حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إطعام الطعام من الإسلام

حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا الليث ، عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزءا منه فبوب عليه . فإن قلت : لم بوب على الجزء الأول ، ولم يقل : باب إقراء السلام على من عرف ، ومن لم يعرف من الإسلام .

قلت : لا شك أن كون إطعام الطعام من الإسلام أقوى وآكد من كون إقراء السلام منه ، ولأن السلام لا يختلف بحال من الأحوال بخلاف الإطعام فإنه يختلف بحسب الأحوال ، فأدناه مستحب ، وأعلاه فرض ، وبينهما درجات أخر ، ولأن التبويب بالمقدم ، والمصدر أولى على ما لا يخفى . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو الحسن عمرو ، بفتح العين بن خالد بن فروخ ، بفتح الفاء ، وتشديد الراء المضمومة ، وفي آخره خاء معجمة ابن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد بن عبد الله الحراني ، سكن مصر ، روى عن الليث بن سعد ، وعبيد الله بن عمر ، وغيرهما ، روى عنه الحسن بن محمد الصباح ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقال : صدوق ، وقال أحمد بن عبد الله : ثبت ثقة مصري ، انفرد البخاري بالرواية عنه دون أصحاب الكتب الخمسة ، وروى ابن ماجه عن رجل عنه ، توفي بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : الليث بن سعد المصري الإمام المشهور المتفق على جلالته ، وإمامته ، ويكنى بأبي الحارث مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، وأهل بيته يقولون : نحن من الفرس من أهل أصبهان ، والمشهور أنه فهمي ، وفهم من قيس غيلان ، ولد بقلقشندة قرية على نحو أربعة فراسخ من مصر ، روى عن جماعة كثيرين ، وروى عن أبي حنيفة ، وعده أصحابنا من أصحاب أبي حنيفة ، وكذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان ، وروى عنه خلق كثير ، وقال أحمد : ثقة ثبت ، وكان سريا نبيلا ، سخيا له ضيافة ، ولد في سنة أربع وتسعين ، ومات يوم الجمعة النصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة .

الثالث : يزيد بن أبي حبيب ، واسم أبي حبيب سويد المصري ، أبو رجاء تابعي جليل سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة ، وخلقا من التابعين ، روى عنه سليمان التيمي ، وإبراهيم بن يزيد ، ويحيى بن أيوب ، وخلق كثير من أكابر مصر . قال ابن يونس : كان يفتي أهل مصر في زمانه ، وكان حليما عاقلا ، وهو أول من أظهر العلم بمصر ، والفقه ، والكلام بالحلال والحرام ، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون بالفتن والملاحم ، وكان أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الفتيا بمصر ، وعنه قال كان يزيد نوبيا من أهل دنقلة فابتاعه شريك بن الطفيل العامري فأعتقه ، ولد سنة ثلاث وخمسين ، وقال ابن سعد : مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة أيضا . الرابع : أبو الخير بالخاء المعجمة .

مرثد ، بفتح الميم ، وسكون الراء ، وفتح الثاء المثلثة أبو عبد الله اليزني المصري ، روى عن عمرو بن العاص ، وسعيد بن زيد ، وأبي أيوب الأنصاري ، وغيرهم ، توفي سنة تسعين ، روى له الجماعة . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد تقدم . ( بيان الأنساب ) الحراني نسبة إلى حران ، بفتح الحاء ، وتشديد الراء المهملتين في آخره نون بعد الألف مدينة عظيمة قديمة تعد من ديار مصر ، واليوم خراب ، وقيل : هي مولد إبراهيم الخليل ، ويوسف ، وإخوته عليهم الصلاة والسلام .

اليزني ، بفتح الياء آخر الحروف ، والزاي المعجمة ، بعدها نون نسبة إلى ذي يزن ، وهو عامر بن أسلم بن الحارث ابن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر ، وإليه تنسب الأسنة اليزنية ، وهو أول من عمل سنان حديد ، وإنما كانت أسنتهم صياصي البقر ، وقيل : يزن موضع . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ليس إلا ، ومنها أن رواته كلهم مصريون ، وهذا من الغرائب ؛ لأنه في غاية القلة ، ومنها أن رواته كلهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في باب الإيمان بعد هذا بأبواب عن قتيبة بن سعيد ، وفي الاستئذان أيضا في باب السلام للمعرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف ، كلهم قالوا : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد ، عن ابن عمرو رضي الله عنه .

وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ، وابن رمح عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير عنه . وأخرجه النسائي في الإيمان ، وأبو داود في الأدب جميعا عن قتيبة به ، وابن ماجه في الأطعمة عن محمد بن رمح به . ( بيان الإعراب ) قوله : أن رجلا لم يعرف هذا من هو ، وقيل : أبو ذر .

قوله : أي الإسلام خير مبتدأ وخبر ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : قال الضمير فيه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : تطعم في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير أن ، أي : هو أن تطعم ، فـإن مصدرية ، والتقدير ، هو إطعام الطعام ، وهذا نظير قولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، أي : أن تسمع ، أي : سماعك ، غير أن في هذا المؤول مبتدأ ، وفي الحديث المؤول خبر .

قوله : وتقرأ بفتح التاء ، وضم الهمزة ؛ لأنه مضارع قرأ . قوله : السلام بالنصب مفعوله ، وقوله : على يتعلق بقوله : تقرأ ، وكلمة من موصولة ، وعرفت جملة صلتها ، والعائد محذوف ، والتقدير : عرفته ، وقوله : ومن لم تعرف عطف على من عرفت ، وهذه الجملة نظير الجملة السابقة . ( بيان استنباط الفوائد ) منها أن فيه حثا على إطعام الطعام الذي هو أمارة الجود والسخاء ، ومكارم الأخلاق ، وفيه نفع للمحتاجين ، وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم .

ومنها أن فيه إفشاء السلام الذي يدل على خفض الجناح للمسلمين ، والتواضع ، والحث على تألف قلوبهم ، واجتماع كلمتهم ، وتواددهم ، ومحبتهم . ومنها الإشارة إلى تعميم السلام ، وهو أن لا يخص به أحدا دون أحد كما يفعله الجبابرة ؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة ، وهم متساوون في رعاية الإخوة ، ثم هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تبدءوا اليهود ، ولا النصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه . رواه البخاري ، وكذلك خص منه الفاسق بدليل آخر ، وأما من يشك فيه فالأصل فيه البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص ، ويمكن أن يقال : إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ، ثم ورد النهي .

( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم قال : تطعم الطعام ، ولم يقل : تؤكل ونحوه من الألفاظ الدالة عليه ، وأجيب بأن لفظة : الإطعام عام يتناول الأكل والشرب ، والذوق . قال الشاعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا فإنه عطف البرد الذي هو النوم على النقاخ ، بضم النون ، وبالقاف والخاء المعجمة ، الذي هو الماء العذب ، وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي : ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، وبعمومه يتناول الضيافة ، وسائر الولائم ، وإطعام الفقراء وغيرهم ، ومنها ما قيل : إن باب أطعمت يقتضي مفعولين ، يقال : أطعمته الطعام ، فما المفعول الثاني هنا ، ولم حذفه ، وأجيب بأن التقدير أن تطعم الخلق الطعام ، وحذف ليدل على التعميم إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد ، سواء كان المطعم مسلما أو كافرا أو حيوانا ، ونفس الإطعام أيضا سواء كان فرضا أو سنة أو مستحبا . ومنها ما قيل : لم قال : وتقرأ السلام ، ولم يقل : وتسلم .

أجيب بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن بالسلام . قال أبو حاتم السجستاني : تقول : اقرأ عليه السلام ، وأقرئه الكتاب ، ولا تقول : أقرئوه السلام إلا في لغة إلا أن يكون مكتوبا ، فتقول : أقرئه السلام ، أي : اجعله يقرؤه ، وفيه إشارة أيضا إلى أن تحية المسلمين بلفظ السلام ، وزيدت لفظة القراءة تنبيها على تخصيص هذه اللفظة في التحيات مخالفة لتحايا أهل الجاهلية بألفاظ ، وضعوها لذلك . ومنها ما قيل : لم خص هاتين الخصلتين في هذا الحديث ؟ وأجيب بأن المكارم لها نوعان : أحدهما : مالية ، أشار إليها بقوله : تطعم الطعام ، والآخر : بدنية ، أشار إليها بقوله : وتقرأ السلام .

ويقال : وجه تخصيص هاتين الخصلتين وهو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد ، ولمصلحة التأليف ، ويدل على ذلك أنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث عليهما أول ما دخل المدينة . كما رواه الترمذي مصححا من حديث عبد الله بن سلام ، قال : أول ما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فكنت ممن جاءه ، فلما تأملت وجهه ، واشتبهته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب . قال : وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال : أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام .

وقال الخطابي : جعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان ، ثم جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص من عرف ومن لم يعرف حتى يكون خالصا لله تعالى ، بريئا من حظ النفس ، والتصنع ؛ لأنه شعار الإسلام ، فحق كل مسلم فيه شائع . ورد في حديث : إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون . ومنها ما قيل : جاء في الجواب هاهنا أن الخير أن تطعم الطعام ، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون فما وجه التوفيق بينهما ، أجيب بأن الجوابين كانا في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس ، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ، ولسانه ، وإيذاء المسلمين ، ومن الثاني : إمساك من الطعام ، وتكبر فأجابهما على حسب حالهما ، أو علم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك ، والثاني عن خير الأفعال ، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار ، والثاني عما يجلب المسار ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد ، والسلام لسلامة اللسان .

قلت : ينبغي أن يقيد هذا بالغالب أو في العادة فافهم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث