعضهم : وقد تدغم النون فتشدد الياء مع بقاء وزنه وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل . قلت : ليس جمعه على اللغتين الأوليين إلا ما نقلنا عن المحكم ، وأما زنابيل فليس إلا جمع المشدد فقط . قوله : يدعى العرق ذكر أبو عمر أنه بفتح الراء وهو الصواب عند أهل اللغة قال : وأكثرهم يروونه بسكون الراء ، وفي شرح الموطأ لابن حبيب رواه مطرف ، عن مالك بتحريك الراء ، وقال ابن التين في رواية أبي الحسن بسكون الراء ، ورواية أبي ذر بفتحها ، وأنكر بعض العلماء إسكان الراء ، وفي كتاب العين : العرق مثال شجر ، والعرقات كل مضفور أو مصطف ، والعرق أيضا السقيفة من الخوص قبل أن يجعل منها زنبيلا ، وسمي الزنبيل عرقا لذلك ، ويقال العرقة أيضا ، وعن أبي عمر : والعرق أكبر من المكتل ، والمكتل أكبر من القفة ، والعرقة زنبيل من قد بلغه كلب ، ذكره في الموعب ، وفي المحكم العرق واحدته عرقة ، قال أحمد بن عمران : العرق المكتل العظيم . قوله : أين المحترق يدل على أنه كان عامدا لأنه صلى الله عليه وسلم أثبت له حكم العمد ، وأثبت له هذا الوصف إشارة إلى أنه لو أصر غير ذلك لاستحق ذلك . قوله : تصدق بهذا مطلق ، والمراد تصدق على ستين مسكينا هكذا رواه مختصرا ، ورواه مسلم وقال : حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر قال : أخبرنا الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : احترقت . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم ؟ قال : وطئت امرأتي في رمضان نهارا . قال : تصدق . قال : ما عندي شيء . فأمره أن يجلس ، فجاءه عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق بهما وفي رواية أخرى : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان فقال : يا رسول الله احترقت احترقت ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شأنك ؟ فقال : أصبت أهلي ، فقال : تصدق . فقال : والله يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه . قال : اجلس فجلس ، فبينما هو كذلك أقبل رجل يسوق حمارا عليه طعام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين المحترق آنفا ، فقام الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصدق بهذا . فقال : يا رسول الله أغيرنا فوالله إنا لجياع ما لنا شيء . قال : كلوه وأخرجه أبو داود أيضا . ذكر ما يستفاد منه : ومن الحديثين اللذين يأتيان بعده وغيرها من الأحاديث التي في هذا الباب وهو على أنواع : النوع الأول : أن قوما استدلوا بقوله : تصدق بهذا على أن الذي يجب على من جامع في نهار رمضان عامدا الصدقة لا غير ، وقال صاحب التوضيح : وذكر الطحاوي عن هؤلاء القوم هكذا ولم يبين من هم . قلت : هم عوف بن مالك الأشجعي ومالك في رواية وعبد الله بن رهم فإنهم قالوا في هذا تجب عليه الصدقة ولا تجب عليه الكفارة ، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث المحترق ، وأجيب بأن حديث أبي هريرة الذي يأتي في الكتاب زاد فيه العتق والصيام والأخذ به أولى ؛ لأن أبا هريرة حفظ ذلك ولم تحفظه عائشة ، ويقال إنها لم تجب عليه في الحال لعجزه عن الكل ، وأخرت إلى زمن الميسرة ، وفي المبسوط وما أمره به صلى الله عليه وسلم كان تطوعا لأنها لم تكن واجبة عليه في الحال لعجزه ، ولهذا أجاز صرفها إلى نفسه وعياله ، وعن أبي جعفر الطبري أن قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور إن الكفارة دين عليه لا تسقط عنه لعسرته ، وعليه أن يأتي بها إذا أيسر كسائر الكفارات ، وعند الشافعية فيه وجهان ، وذهب بعضهم إلى أن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل أكل الكفارة لعسرته رخصة له ، ولهذا قال ابن شهاب : ولو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير ، وقيل هو منسوخ ، وقيل هو خاص بذلك الرجل ، وقال بعض أصحابنا : خص هذا الرجل بأحكام ثلاثة ؛ بجواز الإطعام مع القدرة على الصيام ، وصرفه على نفسه ، والاكتفاء بخمسة عشر صاعا . النوع الثاني : لو أنهم اختلفوا في كمية هذه الصدقة فقال الشافعي ومالك : إن الواجب فيها مد وهو ربع صاع لكل مسكين ، وهو خمسة عشر صاعا لما روى أبو داود من رواية هشام بن سعد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وفيه فأتي بعرق قدر خمسة عشر صاعا ، وروى الدارقطني من رواية سفيان عن منصور عن الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة ، وفيه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر ورواه البيهقي أيضا ثم قال : وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان ، عن منصور بن المعتمر قال فيه بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر ورواه الدارقطني أيضا من رواية روح ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن حميد قال : وفيه بزبيل وهو المكتل فيه خمسة عشر صاعا أحسبه تمرا قال : وكذلك قال هقل بن زياد والوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، وقال الخطابي : وظاهره يدل على أن قدر خمسة عشر صاعا يكفي للكفارة عن شخص واحد لكل مسكين مد ، قال : وقد جعله الشافعي أصلا لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام ، وعندنا الواجب لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر كما في كفارة الظهار لما روى الدارقطني ، عن ابن عباس : يطعم كل يوم مسكينا نصف صاع من بر وعن عائشة في هذه القصة : أتي بعرق فيه عشرون صاعا ذكره السفاقسي في شرح البخاري ، ويروى ما بين خمسة عشر صاعا إلى عشرين وفي صحيح مسلم : فأمره أن يجلس ، فجاء عرقان فيهما طعام ، فأمره أن يتصدق به ، فإذا كان العرق خمسة عشر صاعا فالعرقان ثلاثون صاعا على ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع ، وقال بعضهم : ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلم : فجاءه عرقان ، والمشهور في غيرها عرق ، ورجحه البيهقي ، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة ، وقال : الذي يظهر أن التمر كان قدر عرق ، لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل ، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر ، فمن قال : عرقان أراد ابتداء الحال ، ومن قال : عرق أراد ما آل إليه . قلت : كون المشهور في غير طرق عائشة عرقا لا يستلزم رد ما روي في بعض طرق عائشة أنه عرقان ، ومن أين ترجيح رواية غير مسلم على رواية مسلم ، فهذا مجرد دعوى لتمشية مذهبه وقول من يدعي تعدد الواقعة غير صحيح لأن مخرج الحديث واحد ، والأصل عدم التعدد ، وقول هذا القائل والذي يظهر إلى آخره ساقط جدا ، وتأويل فاسد ، فمن أين هذا الظهور الذي يذكره بغير أصل ولا دليل من نفس الكلام ولا قرينة من الخارج ، وإنما هو من آثار أريحية التعصب نصرة لما ذهب إليه ، والحق أحق أن يتبع ، والله ولي العصمة . النوع الثالث : احتج به الشافعي وداود وأهل الظاهر على أنه لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة ، إذ لم يذكر له النبي صلى الله عليه وسلم حكم المرأة وهو موضع البيان ، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور : تجب الكفارة على المرأة أيضا إن طاوعته ، وقال القاضي وسوى الأوزاعي بين المكرهة والطائعة على مذهبه ، وقال مالك في المشهور من مذهبه في المكرهة يكفر عنها بغير الصوم ، وقال سحنون : لا شيء عليها ولا عليه لها ، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر ، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة والنائمة إلا ما ذكره ابن القصار عن القاضي إسماعيل ، عن مالك : أنه لا غسل على الموطوءة نائمة ولا مكرهة ولا شيء عليها إلا أن تلتذ ، قال ابن قصار : فتبين من هذا أنها غير مفطرة ، وقال القاضي : وظاهره أنه لا قضاء على المكرهة إلا أن تلتذ ، ولا على النائمة لأنها كالمحتلمة وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة . واختلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطء لغيره على هذا ، وحكى ابن القصار ، عن أبي حنيفة : لا يلزم المكره عن نفسه ولا على من أكرهه ، وقال صاحب البدائع : وأما على المرأة فتجب عليها أيضا الكفارة إذا كانت مطاوعة ، وللشافعي قولان في قول لا يجب عليها أصلا ، وفي قول يجب عليها ويتحملها الزوج ، وأما الجواب عن قولهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم المرأة وهو موضع البيان أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها أو من يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر المرض أو السفر أو الصغر أو الجنون أو الكفر أو الحيض أو طهارتها من حيضها في أثناء النهار . النوع الرابع : في أن الواجب إطعام ستين مسكينا خلافا لما روي عن الحسن أنه رأى أن يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا حكاه ابن التين عنه ، وحكوا عن أبي حنيفة أنه قال : يجزيه أن يدفع طعام ستين مسكينا إلى مسكين واحد ، قالوا : والحديث حجة عليه . قلت : الذي حكى مذهب أبي حنيفة لم يعرف مذهبه فيه ، وحكى من غير معرفة ، ومذهبه أنه إذا دفع إلى مسكين واحد في شهرين يجوز فلا يكون الحديث حجة عليه ؛ لأن المقصود سد خلة المحتاج ، والحاجة تتجدد بتجدد الأيام ، فكان في اليوم الثاني كمسكين آخر حتى لو أعطى مسكينا واحدا كله في يوم واحد لا يصح إلا عن يومه ذلك لأن الواجب عليه التفريق ولم يوجد ثم الشرط في الإطعام غداءان وعشاءان مشبعان أو غداء وعشاء في يوم واحد . النوع الخامس : في أن الترتيب في الكفارة واجب فتحرير رقبة أولا فإن لم يوجد فصيام شهرين وإن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكينا ، بدليل عطف بعض الجمل على البعض بالفاء المرتبة المعقبة كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن حبيب من المالكية ، وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير لقوله في حديث أبي هريرة صم شهرين أو أطعم فخيره بأو التي موضوعها التخيير ، وعن ابن القاسم : لا يعرف مالك غير الإطعام ، وذكر مقلدوه حججا لذلك كثيرة لا تقاوم ما دل عليه الحديث من وجوب الترتيب أو استحبابه ، وزعم بعضهم أن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات قال ابن التين : وإليه ذهب المتأخرون من أصحابنا ، فوقت المجاعة الإطعام أولى وإن كان خصبا فالعتق أولى ، وأمر بعض المفتين أهل الغنى الواسع بالصوم لمشقته عليه ، وعن أبي ليلى هو مخير في العتق والصيام ، فإن لم يقدر عليهما أطعم ، وإليه ذهب ابن جرير ، قالا : ولا سبيل إلى الإطعام إلا عند العجز عن العتق أو الصيام ، وقال ابن قدامة : المشهور من مذهب أحمد أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب ؛ العتق إن أمكن فإن عجز انتقل إلى الصيام فإن عجز انتقل إلى الإطعام وهو قول جمهور العلماء ، وعن أحمد رواية أخرى أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام ، وبأيها كفر أجزأه وهو رواية عن مالك ، فإن عجز عن هذه الأشياء سقطت الكفارة عنه في إحدى الروايتين عن أحمد ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما رأى عجز الأعرابي عنها قال : أطعمه أهلك ولم يأمره بكفارة أخرى ، وهو قول الأوزاعي ، وعن الزهري : لا بد من التكفير ، وقد مر الكلام فيه في أول الأنواع . النوع السادس : في أن إطلاق الرقبة في الحديث يدل على جواز المسلمة والكافرة والذكر والأنثى والصغير والكبير وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، وجعلوا هذا كالظهار مستدلين بما رواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن سالم ، عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر في رمضان يوما بكفارة الظهار وإطلاق الحديث أيضا يقتضي جواز الرقبة المعيبة وهو مذهب داود ، ومالك وأحمد والشافعي شرطوا الإيمان في إجزاء الرقبة بدليل تقييدها في كفارة القتل ، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد ، وقال عطاء : إن لم يجد رقبة أهدى بدنة فإن لم يجد فبقرة ، وقال ابن العربي : ونحوه عن الحسن . النوع السابع : في أن التتابع في صوم الشهرين شرط بالنص بشرط أن لا يكون فيهما رمضان وأيام منهية وهي يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق ، وهو قول كافة العلماء إلا ابن أبي ليلى فإنه قال : لا يجب التتابع في الصيام ، والحديث حجة عليه . النوع الثامن : اختلف الفقهاء في قضاء ذلك اليوم مع الكفارة ، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق : عليه قضاؤه ، وقال الأوزاعي : إن كفر بالعتق والإطعام صام يوما مكان ذلك اليوم الذي أفطر وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم ، وقال قوم : ليس في الكفارة صيام ذلك اليوم ، قال أبو عمر : لأنه لم يرد في حديث عائشة ولا في حديث أبي هريرة في نقل الحفاظ للأخبار التي لا علة فيها ذكر القضاء ، وإنما فيها الكفارة . قلت : جاء في خبر أبي هريرة وغيره القضاء ، وروى ابن ماجه ، عن حرملة بن يحيى ، عن عبد الله بن وهب ، عن عبد الجبار بن عمر ، عن يحيى بن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أي بالحديث الذي فيه هلكت ، وقد تقدم قبله ثم قال : ويصوم يوما مكانه . النوع التاسع : أجمعوا على أن من وطئ في رمضان ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى ، وأجمعوا أنه ليس على من وطئ مرارا في يوم واحد إلا كفارة واحدة ، فإن وطئ في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم آخر ، فذهب مالك والشافعي وأحمد أن عليه لكل يوم كفارة كفر أم لا ، وقال أبو حنيفة : عليه كفارة واحدة إذا وطئ قبل أن يكفر ، وقال الثوري : أحب إلي أن يكفر عن كل يوم وأرجو أن يجزيه كفارة واحدة ما لم يكفر . النوع العاشر : في حديث الباب دلالة على التمليك الضمني من قوله : تصدق بهذا قال صاحب المفهم : يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه ليتصدق به عن كفارته قال : ويكون هذا كقول القائل أعتقت عبدي عن فلان ، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم قال : وأباه أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق فيه ، وأن الكفارة تسقط بذلك .
( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا نكتب ولا نحسب ) أي هذا باب في بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نكتب بنون المتكلم ، وكذلك لا نحسب . 22 - ( حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا الأسود بن قيس قال : حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا أو هكذا ، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ) . مطابقته للترجمة من حيث إنها بعض الحديث ، والأسود بن قيس أبو قيس البجلي الكوفي التابعي مر في العيد في باب كلام الإمام ، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي مر في الوضوء ، وفيه رواية التابعي عن التابعي . والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن المثنى ، وابن بشار ثلاثتهم عن غندر ، عن شعبة به ، وعن محمد بن حاتم ، عن ابن مهدي ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب ، عن شعبة به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى ، وفيه وفي العلم عن ابن المثنى وابن بشار كلاهما عن غندر به ، وأخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال : " ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده على الأخرى وقال : الشهر هكذا وهكذا ، ثم نقص في الثالثة إصبعا " وأخرجه عن جابر بن عبد الله أيضا قال : : " اعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - " الحديث ، وفيه : " إن الشهر يكون تسعا وعشرين " ، وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود " ما صمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين " ، وعن عائشة مثله عند الدارقطني وابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة قوله : " إنا " أي العرب ، قال الطيبي : إنا كناية عن جيل العرب ، وقيل : أراد نفسه - عليه السلام قوله : " أمة " أي جماعة قريش مثل قوله تعالى : أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وقال الجوهري : الأمة الجماعة ، وقال الأخفش : هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة ، والأمة الطريقة والدين ، يقال : فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له ، وكسر الهمزة فيه لغة ، وقال ابن الأثير : الأمة الرجل المفرد بدين ، لقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ قوله : " أمية " نسبة إلى الأم ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبة ، وقيل : أراد أمة العرب ؛ لأنها لا تكتب ، وقيل : معناه باقون على ما ولدت عليها الأمهات ، وقال الداودي : أمة أمية لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها ، إنما أخذت عما جاءه الوحي من الله - عز وجل وقيل : منسوبون إلى أم القرى ، وقال بعضهم : منسوب إلى الأمهات ، ( قلت ) : من له أدنى شمة من التصريف لا يتصرف هكذا ، قوله : " لا نكتب ولا نحسب " بيان لكونهم كذلك ، وقيل : العرب أميون لأن الكتابة فيهم كانت عزيزة نادرة ، قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ ، ( فإن قلت ) : كان فيهم من يكتب ويحسب ( قلت ) : وإن كان ذلك كان نادرا ، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ، ولم يكونوا يعرفون من ذلك شيئا إلا النذر اليسير ، وعلق الشارع الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمته في معاناة حساب التسيير ، واستمر ذلك بينهم ، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلا ، إذ لو كان الحكم يعلم من ذلك لقال : فاسألوا أهل الحساب ، وقد رجع قوم إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض ، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم ، قال القاضي : وإجماع السلف الصالح حجة عليهم ، وقال ابن بزيزة : هو مذهب باطل ، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر ، إذ لا يعرفها إلا القليل . قوله : " ولا نحسب " بضم السين ، قال ثعلب : حسبت الحساب أحسبه حسبا وحسبانا ، وفي ( شرح مكي ) : أحسبه أيضا بمعنى ، وفي ( المحكم ) : حسابة وحسبة وحسبانا ، وقال ابن بطال وغيره : أمم لم تكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم ، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يتلفظ بعبارته عنه ، نزولا ما يفهمه الخرس والعجم ، وحصل من إشارته بيديه أن الشهر يكون ثلاثين ، ومن خنس إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعا وعشرين ، وعلى هذا : إن من نذر أن يصوم شهرا غير معين فله أن يصوم تسعا وعشرين ؛ لأن ذلك يقال له شهر كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان ؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم ، وكذا من نذر صوما فصام يوما أجزأه ، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك ، فإنه قال : لا يجزيه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يوما ، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية . وفيه أن يوم الشك من شعبان ، قال ابن بطال : وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل ، وإنما المعول على رؤية الأهلة ، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان ، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عن الأبصار ، فقد نهينا عنه وعن تكلفه ؛ لأن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث إلى الأميين ، وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء ، كمن قال امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث ، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات ، والله أعلم .
باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر أي هذا باب يذكر فيه إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامدا والحال أنه لم يكن له شيء يعتق به ولا شيء يطعم به ولا له قدرة يستطيع الصيام بها ، ثم تصدق عليه بقدر ما يجزيه فليكفر به لأنه صار واجدا به ، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن ذمته . 43 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . فقال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا . قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - قال : أين السائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذها فتصدق به . فقال الرجل : أعلى أفقر مني يا رسول الله ، فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه أهلك . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن قوله : وقعت على امرأتي وأنا صائم عبارة عن الجماع . ذكر رجاله : وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن الراوي عن الزهري هو شعيب ، والزهري هو الراوي عن حميد ، وروى ما ينيف على أربعين نفسا عن الزهري عن حميد ، عن أبي هريرة ، وهم ابن عيينة والليث ومعمر ومنصور عند الشيخين والأوزاعي وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري ومالك وابن جريج عند مسلم ، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة والجوزقي وعبد الرحمن بن مسافر عند الطحاوي ، وعقيل عند ابن خزيمة ، وابن أبي حفصة عند أحمد ويونس وحجاج بن أرطاة ، وصالح بن أبي الأخضر عند الدارقطني ، ومحمد بن إسحاق عند البزار ، والنعمان بن راشد عند الطحاوي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، وعبد الرحمن بن نمر وأبو أويس وعبد الجبار بن عمر الأيلي ، وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ، ومحمد بن أبي عتيق ، وموسى بن عقبة ، وعبد الله بن عيسى ، وإسحاق بن يحيى العوصي ، وهبار بن عقيل وثابت بن ثوبان ، وقرة بن عبد الرحمن ، وزمعة بن صالح ، وفخر السقاء ، والوليد بن محمد ، وشعيب بن خالد ، ونوح بن أبي مريم ، وعبد الله بن أبي بكر ، وفليح بن سليمان ، وعمرو بن عثمان المخزومي ، ويزيد بن عياض ، وشبل بن عباد ، وقد رواه هشام بن سعد عن الزهري فخالف الجماعة في إسناده ، فرواه عنه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة وزاد فيه وصم يوما مكانه رواه أبو داود وسكت عليه ، وقال أبو عوانة الإسفرائني : غلط فيه هشام بن سعد ، وقد رواه أيضا عبد الجبار بن عمر الأيلي بإسناد آخر رواه عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورواه ابن ماجه ورواه البيهقي من رواية عبد الجبار بن عمر ، عن يحيى بن سعيد وعطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، وقال : عبد الجبار ليس بالقوي ، وقد ورد من حديث مجاهد ، عن أبي هريرة مختصرا ، ومن حديث محمد بن كعب ، عن أبي هريرة رواهما الدارقطني وضعفهما ، وفيه أن أبا هريرة قال ، وفي رواية ابن جريج عند مسلم وعقيل عند ابن خزيمة وأبي أويس عند الدارقطني التصريح بالتحديث بين حميد وأبي هريرة . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن موسى بن إسماعيل ، وعن محمد بن مقاتل ، وعن القعنبي ، وفي النفقات عن أحمد بن يونس ، وفي النذور عن علي بن عبد الله ، وفي الصوم أيضا عن عثمان ، وفي المحاربين عن قتيبة ، وفي الهبة والنذور أيضا عن محمد بن محبوب ، وأخرجه مسلم في الصوم ، عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وعن يحيى بن يحيى ، وقتيبة ومحمد بن رمح ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عبد بن حميد ، وعن محمد بن رافع ، عن إسحاق وعن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ومحمد وعيسى ، وعن القعنبي به ، وعن الحسن بن علي ، وأخرجه الترمذي فيه عن نصر بن علي وأبي عمار ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به ، وعن محمد بن منصور ، وعن محمد بن قدامة ، وعن محمد بن عبد الله ، وعن محمد بن نصر ، وعن محمد بن إسماعيل ، وعن الربيع بن سليمان ، عن أبي الأسود وإسحاق بن مضر ، وفي الشروط عن هارون بن عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان به . ذكر معناه : قوله : بينما قد مر غير مرة أن أصل بينما بين فأشبعت فتحة النون وصار بينا ثم زيدت فيه الميم فصار بينما ، ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية ، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ وإذا ، ولكن يجيء بهذا كثيرا هنا كذلك وهو قوله : إذ جاءه رجل وقال بعضهم : ومن خاصة بينما أنها تتلقى بإذ وبإذا حيث تجيء للمفاجأة بخلاف بينا فلا تتلقى بواحدة منهما ، وقد ورد في هذا الحديث كذلك . قلت : هذا تصرف في العربية من عنده ، وليس ما قاله بصحيح ، وقد ذكروا أن كلا منهما يتلقى بواحدة منهما ، غير أن الأفصح كما ذكرنا أن لا يتلقيا بهما ، وقد ورد في الحديث بإذ في الأول وفي الثاني بدون إذ وإذا على الأصل الذي هو الأفصح ، فأي شيء دعوى الخصوصية في بينما بإذ وإذا ونفيها في بينا ، ولم يقل بهذا أحد . قوله : عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية الكشميهني : مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم : فيه حسن الأدب في التعبير كما تشعر العندية بالتعظيم بخلاف ما لو قال : مع . قلت : لفظة عند موضوعها الحضرة ، ومن أين الإشعار فيه بالتعظيم . قوله : إذا جاء رجل قد مر الكلام فيه في حديث عائشة . قوله : هلكت وفي حديث عائشة : احترقت كما مر ، وفي رواية ابن أبي حفصة : ما أراني إلا قد هلكت وقد روي في بعض طرق هذا الحديث : هلكت وأهلكت قال الخطابي : وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث ، قال : وأصحاب سفيان لم يرووها عنه إنما ذكروا قوله : هلكت حسب قال : غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان ، فذكر هذا الحرف فيه ، وهو غير محفوظ ، والمعلى ليس بذلك في الحفظ والإتقان . انتهى . وقال البيهقي : إن هذه اللفظة لا يرضاها أصحاب الحديث ، وقال القاضي عياض : إن هذه اللفظة ليست محفوظة عند الحفاظ الأثبات . وقال شيخنا زيد الدين رحمه الله : وردت هذه اللفظة مسندة من طريق ثلاثة : أحدها الذي ذكره الخطابي ، وقد رواها الدارقطني من رواية أبي ثور قال : حدثنا معلى بن منصور ، حدثنا سفيان بن عينة ، فذكره الدارقطني تفرد به أبو ثور ، عن معلى بن منصور ، عن ابن عيينة بقوله : وأهلكت قال : وهم ثقات . الطريق الثاني : من رواية الأوزاعي ، عن الزهري ، وقد رواها البيهقي بسنده ثم نقل عن الحاكم أنه ضعف هذه اللفظة وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني ، ثم استدل على ذلك . والطريق الثالث : من رواية عقيل ، عن الزهري رواها الدارقطني في غير السنن وقال : حدثنا النيسابوري ، حدثنا محمد بن عزيز ، حدثني سلامة بن روح ، عن عقيل ، عن الزهري فذكره ، وقد تكلم في سماع محمد بن عزيز من سلامة ، وفي سماع سلامة من عقيل وتكلم فيهما ، أما محمد بن عزيز فضعفه النسائي مرة ، وقال مرة : لا بأس به ، وأما سلامة فقال أبو زرعة : ضعيف منكر ، وأجود طرق هذه اللفظة طريق المعلى بن منصور على أن المعلى وإن اتفق الشيخان على إخراج حديثه فقد تركه أحمد ، وقال : لم أكتب عنه كان يحدث بما وافق الرأي ، وكان كل يوم يخطئ في حديثين أو ثلاثة . قلت : هو من أصحاب أبي حنيفة ووثقه يحيى بن معين ، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة فيما تفرد به وشورك فيه ، متقن صدوق فقيه مأمون ، وقال العجلي : ثقة صاحب سنة وكان نبيلا ، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى ، وقال ابن سعد : كان صدوقا صاحب حديث ورأي وفقه ، مات سنة أحد عشرة ومائتين . قوله : قال ما لك بفتح اللام وهو استفهام عن حاله ، وفي رواية عقيل : ويحك ما شأنك ولابن أبي حفصة : وما الذي أهلكك وما ذاك وفي رواية الأوزاعي : ويحك ما صنعت أخرجه البخاري في الأدب ، وفي رواية الترمذي : وما الذي أهلكك وكذا في رواية الدارقطني . قوله : وقعت على امرأتي وفي رواية ابن إسحاق : أصبت أهلي وفي حديث عائشة : وطئت امرأتي . قوله : وأنا صائم جملة وقعت حالا من الضمير الذي في وقعت ، فإن قلت : من أين يعلم أنه كان صائما في رمضان حتى يترتب عليه وجوب الكفارة ؟ قلت : وقع في أول هذا الحديث في رواية مالك وابن جريج : أن رجلا أفطر في رمضان الحديث ووقع أيضا في رواية عبد الجبار بن عمر : وقعت على أهلي اليوم وذلك في رمضان وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة في مستخرجه متنها أنه قال : أفطرت في رمضان وبهذا يرد على القرطبي في دعواه تعدد القصة ؛ لأن مخرج الحديث واحد والقصة واحدة ، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور : أصبت امرأتي ظهرا في رمضان وبتعيين رمضان يفهم الفرق في وجوب كفارة الجماع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر ، وبعض المالكية أوجبوا الكفارة على من أفسد صومه مطلقا ، واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، ورد عليهم بالذي ذكرناه الآن . قوله : هل تجد رقبة تعتقها وفي رواية منصور : أتجد ما تحرر رقبة وفي رواية ابن أبي حفصة : أتستطيع أن تعتق رقبة وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي : فقال : أعتق رقبة وزاد في رواية عن أبي هريرة : فقال بئس ما صنعت أعتق رقبة وفي حديث عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في الكبير جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أفطرت يوما من رمضان ، فقال : من غير عذر ولا سقم ؟ قال : نعم . قال : بئس ما صنعت . قال : أجل ما تأمرني . قال : أعتق رقبة . قوله : قال : لا أي قال الرجل : لا أجد رقبة ، وفي رواية ابن مسافر : فقال لا والله يا رسول الله وفي رواية ابن إسحاق : ليس عندي وفي حديث ابن عمر : فقال والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط . قوله : فهل تستطيع أن تصوم شهرين قال القرطبي : أي تقوى وتقدر ، وفي حديث سعد : قال : لا أقدر وفي رواية ابن إسحاق : وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام وقال الشيخ تقي الدين : رواية ابن إسحاق هذه تقتضي أن عدم استطاعته شدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع ، فهل يكون ذلك عذرا في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أم لا ، والصحيح عند الشافعية اعتبار ذلك فيسوغ له الانتقال إلى الإطعام ، ويلتحق به من يجد رقبة وهو غير مستغن عنها ، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد . انتهى . قلت : في هذا كله نظر لأن الشارع رتب هذه الخصال بالفاء التي هي للترتيب والتعقيب ، فكيف ينقض هذا . قوله : متتابعين فيه اشتراط التتابع ، وقد مر الكلام فيه . قوله : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا وزاد في رواية ابن مسافر : يا رسول الله ووقع في رواية سفيان : هل تستطيع إطعام ستين مسكينا ووقع في رواية إبراهيم بن سعد وعراق بن مالك : فأطعم ستين مسكينا ، قال : لا أجد وفي رواية ابن أبي حفصة : أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا وذكر الحاجة ، وفي حديث ابن عمر قال : والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي وقال ابن دقيق العيد : أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلا ، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال ، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفى . قلت : هؤلاء الذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شيئا وتغيب عنهم أشياء ، أفلا يعلمون أن المراد هاهنا سد خلة الفقير ، فإذا وجد ذلك مع مراعاة معنى الستين فلا طعن فيه ، ثم المراد من الإطعام الإعطاء لهم بحيث يتمكنون من الأكل ، وليس المراد حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في فم الآكل . فإن قلت : ما الحكمة في هذه الخصال الثلاثة ، وما المناسبة بينها ؟ قلت : الذي انتهك حرمة الصوم بالجماع عمدا في نهار رمضان فقد أهلك نفسه بالمعصية ، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه بها وثبت في الصحيح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من النار وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية ، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء ، فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع ، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده ، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأن مقابلة كل يوم بإطعام مسكين ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله تعالى وهو الصوم وحق الأحرار بالإطعام وحق الأرقاء بالإعتاق وحق الجاني بثواب الامتثال . قوله : فمكث بالميم وفتح الكاف وضمها وبالثاء المثلثة وفي رواية أبي نعيم في المستخرج من وجهين ، عن أبي اليمان أحدهما مكث مثل ما هو هنا والآخر فسكت من السكوت ، وفي رواية أبي عيينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اجلس فجلس . قوله : فبينا نحن على ذلك وفي رواية ابن عيينة فبينما هو جالس كذلك قيل يحتمل أن يكون سبب أمره بالجلوس لانتظار ما يوحى إليه في حقه ، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به . قوله : أتي النبي صلى الله عليه وسلم كذا هو على بناء المجهول عند الأكثرين ، وفي رواية ابن عيينة إذ أتي وهو جواب قوله بينا ، وقد مر في قوله : بينما نحن جلوس أن بعضهم قال : إن بينا لا يتلقى بإذ ولا بإذا ، وهاهنا في رواية ابن عيينة جاء بإذ وهو يرد ما قاله ، فكأنه ذهل عن هذا والآتي من هو لم يدر ، وقال بعضهم : والآتي المذكور لم يسم . قلت : في أين ذكر الآتي حتى قال : لم يسم لكن وقع في الكفارات على ما سيأتي في رواية معمر : فجاء رجل من الأنصار وهو أيضا غير معلوم فإن قلت : عند الدارقطني من طريق داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب مرسلا فأتى رجل من ثقيف . قلت : رواية الصحيح أصح ، ويمكن أن يحمل على أنه كان حليفا للأنصار ، فأطلق عليه الأنصاري وقال بعضهم أو إطلاق الأنصاري بالمعنى الأعم . قلت : لا وجه لذلك ؛ لأنه يلزم منه أن يطلق على كل من كان من أي قبيلة كان أنصاريا بهذا المعنى ، ولم يقل به أحد . قوله : بعرق قد مر تفسيره عن قريب مستوفى . قوله : والمكتل تفسير العرق ، وقد مر تفسير المكتل أيضا ، وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي وابن خزيمة المكتل الضخم فإن قلت : تفسير العرق بالمكتل ممن ؟ قلت : الظاهر أنه من الصحابي ، ويحتمل أن يكون من الرواة ، قيل : في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنه الزهري ، وفي رواية منصور في الباب الذي يلي هذا وهو باب المجامع في رمضان : فأتي بعرق فيه تمر ، وهو الزبيل ، وفي رواية ابن أبي حفصة فأتي بزبيل وقد مر تفسير الزبيل أيضا مستوفى . قوله : أين السائل قال الكرماني : فإن قلت : لم يكن لذلك الرجل سؤال بل كان له مجرد إخبار بأنه هلك ، فما وجه إطلاق لفظ السائل عليه ؟ قلت : كلامه متضمن للسؤال ، أي هلكت فما مقتضاه وما يترتب عليه . فإن قلت : لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في المكتل من التمر . قلت : وقع في رواية ابن أبي حفصة فيه خمسة عشر صاعا وفي رواية مؤمل عن سفيان فيه خمسة عشر أو نحو ذلك وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عند ابن خزيمة فيه خمسة عشر أو عشرون وكذا هو عند مالك ، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعا ، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة فأتي بعرق فيه عشرون صاعا وقال بعضهم : من قال عشرون أراد أصل ما كان فيه ، ومن قال : خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة ، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد ، وفيه فأتي بخمسة عشر صاعا فقال : أطعمه ستين مسكينا وكذا في رواية حجاج ، عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : وفيه رد على الكوفيين في قولهم : إن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ، ومن غيره ستون صاعا ، وعلى أشهب في قوله : لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الإطعام ، ولقول الحسن : يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا ولقول عطاء : إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا أو بالجماع أطعم خمسة عشر ، وفيه رد على الجوهري حيث قال : في الصحاح المكتل تشبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعا ؛ لأنه لا حصر في ذلك . انتهى . قلت : ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين وهم قد احتجوا بما رواه مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام وقد ذكرنا فيما مضى أن ما في العرقين يكون ثلاثين صاعا ، فيعطى لكل مسكين نصف صاع ، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة ، وفي بعضها الشك فالعجب منه أن يرد على الكوفيين مع علمه أن احتجاجهم قوي صحيح ، وأعجب منه أنه قال في رواية مسلم هذه : ووجهه أن كان محفوظا ، وقد ردينا عليه ما قاله فيما مضى عن قريب ، وكذلك قوله وفيه رد على الجوهري غير صحيح لأنه لم يحصر ما قاله في ذلك ، غاية ما في الباب أنه نقل أحد المعاني التي قالوا في المكتل وسكت عليه . قوله : فتصدق به وزاد ابن إسحاق : فتصدق عن نفسك ويؤيده رواية منصور في الباب الذي يليه بلفظ : أطعم هذا عنك . قوله : أعلى أفقر مني أي أتصدق به على شخص أفقر مني ، وفي حديث ابن عمر أخرجه البزار والطبراني في الأوسط إلى من أدفعه قال : إلى أفقر من تعلم وفي رواية إبراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلي ولابن مسافر أعلى أهل بيت أفقر مني والأوزاعي أعلى غير أهلي ولمنصور أعلى أحوج منا ولابن إسحاق وهل الصدقة إلا لي وعلي . قوله : فوالله ما بين لابتيها اللابتان بالباء الموحدة المفتوحة ثم بالتاء المثناة من فوق عبارة عن حرتين تكتنفان المدينة ، وهي تثنية لابة ، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء الأرض ذات حجارة سود . قوله : يريد الحرتين من كلام بعض رواته ، ووقع في حديث ابن عمر المذكور : ما بين حرتيها وفي رواية الأوزاعي الآتي في الأدب والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة وهو تثنية طنب بضم الطاء المهملة والنون أحد أطناب الخيمة ، واستعاره للطرف . قوله : أهل بيت أفقر من أهل بيتي لفظ أهل مرفوع لأنه اسم ما النافية ، وأفقر منصوب لأنه خبرها ، ويجوز رفعه على لغة تميم ، وفي رواية يونس : أفقر مني ومن أهل بيتي وفي رواية عقيل : ما أحد أحق به من أهلي ما أحد أحوج إليه مني وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه : والله ما لعيالي من طعام وفي حديث عند ابن خزيمة : ما لنا عشاء ليلة . قوله : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه وفي رواية ابن إسحاق : حتى بدت نواجذه ولأبي قرة في السنن ، عن ابن جريج : حتى بدت ثناياه قيل : لعلها تصحيف من أنيابه ، فإن الثنايا تتبين بالتبسم غالبا ، وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم ، ويحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أن ضحكه كان تبسما غالب أحواله ، وقيل : كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة ، فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم ، وقيل : إن سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرجل حيث جاء خائفا على نفسه راغبا في فداها مهما أمكنه ، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل ما أعطيه في الكفارة ، وقيل : ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب ، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده . قوله : ثم قال : أطعمه أهلك وفي رواية لابن عيينة في الكفارات : أطعمه عيالك وفي رواية إبراهيم بن سعد : فأنتم إذا وقدم ذلك على ذكر الضحك ، وفي رواية أبي قرة ، عن ابن جريج : ثم قال : كله ، وفي رواية ابن إسحاق : خذها وكلها وأنفقها على عيالك . ذكر ما يستفاد منه : قد ذكرنا في الباب الذي قبله ما يتعلق به وبغيره من الأحكام ، فلنذكر هنا ما لم نذكر هناك . ففيه أن من جاء مستفتيا فيما فيه الاجتهاد دون الحدود المحدودة أنه لا يلزمه تعزير ولا عقوبة كما لم يعاقب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأعرابي على هتك حرمة الشهر ، قاله عياض ، قال : لأن في مجيئه واستفتائه ظهور توبته وإقلاعه ، قال : ولأنه لو عوقب كل من جاء بجيئه لم يستفت أحد غالبا عن نازلة مخافة العقوبة بخلاف ما فيه حد محدود ، وقد بوب عليه البخاري في كتاب المحاربين باب من أصاب ذنبا دون الحد فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد أن جاء مستفتيا ، وفي رواية أبي ذر مستعتبا ثم قال البخاري : وقال ابن جريج ولم يعاقب الذي جامع في رمضان . فإن قلت : وقع في شرح السنة للبغوي أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة ، ويعزر على سوء صنيعه . قلت : هو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة . وفيه أن الكفارة مرتبة ككفارة الظهار ، وهو قول أكثر العلماء ، إلا أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام ، وحكي عنه أنه قال : الإطعام أحب إلي من العتق ، ووقع في المدونة : ولا يعرف مالك غير الإطعام ، ولا يأخذ بعتق ولا صيام ، وقال ابن دقيق العيد : وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت ، غير أن بعض المحققين من أصحابه حل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال ، وذكر أصحابه في هذا وجوها كثيرة كلها لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام ثم الإطعام . وفيه أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور ، قال ابن العربي : لأنه عليه الصلاة والسلام نقله من أمر بعد عدمه إلى أمر آخر ، وليس هذا شأن التخيير ، وقال البيضاوي : ترتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان ، وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط المحكم ، وقيل : سلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير ، واعترض ابن التين بأن الذين رووا الترتيب ابن عيينة ومعمر والأوزاعي ، والذين رووا التخيير مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي ، وأجيب بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري ثلاثون نفسا أو أكثر ، ورجح الترتيب أيضا بأن راويه حكى لفظ القصة على وجهها ، فمعه زيادة علم من صورة الواقعة ، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث ، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك ، ويترجح الترتيب أيضا بأنه أحوط ، وحمل المهلب والقرطبي الأمر على التعدد وهو بعيد ؛ لأن القصة واحدة ، والأصل عدم التعدد ، وحمل بعضهم الترتيب على الأولوية ، والتخيير على الجواز . وفيه إعانة المعسر في الكفارة ، وعليه بوب البخاري في النذور . وفيه إعطاء القريب من الكفارة ، وبوب عليه البخاري في النذور ، وفيه إعطاء القريب من الكفارة ، وبوب عليه البخاري أيضا ، وفيه أن الهبة والصدقة لا يحتاج فيهما إلى القبول باللفظ بل القبض كاف ، وعليه بوب البخاري أيضا ، وفيه أن الكفارة لا تجب إلا بعد نفقة من تجب عليه ، وقد بوب عليه البخاري أيضا في النفقات ، وفيه جواز المبالغة في الضحك عند التعجب لقوله : حتى بدت أنيابه ، وفيه جواز قول الرجل في الجواب : ويحك أو ويلك ، وفيه جواز الحلف بالله وصفاته وإن لم يستحلف كما في البخاري وغيره : والذي بعثك بالحق وفي رواية له : والله ما بين لابتيها إلى آخره ، وفيه أن القول قول الفقير أو المسكين وجواز عطائه مما يستحقه الفقراء لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكلفه البينة حين ادعى أنه ما بين لابتي المدينة أهل بيت أحوج منهم ، وفيه جواز الحلف على غلبة الظن وإن لم يعلم ذلك بالدلائل القطعية لحلف المذكور أنه ليس بالمدينة أحوج منهم ، مع جواز أن يكون بالمدينة أحوج منهم لكثرة الفقراء فيها ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه استعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه لقوله : وقعت أو أصبت فإن قلت : ورد في بعض طرقه : وطئت . قلت : هذا من تصرف الرواة ، وفيه الرفق بالمتعلم والتلطف في التعليم ، والتأليف على الدين ، والندم على المعصية واستشعار الخوف ، وفيه الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية كنشر العلم ، وفيه التعاون على العبادة ، وفيه السعي على خلاص المسلم ، وفيه إعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة ، وفيه إعطاء الكفارة لأهل بيت واحد .
( باب شهرا عيد لا ينقصان ) أي هذا باب يذكر فيه شهرا عيد لا ينقصان ، والشهران هما رمضان وذو الحجة ، كما في متن حديث الباب ، وسنقول وجه إطلاق شهر عيد على رمضان مع أن العيد من شوال ، وهذه الترجمة عين متن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة " ولم يذكر في الترجمة رمضان وذو الحجة . ( قال أبو عبد الله : قال إسحاق : وإن كان ناقصا فهو تمام ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وليس هذا بموجود في كثير من النسخ ، قوله : " قال إسحاق " قال صاحب ( التلويح ) : إسحاق هذا هو ابن سويد بن هبيرة العدوي ، عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وتبعه صاحب ( التوضيح ) على هذا ، وقال بعضهم : ادعى مغلطاي وهو صاحب ( التلويح ) أن المراد بإسحاق هو ابن سويد العدوي راوي الحديث ، ولم يأت على ذلك بحجة ، وقال إسحاق : هو ابن راهويه ( قلت ) قول صاحب ( التوضيح ) أقرب إلى الصواب ، بل الظاهر أن إسحاق هو ابن سويد ؛ لأنه ممن روى هذا الحديث فالأقرب أن يكون هو إياه ، فهذا القائل يرد على صاحب ( التلويح ) فيما قاله بأنه لم يأت بحجة فهذا ادعى أنه إسحاق بن راهويه وأين حجته على ذلك ، فإن قيل : حجته أن الترمذي نقل هذا ، أعني قوله : وإن كان ناقصا فهو تمام عن إسحاق بن راهويه ، يقال له : حجة صاحب ( التلويح ) أقوى فيما قاله لأنه ينسبه إلى راوي الحديث الذي فيه ، وما نسبه الترمذي إلى إسحاق بن راهويه يكون من باب توارد الخواطر . قوله : " وإن كان ناقصا فهو تمام " يعني وإن كان كل واحد من شهري العيد ناقصا ، أي وإن كان عددهما ناقصا في الحساب فهو تمام في الثواب والأجر ، وقد روى أبو نعيم في ( مستخرجه ) عن إسحاق العدوي من رواية مسدد بالإسناد المذكور بلفظ " لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة " وروى البيهقي من طريق يحيى بن محمد بن يحيى عن مسدد بلفظ " شهرا عيد لا ينقصان " كما هو لفظ الترجمة . ( وقال محمد : لا يجتمعان كلاهما ناقص ) . قيل : المراد من قوله : " قال محمد " هو البخاري نفسه ؛ لأن اسمه محمد بن إسماعيل ، وهذا نادر ، لأن دأبه إذا أراد أن يذكر شيئا وأراد أن ينسبه إلى نفسه يقول : " قال أبو عبد الله " بكنيته ، وقال صاحب ( التلويح ) : هذا التعليق عن ابن سيرين مذكور ، ولم يذكر مذكور في أي موضع ، وعن هذا يحتمل أن يكون المراد من قوله : " وقال محمد " هو محمد بن سيرين ، والأقرب - والله أعلم - أنه هو محمد بن سيرين . قوله : " لا يجتمعان " أي شهرا عيد ، وقوله : " كلاهما ناقص " جملة حالية بغير واو ، ويجوز ذلك كما في قوله : كلمته فوه إلى في ، والمعنى : لا يجتمعان في سنة واحدة في حالة نقص فيهما بل إن نقص أحدهما تم الآخر . 21 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا معتمر قال : سمعت إسحاق يعني ابن سويد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ح ، وحدثني مسدد قال : حدثنا معتمر عن خالد الحذاء ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : شهران لا ينقصان ، شهرا عيد رمضان وذو الحجة ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورواه البخاري من طريقين ، أحدهما : عن مسدد عن معتمر بن سليمان البصري ، عن إسحاق بن سويد العدوي ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه أبي بكرة ، واسمه نفيع تصغير النفع بالنون والفاء والعين المهملة ، الثقفي ، وقد مر كلاهما ، وعبد الرحمن أول مولود ولد بالبصرة بعد بنائها ، وقد مر في العلم ، والآخر عن مسدد ، عن معتمر ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة إلى آخره . وأخرجه مسلم في الصوم أيضا عن أبي بكرة ، عن معتمر به ، وعن يحيى بن يحيى ، عن يزيد بن زريع ، عن خالد الحذاء ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، عن يزيد بن زريع به ، وأخرجه الترمذي فيه عن يحيى بن خلف ، عن بشر بن الفضل ، عن خالد الحذاء به ، وقال حديث حسن ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع به ، وإنما اختار البخاري سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق بن سويد ؛ لكونه لم يختلف في سياقه عليه كذا قاله بعضهم ، ( قلت ) : كلا الطريقين صحيح عند البخاري ، ولكنه انفرد بإخراجه من حديث إسحاق بن سويد وبقية الجماعة غير النسائي أخرجوه من حديث خالد الحذاء ، فيمكن أن يكون اختياره سوق المتن على لفظ خالد لهذا المعنى ، ومع هذا شك بعض الرواة في رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا قال الترمذي : وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، ولهذا حسنه الترمذي ولم يصححه ؛ لما وقع فيه من الاختلاف في وصله وإرساله ورفعه ووقفه ، والاختلاف في لفظه ، وقال شيخنا : ولا أعلم من رواه عن أبي بكرة غير ابنه عبد الرحمن ، ورواه عن عبد الرحمن جماعة منهم خالد الحذاء ، وإسحاق بن سويد ، وعلي بن يزيد بن جدعان ، وسالم أبو حاتم ، وعبد الملك بن عمير ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، كلهم