باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا
حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى بن سعيد قال : حدثنا شعبة قال : حدثني أبو التياح ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا . هذا الحديث للترجمة الثانية كما ذكرناه . بيان رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن بشار - بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة - ابن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري ، كنيته أبو بكر ، ولقبه بندار - واشتهر به لأنه كان بندارا في الحديث ؛ جمع حديث بلده ، وبندار - بضم الباء الموحدة وسكون النون وبالدال المهملة وبالراء - الحافظ ، وقال أحمد : كتبت عنه نحوا من خمسين ألف حديث .
روى عنه الستة وإبراهيم الحربي ، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ، وعبد الله بن محمد البغوي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وعنه قال : كتب عني خمسة قرون ، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة . وقال : ولدت سنة سبع وستين ومائة . وقال البخاري : مات في رجب سنة اثنتين وخمسين - يعني ومائتين .
الثاني : يحيى بن سعيد القطان الأحول . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : أبو التياح - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة ، واسمه يزيد بن حميد - بالتصغير - الضبعي من أنفسهم ، سمع أنسا وعمران بن حصين من الصحابة وخلقا من التابعين ومن بعدهم ، قال أحمد : هو ثقة ثبت .
وقال علي بن المديني : هو معروف ثقة . مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أنس بن مالك .
بيان الأنساب : العبدي نسبة إلى عبد بن نصر بن كلاب بن مرة في قريش ، وفي ربيعة بن نزار عبد القيس بن أفصى ، وفي تميم عبد الله بن دارم ، وفي خولان عبد الله بن جبار ، وفي همدان عبد بن غيلان بن أرحب . الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة ، نسبة إلى ضبيعة بن زيد بن مالك في الأنصار ، وفي ربيعة بن نزار ضبيعة بن ربيعة بن نزار ، وفي بني ثعلبة ضبيعة بن قيس . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أنهم أئمة أجلاء .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن آدم عن شعبة به . ورواه مسلم في المغازي عن عبد الله بن معاذ عن أبيه ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد بن سعيد ، وعن محمد بن الوليد عن غندر - كلهم عن شعبة به ، فوقع للبخاري عاليا رباعيا من طريق آدم ، وآدم ممن انفرد به البخاري عن مسلم . وأخرجه النسائي في العلم عن بندار به .
بيان اللغات : قوله يسروا أمر من يسر ييسر تيسيرا ، من اليسر وهو نقيض العسر . قوله ولا تعسروا من عسر تعسيرا ، يقال عسرت الغريم أعسره عسرا إذا طلبت منه الدين على عسرته . وقال ابن طريف : هذا مما جاء على فعل وأفعل ، كعسرتك عسرا وأعسرتك إذا طلبت منك الدين على عسرة ، وعسر الشيء وعسر - بضم السين وكسرها - عسرا وعسارة ، وعسر الرجل قل سماحه وضاق خلقه ، وأعسر الرجل افتقر ، وفي العباب : قد عسر الأمر - بالضم - عسرا فهو عسر وعسير ، وعسر عليه الأمر - بالكسر - يعسر عسرا - بالتحريك - أي التاث ، فهو عسر .
ويقال : عسرت الناقة بذنبها تعسر عسرا وعسرانا - مثال ضرب يضرب ضربا وضربانا - إذا شالت به ، وعسرت المرأة إذا عسر ولادها ، وعسرني فلان إذا جاء على يساري . والمعسور ضد الميسور ، والمعسرة ضد الميسرة ؛ وهما مصدران ، وقال سيبويه : هما صفتان . والعسرى نقيض اليسرى .
قوله وبشروا من البشارة وهي الإخبار بالخير ، وهي نقيض النذارة وهي الإخبار بالشر ، يقال : بشرت الرجل أبشره - بالضم - بشرا وبشورا ، من البشرة ، وكذلك الإبشار والتبشير ، يقال : أبشر وبشر ، قال الله تعالى : وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ - ثلاث لغات في القرآن : أبشر ، وبشروا ، وبشر بالتخفيف . والاسم البشارة ، والبشارة بالكسر والضم ، تقول بشرته بمولود وأبشرتك بالخير وبشرتك . وقال الصغاني : البشارة بالكسر والضم ؛ أي حق ما يعطى على التبشير .
وقال اللحياني رحمه الله تعالى : البشارة ما بشرت من بطن الأديم . وقال ابن الأعرابي : البشارة والقشارة والخسارة إسقاط الناس ، وبشرت بكذا - بكسر الشين - أبشر أي استبشرت . قوله ولا تنفروا من نفر - بالتشديد - تنفيرا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب .
بيان الإعراب : قوله يسروا جملة من الفعل والفاعل مقول القول . قوله ولا تعسروا عطف على يسروا ، ويجوز عطف النهي على الأمر كما بالعكس ، والخلاف في عطف الخبر على الإنشاء وبالعكس كما عرف في موضعه ، وكذا الكلام في قوله بشروا ولا تنفروا . بيان المعاني : قوله يسروا أمر بالتيسير ، لا يقال الأمر بالشيء نهي عن ضده ، فما الفائدة في قوله ولا تعسروا لأنا نقول لا نسلم ذلك ، ولئن سلمنا فالغرض التصريح بما لزم ضمنا للتأكيد ، ويقال : لو اقتصر على قوله يسروا ، وهو نكرة لصدق ذلك على من يسر مرة وعسر في معظم الحالات ، فإذا قال ولا تعسروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع الوجوه ، وكذلك الجواب عن قوله ولا تنفروا ؛ لا يقال كان ينبغي أن يقتصر على قوله ولا تعسروا ولا تنفروا لعموم النكرة في سياق النفي ، لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير ولا من عدم التنفير ثبوت التيسير ، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني لأن هذا المحل يقتضي الإسهاب وكثرة الألفاظ لا الاختصار لشبهه بالوعظ ، والمعنى : وبشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله تعالى وثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته - وكذا المعنى في قوله ولا تنفروا ؛ يعني بذكر التخويف وأنواع الوعيد ، فيتألف من قرب إسلامه بترك التشديد عليهم ، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان ومن بلغ وتاب من المعاصي ؛ يتلطف بجميعهم بأنواع الطاعة قليلا قليلا كما كانت أمور الإسلام على التدريج في التكليف شيئا بعد شيء ، لأنه متى يسر على الداخل في الطاعة المريد للدخول فيها سهلت عليه وتزايد فيها غالبا ، ومتى عسر عليه أوشك أن لا يدخل فيها وإن دخل أوشك أن لا يدوم أو لا يستحملها .
وفيه الأمر للولاة بالرفق ، وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة ؛ لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور تحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدارين . بيان البديع : اعلم أن بين يسروا وبين بشروا جناس خطي ، والجناس بين اللفظين تشابههما في اللفظ ، وهذا من الجناس التام المتشابه ، وهذا باب من أنواع البديع الذي يزيد في كلام البليغ حسنا وطلاوة . فإن قلت : كان المناسب أن يقال بدل ولا تنفروا ولا تنذروا ؛ لأن الإنذار هو نقيض التبشير لا التنفير ! قلت : المقصود من الإنذار التنفير ، فصرح بما هو المقصود منه .