حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

المقدمة

﴿بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدين وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين بالعلماء المستنبطين الراسخين ، والفضلاء المحققين الشامخين الذين نزهوا كلام سيد المرسلين مميزين عن زيف المخلطين المدلسين ، ورفعوا مناره بنصب العلائم ، وأسندوا عمده بأقوى الدعائم حتى صار مرفوعا بالبناء العالي المشيد ، وبالأحكام الموثق المدمج المؤكد ، مسلسلا بسلسلة الحفظ والإسناد غير منقطع ولا واه إلى يوم التناد ، ولا موقوف على غيره من المباني ، ولا معضل ما فيه من المعاني . والصلاة على من بعث بالدين الصحيح الحسن والحق الصريح السنن ، الخالي عن العلل القادحة ، والسالم من الطعن في أدلته الراجحة محمد المستأثر بالخصال الحميدة ، والمجتبى المختص بالخلال السعيدة ، وعلى آله وصحبه الكرام مؤيدي الدين ، ومظهري الإسلام وعلى التابعين بالخير والإحسان ، وعلى علماء الأمة في كل زمان ما تغرد قمري على الورد والبان ، وناح عندليب على نور الأقحوان .

وبعد فإن عاني رحمة ربه الغني أبا محمد محمود بن أحمد العيني عامله ربه ووالديه بلطفه الخفي يقول : إن السنة إحدى الحجج القاطعة ، وأوضح المحجة الساطعة ، وبها ثبوت أكثر الأحكام وعليها مدار العلماء الأعلام وكيف لا وهي القول والفعل من سيد الأنام في بيان الحلال والحرام الذين عليهما مبنى الإسلام ، فصرف الأعمار في استخراج كنوزها من أهم الأمور ، وتوجيه الأفكار في استكشاف رموزها من تعمير العمور ، لها منقبة تجلت عن الحسن والبها ، ومرتبة جلت بالبهجة والسنا وهي أنوار الهداية ومطالعها ، ووسائل الدراية وذرائعها وهي من مختارات العلوم عينها ومن متنقدات نقود المعارف فضها وعينها ، ولولاها لما بان الخطأ عن الصواب ، ولا تميز الشراب من السراب . ولقد تصدت طائفة من السلف الكرام ممن كساهم الله تعالى جلابيب الفهم والإفهام ، ومكنهم من انتقاد الألفاظ الفصيحة المؤسسة على المعاني الصحيحة وأقدرهم على الحفظ بالحفاظ من المتون والألفاظ إلى جمع سنن من سنن سيد المرسلين هادية إلى طرائق شرائع الدين ، وتدوين ما تفرق منها في أقطار بلاد المسلمين بتفرق الصحابة والتابعين الحاملين ، وبذلك حفظت السنن ، وحفظ لها السنن وسلمت عن زيغ المبتدعين ، وتحريف الجهلة المدعين فمنهم الحافظ الحفيظ الشهير المميز الناقد البصير الذي شهدت بحفظه العلماء الثقات واعترفت بضبطه المشايخ الأثبات ، ولم ينكر فضله علماء هذا الشأن ، ولا تنازع في صحة تنقيده اثنان الإمام الهمام حجة الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أسكنه الله تعالى بحابيح جنانه بعفوه الجاري ، وقد دون في السنة كتابا فاق على أمثاله وتميز على أشكاله ووشحه بجواهر الألفاظ من درر المعاني ورشحه بالتبويبات الغريبة المباني بحيث قد أطبق على قبوله بلا خلاف علماء الأسلاف والأخلاف ، فلذلك أصبح العلماء الراسخون الذين تلألأ في ظلم الليالي أنوار قرائحهم الوقادة ، واستنار على صفحات الأيام آثار خواطرهم النقادة قد حكموا بوجوب معرفته ، وأفرطوا في قريضته ومدحته ثم تصدى لشرحه جماعة من الفضلاء وطائفة من الأذكياء من السلف النحارير المحققين وممن عاصرناهم من المهرة المدققين فمنهم من أخذ جانب التطويل وشحنه من الأبحاث بما عليه الاعتماد والتعويل ، ومنهم من لازم الاختصار في البحث عما في المتون ووشحه بجواهر النكات والعيون ، ومنهم من أخذ جانب التوسط مع سوق الفوائد ورصعه بقلائد الفرائد ، ولكن الشرح أي الشرح ما يشفي العليل ، ويبل الأكباد ويروي الغليل حتى يرغب فيه الطلاب ، ويسرع إلى خطبته الخطاب سيما هذا الكتاب الذي هو بحر يتلاطم أمواجا ، رأيت الناس يدخلون فيه أفواجا فمن خاض فيه ظفر بكنز لا ينفد أبدا وفاز بجواهره التي لا تحصى عددا . وقد كان يختلج في خلدي أن أخوض في هذا البحر العظيم لأفوز من جواهره ولآليه بشيء جسيم ، ولكني كنت أستهيب من عظمته أن أحول حوله ، ولا أرى لنفسي قابلية لمقابلتها هوله ثم إني لما رحلت إلى البلاد الشمالية الندية قبل الثمانمائة من الهجرة الأحمدية مستصحبا في أسفاري هذا الكتاب لنشر فضله عند ذوي الألباب ظفرت هناك من بعض مشايخنا بغرائب النوادر ، وفوائد كاللآلي الزواهر مما يتعلق باستخراج ما فيه من الكنوز ، واستكشاف ما فيه من الرموز ثم لما عدت إلى الديار المصرية ديار خير وفضل وأمنية أقمت بها برهة من الخريف مشتغلا بالعلم الشريف ثم اخترعت شرحا لكتاب معاني الآثار المنقولة من كلام سيد الأبرار تصنيف حجة الإسلام الجهبذ العلامة الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي أسكنه الله تعالى من الجنان في أحسن المآوي ، ثم أنشأت شرحا على سنن أبي داود السجستاني بوأه الله دار الجنان فعاقني من عوائق الدهر ما شغلني عن التتميم واستولى علي من الهموم ما يخرج عن الحصر والتقسيم ، ثم لما انجلى عني ظلامها وتجلى علي قتامها في هذه الدولة المؤيدية والأيام الزاهرة السنية ندبتني إلى شرح هذا الكتاب أمور حصلت في هذا الباب .

( الأول ) أن يعلم أن في الزوايا خبايا وأن العلم من منايح الله عز وجل ومن أفضل العطايا . ( والثاني ) إظهار ما منحني الله من فضله الغزير ، وإقداره إياي على أخذ شيء من علمه الكثير والشكر مما يزيد النعمة ، ومن الشكر إظهار العلم للأمة . ( والثالث ) كثرة دعاء بعض الأصحاب بالتصدي لشرح هذا الكتاب على أني قد أملتهم بسوف ولعل ولم يجد ذلك بما قل وجل وخادعتهم عما وجهوا إلي بأخادع الالتماس ووادعتهم من يوم إلى يوم وضرب أخماس لأسداس والسبب في ذلك أن أنواع العلوم على كثرة شجونها وغزارة تشعب فنونها عز على الناس مرامها واستعصى عليهم زمامها صارت الفضائل مطموسة المعالم مخفوضة الدعائم وقد عفت أطلالها ورسومها واندرست معالمها وتغير منثورها ومنظومها وزالت صواها وضعفت قواها .

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ومع هذا فالناس فيما تعبت فيه الأرواح وهزلت فيه الأشباح على قسمين متباينين : قسم هم حسدة ليس عندهم إلا جهل محض وطعن وقدح وعض لكونهم بمعزل عن انتزاع أبكار المعاني وعن تفتيق ما رتق من المباني فالمعاني عندهم تحت الألفاظ مستورة وأزهارها من وراء الأكمام زاهرة منظورة . إذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر وصنف هم ذوو فضائل وكمالات وعندهم لأهل الفضل اعتبارات المنصفون اللاحظون إلى أصحاب الفضائل والتحقيق وإلى أرباب الفواضل والتدقيق بعين الإعظام والإجلال والمرفرفون عليهم أجنحة الأكرام والأشبال والمعترفون بما تلقنوا من الألفاظ ما هي كالدر المنثور والأري المنشور والسحر الحلال والماء الزلال ، وقليل ما هم وهم كالكثير فالواحد منهم كالجم الغفير فهذا الواحد هو المراد الغارد ، ولكن أين ذاك الواحد ثم إني أجبتهم بأن من تصدى للتصنيف يجعل نفسه هدفا للتعسيف ويتحدث فيه بما فيه وما ليس فيه وينبذ كلامه بما فيه التقبيح والتشويه فقالوا ما أنت بأول من عورض ولا بأول من كلامه قد نوقض فإن هذا داء قديم وليس منها سالم إلا وهو سليم فالتقيد بهذا يسد أبواب العلوم عن فتحها وإلا كتراث به يصد عن التمييز بين محاسن الأشياء وقبحها . ( هذا ) ولما لم يرتدعوا عن سؤالهم ولم أجد بدا عن آمالهم شمرت ذيل الحزم عن ساق الجزم ، وأنخت مطيتي وحللت حقيبتي ونزلت في فناء ربع هذا الكتاب لا ظهر ما فيه من الأمور الصعاب وأبين ما فيه من المعضلات وأوضح ما فيه من المشكلات ، وأورد فيه من سائر الفنون بالبيان ما صعب منه على الأقران بحيث إن الناظر فيه بالإنصاف المتجنب عن جانب الاعتساف إن أراد ما يتعلق بالمنقول ظفر بآماله وإن أراد ما يتعلق بالمعقول فاز بكماله ، وما طلب من الكمالات يلقاه وما ظفر من النوادر والنكات يرضاه على أنهم قد ظنوا في قوة لإبلاغهم المرام وقدرة على تحصيل الفهم والإفهام ولعمري ظنهم في معرض التعديل لأن المؤمن لا يظن في أخيه إلا بالجميل مع أني بالتقصير لمعترف ومن بحر الخطايا لمغترف ولكني أتشبه بهم متمنيا أن تكون لي حلية في ميادينهم وشجرة مثمرة في بساتينهم على أني لا أرى لنفسي منزلة تعد من منازلهم ، ولا لذاتي منهل مورد يكون بين مناهلهم ولكني أرجو والرجاء من عادة الحازمين الضابطين ، واليأس من عادة الغافلين القانطين ثم إني قدحت أفكاري بزناد الذكاء حتى أورت أنوارا انكشفت بها مستورات هذا الكتاب وتصديت لتجليته على منصة التحقيق حتى كشف عن وجهه النقاب ، واجتهدت بالسهر الطويل في الليالي الطويلة حتى ميزت من الكلام ما هي الصحيحة من العليلة ، وخضت في بحار التدقيق سائلا من الله الإجابة والتوفيق ، حتى ظفرت بدرر استخرجتها من الأصداف ، وبجواهر أخرجتها من الغلاف حتى أضاء بها ما أبهم من معانيه على أكثر الطلاب وتحلى بها ما كان عاطلا من شروح هذا الكتاب فجاء بحمد الله وتوفيقه فوق ما في الخواطر فائقا على سائر الشروح بكثرة الفوائد والنوادر مترجما بكتاب ( عمدة القاري في شرح البخاري ) ومأمولي من الناظر فيه أن ينظر بالإنصاف ويترك جانب الطعن والاعتساف فإن رأى حسنا يشكر سعى زائره ويعترف بفضل عاثره أو خللا يصلحه أداء حق الأخوة في الدين فإن الإنسان غير معصوم عن زلل مبين .

فإن تجد عيبا فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا فالمنصف لا يشتغل بالبحث عن عيب مفضح والمتعسف لا يعترف بالحق الموضح . فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فالله عز وجل يرضى عن المنصف في سواء السبيل ويوفق المتعسف حتى يرجع عن الأباطيل ويمتع بهذا الكتاب المسلمين من العالمين العاملين فإني جعلته ذخيرة ليوم الدين وأخلصت فيه باليقين والله لا يضيع أجر المحسنين وهو على كل شيء قدير وبالإجابة لدعانا جدير ، وبه الإعانة في التحقيق وبيده أزمة التوفيق . أما إسنادي في هذا الكتاب إلى الإمام البخاري رحمه الله فمن طريقين عن محدثين كبيرين .

( الأول ) الشيخ الإمام العلامة مفتي الأنام شيخ الإسلام حافظ مصر والشام زين الدين عبد الرحيم بن أبي المحاسن حسين بن عبد الرحمن العراقي الشافعي أسكنه الله تعالى بحابيح جنانه ، وكساه جلابيب عفوه وغفرانه توفي ليلة الأربعاء الثامنة من شعبان من سنة ست وثمانمائة بالقاهرة فسمعته عليه من أوله إلى آخره في مجالس متعددة آخرها آخر شهر رمضان المعظم قدره من سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بجامع القلعة بظاهر القاهرة المعزية حماها الله عن الآفات بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن منصور الأشموني الحنفي رحمه الله بحق سماعه لجميع الكتاب من الشيخين أبي علي عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري ، وقاضي القضاة علاء الدين علي بن عثمان بن مصطفى بن التركماني مجتمعين . قال الأول : أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي وأبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن رشيق الربعي ، وأبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز بن عزوان سماعا عليهم خلا من باب المسافر إذا جد به السير تعجل إلى أهله في أواخر كتاب الحج إلى أول كتاب الصيام وخلا من باب ما يجوز من الشروط في المكاتب إلى باب الشروط في الجهاد وخلا من باب غزو المرأة في البحر إلى دعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الإسلام فأجازه منهم قالوا : أخبرنا هبة الله بن علي بن مسعود البوصيري ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الأرتاحي ، قال البوصيري : أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي وقال الأرتاحي : أخبرنا علي بن عمر الفراء إجازة قالا : أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية قالت : أخبرنا أبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني ، وقال الثاني : أخبرنا جماعة منهم أبو الحسن علي بن محمد بن هارون القاري قال : أنا عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي قال : أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه قال هو والكشميهني : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قال : ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله . ( والثاني ) الشيخ الإمام العالم المحدث الكبير تقي الدين محمد بن معين الدين محمد بن زين الدين عبد الرحمن بن حيدرة بن عمرو بن محمد الدجوي المصري الشافعي رحمه الله رحمة واسعة فسمعته عليه من أوله إلى آخره في مجالس متعددة آخرها آخر شهر رمضان المعظم قدره من سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة بقراءة الشيخ الإمام القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد الشهير بابن التقي المالكي بحق قراءته جميع الكتاب على الشيخين المسندين زين الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن هارون الثعلبي ، وصلاح الدين خليل بن طرنطاي بن عبد الله الزيني العادلي بسماع الأول على والده وعلى أبي الحسن علي بن عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن تيمية بسماع والده من أبي عبد الله الحسين بن الزبيدي في الرابعة ، وبسماع ابن تيمية من أبي الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي بسماعهما من أبي الوقت وبسماع الأول أيضا على أبي عبد الله محمد بن مكي بن أبي الذكر الصقلي بسماع ابن أبي الذكر من أبي الزبيدي ( ح ) وبسماع والده أيضا في الرابعة من الإمام الحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن صلاح قال : أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي قال : أنا المشايخ الأربعة أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي وأبو بكر وجيه بن طاهر الشحامي وأبو محمد بن عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وأبو عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي سماعا وإجازة قال الفارسي ومحمد بن الفضل : أنا سعيد بن أبي سعيد العيار قال : أنا أبو علي بن محمد بن عمر بن شبويه وقال الشحامي والشاذياخي ومحمد بن الفضل الفراوي : أنا أبو سهل بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحفصي قال : أنا أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد الكشميهني بسماعه وسماع ابن شبويه من الفربري ثنا الإمام البخاري رحمه الله ( ح ) وبسماع الثاني وهو خليل الطرنطاي من أبي العباس أحمد بن أبي طالب نعمة بن حسن بن علي بن بيات الصالحي ابن الشحنة الحجار وأم محمد وزيرة ابنة عمرو بن أسعد بن المنجا قال : أنا ابن الزبيدي قال : أنا أبو الوقت عبد الأول السجزي قال : أنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قال : أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه قال : أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قال : ثنا الإمام البخاري رحمه الله تعالى .

( فوائد ) الأولى سمى البخاري كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه وهو أول كتابه وأول كتاب صنف في الحديث الصحيح المجرد ، وصنفه في ست عشرة سنة ببخارى قاله ابن طاهر ، وقيل : بمكة قاله ابن البجير سمعته يقول : صنفت في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثا إلا بعدما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته ويجمع بأنه كان يصنف فيه بمكة والمدينة والبصرة وبخارى فإنه مكث فيه ست عشرة سنة كما ذكرنا ، وفي تاريخ نيسابور للحاكم عن أبي عمرو إسماعيل ثنا أبو عبد الله محمد بن علي قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي أصنف وأحج كل سنة وأرجع من مكة إلى البصرة قال : وأنا أرجو أن الله تعالى يبارك للمسلمين في هذه المصنفات . ( الثانية ) اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم فرجح البعض منهم المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم لأنه أكثر فوائد منه ، وقال النسائي ما في هذه الكتب أجود منه قال الإسماعيلي : ومما يرجح به أنه لا بد من ثبوت اللقاء عنده وخالفه مسلم واكتفى بإمكانه وشرطهما أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له أيضا راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك . ( الثالثة ) قد قال الحاكم الأحاديث المروية بهذه الشريطة لم يبلغ عددها عشرة آلاف حديث وقد خالفا شرطهما فقد أخرجا في الصحيحين حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إنما الأعمال بالنيات ولا يصح إلا فردا كما سيأتي إن شاء الله تعالى وحديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب ولم يرو عنه غير ابنه سعيد وأخرج مسلم حديث حميد بن هلال عن أبي رفاعة العدوي ولم يرو عنه غير حميد ، وقال ابن الصلاح : وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن ثعلب : إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي لم يرو عنه غير الحسن قلت : فقد روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج نص عليه ابن أبي حاتم ، وأخرج أيضا حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي : يذهب الصالحون الأول فالأول ولم يرو عنه غير قيس قلت : فقد روى عنه أيضا زياد بن علاقة كما ذكره ابن أبي حاتم ، وأخرج مسلم حديث عبد الله بن الصامت عن رافع بن عمرو الغفاري ولم يرو عنه غير عبد الله قلت : ففي الغيلانيات من حديث سليمان بن المغيرة ثنا ابن حكم الغفاري حدثني جدي عن رافع بن عمرو فذكر حديثا ، وأخرج حديث أبي بردة عن الأغر المزني ( إنه ليغان على قلبي ) ولم يرو عنه غير أبي بردة قلت : قد ذكر العسكري أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما روى عنه أيضا وروى عنه معاوية بن قرة أيضا ، وفي معرفة الصحابة لابن قانع قال ثابت البناني : عن الأغر أغر مزينة وأغرب من قول الحاكم قول الميانشي في ( إيضاح ما لا يسع المحدث جهله ) شرطهما في صحيحيهما ألا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما وذلك ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان من الصحابة فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة .

والظاهر أن شرطهما اتصال الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من مبتداه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة . ( الرابعة ) جملة ما فيه من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وبحذفها نحو أربعة آلاف حديث ، وقال أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي : الذي اشتمل عليه كتاب البخاري من الأحاديث سبعة آلاف وستمائة ونيف قال : واشتمل كتابه وكتاب مسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة رضي الله تعالى عنها من جملة الكتاب مائتين ونيفا وسبعين حديثا لم تخرج غير الأحكام منها إلا يسيرا قال الحاكم : فحمل عنها ربع الشريعة ومن الغريب ما في كتاب الجهر بالبسملة لابن سعد إسماعيل بن أبي القاسم البوشنجي نقل عن البخاري أنه صنف كتابا أورد فيه مائة ألف حديث صحيح . ( الخامسة ) فهرست أبواب الكتاب ذكرها مفصلة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحموي فقال : عدد أحاديث صحيح البخاري رحمه الله بدأ الوحي سبعة أحاديث ، الإيمان خمسون ، العلم خمسة وسبعون ، الوضوء مائة وتسعة أحاديث ، غسل الجنابة ثلاثة وأربعون ، الحيض سبعة وثلاثون ، التيمم خمسة عشر ، فرض الصلاة حديثان ، الصلاة في الثياب تسعة وثلاثون ، القبلة ثلاثة عشر ، المساجد ستة وثلاثون ، سترة المصلى ثلاثون ، مواقيت الصلاة خمسة وسبعون ، الأذان ثمانية وعشرون ، فضل صلاة الجماعة وإقامتها أربعون ، الإمامة أربعون ، إقامة الصفوف ثمانية عشر ، افتتاح الصلاة ثمانية وعشرون ، القراءة ثلاثون ، الركوع والسجود والتشهد اثنان وخمسون ، انقضاء الصلاة سبعة عشر ، اجتناب أكل الثوم خمسة أحاديث .

صلاة النساء والصبيان خمسة عشر ، الجمعة خمسة وستون ، صلاة الخوف ستة أحاديث ، العيد أربعون ، الوتر خمسة عشر ، الاستسقاء خمسة وثلاثون ، الكسوف خمسة وعشرون ، سجود القرآن أربعة عشر ، القصر ستة وثلاثون ، الاستخارة ثمانية ، التحريض على قيام الليل أحد وأربعون ، النوافل ثمانية عشر ، الصلاة بمسجد مكة تسعة ، العمل في الصلاة ستة وعشرون ، السهو أربعة عشر ، الجنائز مائة وأربعة وخمسون ، الزكاة مائة وثلاثة عشر ، صدقة الفطر عشرة ، الحج مائتان وأربعون ، العمرة اثنان وثلاثون ، الإحصار أربعون ، جزاء الصيد أربعون ، الصوم ستة وستون ، ليلة القدر عشرة ، قيام رمضان ستة ، الاعتكاف عشرون ، البيوع مائة واحد وتسعون ، السلم تسعة عشر ، الشفعة ثلاثة أحاديث ، الإجارة أربعة وعشرون ، الحوالة ثلاثون ، الكفالة ثمانية أحاديث ، الوكالة سبعة عشر ، المزارعة والشرب تسعة وعشرون ، الاستقراض وأداء الديون خمسة وعشرون ، الأشخاص ثلاثة عشر ، الملازمة حديثان ، اللقطة خمسة عشر ، المظالم والغصب أحد وأربعون . الشركة اثنان وسبعون ، الرهن تسعة أحاديث ، العتق أحد وعشرون ، المكاتب ستة ، الهبة تسعة وستون ، الشهادات ثمانية وخمسون ، الصلح اثنان وعشرون ، الشروط أربعة وعشرون ، الوصايا أحد وأربعون ، الجهاد والسير مائتان وخمسة وخمسون ، بقية الجهاد أيضا اثنان وأربعون ، فرض الخمس ثمانية وخمسون ، الجزية والموادعة ثلاثة وستون ، بدأ الخلق مائتان وحديثان ، الأنباء والمغازي أربعمائة وثمانية وعشرون ، جزاء الآخر بعد المغازي مائة وثمانية وثلاثون ، التفسير خمسمائة وأربعون ، فضائل القرآن أحد وثمانون ، النكاح والطلاق مائتان وأربعة وأربعون ، النفقات اثنان وعشرون ، الأطعمة سبعون ، العقيقة أحد عشر ، الصيد والذبائح وغيره تسعون ، الأضاحي ثلاثون . الأشربة خمسة وستون ، الطب تسعة وسبعون ، اللباس مائة وعشرون ، المرضى أحد وأربعون ، اللباس أيضا مائة ، الأدب مائتان وستة وخمسون ، الاستئذان سبعة وسبعون ، الدعوات ستة وسبعون ، ومن الدعوات ثلاثون ، الرقاق مائة ، الحوض ستة عشر ، الجنة والنار سبعة وخمسون ، القدر ثمانية وعشرون ، الأيمان والنذر أحد وثلاثون ، كفارة اليمين خمسة عشر ، الفرائض خمس وأربعون ، الحدود ثلاثون ، المحاربون اثنان وخمسون ، الديات أربعة وخمسون ، استتابة المرتدين عشرون ، الإكراه ثلاثة عشر ، ترك الحيل ثلاثة وعشرون ، التعبير ستون ، الفتن ثمانون ، الأحكام اثنان وثمانون ، الأمان اثنان وعشرون ، إجازة خبر الواحد تسعة عشر ، الاعتصام ستة وتسعون ، التوحيد وعظمة الرب سبحانه وتعالى وغير ذلك إلى آخر الكتاب مائة وسبعون .

( السادسة ) جملة من حدث عنه البخاري في صحيحه خمس طبقات ( الأولى ) لم يقع حديثهم إلا كما وقع من طريقه إليهم منهم محمد بن عبد الله الأنصاري حدث عنه عن حميد عن أنس ، ومنهم مكي بن إبراهيم ، وأبو عاصم النبيل حدث عنهما عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ، ومنهم عبيد الله بن موسى حدث عنه عن معروف عن أبي الطفيل ، عن علي وحدث عنه عن هشام بن عروة ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وهما تابعيان ومنهم أبو نعيم حدث عنه عن الأعمش والأعمش تابعي ، ومنهم علي بن عياش حدث عنه عن حريز بن عثمان عن عبد الله بن بشر الصحابي هؤلاء وأشباههم الطبقة الأولى ، وكأن البخاري سمع مالكا والثوري وشعبة وغيرهم فإنهم حدثوا عن هؤلاء وطبقتهم . ( الثانية ) من مشايخه قوم حدثوا عن أئمة حدثوا عن التابعين وهم شيوخه الذين روى عنهم عن ابن جريج ومالك وابن أبي ذئب وابن عيينة بالحجاز ، وشعيب والأوزاعي وطبقتهما بالشام والثوري وشعبة ، وحماد وأبو عوانة ، وهما بالعراق والليث ويعقوب بن عبد الرحمن بمصر ، وفي هذه الطبقة كثرة . ( الثالثة ) قوم حدثوا عن قوم أدرك زمانهم وأمكنه لقيهم لكنه لم يسمع منهم كيزيد بن هارون وعبد الرزاق .

( الرابعة ) قوم في طبقته حدث عنهم عن مشايخه كأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي حدث عنه في صحيحه ، ولم ينسبه عن يحيى بن صالح . ( الخامسة ) قوم حدث عنهم وهم أصغر منه في الإسناد والسن والوفاة والمعرفة منهم عبد الله بن حماد الآملي وحسين القباني وغيرهما ولا بد من الوقوف على هذا لأن من لا معرفة له يظن أن البخاري إذا حدث عن مكي ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ثم حدث في موضع آخر عن بكر بن مضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن يزيد بن أبي عبيد الله ، عن سلمة أن الإسناد الأول سقط منه شيء وإنما يحدث في موضع عاليا وفي موضع نازلا فقد حدث في مواضع كثيرة جدا عن رجل ، عن مالك ، وفي موضع عن عبد الله بن محمد المسندي عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك . وحدث في مواضع عن رجل ، عن شعبة وحدث في مواضع عن ثلاثة عن شعبة منها حديثه عن حماد بن حميد ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة وحدث في مواضع عن رجل ، عن الثوري ، وحدث في مواضع عن ثلاثة عنه فحدث عن أحمد بن عمر ، عن ابن أبي النضر عن عبيد الله الأشجعي ، عن الثوري ، وأعجب من هذا كله أن عبد الله ابن المبارك أصغر من مالك ، وسفيان وشعبة ومتأخر الوفاة ، وحدث البخاري عن جماعة من أصحابه عنه ، وتأخرت وفاتهم ثم حدث عن سعيد بن مروان ، عن محمد بن عبد العزيز عن أبي رزمة عن أبي صالح سلمويه ، عن عبد الله بن المبارك فقس على هذا أمثاله وقد حدث البخاري عن قوم خارج الصحيح ، وحدث عن رجل عنهم في الصحيح منهم أحمد بن منيع ، وداود بن رشيد وحدث عن قوم في الصحيح وحدث عن آخرين عنهم منهم أبو نعيم ، وأبو عاصم ، والأنصاري وأحمد بن صالح ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين فإذا رأيت مثل هذا فأصله ما ذكرنا وقد روي عن البخاري : لا يكون المحدث محدثا كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه .

( السابعة ) في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين وهو محمول على أنه لم يثبت جرحهم بشرطه فإن الجرح لا يثبت إلا مفسرا مبين السبب عند الجمهور ، ومثل ذلك ابن الصلاح بعكرمة وإسماعيل بن أبي أويس ، وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم قال : واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة ممن اشتهر الطعن فيهم ، قال : وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يقبل إلا إذا فسر سببه قلت : قد فسر الجرح في هؤلاء أما عكرمة فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وكذبه مجاهد ، وابن سيرين ، ومالك ، وقال أحمد : يرى رأي الخوارج الصفرية ، وقال ابن المديني : يرى رأي نجدة ويقال كان يرى السيف والجمهور وثقوه واحتجوا به ولعله لم يكن داعية . وأما إسماعيل بن أبي أويس فإنه أقر على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي عن سلمة بن شعيب عنه ، وقال ابن معين : لا يساوي فلسين هو وأبوه يسرقان الحديث ، وقال النضر بن سلمة المروزي فيما حكاه الدولابي عنه : كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب ، وأما عاصم بن علي فقال ابن معين : لا شيء ، وقال غيره : كذاب ابن كذاب ، وأما أحمد فصدقه وصدق أباه ، وأما عمرو بن مرزوق فنسبه أبو الوليد الطيالسي إلى الكذب ، وأما أبو حاتم فصدقه وصدق أباه فوثقه ، وأما سويد بن سعيد فمعروف بالتلقين ، وقال ابن معين : كذاب ساقط وقال أبو داود : سمعت يحيى يقول : هو حلال الدم وقد طعن الدارقطني في كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع على البخاري ومسلم في مائتي حديث فيهما ولأبي مسعود الدمشقي عليهما استدراك ، وكذا لأبي علي الغساني في تقييده . ( الثامنة ) في الفرق بين الاعتبار والمتابعة والشاهد وقد أكثر البخاري من ذكر المتابعة فإذا روى حماد مثلا حديثا عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا هل تابعه ثقة فرواه عن أيوب فإن لم نجد ثقة غير أيوب ، عن ابن سيرين فثقة غيره عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، وإلا فصحابي غير أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام فأي ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه ، وإلا فلا فهذا النظر هو الاعتبار .

وأما المتابعة فأن يرويه عن أيوب غير حماد أو عن ابن سيرين غير أيوب ، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين ، أو عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير أبي هريرة فكل نوع من هذه يسمى متابعة . وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه وتسمى المتابعة شاهدا ولا ينعكس فإذا قالوا في مثل هذا تفرد به أبو هريرة ، أو ابن سيرين ، أو أيوب ، أو حماد كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها فيه ، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية بعض الضعفاء ، وفي الصحيح جماعة منهم ذكروا في المتابعات والشواهد ، ولا يصلح لذاك كل ضعيف ولهذا يقول الدارقطني وغيره : فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به مثال المتابع والشاهد حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به ورواه ابن جريج عن عمرو ، عن عطاء بدون الدباغ تابع عمرو أسامة بن زيد فرواه عن عطاء ، عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال : ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فانتفعتم به وشاهده حديث عبد الرحمن بن وعلة ، عن ابن عباس رفعه : أيما إهاب دبغ فقد طهر فالبخاري يأتي بالمتابعة ظاهرا كقوله في مثل هذا تابعه مالك ، عن أيوب أي تابع مالك حمادا فرواه عن أيوب كرواية حماد فالضمير في تابعه يعود إلى حماد ، وتارة يقول : تابعه مالك ولا يزيد فيحتاج إذن إلى معرفة طبقات الرواة ومراتبهم . ( التاسعة ) في ضبط الأسماء المتكررة المختلفة في الصحيحين ( أبي ) كله بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف إلا آبي اللحم فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة ثم باء مكسورة ثم ياء مخففة لأنه كان لا يأكله ، وقيل : لا يأكل ما ذبح للصنم ( البراء ) كله بتخفيف الراء إلا أبا معشر البراء ، وأبا العالية البراء فبالتشديد وكله ممدود ، وقيل : إن المخفف يجوز قصره حكاه النووي والبراء هو الذي يبري العود ( يزيد ) كله بالمثناة التحتية والزاي إلا ثلاثة بريد بن عبد الله بن أبي بردة يروي غالبا عن أبي بردة بضم الباء الموحدة وبالراء ، والثاني محمد بن عرعرة بن البرند بموحدة وراء مكسورتين ، وقيل : بفتحهما ثم نون ، والثالث : علي بن هاشم بن البريد بموحدة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم مثناه تحت ( يسار ) كله بالياء آخر الحروف والسين المهملة إلا محمد بن بشار شيخهما فبموحدة ثم معجمة ، وفيهما سيار ابن سلامة ، وسيار بن أبي سيار بمهملة ثم بمثناة ( بشر ) كله بموحدة ثم شين معجمة إلا أربعة فبالضم ثم مهملة عبد الله بن بسر الصحابي ، وبسر بن سعيد ، وبسر بن عبيد الله الحضرمي ، وبسر بن محجن ، وقيل : هذا بالمعجمة كالأول ( بشير ) كله بفتح الموحدة وكسر المعجمة إلا اثنين فبالضم وفتح الشين ، وهما بشير بن كعب ، وبشير بن يسار ، وإلا ثالثا فبضم المثناة ، وفتح المهملة وهو يسير بن عمرو ، ويقال : أسير ورابعا فبضم النون وفتح المهملة قطن بن نسير ( حارثة ) كله بالحاء المهملة والمثلثة إلا جارية ابن قدامة ويزيد بن جارية فبالجيم ، والمثناة ولم يذكر غيرهما ابن الصلاح وذكر الجياني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة قال : حديثه مخرج في الصحيحين والأسود بن العلاء بن جارية حديثه في مسلم ( جرير ) كله بالجيم وراء مكررة إلا حريز بن عثمان ، وأبا حريز بن عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة فبالحاء ، والزاي آخرا ويقاربه حدير بالحاء والدال والد عمران ، ووالد زياد وزيد ( حازم ) كله بالحاء المهملة إلا أبا معاوية محمد بن خازم فبالمعجمة كذا اقتصر عليه ابن الصلاح وتبعه النووي وأهملا بشير بن جازم الإمام الواسطي آخر رجاله ، ومحمد بن بشير العبدي كناه أبا حازم بالمهملة قال أبو علي الجياني : والمحفوظ أنه بالمعجمة كذا كناه أبو أسامة في روايته عنه قاله الدارقطني ( حبيب ) كله بفتح المهملة إلا خبيب بن عدي وخبيب بن عبد الرحمن وخبيبا غير منسوب عن حفص بن عاصم ، وخبيبا كنية ابن الزبير فبضم المعجمة .

