باب الحياء من الإيمان
حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار ، وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن الحياء من الإيمان . الحديث مطابق للترجمة ؛ لأنه أخذ جزأ منه فبوب عليه كما هو عادته . بيان رجاله ، وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي نزيل دمشق ، وقد ذكره .
الثاني : الإمام مالك بن أنس . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال ، وقال ابن المسيب كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله ، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر رضي الله عنه .
وقال مالك : لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه ، كان يلبس الثوب بدرهمين . وقال ابن راهويه : أصح الأسانيد كلها الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم ، وكان يقبله ، ويقول : ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخا ، مات بالمدينة سنة ست ومائة ، وقيل : خمس ، وقيل : ثمان ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك ، وله إخوة : عبد الله ، وعاصم ، وحمزة ، وبلال ، وواقد ، وزيد . وكان عبد الله وصى أبيهم فيهم ، روى عنه منهم أربعة : عبد الله ، وسالم ، وحمزة ، وبلال .
الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله .
ومنها أن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة . ومنها أن في رواية الأكثرين : أخبرنا مالك . وفي رواية الأصيلي : حدثنا مالك بن أنس .
وفي رواية كريمة : مالك بن أنس . والحديث في الموطأ . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن عبد الله ، عن مالك .
وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري ، وأخرجه مسلم هنا أيضا عن الناقدي ، وزهير عن سفيان ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، ولم يقع لمسلم لفظة : دعه ، وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) . قوله : مر علي رجل ، يقال : مر عليه ، ومر به ، بمعنى واحد ، أي : اجتاز ، وفي ( العباب ) مر عليه ، وبه يمر مرا ، أي : اجتاز ، وبنو يربوع يقولون : مر علينا بكسر الميم ، ومر يمر مرا ومرورا وممرا ، أي : ذهب ، والممر موضع المرور أيضا ، والأنصار جمع الناصر ، كالأصحاب جمع الصاحب ، أو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف .
قوله : يعظ أخاه ، أي : ينصح أخاه من الوعظ ، وهو النصح والتذكير بالعواقب ، وقال ابن فارس هو التخويف والإنذار . وقال الخليل بن أحمد : هو التذكير بالخير فيما يرق القلب ، وفي ( العباب ) الوعظ ، والعظة والموعظة مصادر . قولك : وعظته عظة .
قوله : دعه ، أي : اتركه ، وهو أمر لا ماضي له ، قالوا : أماتوا ماضي يدع ويذر . قلت : استعمل ماضي دع ، ومنه قراءة من قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف ، فعلى هذا هو أمر من ودع يدع ، وأصل يدع يودع حذفت الواو فصار يدع ، والأمر دع ، وفي ( العباب ) قولهم : دع ذا ، أي : اتركه ، وأصله : ودع يدع ، وقد أميت ماضيه ، لا يقال : ودعه إنما يقال : تركه ، ولا وادع ، ولكن تارك ، وربما جاء في ضرورة الشعر ، ودعه فهو مودوع على أصله .
قال أنس بن زنينم . ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الوعد حتى ودعه ثم قال الصغاني : وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : قرأ : ما ودعك ربك . بالتخفيف أعني بتخفيف الدال ، وكذلك قرأ بهذه القراءة عروة ، ومقاتل ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة ، ويزيد النحوي رحمهم الله تعالى .
( بيان الإعراب ) : قوله : مر علي رجل جملة في محل الرفع ؛ لأنها وقعت خبرا ؛ لأن قوله : من الأنصار صفة لرجل ، والألف واللام فيه للعهد ، أي : أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آووا ونصروا من أهل المدينة رضي الله عنهم . قوله : وهو يعظ أخاه جملة اسمية محلها النصب على الحال . قوله : في الحياء يتعلق بقوله : يعظ .
قوله : ودعه جملة من الفعل والفاعل والمفعول ؛ لأنها وقعت مقول القول . قوله : فإن الحياء الفاء فيه للتعليل . ( بيان المعاني والبيان ) : قوله : وهو يعظ أخاه يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرجل الذي وعظ أخا للواعظ في الإسلام على ما هو عرف الشرع ، فعلى هذا يكون مجازا لغويا أو حقيقة عرفية ، والآخر وهو الظاهر أن يكون أخاه في القرابة والنسب ، فعلى هذا هو حقيقة .
قوله : في الحياء فيه حذف ، أي : في شأن الحياء ، وفي حقه ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه ، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن وعظه ، فقال : دعه ، أي : اتركه على حيائه ؛ فإن الحياء من الإيمان . وقال التيمي : الوعظ : الزجر ، يعني : يزجره عن الحياء ، ويقول له : لا تستحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يستحي ؛ فإن الحياء من الإيمان ، إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ، ويكثر مثل هذا في زماننا . وقال ابن قتيبة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، وقال بعضهم : الأولى أن نشرح ، يعني قوله : يعظ بما جاء عن المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن ابن شهاب ، ولفظه يعاتب أخاه في الحياء ، يقول : إنك لتستحيي حتى كأنه يقول : قد أضربك ، انتهى .
قلت : هذا بعيد من حيث اللغة فإن معنى الوعظ الزجر ، ومعنى العتب الوجد ، وفي ( العباب ) عتبه عليه إذا وجد يعتب عليه ، ويعتب عتبا ومعتبا على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ، ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر غاية ما في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء ، وعاتبه عليه ، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة ، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء ، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فوعظه أخوه على مباشرة الحياء ، وعاتبه على ذلك ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : دعه ، أي : اتركه على هذا الخلق الحسن ؛ لأن الحياء خير له في ذلك بل في كل الأوقات ، وكل الحالات يدل على ذلك ما جاء في الرواية الأخرى : الحياء لا يأتي إلا بخير ، وفي رواية أخرى : الحياء خير كله . فإن قلت : ما وجه التأكيد بأن في قوله : فإن الحياء من الإيمان ، وإنما يؤكد بأن ونحوها إذا كان المخاطب منكرا أو شاكا . قلت : الظاهر أن المخاطب كان شاكا بل كان منكرا له ؛ لأنه منعه من ذلك ، فلو كان معترفا بأنه من الإيمان لما منعه من ذلك ، ولئن سلمنا أنه لم يكن منكرا لكنه جعل كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه ، ويجوز أن يكون هذا من باب التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب ، ويجوز أن يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ، ويؤكد عليها ، وإن لم يكن ثمة إنكار أو شك من أحد فافهم .
وقال بعضهم : والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان فلهذا وقع التأكيد . قلت : هذا كلام من لم يذق شيئا ما من علم المعاني ، فإن الخطاب لمثل هذا الناهي الذي ذكره لا يحتاج إلى تأكيد ؛ لأنه ليس بمنكر ولا متردد ، وإنما هو خالي الذهن ، وهو لا يحتاج إلى التأكيد فإنه كما يسمع الكلام ينتقش في ذهنه على ما عرف في كتب المعاني والبيان . فإن قلت : ما معنى الحياء ؟ قلت : قد فسرته فيما مضى عند قوله : والحياء شعبة من الإيمان ، وقال التيمي : الحياء : الاستحياء ، وهو ترك الشيء لدهشة تلحقك عنده .
قال تعالى : ويستحيون نساءكم ، أي : يتركون . قال : وأظن أن الحياة منه ؛ لأنه البقاء من الشخص ، وقال الكرماني : ليس هو ترك الشيء ، بل هو دهشة تكون سببا لترك الشيء . قلت : التحقيق أن الحياء تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم ، وليس هو بدهشة ، ولا ترك الشيء ، وإنما ترك الشيء من لوازمه .
فإن قلت : يمنع ما قلت إسناده إلى الله تعالى في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قلت : هذا من باب المشاكلة ، وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، فلما قال المنافقون : أما يستحي رب محمد يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه ؟ أجيبوا بأن الله لا يستحي ، والمراد لا يترك ضرب المثل بهذه الأشياء ، فأطلق عليه الاستحياء على سبيل المشاكلة كما في قوله : فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ومن هذا القبيل قوله عليه السلام : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ، وهذا جار على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية شبه ترك الله تعالى تخييب العبد ، ورد يديه صفرا بترك الكريم رد المحتاج حياء ، فقيل : ترك الله رد المحتاج حياء ، كما قيل : ترك الكريم رد المحتاج حياء ، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء هاهنا ، فلذلك استعير ترك المستحيي لترك ضرب المثل ، ثم نفي عنه . فإن قلت : ما معنى من في قوله : من الإيمان . قلت : معناه التبعيض ، والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث السالف : الحياء شعبة من الإيمان .
فإن قلت : قد علم ذلك منه ، فما فائدة التكرار ؟ قلت : كان المقصود ثمة بيان أمور الإيمان ، وأنه من جملتها ، فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض ، وهاهنا ذكره بالقصد ، وبالذات مع فائدة مغايرة الطريق . فإن قلت : إذا كان الحياء بعض الإيمان ، فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان ، وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان ، فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عمن لم يستح ، وانتفاء الإيمان كفر . قلت : لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة لإيمان ؛ لأن المعنى فإن الحياء من مكملات الإيمان ، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة ، نعم الإشكال قائم على قول من يقول : الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ، وهذا لم يقل به المحققون كما ذكرنا فيما مضى .
قلت : من فوائده الحض على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها ، وكل ما يستحى من فعله ، والدلالة على أن النصيحة إنما تعد إذا وقعت موقعها ، والتنبيه على زجر مثل هذا الناصح .