أسنده عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث خالد الحذاء ، وانفرد به البخاري من حديث إسحاق بن سويد ، ورواه أحمد في مسنده ، والطبراني في الكبير من رواية علي بن زيد وسالم بن أبي حاتم ، ويكنى أيضا أبا عبد الله ، ورواه الطبراني من رواية عبد الملك بن عمير ، ورواه البزار في مسنده من رواية عبد الرحمن بن إسحاق ، وقال البزار في مسنده : وهذا الكلام لا نعلم رواه أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ إلا أبو بكرة نحو كلامه بغير لفظه ، انتهى . وقد روى أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل شهر حرام تام ثلاثين يوما وثلاثين ليلة " رواه ابن عدي في ( الكامل ) في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ، ونقل تضعيفه عن أحمد ويحيى والبخاري والنسائي ، وذكر أبو عمر في التمهيد هذا الحديث ، وقال : لا يحتج بهذا ، فإنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق ، وهو ضعيف ، قال شيخنا : ليس مداره عليه كما ذكر ، وأيضا فقد اختلف عليه فيه ، فروي عنه بهذا اللفظ كما تقدم ، وروي عنه باللفظ المشهور رواه البزار في مسنده كذلك ، قال : حدثنا عمرو بن مالك ، حدثنا مروان بن معاوية ، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة " وأما متابعته على اللفظ الآخر " كل شهر حرام " فرواه الطبراني في ( الكبير ) ، قال : حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدثنا سعيد بن سليمان ، عن هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوما وثلاثين ليلة " ورجال إسناده كلهم ثقات ، وأحمد بن يحيى وثقه أحمد بن عبد الله الفرائضي ، وباقيهم رجال الصحيح . ( ذكر معناه ) قوله : " شهران " مبتدأ ، ولا ينقصان خبره ، قوله : " شهرا عيد " كلام إضافي خبر مبتدأ محذوف يعني : هما شهرا عيد ، ويجوز أن يكون ارتفاعه على البدلية ، قوله : " رمضان " مرفوع ، لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : أحدهما رمضان ، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون ، وقد مر الكلام فيه مستوفى ، قوله : " وذو الحجة " كذلك خبر مبتدأ محذوف ، أي والآخر ذو الحجة ، وقال ابن الجوزي : ( فإن قيل ) : كيف سمي شهر رمضان شهر عيد وإنما العيد في شوال ؟ فقد أجاب عنه الأثرم بجوابين ، أحدهما : أنه قد يرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم رمضان ، والثاني : لما قرب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قرب منه ، ( قلت ) : في بعض ألفاظ الحديث التصريح بأن العيد في رمضان ، رواه أحمد في ( مسنده ) ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت خالدا الحذاء يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " شهران لا ينقصان في كل واحد منهما عيد رمضان وذو الحجة " وهذا إسناده صحيح . وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث على أقوال ، فقال بعضهم : معناه أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب ، وقال بعضهم : معناه أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان إن كان أحدهما تسعا وعشرين كان الآخر ثلاثين على الكمال ، وقال بعضهم : إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة ، فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان ، وقال ابن حبان : لهذا الخبر معنيان ، أحدهما : أن شهري عيد لا ينقصان في الحقيقة وإن نقصا عندنا في رأي العين عند الحائل بيننا وبين رؤية الهلال بقترة أو ضباب ، والمعنى الثاني : أن شهري عيد لا ينقصان في الفضائل ، يريد أن عشر ذي الحجة على الفضل كشهر رمضان ، وقال الطحاوي : معناه لا ينقصان وإن كانا تسعا وعشرين يوما ، فهما كاملان ؛ لأن في أحدهما الصيام وفي الآخر الحج ، وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة ، وعن المازري : معناه لا ينقصان في عام واحد بعينه ، وعن الخطابي : قيل : لا ينقص أجر ذي الحجة عن أجر رمضان لفضل العمل في العشر ، وقال الطحاوي : روى عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كل شهر حرام ثلاثون " فقال : وليس بشيء ؛ لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء ، ولأن العيان يمنعه ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) ذو الحجة إنما يقع الحج في العشر الأول منه فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه فيه بخلاف رمضان ، فإنه يصام كله مرة فيكون تاما ومرة يكون ناقصا ( قلت ) قد تكون أيام الحج من الإغماء والنقصان مثل ما يكون في آخر رمضان ، بأن يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه الغلط بزيادة يوم أو نقصانه فيقع عرفة في اليوم الثامن أو العاشر منه ، فمعناه أن أجر الواقفين بعرفة في مثله لا ينقص عما لا غلط فيه ، وقال ابن بطال : قالت طائفة : من وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل يوم عرفة أو بعده أنه يجزئ عنه لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد كما لا ينقص أجر رمضان الناقص ، وهو قول عطاء ، والحسن ، وأبي حنيفة ، والشافعي احتج أصحابه على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده ، وعن ابن القاسم أنهم إن أخطئوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النحر يجزيهم ، وإن قدموا الوقوف يوم التروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزهم ، وهذا تخرج على أصل تلك فيمن التبست عليه الشهور فصام رمضان ثم تيقن له أنه أوقعه بعد رمضان أنه يجزيه ولا يجزيه إذا أوقعه قبل رمضان ، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزيه ، وقال بعض العلماء : إنه لا يقع وقوف الناس اليوم الثامن أصلا لأنه لا يخلو من أن يكون الوقوف برؤية أو بإغماء ، فإن كان برؤية وقفوا اليوم التاسع ، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم العاشر . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في تخصيص الشهرين بالذكر ؟ ( قلت ) : قال البيهقي : إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما ، وبه قطع النووي ، وقال الطيبي : ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور ، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص ، وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين ، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيها ، ومن ثمة قال : " شهرا عيد " بعد قوله : " شهران لا ينقصان " ، ولم يقتصر على قوله : " رمضان وذو الحجة " . وفيه حجة لمن قال : إن الثواب ليس مرتبا على وجود المشقة دائما ، بل لله أن يتفضل بإلحاق الناقص بالتام في الثواب ، ومنه استدل بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة ، قال : لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة ، فاكتفى له بالنية . ومما يستفاد من هذا الحديث : أنه يقتضي التسوية في الثواب بين الشهر الكامل وبين الشهر الناقص ، فافهم .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة