باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى ، عن إسماعيل قال : حدثني قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن المذكور فيه : والنصح لكل مسلم ، وفي الترجمة لعامة المسلمين ومراد البخاري من الترجمة وقوع الدين على العمل فإنه سمى النصيحة دينا ، وقال ابن بطال : مقصوده الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل ، وهو ظاهر العكس لأنه لما بايعه على الإسلام شرط عليه ، والنصح لكل مسلم ، فلو دخلت في الإسلام لما استأنف له بيعة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : مسدد بن مسرهد تقدم ، الثاني يحيى بن سعيد القطان تقدم ، الثالث إسماعيل بن أبي خالد البجلي التابعي تقدم ، الرابع قيس بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة واسمه عبد عوف ، ويقال : عوف بن عبد الحارث بن الحارث بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم أدرك الجاهلية ، وجاء ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق ووالده صحابي سمع خلقا من الصحابة منهم العشرة المشهود لهم بالجنة ، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره وقيل : لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف ، وعنه جماعة من التابعين وجلالته متفق عليها ، وهو أجود الناس إسنادا كما قاله أبو داود ، ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم أبوه ودكين بن سعيد والصنابح بن الأعسر ومرداس الأسلمي رضي الله تعالى عنهم مات سنة أربع ، وقيل : سبع وثمانين ، وقيل : سنة ثمان وتسعين روى له الجماعة ، الخامس جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الأحمسي أبو عبد الله أو أبو عمر ، نزل الكوفة ثم تحول إلى قرقيسيا ، وبها توفي سنة إحدى وخمسين ، وقيل غير ذلك ، له مائة حديث اتفقا منها على ثمانية ، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بستة ، كذا في شرح قطب الدين ، وفي شرح النووي له مائتا حديث انفرد البخاري بحديث ، وقيل : بستة ، ولعل صوابه : ومسلم بستة بدل وقيل : بستة ، وقال الكرماني في شرحه لجرير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث ذكر البخاري منها تسعة ، وهذا غلط صريح ، وكان قدومه على رسول الله عليه الصلاة والسلام سنة عشر في رمضان فبايعه وأسلم ، وقيل : أسلم قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بأربعين يوما ، وكان يصلي إلى سنام البعير كانت صنمه ذراعا ، واعتزل الفتنة ، وكان يدعى يوسف هذه الأمة لحسنه ، روى عنه بنوه عبد الله ، والمنذر ، وإبراهيم ، وابن ابنه أبو زرعة هرم ، روى له الجماعة ، وروى الطبراني في ترجمته أن غلامه اشترى له فرسا بثلاثمائة فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال : إن فرسك خير من ثلاثمائة فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة ، وقال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم ، وليس في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي إلا هذا ، ومنهم جرير بن عبد الله الحميري فقط ، وقيل : ابن عبد الحميد ، ومنهم جرير بن الأرقط ، وجرير بن أوس الطائي ، وقيل : جريم ، وأبو جرير يروي حديثا عن ابن أبي ليلى عنه .
( بيان الأنساب ) البجلي في كهلان بفتح الجيم ينسب إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك ، وهو مذحج كانت عند أنمار بن أراش بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان فولده منها ، وهم عبقر ، والغوث ، وجهينة ينسبون إليها منهم جرير بن عبد الله المذكور ، قال الرشاطي : جرير بن عبد الله بن جابر ، وهو الشليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عريف بن خزيمة بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قسر ، وهو مالك بن عبقر وهو ولد بجيلة ذكره أبو عمر ، ورفع نسبه غير أنه قال في خزيمة : جزيمة وفي علي : عدي ، وكلاهما وهم وتصحيف ، وكما ذكرناهما ذكره ابن الكلبي ، وابن حبيب ، وغيرهما ، وقال ابن دريد : اشتقاق البجيلة من الغلظ ، يقال : ثوب بجيل أي غليظ ، ورجل بجال أيضا إذا كان غليظا سمينا ، وكل شيء عظمته وغلظته فقد بجلته ، الأحمسي بالحاء المهملة في بجيلة أحمس بن الغوث ، والغوث هذا ابن لبجيلة كما ذكرنا من حمس الرجل إذا شجع ، وأيضا هاج وغضب ، وهو حمس وأحمس كرجل وأرجل وفي ربيعة أيضا أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار منهم المتلمس الشاعر ، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زيد بن دوقن بن حرب بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، وبصيغة الإفراد ، والعنعنة ، ولا يخفى الفرق بين الصيغتين ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون ما خلا مسددا ، ومنها أن ثلاثة منهم وهم إسماعيل وقيس وجرير مكنون بأبي عبد الله ، ومنها أن هؤلاء الثلاثة كلهم بجليون ومنها أن الاثنين منهم إسماعيل وقيس تابعيان . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا كما ترى وأخرجه أيضا في الصلاة عن أبي موسى ، عن يحيى ، وفي الزكاة عن محمد بن عبد الله ، عن أبيه وفي البيوع عن علي ، عن سفيان ، وفي الشروط عن مسدد أيضا ، عن يحيى ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن نمير ، وأبي أسامة ، عن يحيى به ، وأخرجه الترمذي في البيعة عن محمد بن بشار عن يحيى به .
( بيان اللغات والإعراب ) قوله : بايعت من المبايعة وهو عقد العهد وهو فعل وفاعل ، ورسول الله كلام إضافي مفعوله ، قوله : على إقام الصلاة أصله إقامة الصلاة وإنما جاز حذف التاء لأن المضاف إليه عوض عنها وقد مر تفسير إقامة الصلاة ، قوله : وإيتاء الزكاة أي إعطائها ، قوله : والنصح بالجر عطف على المجرور قبله . ( بيان المعاني ) قوله : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مبايعته عليه السلام لأصحابه في أوقات بحسب الحاجة إليها من تجديد عهد أو توكيد أمر ، فلذا اختلفت ألفاظها كما سيأتي ، وأخرجا من رواية الشعبي عن جرير رضي الله عنه قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم ، ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده وزاد فيه : فكان جرير إذا اشترى وباع يقول لصاحبه : اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر ، قوله : فيما استطعت روي بضم التاء وفتحها قاله قطب الدين في ( شرحه ) ثم قال : فعلى الرفع يحتاج جرير ينطق بها أي قل فيما استطعت وهو موافق لقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا والمقصود من هذه اللفظة التنبيه على أن المراد فيما استطعت من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق كما هو المشترط في أصل التكليف ، وفي قوله : لقنني دلالة على كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الخطابي : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة للمسلمين شرطا في الذي يبايع عليه كالصلاة والزكاة ، فلذلك تراه قرنها بهما ، فإن قلت : لم اقتصر عليهما ولم يذكر الصوم وغيره ؟ قلت : قال القاضي عياض : لدخول ذلك في السمع والطاعة يعني المذكور في الرواية الأخرى التي ذكرناها الآن ، وقال غيره : إنما اقتصر عليهما لأنهما أهم أركان الدين وأظهرها وهما العبادات البدنية والمالية .