باب القراءة والعرض على المحدث
واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : آلله أمرك أن نصلي الصلوات ؟ قال : نعم . قال : فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه . أراد بالبعض هذا شيخه الحميدي ؛ فإنه احتج في جواز القراءة على المحدث في صحة النقل عنه بحديث ضمام بن ثعلبة ، فإنه قدم على النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عن الإسلام ، ثم رجع إلى قومه فأخبرهم به فأسلموا .
قوله آلله أمرك بهمزة الاستفهام في لفظة آلله ، وارتفاعه بالابتداء ، وقوله أمرك جملة خبره . قوله أن نصلي الصلاة ؛ أي بأن نصلي ، والباء مقدرة فيه ، ونصلي إما بتاء الخطاب أو بنون الجمع المصدرة على ما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله قال : نعم ؛ أي قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، الله أمرنا بأن نصلي .
قوله قال : فهذه قراءة ؛ أي قال البعض الذي احتج في القراءة على العالم بحديث ضمام هذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرماني : أي قال البعض المحتج وهو الحسن والثوري ونحوهما ، وليس كذلك ؛ فإن المراد بالبعض هو الحميدي كما ذكرنا . فإن قلت : يحتمل أن يكون هذا المحتج بعض المذكورين ؛ أعني الحسن والثوري ومالكا - قلت : لا يمنع من ذلك ، ولكن حق العبارة على هذا أن يقال : قال البعض المحتج من هؤلاء المذكورين ، لا كما يقوله الكرماني . قوله قراءة على النبي ، هكذا هو في غالب النسخ بإظهار كلمة على التي للاستعلاء ، وفي بعضها قراءة النبي ، فإن صحت تكون الإضافة فيه للمفعول ، ويقدر على فيه .
قوله فأجازوه ؛ أي قبلوا منه ، وليس المراد الإجازة المصطلحة بين أهل الحديث ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى قوم ضمام ، وجوز الكرماني أن يرجع الضمير إلى النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته ، وهذا بعيد سيما من حيث المرجع . لا يقال : إجازة قومه لا حجة فيه لأنهم كفرة ؛ لأنا نقول : المراد الإجازة بعد الإسلام ، أو كان فيهم مسلمون يومئذ . فإن قلت : قوله أخبر قومه بذلك ليس في الحديث الذي ساقه البخاري ، فكيف يحتج به ؟ قلت : إن لم يقع في هذا الطريق فقد وقع في طريق آخر ذكره أحمد وغيره من طريق ابن إسحاق قال : حدثني محمد بن الوليد عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة - فذكر الحديث بطوله ، وفي آخره أن ضماما قال لقومه عندما رجع إليهم : إن الله قد بعث رسولا وأنزل الله عليه كتابا ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه ! قال : فوالله ، ما أمسى في ذلك اليوم وفي حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلما .
واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون : أشهدنا فلان . ويقرأ ذلك قراءة عليهم ، ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ : أقرأني فلان . أراد بالصك المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر ، قال الجوهري : الصك الكتاب ، وهو فارسي معرب ، والجمع صكاك وصكوك ، وفي العباب : وهو بالفارسية صك ، والجمع أصك وصكاك وصكوك ، وليلة الصك ليلة البراءة وهي ليلة النصف من شعبان ؛ لأنه يكتب فيها من صكاك الأوراق .
قوله يقرأ بضم الياء فيه ، وكذلك في ويقرأ الثاني . قوله فلان منون ، وفي بعضها بعد فلان ، وإنما ذلك قراءة عليهم . وقال ابن بطال : وهذه حجة قاطعة ؛ لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار .
وأما قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن فرواه الخطيب في الكتابة من طريق ابن وهب قال : سمعت مالكا وسئل عن الكتب التي تعرض عليه أيقول الرجل حدثني ؟ قال : نعم ، كذلك القرآن ؛ أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول أقرأني فلان ؟ فكذلك إذا قرئ على العالم صح أن يروى عنه . وروى الحاكم في علوم الحديث عن طريق مطرف قال : صحبت مالكا سبع عشرة سنة ، فما رأيت قرأ الموطأ على أحد ، بل يقرؤون عليه . قال : وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ ، ويقول : كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن والقرآن أعظم ؟