( حيان ) كله بالفتح والمثناة إلا حبان بن منقذ والد واسع بن حبان ، وجد محمد بن يحيى بن حبان ، وجد حبان بن واسع بن حبان ، والأحبان بن هلال منسوبا وغير منسوب عن شعبة ووهيب ، وهمام وغيرهم فبالموحدة وفتح الحاء ، والأحبان بن العرقة وحبان بن عطية ، وحبان بن موسى منسوبا وغير منسوب عن عبد الله هو ابن المبارك فبكسر الحاء ، وبالموحدة وذكر الجياني أحمد بن سنان بن أسد بن حبان روى له البخاري في الحج ، ومسلم في الفضائل وأهمله ابن الصلاح والنووي . ( خراش ) كله بالخاء المعجمة إلا والد ربعي فبالمهملة . ( حزام ) بالزاي في قريش وبالراء في الأنصار وفي المختلف والمؤتلف لابن حبيب في جذام حرام بن جذام ، وفي تميم بن مر حرام بن كعب ، وفي خزاعة حرام بن حبشية بن كعب بن سلول بن كعب وفي عذرة حرام بن حنبة ، وأما حزام بالزاي فجماعة في غير قريش منهم حزام بن هشام الخزاعي ، وحزام بن ربيعة الشاعر ، وعروة بن حزام الشاعر العدوي .

( حصين ) كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين إلا أبا حصين عثمان بن عاصم فبالفتح وكسر الصاد وإلا أبا ساسان حضين بن المنذر فبالضم وضاد معجمة . ( حكيم ) كله بفتح الحاء وكسر الكاف إلا حكيم بن عبد الله ورزيق بن حكيم فبالضم وفتح الكاف . ( رباح ) كله بالموحدة إلا زياد بن رياح ، عن أبي هريرة في أشراط الساعة فبالمثناة عند الأكثرين ، وقال البخاري بالوجهين بالمثناة وبالموحدة وذكر أبو علي الجياني محمد بن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي سمع أنسا وعنه مالك رويا له ، ورياح بن عبيدة من ولد عمر بن عبد الوهاب الرياحي روى له مسلم ورياح في نسب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقيل بالموحدة .

( زبيد ) بضم الزاي هو ابن الحارث ليس فيهما غيره ، وأما زبيد بن الصلت فبعد الزاي ياء آخر الحروف مكررة وهو في الموطأ . ( الزبير ) بضم الزاي إلا عبد الرحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة فبالفتح وكسر الباء . ( زياد ) كله بالياء إلا أبا الزناد فبالنون .

( سالم ) كله بالألف ويقاربه سلم بن زرير بفتح الزاي وسلم بن قتيبة وسلم بن أبي الذيال وسلم بن عبد الرحمن بحذفها . ( سليم ) كله بالضم إلا ابن حبان فبالفتح . ( شريح ) كله بالمعجمة والحاء المهملة إلا ابن يونس وابن نعمان وأحمد بن سريج فبالمهملة والجيم .

( سلمة ) بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه ، وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها وفي عبد الخالق ابن سلمة وجهان . ( سليمان ) كله بالياء إلا سلمان الفارسي وابن عامر ، والأغر ، وعبد الرحمن بن سالم فبفتحها ، وأبي حازم الأشجعي وأبي رجاء مولى ابن قدامة ، وكل منهم اسمه بغير ياء ولكن ذكر بالكنية . ( سلام ) كله بالتشديد إلا عبد الرحمن بن سلام الصحابي ، ومحمد بن سلام شيخ البخاري فبالتخفيف وشدد جماعة شيخ البخاري وادعى صاحب المطالع أن الأكثر عليه وأخطأ نعم المشدد محمد بن سلام بن السكن البيكندي الصغير وهو من أقرانه ، وفي غير الصحيحين جماعة بالتخفيف أيضا .

( شيبان ) كله بالشين المعجمة ثم الياء آخر الحروف ثم الباء الموحدة ويقاربه سنان بن أبي سنان وابن ربيعة ، وأحمد بن سنان ، وسنان بن سلمة ، وأبو سنان ضرار بن مرة بالمهملة والنون . ( عباد ) كله بالفتح والتشديد إلا قيس بن عباد فبالضم والتخفيف . ( عبادة ) كله بالضم إلا محمد بن عبادة شيخ البخاري فبالفتح .

( عبدة ) كله بإسكان الباء إلا عامر بن عبدة وبجالة بن عبدة ففيهما الفتح والإسكان والفتح أشهر ، وعن بعض رواة مسلم عامر بن عبد بلا هاء ولا يصح . ( عبيد ) كله بضم العين ( عبيدة ) كله بالضم إلا السلماني ، وابن سفيان ، وابن حميد ، وعامر بن عبيدة فبالفتح وذكر الجياني عامر بن عبيدة قاضي البصرة ذكره البخاري في كتاب الأحكام . ( عقيل ) كله بالفتح إلا عقيل بن خالد الأيلي ويأتي كثيرا عن الزهري غير منسوب ، وإلا يحيى بن عقيل ، وبني عقيل للقبيلة فبالضم .

( عمارة ) كله بضم العين . ( واقد ) كله بالقاف ، ( يسرة ) بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة وهو يسرة بن صفوان شيخ البخاري ، وأما بسرة بنت صفوان فليس ذكرها في الصحيحين . ( الأنساب ) ( الأيلي ) كله بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف نسبة إلى أيلة قرية من قرى مصر ، ولا يرد شيبان بن فروخ الأبلي بضم الهمزة والموحدة شيخ مسلم لأنه لم يقع في صحيح مسلم منسوبا ، وهو نسبة إلى أبلة مدينة قديمة وهي مدينة كور دجلة وكانت المسلحة والمدينة العامرة أيام الفرس قبل أن تخط البصرة .

( البصري ) كله بالباء الموحدة المفتوحة والمكسورة نسبة إلى البصرة مثلثة الباء إلا مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، وعبد الواحد النصري ، وسالما مولى النصريين فبالنون . ( البزاز ) بزايين معجمتين محمد بن الصباح وغيره إلا خلف بن هشام البزار ، والحسن بن الصباح فآخرهما راء مهملة ذكرهما ابن الصلاح ، وأهمل يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب ، وبشر بن ثابت فآخرهما راء مهملة أيضا فالأول حدث عنه البخاري في صدقة الفطر والدعوات ، والثاني استشهد به في صلاة الجمعة . ( الثوري ) كله بالمثلثة إلا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزي بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الواو المفتوحة ، وبالزاي ذكره البخاري في كتاب الردة .

( الجريري ) بضم الجيم وفتح الراء إلا يحيى بن بشر الحريري شيخهما على ما ذكره ابن الصلاح ، ولم يعلم له المزي إلا علامة مسلم فقط فبالحاء المفتوحة ، وعد ابن الصلاح من الأول ثلاثة ثم قال : وهذا ما فيهم بالجيم المضمومة وأهمل رابعا وهو عباس ابن فروح روى له مسلم في الاستسقاء ، وخامسا وهو أبان بن ثعلب روى له مسلم أيضا . ( الحارثي ) كله بالحاء وبالمثلثة ويقاربه سعد الجاري بالجيم وبعد الراء ياء مشددة نسبة إلى الجاري مرقى السفن بساحل المدينة . ( الحزامي ) كله بالحاء والزاي وقوله في صحيح مسلم في حديث أبي اليسر كان لي على فلان الحرامى قيل : بالزاي وبالراء ، وقيل : الجذامي بالجيم والذال المعجمة .

( الحرامي ) بالمهملتين في الصحيحين جماعة منهم جابر بن عبد الله . ( السلمي ) في الأنصار بفتح اللام وحكي كسرها وفي بني سليم بضمهما وفتح اللام . ( الهمداني ) كله بإسكان الميم والدال المهملة قال الجياني أبو أحمد بن المرار بن حمويه الهمذاني بفتح الميم والذال معجمة يقال : إن البخاري حدث عنه في الشروط ( واعلم ) أن كل ما في البخاري أخبرنا محمد قال : أخبرنا عبد الله فهو ابن مقاتل المروزي ، عن ابن المبارك ، وما كان أخبرنا محمد عن أهل العراق كأبي معاوية ، وعبدة ويزيد بن هارون والفزاري فهو ابن سلام البيكندي ، وما كان فيه عبد الله غير منسوب فهو عبد الله بن محمد الجعفي المسندي مولى محمد بن إسماعيل البخاري ، وما كان أخبرنا يحيى غير منسوب فهو ابن موسى البلخي وإسحاق غير منسوب هو ابن راهويه فافهم .

( العاشرة ) قد أكثر البخاري من أحاديث وأقوال الصحابة وغيرهم بغير إسناد فإن كان بصيغة جزم كقال وروى ونحوهما فهو حكم منه بصحته ، وما كان بصيغة التمريض كروي ونحوه فليس فيه حكم بصحته ، ولكن ليس هو واهيا إذ لو كان واهيا لما أدخله في صحيحه ( فإن قلت ) قد قال : ما أدخلت في الجامع إلا ما صح يخدش فيه ذكره ما كان بصيغة التمريض قلت : معناه ما ذكرت فيه مسندا إلا ما صح ، وقال القرطبي : لا يعلق في كتابه إلا ما كان في نفسه صحيحا مسندا لكنه لم يسنده ليفرق بين ما كان على شرطه في أصل كتابه ، وبين ما ليس كذلك ، وقال الحميدي والدارقطني وجماعة من المتأخرين : إن هذا إنما يسمى تعليقا إذا كان بصيغة الجزم تشبيها بتعليق الجدار لقطع الاتصال وإنما سمي تعليقا إذا انقطع من أول إسناده واحد فأكثر ، ولا يسمى بذلك ما سقط وسط إسناده أو آخره ولا ما كان بصيغة تمريض نبه عليه ابن الصلاح . ( مقدمة ) اعلم أن لكل علم موضوعا ومبادئ ومسائل . فالموضوع ما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية .

والمبادئ هي الأشياء التي يبنى عليها العلم وهي إما تصورات أو تصديقات فالتصورات حدود أشياء تستعمل في ذلك العلم والتصديقات هي المقدمات التي منها يؤلف قياسات العلم . والمسائل هي التي يشتمل العلم عليها ، فموضوع علم الحديث هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنه رسول الله عليه الصلاة والسلام . ومبادئه هي ما تتوقف عليه المباحث وهو أحوال الحديث وصفاته .

ومسائله هي الأشياء المقصودة منه ، وقد قيل : لا فرق بين المقدمات والمبادئ ، وقيل المقدمات أعم من المبادئ لأن المبادئ ما يتوقف عليه دلائل المسائل بلا وسط والمقدمة ما تتوقف عليه المسائل والمبادئ بوسط أو لا بوسط ، وقيل : المبادئ ما يبرهن بها وهي المقدمات والمسائل ما يبرهن عليها والموضوعات ما يبرهن فيها ( قلت ) وجه الحصر أن ما لا بد للعلم أن كان مقصودا منه فهو المسائل وغير المقصود إن كان متعلق المسائل فهو الموضوع وإلا فهو المبادئ وهي حده وفائدته واستمداده ( أما ) حده فهو علم يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله . وأما فائدته فهي الفوز بسعادة الدارين . وأما استمداده فمن أقوال الرسول عليه السلام وأفعاله .

أما أقواله فهو الكلام العربي فمن لم يعرف الكلام العربي بجهاته فهو بمعزل عن هذا العلم وهي كونه حقيقة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيدا ومحذوفا ومضمرا ومنطوقا ومفهوما واقتضاء وإشارة وعبارة ودلالة وتنبيها وإيماء ونحو ذلك مع كونه على قانون العربية الذي بينه النحاة بتفاصيله وعلى قواعد استعمال العرب وهو المعبر عنه بعلم اللغة . وأما أفعاله فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها ما لم يكن طبعا أو خاصة فها نحن نشرع في المقصود بعون الملك المعبود ، ونسأله الإعانة على الاختتام متوسلا بالنبي خير الأنام وآله وصحبه الكرام .

موقع حَـدِيث